Grace to You Resources
Grace to You - Resource

سوفَ نتحدَّثُ عنِ السَّماء في هذا المَساء. وسوفَ أتحدَّثُ إليكم في النِّصفِ الأوَّلِ مِن نِقاشِنا عنِ السَّماءِ مِن وُجهةِ نَظرِ عَلاقَتِنا بالله. ولكِنَّنا لن نَتمكَّنَ مِنَ التحدُّثِ عن كُلِّ الجوانبِ. ورُبَّما كانَ السَّببُ في ذلكَ هو غِنَى هذهِ الفِكرةِ تَحديدًا. وقد قالَ الرَّسولُ بولسُ جُملةً رائعةً بِقولِهِ: "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ". وحينَ يَقولُ شخصٌ إنَّ المَوتَ هُوَ رِبْحٌ فإنَّ ذلكَ يَعكِسُ بِكُلِّ تأكيدٍ مَوقفًا مُختلفًا عن موقفِ أغلبيَّةِ النَّاسِ في هذا العَالَم. فأغلبيَّةُ النَّاسِ في مُجتمعِنا يَخْشَوْنَ المَوتَ؛ وَهُوَ خَوفٌ مُبَرَّر. ولكِنْ أن يَقولَ بولسُ إنَّ المَوتَ رِبْحٌ، أو إنَّ المَوتَ هُوَ لِمَصلَحتي، أو إنَّ الموتَ يَجلِبُ المَنافِعَ لي هُوَ قَوْلٌ مُدهِش. وهذهِ الجُملةُ الواثِقَةُ تَفتَرِضُ أنَّ بولسَ كانَ يَشعُرُ أنَّ الحياةَ الآخِرَةَ أفضلَ مِنَ الحياةِ الَّتي كانَ يَعيشُها. وقد خَاضَ تَجرِبَةً سابقةً قبلَ أن يَقولَ هذهِ الكلماتِ إذْ إنَّهُ اخْتُطِفَ إلى السَّماءِ الثَّالثةِ (بحسب ما جاءَ في رسالة كورنثوس الثانية 12: 2). وهُناكَ رأى بطريقةٍ ما مَسْكَنَ الله. فقد رأى هُناكَ سَماءَ السَّماوات. وقد كانَ مَشهَدًا يَصعُبُ وَصْفُهُ، ومَشهَدًا لا يُنْطَقُ بِه. ولكِنَّهُ رأى ما يَكفي ليَعرِفَ أنَّ الموتَ رِبْحٌ. وقد عاشَ يُوحَنَّا الرَّسولُ حَياةَ تَرَقُّبٍ مُشابِهٍ للسَّماءِ حَتَّى إنَّهُ قال: "آمين، تَعالَ أيُّها الرَّبُّ يَسوع". وأعتقدُ أنَّهُ ليسَ مِنَ المُستغرَبِ أن يَتَمَكَّنَ أيُّ مُؤمِنٍ يَسلُكُ معَ المَسيحِ ويُمَيِّزُ الفَرْقَ بينَ هذهِ الحياةِ والحياةِ الآتِيَةِ مِنْ تَرديدِ كلماتِ بولسَ ويوحنَّا، ومِن أن يَرجو ما هُوَ آتٍ.

وقد عَرَفنا السَّبَبَ في أنَّ السَّماءَ جَذَّابةٌ جدًّا. وقد عَرَفنا حَقيقةَ أنَّهُ رِبْحٌ أن نَترُكَ هذا العَالَمَ ونَذهبَ إلى حَضرةِ الرَّبِّ؛ أي إلى ذلكَ المَسكَنِ الأبديِّ الَّذي يَسكُنُ اللهُ فيهِ، والذي يَسكُنُ فيهِ مَعَ جَميعِ المَفدِيِّينَ مِن كُلِّ العُصورِ، وإلى ذلكَ المَكانِ الَّذي سَيُكَمَّلُ فيهِ تَمامًا الجَسَدُ والنَّفس، وإلى المَكانِ الَّذي ستَوجَدُ فيهِ بيئةٌ كَاملةٌ مِنَ المحبَّةِ والفَرحِ والسَّلامِ والشُّعورِ بالقَناعَةِ والرِّضا. وقد ذَكَرنا حَقائقَ رائعةً عَديدةً عنِ السَّماء. أمَّا في هذا المَساء فإنَّنا نَأتي إلى أروعِ حَقيقةٍ على الإطلاق. فنحنُ نَأتي إلى أَمْجَدِ حَقيقةٍ تَختصُّ بالسَّماء، وهي حَقيقةٌ تَفوقُ كُلَّ شَيءٍ آخَرَ، وهي: عَلاقَتُنا باللهِ في السَّماء. لِذا فإنَّنا نَطرَحُ السُّؤالَ التَّالي في لائحةِ أسئلتِنا: كيفَ ستكونُ عَلاقَتُنا باللهِ في السَّماء؟ والكتابُ المقدَّسُ يُقَدِّمُ حَقائقَ عَديدةً رائعةً سنَتأمَّلُ فيها في هذا المَساء.

ولنَبتدئ حَالاً. أوَّلاً، عندما نُفَكِّرُ في كيفَ ستكونُ عَلاقَتُنا باللهِ في السَّماء، فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ يُمكِنُنا أن نُلاحِظَهُ هو أنَّنا سوفَ نَكونُ مَعَهُ. سَوفَ نَكونُ مَعَهُ. ويُمكِنُنا أن نُسَمَّي ذلكَ ببساطَة: الشَّرِكَةُ أوِ العَلاقَةُ الحَميمةُ؛ وَهِيَ طَريقةٌ أخرى وَحَسْب للتَّعبيرِ عنِ الشَّيءِ نَفسِه. وهذا في ذَاتِهِ أعظَمُ فَرَحٍ في السَّماءِ لأنَّ اللهَ هُو الكائِنُ الأعلى وأهَمُّ سَاكِنٍ للسَّماء. لِذا فإنَّ وُجودَنا مَعَهُ هُوَ أعظمُ فَرَحٍ إذْ إنَّنا سنكونُ في شَرِكَةٍ معَ الرَّبِّ الإلَهِ والرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. والآن، إذا رَجَعْتُم إلى الوَراءَ قليلاً في أفكارِكُم وتأمَّلتُم في حَقيقةِ الخَلاص، ستتذكَّرونَ أنَّ يُوحَنَّا يُعَرِّفُ الخَلاصَ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى والأصحاحِ الأوَّلِ بأنَّها تَمَتُّعٌ بالشَّرِكَة. فقد قال: "وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فعندما نُؤمِنُ فإنَّنا نَصيرُ في شَرِكَةٍ مَعَ الله. وَحياتُهُ تَصيرُ حَياتَنا. ونحنُ نَقتَرِنُ بِهِ حَتَّى إنَّ المُرَنِّمَ قالَ: "تَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ". فنحنُ نَتَّحِدُ بِهِ بطريقةٍ تَصيرُ فيها مَشيئَتُهُ مَشيئَتَنا، وَقَصْدُهُ قَصْدَنا، ورَغْباتُهُ رَغْباتِنا، وهَدَفُهُ هدَفَنا حَتَّى إنَّهُ بالرَّغْمِ مِن أنَّ الخَطيَّةَ تُعيقُنا، فإنَّ أعمَقَ جُزءٍ مِن كِيانِ نُفوسِنا المولودة ثانيةً مُتَّحِدٌ باللهِ الحَيِّ وفي شَرِكَةٍ مَعَ المَسيحِ الحَيِّ.

لِذا فإنَّ الخَلاصَ جَعَلَنا نَتمتَّعُ بعلاقةٍ حَميمةٍ مَعَهُ. فنحنُ نَستطيعُ أن نَتحدَّثَ إلى اللهِ، ونَستطيعُ أن نَكونَ في شَرِكَة مَعَهُ، وأن نُصَلِّي لَهُ، وأن نَسمَعَهُ يَتَكَلَّم في كَلِمَتِه، وأن يَتحرَّكَ بتلكَ الطُّرُقِ الصَّامِتَةِ في حَياتِنا مِنْ خِلالِ عِنايَتِهِ الإلهيَّةِ كي يُعلِنَ ذَاتَهُ. فنحنُ نَعيشُ في شَرِكَةٍ رُوحِيَّةٍ حَقيقيَّةً معَ الله. ولكِنْ مِنْ جِهَة أخرى، فإنَّ تلكَ الشَّرِكَةَ تُواجِهُ العَراقيل. فهي ليست مِلْءَ الشَّرِكَة. ولكِن عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ، مِن جهةٍ أخرى، سنَتمتَّعُ بِعَلاقةٍ حَميمةٍ تَمامًا باللهِ، وبِشَرِكَةٍ مِنْ دُوْنِ مُعُوِّقاتٍ معَ الله، وبشَرِكةٍ أكثرَ تَخَيُّلاً [أو بالحَرِيِّ: أكثرَ رَوعَةً] مِن أيِّ شَيءٍ آخرَ يُمكِنُنا أن نَتخيَّلَهُ. دَعونا نَتأمَّل في عَدَدٍ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ الَّتي تُحَدِّثُنا عن ذلك.

