Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمون، نحنُ نَدرُسُ معًا سِلسلةً عن رُبوبيَّةِ يَسوعَ المسيحِ فيما يَختصُّ بالخلاص. وفي هذا المَساء، نأتي إلى الرِّسالة الثَّالثة في سِلسِلتِنا، وهي بعُنوان: "الدَّعوة إلى التَّوبة". وطبيعةُ هذه السِّلسِلة هي أنَّها مِن آيات كِتابيَّة مُختارَة عِوَضًا عنِ الأسلوبِ الاعتياديِّ الَّذي أَنتَهِجُهُ إذْ أُرَكِّزُ على مَقطَعٍ مُعَيَّن. كذلكَ فإنَّ طبيعةَ هذه السِّلسِلة هي أنَّها جَدليَّة؛ أيْ أنَّها تُرَكِّزُ على مُشكلة مُعيَّنة. فهي جَدليَّة مِن حيث أنَّها تَنظُرُ إلى رَأيٍ مُعَيَّنٍ وتَعرِضُ رأيًا آخرَ خاطئَ مِن وُجهَةِ نَظري. وهذا نَهْجٌ لا نَسلُكُهُ غالبًا، ولكِن مِن حينٍ إلى آخر، نَشعُرُ بالحاجةِ إلى الوَعظِ عن أمور مُعيَّنة يَتِمُّ تَعليمُها ولكنَّها، في رأيِنا، لا تُوافِقُ كلمةَ الله. وكما قُلتُ في بِدايةِ سِلسلَتِنا، لقد مَضى على تَطَرُّقي لهذه المسألة بِضعُ سَنوات. والحقيقةُ هي أنَّه خِلالَ السَّنواتِ العَشْرِ الماضية [أو أكثر]، كانَ هذا الموضوعُ [وما زَالَ] مَوْضِعَ اهتمامٍ كَبيرٍ لديَّ. والحقيقةُ هي أنِّي كُنْتُ عاكِفًا على كِتابَةِ كِتابٍ عن هذا الموضوعِ مُنذُ نَحوِ أربعِ سَنوات. وقدِ اكتملَ الكِتابُ الآن. والحقيقةُ هي أنِّي قَرأتُ الكِتابَ كُلَّهُ، وأَجريتُ كُلَّ التَّنقيحاتِ النِّهائيَّة على المُسَوَّدة في هذا الأسبوع. وهو الآنَ بينَ يَدَيِّ النَّاشِرِ مِن أجلِ المُراجعةِ النِّهائيَّة قبلَ أنْ يُنْشَرَ في شَهْرِ أيَّار/مايو. وهو يُعالِجُ هذه المسألةَ بِرُمَّتِها فيما يَختصُّ بالإنجيل. وعُنوانُ الكِتابِ هو: "الإنجيلُ بِحَسَب يَسوع" (The Gospel According to Jesus). فقد استَمَعنا إلى أشخاصٍ كثيرينَ يُخبرونَنا ما الإنجيل. وأنا مُقتَنِعٌ أنَّهُ يجب علينا أن نَستمعَ إلى يَسوعَ ونَرى ما يَقول.

وواحِدٌ مِنَ العَناصِرِ الَّتي هي على المِحَكِّ في هذا الجَدَلِ المُحْتَدِمِ يَختصُّ بالتَّوبة: ما هي؟ وأينَ هو مَكانُها المُلائم؟ فهل هي جُزءٌ ضَروريٌّ مِن رسالةِ الإنجيلِ أَم لا؟ وأرجو أنْ نَتَمَكَّنَ في هذا المساءِ، مِن خلالِ تأمُّلِنا معًا في كلمةِ اللهِ، ومِن خلالِ تأمُّلِنا في بَعضِ ما يَقولُهُ النَّاسُ، أرجو أن نَتمكَّنَ مِنْ تَشكيلِ فَهْمٍ واضحٍ لما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ التَّوبة. وبصراحَة، إنَّ واحدًا مِنَ أوضَحِ العَناصِرِ في الدَّعواتِ الكِتابيَّةِ إلى الخَلاصِ هو الدَّعوة إلى التَّوبة. فإذا نَظَرتُم وَحَسْب إلى العهدِ الجديد وقرأتُموهُ كما هو، ستَستنتِجونَ أنَّ التَّوبةَ هي عامِلٌ ضَروريٌّ في تَقديمِ الإنجيل. ولتأكيدِ ذلك، أَوَدُّ مِنكُم أن تَقوموا بدراسة كِتابيَّة صَغيرة معي. افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ ولنَبتدِئ بإنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّالث. وسوفَ نَتَتَبَّعُ ذلكَ قليلاً في الأناجيل، ثُمَّ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، ثُمَّ في الرَّسائل لنَرى خُلاصَةَ تلكَ الآيات. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّالثِ، نَتعرَّفُ إلى أوَّلِ كَارِزٍ في العهدِ الجديد وَهُوَ، بِدونِ شَكٍّ: يُوحَنَّا المَعمدان. ونَقرأُ في العددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الثَّالث: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ قَائِلاً: تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَات". ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الثَّامِنِ أنَّ يوحنَّا قالَ أيضًا: "فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة".

ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 17 أنَّهُ بعدَ يُوحَنَّا المَعمدان جاءَتْ خِدمةُ يَسوع: "مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ [أيْ في بِدايَةِ خِدمَتِهِ] ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَات". ونَقرأ في الأصحاحِ التَّاسعِ والعدد 13 أنَّ يَسوعَ قَال: "فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً"؛ أيْ: "أنا أُريدُ مَوقِفًا قَلبيًّا، لا دِيانةً خارجيَّة". "لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً". بَلْ خُطاةً. ولنَنظُر إلى إنجيل مَرقُس 1: 14. ومَرَّةً أخرى فإنَّ مَرقُسَ يُقَدِّمُ يُوحَنَّا: "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ". وما هي؟ "وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيل". ونَقرأُ في إنجيل مَرقُس 2: 17: "فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً". ونُلاحِظُ مَرَّةً أخرى رِسالةَ التَّوبةِ المُقدَّمة إلى الخُطاة. ثُمَّ نَرى في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدد 12 مِن إنجيل مَرقُس أنَّ الخِدمةَ استمرَّت بعدَ يُوحنَّا المَعمدان، وبعدَ يَسوع، واستمرَّتْ في زَمَنِ الرُّسُلِ أوِ التَّلاميذ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 12: "فَخَرَجُوا وَصَارُوا يَكْرِزُونَ [أنَّهُ يَنبغي للنَّاسِ] أَنْ..." [يَفعَلوا ماذا؟] يَتُوبُوا".

ولننظُر إلى إنجيل لوقا ونَرى كيفَ يَتحدَّثُ لوقا عن أوَّلِ كِرازةٍ بإنجيلِ الله. ففي إنجيل لوقا والأصحاحِ الخامِس، نَجِدُ مَرَّةً أخرى هذه الفِكرةَ في العدد 31 عن خِدمة يَسوع. وهو يَتوسَّعُ هُنا في سَرْدِ ما ذَكَرَهُ مَتَّى ومَرقُس فيقولُ في العدد 31: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ [أيْ للفَرِّيسيِّينَ والكَتَبة]: لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ". وهذا أمرٌ تَمَّتِ الإشارَةُ إليهِ ضِمنيًّا مِنْ قِبَلِ مَتَّى ومَرقُس، ولكنَّهُ قيلَ مُباشرةً مِنْ قِبَلِ لوقا إذْ إنَّ خِدمةَ يَسوعَ كانت مُوَجَّهَةً إلى الخُطاةِ إذْ كانَ يَدعوهُم إلى التَّوبة.

والأصحاحُ الثَّالث عَشر مِن إنجيل لوقا يَصْحَبُنا إلى عُمْقِ خِدمةِ إنجيلِ الله: "وَكَانَ حَاضِرًا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَوْمٌ يُخْبِرُونَهُ عَنِ الْجَلِيلِيِّينَ الَّذِينَ خَلَطَ بِيلاَطُسُ دَمَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هذَا؟ كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ. أَوْ أُولئِكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ، أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟ كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ»".

إنَّ السُّؤالَيْنَ المَطروحَيْنِ هُنا هُما سُؤالانِ مُدهِشان جدًّا. فما أرادَ النَّاسُ أن يَعرفوه هو: كيفَ يُعقَلُ أنَّ هؤلاءِ الجَليليِّينَ ذهبوا لتقديمِ الذَّبائحِ للهِ فجاءَ رِجالُ بيلاطُس وقَتَلوهُم وَهُم يُقَدِّمونَ الذَّبائحَ لله؟ فقد كانوا يَقولونَ: "كيفَ سَمَحَ اللهُ أن يَبذُلَ أُناسٌ حَياتَهُم وأن يُذبَحوا في حين أنَّهُم كانوا يَفعَلونَ الصَّواب؟ لماذا سَمَحَ اللهُ بذلك؟" فهذا هو السُّؤال. ويسوعُ يَقولُ في العددِ الثَّاني: "أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هذَا [المَصير]؟ ولكنِّي أقولُ لكم إنَّهُ نَموذَجٌ وَحَسْب عَمَّا سيحدثُ لكم إن لم تَتوبوا". ثُمَّ يَتبادَرُ السُّؤالُ الثَّاني في أذهانِهم: "وماذا عن أولئكَ الأشخاص الثَّمانيةَ عَشَر الَّذينَ سَقَطَ عليهم ذلكَ البُرْج؟ فهؤلاءِ لم يَكونوا يَعبُدونَ اللهَ، بل كانوا يَمشونَ وَحَسْب في الشَّارعِ فسقطَ البُرجُ عليهم وقَتَلَهُم. فقالَ يَسوعُ لَهُم: "أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ حَتَّى إنَّهُم مَاتوا بتلكَ الطَّريقة؟ كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ". وفي كِلتا الحَالتَيْن، فإنَّ يَسوعَ يَدعوهم إلى التَّوبة. فخِدمةُ يُوحنَّا هي: "تُوبوا". وخِدمةُ يَسوع هي: "تُوبوا". وخِدمةُ الرُّسُل هي: "تُوبوا".

لِنَفتَح على إنجيل لوقا 15: 7: "أَقُولُ لَكُمْ..." [والكلامُ هُنا هو كَلامٌ قالَهُ يَسوعُ بعدَ أنْ تَحَدَّثَ عنِ الرَّجُلِ الَّذي أَضاعَ الخَروفَ وذَهَبَ للبحثِ عنِ الخَروف]: "...إِنَّهُ يأتي إلى بَيتِهِ فَرِحًا"، وَهَلُمَّ جَرَّا. "أَقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ [يَفعَلُ ماذا؟] يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ". وفي العَددِ العاشِرِ، يَسرِدُ يَسوعُ قِصَّةَ امرأةٍ وَجَدَتْ دِرهَمًا فَفَرِحَت. "هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ". ثُمَّ إنَّهُ يَسرِدُ قِصَّةَ الابنِ الضَّالِّ، وهي قِصَّة عن خاطئٍ تابَ، وعَن خاطئٍ لم يَتُب. فالخاطئُ الَّذي تابَ هو الابنُ الضَّالُّ. والخاطئُ الَّذي لم يَتُب هو الأخُ الَّذي بَقِيَ في البيتِ ولم يُقِرَّ بِخَطيَّتِه. وقد كانت خِدمةُ يُوحنَّا المَعمدان تُرَكِّزُ على التَّوبة. وكانت خِدمةُ يَسوعَ تُرَكِّزُ على التَّوبة. وكانت خِدمةُ التَّلاميذِ تُرَكِّزُ على التَّوبة. والسَّماءُ تُدرِكُ ذلكَ وتَفرَح عندما يَفعلُ الخاطِئُ ماذا؟ يَتوب...يَتوب.

الأصحاح 16 مِن إنجيل لوقا. وأنتُم تَعرِفونَ هذه القصَّةَ عنِ الرَّجُلِ الغَنيِّ ولِعازَر. فقد ماتَ الرَّجُلُ الغَنِيُّ وذهبَ إلى الجَحيمِ حيثُ كانَ يَتعَذَّب. وقد ماتَ لِعازَرُ المُتَسَوِّلُ وذهبَ إلى حِضْنِ إبراهيم. وكما تَعلَمونَ، فقد قالَ الرَّجُلُ الغَنِيُّ: "دَعوني أخرُج مِن هُنا كي أُحَذِّرَ إخوتي لِئَلَّا يَأتوا إلى هُنا". ولكِنَّ إبراهيمَ قالَ في العدد 29: "عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ". ولكنَّهُ قالَ: "لاَ، يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ [ماذا؟] يَتُوبُونَ". والشَّيءُ الَّذي تَبتَدِئونَ في مُلاحَظَتِه هُنا هو أنَّ مَفهومَ التَّوبةِ هذا هو لُبُّ دَعوةِ الإنجيل. فهو دَعوة إلى التَّوبة. فعندما نَقرأُ هُنا أنَّ إبراهيمَ يَقول "لَعَلَّهُم يَتوبون"؛ أو بالأحرى: عندما يَقولُ الرَّجُلُ الغَنِيُّ لإبراهيم: "لَعَلَّهُم يَتوبون" فإنَّهُ يَعني بذلكَ: "لَعَلَّهُم يَتوبونَ ويُؤمنونَ بالحَقِّ". فهذا هو المَعنى الضِّمنيّ. ولكِنْ مِنَ الواضِحِ أنَّ التَّوبةَ وَثيقةُ الصِّلةِ جدًّا بالقضيَّةِ حَتَّى إنَّ كُلَّ دَعوةِ الإنجيل يُمكِنُ أن تَتلخَّصَ في الكلمة "تُوبوا". فقد كَرَزَ يُوحنَّا بالتَّوبة. وقد كَرَزَ يَسوعُ بالتَّوبة. وقد كَرَزَ التَّلاميذُ بالتَّوبة. وقد كَانَ الخاطِئُ هُنا يَفهَمُ التَّوبة.

وإذا نَظرنا إلى نِهايةِ إنجيل لوقا ودَقَّقنا جَيِّدًا في مُحتواه، نَرى في الأصحاح 24 والعدد 46 أنَّ يَسوعَ لَخَّصَ الإنجيل: "هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ [إنجيل لوقا 24: 46]، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ". بعبارة أخرى، نحنُ مَدعُوُّونَ إلى المُناداةِ بماذا؟ بالتَّوبة. فأنا أسمعُ أُناسًا كثيرينَ يَقولونَ إنَّهُم يُريدونَ أن يُشاركوا إيمانَهُم، ولكنِّي لا أَسمعُ أُناسًا كثيرينَ يَقولونَ إنَّهُم يُريدونَ أن يَذهبوا ويَكرِزوا بالتَّوبة. ولكِنَّ هذا هو الشَّيءَ الَّذي دُعينا حَقًّا إلى القيامِ بِه. فقد دُعينا إلى الكِرازةِ بالتَّوبةِ لِمَغفرةِ الخَطايا، وإلى أنْ نُنادي بذلكَ لكُلِّ الأُمَم. والآن، لِنَرى ماذا كانتِ الكنيسةُ الباكِرَةُ تَفعل. افتَحوا على سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فهل تَابَعوا خِدمةَ يوحنَّا ويسوعَ والتَّلاميذ؟ وهل تابَعوا ما جاءَ في المأموريَّةِ العُظمى فيما يَختصُّ بأنَّهُ يجبُ عليهم أن يَكرِزوا بالتَّوبةِ لمَغفرةِ الخَطايا في كُلِّ الأُمم؟ لِنَستمِع إلى بُطرُس في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 38. فقد وَقَفَ بُطرسُ في يومِ الخَمسين. وهذه هي أوَّلُ عِظَةٍ في العَهدِ الجديد. وكانتِ الكنيسةُ على وَشْكِ أن تُؤسَّسَ وتُولَدَ بعدَ القِيامَة. وماذا كانتِ الرِّسالةُ [أو في الحَقيقة] الدَّعوةُ الَّتي أَدَّتْ إلى وِلادةِ الكنيسة؟ لقد قالَ بُطرسُ في العدد 38: "تُوبوا". تُوبوا. وَهُوَ يَسيرُ على نَهْجِ يُوحَنَّا، ويسوعَ، والتَّلاميذ. وَهُوَ يَتْبَعُ بِطاعَةٍ المأموريَّةَ المَذكورةَ في إنجيل لوقا 24: 47: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيح لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُس".

وفي الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، نُتابِعُ ما حَدَثَ بعدَ ذلكَ في خِدمةِ الكنيسةِ الباكِرَة. وهُنا أيضًا نَرى أنَّ بُطرسَ هو الواعِظ. وهذه هي عِظَتُهُ الثَّانية. وَهُوَ يَقولُ لليهود...استمِعوا إليهِ في العدد 14: "وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ. وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضًا. وَأَمَّا اللهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ، قَدْ تَمَّمَهُ هكَذَا". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 19: "فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ رسالةَ الإنجيلِ هي دَعوة إلى التَّوبة. والأصحاحُ الحادي عَشَر يُطلِعُنا على المَزيدِ بخصوصِ امتِدادِ الكنيسة. فنحنُ نَجِدُ مَرَّةً أخرى في الأصحاحِ الحادي عَشَر أنَّ الرَّسولَ بُطرسَ مَا يَزالُ الشخصيَّةَ الرئيسيَّة. وواجِبُهُ هنا هو أنْ يُبْلِغَ اليَهودَ في أورُشَليمَ ما رأى أنَّ اللهَ يَفعلُهُ في تَخليصِ الأُمَم، ولا سِيَّما كَرْنِيلِيُوس وأهلَ بيتِه. ونَقرأُ في العدد 18: "فَلَمَّا سَمِعُوا ذلِكَ سَكَتُوا، وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ قَائِلِينَ: «إِذًا أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!»".

هلِ ابتدأتُم تُدركونَ فِكرةَ أنَّ "التَّوبةَ" هي كلمة مُرادِفة للإيمانِ المُخلِّص؟ وأنَّها عُنصُرٌ ومُكَوِّنٌ رَئيسيّ؟ لِنَتعمَّق أكثر. أعمال الرُّسُل 17. ونحنُ نَصِلُ الآنَ إلى خِدمةِ الرَّسولِ بولس. وبولُس يَجِدُ نَفسَهُ في أعمالِ الرُّسُل 17 في العاصِمَةِ الفَلسفيَّةِ في العالَمِ الهِلِّينستيّ، أيْ في مَدينةِ أثينا، إذْ يَجِدُ نَفسَهُ على تَلَّة مَارْس (Mars Hill) في مَكانٍ يُدعى "أَرِيُوس بَاغُوس". وَهُوَ يُناقِشُ الفَلاسفةَ الَّذينَ كانوا جَهابِذَةَ تلكَ المدينة. وَهُوَ يُقَدِّمُ لَهُم الرِّسالةَ التَّاليةَ في العدد 30: "فَاللهُ الآنَ...قد تَغاضَى عن أزمِنَةِ الجَهلِ...ويَأمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ..." [يَفعلوا ماذا؟] "...أن يَتُوبُوا". أن يَتوبوا. "لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ". أيْ: "يَجْدُرُ بِكُم أن تَتوبوا لأنَّ اللهَ سَيَدينُ المَسكونَة. فهو سَيَدينُها بالعَدْل. وَهُوَ سيَدينُها "بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَات". لِذا فقد كَرَزَ بولسُ بالتَّوبة. ولنفتَح على الأصحاح 20 حيثُ يُوْصي بولسُ شُيوخَ أفسُس. فقد كانَ شُيوخُ أفسُس مَسؤولينَ بصورة رئيسيَّة عن توفيرِ القِيادةِ لِكُلِّ كنائسِ أَسِيَّا الصُّغرى. فقد كانوا هُمُ القادة الرئيسيُّون. وبولُس يُذَكِّرُهم في العدد 21 بأنَّ خِدمَتَهُ هي أن يكونَ "شَاهِدًا لِلْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ وَالإِيمَانِ الَّذِي بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فقد بَيَّنَ بولسُ لقادةِ الكنيسةِ موضوعَ التَّوبة عَالِمًا تَمامًا أنَّهُ ينبغي لَهُم هُم أيضًا أن يَكرِزوا بالتَّوبةِ للآخرين.

والآن، افتَحوا على الأصحاح 26 والعَدد 20. ونَقرأُ هُنا عن مُثولِ بولُس أمامَ المَلِك أغريباس. وَهُوَ يَقولُ لَهُ في العدد 19 مِنَ الأصحاح 26: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ لَمْ أَكُنْ مُعَانِدًا لِلرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ، بَلْ أَخْبَرْتُ أَوَّلاً الَّذِينَ فِي دِمَشْقَ، وَفِي أُورُشَلِيمَ حَتَّى جَمِيعِ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ، ثُمَّ الأُمَمَ، أَنْ يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللهِ عَامِلِينَ أَعْمَالاً تَلِيقُ بِالتَّوْبَة". والآن، يا أحبَّائي، هذا هو تَعريفُ بولُس الرَّئيسيّ للكِرازةِ بالإنجيل. فهي كِرازَة بالتَّوبة. ولأنَّهُ كَرَزَ بالتَّوبة "أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ..." [كَما يَقولُ في العدد 21] "...وَشَرَعُوا فِي قَتْلِي". إذًا، يُمكنكم أن تَروا أنَّ الكنيسةَ الباكِرةَ تابَعَتِ الكِرازةَ الَّتي قامَ بها يَسوع، وتابَعَتِ الكِرازةَ الَّتي قامَ بها يوحنَّا المَعمدان، وتابَعَتِ الكِرازةَ الَّتي قامَ بها التَّلاميذ، وأنَّها كانت أمينةً في المُناداةِ بالتَّوبة عنِ الخطيَّة؛ أيْ المُناداةِ بِتَرْكِ الخطيَّة والرُّجوعِ إلى الله.

ويَكتُبُ بولسُ في رسالةِ رُومية 2: 4: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟" والآن، لاحِظوا ما يَلي. لاحِظوا ما يَلي: لقد كانت كِرازةُ يوحنَّا تُرَكِّزُ على التَّوبة. وكانت كِرازةُ يَسوعَ تُرَكِّزُ على التَّوبة. وكانت كِرازةُ التَّلاميذ تُرَكِّزُ على التَّوبة. وكانت كِرازةُ الكنيسةِ الأولى تُرَكِّزُ على التَّوبة. وحَتَّى إنَّ عَمَلَ اللهِ يُرَكِّزُ على اقتيادِ النَّاسِ إلى التَّوبة. لماذا؟ لأنَّنا نَقرأُ في رسالة بُطرس الثَّانية مَرَّةً أخرى (في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ التَّاسِع): "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى [ماذا؟] التَّوْبَة". واسمَحوا لي، يا أصدقائي الأعِزَّاء، أن أقولَ لكم إنَّ التَّوبةَ في تلكَ الآية هي كلمة مُرادِفَة لماذا؟ للخلاص. فلا يُمكِن أن يَكونَ هُناكَ إيمانٌ بِدونِ تَوبة. ولا يُمكِن أن يَكونَ هُناكَ خَلاصٌ بِدونِ تَوبة. فالتَّوبة هي كلمة مُرادِفَة. وهي عُنصرٌ جَوهريٌّ في عَمَلِ الخَلاصِ الإلهيِّ حَتَّى إنَّ عَمَلَ الخَلاصِ الإلهيِّ يُمكِنُ حَقًّا أن يُدعَى: "تَوبة"؛ أيْ: "رُجوع".

وهناكَ دَعوات أخرى في العهدِ الجديد تَدعو إلى ذلك بِدونِ استخدامِ هذه الكلمة. فمثلاً، انظروا إلى إنجيل مَرقُس 8: 34. وهُنا يُقَدِّمُ الرَّبُّ يَسوعُ دَعوةً. فهو يَدعو الجَمْعَ معَ تَلاميذِهِ المَوجودينَ أصلاً ويقولُ لذلكَ الحَشْدِ الكَبيرِ مِنَ النَّاس: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِــي [فهل تُريدونَ أن تَصيروا تَلاميذي وأن تَتبعوني؟] فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ...". وهذا يعني: أن يكونَ مُستعدًّا للموتِ وَبَذْلِ حَياتِهِ. "...وَيَتْبَعْنِــي". فهذه دَعوة إلى الابتعادِ... الابتعادِ عنِ الذَّاتِ، والابتعادِ عنِ الخطيَّة، والرُّجوعِ إلى المَسيح. انظروا إلى إنجيل لوقا والأصحاحِ التَّاسع. وهُما آيتانِ فقط ابتداءً مِنَ العدد 23. وَهُما تُعَبِّرانِ عن نَفسِ الفِكرة: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا". فهذه دَعوة. هذه دَعوة إلى الخاطئِ بأن يَتَخَلَّى عن مُحاولةِ إدارةِ حَياتِهِ بنفسِه في سَبيلِ اتِّباعِ المَسيح.

وقد تَقولون: "هل أنتَ واثِقٌ مِن أنَّ هذا المَقطعَ يَتحدَّثُ عنِ الخُطاة؟ وهل أنتَ واثِقٌ مِن أنَّهُ لا يُخبِرُ شخصًا مُخَلَّصًا أصلاً أن يُنكِرَ نَفسَهُ ويَحمِلَ صَليبَهُ ويَكونَ تابِعًا أكثرَ تَكريسًا لَهُ؟ وهل أنتَ واثِقٌ مِن أنَّهُ لا يَعني أنَّكَ قد تَموتُ تأديبًا إن لم تَبذُل حَياتَكَ؟ هل أنتَ واثِقٌ مِن أنَّهُ يُخاطِبُ غيرَ المُؤمِنين؟" حسنًا! يُمكِنُنا أن نَعلمَ الإجابةَ مِنَ العدد 25 لأنَّهُ يَقولُ حَالاً: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟" أوْ بحسبِ التَّرجمةِ المُعتَمَدة: "وَخَسِرَ [ماذا؟] نَفسَهُ". فهو يَتحدَّثُ عَمَّا إذا كُنتَ ستَخسَرُ نَفسَكَ أَم لن تَخسرها، لا عَمَّا إذا كُنتَ ستَخسَرُ مُكافأتَكَ أو بَرَكَتَك؟ لِذا فإنَّ هذه دَعوة إلى التَّخَلِّي عنِ الحياةِ الَّتي تُرَكِّزُ على الذَّاتِ، وعنِ الحياةِ المُنغَمِسَةِ بالذَّاتِ، وعنِ الحياةِ الخاطئةِ في سَبيلِ اتِّباعِ المسيح. ونَقرأُ في الأصحاح 14 مِن إنجيل لوقا والعَدد 26: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". ويا لَها مِن جُملة! ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ بعدَ ذلكَ مُباشَرةً: "وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". فهُناكَ نَفَقَة. والأمرُ يَتطلَّبُ تَحَوُّلاً. فهو تَحَوُّلٌ مِنَ اتِّباعِ مَشيئَتِكَ، وطَريقِكَ، والأشياءِ الَّتي تُقَيِّدُكَ، والعلاقاتِ الَّتي تُعَطِّلُكَ، إلى اتِّباعِ المَسيحِ أيًّا كانتِ النَّفَقة.

فَيَجدُرُ بِكَ أنْ تَحسِبَ النَّفَقة إذْ نَقرأُ في العدد 28: "وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ". ثُمَّ استَمِعوا إلى الكلماتِ التَّالية: "فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ [ماذا؟] أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". إذًا، إنَّهُ تَحَوُّلٌ...إنَّهُ تَحَوُّلٌ عن حَياتِكَ الشخصيَّةِ، ومَشيئَتِكَ الشخصيَّةِ، وطريقِكَ، وخطيتِكَ كي تَتَّبِعَ المسيحَ أيًّا كانتِ النَّفَقة. فهو تَغييرٌ في الذِّهن. وَهُوَ تَغييرٌ في القلب. وَهُوَ حَياة جَديدة قائمة على نُكرانِ الذَّاتِ وتَرْكِ الخطيَّة، ورُؤيةِ المُخلِّصِ بصِفَتِهِ رَبًّا ومَلِكًا عِوَضًا عنِ الذَّات. إذًا، ما أهميَّةُ التَّوبة؟ لقد أجابَ يَسوعُ عن ذلك. وقد قَرأنا ذلكَ للتَّوّ في إنجيل لوقا 13: 3 و 5: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُون".

ويا أحبَّائي، فقط مِن خلالِ تلكَ النَّظرةِ السَّريعة إلى الأناجيلِ وسِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، وإلى آيةٍ مِن رسالةِ رُومية ورسالةِ بُطرسَ الثَّانية، يُمكنُنا أن نَرى أنَّ الكارِزينَ الأوائلَ كَرَزوا بالتَّوبة. وقد طَلبتُ إلى اللهِ أن يُعطيني جُرعةً جديدةً مِنَ التَّوبةِ في وَعْظِي لأنَّ الموضوعَ مُهمَلٌ جدًّا. فهو مُهمَلٌ إهمالاً مُؤسِفًا. فأينَ هو هذا الوَعظُ اليوم؟ وأينَ تَسمعونَ هذا النَّوعَ مِنَ الكِرازةِ اليوم؟ فليسَ مِنَ المألوفِ أن تَعِظَ بإنجيلٍ يَطلُبُ مِنَ النَّاسِ أن يَتَخَلَّوْا عن كُلِّ مُمتلكاتِهم. فالإنجيلُ الَّذي تَسمعونَهُ اليومَ هو: "تَعالَ إلى يَسوعَ فتَصيرُ غَنيًّا". وإنجيلُ اليومِ هو: "آمِن بيسوعَ وَهُوَ سيَغفِرُ كُلَّ خطاياكَ، ويُعطيكَ السَّماءَ. وأنتَ لستَ بحاجةٍ إلى التَّخلِّي عن أيِّ شيء". ولكِنَّ هذا الإنجيلَ مُختَلِفٌ عنِ الإنجيلِ الَّذي كَرَزَ بهِ يَسوع: "تُوبوا. اترُكوا خطاياكُم وأنانيَّتَكُم". والآن، كيفَ صَارَ هذا العُنصُرُ الجوهريُّ في الكِرازَةِ بالإنجيلِ مُهمَلاً؟ وأينَ فَقَدناه؟ فهو لم يَعُد مَوجودًا. وأنتُم لا تَسمعونَ إلَّا نادِرًا تلكَ الكلمة.

يمكنُنا أن نَعودَ إلى سنة 1937، إلى عَصْرِ الدَّكتور "هاري أ. آيرونسايد" (Harry A. Ironside)، وَهُوَ رَجُلٌ عَظيمٌ مِنْ رِجالِ اللهِ، ومُعَلِّم عَظيم للكِتابِ المُقدَّس. وقد قالَ الدُّكتور آيرونسايد في سنة 1937 إنَّ عقيدة التَّوبة الكِتابيَّة قد خُفِّفَتْ تَدريجيًّا مِن قِبَلِ أولئكَ الَّذينَ يَرغبونَ في مَحْوِها مِن رسالةِ الإنجيل. وهذا الكَلامُ قِيلَ في سنة 1937؛ أيْ قبلَ خَمسينَ سنة. فقد قالَ آيرونسايد إنَّهُم يحاولونَ أن يَستثنوها مِن رسالةِ الإنجيل. واسمَحوا لي أن أقتَبِسَ مِنَ الكِتابِ الَّذي كَتَبَهُ، وهو بِعُنوان: "إنْ لم تَتوبوا" (Except Ye Repent). فقد كانَ واحدًا مِنَ الأبطالِ الَّذينَ يَدعونَ إلى التَّوبة. وَهُوَ مُحِقٌّ في ذلك. وقد كَتَبَ ما يَلي: "إنَّ عَقيدةَ التَّوبةِ هي النَّغَمة المَفقودة في الكَثيرِ مِنَ الأوساطِ المُتمسِّكَةِ بالرَّأيِ القَويمِ والمُحافِظِ اليوم". فهذه ليست مَعركةً جديدة، بل هي مَعركة قَديمة. فالنَّاسُ اليومَ يَكرِزونَ بإنجيلٍ يَقول: "حَسَنًا! انظروا! آمِنوا وَحَسْب ولا تَقلقوا بسببِ خَطاياكُم. لا تَقلقوا بخصوصِ ماضيكم. آمِنوا وَحَسْب. وكُلُّ ذلكَ سَيأتي لاحِقًا". لقد خاضَ آيرونسايد تلكَ المَعركة في سنة 1937. كذلكَ، فقد قالَ ما يَلي. فقد تَحدَّثَ [وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ] عنِ "الوُعَّاظِ الَّذينَ يَبدو ظاهريًّا أنَّهُم يُنادونَ بالنِّعمةِ، ولكنَّهُم يُشبِهونَ اللَّاناموسِيِّينَ القُدماء في أنَّهُم يَستَهينونَ بالتَّوبةِ لِئَلَّا يبدو أنَّهم يَنتَقِصونَ مِن مَجَّانِيَّةِ النِّعمَة". وقد كانت تلكَ هي المُشكلة الجوهريَّة. فقد كانَ هُناكَ أُناسٌ يَقولون: "إذا دَعوتَ إلى التَّوبةِ فإنَّكَ تَنتَقِصُ مِن مَجَّانِيَّةِ النِّعَمة. فالنِّعمةُ غَنِيَّة جدًّا ومَجَّانيَّة تمامًا حَتَّى إنَّكَ لستَ بحاجة إلى فِعْلِ أيِّ شيءٍ سِوى أنْ تُؤمِن وَحَسْب". وقد أدركَ آيرونسايد في زَمانِهِ مَخاطِرَ الإيمانِ الهَيِّنِ الَّذي ابتدأَ في الظُّهور.

كذلكَ فقد قالَ: "الوعظُ السَّطحيُّ الَّذي لا يُرَكِّزُ على الحقيقةِ المُرعِبَةِ لخطيَّةِ الإنسانِ وذَنبِه آمِرًا جَميعَ النَّاسِ في كُلِّ مكانٍ أن يَتوبوا لا يُسْفِرُ إلَّا عنِ اهتداءاتٍ سَطحيَّة. لِذا، فقد صارَ لدينا الكثيرُ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُتْقِنونَ ادِّعاءَ الإيمانِ، ولكنَّهُم لا يُقَدِّمونَ أيَّ دَليلٍ على تَجديدِهم. وَهُمْ في ثَرثَرَتِهم وكلامِهم المِهذارِ عنِ الخلاصِ بالنِّعمةِ لا يُظهرونَ أيَّ أثرٍ للنِّعمةِ في حياتِهم. ومعَ أنَّهُم يُعلنونَ بأعلى صَوتِهم أنَّهم مُبَرَّرونَ بالإيمانِ فقط، فإنَّهُم يَنْسَوْنَ أنَّ ذلكَ الإيمانَ بدونِ أعمالٍ هو مَيِّت، وأنَّ التَّبريرَ بالأعمالِ أمامَ النَّاسِ لا يُمكِنُ أن يُهْمَلَ كما لو أنَّهُ يُناقِضُ التَّبريرَ بالإيمانِ أمامَ الله". فقد كانَ "هاري آيرونسايد" في سنة 1937 يُرَكِّزُ على الهَدفِ ويَخوضُ نَفسَ المَعركة. وإنْ عُدنا مِن ذلكَ الوقت إلى تاريخِ الكنيسة، نُلاحِظُ أيضًا أنَّ تاريخَ الكنيسةِ يُدَوِّنُ شَهادةَ قادَةِ اللهِ بخصوصِ الطَّبيعةِ الجَوهريَّة للتَّوبة. واسمَحوا لي أن أَصْحَبَكُم إلى ذلكَ الوقت. فماذا عنْ آباءِ الكنيسةِ الباكِرَةِ في سنة 150 ميلاديَّة. حسنًا؟ أيْ بَعدَ خَمسينَ سَنة مِن مَوتِ يُوحَنَّا الرَّسول. فهذا وقتٌ مُبَكِّر. واسمَحوا لي أن أقرأَ لكم مَقطعًا مِنْ رِسالةِ إكليمندس الثَّانية (The Second Epistle of Clement) الَّتي كُتِبَتْ في سنة 150 ميلاديَّة. إليكُم ما تَقولُه: "دَعونا لا نَكتفي بأن نُطلِقَ على المسيحِ اللَّقَبَ ’رَبّ‘ لأنَّ ذلكَ لن يُخَلِّصَنا. فهو يَقول: ’ليسَ كُلُّ مَن يَقولُ لي يا رَبّ، يا رَبّ يَخلُص، بل مَن يَعملِ الحَقَّ". لِذا، دَعونا يا إخوتي نَعتَرِفُ بِهِ مِن خلالِ أفعالِنا. فهذا العالَمُ والعالَمُ الآتي هُما عَدُوَّان. فعالَمُنا الحاضِرُ يَعني الزِّنى، والفَساد، والطَّمَع، والغِشّ؛ فيما العالمُ الآتي يَتخلَّى عن هذه كُلِّها. لِذا، لا يُمكِنُنا أن نُحِبَّهُما كِليهِما. فلكي نَحصُلَ على الواحِد، ينبغي لنا التَّخَلِّي عنِ الآخر".

هذه هي التَّوبة. هذه هي التَّوبة. وهذا هو تمامًا ما قالَهُ يَعقوب: "مَحَبَّةُ الْعَالَمِ هي عَدَاوَةٌ للهِ". فإمَّا أن تُحِبَّ العالَمَ أو أن تُحِبَّ اللهَ، لا كِليهِما. هذه هي التَّوبة. وماذا عن مارتن لوثر؟ ففي سنة 1517، أطلَقَ مارتن لوثر الصَّيحةَ الَّتي سُمِعَ صَداها في العالَمِ كُلِّه عندما عَلَّقَ على بابِ الكنيسةِ في "ويتنبرغ" (Wittenberg) بُنودَهُ الخَمسةَ والتِّسعين. فقد عَلَّقَ خَمسةً وتِسعينَ بَنْدًا كانَ يَرى أنَّهُ ينبغي للكنيسةِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة أن تُقِرَّ بها. ولا أدري إن كُنتُم تَعرفونَ تلكَ البُنودَ الخمسة والتِّسعين، ولكِن بعدَ هذا المساء، ستَعرفونَ أوَّلَ ثَلاثة مِنها لأنَّني سأذكُرُها لَكُم الآن:

أوَّلاً [فهذا هو ما عَلَّقَهُ على بابِ الكنيسةِ في وِيتنبرغ]: "عندما قالَ رَبُّنا وسَيِّدُنا يَسوعُ المسيحُ: ’توبوا‘، قَصَدَ بذلكَ أن تَكونَ حَياةُ المؤمِنِ بِجُملَتِها فِعْلَ تَوبَة". البَنْدُ الثَّاني مِن بُنودِهِ الخمسة والتِّسعين: "هذا القَولُ لا يُمكنُ أن يُفهَمَ على أنَّهُ سِرُّ التَّوبة (أيِ الاعترافُ والحِلُّ مِنَ الخطيَّة) الَّذي يُمارِسُهُ الكَهَنة". ثالثًا: "بالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ لا يَعني التَّوبة الداخليَّة فقط. كَلَّا! فالتَّوبةُ الداخليَّة باطِلَة إن لم تُثمِر أصنافًا مُختلفة مِن إمَاتاتِ الجَسَد". فهذا هو ما قالَهُ مارتن لوثر. فهذه هي النِّقاطُ الرَّئيسيَّةُ الثَّلاث: أوَّلاً، التَّوبة هي أُسلوبُ حَياة. ثانيًا، التَّوبةُ لا صِلَةَ لها بأسرارِ الكنيسة (أيْ بالاعترافِ والحِلِّ مِنَ الخَطايا). ثالثًا، إنَّها ليست داخليَّة فقط، بل هي تُنشِئُ إماتَةً للجَسد. وقد كانَ مارتن لوثر مُصيبًا تَمامًا.

ولننتَقِل إلى القَرنِ الَّذي أَعقَبَ ذلك، وتحديدًا إلى سنة 1674. ففي سنة 1674، تَمَّت صِياغةُ التُّحفة اللَّاهوتيَّة المَعروفة باسم "تَعليم وستمنستر الدِّينيّ الأصغر" (Westminster Shorter Catechism). وفي ذلكَ الكِتاب الَّذي رُبَّما قَرأهُ بَعضٌ منكم أو حَتَّى دَرَسَهُ إنْ جِئتُم مِن خَلفيَّة مُصْلَحَة، هناكَ مَجموعة مِنَ الأسئلة والأجوبة. فهذا هو أسلوبُ التَّعليمِ الدِّينيِّ: أسئلة وأجوبة...أسئلة وأجوبة...أسئلة وأجوبة. فأنتَ تُعَلِّمُ أولادَكَ تلكَ الدُّروسَ فيَحفظونَ في النِّهاية كُلَّ عَناصِرِ اللَّاهوت. وواحدٌ مِنَ الأسئلةِ المذكورةِ في كِتابِ تَعليم وستمنستر الدينيّ الأصغر هو كما يَلي: "ما المَقصودُ بالتَّوبة للحياة؟" ما المَقصودُ بالتَّوبة للحياة؟ الجواب: التَّوبةُ للحياةِ هي نِعمة مُخَلِّصَة يُقْدِمُ فيها الخاطئُ بدافِعِ شُعورِهِ الصَّادِقِ بخطيَّتِه، وإدراكِهِ لرحمةِ اللهِ في المسيح، يُقْدِمُ فيها بِدافِعِ حُزنِهِ على خطيَّتِه وكراهيَّتِهِ لها بِالتَّحوُّلِ عنها إلى اللهِ بِنِيَّةٍ وعَزْمٍ تامَّيْنِ على السَّعيِ وراءَ طَاعَةٍ جديدة". وهذه جُملة رائعة. فهي نِعمة مُخَلِّصَة؛ أيْ أنَّها آتِيَة مِنَ الله. وبموجَبِها يُقْدِمُ الخاطئُ، بِدافِعِ شُعورِهِ الصَّادقِ بخطيَّتِهِ، وإدراكِهِ لِرحمةِ اللهِ في المسيح، يُقْدِمُ فيها بِدافِعِ حُزنِهِ على خطيَّتِه وكراهيَّتِهِ لها بِالتَّحوُّلِ عنها إلى اللهِ بِنِيَّةٍ وعَزْمٍ تامَّيْنِ على السَّعيِ وراءَ طَاعَةٍ جديدة". كذلكَ فإنَّ كِتابَ التَّعليمِ هذا يَقول: "التَّوبةُ للحياةِ تَقومُ بشكلٍ رَئيسٍ على أمرَيْن: أوَّلاً، على التَّحوُّلِ عنِ الخطيَّةِ وتَركِها؛ ثانيًا، على التَّحَوُّلُ إلى الله".

ثُمَّ يأتي السُّؤالُ التَّالي في كِتابِ التَّعليم: "ما هو ذلكَ التَّحَوُّل عنِ الخطيَّة، والَّذي يُشَكِّلُ جُزءًا مِنَ التَّوبة الحقيقيَّة؟" الجَواب: "التَّحوُّلُ عنِ الخطيَّة، والَّذي يُشَكِّلُ جُزءًا مِنَ التَّوبةِ الحقيقيَّة يَتألَّفُ مِن أمرَيْن: أوَّلاً، التَّحوُّلُ عن شَتَّى أنواعِ الخطايا الفَظيعةِ على صَعيدَيِّ المَسْلَكِ والكَلام؛ ثانيًا، التَّحَوُّلُ عن سائِرِ الخطايا الأخرى الَّتي تَشُوبُ قُلوبَنا وعَواطِفَنا". بعبارة أخرى، إنَّهُ التَّحوُّلُ عنِ الخطيَّةِ في ما نَفعل، والتَّحوُّلُ عنِ الخطيَّةِ في ما نُفَكِّرُ فيه. السُّؤالُ الَّذي يَليه: "بالنِّسبة إلى الَّذينَ تابوا فِعلاً عنِ الخطيَّة، أَلا يَعودونَ أبدًا إلى مُمارسةِ الخطايا عَينِها الَّتي كانوا قد تابوا عنها؟" الجَواب: "إنَّ الَّذينَ تابوا فِعلاً عنِ الخطيَّة لن يعودوا أبدًا إلى مُمارسَتِها كَنَمَطِ حَياةٍ كما كانوا يَفعلونَ مِنْ قَبل. أمَّا كُلُّ مَن يَعودُ بعدَ توبَتِه إلى الانغماسِ في الخطيَّة، ففي هذا دَليلٌ واضحٌ على أنَّ توبَتَهُ لم تَكُن قَطّ مِنَ النَّوعِ الصَّحيح. فهُناكَ أُناسٌ تابوا حَقًّا عن خَطاياهُم، لكِن قد تُفاجِئُهم التَّجارِبُ وتَغلِبُهم؛ الأمرُ الَّذي يُؤدِّي إلى سُقوطِهم في تلكَ الخَطايا عَينِها الَّتي كانوا قد تابوا عنها، إلَّا أنَّهم لا يَقبَعونَ تحتَ هذه الخطايا لأنَّهُم سُرعانَ ما سيَنهَضونَ مِن كَبْوَتِهم بعدَ أن يَنوحوا على سَقْطاتِهم بحُزنٍ ومَرارة، ويَرجِعوا أَدراجَهُم مُجَدَّدًا إلى الرَّبِّ". فهذا هو مَا يَقولُهُ كِتابُ تَعليم وستمنستر.

وماذا عنِ الطَّهورِيِّين؟ فما الَّذي كانوا يُؤمِنونَ بِهِ بخصوصِ التَّوبة؟ يُعَدُّ "غودوين" (Goodwin) مُمَثِّلاً لهؤلاء. وقد كَتَبَ هذا الطَّهوريُّ البريطانيُّ ما يَلي: "عندما لا يَنوحُ المَرءُ [أيْ يَبكي] بما فيهِ الكِفاية على إساءَتِهِ للهِ، لا يَكونُ هُناكَ دَليلٌ على وُجودِ أيَّة نِيَّة صَالِحَة مَغروسة في القلبِ مِنْ نَحْوِ اللهِ، أو أيَّة مَحبَّة لَهُ؛ هذه المحبَّة الَّتي بِدونِها لن يَحظَى الإنسانُ بأيِّ قَبولٍ عندَ الله". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقولُ: إنْ لم يَكُن هُناكَ حُزْنٌ على الخطيَّة، فإنَّ هذا بُرهانٌ على أنَّ اللهَ لم يَعمل في القَلب. "وإلَّا لا يوجدُ رَجاءٌ بإصلاحِ الأمور. فاللهُ لن يَغفِرَ إلَّا مَتى رَأى أملاً بالإصلاح. والآن، إلى حينِ اعترافِ الإنسانِ بخطيَّتِه، على أن يَفعلَ ذلكَ بمَرارة، ففي هذا ما يَدُلُّ على أنَّهُ يُحِبُّها. أمَّا عندما يُخفيها، ويُبقيها، ولا يَترُكها، فإنَّ هذا يَعني أنَّهُ يَشعُرُ بحلاوَتِها في فَمِه. لِذا، ما لم يَعترِف بها ويَنح عليها، فإنَّ هذا دَليلٌ على أنَّها لا تُشَكِّلُ لَهُ أيَّة مَرارة. لِذا فإنَّهُ لن يَتخلَّى عنها. فالإنسانُ لن يَترُكَ يومًا الخطيَّة إلَّا إنْ وَجَدَ فيها مَرارة. فحينئذٍ فقط سَيتخبَّطُ في حالةٍ مِنَ المَرارةِ مِن جَرَّائِها. "لأنَّ الحُزنَ الَّذي بِحَسَبِ مَشيئةِ اللهِ يُنشِئُ تَوبَةً".

ومِنْ بَينِ جَميعِ الأقوالِ الَّتي قَرأتُها عن هذا الموضوعِ، وَجَدْتُ أنَّ أقوى قَولٍ جاءَ على لِسانِ "تشارلز هَادُّن سپرجن" (Charles Haddon Spurgeon). استمعوا إلى ما قالَهُ "سپرجن": "ينبغي أن يكونَ هناكَ هَجْرٌ حَقيقيٌّ وفِعليٌّ للخطيَّة، وتَحَوُّلٌ إلى البِرِّ مِن خلالِ الأعمالِ والأفعالِ الحقيقيَّة في الحياةِ اليوميَّة. فالتَّوبةُ، بِكُلِّ تأكيدٍ، ينبغي أن تكونَ كُليَّة. فَكَمْ مِن شخصٍ يَقولون: ’سَيِّدي، سوفَ أَترُكُ هذه الخطيَّة وتلكَ الخطيَّة، ولكِن هُناكَ شَهَواتٌ مُعيَّنة عَزيزة ينبغي أن أحتفظَ بها وأتمسَّكَ بها؟‘ إذًا، اسمَحوا لي، يا سَادَة، أن أقولَ لكُم شيئًا باسمِ الرَّبِّ: لا يَكفي أن تَتخلَّى عن خطيَّة واحدة، ولا عن خَمسينَ خَطيَّة كي تَكونَ تَوبَتُكَ صَادقة، بل يجبُ عليكَ أن تَتخلَّى تمامًا عن كُلِّ خَطيَّة. فإنْ كُنتَ تَرعَى خطيَّةً واحدةً مَقيتَةً مِن هذه في قَلبِكَ، وتَخَلَّيْتَ عن كُلِّ الخَطايا الأخرى، فإنَّ تلكَ الشَّهوةَ الواحدةَ ستكونُ مِثلَ شَقٍّ واحِدٍ يُسَرِّبُ الماءَ إلى سَفينة إذْ إنَّهُ سيُغرِقُ نَفسَك. فَكِّر في أنَّهُ لا يَكفي أن تَتخلَّى عنِ الرَّذائِلِ الخارجيَّة فقط، ولا يَكفي أن تَتخلَّى عنِ الخطايا الأقبَحِ في حَياتِكَ، بل إنَّ اللهَ يُطالِبُكَ بالتَّخَلِّي عنِ الكُلِّ، وإلَّا فَلا. فهو يَقولُ: ’تُوبوا‘. وعندما يَقولُ: ’تُوبوا‘ فإنَّهُ يَعني أن تَتوبَ عن كُلِّ خَطاياك؛ وإلَّا فإنَّهُ لن يَقبَلَ تَوبَتَكَ كتوبة حقيقَّة وصَادِقة. فيجبُ التَّخلِّي عن كُلِّ الخطايا؛ وإلَّا لن تَحصُلَ على المسيح. ويجبُ التَّخلِّي عن كُلِّ تَعَدٍّ؛ وإلَّا فإنَّ أبوابَ السَّماءِ لن تَفتَحَ لَك. لِذا، لِنتذكَّر أنَّهُ مِن أجلِ أن تكونَ التَّوبةُ صادقةً، يجب أن تكونَ تَوبة كاملة. فالتَّوبةُ الصَّادقةُ تَعني تَغيير القَلبُ وأيضًا: تَغيير الحياة. فهي تَعني تَسليم النَّفسِ كُلِّها للهِ لتكونَ لَهُ إلى أبدِ الآبِدين. وهي تَعني تَرْك كُلِّ الخطايا القَلبيَّة وجرائمِ الحياة" [نِهايةُ الاقتباس]. هل هذه الكلماتُ قويَّة بالقدرِ الكافي؟

إنَّ ما يَقولُهُ سپرجن وما يُفَكِّرُ فيهِ هو تَعليمُ الكنيسةِ على مَرِّ العُصورِ، وهو أنْ يَقرَعَ الخاطئُ على صَدرِهِ ويقول: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ"، وأنْ يَجِدَ نَفسَهُ مَحصورًا في أنْ يَطلُبَ الخلاصَ مِن كُلِّ خَطاياه؛ معَ أنَّهُ ليسَ مُطالَبًا بالضَّرورةِ بأن يَذكُرَ كُلَّ خَطيَّة اقتَرَفَها. ولكنَّهُ يَرغَبُ مِن أعماقِ قَلبِهِ في التَّحَرُّرِ مِن كُلِّ الخطايا. ويقولُ "سپرجن" إنَّكَ إنْ جئتَ إلى المسيحِ وقُلت: "أريدُ أن تكونَ مُخَلِّصي، وأريدُ أن تَغفِرَ لي، وأريدُ أن تَعِدَني بالسَّماءِ، ولكِنْ هناكَ خطايا أريدُ أن أحتفظَ بها"، فإنَّ تلكَ ليست تَوبةً صَادقة. إذًا، لقد نَظرنا إلى الكتابِ المقدَّس فوجدنا أنَّهُ رِسالةُ تَوبة. وقد نَظرنا إلى تاريخِ الكنيسة فوجدنا أنَّهُ يُؤكِّدُ التَّوبة. ويا أحبَّائي، بالرَّغمِ مِن كُلِّ الآياتِ الكِتابيَّة، وكُلِّ ما يَعكِسُهُ تاريخُ الكنيسة، هناكَ أُناسٌ يَستمرُّونَ في الإعلانِ أنَّ الكِرازَةَ بالتَّوبة إلى غيرِ المُخَلَّصينَ تَنتَهِكُ الإنجيل. هل فَهِمتُم ذلك؟ فَهُم يُعَلِّمونَ أنَّ الكِرازَةَ بالتَّوبةِ إلى غيرِ المُخَلَّصينَ تَنتَهِكُ الإنجيل.

فعلى سَبيلِ المِثالِ، لا يوجد لاهوتيٌّ بارِزٌ أكثرَ مِن "لويس سبيري تشيفر" (Lewis Sperry Chafer) الَّذي كَتَبَ في المُجَلَّدِ الثَّالثِ والصَّفحة 372 أنَّ "التَّوبة هي واحدة مِنَ السِّماتِ الأكثر شُيوعًا للمسؤوليَّةِ البشريَّةِ والَّتي غالبًا ما تُضافُ خَطأً إلى الشَّرطِ الوَحيدِ الَّذي هو الإيمان أوِ التَّصديق". وهذه جُملة عَجيبة جدًّا. التَّوبة هي مَسؤوليَّة بَشريَّة أُضيفت خطأً إلى الإيمان؟ يبدو لي أنَّها كلمة مُرادِفَة للإيمانِ المُخَلِّص في الأسفارِ الكِتابيَّة. وقد تَقول: "وما هُوَ مَصدَرُ ذلك؟ أيْ كيفَ يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَتمسَّكَ بذلكَ الرَّأي؟" الحقيقةُ هي أنَّ "تشيفر" يُشيرُ إلى أنَّهُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 16: 31، لم يَقُل بولسُ لسَجَّانِ فيلبِّي أن يَتوب. وهو مُصيبٌ في ذلك. ولكِن أتَعلمونَ ماذا قالَ لسَجَّانِ فيلبِّي كما هو مُدَوَّنٌ في الكتابِ المقدَّس؟ "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ". ويَقول "تشيفر" ما يَلي: "إنَّ بولُسَ لم يَقُل لسَجَّانِ فيلبِّي أن يَتوب". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ما يَلي: "إنَّ ذلكَ الصَّمتَ..." [كما يُسَمِّيهِ، وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ] "...هو بُرهانٌ حاسِمٌ وقاطِعٌ لا يُدْحَضُ يُبَيِّنُ أنَّ العهدَ الجديدَ لا يَفْرِصُ التَّوبةَ على غيرِ المُخَلَّصينَ كَشَرْطٍ لِنَيْلِ الخلاص" [نِهايةُ الاقتباس].

وأنا أجِدُ صُعوبَةً في فَهمِ ذلك. فما هذا المَنطِق؟ وهل تُريدونَ أن تَعلَموا شيئًا آخرَ لم يَقُلهُ بولُس لسَجَّانِ فيلبِّي؟ لم يَقُل إنَّ يَسوعَ هُوَ الله (بحسبِ ما جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 16: 31). وهو لم يَقُل إنَّ يَسوعَ ماتَ على الصَّليب. وهو لم يَقُل إنَّ يَسوعَ قامَ مِنَ الأموات. وهل تُريدونَ أن تَعلموا شَيئًا؟ مِنَ المُرجَّحِ أنَّهُ قالَ كُلَّ ذلك، بما في ذلكَ كُلَّ ما يُمكِنُ أن يُقالَ عنِ الخلاص؛ ولكِنَّ كُلَّ ذلكَ الكلامَ لُخِّصَ مِنْ قِبَلِ لُوقا عندما كَتَبَ ذلكَ بوحيٍ مِنَ الرُّوحِ كي يُلَخِّصَ ذلكَ في جُملةٍ واحدة فقط لأنَّ "الإيمانَ" يَضُمُّ ضِمنيًّا التَّوبة، ولأنَّ اسمَ الرَّبِّ يَسوعَ المسيحِ يُشيرُ ضِمنيًّا إلى كُلِّ صِفاتِهِ وكُلِّ ما فَعَلَهُ. ولكِنْ أن تَستخدِمَ صَمْتَ بولُس حُجَّةً، وأن تُلغي كُلَّ العَناصِرِ الأخرى للتَّوبةِ في سِجِلِ العهدِ الجديدِ وتَقولُ إنَّهُ بسببِ عدمِ وُجودِ تلكَ الكلمة فإنَّ هذا بُرهانٌ قاطِعٌ، فإنَّ هذا أمرٌ يُحَيِّرُ العَقلَ. وقد قالَ راعي كنيسةٍ مَحليَّة مَعروفة: "التَّوبة لا تَعني تَرك الخَطيَّة، ولا تَغيير سُلوكِ المَرء".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ السَّببَ في أنَّهُم يَقولونَ ذلكَ هو أنَّهُم مُضطرُّونَ إلى التَّعامُلِ معَ الكلمة "تَوبَة". فهي موجودة. وهُناكَ مُعَلِّمٌ آخرُ مَشهورٌ للكِتابِ المُقدَّسِ يَقول: "التَّوبةُ تَعني أن يُغَيِّرَ المَرءُ فِكرَهُ، لا حَياتَهُ". آها! والآن، نحنُ نَقتَرِبُ مِنَ المُشكلة. فأنتَ تَسألُ نَفسَكَ: "كيفَ يُعقَلُ أنْ يَقولَ أُناسٌ إنَّ التَّوبةَ ليسَت عُنصُرًا أساسيًّا، معَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ: ’توبوا...توبوا...توبوا‘ طَوالَ الوقت؟" وما يَنبغي لكُم أن تَفهموهُ هو أنَّهُم يُعيدونَ تَعريفَ التَّوبة. وما يَقولونَهُ هو أنَّ التَّوبةَ تَعني أن تُغَيِّرَ فِكرَكَ بخصوصِ شَخصِ يَسوعَ، ولا شيءَ سِوى ذلك. فالتَّوبة تَعني أن تُغَيِّرَ فِكرَكَ بخصوصِ شَخصِ يَسوعَ، ولا صِلَةَ لها بِتَرْكِ الخطيَّةِ، ولا صِلَةَ لها بالتَّخلي عن فِعْلِ الإرادةِ الذَّاتيَّة. وهو تَعريفٌ يَخلو تَمامًا مِنَ الإقرارِ بالذَّنبِ الشَّخصيِّ. وهو لا يَحوي عُنصُرَ وُجودِ نِيَّة في إطاعَةِ الله. وهو لا يَحوي عُنصُرَ وُجودِ نِيَّة أو رَغبة في البِرِّ الحَقيقيّ. فهي تعني فقط أن تُغَيِّرَ فِكركَ بخصوصِ يَسوع. وقد تقول: "وماذا يَفعلونَ بآياتٍ مُعيَّنة كتلكَ الَّتي قالَ فيها يَسوعُ: ’إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي‘؟ وماذا يَفعلونَ بقولِ يَسوعَ: ’إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَأَخَوَاتِهِ وَإِخْوَتَهُ، إلخ، إلخ، إلخ؟‘" ماذا يَفعلون؟ إنَّهم يقولونَ: كُلُّ هذه الآياتِ مُوَجَّهة إلى أشخاصٍ كانوا مُخَلَّصينَ أصلاً، وهي تَدعوهُم إلى أعلى مُستوياتِ التَكريسِ الرُّوحِيّ".

ولكِنَّ هذا غير صحيح، يا أحبَّائي، لأنَّهُ في نَفسِ ذلكَ المَقطَعِ قَال: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ..." [ماذا؟] إنَّهُ يَتحدَّثُ عن نَفْسِكَ الأبديَّة. ولكِنَّهُم سيُضطرُّونَ في هذه الحالة إلى أخذِ كُلِّ جُملةٍ دَعا فيها يسوعُ النَّاسَ إلى التَّكريسِ الكامِلِ، وإلى التَّخلِّي عن كُلِّ شيءٍ لأجلِ اتِّباعِهِ، وسيُضطرُّونَ إلى جَعلِها جُمَلاً مُوَجَّهَةً إلى أشخاصٍ مُؤمِنينَ أصلاً يَدعوهم مِن خلالِها إلى مَزيدٍ مِنَ التَّكريسِ في حياتِهم. لِذا فإنَّهم يَستخلِصونَ أنَّهُ عندما كَانَ يَسوعُ يَدعو شخصًا إلى أن يكونَ تِلميذًا لَهُ، فإنَّهُ كانَ يَدعو مُؤمِنًا إلى الانتقالِ إلى مُستوىً مُتقدِّم. فالمؤمِنُ شَيء والتِّلميذُ شَيءٌ آخر. وفي مَساءِ يومِ الأحدِ القادِم، سنتحدَّثُ عن مَعنى التِّلميذ ونَتطرَّقُ إلى تلكَ المسألة. ولكنَّهم يقولون: "أجل، أنتَ تَتوبُ بِمعنى أنَّكَ تُغَيِّرُ فِكرَكَ بخصوصِ يَسوع. ولكِنَّ ذلكَ لا صِلَةَ لَهُ بِتركِ الخطيَّة، ولا صِلَةَ لَهُ بتركِ فِعلِ الإرادَة الذاتيَّة. فالتَّوبةُ لا تَقتضي الاعترافَ بالذَّنبِ الشخصيِّ، ولا تَقتضي وُجودَ النِّيَّة في إطاعَةِ اللهِ، ولا الرَّغبة في السُّلوكِ في البِرِّ الحقيقيّ". وأنا أقولُ لكم إنَّ هذا ليسَ ما قَصَدَهُ يَسوعُ بالتَّوبة.

فدَعوةُ يَسوعَ إلى الإنجيل هي دَعوة إلى تَركِ الخطيَّة بِقَدْرِ ما هي دَعوة إلى الإيمانِ بِه. فهي دَعوة إلى التَّخلِّي عنِ الخطيَّة. فَمِن أوَّلِ رِسالةٍ لَهُ إلى آخِرِ رسالة، كانت فِكرةُ المُخَلِّصِ هي أنْ يَدعو خُطاةً إلى تَرْكِ خَطاياهُم، وإلى قَبولِ اللهِ، وإلى اتِّباعِ البِرّ. فهي لم تَكُن تَعني فقط أن يُكَوِّنوا صُورةً جَديدةً عنهُ، بل أن يَتركوا خطاياهُم ويَتبعوه. وكما قُلنا، فإنَّ لوقا يَقولُ في الأصحاح 24 والعدد 47 بخصوصِ الكِرازَةِ إنَّ يسوعَ قالَ: "اكرِزوا بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الخَطَايَا". فإنْ كُنتَ قد أتيتَ إلى المسيحِ لأجلِ غُفرانِ الخَطايا فإنَّ الشَّيءَ الَّذي يَقودُ إليهِ هو ماذا؟ التَّوبة. وبالمُناسبة، فإنَّ لوقا هو البَشيرُ الوَحيدُ الَّذي يَذكُرُ مُحتوى الرِّسالةِ الَّتي هي جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ المأموريَّةِ العُظمى. فالبشيرونَ الآخرونَ يَذكرونَ وَحَسْب المأموريَّة: "اذهبوا واكِرزوا". أمَّا لوقا فيقول: "هذا هو ما ينبغي لكم أن تَكرِزوا بِهِ: التَّوبةُ الَّتي تَقودُ إلى غُفرانِ الخَطايا". لِذا فإنَّ التَّوبةَ مُرتبطة دائمًا بالخطيَّة. فهي لا تَعني فقط أن تُغَيِّرَ فِكركَ بخصوصِ يَسوع: "آه، كنتُ أظُنُّ أنَّهُ إنسان فقط، ولكنِّي أعلمُ الآنَ أنَّهُ الله". ليسَ هذا فحسب، بل إنَّ التَّوبةَ تَقتَضي تَرْك الخطيَّة.

واسمَحوا لي أن أُعطيكُم مَثلاً توضيحيًّا. انظروا إلى إنجيل لوقا والأصحاح 18. إنجيل لوقا 18: 9. إنَّهُ مَثَل...مَثَلٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ، وَهُم: الفَرِّيسيُّون: "إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ". فقد كانَ يَقِفُ هُناكَ ويَعتَرِفُ للهِ بماذا؟ بِبِرِّه. أجل! واسمَحوا لي أن أطرحَ عليكم سُؤالاً؟ هل كانَ يُؤمِنُ بالله؟ هل كانَ الفَرِّيسيُّ يُؤمِنُ بالله. أجل. هل كانَ لديهِ إيمانٌ بالله؟ أجل. وهل كانَ مُخَلَّصًا؟ لا. لماذا؟ لأنَّ إيمانَهُ كانَ يَخلو مِن ماذا؟ مِنَ التَّوبة. وكما تَرَوْنَ، هذا مَثَلٌ توضيحيٌّ نَموذجيٌّ على حقيقةِ أنَّنا هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ يُؤمِنُ بالله. ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مُكَرَّسٍ لله. ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ ذَهَبَ إلى الهَيكلِ ليُصَلِّي إلى اللهِ الَّذي كانَ يُؤمِنُ به. ولكِن حيثُ لا تُوجَد تَوبة في القلب، لا توجد عَلاقة. فقد كانَ شَخصًا مُتحايِلاً. "وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". وقد قالَ يَسوعُ: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ". فالشَّخصُ الأوَّلُ لم يَختَبِر يَومًا الخلاصَ. فقد كانَ مُؤمِنًا لم يَتُب. أمَّا الشَّخصُ الثَّاني فكانَ غيرَ مُؤمِنٍ ولكنَّهُ تَابَ. فقد كانَ مَنبوذًا رُوحيًّا ودينيًّا، ولكنَّهُ تَابَ. وهذا يَعني ضِمنيًّا، بِكُلِّ تأكيد، أنَّهُ كانَ يُوْجَدُ تَعبيرٌ عنِ الإيمان. فلا يُمكِنُكَ أن تأخُذَ التَّوبةَ وتُجَرِّدَها مِن مَضامينِها الأدبيَّة.

والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم تَعريفًا سَريعًا. حسنًا؟ فكُلُّ تلكَ المُقدِّمة تَصُبُّ في ما نَتحدَّثُ عنه. ما التَّعريفُ الكِتابيُّ للتَّوبة. حسنًا؟ اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم بِضعَ أفكار، ثُمَّ نَختِمُ حَديثَنا. فما هي التَّوبةُ في تَعريفِها الكِتابيِّ؟ أوَّلاً، إنَّها عُنصُرٌ في الإيمانِ المُخَلِّص. إنَّها عُنصُرٌ في الإيمانِ المُخَلِّص. والحقيقةُ هي أنَّها يُمكِنُ أن تُستخدَمَ ككلمة مُرادِفة للإيمانِ المُخَلِّص. والآن، يجب علينا أن نَكرِزَ بالتَّوبة. ويجب علينا أن نَدعو النَّاسَ إلى التَّوبة؛ أيْ إلى الإيمانِ المُخَلِّص. فهي وَثيقةُ الصِّلَةِ بِهِ حَتَّى إنَّهُ بمقدورِنا أن نَستخدِمَها ككلمة مُرادِفة للإيمانِ المُخَلِّص. فيمكنكَ أن تَدعو شخصً وتَقولَ لَهُ: "آمِن بالربِّ يسوعَ المسيح"، أو أن تَدعوهُ وتقولَ لَهُ: "تُبْ عنِ المسيحِ واقبَلِ المَسيح". فهو نَفسُ المَعنى. وهي ببساطة: كُلُّ ما يَعنيهِ الخَلاص. ولكِنِ اسمَحوا لي أن أُوَضِّحَ هذه النُّقطة جَيِّدًا: إنَّها ليست كلمة مُرادِفة بالمَعنى الدَّقيقِ للكلمة "آمِن" لأنَّها لا تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. إنَّها وَثيقةُ الصِّلَةِ بالإيمان. والإيمانُ وَثيقُ الصِّلةِ بالتَّوبة. لِذا، يُمكِنُنا أن نَستخدِمَ الكلمتَيْن بالتَّبادُل؛ ولكِنَّ كُلًّا مِن هاتينِ الكلمتين تُعَبِّرُ عن عُنصُرٍ فَريد. فالإيمانُ يُعَبِّرُ وَحَسْب عنِ الاتِّكالِ، والثِّقَةِ، والتَّصديق. والتَّوبةُ تُعَبِّرُ عنِ التَّحَوُّلِ عنِ الخطيَّةِ نَحْوَ الله. فَهُما جُزءانِ مُكَمِّلانِ للعمليَّة ذاتِها" كما قالَ "بيرخوف" (Berkhof) في كِتابِهِ: "اللَّاهوتُ النِّظامِيّ" (Systematic Theology).

والآن، إنَّ الكلمة اليونانيَّة هي "ميتانويا" (metanoia). وكما تَعلمونَ فإنَّها مُشتقَّة مِن كَلِمَتين: "ميتا" (ومَعناها: "بعد")، وَ "نوئيئو" (ومَعناها: "يَفهَم"). لِذا فإنَّها تَعني: "فِكرة تَخطُر بالبال لاحِقًا". لِذا، إذا نَظرتُم وَحَسْب إلى هاتينِ الكلمتين ووضعتوهُما معًا فإنَّ الكلمة الجديدة تعني: "فِكرة لاحِقَة" أو "تَغيير في الفِكر". لِذا فإنَّ فِئةً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يريدونَ أن يَقولوا إنَّ التَّوبة لا تَعني سِوى أن تُغَيِّرَ نَظرتَكَ إلى يَسوعَ يَقولون: "أتَرَوْن! هذا هو مَعنى الكلمة ميتانوئيئو". ولكِن اسمعوني يا أحبَّائي: إنَّ هذا الأمرَ الَّذي تَرَوْنَهُ يَحدُثُ غالبًا في الكلماتِ اليونانيَّة هو غيرُ مُنْصِفٍ البَتَّة. فليست كُلُّ كلمة تَعني بالضَّرورة ما تَعنيه أجزاؤها المُنفصِلَة. فإنْ كانت "ميتا" تَعني كذا، وكانت "نوئيئو" تَعني كذا، عندما نَضَعهما معًا لا يوجدُ ما يُحَتِّمُ أن تَعني الكلمة الجديدة ما يَعنيهِ هذانِ الجُزءان. فأحيانًا يكونُ ذلكَ صحيح، وأحيانًا لا يكونُ صَحيحًا. وسوفَ أُبَيِّنُ لكم ذلكَ مِن خِلالِ كلمة أخرى. حسنًا؟ فهناكَ الكلمة "انْشِراح". أليسَ كذلك؟ فإنْ تَمادَيْتُم في تَحليلِها، قد تَقولون: "أنا أَعلَمُ مَعنى هذه الكلمة. إنَّها تَعني: "إنَّ الشَّرَّ رَاح". لا، إنَّها لا تَعني ذلك. فهي لا تَعني "إنَّ الشَّرَّ رَاح". ففي اللُّغَة...في اللُّغَة، ليسَ هُناكَ ما يُحَتِّمُ أن يَكونَ مَعنى كُلِّ كلمة مُؤلَّفًا مِن مَعاني جَميعِ أجزائِها. وهذا يَصِحُّ على اللُّغة اليونانيَّة. فيجب أن تُفَكِّروا بِعُمْقٍ أكبَرَ مِن ذلك. والمَعنى الكِتابيُّ هو أعمقُ مِن ذلك بكثير. فالكلمة "ميتانويا" تُستخدَمُ في العهدِ الجديد دائمًا [والآن لاحِظوا هذا]، وهي تُجَسِّدُ دائمًا أكثرَ مِنَ المعنى الحَرفيِّ لأجزائِها الرئيسيَّة. وهي تُشيرُ دائمًا إلى تَغييرِ القَصدِ، وتُشيرُ تَحديدًا ودائمًا إلى التَّحوُّلِ عنِ الخطيَّة.

وواحِدٌ مِنَ المَصادِرِ الَّتي تُعينُنا في دراسةِ اللُّغة اليونانيَّة هو مُعجَم "كولِن براون" (Colin Brown)، وهو مُعجَمٌ ضَخمٌ بهذا الحَجمِ مؤلَّف مِن ثلاثةِ أجزاء. وفي الجُزءِ المُختصِّ بالاهتداءِ، والذي كَتَبَهُ "غيتزمان" (Goetzmann)، في المُجلَّدِ الأوَّلِ والصَّفحة رَقْم 358، يُعالِجُ الكلمة "ميتانويا". وَهُوَ يُعالِجُها، بِكُلِّ تأكيد، مِن زاوية أكاديميَّة جدًّا. وأنا أقتَبِسُ ما قالَهُ: "الفَهمُ العَقليُّ بصورة رئيسيَّة للكلمة ميتانويا ككلمة تَعني ’تَغييرَ الفِكر‘ لا تَقومُ بأيِّ دورٍ يُذكَر في العهدِ الجديد. بل إنَّ التَّركيزَ يَنْصَبُّ على القَرارِ بالتَّحَوُّل والذي يَطالُ الإنسانَ كُلَّهُ. ومِنَ الواضحِ أنَّنا لسنا مَعنِيِّينَ بحصولِ تَغييرٍ خارجيٍّ فقط، ولا بمُجرَّدِ حدوثِ تَغييرٍ عَقليٍّ في الأفكار". فهذا هو ما تَقولُهُ أفضَلُ المَراجِعِ الأكاديميَّة. فبالمَعنى الَّذي استَخدَمَ يسوعُ فيهِ الكلمة "تُوبوا" فإنَّ التَّوبةَ تَعني تَرْكَ الحياةِ القديمة، والتَّحَوُّلِ إلى اللهِ لِنَيلِ الخَلاص.

والمَصدرُ الرَّئيسيُّ الآخرُ لِفَهمِ كُلِّ ما تَعنيهِ الكلماتُ اليونانيَّةُ هو المُعجَمُ الَّذي وَضَعَهُ "كيتل" (Kittel). فمُعجَم "كولِن براون" ضَخْمٌ، ولكِنَّ مُعجَم "كيتل" أضخَمُ بكثير. وكُلُّ كلمة مُهمَّة مِن كلماتِ العهدِ الجديد مَوجودة ومَشروحَة باستفاضَة. واسمَحوا لي أن أقرأَ لكم ما يَقولُهُ "بيم" (Behm) في شَرْحِهِ للكلمة "ميتانويا" في مُعجَم "غيرهارد كيتل" [وأنا أقتَبِسُ ما كَتَبَهُ]: "اللَّفظَةُ تَقتضي حُدوثَ اهتداءٍ جَذريٍّ، وتَقتضي حُدوثَ تَغييرٍ في طَبيعةِ الفَرد، وتَحَوُّلاً حاسمًا عنِ الشَّرِّ، وتَحَوُّلاً وَطيدًا إلى اللهِ في طَاعةٍ كامِلة. وهذا الاهتداءُ يَحصُل مَرَّةً واحدة فقط. فلا مَجالَ للرُّجوعِ إلى الوراء، بل تَقَدُّمٌ باطِّراد وبروحِ المسؤوليَّة في الطَّريقِ الحَاليّ. وهو يَترُكُ تأثيرَهُ في الإنسانِ بجُملَتِه: أوَّلاً وبصورة رئيسيَّة، في صُلْبِ الحياةِ الشخصيَّة، ثُمَّ مَنطقيًّا في سُلوكِهِ في كُلِّ الأوقاتِ وفي كُلِّ المواقِف، وفي أفكارِهِ وكلماتِهِ وأفعالِه. فكِرازَةُ يَسوعَ بأسرِها هي دَعوة إلى التَّحوُّلِ بشكلٍ غيرِ مَشروطٍ إلى الله، وإلى التَّحوُّلِ بشكلٍ غيرِ مَشروطٍ عن كُلِّ ما هو ضِدُّ اللهِ؛ لا فقط عن كُلِّ شَرٍّ سَافِرٍ، بل عن كُلِّ ما قد يَجعَلُ عمليَّةَ التَّحوُّلِ بالكامِلِ إلى اللهِ مُستحيلة" [نِهايةُ الاقتباس].

فهكذا يَفهمونَ هذه الكلمة مِنَ الزَّاوية الأكاديميَّةِ لمَعنى الكلمة. وهذا الرَّأيُ يَجِدُ ما يُدَعِّمُهُ في ما جاءَ في رسالة تسالونيكي الأولى 1: 9. أَتَذكرونَ تلكَ الآية؟ انظروا إليها. رسالة تسالونيكي الأولى 1: 9. فَهُنا تَجِدونَ سَرْدًا لِعَناصِرِ التَّوبة. ففي النِّصفِ الثَّاني مِنَ الآية، يُذَكِّرُ بولسُ أهلَ تسالونيكي قائلاً: "وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ، لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ". فهناكَ ثلاثَةُ عَناصِرَ للتَّوبة، وهي مَذكورة هُنا. أوَّلاً: الرُّجوعُ إلى الله. ثانيًا: الرُّجوعُ عَنِ الشَّرّ. ثالثًا: عِبادَةُ اللهِ. فقد رَجَعْتُم إلى اللهِ مِنَ الأوثانِ وكُلِّ ما يُرافِقُ ذلكَ مِن شَرٍّ لِتَعبُدوا اللهَ. فهناكَ ثلاثَةُ عَناصِرَ للتَّوبة: الرُّجوعُ إلى اللهِ مِنَ الشَّرِّ لتَعبُدوا الله. وهذا مُلَخَّصٌ رائع. فلا يُمكِنُ...اسمَعوني: لا يُمكِنُ لأيِّ تَغييرٍ في الفِكرِ بِخُصوص يَسوع أن يُخَلِّصَ إلَّا إذا كانت هذه العَناصِرُ الثَّلاثةُ حاضِرَة: تَرْكُ الخطيَّة، والرُّجوعُ إلى اللهِ لِتَعبُدوه. فالتَّوبة عُنصُرٌ في الإيمانِ المُخَلِّص.

النُّقطة الثَّانية هي أنَّ التَّوبةَ تَقتَضي إعادَةَ تَوجيهِ الإرادَة. فهي تَقتضي إعادَةَ تَوجيهِ الإرادَة. ويُعَرِّفُ مُعجَم "ثاير" (Thayer) للُّغَة اليونانيَّة الكلمة "ميتانويا" بأنَّها [وأنا أقتَبِسُ ما كَتَبَهُ]: "التَّغييرُ الَّذي يَطرأُ على ذِهْنِ أولئكَ الَّذينَ ابتدأوا يَكرهونَ أخطاءَهُم وأفعالَهم الشَّنيعة وعَقدوا العَزمَ على الشُّروعِ في نَمَطِ حَياةٍ أفضل. لِذا فإنَّها تَشمَلُ الإقرارَ بالخطيَّة، والنَّدَمَ عليها، إلى جانبِ الرَّغبةِ القلبيَّةِ في إصلاحِ الأمورِ وتَحسينِها، معَ الأعمالِ الصَّالحةِ كأماراتِها ونَتائِجِها" [نِهايةُ الاقتباس]. بعبارة أخرى، إنَّها إعادَةُ تَوجيهٍ للإرادَةِ يُؤدِّي إلى تَغييرٍ في السُّلوك. فهو ليسَ مُجَرَّدَ حُزنٍ على الخطيَّة، معَ أنَّ التَّوبةَ الحقيقيَّةَ تَقودُ دائمًا إلى الحُزن. ولكنَّها إعادَةُ تَوجيهٍ للإرادةِ البشريَّة. وهو خِيارٌ بالتَّخلِّي عن كُلِّ عَدَمِ بِرٍّ والاستعاضَةُ عنهُ بالسُّلوكِ في القداسة. وأرجو أن تَفهموا، يا أحبَّائي، أنَّ إعادةَ تَوجيهِ الإرادةِ تلكَ هي عَمَلُ الله. فنحنُ لا نَتحدَّثُ عن شيءٍ تَفعلونَهُ أنتُم، بل نَتحدَّثُ عن شيءٍ يَفعلُهُ اللهُ فيكم عندما يُخَلِّصُكم. فالنَّاسُ يَقولون: "إذًا، أنتَ تُعَلِّمُ أنَّ التَّوبة هي عَمَلٌ يَحدُثُ قبلَ الخَلاص. وما لم تُنَظِّف حَياتَكَ وَتتوب، لا يُمكِنُكَ أن تَنالَ الخَلاص". كَلَّا! فالتَّوبةُ ليست مُحاولةً سابقةً للخلاص لتنظيفِ حَياتِك. وهي ليست دَعوة إلى التَّوقُّف عنِ اقترافِ الخطيَّة كي تَتمكَّنَ مِنْ نَيْلِ الخَلاص. البَتَّة! فهي ليست دَعوة وَحَسْب إلى إدارَةِ ظَهرِكَ لكُلِّ الشُّرورِ كي يَقبَلَكَ المسيح. بل إنَّها الشَّيءُ الَّذي يُنشِئُهُ اللهُ فيكَ حينَ يُخَلِّصُكَ. وهي عُنصُرٌ في الإيمانِ المُخَلِّصِ يُعيدُ تَوجيهَ الإرادَة.

ويَكتُب "جيمس إنيل باكر" (James Innell Packer) في كِتابِهِ المُفيد بعُنوان "الكِرازَةُ وسِيادَةُ اللهِ" (Evangelism and the Sovereignty of God”: "التَّوبة الَّتي يَطلُبُها المسيحُ مِن شَعبِهِ تَعني أنَّهُ يَرفُضُ رَفضًا قاطِعًا وحاسِمًا أن يَرسموا أيَّ حُدودٍ لحُقوقِهِ على حَياتِهم". فالتَّوبةُ ليسَت نَشاطًا ذِهنيًّا وَحَسْب. صَحيحٌ أنَّهُ يُوجَدُ جانِبٌ فِكريٌّ. واسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم ما يَلي بسُرعة. هُناكَ جانِبٌ فِكريٌّ. فالتَّوبةُ تَقتضي الاعترافَ بالخطيَّة، والإقرارَ بشَناعَةِ الخطيَّة، والإقرارَ بأنَّ الخطيَّةَ هي تَعَدٍّ على اللهِ القُدُّوس. وهي تَقتضي الإقرارَ الذِّهنيَّ بأنِّي مَسؤولٌ شَخصيًّا عن خطيَّتي وذَنبي. وهي تَقتَضي الإقرارَ بأنَّ المسيحَ ماتَ عن خَطيَّتي وأنَّهُ، بِصِفَتِهِ اللهَ، يُريدُ أن يَسودَ على حَياتي. فهذا هو الجانبُ الفِكريُّ للتَّوبة. ثانيًا، هُناكَ جانِبٌ عاطفيٌّ لها. فذلكَ الإقرارُ يُنشِئُ حُزنًا، ويُنشِئُ رَغْباتٍ جَديدة ودوافِعَ جديدة، ويُنشِئُ شُعورًا بالعار. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوس الثانية 7: 10 أنَّ هناكَ حُزنًا يُنشِئُ تَوبةً. لِذا فإنَّ الأمرَ يَبتدئُ بأنَّ تُدرِكَ أنَّ الخطيَّةَ خاطئة، وبأنْ تُدرِكَ أنَّكَ مُذنِب، وبأن تُدركَ ما قَدَّمَهُ المسيحُ عَقليًّا، ثُمَّ إنَّها تَلمَسُ عَواطِفَكَ فيحدُثُ انكِسارٌ وحُزنٌ وشُعورٌ بالخَجَلِ والذَّنبِ. ومِن ذلكَ الشُّعورِ بالحُزنِ يأتي عُنصُرٌ ثالثٌ وهو الجانِبُ المُختصُّ بالإرادة. الجانِبُ المُختصُّ بالإرادة. وأخيرًا، التَّوبةُ تُعْمِلُ الإرادَةَ وتُجري تَغييرًا في الاتِّجاه، وتَصميمًا جديدًا على نَبْذِ العِصيانِ العَنيدِ وتَسليمِ حَياتِكَ إلى المسيح. ثُمَّ إنَّها تُنشِئُ تَغييرًا في السُّلوك. فحيثُ لا يوجد تَغييرٌ في السُّلوك، قد تَكونُ التَّوبةُ ذِهنيَّة، وقد تَكونُ عاطفيَّة، ولكنَّها ليست نابِعَة مِنَ الإرادة. فهي تُعيدُ تَوجيهَ الإرادَةِ عندما تَكونُ حَقيقيَّة.

ثالثًا، نَتيجة لذلك، إنَّها مُغَيِّرة للحياة. إنَّها مُغَيِّرة للحياة. فهي عُنصُرٌ في الإيمانِ المُخَلِّص. وهي تُحَرِّكُ الإرادَة، وتُعيدُ تَوجيهَها. وهي مُغَيِّرة للحياة. لِذا فقد قالَ يُوحنَّا: "فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة". فإنْ قُلتَ إنَّكَ تُبْتَ، لِنَرى حَياتَكَ. أَظهِر ذلك. فالتَّوبةُ الحقيقيَّة تُغَيِّرُ شَخصيَّةَ الإنسان. وواحدٌ مِن أبطالي الَّذينَ أُقَدِّرُهم كثيرًا هو "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyed-Jones). وواحِدٌ مِنْ كُتُبِهِ الَّتي بَارَكَتْني هو كِتابٌ لَهُ عنِ العِظَةِ على الجَبل. وقد كَتَبَ فيهِ ما يَلي [وَهُوَ الآنَ مَعَ الرَّبِّ]: "التَّوبة تَعني كَونَكَ تُدركُ أنَّكَ خاطئٌ ومُذنِبٌ وشِرِّيرٌ أمامَ اللهِ، وأنَّكَ مُستحقٌّ غضبَ اللهِ وعِقابَهُ، وأنَّ مَصيرَكَ هو الجَحيم. وهي تَعني أنَّكَ قد بدأتَ تُدركُ أنَّ هذا الشَّيءَ المُسَمَّى خَطيَّة هو في داخِلِك، وأنَّكَ تَتوقُ إلى التَّخلُّصِ مِنه، وأنَّكَ تُديرُ لَهُ ظَهرَكَ في كُلِّ أشكالِهِ ومَظاهِرِه، وإنَّكَ تُنكِرُ العالَمَ مَهما كَلَّفَ الأمر: العالَمَ مِن جِهَةِ فِكرِهِ، ومَظْهَرِهِ، ومُمارَساتِهِ أيضًا. كما أنَّكَ تُنكِرُ نَفسَكَ وتَحمِلُ صَليبَكَ وتَتبَعُ المَسيحَ. وقد يَدعوكَ أقرَبُ المُقَرَّبينَ إليكَ، وأعَزُّ الأعِزَّاءِ، بل حَتَّى العالَمُ بأسرِه، قد يَدعونَكَ مُختَلًّا، أو يَنعتونَكَ بالمَهووسِ دِينيًّا. وقد تُكابِدُ مِن جَرَّاءِ ذلكَ خَسائِرَ مَاليَّة، ولكِنَّ هذا لا يَهُمُّ البَتَّة. هذه هي التَّوبة".

فهي تَصيرُ نَمَطَ حَياة. فالتَّوبةُ الَّتي تَبتدئُ بالخلاصِ تُطْلِقُ عَمليَّةً تَدومُ مَدى الحياةِ تَقومُ على الاعترافِ بالخطيَّة. ونحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 9 أنَّهُ يجب علينا أن نَستمرَّ في الاعترافِ بخطايانا. وموقفُ التَّوبةِ الدَّائِمِ والمُستمرِّ يُنشِئُ مَسْكَنَةً في الرُّوحِ، وحُزنًا، ووَداعَةً؛ وهي صِفاتٌ يَتَّصِفُ بها المؤمنُ الحقيقيُّ في التَّطويباتِ المَذكورة في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس. فالتَّوبةُ تُنشِئُ نَمَطًا جديدًا للحياة، لا فقط اختلافًا في الرَّأيِ بخصوصِ المسيح. فهي أسلوبٌ جَديدٌ في الحياة. فالأشخاصُ الَّذينَ سَمِعوا يَسوعَ يَكرِزُ عَلِموا ما كانَ يَدعوهُم إليه...صَدِّقوني. فاليهودُ عَلِموا تَمامًا ما كانَ يَدعو إليه. فهو لم يَكُن يَطلُبُ مِنهُم فقط أن يُغَيِّروا رأيَهُم فيه. فقد كانوا يَعلمونَ ما قالَهُ إشعياء. فعندما كَرَزَ إشعياءُ، ما الَّذي كَرَزَ بِهِ؟ إشعياء 1: 16. إليكُم ما كَرَزَ بِه إشعياء: "اِغْتَسِلُوا. تَنَقَّوْا. اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ. كُفُّوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ. تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ..." [كَماذا؟] تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ" [إنْ نَقَّيتُم أنفُسَكُم وَتَطَهَّرتُم]".

فالتَّغييرُ يَبتدئُ داخليًّا ثُمَّ يَظهَرُ مِن خلالِ المواقِفِ والأفعال. وفي نِهايةِ سِفْرِ إشَعْياء، أو بالقُربِ مِن نِهايَتِه، وتَحديدًا في الأصحاح 55، نَجِدُ نَفسَ النَّوعِ مِنَ الدَّعوة. فهُناكَ آيتان، وَهُما آيتانِ غَنِيَّتانِ بخصوصِ موضوعِ التَّوبةِ هذا. ولا أدري كيفَ يُهمِلونَ هاتينِ الآيتين. "اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ" [إشعياء 55: 6]. "ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ". وكيفَ أفعلُ ذلك؟ "لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ". فهو سَيَغفِرُ عندما يَترُكُ الشِّرِّيرُ طَريقَهُ، وعندما يَترُكُ رَجُلُ الإثْمِ أفكارَهُ ويَرجِع إلى الرَّبِّ.

وهُناكَ نَصٌّ يُساءُ استعمالُهُ غالبًا، ورُبَّما يَتَجَنَّبونَهُ كثيرًا جدًّا، وَهُوَ: أخبارُ الأيَّام الثَّاني 7: 14: "فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ". فعندما يَرجِعونَ، وعندما يَتوبونَ...وأنا أقولُ لكم إنَّهُ عندما كَرَزَ يوحنَّا المَعمدانُ بالتَّوبة، لم يَكُنِ المَعنى غامِضًا لأيِّ شخصٍ. فقد عَلِموا ما قالَهُ. وقد عَرَفوا تمامًا ما قَصَدَهُ.

أينَ الثِّمار؟ بَرْهِنوا على تَوبَتِكُم مِن خلالِ حَياتِكُم. وما هي ثِمارُ التَّوبة؟ ببساطة: الأعمالُ البَّارَّة، والأعمالُ المُقَدَّسة، والأعمالُ الصَّالحة، والتَّغييرُ في الحياة. وفي إنجيل لوقا والأصحاحِ الثَّالثِ، نَجِدُ نَصَّ تلكَ الحادثةِ الَّتي اقتبَسْتُها للتَّو حيثُ إنَّ الفَرِّيسيِّينَ جاءوا واقتربوا مَرَّةً أخرى (كما كانوا يَفعلونَ غالبًا) مِن يوحنَّا المَعمدان إذْ إنَّهُم كانوا يَرغبونَ دائمًا في التَّباهي بِتَقواهم. ولكِنَّ يوحنَّا يَقولُ لَهُم في العددِ السَّابعِ مِن إنجيل لوقا والأصحاحِ الثَّالث: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟" ماذا تَفعلونَ هُنا أيُّها الأفاعي؟ فَهُوَ يَقولُ لَهُم: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة". أينَ هي تلكَ الثِّمار؟ وما هي. نَقرأُ في العدد 10: "وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: «فَمَاذَا نَفْعَلُ؟»" ماذا نَفعل؟ ما هي ثِمارُ التَّوبة؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا". وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟»" ما هي ثِمارُ التَّوبة؟ "لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ". "وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ: «وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ»". إنَّها وَصايا عَمليَّة جدًّا. أليسَ كذلك؟

وهل تُريدونَ أن تَعلموا أينَ تَظهَرُ التَّوبة؟ في حَياتِكَ اليوميَّة. فهل تُقَدِّم ثَوبَكَ لِمَن ليسَ لَهُ ثَوب؟ وهل تَتَيَقَّنُ مِن أنَّكَ لا تأخُذُ مِن أيِّ شَخصٍ أيَّ شَيءٍ ليسَ مِن حَقِّكَ؟ وأنَّكَ لا تَظلِمُ أحدًا؟ وأنَّكَ لا تَتَّهِمُ أحدًا زُورًا؟ وأنَّكَ تَكتفي بأجرِكَ؟ فهُنا تَظهَرُ تَوبَتُكَ الحقيقيَّة. فهذهِ أُمورٌ عَمليَّة جدًّا يا أصدقائي. ويا أحبَّائي، أريدُ أن أقولَ لكم إنَّ أيَّ رسالة لا تُرَكِّزُ على التَّوبة لا يُمكِنُ أن تُسَمَّى إنجيلاً. فالاهتداءُ إلى يَسوعَ يَتطلَّبُ ما هو أكثر مِنَ التوقُّفِ عن طريقَتِكَ القديمةِ في التَّفكير. فهو حَياة جديدة. إنَّهُ حياةٌ جديدة. ويَقولُ "بيم" (Behm) إذْ يَكتُبُ مَرَّةً أخرى في مُعجَمِ "كيتل" (Kittle): "يَتضمَّنُ الاهتداءُ كُلَّ ما يَتطلَّبُهُ مَلكوتُ اللهِ مِنَ الإنسان: تَغييرًا في الحياة". وأرجو أن تَفهموا...ولا أعتقدُ أنَّ أحدًا قد لا يَفهَمُ ما أعنيه مِن هذا الكَلام. إنَّ الاهتداءَ ليسَ شَيئًا تَفعلُهُ لكي تَنالَ الخَلاص، بل هو شيءٌ يُنشِئُهُ رُوحُ اللهِ فيكَ عندَ تَخليصِك. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالةِ تيموثاوس الثَّانية (وَهُوَ مَقطَعٌ مُهِمٌّ ينبغي لنا أن نَفهمَهُ) في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 25: "عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً". فهو عَطِيَّة مِنَ الله. إنَّهُ عَطِيَّة مِنَ الله. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 11: 18: "إِذًا أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!" فهو عَطيَّة مِنَ الله.

واسمَحوا لي أن أختِمَ كَلامي بهذا المَقطَعِ الأخير: إنجيل مَتَّى 21: 28. افتَحوا عليهِ مِن فَضلِكُم. هُناكَ الكثيرُ جدًّا لِيُقال. إنجيل مَتَّى 21: 28: "مَاذَا تَظُنُّونَ؟" والمُتَكَلِّمُ هُنا هو يَسوع. أَلا فَكَّرتُم في هذهِ الكلماتِ مَعي؟ "كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ، فَجَاءَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ابْنِــي، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي. فَأَجَابَ وَقَالَ: ’هَا أَنَا يَا سَيِّدُ‘. وَلَمْ يَمْضِ". هل لَديكَ ابنٌ كهذا؟ "وَجَاءَ إِلَى الثَّانـِــي وَقَالَ كَذلِكَ. فَأَجَابَ وَقَالَ: ’مَا أُرِيدُ‘. وَلكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيرًا وَمَضَى". فَأَيُّ الاثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ الأَبِ؟" قَالُوا لَهُ: ’الثَّاني‘. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ’الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ‘...".

ويا لَها مِن كَلِماتٍ قَويَّة، يا أصدقائي! فيسوعُ يَصِفُ نَوعينِ مِنَ النَّاس. هل أنتُم جاهِزونَ لِسماعِ هذا؟ فهُناكَ الأشخاصُ الَّذينَ يَتظاهرونَ بأنَّهُم مُطيعونَ ولكنَّهُم في الحقيقةِ مُتَمَرِّدونَ في قُلوبِهم. فَهُم يَتظاهرونَ بأنَّهُم مُطيعونَ، ولكنَّهُم مُتمرِّدونَ في قُلوبِهم. وهُناكَ الأشخاصُ الَّذينَ يَبتدئونَ بِوَصْفِهِم أشخاصًا مُتمرِّدينَ ولكنَّهُم يَفعلونَ ماذا؟ يَتوبون. وقد قالَ يَسوعُ ذلكَ لِلفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا يَتظاهَرونَ بأنَّهُم يُطيعونَ اللهَ، ولكنَّهُم كانوا مُتمرِّدينَ في قُلوبِهم. ثُمَّ إنَّ هُناكَ الزَّواني والعَشَّارينَ الَّذينَ ابتدأوا بِوصفِهِم مُتمرِّدينَ، ولكنَّهُم تَابُوا. فلا يَوجَد خَلاصٌ بِدونِ تَوبة. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا كي نُصَلِّي:

أنا أتذكَّرُ، يا رَبُّ، في هذا المساءِ كلماتِ يَعقوب: "فَاخْضَعُوا للهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ. اكْتَئِبُوا وَنُوحُوا وَابْكُوا. لِيَتَحَوَّلْ ضَحِكُكُمْ إِلَى نَوْحٍ، وَفَرَحُكُمْ إِلَى غَمٍّ. اتَّضِعُوا قُدَّامَ الرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ". يا أبانا، أَعطِنا فَهمًا للدَّعوةِ إلى التَّوبة. وأنا أُصَلِّي الآنَ لأجلِ أيِّ شخصٍ هُنا يَتظاهَرُ بأنَّهُ مُطيع ولكنَّهُ في قَلبِهِ مُتمرِّدٌ ويَقولُ للهِ: "سأذهَب" ولكنَّهُ لا يَذهب. ليتَكَ يا رَبُّ تُغَيِّر تلكَ الحياة وتُعطيها تَوبةً حقيقيَّة. وأنا أُصَلِّي في هذا المساءِ أيضًا لأجلِ العَشَّارينَ والزُّناةِ، أيْ لأجلِ المَنبوذينَ والمُتمرِّدينَ الَّذينَ يَعيشونَ حَياةَ عِصيانٍ عَلنيٍّ لَكَ ولكنَّهُم مُنفَتِحونَ للتَّوبة. حَرِّك قُلوبَهُم. اعمَل عَمَلَ التَّوبةِ القويِّ والمُنعِمِ ذَاكَ في كُلِّ حَياةٍ تَحتاجُ إلى ذلك. إكرامًا لِيَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize