في هذا المَساء، أودُّ أن أُكَلِّمَكُم عن موضوعٍ مُهمٍّ جدًّا جدًّا وهو موضوعُ رُبوبيَّةِ المَسيح. وهو في ذاتِهِ، وبِمَعزِلٍ عن أيِّ قَضايا، وبِمَعزِلٍ عن أيِّ نِقاشٍ لاهوتِيٍّ مُعاصِرٍ في الكنيسة، إنَّهُ مَوضوعٌ قائِمٌ بِذاتِه. والشَّيءُ المؤكَّدُ هو أنَّ الحديثَ عن موضوعِ رُبوبيَّةِ المسيحِ ينبغي أن يكونَ دراسةً رئيسيَّةً لأيِّ مُؤمِن. ومِن جِهَة، كُنتُ أَتمنَّى أَلَّا أُضْطَرَّ إلى مُناقَشَتِه مِنَ الزَّاويةِ الَّتي سأُناقِشُها في هذا المساء. فأنا أريدُ أن أَتَطرَّقَ إلى الموضوعِ مِن زاويةٍ جَدَلِيَّةٍ نوعًا ما. وهذا يَعني أنِّي أريدُ أن أُدافِعَ عن رُبوبيَّةِ المسيحِ ضِدَّ ما أُوْمِنُ أنَّهُ هُجومٌ يَجري حَاليًّا. وأعتقدُ أنَّ هذا الهُجومَ على رُبوبيَّةِ المسيح قد مَضَى على وُجودِهِ وقتٌ طَويل. فأنا أَذكُرُ أنِّي عندما كُنتُ صَبيًّا، كُنتُ أسمعُ أُناسًا يَقولونَ كثيرًا للمسيحيِّين...فقد سَمِعتُ واعِظينَ يَقولونَ ذلكَ، ومُتَكَلِّمينَ، ومُعَلِّمينَ. فقد كانوا يَقولون: "يجب عليكَ أن تَجعَلَ المَسيحَ رَبًّا على حَياتِك". وكَم شخصًا مِنكُم سَمِعَ شخصًا يَقولُ ذلك؟ "يجب عليكَ أن تَجعَلَ المَسيحَ رَبًّا على حَياتِك". الكثير. والحقيقةُ هي أنَّ الجميعَ تَقريبًا رَفَعوا أيديهم.
"المَسيحُ مُخَلِّصي". فأنتُم تَسمعونَ النَّاسَ يَشهدونَ ويَقولونَ: "والآن، أريدُ أن أجعَلَهُ رَبًّا على حَياتي". فغالبًا عندما نَذهبُ إلى مُؤتَمَرٍ أو رِحلة رُوحيَّة، أو عندما يَكونُ هناكَ اجتماعٌ مُهِمٌّ بصورة خاصَّة، فإنَّ النَّاسَ يَقولون: "أجل، أنا مُؤمِنٌ. والمسيحُ مُخَلِّصي، ولكنَّهُ لم يَكُن يومًا رَبًّا على حَياتي". وعادةً فإنَّ هؤلاءِ النَّاسَ يُحاولونَ أن يَشرحوا كيفَ حَدَثَ ذلكَ إذْ إنَّهُم في وقتٍ مُعَيَّن مِن حَياتِهم قَبِلوا المسيحَ مُخَلِّصًا مِن دونِ أن يَتغيَّرَ شَيء بصورة رئيسيَّة. والحقيقة هي أنَّ هذا اختبارُ أشخاصٍ كثيرينَ مِنكُم. فأنتَ تَتحدَّثُ عن وقتٍ مُعَيَّن في حَياتِكَ عندما كُنتَ طِفلاً أو شَابًّا وتقولُ إنَّكَ "قَبِلتَ المَسيحَ"، أوِ اتَّخَذْتَ قَرارًا بقَبولِ المسيحِ، وإنَّكَ تَتَّكِلُ على تلكَ اللَّحظةِ باعتِبارِها اللَّحظة الَّتي خَلُصْتَ فيها بالرَّغمِ مِن أنَّهُ لم يَحدُث أيُّ تَغييرٍ حَقيقيٍّ في حَياتِك.
وأنتَ تأتي إلى نُقطةٍ أخرى في حياتِكَ، إلى نُقطةِ أَزمَة، أو رُبَّما قالَ لكَ أحدُ الأشخاصِ إنَّهُ يجبُ عليكَ أن تَجعَلَ المَسيحَ رَبًّا على حَياتِكَ، فَفَعَلْتَ ذلكَ ظَنًّا مِنْكَ أنَّ تلكَ كانتِ الخُطوةَ الثَّانيةَ وأنَّ الأمورَ قد تَغيَّرت. فهناكَ أشخاصٌ يَدَّعونَ أنَّكَ يُمكِنُ أن تَخلُص مِن دونِ أن تَجعلَ المَسيحَ رَبًّا، ومِن دونِ أن تُقِرَّ أنَّ المسيحَ رَبٌّ؛ بل إنَّكَ تَقبَلُهُ وَحَسْب مُخَلِّصًا. وهناكَ أشخاصٌ، العديدونُ مِنهم، والكثيرونَ مِنهم، والآلافُ المُؤلَّفة مِنهم يَزعُمونَ أنَّهُم خَلُصوا في وَقتٍ مُحَدَّد عندما قَرَّروا أن يُؤمِنوا. ففي تلكَ اللَّحظة، نَالوا غُفرانًا كامِلاً. وفي تلكَ اللَّحظة، تَوَقَّعوا أنَّهم حَصلوا على الحياةِ الأبديَّةِ ولكنَّهُم لم يَرُدُّوا أيَّ شيءٍ لله. لا شيءَ على الإطلاق. فقد قِيلَ لهم إنَّهُم مَسيحيُّونَ لأنَّهُم اتَّخَذوا "قَرارًا". وقد كانوا مُتَحَمِّسينَ، صَدِّقوني، لقَبولِ الرَّأيِ السَّائدِ القائلَ إنَّكَ تَستطيعُ أن تَقبلَ يَسوعَ مُخَلِّصًا مِن دونِ أن تُقِرَّ بالضَّرورة بِرُبوبيَّتِه. وفي وقتٍ لاحِقٍ مِن حياتِهم، يُمكِنُهم أن يَصيروا جَادِّينَ بخصوصِ حَياتِهم. وفي ذلكَ الوقت، يُمكِنُهم أن يَنتقِلوا مِن كَونِهم مُجَرَّدَ مَسيحيِّينَ ليصيروا مَسيحيِّينَ رُبوبِيِّين. وهذا الرَّأيُ مُنتشِرٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ عندما كُنتُ أَعْقِدُ مؤخَّرًا مُؤتمرًا كِتابيًّا في أحدِ المعاهدِ المسيحيَّةِ الكُبرى في أمريكا، كانَ هُناكَ رَجُلٌ يُكَلِّمُ الطَّلَبة كُلَّ يَومٍ خِلالَ الأسبوع. وكذلكَ أنا.
وقد قالَ لهم: "النُّقطةُ الَّتي تَصيرُ فيها حَقًّا تِلميذًا، والنُّقطةُ الَّتي تَجعلُ المسيحَ فيها حَقًّا رَبًّا على حياتِك تَحدُثُ عادةً أو أحيانًا في سِنِّ الثَّلاثين". وقد صُدِمْتُ (وهذا أقَلُّ ما يُمكنُني أن أقولَهُ) لأنَّهُ قالَ لمجموعةٍ مِنَ الشَّبابِ أن يُعَلِّقوا تَكريسَهُم الروحيَّ إلى أن يَبلُغوا سِنَّ الثَّلاثين. فقد كانَ واحدًا مِنَ الأشخاصِ الَّذي يَرَوْنَ أنَّهُ يَكفي أن تَقبلَ يَسوعَ مُخَلِّصًا، وتأخُذ غُفرانَكَ، وتأخُذ ضَمانَكَ في الذَّهابِ إلى السَّماءِ وَتَعيش كَما تَشاء إلى أن تَمُرُّ بأزمةٍ (على أَمَلِ أنْ يَحدُثَ ذلكَ عاجِلاً وليسَ آجِلاً) تَجعَلُ فيها المَسيحَ رَبًّا.
والآن، اسمَحوا لي أن أُخبرَكُم عن مَدى انتشارِ هذا المَفهوم. وسوفَ أَشرَحُ ذلكَ بعُمْقٍ أكبر في أثناءِ حَديثي. إنَّهُ موجودٌ، في الحقيقة، وراءَ كُلِّ كِرازة مُعاصِرة. فكُلُّ الكِرازة المُعاصِرَة تَقريبًا تَعكِسُ هذه العَقليَّة سواءٌ أكانَ ذلكَ في الكِرازةِ المُتَلفَزَة، أو في الحَملاتِ التَّبشيريَّة، أو في الملاعبِ الرياضيَّة الكبيرة، أو في الخِيام، أو في الكنائِس، أو أيًّا كانت طَبيعَتُها. كما أنَّ أغلبيَّةَ النَّشْراتِ والكُتُبِ والمَطبوعاتِ المُشابِهَةِ تَستَنِدُ إلى نَفسِ هذا التَّفكير: أيْ أنْ تَجعَلَ النَّاسَ يَتَّخِذونَ قَرارًا، وأن تَجعلَ النَّاسَ في وَقتٍ مُعَيَّنٍ يُقِرُّونَ بحاجَتِهم، وأن يَقبَلوا المسيحَ، وأن يُرَحِّبوا بالمسيحِ، وأن يَتَّخِذوا قَرارًا. وهذا سَيضمَنُ حياتَهم الأبديَّة. ثُمَّ إنَّكَ تَقولُ لهم إنَّهُ يُمكِنُهم أن يَكونوا مُتيقِّنينَ مِن خلاصِهم، وتُصَلِّي أنَّهُم في وقتٍ ما في المُستقبَل سيَجعلونَ المسيحَ رَبًّا. ولكِن إلى أن يأتي ذلكَ الوقتُ، يُمكِنُكَ أن تَتوقَّعَ أنَّهُ لن يكونَ هُناكَ بالضَّرورة أيُّ تَغييرٍ في حياتِهم. والحقيقةُ هي أنَّهُ في أثناءِ عمليَّةِ إقناعِ النَّاسِ باتِّخاذِ قَرارٍ، يُمكِنُكَ أن تَستخدِمَ أيَّ أُسلوبٍ تَشاء في الحقيقة! فيجب عليكَ أن تَتحدَّثَ عنِ الإنجيل. وبصراحَة، إنَّهُم يُريدونَ مِنكَ أن تَتحدَّثَ عنِ الإنجيل. ولكنَّكَ بحاجة إلى استخدامِ الكثيرِ مِنَ العَاطِفَة. وأنتَ تُمارِسُ غالبًا بعضَ الضَّغطِ الذَّكيِّ، وفي أغلبِ الأحيانِ تَلجأُ إلى التَّحايُلِ، والتَّرنيمِ، وتَرديدِ مَقاطِعَ مُكَرَّرة مِن تَرانيمٍ مُؤثِّرة تَدفعُ النَّاسَ إلى التَّحَرُّك. وحَتَّى إنَّ هُناكَ أُسلوبًا يُستَخدَمُ في الكثيرِ والكَثيرِ مِنَ الحَملاتِ التَّبشيريَّة إذْ إنَّهُم يَقولونَ لأشخاصٍ مُعَيَّنينَ إنَّهُ عندما تَبدأُ الدَّعوة، وهذا شائعٌ جدًّا في الكنائسِ أيضًا، يجب على هؤلاءِ الأشخاصِ (الَّذينَ تَمَّ الاتِّفاقُ مَعَهُم مُسَبَّقًا) أن يَبتدئوا في الاستجابَةِ للدَّعوةِ والتَّقَدُّمِ إلى الأمامِ على مَرأى مِنَ النَّاسِ كي يُشَجِّعوا النَّاسَ. وما يَفعَلُهُ هؤلاءِ الأشخاصُ هو أنَّهُم يُحَمِّسونَ النَّاسَ حَقًّا على النُّهوضِ والتَّقَدُّمِ إلى الأمامِ كي يَجعلوا ذلكَ الأمرَ يَحدُث.
وهُناكَ آباءٌ وأُمَّهاتٌ مُتَمَسِّكونَ بفكرةِ أنَّهُ في نُقطةٍ مُعيَّنَةٍ مِن حياةِ أولادِهم، فإنَّ أولادَهُم اتَّخَذوا قَرارًا بقَبولِ المسيح. ومعَ أنَّهُم يَعيشونَ الآنَ حَياةَ خَطِيَّةٍ مُريعَة، ويَنتَهِكونَ ناموسَ اللهِ، ولا يَعتَرِفونَ حَتَّى بأنَّ يَسوعَ رَبٌّ، فإنَّهُم ما زالوا مُخَلَّصينَ بسببِ ذلكَ القَرار. ولكنَّهُم لم يَقبلوهُ يَومًا رَبًّا. وقد سَمِعتُ آباءً وأُمَّهاتٍ يَقولونَ لي: "أنا أَعلمُ أنَّ ابني مِثليٌّ جِنسيٌّ. فقد اختارَ نَمَطَ الحَياةِ هذا. وأنا أعرِفُ أنَّ ابنَتي لا تُراعي البَتَّة الأمورَ المُختصَّة بالمسيح، ولكنِّي أعلَمُ أنَّهُما مُخَلَّصان. فأنا أذكُرُ المَرَّةَ الَّتي اتَّخَذا فيها قَرارَهُما". فالآباءُ والأُمَّهاتُ يَتَمَسَّكونَ بهذا الرَّأي. وقد يَتمسَّكُ الأزواجُ والزَّوجاتُ بهذا الرَّأيِ أيضًا بخصوصِ شَريكِ حَياتِهم. وقد يَتمسَّكُ الأصدقاءُ بهذا الرَّأيِ بخصوصِ شخصٍ يُحِبُّونَهُ كثيرًا. وهذا يُعطي فِكرةً بأنَّ الخلاصَ هو شَيءٌ حَدَثَ في وقتٍ مَا ومَضمونٌ إلى الأبد، ولكنَّهُ لا يَعني بالضَّرورةِ حُدوثَ تَغييرٍ في حياتِكَ، ولا يَتطلَّبُ الاعترافَ بيسوعَ رَبًّا على حَياتِكَ وإخضاعَ حَياتِكَ لَهُ. فهذا التَّفكيرُ مَوجودٌ وراءَ أغلبيَّةِ الكِرازَةِ المُعاصِرَة. اسمَعوني: عندما تَسمعونَ شخصًا يَقولُ: "هل أنتَ مُستعِدٌّ لتكريسِ حياتِكَ لاتِّباعِ يَسوع؟" وعندما تَسمَعونَ شخصًا يَقولُ: "هل أنتَ مُستعدٌّ لأن تَتوبَ عن خطاياكَ وأن تَحني رُكبَتَيْكَ خُضوعًا لرُبوبيَّةِ المسيح؟" أو "هل أنتَ مُستعِدٌّ لأن تَسمحَ ليسوعَ المسيحِ أن يَملُكَ ويَسودَ على حَياتِك؟" فإنَّ ما تَسمعونَهُ هو: "اقبَل المسيح. وافتح قَلبكَ للمسيح. واتَّخِذ قرارًا بِقَبولِ المسيح". وأنا أريدُ مِنكُم أن تَفهموا أنَّ هذه قَضيَّة مُهمَّة لأنِّي أُوْمِنُ أنَّ ما يَفعلُهُ ذلكَ في حالاتٍ كثيرةٍ هو أنَّهُ يُوْجِدُ حَشْد كبيرً مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم مُخَلَّصونَ؛ في حين أنَّهُم لَيسُوا كذلك.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم فِكرةً عن هذه المسألة. قامت مَجلَّة مَسيحيَّة مَعروفة مؤخَّرًا بِنَشرِ مَقالَةٍ تَقولُ فيها إنَّ مَوضوعَ رُبوبيَّةِ المسيحِ ليسَ مُلائمًا للطَّرحِ في سِياقِ الشَّهادةِ للخُطاة. فليسَ مِنَ المُلائِمِ أن نَتحدَّثَ عن رُبوبيَّةِ المسيح (كما تَقولُ المَجَلَّة). وهذه مَجلَّة مَعروفة جدًّا جدًّا. وهي تَقولُ (وأنا أقتَبِسُ مِنَ المَجلَّة): "حيثُ إنَّ القرارَ بِجَعلِ المسيحِ رَبًّا ليسَ مُتاحًا إلَّا للأشخاصِ الَّذينَ قَبِلوهُ مُخَلِّصًا، لا يَجوزُ أن يَحوي تَقديمُ الإنجيلِ أيَّ شَيءٍ عنِ التَّسليمِ والخُضوعِ للمسيحِ بِصِفَتِهِ رَبًّا يَنبغي أن يُطاع" [نِهايةُ الاقتباس]. فلا يَجوزُ لتقديمِ الإنجيلِ أن يَحوي أيَّ شيءٍ عنِ التَّسليمِ والخُضوعِ للمسيحِ بِصِفَتِهِ رَبًّا (بِحَسَبِ قَولِ المَجلَّة). فلا يَجوزُ أن تتحدَّثَ عن ذلك. وقد شاهَدتُ فيلمًا بعدَ ظُهرِ اليومِ للمَرَّةِ الثَّانية. فقد شاهَدتُهُ يومَ أمس، ولكنِّي لم أُصَدِّق في المَرَّةِ الأولى الَّتي شاهدتُهُ فيها ما رأيت. وهو فيلمٌ تَمَّ إعدادُهُ لتعليمِ النَّاسِ كيفَ يَقودونَ شخصًا إلى المسيح. ويَستخدِمُ الفيلمُ بعضَ الصُّوَرِ، ويَطرحُ بعضَ الأسئلةِ، ثُمَّ يَسألُ إن كانت صَحيحة أَم خَاطِئة.
واسمَحوا لي أن أقرأَ لكم بعضَ الأسئلةِ الَّتي طُرِحَت وماذا كانتِ الإجابة. فعندَ تقديمِ الإنجيلِ، كما يَقولُ الرَّاوي في الفيلم: "هل يَجوزُ لكَ أن تَطرَحَ الأسئلةَ التَّالية؟" وهذه هي الأسئلة: السُّؤال الأوَّل: هل يَجوزُ لكَ أن تقولَ لشخصٍ ما: "هل تُريدُ أن تُقَدِّمَ قَلبَكَ للمسيح؟" الجواب: خَطأ. فلا يَجوزُ أن تَقولَ ذلكَ لأيِّ شخص. فلا يَجوزُ أن تَقولَ لأيِّ شخصٍ أن يُعطي أيَّ شيءٍ للمسيح. ولا يَجوزُ أن تَطلُبَ مِنهم أن يُقَدِّموا حياتَهم للمسيح. فقط اطلُب مِنهم أن يُؤمِنوا. السُّؤالُ الثَّاني: "هَل تُسَلِّم حياتَكَ للمسيح؟" خَطأ. لا تَطلُب مِن أيِّ شخصٍ أن يُسَلِّمَ أيَّ شيء. السُّؤالُ الثَّالث: "هل تُكَرِّسُ حياتَكَ للمسيح؟" خَطأ. لا تَطلُب مِن أيِّ شخصٍ أن يَفعلَ ذلك. السُّؤالُ الرَّابع: "هل تَجعَلُ المسيحَ رَبًّا على حَياتِك؟" لا تَطلُب يومًا مِن أيِّ شخصٍ أن يُقِرَّ بأنَّ المسيحَ ينبغي أن يكونَ رَبًّا على حَياتِه. السُّؤالُ الخامِس: "هل تَتوبُ عن خَطاياك؟" خَطأ. لا تَطلُب مِن أيِّ شخصٍ أن يَتوبَ عن خَطاياه. السُّؤالُ السَّادس: هل أنتَ مُستعدٌّ لِتَركِ خَطاياك؟" خَطأ. لا تَطلُب مِن أيِّ شخصٍ أن يَفعلَ ذلك. فَيَكفي (كما يَقولُ الرَّاوي) أن تَقولَ لهُ: "هل تُؤمِنُ بأنَّ يَسوعَ مَاتَ عن خَطاياك؟" فهذا يَكفي. هذا يَكفي؟ إنَّ الشَّياطينَ تُؤمِنُ وماذا؟ وتَقْشَعِرُّ.
وهُناكَ مَجلَّة مَسيحيَّة أخرى نَشَرَت مُؤخَّرًا مَقالةً بعُنوان: "الخَلاصُ الرُّبوبِيُّ المَزعوم". وقد ابتدأتِ المَقالةُ بسؤال. وإليكُم السُّؤال: "هل يَجب على المرءِ أن يَجعلَ المَسيحَ رَبًّا أو أنْ يُقِرَّ بأنَّ المَسيحَ رَبٌّ كَشَرْطٍ للخَلاص؟" وما لا يَقِلُّ عن عَشْرِ مَرَّاتٍ في تلكَ المقالة المؤلَّفَة مِن صَفحتينِ فقط، تَحَدَّثَ الكاتِبُ عن جَعلِ المسيحِ رَبًّا على حَياةِ المَرء. وبدونِ شَكٍّ، مِن وُجهةِ نَظرِ الكاتِب، لا ضَرورةَ لِجَعلِ المسيحِ رَبًّا كي تَخلَص. فهذا شَيءٌ تَفعلُهُ لاحقًا بأنْ تَجعلَ المسيحَ رَبًّا. فأنتَ تَقبَلُهُ مُخَلِّصًا ثُمَّ تَجعَلُهُ لاحقًا رَبًّا. وقد قالَ ذلكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ في تلكَ المقالةِ المؤلَّفةِ مِن صَفحتين. فلا يوجد مِكانٌ في الكتابِ المقدَّسِ يَقولُ إنَّهُ ينبغي للمسيحيِّ أن يَجعلَ المَسيحَ رَبًّا. فإن كُنتَ مَسيحيًّا فَهُوَ رَبٌّ. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ بوضوحٍ تامٍّ إنَّهُ ما لم تُقِرَّ بتلكَ الحقيقةِ (أيْ بأنَّهُ رَبٌّ) فإنَّكَ لم تَخلُصَ أَصلاً. فهذا أمرٌ واضح. فَحَجْبُ رُبوبيَّةِ المسيحِ عن أيِّ شخصٍ، وحَجْبُ حَقيقةِ أنَّهُ ينبغي لهم أن يُسَلِّموا حَياتَهُم لقِيادَتِهِ، وحَجْبُ حَقيقةِ أنَّهُ ينبغي لهم أن يَعترفوا بخطاياهم ويَتوبوا عنها يَعني أنْ تَحْكُمَ على ذلكَ الشَّخصَ بأنْ يَتوهَّمَ بأنَّهُ مُخَلَّصٌ في حين أنَّهُ ليسَ كذلك. وحَجْبُ رُبوبيَّةِ المسيحِ عن شخصٍ عندَ تَقديمِ الإنجيلِ لَهُ هو تَناقُضٌ كُلِّيٌّ. فالكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ الخلاصَ يُمنَحُ فقط لأولئكَ الَّذينَ يَعترفونَ بيسوعَ رَبًّا والَّذين يُبدونَ الاستعدادَ لإخضاعِ حَياتِهم لَهُ. أمَّا أن تَقولَ إنَّهُ لا يَجوزُ لنا البَتَّة أن نَتحدَّثَ عن ذلك، وأنَّ كُلَّ ما يَنبغي للمرءِ أن يَفعلَهُ هو أن يُؤمِنَ بأنَّ يَسوعَ مَاتَ لأجلِهِ هو كَلامٌ لا يَقولُ البَتَّة ما يَكفي.
وهُناكَ كاتِبٌ، وهو كاتِبٌ يَقودُ الحَملَةَ ضِدَّ رُبوبيَّةِ المسيح، وقد كَتَبَ على الأرجَح...بل أنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّهُ كَتَبَ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر عن هذا الموضوع. وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ كثيرًا في كِتابي، قالَ ضِدَّ رُبوبيَّةِ المسيحِ ما يَلي: "إنَّ هذه الحقيقة الدَّامغة القائلة إنَّ الرَّبَّ لا يَطلُبُ أيَّ التِزامٍ رُوحِيٍّ هي الَّتي تُمَيِّزُ الإنجيلَ الحَقَّ عن سَائِرِ الأناجيلِ المُزَيَّفة". هل فَهِمتُم ذلك؟ فهو يَقولُ إنَّ هذه الحقيقة الدَّامغة القائلة إنَّ الرَّبَّ لا يَطلُبُ أيَّ التِزامٍ رُوحِيٍّ هي الَّتي تُمَيِّزُ الإنجيلَ الحَقَّ عن سَائِرِ الأناجيلِ المُزَيَّفة. بعبارة أخرى، إذا طَلبتَ مِن شخصٍ أن يُكَرِّسَ حَياتَهُ للمسيح وأن يَترُكَ خَطاياهُ ويَتبعَ المَسيحَ، ويَكونَ مُطيعًا لَهُ، فإنَّكَ قد زَيَّفْتَ الإنجيلَ. وهذا تَعليمٌ واسعُ الانتشار، يا أصدقائي. إنَّهُ واسِعُ الانتشار.
وقد كَتَبَ أُستاذٌ آخر يُعَلِّمُ في إحدى كُليَّاتِ اللَّاهوتِ: "إنَّ الرِّسالةَ الجوهريَّةَ للخَبَرِ السَّارِ والَّتي يَنبغي للمرءِ أن يُؤمِنَ بها كي يَنالَ الخَلاصَ هي: أوَّلاً، الإنسانُ خاطئ. ثانيًا، المسيحُ مُخَلِّصٌ. ثالثًا، المسيحُ ماتَ بَديلاً عنِ الإنسان. رابعًا، المسيحُ قامَ مِنَ الأموات. فهذهِ هي الأشياءُ الَّتي ينبغي أن تُؤمِنَ بها كي تَنالَ الخَلاص. الحقائق: الإنسانُ خاطئ، والمسيحُ مُخَلِّصٌ، والمسيحُ ماتَ، والمسيحُ قامَ. فَهُم يَقولونَ إنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ بهذه الحقائقِ هو كُلُّ المَطلوب. فهؤلاءِ الأشخاصُ يَقولونَ إنَّكَ إذا قُلتَ لشخصٍ غير مُؤمِن إنَّ المسيحَ يَملِكُ كُلَّ الحَقِّ في أن يَسودَ على حَياتِهِ تَكونُ قد [اسمَعوا هذا:] أَفْسَدْتَ الإنجيل. هل فَهِمتُم هذا؟ إنَّهُ أمرٌ مُخيف. فإن قُلتَ لشخصٍ غير مُؤمِن إنَّ المسيحَ يَملِكُ كُلَّ الحَقِّ في أن يَسودَ على حَياتِهِ، وإنَّهُ يجبُ عليهم أن يَحني رُكبَتَيْهِ لَهُ كي يَخلُص، تَكونُ قد أَفسدتَ الإنجيل. وهُناكَ كاتِبٌ آخر يَقول (وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ): "مِنَ المُمكِنِ، بل وحَتَّى مِنَ المُحتَمَلِ، أنَّهُ عندما يَنجَرِفُ مُؤمِنٌ مِنَ الرَّعيَّةِ وراءَ إحدى الفَلسَفاتِ، إنْ كانَ مُفَكِّرًا مَنطقيًّا، فإنَّهُ سيَصيرُ مُؤمِنًا غيرَ مُؤمِن. فالمؤمنونَ اللَّاأَدرِيِّونَ ما زالوا مُؤمِنين، وما زَالوا مَولودينَ ثانيةً". واستمِعوا إلى هذا القَول: "يُمكِنُكَ حَتَّى أن تَصيرَ مُلحِدًا، ولكِن إنْ كُنتَ قد قَبِلتَ يَومًا المسيحَ مُخَلِّصًا، لا يُمكِنُكَ أن تَفقِدَ خَلاصَكَ حَتَّى لو أَنكرتَ اللهَ" [نِهايةُ الاقتباس]. أنا لا أُوْمِنُ أنَّكَ قد تَفقِدُ خَلاصَكَ، ولكنِّي أُوْمِنُ بِكُلِّ قَلبي أنَّكَ إذا نِلْتَ الخَلاصَ أصلاً فإنَّكَ لن تَصيرَ يَومًا مُؤمِنًا غيرَ مُؤمِن، ولن تُنكِرَ يَومًا اللهَ. فقد قالَ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العاشِر: "مَنْ يُنْكِرُنـِــي قُدَّامَ النَّاسِ [أَفعَلُ مَاذا؟] أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وقد كَتَبَ بولُسُ إلى تيموثاوُس (في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 2: 12)، وقد دَرَسنا هذه الرِّسالة مُنذُ وَقتٍ قَريب، فيقول: "إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ [وَهِيَ الفِكرةُ نَفسُها] فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا". فالخلاصُ أبديٌّ، ولكِنْ فقط إن كانَ حَقيقيًّا. ولكِنَّ ما يُنادي بِهِ هؤلاء هُوَ أنَّهُ يُمكِنُكَ أن تَقبَلَهُ مُخَلِّصًا، مِن دونِ أن يَحدُثَ تَغييرٌ في حَياتِكَ، بل حَتَّى يُمكِنُكَ أن تَصيرَ غَيرَ مُؤمِنٍ، أو لاأدريًّا، أو مُلحِدًا، لأنَّ الإيمانَ لن يُغَيِّرَكَ بالضَّرورة.
وقد صُدِمْتُ حَقًّا حينَ اكتشفتُ أنَّ الكاتِبَ الأكثرَ غَزارَةً مِن بينِ هؤلاءِ يَقول إنَّكَ إذا آمَنْتَ في لَحظةِ الخَلاصِ فإنَّكَ لستَ بحاجة إلى الإيمانِ مَرَّةً أخرى طَوالَ حَياتِكَ لأنَّ تلكَ اللَّحظةَ فقط هي المُهِمَّة. وهذا أمرٌ مُخيف. فالأمرُ لا يَقتَصِرُ فقط على عَدَمِ الإيمانِ بِرُبوبيَّةِ المسيحِ، بل حَتَّى إنَّهُ يُمكِنُكَ أن تَصيرَ غيرَ مُؤمِنٍ، أو شخصًا لاأدريًّا، أو مُلحِدًا. فقد قال: "المُثابَرَةُ في الإيمان، أيِ الاستمرارُ في الإيمان، ليست عَامِلاً في الخلاصِ الحقيقيِّ". إنَّها ليست كذلك؟ ولكِنَّ كِتابِيَ المُقَدَّسَ يَقولُ في رسالةِ كولوسي والأصحاحِ الأوَّل إنَّكَ تَخلُص إنِ استَمَرَّيْتَ في ماذا؟ في الإيمان. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ كُلَّ دَعوةٍ إلى التَّلمذَةِ، وفي كُلِّ مَرَّة يَقولُ فيها يَسوعُ: اترُك أباكَ وأُمَّكَ، واترُك الكُلَّ واتبَعني (وَهُوَ يَقولُ ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا)، أو يَقولُ: احمِل صَليبَكَ، وانكِر نَفسَكَ، واستَعِدَّ للموتِ، أو إنْ وَضَعْتَ يَدَكَ على المِحراثِ ونَظرتَ إلى الوَراءِ فإنَّكَ لا تَستَحِقُّ أن تَكونَ تِلميذًا لي، أو إنْ ذَهبتَ كي تَدفِنَ أباكَ ولم تَكُن مُستعِدًّا أن تَتبعني أيًّا كانتِ الكُلفة لن تَكونَ تِلميذًا لي، وكُلَّ هذهِ الدَّعواتِ إلى التَّلمذة، والدَّعواتِ إلى الموتِ، والدَّعواتِ إلى التَّضحية، والدَّعواتِ إلى تَسليمِ حَياتِكَ، والدَّعواتِ إلى الطَّاعَةِ، والدَّعواتِ إلى الخُضوع؛ إنَّهُم يَقولونَ إنَّ كُلَّ هذه هي دَعْواتٌ قَدَّمَها يَسوعُ لأشخاصٍ مَفدِيِّينَ أصلاً كي يَنتقِلوا إلى الخُطوةِ الثَّانية. إذًا، إنَّهُم يَنظرونَ إلى خِدمةِ يَسوعَ بأسرِها، وعِوَضًا عن أن تَكونَ كِرازَةً فإنَّها تَصيرُ دَعْواتٍ إلى أشخاصٍ مُخَلَّصينَ أصلاً كي يَنتقِلوا إلى المُستوى الثَّاني. والمُشكلةُ في ذلكَ هي أنَّ يَسوعَ قالَ: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا [بَلْ مَنْ؟] بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ...لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَك". ولكنَّكُم جَرَّدْتُم الرَّبَّ يَسوعَ مِن خِدمَتِهِ الكِرازِيَّةِ إنْ تَبَنَّيتُم هذا الرَّأيَ. ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لكم شيئًا: لا يُمكِنُكم أن تَتَبَنَّوا الرَّأيَ غيرَ الرُّبوبيَّ ما لم تُطَبِّقوا ذلكَ على كُلِّ تلكَ الدَّعْواتِ الَّتي قَدَّمَها المسيحُ لأنَّ كُلَّ دَعوة إلى التَّلمذة قَدَّمها كانت قَويَّة جدًّا.
لِذا فإنَّ يَسوعَ لا يَكرِزُ حَقًّا، بل هو يَدعو المؤمِنينَ إلى الانتقالِ إلى المُستوى الثَّاني وإلى أن يَجعلوهُ رَبًّا. لِذا فإنَّ هذا يُبطِلُ القَصدَ الكِرازِيَّ لخِدمةِ الرَّبِّ ويَتجاهَلُ حقيقةَ أنَّهُ جاءَ كي يَطلُبَ ويُخَلِّصَ الهالِكين. وهذا يَرجِعُ، على سَبيلِ المِثالِ، إلى وَقْتِ كِتابَةِ "اللَّاهوتِ النِّظامِيِّ" (Systematic Theology) لـِ "لويس سبيري شيفر" (Lewis Sperry Chafer) الَّذي كانَ في أحدِ الأيَّامِ رَئيسًا لكُليَّةِ دالاس للَّاهوت (Dallas Seminary)، والذي يَقولُ فيه في الجُزءِ الثَّالثِ والصَّفحة 385: "إنَّ فَرْضَ ضَرورة تَسليمِ الحياةِ كَشَرطٍ إضافيٍّ لِنَيْلِ الخَلاص هو أمرٌ أبعَدُ ما يَكون عنِ المَنطِق. فدعوةُ اللهِ لغيرِ المُخَلَّصين لم تَكُن يَومًا دَعوةً إلى رُبوبيَّةِ المَسيح" [نِهايةُ الاقتباس]. دَعوةُ اللهِ لغيرِ المُخَلَّصين لم تَكُن يومًا دَعوةً إلى رُبوبيَّةِ المسيح؟ وهُناكَ كاتِبٌ آخَر وَصَلَ إلى نَتيجةٍ مُدهشةٍ تَقولُ إنَّها ضَلالة كِتابيَّة أن تَدعو شخصًا غيرَ مُخَلَّصٍ إلى قَبولِ يسوعَ المسيحِ مُخَلِّصًا ورَبًّا. وقد مَضى على وُجودِ هذا الفِكرِ وقتٌ طَويل. وأنا أقتَبِسُ مِن مَراجِعَ قَديمة نَوعًا مَا. ولكِنَّ الأمرَ لم يَبلُغ هذا الانتشارَ الواسِعَ والعَريضَ الَّذي وَصَلَ إليهِ اليومَ. وأعتقد أنَّ الأمرَ تَبَلوَرَ جُزئيًّا رُبَّما لأنِّي أَثَرْتُ القَضيَّةَ قَليلاً. ولكنْ لا بُدَّ مِن إثارةِ القضيَّة. وهُناكَ كاتِبٌ آخر يَكتُبُ في مَجلَّةٍ تُدعَى "الحياةُ الواثِقَة" (Confident Living)، وهي مَجَلَّة "عَودة إلى الكِتابِ المُقدَّس" (Back to the Bible) فيقول: "إنَّ تَقديمَ المَسيحِ بِصِفَتِهِ رَبًّا إلى شَخصٍ غير مُخَلَّصٍ هو إضافة إلى التَّعليمِ الكِتابيِّ المُختصِّ بالخلاص". فهذا هو ما يُنادونَ بِه.
فلا حاجةَ إلى تَرْكِ الخطيَّة، ولا حاجةَ إلى حُدوثِ أيِّ تَغييرٍ في نَمَطِ الحَياة، ولا حاجة إلى أيِّ تَكريس، ولا حاجةَ إلى إخضاعِ الذَّاتِ للمسيح. ولكِنْ ماذا عَنِ الآيةِ الَّتي تَقول: "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". وسوفَ أقرأُ لكم آيةً أَثَّرَتْ فِيَّ جِدًّا قبلَ بِضعةِ أيَّام. فقد رَجَعْتُ إلى الكِتابِ بعدَ أن أَكمَلتُهُ وَدَوَّنْتُ فيهِ تلكَ الآية (وهي رسالة بُطرسَ الأولى 2: 7) والَّتي تَقول: "فإنَّ هذا الحَجَرَ هُوَ ثَمينٌ في نَظَرِكُم أنتُم المُؤمِنينَ بِهِ". هل فَكَّرتُم يَومًا في تلكَ الآية؟ سوفَ أقولُ لكم كيفَ أَعلَمُ إن كانَ المرءُ مُؤمِنًا. هلِ المَسيحُ ثَمينٌ لديه؟ فهو لأولئكَ الَّذينَ يُؤمِنونَ...ماذا؟ إنَّهُ ثَمينٌ. إنَّهُ ثَمينٌ. وما مَعنى ذلك؟ أيْ أنَّهُ قَيِّمٌ، وعَزيز، ونَفيس. وهذه هي رُبوبيَّتُه. فهو ثَمينٌ لَدى المؤمِنِ الحقيقيِّ. والنَّتيجةُ العَكسيَّةُ لهذا كُلِّه، ويُمكِنُني أن أقولَ المَزيدَ والمَزيد. فهناكَ أشياء كثيرة أخرى يُمكِنُ قَولُها عن هذا الموضوعِ، وأمثلة توضيحيَّة كثيرة أخرى. ولكِنَّ النَّتيجةَ العَكسيَّةَ لهذا كُلِّه تُؤدِّي إلى عَقيدة خاطئة. فالنَّتيجةُ العَكسيَّةُ لهذا كُلِّه هي خَلاصٌ أقَلُّ مِمَّا تُعَلِّمُهُ كلمةُ الله. فالإنجيلُ المُعاصِرُ غامِض. والإنجيلُ المُعاصِرُ يُنادي برجاءٍ زائفٍ للخُطاةِ الَّذينَ اختَبروا لَحظةً أرادوا فيها أن يَحصُلوا على الغُفرانِ؛ في حين أنَّهم يريدونَ أن يَضمنوا السَّماءَ في المُستقبَل معَ أنَّهم مُستمرُّونَ في العَيشِ بأيِّ طَريقةٍ يَشاؤون. ورُبَّما سيَهتمُّونَ في وقتٍ لاحقٍ بِجَعْلِ المَسيحِ رَبًّا إنْ عَلِموا أَصلاً عن ذلك. وَهُم ليسوا بِحاجةٍ إلى مَعرفةِ أيِّ شيءٍ عن ذلك لأنَّهُ لا يُفتَرَضُ بأيِّ شَخصٍ أن يُخبِرَهُم. وهل تُريدونَ أن تَعلَموا تأثيرَ ذلك؟ أنَّ هُناكَ مِليارًا ومِئَتَي مَليون شخص يَقولونَ إنَّهُم مَسيحيُّون. هل تُصَدِّقونَ ذلك؟ هل تُصَدِّقونَ أنَّ مِليارًا ومِئتي مَليونِ شخصٍ في العالَم مَسيحيُّون؟ وفي أحَدِ الاستطلاعاتِ، وُجِدَ أنَّ ثُلُثَ أمريكا مَسيحيُّون. هل تَعلمونَ ما الَّذي أَفهَمُهُ مِن ذلك؟ أنَّ مَلايينَ النَّاسِ مَخدوعون. أنَّ مَلايينَ النَّاسِ مَخدوعون. وقد قالَ أحدُ هَؤلاءِ الكُتَّاب: "إن قَبِلنا القولَ إنَّهُ يجبُ عليكَ أن تَجعَلَ يَسوعَ رَبًّا كي تَنالَ الخَلاصَ، فإنَّ قِلَّةً قَليلةً فقط مِنَ النَّاسِ ستَنالُ الخَلاصَ!" وهُناكَ عَلامَةُ تَعَجُّب. ولكِنَّ هذا هو تَمامًا ما قَالَهُ يَسوع: "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ...[وماذا؟] وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" ويَقولُ أحدُ الكُتَّابِ، على سَبيلِ المِثالِ، إنَّ لائحةَ بولس الَّتي تَضُمُّ الخُطاةَ المُمْعِنينَ في الخَطيَّةِ والرَّذيلَةِ إذْ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 6: 9-10: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ". فَهُوَ يَقولُ إنَّ كُلَّ هؤلاءِ هُم مُؤمِنون. فهؤلاءِ جميعًا مَسيحيُّونَ لن يَرِثوا المَلكوت. فَهُم سيَذهبونَ إلى المَلكوتِ، ولكنَّهُم لن يَرِثوه. وما مَعنى ذلك؟ لا أدري. فالأشخاصُ الَّذينَ بَقَوْا في المُستوى الأوَّلِ يَذهبونَ إلى هُناك، ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ انتقلوا إلى المُستوى الثَّاني يَرِثونَ المَلكوت. لِذا، يَبدو أنَّ هُناكَ رُكْنًا خَاصًّا في المَلكوتِ لمُؤمِني المُستوى التَّمهيديّ.
وَهُوَ يَقولُ أيضًا إنَّ وَصفَ هؤلاءِ في غَلاطِيَّة 5 إذْ نَقرأُ: "وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ..." يَقولُ إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَفعلونَ هذه الأشياء ويُمارِسونَها لن يَرِثوا مَلكوتَ اللهِ. وَهُوَ يَقولُ إنَّ هؤلاءِ مُؤمِنونَ أيضًا؛ ولكنَّهُم لن يَرِثوا المَلكوت. بعبارة أخرى، فإنَّ الفِكرةَ بأسرِها هي إعطاءُ فُرصةٍ للأشخاصِ الَّذينَ اتَّخَذوا قَرارًا، والذين فَعلوا في لَحظةٍ مُعَيَّنَةٍ شَيئًا مَا (سَواءٌ أَقَبِلوا أو آمَنوا أو فَعلوا أيَّ شَيءٍ مِن هذا القَبيلِ) مِن دونِ حُدوثِ أيِّ تَغييرٍ في حَياتِهم، فإنَّنا نُريدُ لَهُم جميعًا أن يَنالوا الخَلاصَ. إذًا، مِن أينَ يَنبُعُ هذا التَّعليم؟ ولماذا يَفعلُ النَّاسُ ذلك؟ أعتقد أنَّ هُناكَ سَبَبَيْنِ لذلك: فقد نَبَعَ ذلكَ حَقًّا مِنَ الاهتمامِ الكبيرِ بالنِّعمَة. فَقد أرادوا للنِّعمَةِ أن تَكونَ غَنِيَّةً، أو كما قالَ واحِدٌ مِنَ الكُتَّابِ: "إنْ كُنتَ تَجرؤُ أن تَطلُبَ مِنَ اللهِ أن يُخَلِّصَكَ، يجب عليهِ أن يُخَلِّصَكَ. فهو مُنْعِمٌ إلى هَذا الحَدِّ". فَهُم يُريدونَ للنِّعمةِ أن تَكونَ غَنيَّةً جدًّا حَتَّى إنَّهُ إن قالَ الخاطِئُ في أيِّ لَحظةٍ: "أنا أُوْمِنُ"، فإنَّ اللهَ سيَقومُ حالاً بتَخليصِهِ. وَهُوَ سيُخَلِّصُهُ إلى الأبد بِغَضِّ النَّظَر عن أيِّ شيءٍ آخر.
والشَّيءُ الثَّاني هو، في اعتقادي، الحَركة المُعاصِرة الَّتي انبَثَقَتْ لأنَّ النَّاسَ يُحاولونَ أن يَصيغوا لاهوتًا كي يُنقِذوا بعضَ الأشخاصِ الَّذينَ ماتوا بِدونِ أن يُؤمِنوا معَ أنَّهم اتَّخَذوا ذاتَ مَرَّة قَرارًا. وهناكَ أُناسٌ أكثر يَرفُضونَ عَقيدةَ جَهَنَّم كي يُنقِذوا أقرباءَهُم مِن جَهَنَّمَ بالرَّغمِ مِن أيِّ عَوائِقَ لاهوتيَّة. وقد تَسألُني ما الَّذي أعنيهِ بذلك. أنا أعني أنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَميلونَ إلى نُكرانِ جَهَنَّمَ الأبديَّة هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ لا يُريدونَ أن يُقِرُّوا بأنَّ الشَّخصَ الَّذي يُحِبُّونَهُ قد ذَهَبَ إلى هُناك. لِذا فإنَّهُم يُريدونَ أن يُنكِروا هذه العَقيدةَ كي يَتمكَّنوا مِن إنقاذِ هؤلاءِ الأشخاصِ بِحَسَبِ فِكرِهم. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على هذا اللَّاهوت. فأنا أعتقدُ أنَّهُ نَشَأَ مِنَ التَّشويشِ بخصوصِ الأشخاصِ الَّذينَ اتَّخَذوا يَومًا قَرارًا ثُمَّ عَاشوا حَياةَ نُكرانٍ لكُلِّ شَيءٍ قَرَّروا يَومًا أن يُقِرُّوا بِهِ، وَهُم يُريدونَ أن يَتَيَقَّنوا مِن أنَّهُم نالوا الخَلاصَ إلى الأبد. لِذا فقد صَاغُوا لاهوتًا يَشمَلُ هؤلاءِ في المَلكوت. فَهُم في المَلكوتِ ولكنَّهُم لا يَرِثونَهُ؛ أيًّا كانَ مَعنى هذا التَّفريق. لِذا فإنَّ هُناكَ كِتابًا يَحمِلُ العُنوانَ: "الجِياعُ يَرِثون" (Hungry Inherit). لِذا فإنَّ التَّطويباتِ تُشيرُ إلى مُؤمِني المُستوى المُتَقَدِّم. فَبَقيَّةُ المَسيحيِّينَ لا يَرِثونَ المَلكوتَ. أمَّا مُؤمِنو المُستوى المُتقدِّمِ فيَرِثونَهُ. فَهُم يَملِكونَ أشياءً لا يَملِكُها الأشخاصُ مِنَ المُستوى التَّمهيديّ.
وهذا الشَّخصُ يُوصَفُ أيضًا بأنَّهُ "مَسيحيٌّ جَسَدِيٌّ". فالمسيحيُّ الجسديُّ هو الشَّخصُ الَّذي اتَّخَذَ قَرارًا بأن يَنالَ الخَلاصَ، وبأن يَنالَ الغُفرانَ، وبأن يَنالَ ضَمانَ السَّماءِ؛ ثُمَّ إنَّهُ يَعيشُ حَياةً فَوضويَّةً ويَبقى هُوَ نَفسُهُ مُتَرَبِّعًا على العَرش. وقد كانَ هُناكَ كِتابٌ صَغيرٌ أَصدَرَتْهُ هَيئة "الحَملة الجامعيَّة" (Campus Crusade). وهو يَحوي دائرةً تَحوي كُلَّ أنواعِ الفَوضَى في حين أنَّ الذَّاتِ مُتَرَبِّعَةٌ على العَرش. فهذا هو الإنسانُ الطَّبيعيُّ الَّذي لم يَختبِر التَّجديد. والدَّائرةُ الثَّانيةُ تَحوي كُلَّ أنواعِ الفَوضَى والذَّاتُ مُتَرَبِّعَةٌ على عَرشِ الحَياةِ، ولكِنَّ الرُّوحُ القُدُسَ مُقْحَمٌ في الدَّائرة. وَهُوَ نَفسُ الشَّخص. فالرُّوحُ القُدُسُ مَوجودٌ، ولكنَّهُ ليسَ المُهَيمِن. والدَّائرةُ الثَّالثةُ تُظْهِرُ حَياةً مُنَظَّمَةً تَمامًا. وهُناكَ عَرشٌ صَغيرٌ، والرُّوحُ القُدُسُ يَتَرَبَّعُ على العَرشِ، والذَّاتُ تَقْبَعُ في الزَّاوية. وهذا هو المَسيحيُّ الرُّوحِيُّ. لِذا فإنَّها تَعكِسُ فِئةً مِنَ النَّاسِ المُخَلَّصينَ ولكِنَّهُم ما زَالوا يُديرونَ حَياتَهُم بأنفُسِهم. وحَياتُهم فَوضى عارِمَة. فلم يَتغيَّر أيُّ شَيء في الحقيقة. فهي نَفسُ الفَوضى الَّتي نَراها في الدَّائرةِ الأولى (أي في حياةِ الشَّخصِ الَّذي لم يَختَبِر التَّجديد)، باستثناءِ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ مَوجودٌ فيها في مَكانٍ ما، ولكنَّهُ لا يُهَيمِنُ على أيِّ شَيء. فهي نَفسُ الفِكرة. فهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ لا يَرِثونَ السَّماء. وهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ لم يَجعَلوا المَسيحَ رَبًّا بِحَسَبِ هذا الرَّأيِ تَحديدًا.
لِذا فإنَّ الدَّعوةَ النَّموذجيَّةَ للخَلاصِ تُصَاغُ هَكذا: "اقبَل يَسوعَ". "اطلُب مِن يَسوعَ أن يَدخُلَ قَلبَكَ". "اتَّخِذ قَرارًا". "آمِن". ويبدو أنَّ الأمرَ يَقتَصِرُ على ذلك. وكُلُّ هذه أفكارٌ ومَفاهيمٌ كِتابيَّة. فهي ليست في صَميمِها وذاتِها أكاذيب، ولكِنَّها ناقِصة جدًّا. فنحنُ نَسمَعُ أُناسًا يَقولون: "يجب عليكَ أن تُصَلِّي وأن تَقبلَ المَسيح". ثُمَّ إنَّهُم يَقولونَ لشخصٍ يُصَلِّي صَلاةً قَصيرةً: "الآن، يُمكِنُكَ أن تَكونَ واثِقًا مِن أنَّكَ قد نِلتَ الخَلاصَ". وَهُم يُقَدِّمونَ لَهُ نُبْذَةً صَغيرةً عنِ يَقينِ الخَلاصِ مِن دونِ أن يُحَدِّثوهُ عن نَوعِ الدَّعوةِ الَّتي كانَ يُوَجِّهُها يَسوعُ مِثلَ: "اتْبَعْني. اترُك الكُلَّ. ابذُل حَياتَكَ. اخضَع لِسُلطاني. اترُك خَطاياكَ. تُب. أَطِع". وفي الأسابيعِ الثَّلاثة القادِمَة، سنُناقِش الجوانبَ الرئيسيَّةَ الثَّلاثَة. فالكِتابُ المُقدَّسُ يَتحدَّثُ عن هذه القضيَّة. فما هو جَوهَرُ الإيمانِ المُخَلِّص؟ فسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلك. وما هي طَبيعَةُ التَّوبة الحَقيقيَّة؟ وما مَعنى أن تَكونَ تِلميذًا؟ فسوفَ نُناقِشُ ذلكَ بالتَّفصيل. وفي هذا المَساء، أريدُ فقط أن أُمَهِّدَ لهذا الموضوع. فهذه هي حَقًّا الآراءُ الَّتي نُسَمِّيها: "الإيمانُ الهَيِّن". فَهُم يُريدونَ أن يَتيقَّنوا مِن أنَّ الخَلاصَ يَتطلَّبُ ببساطَةٍ وسُهولَةٍ الاعترافَ بيسوعَ مُخَلِّصًا. وهُناكَ نَصيرٌ آخرُ يَكتُبُ في مَجلَّةٍ لاهوتيَّةٍ يَقولُ ما يَلي: "إنَّها لَهَرطَقَةٌ أن نُؤمِنَ بالرَّأيِ القائلِ إنَّ الخلاصَ يَقتضي مِنَ الشَّخصِ أن يَتّكِلَ على يَسوعَ مُخَلِّصًا مِنَ الخطيَّةِ، ويَقتضي مِنهُ أيضًا أن يُكَرِّسَ نَفسَهُ للمسيحِ رَبًّا على حَياتِهِ وأن يَخْضَعَ لسُلطانِهِ المُطلَق". فالإيمانُ بهذا هَرطَقَة مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِه.
فَهُم لا يُريدونَ الكلمة "تَكريس"، ولا يُريدونَ الكَلمة "تَسليم". بل يُردونَ فقط الكلمة: "احصُل" أو "آمِن" أو "اقبَل". ويَقولُ راعي كنيسة مَحليَّة في مَنطِقَتِنا، وَهُوَ رَاعٍ مَشهور ولديهِ خِدمة فَعَّالة حَقًّا: "الإيمانُ المُخَلِّص لا يَعني تَكريسَ الحَياةِ للرَّبّ" [نِهايةُ الاقتباس]. فَهُم يُعَلِّمونَ أنَّ المُؤمِنينَ الحقيقيِّينَ قد يَرتَدُّونَ ويَبتعِدونَ تَمامًا عنِ الإيمان. انظُروا إلى إنجيل مَرقُس 8: 34: "وَدَعَا الْجَمْعَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" اسمَعوني: إنَّ هذه دَعوة إلى إنسانٍ غيرِ مُؤمِن، لا إلى مُؤمِنٍ كي يَنتقِلَ إلى المُستوى المُتَقَدِّم. فهذه الكَلماتُ مُوَجَّهَة إلى شخصٍ إن لم يَتصرَّف سيَخسَر ماذا؟ نَفسَهُ. "أو مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ، فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ". فإنِ استَحَيْتَ بالمَسيح فإنَّهُ سيَستَحي بِك. ولكنَّهُم يَقولونَ إنَّ هذا الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى المؤمنينَ الجَسدِّيينَ في مُحاولةِ لِنَقلِهم إلى المُستوى المُتقدِّمِ مِنَ التَّكريسِ لرُبوبيَّةِ المَسيح. ولكِنَّ الأمرَ ليسَ كذلك. فهو يَتحدَّثُ عَن أشخاصٍ إن لم يَفعلوا هذا فإنَّهُم سيَخسرونَ حَياتَهُم الأبديَّة. وهُناكَ أمثلة توضيحيَّة أخرى كثيرة. فأحَدُ الكُتَّابِ يَكتُبُ عن تَقديمِ الإنجيلِ في إنجيل يوحنَّا حينَ يُحَدِّثُ يَسوعُ (إن كُنتُم تَذكرونَ) نيقوديموس إذْ إنَّهُ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ الثَّالثِ عنِ الحَيَّةِ الَّتي رُفِعَتْ، وعن أنَّ جَميعَ الَّذينَ نَظروا إلى الحَيَّةِ شُفُوا، وعن أنَّهُ حينَ يُرْفَعُ ابنُ الإنسانِ إلى أعلى ويَنْظُرُ النَّاسُ إليهِ فإنَّهُم سيَنالونَ الغُفرانَ، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ اللهِ؛ وهذا مَذكورٌ في إنجيل يُوحَنَّا لاحِقًا. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ في ذلكَ الأصحاحِ عن حَقيقةِ أنَّ يَسوعَ يُقَدِّمُ لنيقوديموس الحَقَّ المُختصَّ بالولادةِ الجديدة.
فنحنُ نَقرأُ في العدد 14: "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ". وَ "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". وَهُمْ يَقولونَ: "أَتَرَوْنَ! فكُلُّ ما يَنبغي لكَ أن تَفعلَهُ هو أن تَنظُرَ وتُؤمِن. فقط انظُر وآمِن. فقط انظُر وآمِن. وَسوفَ أقتَبِسُ كَلامَ أحَدِهِم إذْ يَقول: "لا وُجودَ لِفِكرةِ تَكريسِ الحَياةِ، ولا تَساؤُلَ بخُصوصِ حَياةِ النَّاظِر، ولا إمكانِيَّة للتَّسليمِ للمَنظورِ إليه". فقط انظُر، وآمِن. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. وَهُم يَستخدِمونَ ما جاءَ في إنجيلِ يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابع، أيْ قِصَّةَ المرأةِ عندَ البِئر، ويَقولونَ إنَّ كُلَّ ما قالَهُ يَسوعُ هُوَ: "اشرَبي...اشرَبي". ولكِنَّ ما يَنْسَوْنَهُ هو أنَّهُ عندما قالتِ المرأةُ: "أَعْطِينِي لأَشْرَبَ" فإنَّهُ لم يُعْطِها، بلِ ابتدأَ في إخبارِها عن ماذا؟ عن خَطيئَتِها. فقد كانَ هُناكَ شَيءٌ يَنبغي أن يُناقَش. وفي إنجيل مَتَّى 13: 44، نَجِدُ مَثَلاً مُشابِهًا جدًّا: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ". ثُمَّ هُناكَ مَثَلٌ آخَر: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُــؤْلُــؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا". وَهُوَ مَثَلٌ بَسيطٌ جدًّا. فهناكَ إنسانٌ وَجَدَ شَيئًا قَيِّمًا فباعَ كُلَّ شَيءٍ لَديهِ واشتَراه. فهو يَتحدَّثُ عنِ الخَلاص. فهناكَ إنسانٌ وَجَدَ كَنزًا في حَقْل. وهُناكَ إنسانٌ آخَرَ كانَ يَبحَثُ عنهُ طَوالَ حَياتِهِ. وكِلاهُما وَجَدَهُ. وعندما وَجَداهُ باعَا كُلَّ ما كانَ لَهُما مِن أجلِ الحُصولِ على الكَنْز. وهذه صُورة عنِ المُبادَلَة: "أنا أُعطي كُلَّ ما لي مِن أجلِهِ هُوَ".
فما الَّذي ستَفعلُهُ بذلكَ المَثَل؟ إن كُنتَ تَتَمَسَّكُ بالخلاصِ غيرِ الرُّبوبِيِّ، وإن كُنتَ تُؤمِنُ بأنَّكَ لستَ بحاجةٍ إلى التَّخَلِّي عن أيِّ شيءٍ، لا يُمكِنُكَ أن تَنظُرَ إلى هذا المَثَلِ، سَواءٌ أكُنتَ وَثنيًّا أو إنسانًا غيرَ مُخَلَّصٍ، على أنَّهُ يَعني أن تَتَخَلَّى عن كُلِّ ما هُوَ لَكِ مِن أجلِ الحُصولِ على كُلِّ شيءٍ يُقَدِّمُهُ المَسيح. لِذا فإنَّكَ تُفَسِّرُهُ هَكذا: الشَّيءُ المَدفونُ في الحَقلِ هو الكَنيسة. والشَّخصُ الَّذي يَشتريهِ هو المَسيح. لِذا فإنَّ المَثَلَ يُفَسَّرُ عَادَةً مِنْ قِبَلِ التَّدبيريِّينَ على أنَّهُ يَعني أنَّ المَسيحَ وَجَدَ الكَنيسةَ، وقَدَّمَ كُلَّ شيءٍ على الصَّليبٍ كي يَشتري الكَنيسة. والمُشكلةُ في ذلكَ التَّفسيرِ هي أنَّ الكَنزَ كانَ في الحَقلِ، وأنَّ اللُّؤلؤةَ كانت كَثيرةَ الثَّمَن. وأنا أَتَحَدَّى أيَّ شخصٍ أن يُبَرهِنَ على أنَّ الأشخاصَ غيرَ المولودينَ ثانيةً في هذا العالَمِ، والَّذينَ ماتَ المَسيحُ لأجلِهم، كانوا يُساوونَ شَيئًا. كذلك، يبدو لي أنَّهُ تَفسيرٌ غامِض. وهُناكَ كاتِبٌ مَعروفٌ جِدًّا لَدينا، وَحَتَّى إنَّهُ وَضَعَ كِتابًا مُقَدَّسًا دِراسيًّا مَشهورًا ورائعًا جدًّا. وَهُوَ يَقول: "قد يُخْرِجُ المُؤمِنونَ اللهَ مِن حَياتِهم ويَعيشونَ بِحَسَبِ الطَّبيعةِ القَديمة". وَهُوَ نَفسُ الفِكْر. فكُلُّ هذا يُعارِضُ التَّعليمَ الواضِحَ للكِتابِ المُقدَّس. فَهُم يُسيئونَ فَهْمَ النِّعمَة. وَهُم يُحاولونَ، بحسبِ اعتقادي، أن يَجِدوا حَلًّا لأحبَّائهم الَّذينَ ارتَدُّوا. وَهُم يُريدونَ أن يَدخُلَ مَزيدٌ مِنَ النَّاسِ السَّماءَ. لِذا فإنَّهُم يَمُطُّونَ الإنجيلَ. ولكِنَّ هذا لا يُوافِقُ الكتابَ المقدَّس. فهو لا يُوافِقُهُ. فهو ليسَ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس.
فوراءَ كُلِّ الدَّعْواتِ إلى الخَلاصِ في الكتابِ المقدَّس، هُناكَ رُبوبيَّةُ المَسيحِ صَاحِبِ كُلِّ هَيمَنَةٍ وَسُلطان. ويجبُ علينا أن نُقِرَّ بذلك. وما أعنيه هو: كيفَ سأشعُرُ، بِصِفَتي راعِيًا، إن قُلتُ لكم: "أنا أَعلمُ أنَّ جُزءًا مِنكُم في المُستوى التَّمهيديّ. فأنتُم لم تَتَّخِذوا المَسيحَ رَبًّا. لِذا، لا يوجد لديَّ ما أقولُهُ لكم لأنَّكُم تَخرُجونَ وتَفعلونَ ما تَشاؤون. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ انتقلوا إلى المُستوى المُتقدِّم، يجب عليكم أن تُقَوُّوا ذلكَ التَّكريس. ويجب عليكم أن تَعيشوا ذلكَ التَّكريس". إنَّ هذا غير مَعقول. فعندما سَلَّمتَ قَلبَكَ ونَفسَكَ للمسيح، وخَضعتَ لَهُ، وَحَنَيْتَ رُكبَتَيْكَ أمامَهُ في خُضوعٍ لأجلِ الخَلاص، وسَلَّمتَ حَياتَكَ لَهُ بقُوَّةِ رُوحِ اللهِ، فإنَّكَ ابتدأتَ حياةً هُوَ رَبٌّ عليها. ويجب أن تُظهِرَ حياتُكَ تَدريجيًّا تلكَ الطَّاعَةِ لرُبوبيَّتِه.
وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل تَجِدونَ تَعليمَ الرُّسُلِ عنِ الصَّليب. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل تَجِدون نَموذَجَ الوَعظِ لبقيَّةِ العُصورِ في حَياةِ الكنيسة. وفي اثنتينِ وتِسعينَ مَرَّة في أعمالِ الرُّسُل يُدعَى يَسوعُ رَبًّا، وفي مَرَّتَيْنِ فقط يُدعَى مُخَلِّصًا. فبصورة رئيسيَّة إنَّهُ رَبٌّ. إنَّهُ رَبٌّ. فقد كانتِ الرُّبوبيَّة هي قَلبُ الكِرازَةِ بالإنجيلِ في الكنيسةِ الباكِرَة. فقد كانت تُرَكِّزُ في الصَّميمِ على رُبوبيَّتِه. وبُطرسُ يَقولُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني: "وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ [مَنْ؟] الرَّبِّ يَخْلُصُ". الرَّبّ. فلا شَكَّ في ذلك. فهذا مُبَيَّن بِكُلِّ تأكيد في كُلِّ مَوضِعٍ في الكتابِ المقدَّس. "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ..." [أعمال الرُّسُل 16: 31 لسَجَّانِ فيلبِّي] "...فَتَخْلُصَ". فَتَخْلُص. وفي إنجيلِ يوحنَّا...أريدُ منكم أن تُلاحِظوا الأصحاحَ الثَّالِثَ والعدد 36. استمعوا إلى هذه الكلمات: "الَّذِي..." [تَتَبَّعوا هذه الفِكرة] "الَّذي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ". ثُمَّ استمِعوا إلى هذا: "وَالَّذِي لاَ يُطيعُ الابْنَ لَنْ يَرَى حَيَاةً". لِذا فإنَّ الإيمانَ مُقتَرِنٌ بماذا؟ بالطَّاعة. فَهُما أمرانِ لا يَنفَصِلان. لا يَنفَصِلان البَتَّة. وفي رُومية 10: 9: "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ [بماذا؟] بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ". وفي العَدد 12: "لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ...لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ [في العَدد 13] يَخْلُصُ". فَهُوَ رَبٌّ. والرُّبوبيَّة تَعني ضِمنيًّا أنَّهُ صَاحِبُ السِّيادَة. وهي تَعني ضِمنيًّا أنَّهُ صاحِبُ السُّلطان.
وإذا رَجَعتُم إلى الأناجيلِ وكُلِّ العهدِ الجديد، ستَجِدونَ التَّأكيدَ تِلْوَ التَّأكيدِ للرُّبوبيَّة. فقد كُنتُ أُفَكِّرُ في الأصحاح 14 مِن رسالة رُومية والعَدد 9: "لأَنَّهُ لِهذَا مَاتَ الْمَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ، لِكَيْ [ماذا؟] يَسُود". فَهُوَ رَبٌّ. وتلكَ الكِرازة الأولى خارِجَ إسرائيل في الأصحاحِ العاشِرِ مِن أعمالِ الرُّسُل والعَدد 36: "الْكَلِمَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [كَما يَقولُ بُطرُسُ] يُبَشِّرُ بِالسَّلاَمِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. هذَا هُوَ رَبُّ الْكُلِّ". وقد قالَ أُناسٌ: "أجل، أجل! ولكِنَّ الكلمة رَبّ تُشيرُ إلى الألوهيَّة. فهي تُشيرُ وَحَسْب إلى أُلوهيَّتِه. فهي تَعني وَحَسْب أنَّهُ الله". فهي لا تَعني سَيِّدًا مُهيمِنًا، ولا تُشيرُ إلى الطَّاعَة، ولا تُشيرُ إلى التَّسليم، ولا تُشيرُ إلى الخُضوع، بل هي تَعني فقط أنَّهُ الله. فجيب عليكَ فقط أن تُؤمِنَ بأنَّ يَسوعَ هُوَ الله. ولكِن لا يَجِبُ عليكَ أن تَخضَعَ لَهُ. والحقيقةُ هي أنَّ أحدَ الكُتَّابِ يَقولُ إنَّكَ إن جَعلتَ الكلمة "كوريوس" (kurios)، أيْ: "رَبّ"، تَعني سَيِّدًا مُهيمِنًا فإنَّكَ تَحذِفُ الدَّعوةَ إلى الإيمانِ مِنْ لاهوتِهِ. وهذا سُخْفٌ. فيمكنكَ أن تَقولَ "رَبّ" وتَعني بها إلَه وسَيِّد مُهَيمِن. فهذه مُغالَطَة. فالأمرُ ليسَ كذلك. فلا حاجةَ إلى حَذفِ مَفهومِ اللَّاهوتِ مِنَ الكلمة "رَبّ" لمُجَرَّدِ أنَّها تَعني ضِمنيًّا فِكرةَ السيِّدِ المُهيمِن. فالكلمة "رَبّ" تُشيرُ إلى اللَّاهوت. والكلمة "رَبّ" تَعني أنَّ يَسوعَ هو الله. ولكِنَّ الكلمة "الله" تَعني أنَّهُ المُهيمِن.
كُنتُ أتناوَلُ الغَداءَ ذاتَ يومٍ معَ شَخصٍ يَتَبَنَّى هذا الرَّأي. وقد قال: "أنا أُوْمِنُ بأنَّ الكلمة كوريوس تَعني ببساطة أنَّ يَسوعَ هو الله". فقُلتُ: "حسنًا! لنَقبَل ذلك. سوفَ أقبَلُ ذلك. فالكلمة كوريوس تَعني أنَّهُ الله. ولكنِ اسمَح لي أن أسألَكَ سُؤالاً. ما مَعنى أن تكونَ الله؟ هل يَعني ذلكَ أنَّكَ المُهيمِن؟ فإن لم تَكُن تَعني أنَّكَ المُهيمِن فإنَّها لا تَعني الله". فأنتَ لن تَكسَبَ أيَّ شَيءٍ مِن قَولِ ذلك. فإن كان هوَ اللهُ، فإنَّهُ المُهيمِن. وإن كانَ هو اللهُ فإنَّهُ صَاحِبُ السِّيادَة. فلا يُمكِن لهذه الكلمة أن تَعني ما هو أقَلُّ مِن ذلك. وقد أقَرَّ تُوما بذلك. فما الَّذي قالَهُ تُوما عندما رأى يسوعَ المسيحَ بعدَ القيامة؟ "رَبِّي وإلَهي". وفي رأيِكَ، ما الَّذي قَصَدَهُ؟ وكيفَ تَعتقدُ أنَّهُ استخدَمَ الكلمة "رَبّ" للإشارة إلى الله؟ فهل قال: "إلهي وإلهي"؟ لا. فالإقرارُ بالأُلوهيَّة والإقرارُ بالرُّبوبيَّة يَعني ماذا؟ السِّيادَة. فالكلمة في ذاتِها تُشيرُ إلى السُّلطانِ، والهَيمَنَة، والحَقِّ في السِّيادَة، والحَقِّ في إصدارِ الأوامِر، والإلزامُ بالإيمانِ بِهِ وإطاعَتِه. وفي الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 1: 16 نَقرأُ: "لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِىَّ أَنَا أَوَّلاً كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالاً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ". وما أعنيه هو: مَنْ هُوَ اللهُ الوَحيد؟ إنَّهُ المَلِك. إنَّهُ المَلِك. والشَّخصُ الَّذي يَعيشُ حَياةَ عِصيانٍ ضِدَّهُ ولا يَعتَرِف بِهِ رَبًّا، ولا يُقِرُّ بِرُبوبيَّتَهُ، ولا يُخْضِعُ حَياتَهُ لَهُ لا يُمكِنُ أن يَنالَ الخَلاص.
ثُمَّ إنَّهُم يَقولونَ ما يَلي: "أجل". فَهُم يَقولون: "ولكِن يا ماك آرثر إنَّ ما تُعَلِّمُهُ هو خَلاصٌ قائمٌ على الأعمالِ البشريَّة". وَهُم يَقولون: "أتَرى؟ أنتَ تَقولُ إنَّهُ قبلَ أن يَتمكَّنَ المَرءُ مِن قَبولِ نِعمةِ الخلاص، يجب عليهِ أن يَعْمَلَ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ على الاعترافِ بيسوعَ رَبًّا. ولا يُمكِنُ لأيِّ إنسانٍ مَيِّتٍ، مَيِّتٍ في الخطيَّة، أن يَفعلَ ذلك. لِذا فإنَّكَ تُنادي بخلاصٍ قائمٍ على الأعمال. فيجب عليكَ أن تَتوبَ. ويجب عليكَ أن تَعتَرِفَ بيسوعَ رَبًّا. وحينئذٍ فقط يُمكِنُكَ أن تَنالَ الخَلاص". لا! أنا لا أقولُ ذلك. أنا لا أقولُ ذلكَ البَتَّة. سوفَ أقولُ لكم ماذا أقول. أنا أقولُ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ في رسالةِ كورنثوسَ الأولى 12: 3 واضحٌ جدًّا: "لِذلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: «يَسُوعُ أَنَاثِيمَا»". ثُمَّ لاحِظوا الكلماتِ التَّالية: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ [بماذا؟] بِالرُّوحِ الْقُدُس". فالتَّوبةُ ليست عَملاً بَشريًّا، بل هي عَمَلٌ يَعمَلُهُ اللهُ. وما نَقولُهُ هو: عندما يُخَلِّصُ اللهُ شَخصًا فإنَّهُ يُعطيهِ تَوبةً. وَهُوَ يُعطيهِ اليَقينَ في رُوحِهِ بأنَّ يَسوعَ رَبٌّ. والآن، سوفَ نَتحدَّث عن هذه النُّقطة بالتَّفصيل، ولكِن أريدُ مِنكُم أن تَفهموا المُشكلة.
كَتَبَ "جون فليفل" (John Flavel)، وَهُوَ واحِدٌ مِنَ الطَّهورِيِّينَ الإنجليز في القرنِ السَّابع عَشَر: "إنَّ تَقديمَ بِشارةِ المسيح يَضُمُّ كُلَّ وَظائِفِه. فالإيمانُ بالإنجيل يَعني وَحَسْب أنْ تَقبَلَهُ، وتَخضَعَ لَهُ، وأيضًا أن تُقْبَلَ أنتَ مِنْهُ، وأن تَتَمَثَّلَ بِهِ في قَداسَةِ حَياتِهِ، وأيضًا أن تَحصُدَ بَركاتِ وثِماِ مَوتِهِ. فيجب أن يكونَ ذلكَ قَبولاً كامِلاً للرَّبِّ يسوعَ المسيح" [نِهايةُ الاقتباس]. وقد كَتَبَ "أ.دبليو. توزر" (A.W. Tozer) الَّذي يَدينُ كثيرونَ مِنَّا إليهِ بسببِ كِتاباتِهِ الرَّائعة (وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ): "إنَّ حَثَّ الرِّجالِ والنِّساءِ على الإيمانِ بمسيحٍ مُجَزَّأ..." [أيْ أنَّهُ مُخَلِّصٌ، ولكنَّهُ ليسَ رَبًّا] "...هو تَعليمٌ رَديء لأنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَقبَلَ نِصفَ المسيحِ أو ثُلُثَ المَسيحِ أو رُبْعَ المَسيح. فنحنُ لا نَخلُصُ مِن خلالِ الإيمانِ بوظيفةٍ أو عَمَل" [نِهايةُ الاقتباس]. وما الَّذي يَعنيه؟ نحنُ نَخلُصُ مِن خلالِ الإيمانِ بشخصٍ؛ أيْ بِمِلْءِ شَخصِهِ، وأيضًا بِمِلْءِ ما فَعَلَهُ. ولكي نَرى القضيَّةَ بضميرٍ مُرتاح، بضميرٍ مُرتاحٍ جدًّا، يجب علينا أن نَنظُرَ وَحَسْب إلى مَثَلٍ تَوضيحيٍّ واحدٍ وَرَدَ في إنجيل مَتَّى 19. وسوفَ أختِمُ بهذا. وأنتُم تَعرِفونَ هذهِ الآياتِ جَيِّدًا. فقد دَرَسناها.
ففي إنجيل مَتَّى 19: 16، إليكُم أفضلَ مَثَلٍ تَوضيحيٍّ مُنفَرِدٍ على كِرازَةِ يَسوع. فنحنُ نَقرأُ في العدد 16: "وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟»" كيفَ أحصُلُ على الحياةِ الأبديَّة؟ فهذا هو السُّؤال. كيفَ أحصُلُ على الحياةِ الأبديَّة. فقالَ لَهُ يَسوعُ: "لِمَاذَا تَدْعُونـِــي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ [فافعَل ماذا؟] فَاحْفَظِ الْوَصَايَا". هل هذا هو الجَوابُ الصَّحيح؟ هل هذا هو الجَوابُ الصَّحيح؟ فإن جاءَ إليكَ شخصٌ وقالَ: "ماذا أفعلُ كي أنالَ الحياةَ الأبديَّة؟" هل ستقولُ لَهُ: "احفَظِ الوَصايا"؟ سوفَ تَقولُ إنَّ هذهِ أعمال. هذهِ أعمال. هذهِ أعمال. إذًا، لماذا قالَ يَسوعُ ذلك؟ ولِمَ لم يَقُل: "آمِن، واقبَل. واتَّخِذ قَرارًا". في لَحظةٍ مَا، آمِن. لا! بل إنَّهُ قالَ: "احفَظِ الوَصايا". فَقالَ الرَّجُل: "أَيَّةَ الوَصَايَا؟" (في العَدد 18). فَقَالَ يَسُوعُ: "لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". فقدِ اختارَ النِّصفَ الثَّاني مِنَ الوَصايا العَشْر. وقد قَصَدَ: "لا خارجيًّا فقط، بل دَاخليًّا أيضًا" بسببِ كلماتِ يَسوعَ في العِظَةِ على الجَبل: "كُلُّ ما قِيلَ في النَّاموسِ لا يَسري فقط على أفعالِ الإنسانِ، بل يَسري أيضًا على الحَياةِ الفِكريَّةِ للإنسان".
لِذا فقد قالَ لَهُ: "احْفَظْ هذهِ الوَصايا". قَالَ لَهُ الشَّابُّ: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُنـِــي بَعْدُ؟" وكَما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يَقولُ: "عندما أنظُرُ إلى حَياتي، أرى أنِّي كَامِلٌ. فأنا لا أقتُل. وأنا لا أَكرَهُ أحدًا. وأنا لم أَزْنِ يَومًا. وأنا لم أُفَكِّر يَومًا أفكارًا شِرِّيرةً بخصوصِ ذلك. وأنا لم أسرِق يَومًا. وأنا لم أَشْتَهِ يَومًا. وأنا لم أكذِب يَومًا. وحَتَّى إنِّي لم أُفَكِّر يَومًا في أن أكذِب. وأنا أُكْرِمُ تَمامًا أبي وأُمِّي طَوالَ حَياتي. وأنا أُحِبُّ الجَميعَ كَما أُحِبُّ نَفسي. ولكنَّهُ كاذِبٌ! اسمَعوني: لو كانَ الخَلاصُ يَتوقَّفُ على الإيمانِ ببعضِ الحقائقِ والحُصولِ على الغُفرانِ في السَّماء لَقالَ يَسوعُ لذلكَ الشَّابّ: "إليكَ الحَقائق التَّالية. آمِن بها". ولكنَّهُ قالَ لَهُ: "أوَّلُ شَيءٍ ينبغي أن تَفعلَهُ هو أن تُقِرَّ..." بماذا؟ "...بخطيئَتِكَ وأن تَتوب". وَهُوَ لم يَفعل ذلك. لم يَفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّ يَسوعَ قالَ لَهُ: "حَسَنًا!" (في العدد 21): "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً...وبلا عَيبٍ" [أيْ: إنْ أردتَ أن تَذهبَ إلى سَماءِ اللهِ] "...فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ..." [وافعَل ماذا؟] "...اتْبَعْنِــي". فأوَّلُ امتِحانٍ هو: هل ستَعتَرِف بخطيَّتِك؟ وثاني امتحانٍ هو: هل ستَخضَعُ لِربوبِيَّتي؟ وأوَّلُ وَصيَّةٍ أُقَدِّمُها لكَ هي: بِعْ كُلَّ أَملاكِكِ وأعطِ المالَ للفُقراء". وسوفَ تَقول: "هل يَخلُصُ الإنسانُ بِفعلِ ذلك؟" لا! ولكِنَّكَ تُظْهِرُ ما إذا كُنتَ مُستعدًّا لاتِّباعِ وَصَايا المَسيح. وقد قالَ: "أنا لستُ بحاجةٍ مَاسَّةٍ إلى الحياةِ الأبديَّة!" وَمَضى حَزينًا. فقد كانَ ذا أموالٍ كثيرة. ولكنَّهُ احتَفَظَ بأملاكِهِ، وتَمَسَّكَ بها، وذهبَ إلى جَهَنَّمَ...للأسَف. وقد أرادَ يَسوعُ أن يُوَضِّحَ أَمرَيْنِ لذلكَ الشَّابّ: عندما تُريدُ أن تَدخُلَ المَلكوتَ، وعندما تُريدُ أن تَحصُلَ على الحياةِ الأبديَّةَ فإنَّ الأمرَ ليسَ سَهلاً إلى الحَدِّ الَّذي تَتَّخِذُ فيهِ قَرارًا وتُؤمِنُ ببعضِ الحقائقِ وَحَسْب. فيجب أن يكونَ هُناكَ إقرارٌ بالخطيَّةِ وتَرْكٌ لها. ويجب أن يكونَ هُناكَ استعدادٌ للخُضوعِ لِسُلطاني حَتَّى لو طَلبتُ مِنكَ أن تَفعلَ أصعبَ شَيءٍ في حَياتِك؛ أيْ أنْ تَتَخَلَّى عنِ أكثرِ شَيءٍ عَزيزٍ على قَلبِك. لِذا، لِنُرَسِّخ الشَّيئينَ المُهِمَّيْن: أوَّلاً، عُمْقَ خَطيَّتِك. ثانيًا، سُمُوَّ سُلطاني. فهذه هي القضيَّة. وقد مَضَى الشَّابُّ. وهذا مَثَلٌ تَوضيحيٌّ قويٌّ جدًّا جدًّا. فعندما تأتي إلى المسيحِ وتَنالُ حَقًّا الخَلاصَ فإنَّ رُوحَ اللهِ سيَعمَل في روحِكَ وسَتَدعو يَسوعَ ماذا؟ رَبًّا.
وفي المَرَّةِ القادمةِ، سوفَ نَتحدَّثُ عن جَوهرِ الإيمانِ المُخَلِّص: أيْ عن مَاهِيَّتِهِ وكيفَ يَعمل. دَعونا نُصَلِّي معًا: نَشكُرُكَ، يا أبانا، على الوَقتِ الَّذي صَرَفناهُ في هذا المساءِ في كَلِمَتِك. ثَبِّتْ هذه الحقائقِ في قُلوبِنا، وساعِدنا، يا رَبّ، على أن نَتمكَّنَ مِنَ الكِرازةِ بِحَقِّكَ المُخَلِّص كما يَجِب كي لا يَكونَ النَّاسُ مَخدوعينَ، بل كي يَنالوا الخَلاصَ. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