ويُمكِنُنا أن نَبتدئَ مِنَ الأصحاحِ السَّابع عَشَر مِن إنجيل يُوحَنَّا. إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 17. ونحنُ نَرى في ذلكَ الأصحاحِ أنَّ رَبَّنا، بِكُلِّ تأكيدٍ، يُصَلِّي إلى الآبِ ويَطلُبُ مِنْهُ أن يُمَجِّدَهُ بالمَجْدِ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدَهُ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَم. فلأنَّهُ كانَ على وَشْكِ تَتْميمِ عَمَلِهِ على الأرض، كانَ جَاهِزًا للعَودةِ إلى الآب. وَفيما هُوَ يُصَلِّي فإنَّهُ يُصَلِّي لأجلِ خَاصَّتِهِ الَّذينَ في العَالَم. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 24 تَحديدًا: "أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ...". وَالكلمة "هَؤلاء" تُشيرُ إلى المُؤمِنينَ في هذا الدَّهرِ وإلى جَميعِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بالمَسيح. "أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا". تَوَقَّفوا عندَ تلكَ النُّقطة. فهذه هي صَلاةُ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وهذا شَيءٌ مُدهشٌ في نَظري لأنَّ شَوقَ قَلبِ المَسيحِ هو أن يَكونَ في شَرِكَةٍ أبديَّةٍ مَعَنا! فَهُوَ يَقول: "يا أَبَتاه، صَلاتي هي أنَّ هَؤلاءِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بي، والَّذينَ أعطَيتَني، يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا". ويا لَها مِن جُملةٍ رائعة! وما أعنيه هو أنَّنا نُفَكِّرُ غَالبًا كَمْ نَتوقُ إلى أن نَكونَ معَ المَسيح، ولكِنْ هَل تُدرِكونَ كَم يَتوقُ المَسيحُ إلى أن يَكونَ مَعَنا؟ وَهَل نُدركُ أنَّهُ عندما يَموتُ أحدُ المُؤمِنينَ ويَذهبُ إلى السَّماءِ فإنَّ ذلكَ الحَدَثَ لا يُحَقِّقُ فقط أشواقَ المُؤمِنِ، بل يُحَقِّقُ أيضًا أشواقَ المَسيح؟ إنَّها فِكرةٌ رائعة! فَهُناكَ فَرقٌ كَبيرٌ بينَ أن أرغبَ في أن أكونَ مَعَهُ وبينَ أن يَرغَبَ في أن يَكونَ مَعي. وَهُوَ يُخبِرُنا السَّببَ في العَدد 24: "لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي". يا أَبتاه، أريدُ أن يَنظُروا مَجدي. وأريدُ أن يَرَوْني بِكُلِّ مِلْئِي. وأريدُ أن يَرَوْنِي على حَقيقَتي. وأريدُ أن يَرَوْا جَلالَ لاهُوتي غير المَحجوب.

لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ يَتوقُ أن نَكونَ نَحنُ في السَّماء. وَقد صَلَّى وطَلَبَ ذلكَ مِنَ الآب كي نَكونَ مَعَهُ "حَيْثُ أكونُ أنا" [كَما قال]. والعِبارةُ "يَكونونَ مَعي" تُدهشُني. فهي لا تَقولُ وَحَسْب إنَّنا سَنراه، بل تَقولُ إنَّنا سنكونُ مَعَهُ. فَهُوَ يَتوقُ لا فقط إلى أن نَكونَ مُتَفَرِّجينَ، بل أن نَكونَ مُشارِكينَ؛ أيْ لا فَقط أن نَكونَ مُشاهِدينَ، بل أنْ نَكونَ في شَرِكَةٍ مَعَه. ويا لَها مِن صَلاة! وهل تَعتقدونَ أنَّ صَلَواتِ المَسيحِ استُجيبَت؟ أنا مُتَيَقِّنٌ مِن ذلك. والحقيقةُ هي أنَّهُ سيأتي يَومٌ، يا أحبَّائي، نَكونُ فيهِ مَعَهُ حيثُ يَكون كي نَنظُرَ مَجدَهُ الَّذي أعطاهُ إيَّاهُ الآبُ بِدافِعِ مَحَبَّةِ الآبِ [كَما نَقرأُ في نِهايةِ تلكَ الآية]. لِذا، يُمكِنُنا أن نَتطلَّعَ إلى الوقتِ الَّذي سنكونُ فيهِ مَعَهُ حيثُ هُوَ. فسوفَ نَكونُ مَعَهُ. وهذا هُوَ المَغزى مِنَ السَّماء. فسوفَ تكونُ عَلاقَتُنا باللهِ الآبِ، وعلاقَتُنا باللهِ الابْنِ، وعلاقَتُنا باللهِ الرُّوحِ القُدُسِ شَرِكةً دائمةً لا تَنتهي وَأبديَّةً مَعَ الأقانيمِ الثَّلاثة.

والآن، لِنَنظُر إلى إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 14. فنحنُ مَا زِلنا في إنجيل يُوحَنَّا ونَنظُرُ إلى آيةٍ أخرى تُعطينا فِكرةً واضحةً عن هذا الموضوع. وَهِيَ آيةٌ مُشابِهَةٌ جدًّا. وأنتُم تَعرِفونَ المَشهَدَ. فَهُوَ مَشهَدٌ مَألوفٌ لِكُلِّ شخصٍ مِنَّا يَدرُسُ كلمةَ الله. فقد عَلِمَ التَّلاميذُ أنَّ يَسوعَ سَيَترُكُهم. فقد تَحَدَّثَ عن مَوتِهِ وقِيامَتِه وَقالَ إنَّهُ ينبغي أن يَمضي إلى الآب، وإنَّهُ يَنبغي أن يَكونَ مِثلَ حَبَّةِ الحِنْطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأرضِ وتَموتُ لكي تُعطي حَياةً. وَهُوَ يَقولُ لَهُم إنَّهُ سيُغادِر. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 36 مِنَ الأصحاح 13: "حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي، وَلكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا". ويا لَهُ مِنْ وَعدٍ رائع! فسوفَ أذهبُ الآنَ، ولكِنَّكَ ستَأتي لاحِقًا. فقد أرادَ بُطرُسُ مِنهُ أن يَأخُذَهُ حَالاً فَقال: "سوفَ أموتُ مَعَكَ الآن. أريدُ أن أذهبَ الآن". أَجَابَهُ يَسُوعُ: "لا، لن تَموتَ الآن، ولن تَضَعَ نَفسَكَ عَنِّي، بل إنَّكَ، في الحَقيقةِ، سَتُنكِرُني". لِذا فإنَّ الخَلفيَّةَ هي أنَّ يَسوعَ كانَ يُخبِرُهم أنَّهُ سَيُغادِر. وهذا هُوَ ما نَقرأُهُ في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاح 14: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي". ولماذا يَقولُ ذلك؟ لأنَّ قُلوبَهُم كانت مُضطربةً بسببِ التَّفكيرِ في أنَّ يَسوعَ سَيَترُكُهم. فقد كانَ مَصدَرَ كُلِّ شَيءٍ في حَياتِهم. فعندما كانوا بحاجةٍ إلى التَّعزيةِ، كانَ يُعَزِّيهم. وعندما كانوا بحاجةٍ إلى الحِكمةِ، كانَ يُعَلِّمُهم. وعندما كانوا بحاجةٍ إلى الطَّعامِ، كانَ يَخْلِقَهُ. وعندما كانوا بحاجةٍ إلى دَفْعِ الضَّريبةِ، كانَ يُخرِجُ سَمَكةً مِنَ الماءِ ويأخُذُ الضَّريبةَ مِنْ فَمِ السَّمَكة. فقد كانَ مَوجودًا في كُلِّ صِراعٍ وكُلِّ تَجربةٍ وكُلِّ مَوقفٍ. فقد كانَ هُناكَ. وكانَ هُوَ حَياتَهُم. وقد حَدَثَ ذلكَ في السَّنواتِ الثَّلاثِ الَّتي صَرَفوها مَعًا، أو رُبَّما أكثرَ مِن ذلكَ بقليل.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم..." [أيْ لا تَقلَقوا بسببِ ذَهابي] "...أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا". مَكانًا أين؟ "في بيتِ مَنْ؟ في بيتِ أبي. فسوفَ تكونونَ مَعي. سوفَ تَكونونَ مَعي في بيتِ أبي. سوفَ تَكونونَ مَعي وتَكونونَ معَ أبي. وقد قُلتُ هَذا مَرَّاتٍ عَديدة مِنْ قَبْل: كُلُّ شخصٍ في السَّماءِ هُوَ في بيتِ الآب. فلا تُوجَد بُيوتٌ كثيرةٌ في السَّماءِ، بل يُوجَدُ بيتٌ واحدٌ فقط هُوَ مَسْكَنُ اللهِ. فاللهُ غيرُ المَحدودِ يَملأُ كُلَّ السَّماءِ الأبديَّةِ غيرِ المَحدودة بِحُضورِهِ مُباشَرةً. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ لا يُوجَدُ هَيكَلٌ هُناكَ لأنَّ اللهَ هُوَ الهَيكَل. وَلِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ لا تُوجَدُ شَمسٌ ولا يُوجَدُ قَمَرٌ هُناكَ لأنَّ اللهَ والخَروفَ هُوَ سِراجُها. فاللهُ هُوَ السَّماء. وَحُضورُهُ هو السَّماء. وَهُوَ يَملأُ الكُلَّ في الكُلِّ بِحُضورِهِ. لِذا، عندما نَذهبُ إلى هُناكَ فإنَّنا نَدخُلُ إلى حَضْرَتِهِ. فَهُوَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكان. وَهُوَ، بِلاهُوتِهِ غيرِ المَحدودِ، يَملأُ السَّماءَ غيرَ المَحدودة.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّالث: "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ..." وَنَجِدُ هُنا الكَلِمَةَ الرَّئيسيَّةَ: "إِلَيَّ". ما رأيُكُم في أنْ تَضَعُوا خَطًّا تَحتَ هذهِ العِبارَة؟ "آخُذُكُمْ إِلَيَّ". وهل تَسْمَحوا لي أن أُبَسِّطَ لَكُم ذلك؟ نحنُ لَسنا ذاهِبينَ إلى مَكانٍ، بل إنَّنا سَنَذهبُ إلى شَخصٍ. هل فَهِمتُم ذلك؟ نحنُ لَسنا ذاهِبينَ إلى مَكانٍ بِقَدْرِ مَا نَحنُ ذاهِبونَ إلى شَخصٍ. فنحنُ ذاهبونَ لنكونَ في شَرِكَةٍ معَ الله. ونحنُ ذاهبونَ لنكونَ في شَرِكَةٍ معَ المَسيح. فنحنُ لسنا ذاهِبينَ إلى مَكانٍ يُمكِنُنا مِنْ خِلالِهِ أنْ نَصِلَ إلى الله. ونحنُ لسنا ذاهِبينَ إلى مَكانٍ يُمكِنُنا مِنْ خِلالِهِ أنْ نَصِلَ إلى المَسيح. بل نحنُ ذاهِبونَ إلى شَخصٍ؛ وتَحديدًا: إلى اللهِ والرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فلن نَكونَ يَومًا خَارِجَ حَضْرَةِ اللهِ أو حَضْرَةِ المَسيح. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: سوفَ آتي ثانيةً وآخُذُكُمْ إلَيَّ "حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا [مَاذا؟] تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". فسوفَ نَكونُ مَعَ المَسيحِ، ونَكونُ مَعَ الله. فهذا هُوَ جَوهَرُ السَّماء.

إذًا، كيفَ ستكونُ عَلاقَتُنا بالله؟ أوَّلاً، سوفَ نَكونُ مَعَهُ؟ فسوفَ تَكونُ الفِرْدَوْس المُسْتَرَدَّ، ولكِنَّهُ فِردوسٌ يَفوقُ بكثير أيَّ شَيءٍ اختَبَرَهُ آدَمُ وَحَوَّاءُ في الجَنَّة. وسوفَ نَكونُ مَعَهُم طَوالَ الوقتِ في شَرِكَةٍ لا تَنتهي. وحيثُ إنَّ اللهَ مَجْدٌ لا يَنتهي، وجَمالٌ لا يَنتهي، وجَلالٌ لا يَنتهي، وقَداسةٌ لا تَنتهي، وكُلٌّ شيءٍ آخَرَ لا يَنتهي، لن تَمَلَّ يَومًا مِنَ الوُجودِ في حَضرةِ اللهِ إلى أبدِ الآبِدينَ وَدَهْرِ الدُّهورِ لأنَّكَ ستَختبِرُ باستمرار وَقائِعَ مَجْدِهِ الَّذي لا نِهايةَ لَهُ. والأمرُ نَفسُهُ يَصِحُّ على المَسيح.

واسمَحوا لي أن أَصحَبَكُم إلى آيةٍ أخرى في رسالةِ تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الرَّابع. والتَّركيزُ هُوَ دائِمًا نَفسُهُ. رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاح الرَّابع. وقد كانَ يُوجَدُ في كنيسةِ تسالونيكي خَوفٌ مِنْ أنَّ المُؤمِنينَ خَسِروا فُرصةَ الوُجودِ معَ الرَّبِّ لأنَّهُم ماتوا، ومِنْ أنَّ الرَّبَّ سَيَأتي ثانيةً فيكونونَ قد مَاتوا وخَسِروا فُرصةَ أن يَكونوا معَ الرَّبِّ. ولتقويمِ تلكَ الفِكرةِ الخاطِئَة، وأنتُم تَعرِفونَ ما يَقولُهُ النَّصُّ في العدد 13: "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ [أيْ مِنْ جِهَةِ الأمواتِ]، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ". والوعدُ هُنا هُوَ أنَّهُ كما أنَّ المَسيحَ قامَ فإنَّ اللهَ سَيُقيمُ مِنَ الأمواتِ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمونَ إلى المَسيح. وإليكُم كيف: "فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ". اسمَعوني: إنَّهُ يَقولُ لا فقط إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ مَاتوا لن يَخسروا الفُرصةَ في أن يَلتقوا يَسوعَ، بل إنَّهُم سَيَلتقونَهُ قَبلَ أن نَلقاهُ نحنُ حينَ يَأتي. "لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ [في العَدد 16] بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ [مَاذا؟] سَيَقُومُونَ أَوَّلاً". وهُناكَ مَن قالَ إنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّه ينبغي لَهُم أن يَقطعوا مَسافةً تَزيدُ عَنَّا بِسِتَّةِ أقدام. ولكِنَّ الأمرَ ليسَ كذلكَ حَقًّا، بل إنَّهُم يَقومونَ أوَّلاً لأنَّ هذهِ هي خُطَّةُ الله.

والآن لاحِظوا ما يَلي: "ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ..." في وقتِ الاختطافِ عندما يأتي المَسيحُ. فالأمواتُ في المَسيحِ سيَقومونَ أوَّلاً، أيْ أنَّ أجسادَهُم سَتَقومُ كي تَنْضَمَّ إلى نُفوسِهم المُمَجَّدَة. "ثُمَّ نحنُ الأحياءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ"؛ أيْ نَحْنُ الَّذينَ سنَكونُ أحياءَ في ذلكَ الوقت. والآيةُ تَقولُ إنَّنا سَنُخطَفُ جَميعًا مَعَهُم فِي السُّحُبِ"، والآنْ لاحِظوا مَا يَلي: لِمُلاقاةِ مَنْ؟ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاء". والآن، لاحِظوا ما يَلي: "وَهكَذَا..." [ضَعُوا خَطًّا تحتَ هذهِ الآيةِ] "...نَكُونُ كُلَّ حِينٍ [ماذا؟] مَعَ الرَّبِّ". فهذهِ هي السَّماء. فهي تَعني أن نَكونَ معَ الرَّبّ. وهي تَعني دائمًا أن نَكونَ معَ الرَّبّ. فمُنذُ لَحظةِ لُقياه في الهواء، إنْ كُنَّا على قَيْدِ الحَياةِ عندَما يَحدُثُ الاختطافُ ونَصْعَدُ مِنَ الأرضِ إلى أعلى...فمُنذُ لَحظةِ لُقياه في الهَواء، إنْ كُنَّا مَوجودينَ هُناكَ بِنُفوسِنا ونَنْضَمُّ إلى أجسادِنا في تلكَ القِيامةِ العَظيمةِ، أيًّا كانتِ الحَالُ، سَوفَ نَلتقي الرَّبَّ في الهَواءِ ونَكونُ دائمًا معَ الرَّبّ.

واسمَحوا لي أن أُطَبِّقَ ذلكَ عَمليًّا. فهذا أعظمُ لَمِّ شَمْلٍ في السَّماء. فأنتُم تَسمعونَ النَّاسَ يَقولونَ غَالبًا: "أليسَ مِنَ الرَّائعِ عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ أنَّنا سنَرى أصدقاءَنا، وأنَّنا سنَرى أقرباءَنا، وأنَّني سأرى جَدِّي في السَّماءِ إذْ إنَّهُ كَانَ يَكرِزُ بكلمةِ اللهِ بأمانَة، وجَدَّتي في السَّماء". مِنْ جِهَة أخرى، فإنَّ أُمَّ أُمِّي الَّتي لم أعرفها يومًا ذهبت لتكونَ معَ الرَّبِّ قبلَ حَتَّى أن تَتزوَّجَ أُمِّي بأبي على ما أعتقد. فهُناكَ أشخاصٌ آخرونَ في حَياتِنا جَميعًا. وأنا أَذكُرُ واحدًا مِن أصدقاءِ الطُّفولةِ كانَ يَلعبُ كُرةَ القاعِدَةِ مَعي وكُنَّا صَديقَيْنِ حَميمَيْن. وذاتَ يومٍ، كانَ يَقودُ سَيَّارَتَهُ القَديمةَ ذاتَ السَّقفِ المَكشوفِ فَتَعَطَّلَتِ الفَرامِلُ فَطارَ مِنها وارتَطَمَ رأسُهُ بالشَّارِعِ فانتقلَ حالاً إلى الأبديَّة. ونحنُ جَميعًا نُفَكِّرُ في لَمِّ الشَّمْلِ الَّذي سَنَحظَى بِهِ عندما نَرى هؤلاءِ الأشخاصَ الَّذينَ كانوا جُزءًا مِن حَياتِنا المُستمرَّة. ولكِنَّ لَمَّ الشَّمْلِ ذاكَ لا يَعني شَيئًا عندما تَتوقَّفونَ وتُفَكِّرونَ في أنَّ السَّماءَ هي اتِّحادٌ يَضُمُّ المُؤمِنينَ والرَّبَّ نَفسَهُ. والحقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ، بِصَراحَة، لا يُرَكِّزُ كَثيرًا على انضمامِ البَشَرِ إلى البَشَر، بل يَكتَفي بالتَّلميحِ إلى ذلك. فسوفَ تكونُ شَرِكَة هُناكَ. وسوفَ نَجلِسُ على المائدةِ معَ إبراهيمَ وإسحاقَ والآخرين. وبِمَعنى مِنَ المَعاني، عندما تَموتُ [كما يَقولُ العهدُ القديمُ] سَتَنْضَمُّ إلى قَوْمِكَ، كَما أَشارَ العهدُ القديمُ إلى ذلكَ عندما تَحَدَّثَ عن مَوتِ إبراهيم. ولكِنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ لا تَكمُنُ هُنا، بل إنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ مِنَ الوُجودِ في السَّماءِ هي أنَّنا سنكونُ معَ الرَّبِّ...سنكونُ معَ الرَّبِّ.

لِنَنظُر إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 21. فعندما تَتوقَّفونَ وتُفَكِّرونَ في حَقيقةِ أنَّ الرَّبَّ لا نَظيرَ لَهُ، وأنَّهُ إلَهٌ كَامِلٌ ومَجيدٌ، وأنَّكُم سَتَحْظَوْنَ بامتيازِ الوُجودِ مَعَهُ إلى الأبد فإنَّهُ شَيءٌ يَصْعُبُ تَخَيُّلُه. وفي سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الحادي والعِشرين، نَقرأُ عنِ السَّماءِ الجَديدةِ والأرضِ الجديدة. فالسَّمَاءُ الأُولَى وَالأَرْضُ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. فلا يُوجَد فَاصِلٌ ولا يُوجَد شَيءٌ مُخيفٌ. وقد "رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا". فهذهِ هي عَاصمةُ السَّماء. فهذا ليسَ وَصفًا لكُلِّ شَيءٍ في السَّماء، بل إنَّهُ مُجَرَّدُ وَصْفٍ للمَدينةِ الرَّئيسيَّة. "وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ". وَهُوَ يَقولُ مَرَّتَيْنِ "مَعَهُم...مَعَهُم". وَهذهِ إشارةٌ إلى الحُضورِ الحَميم. "وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ". واللهُ نَفسُهُ سَيُخَيِّمُ بينَ البَشَر. فَخيمَةُ اللهِ ستكونُ بينَ البَشَر. وَهُوَ سيَسكُنُ بينَهُم. فاللهُ نَفسُهُ سيكونُ بَينَهُم. وهذا هُوَ مَجْدُ السَّماء. فسوفَ يكونُ المُؤمِنونَ في الحَضْرَةِ الأبديَّةِ للهِ نَفسِهِ.

هل تَشعرونَ في هذهِ الحياةِ كما لو أنَّ اللهَ بَعيدٌ جدًّا؟ وهل تَشعرونَ عندما تَمُرُّونَ في تَجارب وَضِيقاتٍ مُعَيَّنة كما لو أنَّ اللهَ بَعيدٌ جدًّا؟ أو رُبَّما يَبدو أنَّهُ لا يَهتَمُّ لأمرِك؟ ثُمَّ فجأةً، يَحدُثُ شَيءٌ حَميمٌ معَ اللهِ يَجعلُ الأشياءَ مُنعِشَةً تَمامًا؟ أريدُ أن أقولَ لَكُم شَيئًا شَخصيًّا جدًّا. وأنا لا أتحدَّثُ كثيرًا عن حَياتي الشخصيَّة، ولكِنَّ هذا الشَّيءَ شَخصيٌّ جدًّا. قبلَ بِضعةِ أسابيع، كما تَعلمونَ، كُنَّا نُصَلِّي لأجلِ ابنِنا "مارك" (Mark) لأنَّ الأطبَّاءَ وَجَدوا وَرَمًا...وَرَمًا في دِماغِه. وقد شَاركتُ ذلكَ مَعَكُم بعدَ أن عَلِمنا مَعلوماتٍ كَافية للمُشاركة. وقد صَلَّيتُم مَعي. وفي تلكَ الأيَّام، انْقَضَتْ تِسعةُ أيَّامٍ تَقريبًا دُونَ أن آكُل شَيئًا. فقد كُنتُ أصومُ وأُصَلِّي إلى الرَّبِّ خِلالَ تلكَ الفترةِ الَّتي تُقارِبُ تِسعةَ أيَّام. ولم أَكُنْ قد أخبرتُ أحدًا بذلك. كانت زَوجَتي "باتريشا" تَعلمُ بذلكَ بِكُلِّ تأكيد. ولكِنَّ أولادَنا أنفُسَهُم لم يَعلموا بذلك. وقد كانت تلكَ فترة عِبادَةٍ أمامَ اللهِ كي أَتَمَكَّنَ مِن مَعرفةِ مَشيئةِ اللهِ في حَياتي الشخصيَّة وفي حَياةِ عائلتي وحَياةِ "مارك". وفي تلكَ الأيَّام، انْطَرَحْتُ حَرفيًّا مَرَّاتٍ عَديدة أمامَ الرَّبِّ أنا وَباتريشا. وقد استمرَّينا في طَلبِ وَجْهِ الرَّبِّ كي يُرينا مَشيئَتَهُ، وكي يُعَلِّمَنا ما يُريدُ مِنَّا أن نَعرِفَهُ. وقد صَرَفْنا أوقاتًا في الصَّلاةِ رُبَّما تَفوقُ أيَّ وقتٍ آخرَ صَرَفْناهُ مُؤخَّرًا.

وقد كُنتُ أنتَظِرُ جَوابًا مِنَ الرَّبّ. مَرَّتِ الأيَّامُ تِلْوَ الأيَّامِ ولم نَحصُل على أيِّ كَلِمَة. وفي كُلِّ مَرَّة كُنَّا نَتحدَّثُ فيها إلى الطَّبيبِ، كانَ هُناكَ شُعورٌ مَا في قَلبي أنَّ الأمورَ تَزدادُ خُطورةً، وكانَ لَديَّ شُعورٌ بالخوفِ مِثلَما يَشعُرُ أيُّ أبٍ بِصورةٍ طَبيعيَّةٍ تُجاهَ ابنِهِ. وهُناكَ أوقاتٌ تَتساءَلُ فيها في نَفسِكَ قَائِلاً: "أنا أتساءَلُ إنْ كانَ اللهُ يُصغي حَقًّا!" فقد صَلَّيتُ بِلا انقطاعٍ طَوال تِسعةِ أيَّامٍ وَبَدا أنَّ الوقتَ طَويلٌ جدًّا. وقد بَدا لي أنِّي لا أسمَعُ أيَّ شَيءٍ مِنَ الرَّبِّ ولا أحصُلُ على أيِّ استجابة. ويبدو أنَّنا لم نَصِلْ إلى أيِّ حَلٍّ.

وفي مَساءِ أحدِ أيَّامِ الأرْبعاء، كُنتُ أجلِسُ في مَكتب وأستَعِدُّ لخِدمةِ مَعموديَّة. وكانَ ذلكَ نَحوُ اليومِ التَّاسِعِ الَّذي لم آكُلُ فيهِ أيَّ شَيء. وقد كُنتُ أجلِسُ في مَكتبي وَحدي عندما قَرَعَتْ زَوْجَةُ "ريتش هاينز" (Rich Hines)، "باربرا" (Barbara) على الباب. وكانت تَحمِلُ عُلبةً صغيرةً في يَدِها وقالت لي: "لقد عَرَفْتُ أنَّكَ سَتَبقى وقتًا طويلاً هُنا بسببِ خِدمةِ المَعموديَّةِ اللَّيلة. وقد أحضرتُ شَطيرةً لزوجي "ريتش" كي يأكُلَ لأنَّهُ سَيَبقى هُنا أيضًا. وقد أَعْدَدْتُ شَطيرةً لكَ لأنِّي فَكَّرْتُ في أنَّكَ قد تَرغبُ في أكلِ شَيءٍ مَا لأنَّكَ لن تَتمكَّنَ مِن أكلِ أيِّ شَيء". ولم أَكُنْ قد أَكلتُ مُنذُ ثَمانيةِ أيَّام. ولم أَشَأ أن أقولَ لها أيَّ شَيءٍ. لِذا فقد قُلتُ: "شُكرًا جَزيلاً لَكِ. أنا أُقَدِّرُ ذلكَ حَقًّا". وقد كانت تلكَ إيْماءَة رائعة ومُمتلئة نِعمةً. وهي لم تَفعل ذلكَ مِنْ قَبْل في هذهِ الكنيسة. فهي لم تُحْضِر لي يَومًا شَطيرةً. وأنا لا أَلومُها على ذلك، ولكنِّي أقولُ وَحَسْب إنَّ ذلكَ لم يَحدُث مِن قَبل. فهي إنسانة لَطيفة جدًّا، ولكِنَّها لم تُحضِر لي شَطيرةً مِن قَبل. وقد كُنتُ أمكُثُ في المَكتبِ في العَديدِ والعَديدِ والعَديدِ مِن أيَّامِ الأرْبُعاء مَساءً. كانت تلكَ الشَّطيرة على مَكتبي. وقد شَعرتُ بِشُعورٍ لا يُصَدَّق مِنَ السَّلامِ يَغمُرُ قَلبي لأنِّي قبلَ ساعَةٍ مِنْ إحْضَارِها تلكَ الشَّطيرة قُلتُ للرَّبِّ: "يا رَبّ، إنْ كُنتَ حَاضِرًا وَتَسمَعُ صَلواتي لأجلِ ابني، أَلا أَريتَني طَريقةً أعلَمُ مِن خِلالِها أنَّكَ تَهْتَمُّ حَقًّا". وبعدَ ساعَةٍ، جاءتِ الشَّطيرة. وعندما غَادَرَتْ باربرا ابتسمتُ وقُلتُ: "يا رَبّ، هذهِ هي العَلامَة. أليست كذلك؟ لقد انتَهى وقتُ الصَّومِ ويُمكنُني أن آكُل". وقد أكلتُ الشَّطيرةَ وَشَعرتُ بِسلامٍ كامِلٍ في قَلبي. وفي صَباحِ اليومِ التَّالي، اتَّصَلَ الطَّبيبُ بي وقال: "أريدُ أن أقولَ لكَ خَبَرًا سَارًّا". وقدِ ابتسمتُ. فقال: "لا يوجد شَيءٌ خَطير". ولم تَكُن تلكَ مُفاجأة لي لأنَّ الرَّبَّ أخبرني بطريقتِهِ الرَّائعةِ والبسيطةِ والعَميقةِ أنَّ الصَّومَ قدِ انتَهى وأنَّهُ بإمكاني أن آكُل.

وأودُّ أن أقولَ لباربرا: "أنا لم أَقُل لكِ أيَّ شيءٍ عن ذلك، ولكِنَّها كانت شَطيرةً رائعة". وهل تَعلمونَ أنَّ الشَّيءَ الَّذي أذهَلَني بخصوصِ تلكَ التَّجربة هو حَقيقةُ أنَّ اللهَ كانَ مَعْنِيًّا بصورةٍ حَميمةٍ بحياتي حَتَّى إنَّهُ أرسَلَ إليَّ شَطيرةً عندما حانَ الوقتُ الَّذي أَعلَمُ فيهِ أنِّي لستُ بحاجةٍ إلى الصَّومِ وقتًا أطول. وهذا هو مَعنى أن يَكونَ اللهُ مَعْنِيًّا بِصورةٍ حَميمةٍ بحياتِك. وقد حَظَيْتُ بشركةٍ حُلوةٍ في تلكَ اللَّيلةِ معَ الله وقلتُ: "أنتَ مَوجودٌ، وأنا أَعلمُ أنَّكَ تَهتَمُّ، وأنَّكَ أحضرتَ لي تلكَ الشَّطيرة". وقد كانَ أمرًا يَصعُبُ تَصديقُه. ولكِنْ عندما تَمُرُّ بتلكَ التَّجاربِ في حياتِكَ وتَعلمُ حَقًّا أنَّ اللهَ مُهْتَمٌّ بِكَ، يكونُ الأمرُ مُفرِحًا جدًّا. فَهُوَ مُفرِحٌ. ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا وحسب كيفَ سيكونُ الأمرُ عندما نَذهبُ إلى السَّماء، وتَكونُ الحياةُ كُلُّها هِيَ الله، وتكونُ هُناكَ شَرِكَة حَميمَة مَعَهُ.

وبِصراحَة: مِنْ نَاحِيَة، عندما تُفَكِّرُ في أنَّكَ ستكونُ في شَرِكَة مُستمرَّة معَ اللهِ القُدُّوسِ إلى الأبد، قد تَشعُرُ بالرُّعب. وما أعنيه هو أنَّنا نَقرأُ في الكتابِ المقدَّسِ أنَّهُ عندما كانَ اللهُ يُعلِنُ ذاتَهُ، كانَ النَّاسُ يَرتَعِبون. وعندما عَلِمَ إشَعْياءُ أنَّهُ موجودٌ في حَضرةِ اللهِ قال: "وَيْلٌ لِي! أنا خَاطِئٌ". وعندما عَلِمَ بُطرسُ أنَّهُ مَوجودٌ في حَضرةِ اللهِ ورأى اللهَ المُتَجَسِّدَ في شخصِ المَسيحِ في إنجيل لوقا قال: "اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي...لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ". وعندما لَمَسَتِ المَرأةُ ثَوْبَهُ، أوْ هُدْبَ ثَوبِهِ، وَشُفِيَتْ، خَافَتْ عندما دَعاها مِن بينِ الجُموعِ لأنَّها عَلِمَت أنَّهُ الله. فالوجودُ في حَضرةِ اللهِ قد يكونُ شيئًا مُرعِبًا. وقد كانَ رَئيسُ الكَهَنَةِ في العهدِ القديمِ يَعلمُ أنَّهُ إذا دَخَلَ إلى قُدْسِ الأقْداسِ دُونَ استعدادٍ فإنَّ ذلكَ الأمرَ سَيُكَلِّفُهُ حَياتَهُ. وَنَحنُ هُنا نَصرِفُ كُلَّ الأبديَّةِ في شَرِكَةٍ حَميمةٍ معَ اللهِ الحَيِّ. والآن، يا أحبَّائي، هذا يَعني أنَّنا سنكونُ مُختلِفينَ عَمَّا نحنُ عليهِ الآن. فسوفَ نَصيرُ في تلكَ السَّاعةِ مُقَدَّسين. سوفَ نَصيرُ مُقَدَّسين. وفي كَمالِنا المُطلَقِ والمُقدَّسِ، سوفَ نَتَمَكَّنُ مِنْ أن نكونَ في شَرِكَةٍ معَ اللهِ الأبديِّ القُدُّوسِ مِن دونِ أيِّ شُعورٍ بالعَار. وما أروعَ ذلك! ما أروعَهُ!

وقد كَتَبَ "ريتشارد باكستر" (Richard Baxter): "كَما أنَّ اللهَ يُعطينا حَواسَّ مُمَجَّدَة وقُدْراتٍ أعظَم، فإنَّهُ سَيُعَظِّمُ قُدرةَ تلكَ الحَواسِّ على الشُّعورِ بالسَّعادَةِ ويَملأُ بنفسِهِ كُلَّ تلكَ القُدْرات" [نِهايةُ الاقتباس]. فسوفَ نَكونُ في شَرِكَةٍ أبديَّةٍ حَالاً مَعَ اللهِ. وَهِيَ شَرِكَةٌ شَخصيَّةٌ حَميمَةٌ، ولا تَنْقَطِعُ، ومُشبِعَةٌ مَعَهُ. ويا لَهُ مِن أمرٍ رائع! فعندما تُفَكِّرونَ في ذلكَ ستَجدونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ حَصَلنا عليهِ مِنَ الرَّبِّ يأتي في المَرتبةِ الثَّانيةِ والثَّالثةِ والرَّابعة. فنحنُ نَحصُلُ على طَعامِنا مِنَ الأرضِ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الخَالِق. ونحنُ نَحصُلُ على الهَواءِ مِنَ الجَوِّ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الخَالِق. ونحنُ بحاجة إلى الهواء. ونحنُ نَحصُلُ على النُّورِ مِنَ الشَّمسِ والقَمر. ونحنُ نَحصُلُ على المَعونةِ في هذهِ الحياةِ مِن خلالِ عَمَلِ المَسيحِ الشَّفاعِيِّ، ومِن خِلالِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ الشَّفاعِيِّ. وَحَتَّى إنَّ الملائكةَ تَخدِمُنا. ولكِنْ في يَومٍ مَا، عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ، لن يَكونَ هُناكَ وُسَطاء. ولن يَكونَ هُناكَ شُفَعاء. ففي هذهِ الحياةِ، الأشياءُ الَّتي نَحصُلُ عليها مِنَ اللهِ هي إلهيَّة ولكِنَّ طَريقةِ تَعامُلِنا مَعَها بَشريَّة. فَأفراحُنا تَأتينا مِن خلالِ مَصادِرَ أخرى. فهي لا تأتينا مُباشرةً أو فَورًا أو حَالاً مِنَ اللهِ. أمَّا في السَّماءِ فإنَّنا سنَحصُلُ عليها مِنهُ مُباشرةً. فسوفَ نَحصُلُ على الفَرَحِ مِنَ اللهِ مِن دُونِ وَسَاطَة. والسَّلامُ، والمَحَبَّةُ، والسَّعادةُ، والشُّعورُ بالرِّضا ستأتي حَالاً ومُباشَرةً مِنَ اللهِ إلينا مِن دونِ شخصٍ وَسيطٍ، ومَن دونِ مَصدَرٍ غير مُباشِر.

فسوفَ نَحصُلُ على النُّورِ مِن دونِ شمعة. وسوفَ نَحصُلُ على يومٍ كَامِلٍ مِن دونِ شَمسٍ. وسوفَ نَحصُلُ على فَهْمٍ مُستَنيرٍ مِن دُونِ كِتابٍ مُقَدَّسٍ. وسوفَ نَسلُكُ سُلوكًا قَويمًا مِن دُونِ شَريعةٍ مَكتوبَة. وسوفَ نَكونُ فَرِحينَ مِن دُونِ أيِّ وُعودِ أو أيِّ شَيءٍ آخَر؛ بل مُجَرَّدُ فَرَحٍ وَحَسْب. وسوفَ نَحصُلُ على البَرَكَةِ مِن دُونِ إيمانٍ أو رَجاء. فَهِيَ مُجَرَّدُ بَرَكَةٍ وَحَسْب. وسوفَ نَحظى بالشَّرِكَةِ مِن دُونِ فَرائِضِ، ونَحْظَى بالشَّرِكَةِ مِن دُونِ صَلاة. فَوُجودُ حَاجاتٍ مِن دُونِ إمداداتٍ هي حَالةُ النَّاسِ في جَهَنَّم. وَوُجودُ حَاجاتٍ تُسَدُّ مِن خِلالِ المَخلوقاتِ هي حَالةُ النَّاسِ على الأرض. أمَّا وُجودُ حَاجَةٍ تُسَدُّ مُباشرةً مِنَ اللهِ فهي حَالةُ القِدِّيسينَ في السَّماء. فهُناكَ شَرِكَةٌ حَميمةٌ معَ اللهِ، وشَرِكَةٌ حَميمةٌ معَ المَسيحِ. ويا لَهُ مِن أمرٍ رائعٍ جدًّا! شَرِكَة!

واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم فِكرةً ثانية. فالفِكرةُ الأولى هي أنَّنا سنكونُ معَ الله. أمَّا الثَّانية هي أنَّنا سَنراهُ. فسوفَ نَراه. والفِكرةُ الأولى هي الشَّرِكَة؛ أمَّا الثَّانيةُ فهي الرُّؤية. والآن، هل أنتُم مُستعِدُّونَ لِسَماعِ هذا؟ سوفَ نَرى الرَّبَّ مُباشرةً. سوفَ نَرى الرَّبَّ. وقد تَقول: "مَهلاً! نحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 33 أنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَى الرَّبَّ وَيَعِيش". ونَقرأُ في العهدِ الجديد، في إنجيل يُوحَنَّا 1: 18، وفي رسالة يُوحَنَّا الأولى 4: 12 أنَّ اَللهَ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطّ. ونَقرأُ في رسالةِ بُطرسَ الأولى 1: 8 أنَّنا نُحِبُّ ذاكَ الَّذي لم نَرَهُ. وفي الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 6، أعتقد في العَدَدَيْن 15 و 16، نَقرأُ عنِ اللهِ غيرِ المَنظور. فاللهُ لا يُرَى: "الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ". وقد تَقول: "إن لم يَكُن أحدٌ قَد رأى اللهَ، ولا يُوجَد أحدٌ يَستطيعُ أن يَرى اللهَ، كيفَ سنَتمكَّنُ مِن رُؤيةِ الله؟" يجب علينا أن نَكونَ مُختلِفينَ عَمَّا نَحنُ عليهِ الآن. ففي سِفْرِ الخُروج والأصحاح 33، حَصَلَ مُوْسَى على لَمْحَةٍ مِنَ اللهِ. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 33 أنَّهُ قال: "أَرِنِي مَجْدَكَ". فَقَالَ اللهُ: "لا يُمكِنُني أن أُريكَ كُلَّ مَجْدي، ولكنِّي سأجعَلُكَ تَنْظُر وَرَائِي". وقد وَضَعَهُ في نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَة. ثُمَّ إنَّ اللهَ اجْتازَ، وَوَضَعَ حِجابًا على عَينيهِ كي يَرى جُزءًا صَغيرًا فقط مِن مَجْدِ الله.

هذا صَحيح. فاللهُ لا يُمكِنُ أن يَرى مِنْ قِبَلِ الإنسانِ الفَاني. فَهُوَ قُدُّوسٌ جِدًّا...استَمِعُوا إلى هَذا: إنَّهُ قُدُّوسٌ جدًّا وَطَاهِرٌ جدًّا وَبِلا أيِّ عَيْبٍ حَتَّى إنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَجِدَ أيَّ عَيبٍ فيه. وَهُوَ قُدُّوسٌ جدًّا وطَاهِرٌ جدًّا وبِلا أيِّ عَيْبٍ بِصورةٍ يَستحيلُ فيها على الإنسانِ الأثيمِ أنْ يَجِدَ عَيبًا فيه. لِذا، ما دُمْنا نَعيشُ في خَطيَّتِنا، لا يُمكِنُنا أن نَرى اللهَ. ولا أعتقدُ أنَّهُ حَتَّى عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ فإنَّنا سنَرى اللهَ في هَيئَتِهِ اللَّامُتَناهِية لأنِّي لا أعتقدُ أنَّنا نَملِكُ تلكَ القُدرةَ أو أنَّنا سَنكونُ اللهَ حَتَّى في تلكَ الحَالةِ المُمَجَّدَة. ولكِنَّنا سنَرى اللهَ بطريقةٍ لا يُمكِنُنا أن نَراهُ أو نَسمَعَهُ بها الآن. فنحنُ قادرونَ فقط على رُؤيةِ لَمْحَةٍ على غِرارِ التَّلاميذِ الَّذينَ رَأَوْا يَسوعَ يَرْفَعُ حِجابَ نَاسُوتِهِ في حَادِثَةِ التَّجَلِّي فَصارَ نُورًا قُدَّامَهُم. وقد نَظَروا وَراءَهُ أيضًا. فقد رأَوْا جُزءًا صَغيرًا مِن مَجْدِهِ، ولكِنَّهُم لم يَرَوْا كُلِّ حُضورِ اللهِ البَهِيِّ. ولكي تَحتَمِلَ ذلكَ، يجب أن تَكونَ شخصًا مُختلفًا تَمامًا، وَبِلا أيِّ خَطيَّة. وأنا أعتقدُ أنَّنا سنَذهبُ إلى المَجدِ بكَمالِ الجَسَدِ والنَّفس، وأنَّنا سنَملِكُ قُدرةً أعظمَ على رُؤيةِ إعلانِ الله.

والآن، إنَّ اللهَ رُوْحٌ، ولكِنْ عندما يُعلِنُ ذاتَهُ فإنَّهُ يُعلِنُ ذاتَهُ بِوَصْفِهِ ماذا؟ نُورًا. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 104: 2: "اللاَّبِسُ النُّورَ كَثَوْبٍ". فعندما يَضَعُ اللهُ ثَوبَهُ فإنَّهُ يَضَعُ نُورًا. وعندما يَأخُذُ اللهُ هَيئةً مَنظورةً فإنَّ رُوْحَهُ يَأخُذُ هَيئةَ نُور. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر الخُروج 24: 17: "وَكَانَ مَنْظَرُ الرَّبِّ [أوْ بالحَرِيِّ: مَنْظَرُ مَجْدِ الرَّبِّ] كَنَارٍ آكِلَةٍ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ". ونَقرأُ في المَزمور 36: 9: "بِنُورِكَ نَرَى نُورًا". لِذا، أنا أُوْمِنُ بأنَّهُ عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ، سنَمتَلِكُ قُدرةً تَفوقُ القُدرةَ الَّتي نَملِكُها هُنا كي نَتمكَّنَ مِن رُؤيةِ نُورِ اللهِ المُعلَن. ونَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا أنَّهُ سَيُنيرُ كُلَّ السَّماء. وأورُشَليمُ الجَديدةُ هي مَجموعةٌ مِنَ الحِجارةِ الكَريمةِ الَّتي تَعكِسُ وتَكْسِرُ وتُشِعُّ نُورَ حُضورِ الله.

وقد تَقولُ: "حسنًا! وكيفَ تَعلمُ أنَّنا سَنراه؟" لِننظُر إلى عَدَدٍ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ بإيجازٍ شَديد. إنجيل مَتَّى 5: 8: "طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ [مَاذا؟] يُعَايِنُونَ اللهَ". "طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ ["أپسونتا" – “apsontai”] أيْ: ’يُعَايِنُونَ‘ اللهَ". فسوفَ يَرَوْنَ اللهَ بأنفُسِهم. وهذهِ حَقيقةٌ مُستقبليَّةٌ مُستمرَّة. فَسوفَ يَعيشونَ في بَيئةٍ يَرَوْنَ فيها اللهَ باستمرار. ففي البَلاطِ المَلَكِيِّ الشَّرقيِّ في الأزمنةِ القَديمة، كانَ المُلوكُ مُنْعَزِلينَ عنِ النَّاس. وكانَ مِنَ النَّادِرِ جدًّا أن يَسْتَمِعَ المَلِكُ إلى أيِّ شخصٍ؛ فكَمْ بالحَرِيِّ أنْ نَتَمَكَّنَ مِنْ رُؤيةِ مَلِكَ المُلوكِ في كُلِّ حين وباستمرار! ونَقرأُ في المَزمورِ الثَّاني والأربَعينَ هذهِ الكلماتِ الَّتي أُحِبُّها في العَدَدَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ". ثُمَّ نَقرأُ: "مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" فالمُرَنِّمُ يَقول: "مَتى سأراكَ؟" وقد قالَ التَّلاميذُ في إنجيل يُوحَنَّا 14: 8: "أَرِنَا الآبَ". فَشَوقُ قَلبِ المَفدِيِّينَ دائمًا هو أن يَرَوْا اللهَ. وفي هذهِ الحَياةِ نَحنُ نَرى اللهَ، ولكِنْ ليسَ بِالعَيْن الجَسديَّة. فنحنُ نَراهُ بِالقلبِ، ونَراهُ بالذِّهنِ، ونَرى اللهَ يَتحرَّكُ في التَّاريخِ، ونَراهُ يَتحرَّكُ في الأحوالِ، ونَراهُ في الخَليقةِ، ونَراهُ في عِنايَتِهِ، ونَراهُ في الإعلانِ، ونَراهُ مُعْلَنٌ مِن خِلالِ نَعمَتِه، ومِن خِلالِ رَحمَتِه، ومِن خِلالِ مَحبَّتِه. ونحنُ نَراهُ مُعلَنًا مِن خِلالِ عَمَلِ رُوحِهِ. ولكنِّي أُوْمِنُ بأنَّنا سَنرى اللهَ في المُستقبَلِ بالعَينِ، وبأنَّنا سنَرى الإعلانَ المَجيدَ لِبهاءِ اللهِ السَّاطِعِ في السَّماء.

ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ في خُروج 33 أنَّنا قَرأنا: "فَتَنْظُرُ وَرَائِي" [كَما قالَ اللهُ لِمُوسَى]: "فَتَنْظُرُ وَرَائِي". قارِنوا ذلكَ بما جاءَ في سِفْر الرُّؤيا 22: 3: "وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ. وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ". ونَقرأُ في الآيةِ الَّتي تَليها أَنَّ "الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ". فسوفَ يُنيرُ اللهُ نُورَ مَجْدِهِ فَنرى بأعيُنِنا الكَامِلَةِ في ذلكَ الجسدِ الكَامِلِ بَهاءَ مَجْدِ اللهِ مُعلَنًا في هَيئةِ نُور. وهذهِ هي رُؤيا حِزْقيال 1. وهذهِ هي رُؤيا سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحَيْن 21 و 22 حيثُ إنَّ اللهَ يُنيرُ كُلَّ السَّماء. وتلكَ الأنوارُ تَنْبَعِثُ مِنْ عَرْشِهِ مِثلَ مِلياراتِ الأحجارِ الكَريمةِ وتَتْنَشِرُ مِن خِلالِ الأحجارِ الكَريمةِ لأورُشَليمَ الجَديدة.

والآن، اسمَحوا لي مَرَّةً أخرى أن أُنَوِّهَ إلى ما قالَهُ "چُون كالفن" (John Calvin): "لن يَكونَ مَجدُنا كِامِلاً تَمامًا ولن يُتيحَ لنا أن نَستوعِبَ الرَّبَّ في ثالوثِهِ المُطلَق. فَحَتَّى في الحَياةِ الآخِرَةِ ستكونُ هُناكَ فَجْوَةٌ لا تُجْسَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَنا". ولكنِّي أعتقدُ [وأنا أَتِّفِقُ مَعَ كالفن] ولكنِّي أعتقدُ أنَّنا سنَرى اللهَ بوضوحٍ أكبر بكثير مِمَّا يُمكِنُنا أن نَتَخَيَّلَهُ في هذهِ الحياة. ولو أنَّنا رأيناهُ هكذا في هذهِ الحَياةِ لَهَلَكْنا على الأرجَح. ولكِنْ عندما نَرى اللهَ وَجْهًا لِوَجْه سَنُغْمَرُ بِمَجْدِهِ السَّماوِيِّ، وسَنُبْهَرُ بِنُورِهِ البَهِيِّ، وسَنُسْبَى فيهِ، وسنَصيرُ جُزءًا مِنهُ. فسوفَ نَكونُ مَعَهُ في مَجدِه. فَمَجْدُهُ سيَصيرُ مَجدَنا. ونحنُ أيضًا سَنَصيرُ، إلى حَدٍّ مَا، أحجارًا كَريمةً شَفَّافَةً تَعْكِسُ مَجْدَهُ. ونَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 15: 28 أنَّ اللهَ سيكونُ الكُلَّ وفي الكُلِّ. ويا لَها مِن فِكرةٍ رائعة!

لِذا، أنا أُوْمِنُ بأنَّنا سَنرى اللهَ. وأنا أُوْمِنُ بأنَّنا سنَرى نُوْرَهُ البَهِيَّ. صَحيحٌ أنَّكُم لا تَستطيعونَ أن تَرَوْا رُوْحًا، ولكِنْ عندما يُعلِنُ اللهُ ذاتَهُ فإنَّهُ يُعلِنُ ذاتَهُ في نُورٍ. ولكِنْ ثانيًا، أنا أُوْمِنُ أيضًا بأنَّنا سنَراهُ بِعَيْنِ ذِهْنِنا. وهذا يَعني أنَّنا سَنَستوعِبُ اللهَ. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ كورِنثوسَ الأولى 13: 12، وَهِيَ آيةٌ مُهمَّةٌ جدًّا في هذا النَّوعِ مِنَ الدِّراسة، وأنتُم تَعرِفونَ هذهِ الآيةَ الَّتي تَقول: "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ". فَهُوَ يَقولُ إنَّنا لا نَرى بوضوحٍ الآنَ، ولكِنَّنا سنَرى بوضوحٍ آنذاك. ونحنُ نَعرِفُ مَعرفةً جُزئيَّةً الآنَ، ولكِنَّنا سنَعرِفُ مَعرفةً تَامَّةً آنذاك. فسوفَ نَرى، في اعتِقادي، بالعَينِ المُمَجَّدَةِ والمُكَمَّلَةِ إعلانَ اللهِ في نُورٍ. وسوفَ نَعرِفُ عنِ اللهِ، ويَصيرُ لدينا إدراكٌ حَالاً، وستَصيرُ لدينا مَعرفةٌ لِمِلْءِ اللهِ بِقَدْرِ مَا نُمنَح القُدرةَ على ذلك. لِذا عندما نَقرأُ: "طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ"، فإنَّهُم سَيُعاينونَ اللهَ بالعينِ المُمَجَّدَةِ، وسيُعاينونَ اللهَ بالذِّهنِ المُمَجَّدِ والنَّفسِ المُمَجَّدَةِ أيضًا.

وماذا عنِ المَسيح؟ سوفَ نَراهُ أيضًا. سوفَ نَراهُ أيضًا. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 3: 1 و 2: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!" ونحنُ كذلكَ حَقًّا. "مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ". فَهُم لا يَستطيعونَ أن يَعرِفونا، ولا أن يَستوعِبونَا، ولا يَستطيعونَ أن يَعرِفونَ حَقًّا مَن نَكون ولا أنْ يَفهَموا مَنْ هُوَ. "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ". وَهَذا صَحيحٌ. وَالجُملَةُ هُنا هي في الزَّمَنِ المُضارِع. "وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ". فنحنُ الآنَ أولادُ اللهِ، ولكِنَّكُم لم تَرَوْا أيَّ شَيءٍ بَعْد. "وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا [مَاذا؟] سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" [أو على حَقيقَتِه]. فسوفَ يَأتي اليومُ الَّذي سَنرى فيهِ المَسيح. وسوفَ نَكونُ مِثلَهُ. وهذا رائعٌ!

وقد كَتَبَ "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards): سوفَ تكونُ هُناكَ ظُهوراتٌ لا شَكَّ فيها ورائعة مِنَ المَجْدِ والجَمالِ الإلهيِّ في جَسَدِ المَسيحِ المُمَجَّد؛ وهي ستكونُ حَقًّا مَشهدًا مُنعِشًا ومُباركًا نَراه. ولكِنَّ جَمالَ جَسَدِ المَسيحِ الَّذي كانَ يُرى بالأعيُنِ الجسديَّة سيكونُ رائِعًا ومُبهِجًا لأنَّهُ سيُعَبِّرُ، بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، عن مَجْدِهِ الرُّوحِيَّ". ويُتابِعُ إدواردز قائلاً: "إنَّ الجَمالَ الَّذي سيَظهَرُ في جَسَدِ المَسيحِ سَيُظْهِرُ ويُعَبِّرُ عَنْ العَظَمَةِ والجَلالِ الرُّوحِيَّيْنِ للطَّبيعةِ الإلهيَّة. وسوفَ تُعَبِّرُ نَقاوةُ وجَمالُ ذلكَ النُّورِ والمجدِ عن كَمالِ القَداسةِ الإلهيَّة. وسوفَ تَعْكِسُ حَلاوةُ وجَمالُ طَلْعَتِهِ البَهِيَّةِ مَحَبَّتَهُ ونِعمَتَهُ الإلهيَّةَ والروحيَّة. فَهِيَ نَظرةٌ رُوحِيَّةٌ نَرى اللهَ مِن خِلالِها. فاللهُ رُوْحٌ. وَهُوَ يُرَى بالذِّهن. والنَّفسُ تَملِكُ في ذاتِها تلكَ القُوى القادرةَ على استيعابِ الأشياءِ، ولا سِيَّما الأشياءِ الروحيَّةِ، مِن دونِ النَّظَرِ عَبْرَ نَوافِذِ الحَواسِّ الخارجيَّة. وَطريقةُ الفَهْمِ هذهِ هي أكمَلُ حَتَّى مِنَ العَينينِ الجسديَّتَيْن.

لِذا فقد كانَ جوناثان إدواردز يَرى أنَّنا سنَرى. ولكِنْ عَدا عنِ الرُّؤيةِ، سوفَ نَعرِفُ ذلكَ مِنْ خِلالِ عُمْقِ النَّفسِ المَفديَّةِ والمُكَمَّلَة. فعندما نَرى المسيحَ، وعندما نَرى اللهَ بِنُورِهِ البَهِيِّ المُعلَنِ، سنُدهَشُ ونُذهَلُ إلى الأبد مِمَّا سنَراه. ولكِنْ عندما نَفهمُ بأذهانِنا ذلكَ المَجدَ، ونَستوعِبُ ذلكَ المَجدَ، سَنُغمَرُ بالابتِهاجِ ونَقضي الأبديَّةَ في رُؤيةِ حَقيقةِ ذلكَ المَجد.

واسمَحوا لي أن أختِمَ كَلامي بآيةٍ أريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا عليها. وهي مَوجودة في سِفْرِ المَزامير، في المَزمور 17. وهي آيةٌ بَسيطة، ولكنْ يا لَهُ مِنْ شُعورٍ قَلبِيٍّ عَميق. العَدد 15: "أَمَّا أَنَا..." [كَما يَقولُ المُرَنِّمُ] "أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ". فهذا هُوَ رَجاؤُهُ للحياةِ الأبديَّة. أَنْظُرُ وَجْهَكَ بِالْبِرِّ. فلو لم يَكُن بالبِرِّ، لما استَطاعَ أن يَرى وَجْهَهُ ويَعيش. "أمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "أَشْبَعُ بِشَبَهِكَ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ". هَل يُمكِنُني أن أُعَلِّقَ على تلكَ الفِكرة؟ "أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ" [كَما تَقولُ التَّرجمةُ المُعتَمَدة]. وأنا أُفَضِّلُ تَرجمَتَها هَكذا. "أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ". وهل يُمكنُني أن أسألَكُم سُؤالاً؟ ما الَّذي يُشبِعُكَ؟ ما الَّذي يُشبِعُكَ حَقًّا؟ مَلابِسُ جَديدة؟ عَمَلٌ جَديد؟ تَرقية؟ بيتٌ جَديد؟ سَيَّارةٌ جَديدة؟ هل تَشبَعُ عندما تَحصُلُ على مَالٍ كَافٍ في نِهايةِ الشَّهرِ لِدَفْعِ مَصاريفِك؟ ما الَّذي يُشبِعُكَ حَقًّا؟ وَجبةٌ كبيرة؟ وقتٌ مُمْتِعٌ؟ عُطلةٌ؟ فالمُرَنِّمُ يَقولُ: سوفَ أشبَعُ، ولكنِّي سأَشْبَعُ عندما أنظُرَ وَجْهَكَ وأرى أنِّي أُشبِهُكَ. هل هذا هُوَ أروعُ شِبَعٍ لديكَ؟ يجب أن يكونَ الأمرُ كذلك. أنْ تَعرِفَ اللهَ، وأنْ تَرى مَجْدَهُ البَهِيَّ، وأن تَعرِفَ المَسيحَ، وأن تَراهُ، وأن تَكونَ مِثلَهُ، وأن تَنظُرَ إليهِ، وأن تَعرِفَهُ.

والسَّماءُ ستُوَفِّرُ لنا تلكَ الفُرصةَ لرؤيةِ اللهِ والحَمَل؛ وَهُوَ مَشهَدٌ لا يُكَلُّ مِنْهُ وَلا يُمَلُّ. فحيثُ إنَّ اللهَ لا نِهايَةَ لَهُ، والمَسيحَ لا نِهايةَ لَهُ، وَمَجْدَهُما وجَمالَهُما بِلا حُدود، وسوفَ تكونُ هُناكَ أوجُهٌ لا حَصْرَ لها مِنْ ذاكَ المَجْدِ الَّذي لا نِهايةَ لَهُ لِمَنْحِنَا سُرورًا لا نِهايةَ لَهُ وأبديًّا. إذًا، هل نَتَعَجَّبُ لأنَّ بُطرسَ أرادَ أن يَبقى على جَبَلِ التَّجَلِّي وأنْ يَصْنَعَ مَظَلَّةً ويَعيشَ هُناك؟ وهل نَتَعَجَّبُ لأنَّ بولسَ قالَ إنَّ المَوتَ رِبْحٌ عندما رأى السَّماءَ الثَّالثة؟ فأفضلُ جُزءٍ مِنَ السَّماءِ هوَ أن نَكونَ مَعَهُ. أن نَكونَ مَعَهُ.

وقد عَبَّرَتْ "فاني كروزبي" (Fanny Crosby) عن ذلكَ بالكَلِماتِ التَّالية: "عندما يَنتهي عَمَلُ حَياتي وأعبُرُ المَدَّ المُرتَفِع، وعندما أرى الصَّباحَ المُشرِقَ والمَجيدَ، سَأعرِفُ فَادِيَّ عندما أَصِلُ إلى الجِهَةِ الأخرى وتَكونُ ابتسامَتُهُ أوَّلَ شَيءٍ يَستَقبِلُني. وسوفَ أَعْبُرُ مِنْ الأبوابِ إلى المَدينةِ في ثَوْبٍ أبيض لا عَيْبَ فيه حيثُ يَقودُني إلى مَكانٍ لن تَنْهَمِرَ فيهِ أيُّ دُموعٍ، وإلى مَكانٍ سأُرَنِّمُ فيهِ بِسُرورٍ إلى الأبد وأكونُ في رِفْقَةٍ مُبْهِجَةٍ. ولكنِّي أَتُوقُ إلى لِقاءِ مُخَلِّصي أوَّلاً". ولكنِّي أَتُوقُ إلى لِقاءِ مُخَلِّصي أوَّلاً. وقد كانتِ الكاتبةُ عَمْياءَ، كَما تَعلمونَ. وأوَّلُ شخصٍ رأتْهُ يَومًا هُوَ يَسوعَ المَسيح. إذًا، كيفَ ستكونُ علاقَتُنا بالرَّبِّ في السَّماء؟ سوفَ نَكونُ مَعَهُ. وسوفَ نَراه. وأرجو أن يكونَ هَذا هُوَ ما يُشْبِعُكَ حَقًّا. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى على الوقتِ الَّذي صَرَفْناهُ معًا في هذا المَساء. يا لَهُ مِن وقتٍ مُفْرِح. نَشكُرُكَ على الوُجوهِ المُشرِقَةِ الرَّائعةِ للأحبَّاءِ الصِّغارِ الأعِزَّاءِ بسببِ فَرَحِ مَعرفةِ أنَّهُم يَتعلَّمونَ كَلِمَتَكَ، ويَحفظونَ آياتِ الكتابِ المقدَّسِ، ويُرِكِّزونَ قُلوبَهُم الصَّغيرةَ نحوَ السَّماء. ونَشكُرُكَ على الوعدِ الَّذي أعطيتَنا إيَّاه في أنَّ رَجاءَنا لا يَكْمُنُ فقط في هذا العَالَمِ، بل إنَّنا نَرْجو في العَالَمِ الَّذي سَيأتي. ونحنُ نَتوقُ إلى اليومِ الَّذي سَيَنتهي فيهِ عَمَلُ حَياتِنا ونَعبُرُ فيهِ ذلكَ المَدَّ العَظيمَ إلى الصَّباحِ المُشرِقِ والمَجيدِ الَّذي سنَعرِفُ فيهِ فَادينا إذْ نَكونُ قَدْ وَصَلْنا إلى الجِهةِ الأخرى وتكونُ ابتسامَتُهُ هي أوَّلَ شَيءٍ يَستقبِلُنا. يا لَها مِن فِكرةٍ مُبْهِجَة! ويا لَيتَنا لا نَشْبَعُ بأيِّ شيءٍ دُونَ ذلك...بأيِّ شَيءٍ دُونَ ذلك. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize