إذْ نَأتي في هذا الصَّباحِ إلى مَوضوعِ الإجهاضِ، وقَبلَ أن أَصْحَبَكُم إلى الكتابِ المقدَّسِ وأن نَنظُرَ نَظرةً فَاحِصَةً إلى ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ، رُبَّما يَليقُ بِنا أنْ نَفهمَ القَضِيَّةَ نَفسَها. لِذا، أريدُ أن أتحدَّثَ عن هَذا المَوضوعِ قَليلاً. وقَد يَبدو مَا سَأقولُهُ لَكُم مَقالَةً تَصْلُحُ للنَّشْرِ في الصَّحيفةِ اليَوميَّةِ لأنَّهُ يَحوي إحصائِيَّاتٍ كَثيرة، واقتباساتٍ، وأمورًا مُشابِهَةً؛ ولكِنَّهُ سَيَكونُ خَلفيَّةً تُساعِدُنا في فَهْمِ هذهِ المَسألة.
وَلِتَلخيصِ مَا يَحْدُثُ بشأنِ الإجهاضِ في أمريكا، يُمكِنُنا أن نَقولَ وَحَسْب إنَّ أمريكا أُمَّةٌ عَاكِفَةٌ بِكُلِّ عَزْمٍ [مِن خِلالِ القَانونِ والمُمارَسَةِ] على اقترافِ أَحَدِ أشكالِ القَتْلِ الجَماعِيّ. وَهَذِهِ هِيَ حَقًّا الخُلاصَة. فهذهِ الأُمَّةُ، الَّتي تَفْتَخِرُ بأنَّها تَدْعَمُ النَّظرةَ الإنسانِيَّةَ، غَارِقَةٌ في دَوَّامَةٍ مِنَ القَتْلِ والعُنْفِ تَجْعَلُ المِذابِحَ الَّتي اقتَرَفَتْها النَّازِيَّةُ تَبدو طَفيفَةً إذا مَا قُوْرِنَتْ بِها. فَهُناكَ نَحْوُ مَليونَيّ عَمليَّةِ إجهاضٍ تُجْرَى سَنَوِيًّا في أمريكا. فَثُلُثُ الأطفالِ الَّذينَ يُحْبَلُ بِهِم الآن يُقْتَلون. وفي وَسَطِ النِّساءِ المُتَزَوِّجاتِ، صَارَ عَدَدُ حَالاتِ الإجهاضِ الآنَ يَفوقُ عَدَدَ الوِلادات. فعَدَدُ الأطفالِ الَّذينَ يُقتَلونَ يَزيدُ عَن عَددِ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدون. وهُناكَ إحصائِيَّاتُ تَقولُ إنَّ هُناكَ عَمليَّةَ إجهاضٍ واحِدَة تَحدُثُ كُلَّ 15 ثَانية في أمريكا.
وَفي عَدَدٍ مِنَ المُستشفياتِ في المُدُنِ الكُبرى في أُمَّتِنا، يَزيدُ عَدَدُ حَالاتِ الإجهاضِ كَثيرًا عَن عَددِ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ أحياء. وَقَدْ تَمادَى الآباءُ والأُمَّهاتُ الَّذينَ يَستخدِمونَ وَسائِلَ تَحديدِ النَّسْلِ إذْ إنَّهُم يَقولونَ إنَّ الإجهاضَ هُوَ مُجَرَّدُ وَسيلةٍ لِمَنْعِ مَرَض. فَالحَبَلُ صَارَ يُوْصَفُ بأنَّهُ مَرَض. وَإنْ كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّ هَذا الأمرَ مُسْتَبْعَدٌ، سَأُذَكِّرُكُم بدِراسَةٍ أَجراها الدُّكتور "ويلارد كيتس" (Dr. Willard Cates) مِن "جَمعِيَّةِ أطباءِ تَنظيمِ الأُسرَة" (Planned Parenthood Physicians Association). وَعُنوانُ الدِّراسَةِ هُوَ: "الإجهاضُ كَعِلاجٍ للحَمْلِ غَيرِ المَرغوبِ فيه، المَرَضُ الجِنسِيُّ المُعْدي الثَّاني".
لِذا فإنَّ جَمعيَّةَ تَنظيمِ الأُسرةِ تَنظُرُ إلى الحَمْلِ بأنَّهُ مَرَضٌ جِنسيٌّ مُعْدٍ يَتطلَّبُ عِلاجًا مِن خِلالِ الإجهاض. وَقد افتَتَحَتْ جَمعيَّةُ تَنظيمُ الأُسرةِ نَحوَ ألفِ عِيادَةٍ تَقْتَرِفُ نَحْوَ خَمسةٍ وسَبعينَ ألفَ جَريمةِ قَتْلٍ سَنويًّا، وتَتَلَقَّى دَعمًا بِملايينِ الدُّولاراتِ مِنَ الحُكومَةِ الأمريكيَّةِ، وهَيئةِ "يونايتد واي" (United Way)، وهَيئاتٍ أُخرى مُشابِهَة.
فَأُمَّتُنا وَأُمَمٌ أخرى في العَالَمِ تَمْحُو جِيلاً كَامِلاً مِنَ البَشَرِ في عَمليَّةِ إبادَةٍ للأطفال. وَيُقَدَّرُ أنَّ هُناكَ نَحوَ خَمسة وسَبعينَ مَليونِ طِفل سَيُقتَلونَ في هذهِ السَّنةِ حَولَ العَالَم. خَمسةٌ وسَبعونَ مَليون طِفل. ورُبَّما كَانَ هَذا الرَّقْمُ مُتَحَفِّظًا. وَهُوَ رَقْمٌ يَزيدُ عن أعدادِ كُلِّ الأشخاصِ الَّذينَ مَاتُوا في كُلِّ الحُروبِ في كُلِّ تَاريخِ العَالَم.
إنَّ هَذا النَّوعُ مِنَ القَتْلِ صَادِمٌ. ولا أريدُ أن أصْدُمَكُم جدًّا، ولكنِّي أريدُ أن أُخبِرَكُم كَيفَ يَتِمُّ إجراءِ هذهِ العَمليَّة. وأرجو أَلاَّ أَجْرَحَ مَشاعِرَ أيِّ شَخص. فَعمليَّاتُ الإجهاضِ مُخيفةٌ وَغَريبَة. خِلالَ الأشهُرِ الثَّلاثةِ الأولى مِنْ فَتْرَةِ الحَمْلِ، يَتِمُّ الإجهاضُ مِن خِلالِ عَمليَّةٍ تُسَمَّى "التَّوسيع والشَّفْط" (Dilation and Suction)، وَاختِصارًا:(DNS) ، أو مِن خِلالِ عمليَّةٍ تُسَمَّى "التَّوسيع والكَشْط" (Dilation and Curettage)، وَاختِصارًا: (D&C). وهَذا يَعني بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ أنَّهُم يَستخدِمونَ أداةَ شَفْطٍ تُمَزِّقُ الجَنينَ أشلاءً وتَشفُطُ الأجزاءَ مِن خِلالِ أُنبوبٍ، أو أنَّهُم يَستخدِمونَ أداةً حَادَّةً تُقَطِّعُ الجَنينَ إلى أجزاءٍ، ثُمَّ غَالِبًا مَا يَستخدِمونَ مِلْقَطًا لِسَحْقِ الرَّأسِ وَتَقليصِ حَجمِه. وَهَذا قَد يُؤدِّي، بِكُلِّ تأكيدٍ، إلى تَمْزيقِ الرَّحِمِ، أو فَتْقِ الرَّحِمِ، أوِ العُقْمِ، أو أُمورٍ أخرى مُشابِهَة.
أمَّا في الثُّلْثِ الثَّاني مِنْ فَترةِ الحَمْلِ فإنَّهُمْ يَثْقُبونَ المَلاذَ الآمِنَ للطِّفْلِ [والَّذي يُسَمَّى "الكَيس السَّلَوِيّ"] بِواسِطَةِ إبْرةٍ ويَسْحَبُونَ مِنْهُ السَّائِل السَّلَوِيّ، ثُمَّ يَضَعونَ مَحلولاً مِلْحِيًّا كَثيفًا يَحْرِقُ الجَنينَ حَيًّا. وخِلالَ فَترةٍ تَتراوَحُ بينَ 24 سَاعة و72 سَاعة، يَطْرَحُ جِسْمُ الأُمِّ الجَنينَ المَيَّت.
أمَّا في الثُّلْثِ الثَّالِثِ مِنْ فَترةِ الحَمْلِ فإنَّهُم يَلْجَأونَ إلى بَضْعِ الرَّحِم. وَقَد يَستخدِمونَ أحيانًا "بروستاغلاندينز" (prostaglandins)؛ وَهُوَ دَواءٌ يُحَرِّضُ على الوِلادَةِ مِن خِلالِ حَفْزِ الرَّحِمِ على الوِلادَة. وقد تُؤدِّي هَاتينِ الطَّريقَتَيْنِ أحيانًا إلى وِلادةِ الجَنينِ حَيًّا؛ ولكِنَّهُم يَترُكونَهُ ليموتَ أو حَتَّى يَقتُلونَه.
وَهُناكَ طَريقةٌ جَديدةٌ اقتَرَحَها "الاتِّحادُ القَومِيُّ للإجهاض" (National Abortion Federation) في اجتِماعاتِهِ الأخيرَةِ وَفي وَرْشَةِ عَمَل. وَهِيَ تَقْضي بِإحْداثِ ثُقْبٍ في رَأسِ الطِّفْلِ وتَفريغِ مُحتوياتِ رَأسِه. وَقدِ اقتَرَحَ أحدُ أطِبَّاءِ الإجهاضِ في ذلكَ الاجتماعِ بأنَّهُ يُمْكِنُ قِياسُ طُوْلِ سَاقَيِّ الطِّفْلِ واستِخدام ذلكَ لِتَحديدِ كُلْفَةِ عَمليَّةِ الإجهاض.
وَقد يَبدو ذلكَ بِدائِيًّا. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لا يَنسَجِمُ مَعَ مُجتمعٍ مُتَقَدِّمٍ كَمُجتَمَعِنا! وَحَتَّى إنَّ العَمليَّاتِ القَيصريَّةَ تُستخدَمُ لإجراءِ الإجهاضِ في الثُّلْثِ الأخيرِ مِن فَترةِ الحَمْل. وَأذكُرُ أنِّي قَرأتُ عَن حَالَةٍ في مَدينةِ نيويورك حَصَلْ فِيها حَمْلٌ لِطِفْلَيْنِ تَوْأَمَيْنِ في الرَّحِمِ وَكانَا على قَيْدِ الحَياة. ولكِنَّهُما كَانَا مُصابَيْنِ بِمُتلازِمَةِ داون (Down Syndrome). وَقد تَمَّ قَتلُهُما عَنْ طَريقِ ثَقْبِ قَلْبَيْهِما مُباشَرةً. وهُناكَ مِئاتُ حَالاتِ الإجهاضِ الَّتي يُولَدُ فيها الأطفالُ في الثُّلْثِ الأخيرِ مِنْ فَتْرَةِ الحَمْلِ أحياءً، ثُمَّ يُسْتَخْدَمونَ لإجراءِ الأبحاثِ الطِّبيَّة.
وَقد دَخَلَتْ مَصْلَحَةُ الضَّرائِبِ في هَذِهِ المَعركةِ كَما تَفعلُ دَائِمًا لكي تَرى كيفَ سَيُؤثِّرُ هَذا كُلُّهُ في ضَرائِبِنا. وقد أَصْدَرَتْ قَرارًا مُعَدَّلاً يَحْمِلُ الرَّقْم 73 (تَحْتَ فِقْرَةٍ مُعَيَّنة) يَقْضي بأنَّهُ يَحِقُّ للأبَوَيْنِ أنْ يَحْصُلا على إعفاءِ ضَريبيٍّ إنْ حَاولا أنْ يُجْرِيا عَمليَّةَ إجهاضٍ ولكِنَّ طِفلَهُما عَاشَ أيَّةَ فَترة. ولا أدري كيفَ يُمْكِنُ احتِسابُ طِفْلٍ تَعَرَّضَ لمُحاولةِ إجهاضٍ ابنًا مُعَالاً إنْ عَاشَ، وَلا يُمْكِنُ احتسابُ طِفْلٍ إنْ مَات! مَا هذهِ المُعضِلَة؟
وأعتقدُ أنَّها نَفسُ المُعضلةِ الَّتي تَعَرَّضَت لها شُرطةُ "فان نايس" (Van Nuys) قبلَ وقتٍ ليسَ بالطَّويل عندما وَضَعَتِ امرأةٌ في "فان نايس" طِفلَها في الحَمَّامِ وَذَبَحَتْهُ بِشَفْرَة. فلو أنَّها قَتَلَتِ الطِّفْلَ قَبلَ أن يُولَدَ لَما كانَت هُناكَ مُشكلة. أمَّا لأنَّها قَتَلَتْهُ بِشَفرةٍ بَعدَ وِلادَتِهِ فَقد حُكِمَ عَليها بالسِّجْنِ إحدى عَشْرَةَ سَنَة!
هَذا هُوَ غَباءُ النَّزعَةِ الإنسانيَّة. فباستِطاعَةِ فَتاةٍ لا يَزيدُ عُمرُها عَن 15 سَنة أنْ تَخْضَعَ لِعمليَّةِ إجهاضٍ مِن دُونِ عَلْمِ أَبَوَيْها أو مُوافَقَتِهما. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ القَانونَ بِصورةٍ عَامَّةٍ يُريدُ أن يَقولَ إنَّ الأبَوَيْنِ هُمَا عَدُوَّا حُريَّةِ الأبناء. وَحَتَّى إنَّ مُوافَقَةَ الزَّوجِ غَير دُستوريَّة.
وَتُستخدَمُ الأجِنَّةُ في المَجالاتِ الصِّناعِيَّةِ والتِّجاريَّةِ والمُخْتَبَرِيَّة. وَقد ذَكَرَتْ مَجَلَّةُ عِلْمِ الأمراضِ السَّريريِّ (The Journal of Clinical Pathology) أنَّهُ تَمَّ تَلقيحُ أعضاءِ أَجِنَّةٍ في فِئرانٍ وَجُرذانٍ لرؤيةِ كَمْ سَتَعيش، هَذا عَدا عَنِ اختباراتٍ مُرْعِبَةٍ أخرى لَن أتحدَّثَ عَنها في اجتِماعٍ عَامٍّ. وَتَدفَعُ شَرِكَة "سكويب" (Squibb) مِئات الآلافِ مِنَ الدُّولاراتِ إلى الأطبَّاءِ في سَبيلِ إجراءِ اختباراتٍ على الأجِنَّةِ واستخدامِهم في أبحاثٍ مُختصَّةٍ بأدويةِ ضَغطِ الدَّمِ المُرتَفِع. وَهذا يَحدُثُ بِسُرعةٍ كَبيرة.
وَقد شَاهَدْتُ شَيئًا عَن ذلك ذَاتَ لَيلةٍ على شَاشةِ التِّلِفزيون. فقد قَدَّمَتِ الحُكومةُ الأمريكيَّةُ دَعْمًا لإجراءِ تَجارِبَ على أطفالٍ أحياء تَمَّ إجهاضُهم. وَقد تَمَّ التَّخَلُّصُ مِن عَدَدٍ مِنهُم. وَقد كَتَبَ الدُّكتور "ج. دومينغويز" (J. Dominguez) مِن مَدينةٍ نيويورك: "في أيِّ يَوم اثنَيْن، يُمكِنُكَ أن تَرى سَبعينَ كِيس نُفاياتٍ تَحوي مَوادَّ مُختصَّة بالأجِنَّة على طُولِ أرصِفَةِ عِياداتِ الإجهاضِ في مَدينةِ نيويورك".
لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ عَن مُشكلةٍ مُستفحِلَةٍ جدًّا جدًّا. فبمِقدورِكَ الآنَ أن تَفعلَ بِطِفْلٍ مُعاقٍ مَا لا تَقدِرُ أن تَفعلَهُ بِكَلبٍ أو قِطَّة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هُناكَ قَضِيَّة حَديثَة في كَاليفورنيا باسم "قَضِيَّة كورلاندر ضِدَّ مُختبرات بيو سيانس الطِّبيَّة" (Curlander versus Bio Science Labs) حيثُ صَارَ بِمَقدورِ الأبناءِ أن يُقاضُوا أبَوَيْهِم على حَياتِهم غَير الشَّرعيَّة، أو لأنَّهُم تَرَكُوهُم يَعيشونَ ورَفَضُوا أن يُجهِضوهُم. وَقد تَمَّ نَشْرُ ذلكَ في نَشرة الكُليَّة الأمريكيَّة لأطبَّاءِ الأمراضِ النِّسائيَّةِ والتَّوليد (American College of OBGYN).
بِعبارةٍ أخرى، إنْ لم يُجْهِضْكَ أبَواكَ، وَعِشْتَ وَعانَيْتَ مَشاكِلَ عَويصَة، يُمكِنُكَ أن تُقاضِيهِما لأنَّهُما تَرَكاكَ تَعيش. ولكِنْ هُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأكياسِ الَّتي تَحوي أطفالاً ويَتِمُّ العُثورُ عليها في مَطاحِنِ القُمامَة كَما نَعلَمُ جَميعًا. مِن جَانِبٍ آخر، تَمَّ العُثورُ على نَسْرٍ أمريكيٍّ جَريحٍ مُؤخَّرًا في ماريلاند (Maryland) فَتَمَّ نَقْلُهُ عَلى جَناحِ السُّرعةِ لِتَلَقِّي عِلاجٍ طَارِئ؛ ولكنَّ النَّسْرَ مَات. وَقد تَمَّ الإعلانُ عن جَائِزَةٍ قَدرُها خَمسة آلاف دُولار لِمَنْ يُدلي بِمَعلوماتٍ تُساعِدُ في القَبضِ على الجَاني.
كَما أنَّ القَانونَ لا يَسْمَحُ بِشَحْنِ السَّلْطَعونِ البَحريِّ إنْ كَانَ في فَترةِ الحَمْل. وَهُناكَ غَرامَة قَدرُها ألفُ دُولار. وفي وِلاية "ماساتشوستس" (Massachusetts)، هُناكَ قَانونٌ خَاصٌّ بالرِّفْقِ بالحَيَواناتِ يَحْظُرُ تَقديمَ سَمَكَةٍ ذَهبيَّةٍ ("غولدفيش" – "goldfish") جَائِزَة. لماذا؟ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ القَانون: "مِن أجلِ حِمايَةِ أيَّة مُيول لِتَخديرِ المَشاعِرِ الإنسانيَّةِ وإفسادِ أخلاقيَّاتِ الأشخاصِ الَّذينَ يُسيئونَ استِخدامَها".
ولكِنَّ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ أن يُنقِذوا الأسماكَ الذَّهبيَّةَ هُمُ الَّذينَ يَقودونَ المَسيرةَ عَادَةً لِقَتْلِ الأطفال. وَقد أدَّى ذلكَ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، إلى تَأسيسِ تِجارَةٍ بِمِلياراتِ الدُّولارات. وَقد صَارَ الأمرُ تِجارَةً بَحْتَةً إذْ إنَّ أُناسًا كَثيرينَ يَجْنُونَ المَالَ مِنها. وَقد تَحَدَّثْتُ إلى مُتَخَصِّصٍ في الإجهاضِ كَانَ يَأتي إلى كَنيسَتِنا قبلَ سَنواتٍ وقَدَّمْتُ لَهُ الإنجيل. وَقدِ التقينا بِضْعَ مَرَّاتٍ مَعًا. وقد كَانَ يَفهَمُ تَمامًا مَا هُوَ الإنجيل. ولا أدري مَا هِيَ حَالَتُهُ الرُّوحيَّةُ في هذا الوقتِ، ولكنِّي أَذْكُرُ الأيَّامَ الَّتي تَحدَّثتُ فيها مَعَهُ وقالَ لي إنَّهُ أَجْرَى هُوَ شَخصيًّا عَمليَّاتِ إجهاضٍ بِقيمة تِسعة مَلايين دُولار في سَنَةٍ واحِدَة في عِيادَتِه الخَاصَّة. نَحنُ نَتحدَّثُ عَن طَبيبٍ واحِدٍ فقط! وَلكِنَّ هَذهِ التِّجارَةَ لا تَقْتَصِرُ على عَمليَّاتِ الإجهاضِ في ذاتِها، بَلْ تَتَخَطَّاهَا إلى إنتاجِ كُلِّ مَا يَلْزَمُ الإجهاضَ مِن مَوادَّ وأشياءَ تَختصُّ بالأجِنَّة. وَهِيَ تُستخدَمُ في شَتَّى المَجالاتِ وَتُباع. فَهِيَ صِناعَةٌ كَبيرةٌ جدًّا.
وَالأمرُ يَزدادُ غَرابَةً. وَلا حَاجَةَ إلى التَّعَمُّقِ في ذلك. ولكِنَّ صِناعَةَ الإجهاضِ بِرُمَّتِها مُخيفَة، ومُذهِلَة. وَلكِنْ كيفَ تَسْمَحُ أُمَّةٌ مُتَحَضِّرَةٌ كَأُمَّتِنا بِذلك؟ هَذا إنْ كُنَّا مُتَحَضِّرينَ أصلاً! فَمَعَ أنَّنا نَمْلِكُ تِكنولوجيا مُتقدِّمة فإنَّنا لَسنا مُتَحَضِّرين! فَحَقيقةُ أنَّنا نَسمَحُ بِذلكَ هُوَ أمْرٌ لا يُصَدَّقْ إلاَّ إذا تَذَكَّرْنا الحَالَةَ السَّاقِطَةَ والبَائِسَةَ والخَاطِئَةَ للقَلبِ البَشريِّ.
وَفي بُلدان أُخرى في العَالَم، مَا زَالَ النَّاسُ يُعانُونَ الوَيلاتِ بسببِ تَأثيرِ ذلك. وَسوفَ أَذكُرُ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا واحِدًا. فَقد تَمادَتِ اليَابانُ كَثيرًا في مُمارَسَةِ الإجهاضِ سَنواتٍ عَديدة. وفي اليَابان، هُناكَ صَدمَةٌ كَبيرةٌ عِندَ السَّيِّداتِ اليَابانِيَّاتِ لأنَّهُ تَمَّ إجراءُ مَلايينِ وَمَلايينِ عَمليَّاتِ الإجهاضِ هُناك. فَفي السَّنواتِ الأربعينَ المَاضية في اليابان، تَمَّ إجراءُ نَحوِ خَمسينَ مَليون عَمليَّة إجهاض مَعروفَة. وَقد تَعَرَّضَتِ النِّساءُ للصَّدْمَةِ بسببِ عَمليَّاتِ الإجهاضِ تِلكَ في حَياتِهِنَّ العَاطِفيَّة. لِذا فقد أَقَامَ البُوذِيُّونَ مَعابِدَ للتَّعامُلِ بِصورةٍ خَاصَّةٍ مَعَ قَضيَّةِ الإجهاض.
وَهَذِهِ مَعابِدُ تُخَلِّدُ ذِكْرَى مَا يُسَمَّى "بأطفالِ المَاء". وَهُوَ تَعبيرٌ يُشيرُ إلى أطفالِ الإجهاض. فَهُمْ يُسَمُّونَهُ "طِفْل المَاء؛ أيِ الطِّفْل الَّذي مَاتَ بسببِ الإجهاض. فَمِنْ أجْلِ إراحَةِ نُفوسِ الأطفالِ الأمواتِ، تَأتي الأُمَّهاتُ إلى تِلكَ المَعابِدِ بَعْدَ أنْ أَدْرَكْنَ فَداحَةَ الخَطِيَّةِ الَّتي اقْتَرَفْنَها. وعلى أقَلِّ تَقدير، إنَّهُنَّ يَفْتَرِضْنَ أنَّ هَذا صَحيحٌ مِن دُونِ إعلانٍ كِتابِيٍّ؛ أيْ أنَّ هَؤلاءِ الأطفال الصِّغارِ الَّذينَ أُجْهِضُوا لَهُم نَفْس، وَأنَّهُ يَنبَغي لَهُنَّ أن يَفْعَلْنَ شَيئًا مَا لِنُفوسِهم الرَّاحِلَة. لِذا فقد أَقامَ البُوذِيُّونَ في تِلكَ الدِّيانَةِ مَعابِدَ لإراحَةِ نُفوسِ هؤلاءِ الأطفالِ الَّذينَ تَمَّ إجهاضُهُم مِنْ قِبَلِ أُمَّهاتِهِم التَّائِبات.
وَمُقابِلَ مَبلَغٍ يَتراوَحُ بينَ 340 دولارًا و640 دولارًا، تَستطيعُ الأُمُّ الحَزينَةُ أن تَشتَري تِمثالاً حَجَرِيًّا صَغيرًا لِبُوذا. وَشِراءُ هَذا التِّمثالِ الصَّغيرِ لِبُوذا لا يُنْعِشُ هَذِهِ التِّجارَةَ وَحَسْب، بَلْ يُريحُ نَفْسَ الأُمَّهاتِ الحَزانَى، ويَبدو أنَّهُ يَفعلُ شَيئًا مَا لِنُفوسِ هؤلاءِ الأطفالِ الأموات. وَفي مَعبَدٍ واحِدٍ فَقط، تَمَّ بَيْعُ مِئاتِ الآلافِ مِن هذهِ التَّماثيل. وَقَد صَارت تِلكَ الأماكِن مَوَاقِعَ سِياحِيَّةً حيثُ يَدفَعُ الزُّوَّارُ مَالاً كي يَأتوا ويَلتقِطُوا صُورًا للنِّساءِ اللاَّتِي يَأتينِ هُناكَ للتَّعبيرِ عَن حُزْنِهِنَّ على فُراقِ أطفالِهِم الَّذينَ مَاتُوا في الإجهاض. وَيُقَدِّمُ الكَهَنَةُ صَلواتٍ في ذلكَ المَكانِ للأطفالِ الَّذينَ مَاتُوا بسببِ الإجهاضِ مُقابِلَ مِئةٍ وعِشرينَ دُولارًا للطِّفل، وأربعينَ دُولارًا لِكُلِّ طِفلٍ آخرَ تَخَلَّصْتِ مِنْهُ بالإجهاض.
هَذا مَثَلٌ وَاحِدٌ فقط مِن بَلَدٍ واحِد. وَهُوَ يُظْهِرُ حَجْمَ المَأساةَ الَّتي حَدَثَتْ في حَياةِ هَؤلاءِ النِّسوة. فَهُناكَ نِسبةٌ تَتراوَحُ بينَ 400% و800% في زِيادَةِ عَددِ حَالاتِ الانتحار. فَقد زَادَت مُعَدَّلاتُ الانتحارِ بِنِسبَةٍ تَتراوَحُ بينَ 400% و800% بينَ النِّساءِ الَّذينَ خَضَعْنَ لِعَمليَّاتِ إجهاض. فالوَسْواسُ، والاكتئابُ، والانغِلاقُ على النَّفسِ، والشُّعورُ بالذَّنبِ أوِ العَارِ، وإدمانُ المُخَدِّراتِ أوِ الكُحولِ، والصَّدماتُ العَاطِفيَّةُ الخَطِرَةُ هِيَ كُلُّها آثارٌ جَانِبِيَّةٌ نَاجِمَةٌ عَنِ الإجهاض. وَعَدَدُ النِّساءِ اللاَّتِي يَمُتْنَ كُلَّ سَنَةٍ بسببِ الإجهاضِ القَانونِيِّ هُوَ سِتَّة أو سَبعَةُ أضعافِ حَالاتِ المَوتِ النَّاجِمَةِ عَنِ الإجهاضِ غَيرِ القَانونِيّ.
لِذا فإنَّ الأمرَ بِرُمَّتِهِ هُوَ سِيناريو مُرعِبٌ جدًّا جدًّا. وَسَوفَ أذكُرُ بِضْعَ نِقاطٍ أُخرى، ولكنِّي لن أَذكُرَ كُلَّ الوَثائِقِ مَعَ أنَّها بَينَ يَديَّ الآن. ولكِنِّي سَأكتفي فقط بقراءةِ بِضعِ أُمورٍ تَنجُمُ عَن مَسألةِ الإجهاضِ هَذِهِ وَتأثيرِها على النِّساء.
فَخَطَرُ الحَمْلِ خَارِجَ الرَّحِمِ (وَهُوَ أمْرٌ يُهَدِّدُ حَياةَ الأُمِّ) يَتَضاعَفُ مَرَّتَيْنِ عِندَ النِّساءِ اللاَّتي خَضَعْنَ للإجهاضِ مَرَّةً، وَيَتضاعَفُ أربعَ مَرَّاتٍ عِندَ النِّساءِ اللاَّتي خَضَعْنِ للإجهاضِ مَرَّتَيْنِ أو أكثر. كَما أنَّ احتِماليَّةَ إسْقاطِ الجَنينِ أثناءَ الحَملِ تَتَضاعَف مَرَّتَيْنِ عِندَ النِّساءِ اللاَّتي خَضَعْنَ قَبلاً لعمليَّةِ إجهاض. وفي دِراسَةٍ لِسِتَّةٍ وعِشرينَ ألفَ حَالة وِلادَة، تَبَيَّنَ أنَّ هُناكَ زِيادَة بِنَسبةِ ثَلاثةِ أضعافٍ في أعدادِ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ أمواتًا أو يَموتونَ بعدَ الوِلادةِ عِندَ الأُمَّهاتِ اللاَّتي خَضَعْنَ قَبلاً لعَمليَّةِ إجهاض.
وَحَيثُ إنَّ نَحوَ 2% أو 3% مِنَ النِّساءِ يَحْتَجْنَ إلى عَمليَّةِ نَقْلِ دَمٍ في أثناءِ عَمليَّةِ الإجهاض، فهُناكَ خَطَرُ مُضاعَفٌ لِتَعرُّضِهِنِّ لالتهابِ الكَبَدِ الوَبائِيِّ أوْ نَقْصِ المَناعَةِ المُكتَسَبَة. والنَّزيفُ يَصيرُ أكثر شُيوعًا في حَالاتِ الحَمْلِ المَرغوبِ بها لاحقًا. وقد لاحَظَ الكَثيرُ مِنَ البَاحِثينَ أنَّ هُناكَ حَالاتِ وِلادة مُبَكِّرة وَأطفالاً كَثيرينَ يُوْلَدونَ بِوَزْنٍ أقَلّ مِنَ الوَزنِ الطَّبيعيّ. كَذلكَ فإنَّ النِّساءَ اللاَّتي خَضَعْنِ لِعمليَّاتِ إجهاضٍ سَابِقَة هُنَّ أكثر عُرْضَة لِفَتقِ عُنْقِ الرَّحِم، وَهُنَّ أكثر عُرْضَة سَبعَ مَرَّاتٍ للمَشيمَة المُتَقَدِّمَة؛ وَهِيَ حَالَةٌ تُغَطِّي فيها المَشيمَةُ قَناةَ الوِلادَةِ وتَتَطَلَّبُ وِلادَةً قَيصريَّة.
كَما أنَّ هُناكَ خَطَرًا مُضاعَفًا في إصابَتِهِنَّ بِسَرَطانِ الصَّدْرِ عندما تُجْرَى عَمليَّاتُ الإجهاضِ في الثُّلْثِ الأوَّلِ قَبلَ اكتِمالِ كُلِّ فَتْرَةِ الحَمْل. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ صَمَّمَ الجِسْمَ بطريقةٍ يَسْتَعِدُّ فيها شَيئًا فَشيئًا لولادةِ ذلكَ الطِّفل. أمَّا عِندَما يَتِمُّ إجهاضٌ ذلكَ الطِّفل فإنَّ ذلكَ الإجهاضَ يُسَبِّبُ عَوامِلَ خُطورةٍ مُعَيَّنة في الجَسد لأنَّ الجَسَدَ يُحاوِلُ أن يُعَوِّضَ عَن خَسارَتِه. وَهُناكَ زِيادَةٌ نسبَتُها 30% في احتمالِ إصابَةِ الأُمِّ بالتهاباتٍ في الرَّحِم.
ومِنَ المُرَجَّحِ أن تَكونَ الإحصائِيَّاتُ أسوأَ مِن ذلك حيثُ إنَّ النِّساءَ المَريضاتِ نَادِرًا مَا يَعُدْنَ إلى نَفسِ الطَّبيبِ الَّذي أَجرى عَمليَّةَ الإجهاضِ أو إلى العِيادَةِ نَفسِها. كَما أنَّ المُضاعَفاتِ تَحدُثُ لاحِقًا وَنادِرًا مَا تُعزَى إلى الإجهاضِ الَّذي كَانَ سَبَبًا في حُدوثِها. كَما أنَّ حَالاتِ المَوتِ لا تُعْزَى البتَّة إلى الإجهاضِ في التَّقاريرِ وَفي شَهاداتِ الوَفاة.
وَعِندَما تَنظُرونَ إلى التَّأثيرِ النَّفسِيِّ، كَما ذَكَرْتُ بخصوصِ النِّساءِ في اليَابان، سَتَجِدونَ الكَثيرَ مِنَ الأمورِ المُدهِشَة. فالنِّساءُ اللاَّتِي يُعَانينَ مِن مَشاكِلَ نَفسيَّة أو عَقليَّة سَابِقَة تَزدادُ حَالَتُهُنَّ سُوءًا. كَما أنَّ الإجهاضَ يُسَبِّبُ مَشاكِلَ كَهذهِ عِندَ النِّساءِ اللاَّتي لم تَكُن لَديهنَّ مَشاكِل قَبلَ ذلك. كذلكَ فإنَّ النِّساءَ اللاَّتي خَضَعْنَ لعمليَّةِ إجهاضٍ قَدْ يَشْعُرْنَ بالذَّنْبِ والاكتئابِ، وَقَدْ يُقْدِمْنَ على الانتحار. أمَّا الادِّعاءُ بأنَّ النِّساءَ سَيُقْدِمْنَ على الانتحارِ إنْ لم يُسْمَحْ لَهُنَّ بالإجهاضِ (كَما يُخبِرُنا المُتَحَرِّرونَ) فَهُوَ أمرٌ مُستبعَدٌ جدًّا لأنَّ الانتحارَ بَعيدُ الاحتمالِ جدًّا عِندَ النِّساءِ الحَوامِل.
فَعَلى مَدى ثَلاثٍ وعِشرينَ سَنَة، تَمَّ رَفْضُ 13500 طَلَب إجهاضٍ لِنساءٍ سُويديَّات. وقد أَقْدَمَتْ ثَلاثُ نِساءٍ فقط مِنْهُنَّ على الانتحار. فَالنِّسبةُ نادِرةٌ جدًّا جدًّا. كذلك، بعدَ الإجهاضِ، هُناكَ احتمالٌ كَبيرٌ جدًّا في انفصالِ المرأةِ عَن شَريكِها سَواء كانت مُتزوِّجةً أَم لا. فالإجهاضُ يُدَمِّرُ كُلَّ شَخصٍ ذِي صِلَة.
لِذا فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَطْرَحُ نَفسَهُ هُنا هُوَ: كَيفَ ابتدأَ هَذا الأمر؟ وَمَنِ الَّذي ابتدأَ ذلك؟ مِنَ المُؤسِفِ أن نَقولَ إنَّ الأمرَ ابتدأَ مُنذُ زَمَنٍ بَعيد. فَإنْ أردنا أن نَعرفَ أينَ ابتدأَ ذلك، يَجِبُ علينا أن نَرى أنَّ ذلكَ ابتدأَ في الحَقيقةِ في فِكْرِ الشَّيطان بِحَسَبِ مَا جَاءَ في إنجيل يُوحَنَّا 8: 44 إذْ إنَّهُ قَتَّالٌ.
وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ ذلكَ ابتدأَ مِن نَفسِ المَوقفِ الخَاطِئِ الَّذي جَعَلَ قَايين يَقتُلُ هَابيل. فَقد كانَ قَايين قَاتِلاً. وَهَذا يَدُلُّ على السُّقوط. وَيُمكِنُكم أن تَرجِعُوا إلى الوَراءِ وتَجِدوا أنَّ الشَّيطانَ كَانَ يُحاوِلُ أن يَقتُلَ الأطفالَ في زَمَنِ مُوسَى، وَفي زَمَنِ يَسوعَ، وَأنَّهُ نَجَحَ (كَما تَعلمونَ) في زَمَنِ يَسوعَ في قَتْلِ الأطفالِ الَّذينَ تَقِلُّ أعمارُهُم عن سَنَتَيْنِ في مُحاولةٍ مِنْهُ لِقَتلِ المَسِيَّا.
وَعلى سَبيلِ المِثالِ، إذا نَظَرْنا حَوْلَنا [إلى زَمَنِ اليَهوديَّةِ في القَديمِ تَحديدًا]، تَجِدونَ أنَّ الإجهاضَ كَانَ يُمارَسُ مِنْ قِبَلِ الوَثَنِيِّين؛ ولكِنْ ليسَ مِنْ قِبَلِ اليَهود. والأسبابُ وَاضِحَة. فَقد كَانَ اليَهودُ يَعلمونَ أنَّ الحَياةَ مُقَدَّسَةٌ، وَأنَّ الحَياةَ هِبَةٌ مِنَ الله. وَقد كَانُوا مُعْتادينَ على تَطبيقِ الوَصيَّةِ العُظمَى الثَّانية: "تُحِبُّ قَريبَكَ كَنَفسِك". وَحيثُ أنَّ الطِّفْلَ الَّذي حُبِلَ بِهِ هُوَ شَخْصٌ، فإنَّهُ يَصيرُ قَريبًا لَهُم. لِذا، كَانَ إيذاءُ القَريبِ انتِهاكًا للوَصيَّةِ الثَّانية.
وَإنْ نَظرنا إلى العهدِ الجديدِ نَرى أيضًا وَثَنِيِّينَ كَانُوا يُمارِسونَ الإجهاضَ؛ ولكنَّ اليَهودَ لم يَكونوا يَفعلونَ ذلكَ أيضًا في زَمَنِ العهدِ الجديد؛ ولا الكَنيسة. وَقد أَوصَى كُلٌّ مِن أفلاطُون وأرسطُو بِتَحديدِ النَّسْلِ مِن خِلالِ الإجهاض. وَكانَ الإجهاضُ يُستخدَمُ حَتَّى في أزمِنَةِ العهدِ الجديدِ بينَ الوَثنيِّينَ لإخفاءِ نَتائِجِ الجِنْسِ غَيرِ المَرغوبِ فيها. فإنْ لم يَكُنْ بإمكانِكَ أن تُخفي الدَّليلَ، يُمْكِنُكَ أن تُخفي وَصْمَةَ العَارِ النَّاجِمَةِ عَنِ الجِنس.
وَلَم تَكُنِ النِّساءُ الثَّرِيَّاتُ يَرْغَبْنَ أيضًا بِتَرْكِ ثَرْوَتِهِنِّ لأبنائِهِنَّ الَّذينَ أنْجَبوهُنَّ مِن آباءِ يَنْتَمونَ إلى الطَّبَقَةِ الفَقيرةِ بِصُورةٍ غَير شَرعيَّة. لِذا، في حِيْنِ أنَّهُنَّ لم يَكُنَّ يُمانِعْنَ في مُمارَسَةِ الجِنسِ مَعَ رِجالٍ مِنَ الطَّبَقةِ الفَقيرة، فإنَّهُنَّ لم يَرْغَبْنَ في إعالَةِ أطفالِ هَؤلاءِ الرِّجال. لِذا، كَانَ الإجهاضُ وَسيلةً لِمُعالَجَةِ ذلكَ المَوقِف. كَما أنَّ الإجهاضَ كَانَ [في نَظَرِ فِئَةٍ مِنَ النِّساءِ] وَسيلةً لِحِفْظِ مَظْهَرِهِنَ الجَذَّاب، "لا لِجَعْلِ الرَّحِمِ مُزْدَحِمًا بأطفالٍ يَقْفِزون".
وَكانَ الإجهاضُ أيضًا شَكلاً مِن أشكالِ مَنْعِ الحَمْل. فَفي أزمِنَةِ الحَضاراتِ القَديمَة، وَحَتَّى في أزمِنَةِ العهدِ الجديد، كانتِ الأساليبُ تَتراوَحُ بينَ استِخدامِ مَوادَّ تُوْضَعُ في الرَّحِمِ مِنْ خِلالِ قَناةِ الوِلادَة، أو أدوية يَتِمُّ تَناوُلُها عَن طَريقِ الفَم، أو سُموم (كَما كَانَتْ تُسَمَّى)، وَكَانُوا يَستخدِمونَ أحيانًا خَليطًا مِنَ المَوادِّ الَّتي كَانَتْ تُخْلَطُ مَعًا بِقَصْدِ قَتْلِ الجَنينِ الَّذي لم يُولَد بَعد. وَأحيانًا، كَانُوا يَرْبُطونَ جِسْمَ المَرأةِ الحَامِل بِحِبالٍ أو مَلابِسَ يَشُدُّونَها بإحكامٍ شَديدٍ جدًّا حَوْلَ مِنْطَقَةِ الرَّحِمِ لِيَسْحَقُوا حَياةَ الجَنين.
وَأحيانًا، كَانُوا يُحَدِّدونَ مَكانَ الجَنينِ في الرَّحِمِ، وَيُحْضِرونَ أداةً صَلْبَةً يَضْرِبونَ بِها الجَنينَ في الرَّحِمِ ويَقتلُونَهُ بتلكَ الطَّريقة. وَأحيانًا، كَانُوا يَستخدِمونَ شَفْرَةَ أوْ أداةً مَعْكُوفَةً يُدْخِلونَها في قَناةِ الوِلادَة. لَقد كانَ الوَثنيُّونَ يَفعلونَ ذلك. وَكانَ اليَهودُ يَرفُضونَ ذلكَ دَائِمًا لأنَّ الحَياةَ مَخلوقَة مِنَ الله. وَأيُّ شَخصٍ يَخْلُقُهُ اللهُ يَصيرُ قَريبَك. وَإزْهاقُ نَفْسِ إنسانٍ هُوَ تَعَدٍّ على الوَصِيَّةِ الثَّانية.
لِذا فقد وَقَفَتِ الكَنيسةُ البَاكِرَةُ مَوقِفًا حَاسِمًا مِنَ الإجهاض. فَفي "الدِّيداخِي" (وَهُوَ كِتابٌ يَشْرَحُ تَعاليمَ الكَنيسةِ الأولى)، نَقرأُ مَا يَلي: "لا يَجوزُ أن تَقتُلَ طِفلاً بواسِطَةِ الإجهاض". وَقَد تَمَّ رَفْضُ الإجهاضِ في وَثيقةٍ مُبَكِّرَةٍ أخرى تُسَمَّى "رِسالَةُ بَرنابا" لأنَّهُ يُناقِضُ مَحَبَّةَ القَريب. لِذا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا أنَّ الكَنيسةَ البَاكِرَةَ تَبَنَّتْ نَفْسَ الأفكارِ اليَهوديَّةِ بهذا الشَّأن.
وَكانَ الدِّيداخي (وَهُوَ نَفسُ ذلكَ الكِتاب الَّذي يَشْرَحُ تَعليمَ الرُّسُل) يَرى أنَّ طَريقَ المَوتِ مُمتَلِئٌ لَعْنَةً، وقَتلاً، وزِنىً، وَقَتْلَةَ أطفال. فَقد كَانُوا يَرَوْنَ أنَّ طَريقَ المَوْتِ هُوَ مِنْ نَصيبِ هَؤلاءِ الَّذينَ يَقتُلونَ الأطفال. وَكانُوا يُسَمُّونَ هَؤلاءِ "مُفْسِدو خَلائِقِ اللهِ". وَفي القَرنِ الثَّالثِ، ظَهَرَتْ كَلِمَةٌ لاتِينيَّة وَهِيَ: "أبورتوانتيس" (abortuantes) أيْ: "المُجْهِضون". وَكانُوا يَقولونَ إنَّ الإجهاضَ يَجْلِبُ دَينونَةَ الله.
ولم يُغَيِّرِ الإصْلاحُ ذلك. فَالكَنيسةُ كَانَتْ وما تَزالُ تَنظُرُ إلى الإجهاضِ على أنَّهُ قَتْل، وَعلى أنَّهُ عُنْفٌ، وعَدَمُ مَحَبَّةٍ لِشَخْصٍ خَلَقَهُ اللهُ.
لِذا فإنَّهُ لَيسَ شَيئًا جَديدًا. فَشَعبُ اللهِ (إسرائيلُ) وَقَفَ ضِدَّ الإجهاض. وَقد وَقَفَتِ الكَنائِسُ ضِدَّهُ. وَيَجِبُ علينا نَحنُ أيضًا أن نَقِفَ ضِدَّهُ. فَنَحنْ نَعيشُ في زَمَنٍ صَارَتْ فيهِ حَرَكَةُ الإجهاضِ هَذِهِ تِجارَةً ضَخمَة، وَصارَتْ انعِكاسًا لِمُجتَمَعِنا. وَإذا نَظرتُم إلى الوراءِ قَليلاً، يُمكنُكم أن تَرَوْا الأجزاءَ الَّتي جُمِعَتْ مَعًا لبناءِ مِنَصَّةٍ يَقومُ عليها هذا الأمرُ بِرُمَّتِه. واسمَحُوا لي أن أُشارِكَ بَضْعَةَ أشياءٍ مَعَكُم.
فَهَذا التَّكريسُ للإجهاضِ بِرُمَّتِهِ ابتدأَ بِخُطْوَةٍ أولى هِيَ: الثَّورةُ الجِنسيَّة... الثَّورةُ الجِنسيَّةُ الَّتي نَادَتْ بِصُورةٍ رَئيسيَّةٍ بِما يَلي: "نُريدُ أن نَكونَ أحرارًا في التَّعبيرِ عَن أنفُسِنا جِنسيًّا". فَإذا رَجَعْتُمْ إلى بِدايَةِ السِّتينيَّاتِ، كَانَ جَميعُ النَّاسِ يَرْغَبونَ في الاشتراكِ في الحُبِّ الحُرّ. أتَذكُرونَ عِبارَةَ "الحُبِّ الحُرّ"؟ هَل تَذكُرونَ مَجموعَةَ "الهِيبِّيز" (hippies) وكُلَّ تلكَ الأمور؟ فَقَدْ أدَّتِ الثَّورةُ الجِنسيَّةُ إلى ظُهورِ الإجهاضِ كَتِجارَةٍ لأنَّها قَالَتْ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَكونَ أحرارًا في التَّعبيرِ عَن أنفُسِنا جِنسيًّا، وَإنَّنا لَسنا بِحاجةٍ حَقًّا إلى التَّفكيرِ في العَواقِب.
والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ النِّساءَ تَمَادَيْنَ وَقُلْنَ: "إنْ أردنا أن نَتَمتَّعَ بالحُريَّةِ نَحنُ النِّساء، لا يَجوزُ أن نَكونَ ضَحايا للرِّجال. فباستِطاعَةِ الرِّجالِ أن يُمارِسُوا الجِنسَ كَما يَشاؤونَ طَوالَ الوقتِ وَأنْ يَخْرُجوا مِن ذلكَ مِن دُونِ أيَّة عَواقِب. ولكِنْ مَا يَحْدُثُ لَنا هُوَ أنَّنا نَحْبَل. لِذا فإنَّ حُريَّةَ الرِّجالِ هِيَ بِلا أيَّة أضرار، وحُرِّيَّتهُم هِيَ بِلا أيَّة عَواقِب. وحُرِّيَّتهُم هِيَ بِلا نَتائِج وَخيمَة. ولكِنَّ حُرِّيَّتَنا لَها عَواقِب. لِذا، إنْ أردنا أن نَتَمَتَّعَ حَقًّا بالحُريَّة، يَنبغي أنْ نَتخلَّصَ مِنَ العَواقِب. والعَقَبَةُ الكُبرى في الجِنْسِ الحُرِّ والحُبِّ الحُرِّ هِيَ أن نَتمكَّنَ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنَ الحَبَل. عَدا عَن ذلكَ، سَنَصيرُ ضَحايا للرِّجال. وَنَحنُ لا نُريدُ أن نَكونَ ضَحايا للرِّجال".
لِذا فقد عَمِلَتِ الثَّورةُ الجِنسيَّةُ [بِمَحَبَّتِها الحُرَّةِ] على إعدادِ العُدَّةِ حَقًّا لِقَتْلِ مَلايينِ الأطفالِ الَّذينَ تَنْظُرُ إليهِم على أنَّهُم مُتَطَفِّلونَ على الزِّنَى والفِسْقِ الَّذي يُمارِسُهُ مُجْتَمَعٌ فَاسِدٌ ومُنْحَطٌّ.
ثُمَّ ظَهَرَ شَيءٌ آخرَ عَدا عَن هَذهِ المَحبَّةِ الحُرَّة وَهُوَ مَسألةُ التَّشَوُّهات. وَلا بُدَّ أنَّكُم جَميعًا تَذْكُرونَ مَا حَدَثَ في السِّتِّينيَّاتِ بشأنِ عَقارِ "الثَّاليدوميد" (thalidomide). فَقَد كانَتْ هُناكَ نِساءٌ كَثيراتٌ يَأخُذْنَ عَقارَ الثَّاليدوميد. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أيضًا أنَّهُ كَانَتْ تُوْجَدُ لِعَقارِ الثَّاليدوميد آثارٌ جَانِبيَّةٌ خَطيرةٌ إذْ إنَّ الأطفالَ كَانُوا يُوْلَدونَ بِلا أقدامٍ أو أيدي. وكَانَ هُناكَ أطِبَّاء في إنجلترا يَرَوْنَ أنَّ هذهِ التَّشَوُّهاتِ وغَيرها مِنَ التَّشَوُّهاتِ خَطِرةٌ جدًّا حَتَّى إنَّهَا دَفَعَتْهُم إلى التَّحدُّثِ عَنِ الإجْهاضِ بِقَصْدِ تَحسينِ النَّسْل.
وَقد جَاءَتْ تِلكَ الفِكرةُ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، مِن إنجلترا (كَما قُلتُ) مُطالِبَةً بِقَتْلِ الأطفالِ المُصابينَ بِتَشَوُّهاتِ خلْقِيَّةٍ بِسَبَبِ كُلْفَةِ ذلكَ على المُجتمَع، وبسببِ المَشاكِلِ الَّتي يُسَبِّبُها هؤلاءِ الأطفالُ للأبَوَيْن. فَهُمْ أطفالٌ يَصْعُبُ التَّعامُلُ مَعَهُم. فَقد كانُوا يُواجِهونَ كُلَّ أنواعِ المَشاكِلِ مَعَ هَؤلاءِ الأطفال. لِذا، يَنبغي لَنا أن نَأتي ونَقول: "انظُروا! لا يُوجَدُ سَبَبٌ يَدعونا إلى جَلْبِ أطفالٍ مُشَوَّهينَ إلى العَالَم. فَالعالَمُ مَكانٌ صَعْبٌ أصلاً". لِذا فقد رَاحُوا يُرَوِّجونَ لأفكارِهم تِلْكَ مِنْ أجْلِ مَصالِحِهم الشَّخصيَّةِ وَاقْتَرحُوا مَزيدًا مِنَ الأسبابِ المُوْجِبَةِ للإجهاض.
ثُمَّ جَاءَتْ حَرَكَةُ تَحريرِ المَرأةِ بِمُجملِها. وَقَدْ أَخَذَتْ حَرَكَةُ تَحريرِ المَرأةِ فِكرةَ الحُريَّةِ الجِنسيَّةِ وَزَادَتْ عَلَيها قَائِلَةً: "نَحنُ نُريدُ لا فقط أن نَتمتَّعَ بالحُريَّةِ الجِنسيَّةِ مِن دُونِ عَواقِب، بَل نُريدُ أن نَرْتَدي بَدْلَةً كُحليَّةَ اللَّونِ، وَنَحْمِلَ حَقائِبَ مِهَنِيَّة، ونَذهبَ إلى العَملِ كُلَّ يومٍ أيضًا. نَحنُ نُريدُ أن نُنافِسَ في عَالَمِ الرِّجالِ وَأنْ نَكونَ عَلى قَدَمِ المُساواةِ مَعَهُم. وَإنْ كَانَ لَدينا أبناء، لَن نَتمكَّنَ مِنَ القِيامِ بذلك".
وَقَدْ قُلْنَ: "لَنْ تَكونَ النِّساءُ مُساوِياتٍ للرِجال مَا لم يَتَخَلَّصْنَ مِن مَسؤوليَّاتِ الحَمْل". وَقد قَالَت "بيتي فريدان" (Betty Friedan) الَّتي كانَت واحِدَةً مِن قَادَةِ حَرَكَةِ تَحريرِ المَرأةِ: "يَنبغي للنِّساءِ أنْ يَخْضَعْنَ للإجهاضِ في حَالِ عَدَمِ نَجاحِ وَسائِلِ مَنْعِ الحَمْل. فَيَنبغي اللُّجوءُ إلى وَسَائِلِ مَنْعِ الحَمْلِ أوَّلاً. ولكِنْ إنْ لم تَنْجَح، يَنبغي أنْ يُجْهِضْنَ لأنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَشْغَل أنفُسَنا بالأطفال، بَلْ يَنبغي لنا أن نَذهبَ إلى العَمَلِ وَأنْ نَشُقَّ طَريقَنا في عَالَمِ الرَّجُل".
لِذا فقد جَاءَتِ الثَّورةُ الجِنسيَّةُ، ثُمَّ جَاءَتْ تِلْكَ الأساليبُ المَاكِرَةُ مِنْ هؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ أرادُوا أنْ يَقْتُلوا الأطفالَ المُشَوَّهينَ في المُجتَمَع. وَإنْ لم تَكُنْ تِلكَ المُشكلةُ مُعَقَّدَةً بِما يَكفي، ظَهَرَتْ سِمَةٌ أُخرى مُمَثَّلَةً في رَغْبَةِ النِّساءِ في الخُروجِ إلى سُوْقِ العَمَلِ في عَالَمِ الرَّجُلِ وطَلَبِ المُساواةِ مَعَ الرِّجالِ بكُلِّ طَريقةٍ مُمكِنَة بِحُجَّةِ أنَّهُنَّ لا يُرِدْنَ أنْ يَبْقِيْنَ مُنْشَغِلاتٍ في البيتِ مَعَ الأطفال. لِذا، فَقَدْ قُلْنَ: "يَنبغي أنْ نَستَأصِلَ الأطفالَ مِن حَياتِنا".
ثُمَّ جَاءَ عُنْصُرٌ آخر، أوْ شَيءٌ آخر مِنْ دُعاةِ ضَبْطِ عَدَدِ السُّكَّانِ الَّذينَ رَاحُوا يَقولونَ لَنا إنَّنا سَنَقِفُ الواحِدُ فَوقَ رَأسِ الآخَرِ إنْ استَمَرَّيْنا في إنجابِ الأطفال. فَسَوْفَ يَسْحَقُ كُلٌّ مِنَّا الآخَرَ لأنَّ العَالَمَ سيَصيرُ مُزدَحِمًا جِدًّا بالسُّكَّان. وَقد قَرأتُ كُلَّ ذلك. أَلاَ تَذكُرونَ أنَّكُم قَرأتُم ذلكَ في السِّتِّينيَّات؟ فَقد كَانَ الجَميعُ يَصْرُخونَ بِسَبَبِ زِيادَةِ عَدَدِ السُّكَّان.
ومِا زِلْتُ أَذكُرُ أنِّي عَثَرْتُ عَلى كِتابٍ قَديمٍ كُتِبَ في سَنَة 1918 قَالَ فيهِ أحدُ الأشخاص: "إنْ لم يَتَغَيَّرْ شَيءٌ مَا فإنَّ لَدينا الكَثير مِنَ الأحْصِنَة في شَوارِعِ شيكاغو. وإنِ استمرَّتِ الحَالُ كَما هِيَ عليهِ الآن، بَعدَ خَمسٍ وعِشرينَ سَنة ستَكونُ مَدينةُ شيكاغُو مَطْمُورَةً بِثَمانِيَة عَشَرَ قَدَمًا مِنَ رَوْثِ الحَيَوانات". إنَّهُ نَفسُ المَنطِق. فَسَوْفَ نَغْرَقُ في بَحْرٍ مِنَ الأطفال.
وَكُلُّ هَذا أَسْهَمَ في بِناءَ هذهِ المِنَصَّة. فَهذهِ الأمورُ كُلُّها أَسْهَمَتْ في بِناءِ هذا المَشروع، وَفي بِناءِ هَذِهِ المِنَصَّةِ الَّتي أدَّتْ إلى صُدورِ الحُكْمِ في قَضيَّة "رُو ضِدَّ ويد" (Roe verses Wade) بخصوصِ الإجهاضِ القَانونِيِّ في شَهْر كانون الثَّاني/يَناير سَنة 1973. وفي تِلكَ النُّقطة، استَثْنَتِ المَحكمةُ العُليا للولاياتِ المُتَّحِدة الأطفالَ غَير المُولودينَ مِنَ الحِمايةِ الَّتي يُوفِّرُها لَهُم التَّعديلُ الرَّابِع عَشَر في الدُّستور والذي يَقول: "لا يَجوزُ حِرْمانُ أيِّ شَخْصٍ مِنَ الحَياةِ مِن دُونِ مُحاكَمَة قَانونيَّة". فَقَد قَالُوا: "إنَّ الأطفالَ الَّذينَ لم يُولَدُوا بَعد لَيْسُوا أشخاصًا". بَلَى، إنَّهُم أشخاص. بَلَى، إنَّهُم أشخاص. وَسَوفَ نَرى ذلكَ بَعدَ قَليل.
وَقد كَتَبَ لي واحِدٌ مِنَ الأساتِذَةِ في كُليَّة "ذَا مَاستر" (The Master's College)، وَهُوَ الدُّكتور "جون بيلكي" (John Pilke)، وَهُوَ أُستاذٌ مُتَبَحِّرٌ جِدًّا وَيُعَلِّمُ في قِسْمِ الأدبِ الإنجليزيِّ في كُليَّتِنا، كَتَبَ إليَّ مُذَكِّرَةً قَصيرة. استَمِعُوا إلى مَا جَاءَ فيها: "إنَّ عِبارةَ ’تَأييدُ حُريَّةِ الاختيار‘..." - وَهِيَ العِبارةُ الَّتي يَستخدِمُها مُناصِرُو حُريَّةِ الإجهاضِ..."] – "إنَّ عِبارةَ ’تَأييدِ حُريَّةِ الاختيار‘ هِيَ واحِدَةٌ مِنَ العِباراتِ المُنَمَّقَةِ الَّتي تُشيرُ إلى أكثرِ الحَقائقِ فَسَادًا وَشَرًّا وَتَرويعًا في تَاريخِ الحَضارةِ الغَربيَّةِ في العَصْرِ المَسيحيّ. فَهِيَ عِبارَةٌ تَعني: ’تَأييد الخَطِيَّة‘ أو ’حُريَّة اختيارِ الخَطيَّة‘. فرُبَّما كانَت هذهِ العِبارةُ أقَلَّ خَطَرًا لو أنَّها كَانَتْ "تَأييد الإجهاض" لأنَّها سَتُحَدِّد الاختيارَ في نِطاقِ مُعضِلَةٍ أخلاقيَّةٍ مُعيَّنة. ولكِنْ مِنْ خِلالِ تَحويلِها إلى عِبارَةٍ مُنَمَّقَةٍ فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُؤيِّدونَ حُرِّيَّةَ الاختيارِ دَقُّوا المسْمارَ الأخيرَ في نَعْشِ التَّجربةِ الدِّيمُقراطِيَّة.
"فالعِبارةُ ’تَأييدُ حُريَّةِ الاختيارِ‘ تَعني: ’بِلاَ ضَمير‘ أو ’بِلاَ كَابِح‘ أو ’بِلا رَادِع‘. وَهِيَ تَفْتَخِرُ بأنَّها تَتَمَتَّعُ بِحُريَّةِ الضَّميرِ الَّتي تَحدَّثَ عَنها جيفرسون، وبِفَصْلِ الكَنيسَةِ عَنِ الدَّولة. ولَكِنْ حَيْثُ إنَّ هَذِهِ العِبارَةَ هِيَ إيماءَةٌ مُنَمَّقَةٌ مُعَدَّةٌ بِعِنايَةٍ لأنْ تَكونَ شِعارًا سِياسِيًّا، فإنَّها تُشَكِّلُ الكلمةَ الأخيرةَ أوِ الصِّيغَةَ الرَّسميَّةَ للارتدادِ والتَّمرُّدِ الرَّسميِّ على إلَهِ المَسيحيَّة". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "وأنا على يَقينٍ بأنَّ اللهَ سَيَرُدُّ على ذلكَ رَدًّا مُرَوِّعًا".
أجل! أنا أُوْمِنُ بأنَّهُ يَقولُ الصَّواب. وَأنا أُوْمِنُ بأنَّ الإجهاضَ هُوَ المَوقفُ الرَّسميُّ الأخيرُ للارتدادِ والتَّمرُّدِ على الله. فَلِسانُ حَالِ الإجهاضِ هُوَ: "اسمَع يا الله! لَسْتَ أنتَ مَنْ يُقَرِّرَ مَن سيَعيشُ وَمَنْ سَيَموت، بَل أنا مَنْ يُقَرِّرُ ذلك". فَهُوَ الارتدادُ الأخير.
هَذا هُوَ المَكانُ الَّذي وَصَلْنا إليهِ في مُجتمَعِنا. وَقَدْ وَصَلْنا إليهِ مِن خِلالِ القانونِ، أيِ القَانونِ الَّذي وَضَعَتْهُ حُكومَتُنا. فقد تَجاهَلَتِ المَحكمةُ مَسألةَ الوقتِ الَّذي تَبتَدِئُ فيهِ الحَياةُ؛ وَهِيَ مَسألةٌ طِبيَّةٌ وعِلميَّة. وَمَعَ أنَّ المُجْرِمينَ يُحَاكَمُونَ بِنَجاحٍ إنْ قَتَلُوا طِفلاً لم يُولَدُ بَعد في حَالِ اعتِدائِهم على امرأةٍ حَامِل، فإنَّ الطِّفْلَ نَفسَهُ لا يُحْسَبُ شَخصًا إنْ قَرَّرَتْ أُمُّهُ أنْ تَقْتُلَهُ! فَإنْ قَتَلَهُ مُجْرِمٌ فإنَّهُ يُحَاكَم! أمَّا إنْ قَتَلَتْهُ أُمُّهُ فإنَّهُ ليسَ شَخصًا.
ويُمكِنُني أن أقولَ... على الرَّغمِ مِن أنَّ بَحْثي ليسَ شَامِلاً... ولكِنْ يُمكنُني أن أقولَ إنَّهُ لا تُوجَدُ أُمَّةٌ على وَجْهِ الأرضِ تَتَبَنَّى سِياسَةً تُبيحُ الإجهاضَ أكثرَ مِنَ الولاياتِ المُتَّحِدَة؛ باستثناءِ الصِّين. وَهَذا يَعكِسُ ثَورَتَنا الجِنسيَّةَ الشَّهْوانِيَّةِ، والخَليعَةِ، والفَاسِقَةِ، والمُنحَرِفَةِ الَّتي زَاغَتْ عنِ الدَّوْرِ الَّذي عَيَّنَهُ اللهُ للرِّجالِ والنِّساء. وَهُوَ يَعكِسُ نِظامَ القِيَمِ الأنانِيِّ والمَاديِّ لَدينا. وَهُوَ يَعكِسُ في المَقامِ الأوَّلِ عَداوَتَنا الإلحاديَّةَ وَالأخلاقيَّةَ لله. لِذا فَقَد صِرْنا نَقتَرِفُ الآنَ مَذابِحَ جَماعِيَّة. وَقَد صَارَتْ لَدينا مَذابِحُ جَماعِيَّةٌ سيَدينُها اللهُ. وسَوفَ أتحدَّثُ عن ذلكَ في هذا المَساء. وسَوفَ أتحدَّثُ عن مَعنى أنْ يَصْرُخَ دَمُ الضَّحيَّةِ المَقتولَةِ مِنَ الأرضِ ضِدَّ الشَّخصِ الَّذي اقتَرَفَ جَريمَةَ القَتْل.
لَقَدْ أَقَرَّ العِلْمُ الطِّبيُّ بوضوحٍ أنَّ الحَبَلَ يُؤدِّي إلى ظُهورِ حَياةٍ فَرديَّةٍ فَريدة. فالحَياةُ تَبتَدِئُ مِن لَحْظَةِ الحَبَل. وَهَذِهِ حَقيقةٌ طِبيَّةٌ جَازِمَة. وَإليكُم المِثالَ الإيضاحِيَّ التَّالي مِنْ مَصْدَرٍ غَيرِ دِينيٍّ. فَقد قالَ الدُّكتور "جيروم ليجون" (Jerome Lejeune)، وَهُوَ أُستاذٌ في عِلْمِ الوِراثَةِ الأساسِيِّ في جَامِعَة "رينيه ديكارت" (Rene Descartes) في باريس:
"الحَياةُ لَها تَاريخٌ طَويلٌ جدًّا، ولكنَّ كُلَّ فَرْدٍ لَهُ بِدايَةٌ مُحَدَّدة جدًّا وَهِيَ لَحْظَةُ الحَبَلِ بِه. والرَّابِطُ المَادِّيُّ هُوَ الخُيوطُ الجُزيئِيَّةٌ الَّتي تُكَوِّنُ الحِمْضَ النَّوَوِيّ. ففي كُلِّ خَلِيَّةً مُتَجَدِّدة، تُقْسَمُ هَذهِ الخُيوطُ الَّتي يَبلُغُ طُولُها نَحوَ مِتْرٍ واحِدٍ إلى ثَلاثةٍ وعِشرينَ جُزءًا أو كروموسومًا. وَحالَما تَتَّحِدُ هذهِ الكروموسوماتُ الثَّلاثَةُ والعِشرونَ مِنَ الأبِ مِنْ خِلالِ التَّلْقيحِ مَعَ الكُروموسوماتِ الثَّلاثةِ والعِشرينَ مِنَ الأُمِّ، يَتِمُّ الاتِّحادُ الجِينيُّ الكَامِلٌ الضَّرورِيُّ للتَّعبيرِ عَن كُلِّ الصِّفاتِ الوِراثِيَّةِ للفَرْدِ الجَديد؛ أيِ البُنيةِ الشَّخصيَّة".
وَأودُّ أن أُعَلِّقَ على هَذا الكَلامِ بالقَولِ إنَّ كُلَّ شَيءٍ مَوجود هُناكَ يَنْعَكِسُ على الفَرْدِ إلى أنْ يَصيرَ إنسانًا بَالِغًا لأنَّ كُلَّ مُكَوِّناتِ البِناءِ مَوجودة هُناك. ويُتابِعُ "ليجون" قَائِلاً: "في عُمْرِ شَهْرَيْن، يَكونُ طُولُ الجَنينِ أصغَرَ مِنْ طُولِ الإبهامِ مِنْ رَأسِهِ إلى أسفلِ ظَهْرِه. وَيُمْكِنُ أنْ يُوْضَعَ بِسُهولَة في قِشْرَةِ جوْز؛ ولكِنَّ كُلَّ أجزائِهِ تَكونُ مَوجودة: اليَدان، والقَدَمان، والرَّأس، والأعضاء، والدِّماغ. وفي الأسبوعِ الرَّابِعِ يَتَكَوَّنُ الإدراك. فَكُلُّ شَيءٍ في مَكانِه. فَقَلبُهُ يَنْبُضُ مُنذُ شَهْرٍ، وَصَارَ بِمَقدورِنا أن نَأخُذَ بَصَمَاتِ أصابِعِه. كَما أنَّ قَلبَهُ يَبتَدِئُ في النَّبْضِ بمُعدَّلٍ يَتراوَحُ بينَ 150 و170 نَبْضَة في الدَّقيقة. لِذا، فإنَّ قَبولَ الحَقيقةِ الَّتي تَقولُ إنَّهُ بَعْدَ حُدوثِ التَّلْقيحِ فإنَّ إنسانًا جَديدًا قَد صَارَ مَوجودًا هُوَ ليسَ أمرًا يَخْضَعُ للذَّوْقِ أوْ وُجْهَةِ النَّظَر".
إذًا، نَجِدُ هُنا على الأقَلِّ مُقدِّمَةً لهذا المَوضوع. ولكِنَّ المَحكمةَ العُليا في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأمريكيَّةِ حَكَمَتْ حُكْمَها ذاكَ تَحتَ الضَّغطِ؛ أيْ تَحتَ ضَغْطٍ وَتَأثيرٍ مِن أولئكَ المُنخَرِطينَ في الثَّورةِ الجِنسيَّةِ، ومِن أولئكَ الَّذينَ يُريدونَ أن يَتحكَّمُوا بالنَّسْلِ وَبِمَنْ يُولَدُ وَمَنْ يَموت، وَتَحْتَ ضَغْطٍ وَتأثيرٍ مِنَ أنصارِ تَحريرِ المَرأةِ هؤلاءِ الَّذينَ يُريدونَ أن يَتَيَقَّنُوا مِن عَدَمِ وُجودِ مَسؤوليَّاتٍ على المَرأةِ دُونَ الرَّجُل، وَتَحْتَ ضَغْطٍ وَتأثيرٍ مِن أولئكَ الَّذينَ يُريدونَ أنْ يَفْرِضُوا عَلينا عَامِل الخَوْفِ مِنَ الانفجارِ السُّكَّانِيّ.
لَقد تَآمَرَ كُلُّ هؤلاءِ الأشخاصِ، في اعتقادي، بِتَدبيرٍ مِنَ الشَّيطانِ نَفسِهِ للضَّغطِ على المَحكمةِ العُليا للقِيامِ بِما قَامُوا بِهِ في سَنة 1973. لِذا فإنَّنا نَقْتَرِفُ هَذِهِ المَجزَرَةَ حَتَّى يَتمكَّنَ النَّاسُ مِنَ التَّمتُّعِ بالحُريَّةِ الجِنسيَّةِ، وحَتَّى لا يُضْطَرَّ النَّاسُ إلى التَّعامُلِ مَعَ أطفالٍ مُعاقينَ، وحَتَّى تَتمكَّنَ النِّساءُ مِنْ فِعْلِ كُلِّ مَا يَرْغَبْنَ في فِعْلِهِ لكي يَشْعُرْنَ بالإنجازِ، وحَتَّى نَتمكَّنَ مِنْ عَيْشِ الحَياةِ المَاديَّةِ غَيرِ المُعَقَّدَةِ الَّتي يُريدُ كَثيرونَ أن يَعيشونَها. ولكِنَّ النَّتيجةَ النِّهائيَّةَ هِيَ أنَّنا صِرْنا قَتَلَةً بالجُملَة.
والآن، بَعدَ كُلِّ هَذهِ الخَلفيَّة، فإنَّنا نَطرَحُ السُّؤالَ التَّالي الأكثرَ أهميَّةً، والَّذي سَنُرَكِّزُ عليهِ أكثرَ مِن غَيرِهِ في بَقيَّةِ حَديثِنا في هذا الصَّباحِ وهذا المَساء، وَهُوَ السُّؤال التَّالي: مَا الَّذي يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عَن هَذا كُلِّه؟ مَا الَّذي يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عَن هَذا كُلِّه؟ سَوفَ أذكُرُ خَمْسَ نُقاطٍ. وَسَوفَ أَذكُرُ لَكُمْ وَاحِدَةً مِنها في هذا الصَّباحِ، على أنْ نُكْمِلَ البَقِيَّةَ في هَذا المَساء.
النُّقطةُ الأولى: الحَبَلُ هُوَ عَمَلٌ إلَهِيٌّ. فَقَدْ ذَكَرْنا لَكُمْ مِنْ وُجْهَةِ النَّظَرِ الطِّبيَّةِ والعِلميَّةِ أنَّ الحَبَلَ يُنْتِجُ شَخصًا جَديدًا. لِذا فإنَّ الحَياةَ تَبتَدِئُ مِنْ لَحْظَةِ الحَبَل. والشَّخصيَّةُ تَبتَدِئُ مِنْ لَحْظَةِ الحَبَل. وَنَحْنُ نَقولُ الآنَ حِيْنَ نَنظُرُ إلى الكتابِ المقدَّسِ إنَّ الحَبَلَ هُوَ عَمَلٌ إلهِيٌّ. فالمَزمور 127: 3 يَقولُ إنَّ البَنُونَ هِبَةٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبّ. فاللهُ يَخْلُقُ شَخصيًّا كُلَّ حَياة. والكِتابُ المُقَدَّسُ يُوَضِّحُ تلكَ الحَقيقة.
واسمَحُوا لي أن أنظُرَ إلى هَذا المَوضوعِ مِن وُجْهَةِ نَظرٍ سَلبيَّةٍ بأنْ أَرْجِعَ إلى سِفْرِ التَّكوين. فإنْ نَظَرْنا سَلبيًّا إلى ذلكَ نَرى أنَّ الأصحاحَ العِشْرين مِنْ سِفْرِ التَّكوينِ يَقولُ مَا يَلي: "لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ لِبَيْتِ أَبِيمَالِكَ". فَلم يَكُنْ بِمَقدورِهِنَّ أنْ يَلِدْنَ لأنَّ اللهَ لم يَسْمَحْ بذلك. فاللهُ أغلَقَ كُلَّ رَحِمٍ. وَنَقرأُ في سِفْرِ التَّكوين 16: 2: "فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ". وَنَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 1: 5-6 عَنْ حَنَّة: "وَلكِنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ رَحِمَهَا". وَهُوَ يَقولُ ذلكَ مَرَّتَيْن. لِذا، مِنْ وُجْهَةِ النَّظَرِ السَّلبيَّةِ، تَرَوْنَ أنَّ اللهَ يُغْلِقُ الرَّحِم. فاللهُ يَقولُ: "لَنْ يُوْلَدَ أيُّ طِفْلٍ مِنْ هَذا الرَّحِم". فَهُوَ صَاحِبُ السُّلْطانِ على ذلك.
أمَّا مِنْ وُجْهَةِ النَّظَرِ الإيجابيَّةِ فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ التَّكوين 17: 16 أنَّ اللهَ قَالَ لإبراهيم: "وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا". سَوْفَ أَفْتَحُ رَحِمَها. وَنَقرأُ في سِفْر التَّكوين 21: 2: "فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللهُ عَنْهُ". فَقد قَالَ اللهُ: "لَقَدْ أَغْلَقْتُ رَحِمَها. وَسَوفَ أفْتَحُهُ". ونَقرأُ في سِفْر التَّكوين 25: 21: "وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ". فَقَدْ سَمَحَ اللهُ لَها بأنْ تُنْجِب.
ويُواصِلُ سِفْرُ صَموئيلَ الأوَّل 1: 19-20 الحَديثَ عَن حَنَّة إذْ نَقرأُ: "...وَالرَّبُّ ذَكَرَهَا". فَمَعَ أنَّهُ كَانَ قد أَغْلَقَ رَحِمَها فإنَّهُ ذَكَرَها. "وَكَانَ فِي مَدَارِ السَّنَةِ أَنَّ حَنَّةَ حَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ صَمُوئِيلَ قَائِلَةً: «لأَنِّي مِنَ الرَّبِّ سَأَلْتُهُ»". فَقَدْ فَتَحَ الرَّبُّ رَحِمَها فَوَلَدَتْ ابنًا.
ونَقرأُ في سِفْرِ رَاعوث 4: 13: "فَأَخَذَ بُوعَزُ رَاعُوثَ امْرَأَةً وَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهَا الرَّبُّ حَبَلاً". يَا لَها مِنْ جُمْلَةٍ رَائِعَةً: "فَأَعْطَاهَا الرَّبُّ حَبَلاً". فَلَمْ يَحْدُث أيُّ حَمْلٍ في أيِّ مَكانٍ على وَجْهِ الأرضِ طَوالَ تَاريخِ الجِنسِ البَشريِّ إلاَّ وَكانَ لَهُ قَصْدٌ إلهِيٌّ.
ونَقرأُ في سِفْرِ القُضاةِ 13: 3 عَنْ زَوْجَةِ مَنُوْح. فَقَدْ سَألتِ الرَّبَّ واستَجابَ لَها إذْ نَقرأُ: "فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ لَهَا: هَا أَنْتِ عَاقِرٌ لَمْ تَلِدِي، وَلكِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا". وبالمُناسَبة، كانَ ذلكَ الابنُ هُوَ شَمْشُون. بِعبارةٍ أخرى، مَعَ أنَّ اللهَ لم يَسْمَحْ لَكِ سَابِقًا أنْ تُنْجِبي، فإنَّكَ الآنَ سَتُنْجِبين.
تُبَيِّنُ هذهِ الآياتُ لَنا أنَّ اللهَ هُوَ القُوَّةُ الَّتي تُؤدِّي إلى العُقْمِ، وَأنَّ اللهَ هُوَ القُوَّةُ الَّتي تُؤدِّي إلى الحَبَل. فَأينَما حَدَثَ حَبَلٌ، اعلَمُوا أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي سَمَحَ بِهِ. لِذا، أنْتَ تَعْبَثُ بِشَيءٍ صَنَعَهُ اللهُ. هذهِ هِيَ النُّقطَةُ الجَوهريَّة.
والآن، لِنَنظُر إلى هَذا الأمرِ مِن زَاويةٍ أخرى مُختلفة عَمَّا جَاءَ في سِفْر التَّكوين وَآياتٍ أخرى كَما هُوَ وَاضِحٌ لاهُوتِيًّا. افتَحُوا على سِفْر أيُّوب والأصحاحِ العاشِر. فَنَحْنُ نَجِدُ هُنا جُمَلاً تَختصُّ بِفَهْمِ أيُّوبِ لله، أو شَيئًا عَن عَقيدَتِهِ ونَظرَتِهِ إلى هذهِ المَسألة. فَفي الأصحاحِ العَاشِرِ مِنْ سِفْرِ أيُّوب، يُفَكِّرُ أيُّوبُ في كُلِّ الأمورِ السَّلبيَّةِ الَّتي حَدَثَتْ في حَياتِهِ ويَسألُ اللهَ كَعادَتِهِ عَنِ السَّبَب!
وَهُوَ يَقولُ في سِفْرِ أيُّوب 10: 8: "يَدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا". أيْ: أنا أُقِرُّ بأنَّكَ أنتَ مَنْ خَلَقْتَني، ثُمَّ إنَّهُ يَسألُ: "أَفَتَبْتَلِعُنِي؟" فَهُوَ لا يَفهَمُ مَا يَجري في حَياتِه. وَهُوَ يَقولُ: "يَدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا". والعِبارَةُ "كُلِّي جَمِيعًا" تَعني حَرفِيًّا في اللُّغَةِ العِبريَّةِ: "كُلِّي بِجُمْلَتي"؛ أيْ أنَّكَ صَنَعْتَني بالمَعنَى الشَّامِل.
ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "اُذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطِّينِ". بِعبارةٍ أخرى، لَقَدْ جَبَلْتَني كَما يُجْبَلُ الطِّيْن. وَفي العَددِ العَاشِرِ، يَستخدِمُ أيُّوبُ صُورةً أخرى: "أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ، وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟" فَقَدْ صَنَعْتَني، وَجَبَلْتَني، وَشَكَّلْتَني. وَفي العَددِ الحَادي عَشَر: "كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا، فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ". فَقَدْ وَهَبْتَني حَياةً. وَقَدْ خَلَقْتَني. هَذا هُوَ مَا يَقولُه بِشَتَّى الطُّرُقِ المُمكِنَة.
انظُروا إلى سِفْرِ أيُّوب 12: 9: "مَنْ لاَ يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ هؤُلاَءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَتْ هذَا؟ الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ". بِعبارةٍ أخرى: اللهُ هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ حَياة. انظُروا إلى سِفْر أيُّوب والأصحاح 31. وَسَوْفَ أُريكُم آيَتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ جدًّا. أيُّوب 31: 15: "أَوَلَيْسَ صَانِعِي فِي الْبَطْنِ صَانِعَهُ، وَقَدْ صَوَّرَنَا وَاحِدٌ فِي الرَّحِمِ؟" فَهُوَ يَتحدَّثُ عَن شَخصٍ وَاحِدٍ، أو يَتحدَّثُ عَن نَفسِهِ وَعَن شَخصٍ آخر فيقول: أَلَمْ يَخْلِقْنا اللهُ جَميعًا؟ أَلَمْ يُصَوِّرْنا اللهُ في الرَّحِم؟ وعَمليَّةُ الخَلْقِ تِلكَ ابتدأتْ في الرَّحِمِ عِنْدَ الحَبَل.
أيُّوب 33: 4: "رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي". مِنَ الوَاضِحِ جدًّا هُنا، في هذا السِّفْرِ الَّذي هُوَ على الأرْجَحِ أقدَمُ سِفْرٍ في الكتابِ المقدَّسِ، أنَّ أيُّوبَ يُعيدُنا إلى زَمَنِ الآباءِ الأوائِلِ لأنَّهُ على الأرجَحِ كَتَبَ هَذا السِّفْرَ قَبْلَ أسفارِ مُوسَى الخَمسَة. وَهَذا يُرينا أنَّهُم كَانُوا يَفهمونَ أنَّ مَنْ خَلَقَهُم هُوَ الله.
وَقد كَانَ المُرَنِّمُ يُؤمِنُ بالفِكرةِ نَفسِها. انظُروا إلى المَزمور 22 – المَزمور 22. فَدَاوُدُ يَجِدُ نَفسَهُ في مَوقِفٍ يُشبِهُ تَمامًا مَوقِفَ أيُّوب. فَهُوَ يُحاوِلُ أنْ يَفْهَمَ مَشاكِلَهُ. وَهُوَ يَرجِعُ إلى حَقيقةِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي خَلَقَهُ. فَهُوَ يَقولُ في المَزمور 22: 9: "لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنًّا عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ إِلهِي".
وَفي المَزمورِ المِئَة، ولا يُمكِنُنا أن نَقرأَ كُلَّ الآياتِ الكِتابيَّةِ ذَاتِ الصِّلَة، ولكِنَّنا نَقرأُ في المَزمور 100: 3: "اعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ. هُوَ صَنَعَنَا"؛ لا نَحْن. وَقَدْ تَقولُ: "ولكِنَّنا نَحْنُ مَنْ نَخْلُقُ الأطفال. لا، أنتُم لم تَخْلُقُوا طِفلاً يَومًا، بَلْ أنتُمُ الأداةُ البَشريَّةُ الَّتي يَخْلُقُ اللهُ مِن خِلالِها طِفلاً.
اسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا: يُمكِنُكم أن تَنقِلُوا الصِّفاتِ الجَسديَّة، ولكِنْ لا يُمكِنُكم أن تَخلُقُوا رُوْحًا. هَل تَفهَمونَ ذلك؟ فَلا يُمْكِنُكم مِن خِلالِ العَلاقاتِ الجِنسيَّةِ أنْ تَخلُقوا رُوحًا أبديًّا لا يَموت. فِفي وَقْتِ الحَبَل، أيْ عِندَما تَجْتَمِعُ العَوامِلُ الجَسديَّةُ، لا بُدَّ أنْ يَخْلُقَ اللهُ رُوْحًا. فَنَحنُ نَقرأُ في المَزمور 104: 30: "تُرْسِلُ رُوحَكَ فَتُخْلَقُ". وَهَذا يُذَكِّرُنا بأنَّ رُوحَ اللهِ هُوَ القُوَّةُ الخَالِقَة.
وَفي سِفْرِ إرْميا 1: 5، قَالَ اللهُ لإرْميا: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ". لَقَد عَرَفْتُكَ ("يادا" – "yada") بِصِفَتِكَ مَخلوقًا عَاقِلاً. وَفي رِسالةِ غَلاطِيَّة 1: 15 يَقولُ بُولُس: "وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ..." وَهَلُمَّ جَرَّا. فقد كانَ بُولُسُ يَعرِفُ، وكانَ إرْميا يَعرِفُ، وأيُّ مَسيحيٍّ يَعرِفُ أنَّ اللهَ يَضَعَ يَدَهُ عَلينا مُنذُ لَحظةِ الحَبَل، وَأنَّ مَصيرَنا الأبديَّ مَعروفٌ لَديهِ، وَأنَّ القَصْدَ والخُطَّةَ مِنْ خِدْمَتِنا للهِ مَوضوعَةٌ سَلَفًا.
والعَهدُ الجَديدُ يُؤكِّدُ ذلكَ بطريقةٍ رَائِعَة. انظُروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الأوَّلِ إذْ نَقرأُ عَن وِلادَةِ المَسيح. وَهَذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ مُهِمٌّ نَغْفَلُ عَنهُ غَالِبًا. إنجيل مَتَّى 1: 18: "أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ [أيْ أنَّهُما لم يَكونا قَدْ تَزَوَّجا بَعْد]، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا [أيْ قَبْلَ أنْ تَنْشَأَ بينَهُما عَلاقةٌ جِنسيَّة]، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". والآن، لَقد كانَ المَوقِفُ مُحْرِجًا جدًّا لِيُوسُف لأنَّهُ كَانَ يُؤمِنُ في قَلبِهِ بأنَّ هذهِ الفَتاةَ مُكَرَّسَةٌ رُوحِيًّا، وَبأنَّها فَتاةٌ بَارَّةٌ ومُقَدَّسَة، وبَأنَّها عَذراء وعَفيفة.
ولكِنْ فَجأةً، تَبَيَّنَ أنَّهَا حُبْلَى. وَقد كَانَ يُوسُفُ رَجُلاً بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا. فَقد كَانَ بِمَقدورِهِ أنْ يَرْجُمَها أمامَ النَّاسِ. ولكِنَّهُ أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا. فَقد كَانَ مُحْرَجًا ولم يَفْهَمْ كيفَ حَدَثَ ذلك. "وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ".
والنُّقطةُ الَّتي أُريدُ مِنكُم أن تُلاحِظُوها هِيَ التَّالية: أنَّ اللهَ هُوَ العَامِلُ في ذلكَ الحَبَل؛ لا فقط في حَالَةِ يَسوعَ المَسيحِ، بَلْ في أيِّ حَياةٍ تَنْشَأُ في الرَّحِم. وَهَذا يَصِحُّ عَليَّ أو عَلى أيِّ شَخصٍ وُلِدَ في هذا العَالَمِ إذْ إنَّ اللهَ هُوَ العَامِلُ في الحَبَلِ بِنا. والفَرْقُ هُوَ أنَّ أمَّهاتِنا لم تَحْبَلْ حَبَلاً عُذْرِيًّا. أمَّا يَسوعُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ بَشَرِيٌّ. وعلى الرَّغْمِ مِن ذلكَ فإنَّنا نِتاجُ عَمَلِ الخَلْقِ الإلهيِّ بِواسِطَةِ رُوحِهِ القُدُّوسِ الَّذي يَنْفُخُ الحَياةَ في كُلِّ شَيء.
كَما أنَّ الحَياةَ في رَحِمِ مَريَمَ لم تَكُن مَادَّةٍ غَير شَخصيَّة، ولم تَكُنْ مُجَرَّدَ مَادَّةٍ جَنينيَّة، بَلْ كَانَت ابنَ الله. فَتلكَ الحياةُ ابتدأتْ مِنْ لَحْظَةِ الحَبَل. وَقد جَاءَ المَسيحُ إلى العَالَمِ عِنْدَ الحَبَلِ بِهِ. انظُروا إلى إنجيل لُوقا والأصحاحِ الأوَّل. فَسَأُحاولُ أن أَذْكُرَ لَكُمْ مَثَلاً إيضاحِيًّا آخرَ مِنَ العهدِ الجديد. فَنَحنُ نَقرأُ في إنجيل لُوقا 1: 41: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ..." – وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ أليصابات كَانَتْ حُبْلَى بيُوحَنَّا المَعمَدان. "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". وَلا شَكَّ في أنَّ يُوحَنَّا المَعمَدانَ كَانَ مُمتلئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ حَتَّى وَهُوَ في رَحِمِ أُمِّهِ أيضًا (كَما يُخبِرُنا إنجيل لُوقا 1: 15).
لِذا فَقد كَانَ الرُّوحُ القُدُسُ يَعْمَلُ في حَياةِ يُوحَنَّا المَعمَدان كَما يَعْمَلُ في أيَّة حَياة لأنَّهُ هُوَ الَّذي يُعْطي الحَياة. ولكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كَانَ يَعْمَلُ بِطَريقَةٍ خَاصَّةٍ في حَياةِ يُوحَنَّا المَعمَدان مُنذُ أن كَانَ في الرَّحِمِ على غِرارِ مَا كَانَ يَعْمَلُ في حَياةِ يَسوعَ وَهُوَ مَا يَزالُ في الرَّحِم. وَأيًّا كَانَ مَعنى ذلك فإنَّنا نَقرأُ أنَّ الجَنينَ ارْتَكَضَ في بَطْنِها. وَلا بُدَّ أنَّ هَذا يَعني أنَّ ذلكَ الجَنينَ تَجاوَبَ مَعَ مَا كَانَ يَحدُثُ في الخَارِج. فَقد حَرَّكَ الرُّوحُ القُدُسُ تِلكَ الحَياةَ الصَّغيرةَ بِطريقةٍ مَا. وَهَذا شَيءٌ رَائِعٌ يَنبغي أن نَتأمَّلَ فيه مَعَ أنَّهُ شَيءٌ غَامِضٌ يَصعُبُ استِيعابُه.
لاحِظُوا الكلمة "جَنين". وَهَذِهِ هِيَ النُّقطةُ الجَوهريَّةُ هُنا. فالكلمة "جَنين" هِيَ "بريفوس" (brephos): "ارْتَكَضَ الجَنينُ". أَلاَ لاحَظتُم مِن فَضلِكُم أنَّ هذهِ الكلمة استُخدِمَت في الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 12، وفي الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 16، وفي الأصحاحِ الثَّامِن عَشَر والعَدد 15، وفي رِسالةِ بُطرسَ الأولى 2: 2، وفي مَواضِعَ أخرى للإشارةِ إلى طفْلٍ حَيٍّ مَولود. وَلكِنَّها تُستخدَمُ هُنا للإشارةِ إلى طِفْلٍ حَيٍّ لم يُولَد بَعد. استَمِعُوا جَيِّدًا إلى مَا أَقول: إنَّها الكلمةُ الَّتي استُخدِمَتْ للإشارةِ إلى الأطفالِ الَّذينَ لم يُولَدُوا أوِ الَّذينَ وُلِدُوا. فَهُمْ لا يُشارُ إليهِم بكلمتَيْنِ مُختلفتَيْن. وَهُمْ لم يَكونُوا يُطلِقونَ عليهم كلمة "جَنين"، بَلْ كانَ طِفلاً لَم يُولَد بَعد، أو طِفلاً مَولودًا. فلم تَكُن هُناكَ حَاجَةٌ إلى كلمةٍ مُنفَصِلَة.
فَما إنْ يُخْلَقَ الكَائِنُ الحَيُّ فإنَّهُ طِفْلٌ سَواءَ لم يُوْلَد بَعْد أو وُلِدَ. فَلَحْظَةُ الوِلادَةِ في ذاتِها لا تُقَرِّرُ القُدرةَ على البَقاءِ أوِ الحَياة. فالحَياةُ تَتِمُّ عِنْدَ الحَبَل. لِذا فإنَّ الطِّفْلَ هُوَ طِفْلٌ في الرَّحِم، وطِفْلٌ خَارِجَ الرَّحِم إذْ لا تُوجَدُ لَفْظَةٌ مُختلفةٌ لكُلٍّ مِنهُما. فَهُوَ ليسَ مَجموعَةً مِنَ الخَلايا، بَل هُوَ طِفْل... إنَّهُ طِفْل.
لِذا فإنَّ الحَبَلَ هُوَ عَمَلٌ إلهِيٌّ حَيْثُ إنَّ الإنسانَ يُخْلَقُ بمَشيئةِ اللهِ وَسِيادَتِه، وتُنْفَخُ في الأنسِجَةِ الحَيَّةِ نَسَمَةُ حَياةٍ مِنْ قِبَلِ الرُّوحِ القُدُس. وَمَصيرُ تِلكَ النَّفسِ مَعروفٌ عِنْدَ اللهِ ومُقَرَّرٌ عِندَ اللهِ مِن قَبلَ تَأسيسِ العَالَم. لِذا فإنَّ الإجهاضَ هُوَ عَمَلٌ عَنيفٌ مُعادٍ لله. فَهُوَ ليسَ مُجَرَّدَ قَتْلٍ لفَرْدٍ، بَلْ هُوَ تَحَدٍّ للخَالِق.
والآن، قَد يَقولُ قَائِلٌ: "مَهلاً مِن فَضلِك! مَاذا عَنِ الأشخاصِ المُشَوَّهينَ الَّذينَ وُلِدُوا؟ هَلِ اللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ هَؤلاء؟" نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج 4: 11 أنَّ اللهَ قَال: "مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ؟" أَنا هُوَ مَن يَخْلُقُهُم هَكَذا. فَهُناكَ مَقاصِدُ إلهيَّة أحيانًا مِنْ خَلْقِ النَّاسِ خُرْسًا، أوْ صُمًّا، أو بَصيرينَ أو عُمْي. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ التَّاسِعِ قِصَّةَ الرَّجُلِ المُولودِ أعمَى. وَقد قَالَ التَّلاميذُ: "مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ؟" أَجَابَ يَسُوعُ: "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ". فَاللهُ خَلَقَهُ هَكذا.
لِذا فإنَّ النُّقطةَ الأولى [وَهِيَ النُّقطةُ الَّتي يَنبغي أن تَبتَدِئُوا مِنها أيَّ نِقاشٍ كِتابِيٍّ] هِيَ أنَّ الحَبَلَ هُوَ عَمَلٌ إلَهِيٌّ. فَهُوَ عَمَلٌ يَتَّحِدُ فيهِ ثَلاثةٌ وعِشرونَ كروموسومًا مِنَ الأبِ بِثَلاثةٍ وعِشرينَ كروموسومًا مِنَ الأُمِّ في شَريطٍ مِنَ الحِمْضِ النَّوَوِيِّ الَّذي يَخْلِقُ حَياةً. فَفِي لَحظَةِ اللِّقاءِ الجَسديِّ ذَاكَ، يَنْفُخُ اللهُ مِن خِلالِ رُوحِهِ القُدُّوسِ في تِلْكَ المَادَّةِ نَسَمَةَ حَياةٍ فَيَصيرُ ذلكَ المَخلوقُ رُوْحًا حَيَّةً خَالِدةً وَأبديَّةً أَسْمَى مِنَ الجَسَدِ لأنَّها ستَعيشُ إلى الأبدِ مَعَ أنَّ الجَسَدَ سيَموت. لِذا، في لَحْظَةِ الحَبَلِ تُخْلَقُ الحَياة.
وَقَتْلُ تِلْكَ الحَياةِ هُوَ تَعَدٍّ عَلى الله. وَكَما أنَّ ذلكَ العَمَلَ الخَطيرَ هُوَ تَعَدٍّ على الحَياةِ نَفسِها، فإنَّهُ تَعَدٍّ أخطَر على اللهِ الخَالِق. لِذا فإنَّ الإجهاضَ يَدُلُّ على أنَّهُ أكبرُ وَأعظَمُ انْحِطاطٍ مُريعٍ وَهَائِلٍ في مُجتمَعِنا. وَهُوَ أشْنَعُ دَليلٍ على فَسادِ مُجتَمَعِنا. وَهُوَ أكْبَرُ دَليلٍ على عُمْقِ إلْحادِنا إذْ إنَّنا نَقْتُلُ الحَياةَ الَّتي يَخْلُقُها اللهُ.
فَقَدِ اغْتَصَبْنا العَرْشَ الإلهِيَّ وَصرْنا نَحْنُ اللهَ الآن. وَنَحْنُ مَنْ يُقَرِّرُ مَنْ يَعيشُ وَمَنْ يَموت. وَقَدْ تَجاوَزْنا ذلكَ، يا أصدقائي، وَصِرْنا نَقْتُلُ النَّاسَ بِحُجَّةِ "القَتْلِ الرَّحيم". ويَنبغي أن تَعلَمُوا أنَّ هَذا الأمْرَ يَجْري كَطُوفانٍ سَيَقضي على كُلِّ الأشخاصِ المُسِنِّينَ لأنَّنا نَظُنُّ أنَّنا اللهُ وَأنَّنا أصحابُ القَرار. ولكِنَّ هَذا النَّوعَ مِنَ الإلحادِ سَيَجلِبُ غَضَبَ اللهِ. وَسَوفَ نَرى ذلكَ في هذا المَساء.
يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا الصَّباحِ لأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى أنْ نَفْهَمَ بوضوحٍ هذهِ الأمورَ الَّتي تَتحدَّثُ عَنها كَلِمَتُك. وأقَلُّ مَا يُقالُ هُوَ أنَّنا نَشْعُرُ بالرُّعبِ والحُزْنِ والغَمِّ بِسَببِ هَذهِ الأمورِ المُرعِبَةِ الَّتي تَحدُثُ في أرْضِنا. ونَحنُ نَشكُرُكَ ونُؤمِنُ بأنَّكَ تَجْمَعُ بِنِعمَتِكَ هَؤلاءِ الأطفالَ الصِّغارَ إليكَ، وَبأنَّكَ تَجْمَعُهُم وَتُدخُلُهُم إلى مَلكوتِك.
وَنَحنُ نَشكُرُكَ أيضًا لأنَّكَ تَعلَمُ مُنذُ البِدايةِ أنَّهُم لَنْ يُولَدُوا يَومًا لأنَّهُم سيُقتَلونَ، وَأنَّ ذلكَ لا يُبْرِئُ القَاتِلَ، وَأنَّكَ خَطَّطْتَ لِمُستقبلِهم أن يَكونَ جَيِّدًا وَخَالِيًا مِنَ الأذى. وَنَحنُ نَشكُرُكَ لأنَّكَ تَستطيعُ أن تُبْطِلَ كُلَّ تلكَ الأشياءِ؛ ولكِنَّ ذلكَ، يا رَبُّ، لا يُكَفِّرُ عَنِ الخَطيَّةِ الَّتي سَيُدانُ النَّاسُ عليها؛ أيْ أولئكَ الَّذينَ يَفعَلونَ تلكَ الأشياءَ، أو أولئكَ الَّذينَ فَعَلوا تلكَ الأشياءَ بهؤلاءِ الأطفال، وَأولئكَ الَّذينَ يَتَغاضَوْنَ عَنها.
وَنَحنُ نَشكُرُكَ أيضًا، يا رَبُّ، لأنَّكَ تَغفِر. فأنتَ تَغفِرُ للمَرأةِ الَّتي خَضَعَتْ للإجهاضِ، وتَغفِرُ للرَّجُلِ الَّذي أَجْرَى عَمليَّةَ إجهاضٍ، وتَغفِرُ للزَّوجِ الَّذي سَمَحَ بذلك، وللحَبيبِ الَّذي أرادَ ذلك. فأنتَ تَغفِرُ جَميعَ خَطايانا إنْ جِئْنا باسْمِ المَسيحِ وَطَلَبْنا الغُفران. وَنَشكُرُكَ لأنَّكَ تَستطيعُ أن تَغسِلَ وَتُطَهِّرَ كالثَّلجِ ذلكَ الشَّخصَ الَّذي تَلَوَّثَ بِخَطِيَّةٍ كَهذه، وتَستطيعُ أن تُعْطي سَلامًا عِوَضًا عَنِ القَلَق، وفَرَحًا عِوَضًا عَنِ الحُزنِ بِسَببِ غُفرانِك.
وَنحُن نُصَلِّي اليومَ، يا رَبُّ، أنْ تُعطينا قَناعاتٍ وَاضِحَةً بشأنِ هذهِ المَسألة. ساعِدنا على أن نَعرِفَ بِصِفَتِنا كَنيسة، وبِصِفَتِنا مَسيحِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَحْتَمِلَ أيَّ شَكْلٍ مِن أشكالِ الإجهاضِ، وَأيَّ شَكْلٍ مِن أشكالِ اغْتِصابِ العَرْشِ الإلهيِّ الَّذي تَجلِسُ عَليهِ، وَأيَّ شَكْلٍ مِن أشكالِ العُنفِ والقَتلِ الجَماعِيِّ مِن دُونِ أن تَصرُخَ الأرضُ ضِدَّنا. سَاعِدنا على أن نَتكلَّمَ بوضوحٍ عَن هذهِ المَسألةِ، وَأنْ نَقِفَ مَوقِفًا صَارِمًا كَما يَنبغي.
ولكِنْ يا رَبُّ، نُريدُ أيضًا أن تُعطينا تَعاطُفًا وَلُطْفًا تُجاهَ هَؤلاءِ الَّذينَ سَقَطُوا في هذهِ الخطيَّةِ كَيْ نُرْجِعَهُم إلى إنجيلِ المَسيحِ المُخَلِّصِ وَرَحْمَتِهِ الغَفورَة. مِنْ أجْلِ ذلكَ نُصَلِّي يا رَبُّ ونَسألُكَ أن تَعْكِسَ الحَالَ كُلَّها في هذهِ الأرضِ، وَأنْ تُعيدَنا إلى مِعيارِ البِرّ.
كُنْ مَعَ قَادَتِنا، وأعْطِنا قَادَةً يَقودُونَنا في الاتِّجاهِ الَّذي يُرضيكَ، لا في اتِّجاهٍ يُغْضِبُكَ. نَسْألُكَ الإرشادَ باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
