في هذا المَساء، نَعودُ إلى سِلسِلَتِنا عنِ السَّماء. وهذا هو الجُزءُ الخَامِسِ في سِلسِلَةِ: "التَّطَلُّعُ نَحْوَ السَّماء". والحقيقةُ هي أنَّنا لا نَدرُسُ أيَّ مَقطَعٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الكتابِ المقدَّس. لِذا، أَبْقوا كِتابَكُم المُقدَّسَ في مُتناوَلِ أيديكُم. فسوفَ نَقرأُ شَواهِدَ كَثيرة في هذا المَساء. ويجب أن يكونَ الكتابُ المقدَّسُ بينَ أيديكُم، ورُبَّما وَرقة أيضًا كي تُدَوِّنوا بِضعةَ شَواهِد كِتابيَّة سنَلفِتُ أنظارَكُم إليها فيما نَتأمَّلُ معًا في مَوضوعِ السَّماء. وقد كُنتُ أُفَكِّرُ في وقتٍ سابقٍ حينَ كُنتُ أُصَلِّي معَ عَدَدٍ مِن شُيوخِ الكنيسَةِ بأنَّني عندما أقترِبُ مِن مَوسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيد، أُلاحِظُ أنَّ هُناكَ نَوعًا مِن عَقليَّةِ الفَوْضَى بينَ النَّاس. فنحنُ نَقولُ مَازِحينَ إنَّهُ كُلَّما زَادَ اقترابُنا مِنْ عيدِ الميلادِ المَجيدِ، زَادَ تَقاعُسُ النَّاسِ عَنِ العَمل. ورُبَّما اختَبرتُم ذلكَ الشَّيءَ نَفسَهُ. فيبدو أنَّ الجَميعَ مُشَتَّتو الفِكْرِ جدًّا جدًّا. وأعتقد أنَّنا نَقتَرِبُ مِن مَوسِمِ تَشَتُّتِ الفِكْر. ولكِنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي لا صِلَةَ لَها بِتَشَتُّتِ الفِكْرِ هو أنَّ تَركيزَ الأطفالِ يَنْصَبُّ على يَومٍ وَاحِدٍ ولَحظةٍ عَظيمةٍ مُحَدَّدة وهي اللَّحظةُ الَّتي سَيَفتحونَ فيها كُلَّ الهَدايا الَّتي اشتريتُموها لَهُم. وما زِلتُ أَذكُرُ عندما كُنتُ طِفلاً أنَّ التَّرَقُّبَ كانَ يَتَصاعَدُ ويَتصاعَدُ ويَتصاعَدُ إلى أنْ يَأتي صَباحُ عيدِ الميلادِ المَجيدِ الرَّائعِ حيثُ نَستيقِظُ ونَذهبُ إلى غُرفةِ الجُلوسِ بِكُلِّ التَّرَقُّبِ في قُلوبِنا للحُصولِ على ما أُعِدَّ لَنا. وقد كُنتُ أُفَكِّرُ أيضًا في أنَّ هُناكَ شَيئًا شَبيها بذلكَ التَّرَقُّبِ يَنبغي أن يَكونَ مَوجودًا في قُلوبِنا حينَ نُفَكِّرُ في السَّماءِ؛ ولكِنْ مَعَ الفَارِقِ الكَبير. ولكنِّي أخشَى مِن أنَّ يَكونَ التَّرَقُّبُ أقَلَّ مِن ذلك، لا أكثر. وهذا يُعطينا فِكرةً بَسيطةً عنِ الأشياءِ الَّتي تُشْغِلُ بَالَنا.
وقد حَظَيْتُ بوقتٍ قَرأتُ فيهِ جُزءًا مِن كِتابٍ في هذا الأسبوع يَقتَبِسُ أقوالاً لِمارك توين (Mark Twain). وقد فَكَّرْتُ في أنَّها مُدهشة وَتَصْلُح كمُقَدِّمةٍ لأفكارِنا في هذا المَساء. ومارك توين هو كِاتِبٌ أمريكيٌّ سَاخِرٌ ومَشهورٌ عَظيمٌ عَكَسَ نَظرةً حَزينةً جدًّا عنِ الواقِعِ الأبديِّ. فقد كَتَبَ في سِيرَتِهِ الذَّاتيَّةِ الكلماتِ التَّالية: "إنَّ عِبْءَ الألمِ والقَلقِ والبُؤسِ يَشْتَدُّ وَطأةً سَنةً بعدَ سَنة. وحينَ يَستمرُّ ذلكَ وقتًا طَويلاً، يَموتُ الطُّموحُ، وتَموتُ الكِبرياءُ، ويَموتُ الاخْتيالُ، ويَحِلُّ عِوَضًا عَنها تَوْقٌ إلى التَّحَرُّر. ثُمَّ إنَّ تلكَ الحُريَّةَ تأتي أخيرًا. وهي الهَدِيَّةُ الوَحيدةُ غيرُ المُسمومَةِ الَّتي تُقَدِّمُها الأرضُ إلَيْهِم. وحينئذٍ فإنَّهُم يَختَفونَ مِنْ عَالَمٍ لَمْ يَحْفَلوا فيهِ بالعَواقِب، ولم يُحَقِّقوا فيهِ شَيئًا، بل كانُوا مُجَرَّدَ غَلْطَةٍ وإخفاقٍ وحَماقَة" [نِهايةُ الاقتباس]. ويا لَها مِن نَظرةٍ سَاخِرَةٍ إلى الواقِعِ الأبديِّ. وَحَتَّى إنَّ مارك توين، بِتَهَكُّمِهِ المُتَعَجْرِفِ مَضَى في تَهَكُّمِهِ حَدًّا قالَ فيه في إحدى المَرَّاتِ: "إذا اختَرتُم السَّماءَ، أنا أُفَضِّلُ الذَّهابَ إلى بَرمودا".
وهذا يُظهِرُ حَقيقةَ أنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بأنَّ هذهِ الحَياةَ هي كُلُّ شَيء. ولكِنَّها مُعالَجة سَطحيَّة وقَصيرة النَّظَر للأبديَّة. وَحَتَّى إنَّها تُناقِضُ حَقًّا شَوقَ القلبِ البَشريّ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الجامعة 3: 11 أنَّ اللهَ جَعَلَ الأبديَّةَ في قُلوبِ البَشر. فهُناكَ انْجِذابٌ، وَتَوْقٌ، واشتياقٌ، وحَنينٌ إلى الحياةِ الأبديَّة. والنَّاسُ يَجِدونَ عادةً أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ، إنْ لم يَكُن مِنَ المُستحيلِ، أن يُؤمِنوا بأنَّ هذهِ الحياةِ هي كُلُّ شَيء، وبأنَّهُ حينَ تَنتهي هذهِ الحياةُ لن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ آخرُ سِوى الاختِفاءِ مِنَ الوُجود. ولكِنَّ الشَّخصَ المُتَهَكِّمَ هُوَ الَّذي يَنظُرُ إلى الحياةِ ولا يَرى شَيئًا آخرَ سِوى الخطأ والإخفاقَ والحَماقَة. ولكِنْ عندما لا يَكونُ لديكَ رَجاءٌ في الحَياةِ الآخِرَة، سيَنتهي بِكَ المَطافُ مُتَهَكِّمًا مِثْلَ مَكبِث (Macbeth). فَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ قالَ بعدَ موتِ المَلِكَة إنَّ الحياةَ هي حِكايَة يَرويها شَخصٌ غَبِيٌّ مُمتلئٌ جَعْجَعَةً وحَنَقًا؛ وإنَّها لا تَعني أيَّ شَيء. فهذهِ هي سُخريةُ الأشخاصِ الَّذينَ لا يُوجَدُ لديهم رَجاءٌ في الحياةِ الآخِرَة.
أمَّا نحنُ الَّذينَ نَعرِفُ الرَّبَّ يسوعَ المَسيحَ ونُحِبُّهُ فإنَّنا نَمْلِكُ ذلكَ النَّوعَ مِنَ الرَّجاء. وأعتقدُ أنَّ الوقتَ مُناسِبٌ تَمامًا في كنيسةِ يسوعَ المَسيحِ للبَدءِ في تَركيزِ انتِباهِنا على السَّماء. فقد جاءَ وَقتٌ، رُبَّما في القَرنِ الماضي، في القَرنِ التَّاسِع عَشَر، كانَ فيهِ الرَّجاءُ في الحياةِ بعدَ الموتِ فِكرةً رَئيسيَّةً في الأدَبِ، وفِكرةً رئيسيَّةً في العِظات. وكانت هُناكَ أشعارٌ كثيرة كُتِبَتْ عنِ الخُلود. وكانت هُناكَ عِظاتٌ كثيرةٌ عن ذلك. فقد كانت هُناكَ عِظاتٌ وأشعارٌ وأعمالٌ أدبيَّةٌ كثيرةٌ تُكْتَبُ عن موضوعِ السَّماءِ نَفسِها. وحَتَّى إنَّ بَعضًا مِنها كُتِبَ عنِ موضوعِ جَهَنَّمَ الأبديَّة. ولكِنَّنا لم نَعُد نَتَحَدَّث كثيرًا عنِ السَّماءِ الآن. فَنَمَطُ حَياتِنا المُعاصِرَةِ المُنغَمِسَةِ في الذَّات أَحْدَثَ تَغييرًا هَائلاً. ولأنَّ المُجتَمَعَ جَعَلَ هَذِهِ الحَياةَ أكثرَ رَاحَةً، صَارَ هُناكَ اهتمامٌ أقَلُّ وأقَلُّ بالحياةِ الآخِرَة. وكُلَّما أعطَتْنا هذهِ الحياةُ المَزيدَ والمَزيدَ مِنَ الأشياءِ الَّتي نَشتَهيها ونَرغَبُ فيها، قَلَّ شَوقُنا أكثرَ فأكثر إلى الحَياةِ الآخِرَة. فمَوضوعُ السَّماءِ (وبِصَراحَة: مَوضوعُ جَهَنَّمَ) قدِ اختَفى لأسبابٍ مُختلفَة ومُتبايِنَة مِنْ على المِنْبَرِ وصَفَحاتِ الكُتُب. ولا يَنبغي لَكُم إلَّا أن تَسألوا أنفُسَكُم: مَتى كانت آخِر مَرَّة سَمِعتُم فيها عِظَةً مُحَدَّدَةً عن أيٍّ مِن هَذينِ المَوضوعَيْن؟ فهذا أمرٌ لم يَعُد شَائِعًا.
ويبدو إلَيَّ اليوم، في الحقيقة، ورُبَّما على مَدى السَّنواتِ الخَمْسَ عَشْرَةَ الأخيرة أنَّ الأشخاصَ الوحيدينَ الَّذينَ يَبدو أنَّهُم مُهتَمُّونَ بالحياةِ الآخِرَة هُمُ أتباعُ البِدَعِ، أو في الدِّيانَاتِ الشَّرقيَّةِ، أو في أوساطِ الوُسَطاءِ الرُّوحِيِّينَ، أو في الأوساطِ العِلميَّةِ الزَّائفةِ الَّتي تُحاولُ أن تَدرُسَ الَموتَ والاحتِضارَ والخِبْراتِ الَّتي يُشْرِفُ النَّاسُ فيها على المَوت. فهُناكَ كُتُبٌ لا حَصْرَ لها عنِ الموتِ، والاحتِضارِ، والعَودةِ مِنَ المَوتِ، والحَديثِ عنْ أنوارٍ غَامِضَةٍ، وأنفاقٍ، وقَلَقٍ، وانعِدامِ الوَزنِ، وشُعورٍ بالطَّيران، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنْ يبدو أنَّ الانهِماكَ في هذهِ الأشياءِ مُقْتَرِنٌ بِعَالَمِ الوُسَطاءِ الرُّوحِيِّينَ والهَرْطَقاتِ أكثرَ مِمَّا هُوَ مُقتَرِنٌ بكنيسةِ يَسوعَ المَسيح.
والآن، اسمَحوا لي أن أَصْدُمَكُم قليلاً إنِ استَطَعْت. فهُناكَ اليوم على أرضِنا أكثر مِن مِئةِ ألفِ شخصٍ ذَهَبوا إلى هَذَيْنِ المَكانَيْن...اليوم. وهَذا لم يُنْشَر في عَناوينِ الصُّحُفِ الرَّئيسيَّة، ولن يُنشَر. ولكِنَّ مِئَةَ ألفِ شخصٍ آخرَ سيَذهبونَ يومَ غَدٍ إلى هَذَيْنِ المَكانَيْن. إنَّها أرضٌ مُمتلئةٌ بالبَشَر. وكُلُّ مَقْعَدٍ مَحجوزٌ للذَّهابِ إلى جَهَنَّم أو للذَّهابِ إلى السَّماءِ في كُلِّ يومٍ مِن أيَّامِ حَياتِنا. ولا تُوجَدُ تَغطِيَةٌ إخبارِيَّة. والحقيقةُ هي أنَّنا لا نَبدو على الأغلَب مُهتَمِّينَ أو مُبالينَ بهذا الواقِع. وبالرَّغمِ مِن ذلك، يُوجَدُ في قَلبِ كُلِّ فَردٍ هذا الشُّعورُ بِحَتميَّةِ المَوت. ولَنْ أَنْسَ يَومًا أنِّي قَرأتُ مَقالَةً قبلَ بِضْعِ سَنواتٍ تَقولُ إنَّ الشَّخصَ المُراهِقَ يُفَكِّرُ في الموتِ كُلَّ خَمْسِ دَقائِق. فهُناكَ ذلكَ الهَاجِسُ أوِ الخَوفُ مِنْ حُدوثِ أكثرِ لَحظةٍ حَزينةٍ ومُرعبةٍ ومُدَمِّرَةً قد يُواجِهُها أيُّ شَخصٍ مِنَّا، وَهِيَ لَحظةُ الموت. وبصراحَة، إنَّ الخَوفَ مِنَ الموتِ مُبَرَّرٌ جدًّا لأنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ سيَذهبونَ إلى جَهَنَّمَ الأبديَّة. فالأغلبيَّةُ السَّاحِقَةُ مِنَ المِئَةِ ألفِ شخصٍ الَّذينَ مَاتوا اليومَ سَتَذهبُ إلى جَهَنَّم.
وما هي جَهَنَّم؟ يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّها ذلكَ المَكانُ البَغيضُ في مَكانٍ مَا في هذا الكَونِ (في هذا الكَونِ، ولكِنْ بَعيدًا عن حُضورِ اللهِ) الَّذي يَذهبُ إليهِ الخُطاةُ غيرُ المَفدِيِّينَ الَّذينَ يَرفُضونَ خَلاصَ اللهِ بيسوعَ المَسيحِ، وَيَبْقَوْنَ فيهِ إلى الأبد، ويَختبرونَ فيهِ عَذابًا وألمًا غيرَ مُخْتَلَطٍ ولا نِهايةَ لَهُ لِكُلِّ مِنَ الجَسَدِ والنَّفسِ في البُؤسِ والشَّقاءِ الأبديِّ بعيدًا عن حُضورِ اللهِ في وَحْدَةٍ وَبَشاعَةٍ تَامَّتَيْنِ وأبديَّتَيْن.
مِن جِهَةٍ أخرى، فإنَّ جُزءًا مِنَ المِئَةِ ألفِ شخصٍ الَّذينَ مَاتوا اليومَ ذَهبوا إلى السَّماء. وهُناكَ فَرَحٌ في السَّماءِ بسببِ الوَافِدينَ الجُدُد. وَحَتَّى في هذهِ اللَّحظةِ، في مَكانٍ مَا على هذهِ الأرض، هُناكَ أشخاصٌ يَدخُلونَ السَّماء. ويُمكِنُنا نحنُ الَّذينَ نَعرِفُ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ أن نَفرَحَ لأنَّنا ذاهِبونَ إلى هُناكَ إذْ إنَّهُ مَكانُ فَرَحٍ، ومَكانُ مَحَبَّةٍ، ومَكانِ سَلامٍ، ومَكانُ تَسبيحٍ، ومَكانُ كَمالٍ حيثُ سنكونُ إلى الأبد مَعَ الرَّبِّ. وما أُحاولُ أن أفعَلَهُ في هذهِ السِّلسِلَةِ هو أن أُحَمِّسَ قُلوبَكُم لحقيقةِ السَّماء. وكما قُلتُ في المَرَّةِ السَّابقة، في نِهايةِ دَرْسِنا: إذا وَجَدْتَ أنَّ فَرَحَكَ وَشُعورَكَ بالرِّضا هُوَ في هذهِ الحياةِ، فإنَّ ذلكَ ليسَ عَقلانِيًّا، وليسَ رُوحِيًّا، وليسَ حَكيمًا. فإنْ لم تَكُن تَشعُرُ بِحَماسةٍ إلى السَّماءِ أكثرَ مِنْ حَماسَتِكَ إلى هذهِ الحياةِ، فإنَّكَ تُؤَلِّهُ العَالَمَ المَلعونَ الزَّائِل. وأنتَ تُناقِضُ الهَدَفَ الَّذي وَعَدَكَ اللهُ بِهِ في خَلاصِك. وأنتَ تَبحَثُ عن شَيءٍ لن تَتمكَّنَ يَومًا مِنَ العُثورِ عليهِ وتَرْضَى بِما هُوَ أقَلُّ مِمَّا يُريدُ اللهُ أن يُعطيكَ إيَّاه. وأنتَ تَزيدُ مِن بُؤسِكَ لأنَّكَ لن تَجِدَ يَومًا ما تَبحَثُ عنهُ هُنا. وأنا أريدُ أنْ نُثَبِّتَ أشواقَنا على الأمورِ السَّماويَّة، وأنْ نَضَعَ كُنوزَنا في السَّماءِ، لا على الأرض. لِذا، نَحنُ نَتَأمَّلُ عن كَثَب في مَوضوعِ السَّماء.
والآن، لقد سَلَكْنا في نَهْجِ طَرْحِ العَديدِ مِنَ الأسئلةِ والإجابةِ عنها. والسُّؤالُ الأوَّلُ هُوَ: ما هي السَّماء؟ هل تَذكرونَ ما قُلناه. لقد قُلنا إنَّها مَكانٌ يَسكُنُ اللهُ فيهِ مَعَ جَميعِ المَفدِيِّينَ في كُلِّ العُصورِ إلى الأبد. وهي أيضًا حَالَةٌ يَصيرُ إليها جَميعُ المُؤمِنينَ على الأرضِ مِن خِلالِ الخَلاص. فنحنُ ذَاهِبونَ إلى السَّماءِ ونَعيشُ في السَّماوِيَّات.
وقد كانَ السُّؤالُ الثَّاني هو: أينَ هي السَّماء؟ وقد قُلنا إنَّ السَّماءَ هي أين؟ فَوق. فهي في السَّماءِ الثَّالثةِ ما بَعدَ الغِلافِ الجَوِّيِّ، وما بَعدَ الطَّبقةِ العُليا مِنَ الغِلافِ الجَوِّيِّ. فقد قُلنا إنَّ السَّماءَ هي المَسكَنُ اللَّامُتَناهي للهِ والَّذي يُحيطُ بالكَونِ الوَاسِع.
وكانَ السُّؤالُ الثَّالِثُ الَّذي طَرَحناهُ هُوَ: كيفَ هي هَيئةُ السَّماء؟ وقد قُلنا إنَّها مَكانٌ مَجيدٌ كَامِلُ البِرِّ والنَّقاوةِ والقَداسةِ، وإنَّها مَكانُ يَصْعُبُ وَصْفُهُ لِكَثْرَةِ مَا فيهِ مِن فَرَحٍ لا نِهايَةَ لَهُ، ومَحَبَّةٍ لا نِهايةَ لها، وسَلامٍ لا نِهايَةَ لَهُ، وشِبَعٍ لا نِهايَةَ لَهُ حيثُ يَسكُنُ اللهُ في بَهاءٍ مُنيرٍ، وحيثُ يَختَرِقُ حُضورُهُ كُلَّ شَيءٍ وكُلَّ شَخص.
وكانَ السُّؤالُ الرَّابِعُ الَّذي طَرَحْناهُ في المَرَّةِ السَّابقةِ هُوَ: كيفَ سَنَكونُ في السَّماء؟ وهل تَذكرونَ الإجابة؟ لقد قُلنا إنَّنا سنَختَبِرُ كَمالَ الجَسَدِ والنَّفسِ؛ وهَذا أمرٌ سَيُظْهِرُ التَّعبيرَ الكَامِلَ عَنِ البِرِّ والقَداسةِ المُطلَقَيْن. وفي تلكَ الحَياةِ الكَامِلَة، سيتمكَّنُ المُؤمِنونَ مِنَ التَّمَتُّعِ بكُلِّ أشواقِ ورَغَباتِ الطَّبيعَةِ المَفدِيَّةِ الَّتي يُعَبَّرُ عَنها تَمامًا مِن خلالِ الجَسَدِ المَفدِيِّ تَمامًا.
والآن، في هذا المَساء، نَأتي إلى السُّؤالِ الخَامِسِ وإلى دَرسِنا الخَامِس. والسُّؤالُ هُوَ: كيفَ ستَكونُ عَلاقاتُنا بَعضُنا بِبَعض في السَّماء؟ كيفَ ستَكونُ عَلاقاتُنا بَعضُنا بِبَعض في السَّماء؟ والآن، أريدُ أن أَذكُرَ لكُم ثلاث فِئاتٍ للعَلاقات. حسنًا؟ وسوفَ نَتأمَّلُ في شَواهِدَ عَديدة في الكتابِ المقدَّسِ ونَقومُ بدَرْسِ كِتابٍ مُقَدَّسٍ مُصَغَّر. تَخَيَّلْ وَحَسْب أنَّكَ تَجلِسُ حولَ مَائدةٍ مَعي وأنَّنا نَتحدَّثُ عنِ الكتابِ المقدَّسِ لأنِّي لا أريدُ أنْ أَعِظَ عِظَةً، بل أريدُ فقط أن أَصْحَبَكُمْ في رِحابِ الكتابِ المقدَّسِ وأنْ نُفَكِّرَ مَعًا في ما تَقولُهُ كلمةُ الله.
والآن، إنَّ أوَّلَ مَجموعةٍ مِنَ الكائناتِ الَّتي نُريدُ أن نَعرِفَ عَنها هي المَلائكة. حسنًا؟ لِذا، يجبُ علينا أن نَعرِفَ كيفَ ستكونُ عَلاقَتُنا بالملائكةِ في السَّماء. لقد كَتَبَ مارتن لوثر: "المَلاكُ هُوَ مَخلوقٌ رُوحِيٌّ لا جَسَدَ لَهُ، خَلَقَهُ اللهُ لِخدمةِ المَسيحيَّةِ والكَنيسة". ونحنُ نَعلمُ أنَّ هذا صَحيح. فَهُمْ يَحُوْمونَ كُلَّ حِين تَقريبًا في حَضرةِ الله. واللهُ يَسْكُنُ مَعَ جُنْدِهِ السَّماوِيِّ. لِذا، عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ ونَجِدُ اللهَ هُناكَ، سَنَجِدُ أنَّ المَلائكةَ هُناكَ أيضًا. والكِتابُ المُقدَّسُ يُشيرُ مِرارًا وتَكرارًا إلى أنَّ المَلائكةَ مَوجودونَ في السَّماء. ولا حَاجَةَ إلى البحثِ طَويلاً عن تلكَ الفِكرةِ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَحوي آياتٍ كثيرةً جدًّا تُشيرُ إلى المَلائكةِ المَوجودينَ في حَضرةِ اللهِ، اللهِ الَّذي يُعرَفُ بأنَّهُ رَبُّ الجُنودِ، والمُحاطُ بِجُنْدِ مَلائِكَتِهِ القِدِّيسينَ المُمَجَّدين. لِذا فإنَّ اللهَ مُحاطٌ دائمًا بملائِكَةٍ قِدِّيسينَ في حَضرَتِه. وإنْ كُنَّا سَنَحيا إلى الأبد مَعَ الرَّبِّ (كَما جاءَ في رِسالةِ تَسالونيكي الأولى والأصحاحِ الرَّابعِ)، سنكونُ إلى الأبد مَعَ المَلائكةِ أيضًا. ويجبُ علينا أن نَعلَمَ كيفَ سَنَتعامَلُ ونَتفَاعَلُ معَ المَلائِكَة.
لِنَكتَشِف ذلك. حَسَنًا؟ أوَّلُ شَيءٍ..أوَّلُ شَيءٍ سنَفعَلُهُ بِرفقةِ المَلائكةِ هُوَ أنَّنا سنَكونُ في شَرِكَةٍ مَعَهُم. لِنَنظُر إلى الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 12. الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 12. وَهَذا مَقطَعٌ سَنُشيرُ إليهِ مَرَّاتٍ عَديدةً في أثناءِ دراسَتِنا عنِ السَّماء. فالعَدد 22 يَقول: "بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ..." [ثُمَّ نَقرأُ] "...وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ". والكلمة "رَبَوات" هي أعلى رَقْمٍ في اللُّغةِ اليُونانيَّةِ يُمكِنُ التَّعبيرُ عنهُ بكلمة. وَهِيَ لَفْظَةٌ تُشيرُ إلى عَدَدٍ لا يُحصَى مِنَ المَلائكة. إذًا، عندما نَأتي إلى أورُشَليم السَّماويَّة، ثُمَّ في العدد 23: إلى "كَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ"، وعندما نأتي إلى حَضرةِ اللهِ، وإلى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، وَعندما نَأتي إِلَى حَضْرَةِ يَسوعَ الَّذي هُوَ وَسِيطُ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، نَكونُ قد أتينا إلى حَضْرَةِ رَبَواتٍ مِنَ المَلائكةِ؛ أيْ أعدادٍ لا تُحصَى مِنَ المَلائكة. ونَقرأُ في سِفْرِ دَانيال، وَحَتَّى في سِفْرِ الرُّؤيا، العِبارة "أُلوفُ أُلوفٍ" لأنَّهُ لم تَكُن تُوجَدُ كلمة أخرى أكبرَ مِن تلكَ للتَّعبيرِ عنِ العَدد. فهُناكَ أُلوفُ أُلوفْ مِنَ المَلائكةِ، وهُناكَ رَبَواتٌ مِنَ المَلائكةِ القِدِّيسينَ في السَّماءِ معَ اللهِ. وسوفَ نَكونُ في شَركَةٍ مَعَهُم. وسوفَ نَتفاعَلُ مَعَهُم مِن خلالِ الشَّرِكَة. فَجميعُ المَلائكةِ المُختارينَ وجَميعُ القِدِّيسينَ المُختارينَ سيَنضَمُّونَ معًا ويُشَكِّلونَ معًا شَرِكَةَ المُختارينَ الَّذينَ سيَسكُنونَ السَّماءَ الجَديدةَ والأرضَ الجَديدة.
وقد تَقولُ: "وكيفَ سيَكونُ المَلائكةُ؟" أنَّهُم كائِناتٌ رُوحِيَّة. وَهُمْ لا يَملِكونَ أجسادًا. وَهُمْ قادِرونَ إنْ أرادوا (وَهُمْ يَفعلونَ ذلك) أنْ يأخُذوا شَكلَ جَسَدٍ بَشريٍّ أحيانًا عندما يَأمُرُهُم اللهُ بذلك. ولكِنَّهُم في ذَواتِهم كائناتٌ رُوحِيَّة. وقد تَقول: "وكيفَ سَنتعامَلُ بأجسادِنا المُمَجَّدَةِ مَعَ كائناتٍ رُوحيَّة؟" لا أعتقدُ أنَّ هذهِ ستكونُ مُشكلةً البَتَّة. فيُمكنُني أن أتفاعَلَ على الهَاتِفِ معَ شخصٍ لا يُمكنُني أن أراه. وسوفَ نَمتَلِكُ عُيونًا رُوحيَّةً تَستطيعُ أن تَرى أمورًا لا يُمكِنُنا أن نَراها الآنَ في العَالَمِ المَادِّيِّ.
إذًا، أوَّلاً، سَوفَ نَكونُ في شَرِكَةٍ مَعَهُم بِصِفَتِنا مَحْفِلَ المُختارين. فَهُمُ المَلائكةُ المُختارونَ، ونحنُ القِدِّيسونَ المُختارون. وسوفَ تَكونُ تلكَ الشَّرِكَةُ رائعةً. هل تَعلمونَ ذلك. وسوفَ أقولُ لكم السَّبب: لأنَّهُ رُبَّما كانت هُناكَ مُناسَباتٌ في حَياتي كانت فيها المَلائكةُ حَاضِرَةً. وقد تَقول: "مَهلاً! أنتَ لستَ مُتَصَوِّفًا!" كَلاَّ. وأنتُم تَعرِفونَ أنِّي لستُ كذلك. ولكنِّي أعلَمُ أنَّ الرِّسالةَ إلى العِبرانِيِّين 13: 2 تَقول: "لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ [مَنْ؟] مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ". وهذا يُشيرُ، دُونَ شَكٍّ، إلى سِفْر التَّكوين إذْ إنَّهُ في حَالةِ إبراهيم أَضَافَ مَلاكَيْنِ وَحَتَّى حُضورَ الله. وقد أَعَدَّ هُوَ وَسارَة طَعامًا عندما جَاؤوا لِزيارَتِه. لِذا، دَقِّقوا في كيفيَّةِ مُعاملةِ الآخَرين، وأَظْهِروا حُسْنَ الضِّيافَة، وكُونوا مُحِبِّينَ بَعضُكُم لبعض لأنَّ أُناسًا قد أَضافُوا مَلائِكَةً. ورُبَّما أكونُ قد أَضَفْتُ مَلاكًا بينَ الحينِ والآخر. ورُبَّما جَاءَ مَلاكٌ لِنَجدَتي. ورُبَّما كان هُناكَ مَلائكةٌ يُحيطونَ بي بينَ الحينِ والآخر، ويُبعِدونَ شَياطينَ الجَحيمِ الَّتي تُريدُ أن تُهْلِكَني. والجُزءُ المُحزِنُ في ذلكَ هو أنِّي لم أَعلم بِوجودِهم. ولكِن عندما أذهبُ إلى السَّماءِ، سأعلَمُ أنَّهُم مَوجودون، وسأعلَمُ مَن هُمْ، وسأكونُ في شَرِكَةٍ مَعَهم بِصِفَتِهم مَلائكةَ اللهِ القِدِّيسينَ المُختارين. ولا يُمكنُني أن أُفَكِّرَ في شَيءٍ مُدهشٍ أكثرَ مِن أن أُجْري حَديثًا طَويلاً جدًّا مَعَ المَلائكةِ وأنْ أعرِفَ كُلَّ شَيءٍ عَنهُم.
وأعتقدُ أنَّ أوَّلَ خِيارَيْنِ لَديَّ ولَدى الجَميعِ أيضًا هُما مِيخائيل وجِبرائيل. فَهُما المَلاكانِ اللَّذانِ أوَدُّ أن أتحدَّثَ إليهِما. وهُناكَ ملائكةٌ آخرونَ أيضًا. فأنا أودُّ أن أتحدَّثَ إلى المَلاكِ الَّذي أَهْلَكَ مِئةً وخَمسةً وثمانينَ ألفًا مِنَ الأشورِيِّينَ، وَما شَابَهَ ذلك. وسوفَ يكونُ ذلكَ أمرًا رائعًا إذْ إنَّنا سنَتمكَّنُ مِن أن نَكونَ في شَرِكَة مُستمرَّة معَ الكائناتِ المَلائكيَّةِ الَّتي لا يُمكِنُنا أن نَكونَ في شَرِكَةٍ مَعَها الآن. وقد تَقول: "وَهَلْ هُمْ مَوجودونَ الآنَ حَولَنا؟" بِكُلِّ تأكيد. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 1: 14 أنَّهُمْ قد أُرسِلوا لِخدمةِ الكَنيسةِ ونِيابَةً عنها. فَهُمْ أَرْوَاحٌ خَادِمَةٌ مُرْسَلَةٌ مِنَ اللهِ نِيابَةً عَنِ الكَنيسة. وقد كانَ هُناكَ مَلاكٌ في سِفْرِ دَانيال جَاءَ لإعانَةِ دانيالَ الَّذي كانَ بحاجةٍ إلى المَعونَةِ مِنَ اللهِ استجابةً لِصَلاتِه. وقد أُعيقَ ذلكَ المَلاكُ مِنَ الشَّيطانِ فأرسَلَ اللهُ مِيخائيلَ لإطلاقِ سَراحِهِ كي يَتمكَّنَ مِنَ القيامِ بِمَهَمَّتِهِ في خِدمةِ دَانيال. فَملائكةُ اللهِ تَخدِمُنا، وتَخدِمُ لأجلِنا وَنِيابةً عَنَّا. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 أنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ الآبِ. فالملائكةُ الَّذينَ يَخدِمونَ الكَنيسةَ يَنظرونَ كُلَّ حين وَجْهَ الآبِ لِيَرَوْا اهتِمامَهُ ويَنطَلِقوا لِمُساعَدَةِ المَفدِيِّينَ الَّذينَ يَحتاجونَ إلى العَون. إذًا في هذهِ الحياةِ، هُناكَ الحَقيقة الرَّائعة لِلملائِكَةِ الخُدَّام، ولكِنَّنا لا نَستطيعُ أن نَشكُرَهُم لأنَّنا لا نُدرِكُ وُجودَهُم. فَهُمْ يَعملونَ عَمَلَهُم دُونَ الحُصولِ على التَّقديرِ اللَّازِمِ مِنَّا. وسوفَ نَتمتَّعُ بشركةٍ حَقيقيَّةً مَعَهُم في الحياةِ الآخِرَة في السَّماء.
ثانيًا، سوفَ نَتَمَتَّعُ بالفَرَحِ مَعَهُم. انظروا إلى إنجيل لوقا والأصحاح 15. وهذا يُخبرُنا المَزيدَ عن مَوقِفِهم مِنَّا. وقد تَقول: "رُبَّما يَغارُ المَلائكةُ مِنَّا. فَالمَلائكةُ يَحتَكِرونَ السَّماءَ. وَهُمْ يَعمَلونَ بِمُفرَدِهم على خِدمةِ الله. وَهُمُ في حَالَةٍ كَامِلَةٍ مُنذُ القَديم. أمَّا نحنُ فلم نُكَمَّلْ بعد. وعندما نُكَمَّلُ تَمامًا، هل سَيغارُ المَلائكةُ مِنَّا؟ وهل يُمكِنُ أن تَنْشُبَ حَربٌ بينَ القِدِّيسينَ المَفدِيِّينَ والمَلائكة المَفدِيِّين؟" مِنَ المؤكَّدِ أنَّ ذلكَ لن يَحدُثَ لأنَّ الطَّرَفَيْنَ سيكونانِ مُقَدَّسينِ تَمامًا وأبديًّا. ولكِنْ لكي أُريحَ أذهانَكُم، أريدُ منكم أن تُلاحِظوا في لوقا 15 هذهِ الأمثالَ العَظيمةَ التَّالية عَنِ الخَروفِ الضَّالِّ، والدِّرهَمِ المَفقودِ، والابنِ الضَّالّ. وهذهِ في الحَقيقةِ ليست أمثالاً عن دَرَاهِمَ مَفقودةٍ، وعَنْ خِرافٍ ضَالَّةٍ، وأبناءٍ ضَالِّين؛ بل هي في الأصلِ أمثالٌ تُعَبِّرُ عن قَلبِ الله. وأريدُ أن أُريكم لماذا. عندما فُقِدَ الخَروفُ أوَّلاً، في الأعداد 4-7، وتَمَّ العُثورُ على الخَروف، نَقرأُ في العَدد 6 أنَّ الرَّاعي يَدعو أصدقاءَهُ ويَقول: "افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ!" وَهُنا تَأتي ذُروةُ القِصَّة: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ". بعبارة أخرى، سوفَ يَفرَحُ اللهُ وملائِكَتُهُ القِدِّيسونَ بِتوبةِ خَاطئٍ واحِد.
والمَثَلُ الثَّاني مَذكورٌ في العَدد 8. فقد أَضاعَتِ امْرَأَةٌ دِرهَمًا، ثُمَّ عَثَرَتْ على الدِّرهَم. وَهِيَ تَدعو صَديقاتِها في العَدد 9 قَائِلَةً: "افْرَحْنَ مَعِي". وفي العَدد 10: "هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ". ونَجِدُ هُنا لا فقط أنَّ اللهَ يَفرَحُ، بل إنَّ المَلائكةَ أيضًا يَفرَحون. فَهُمْ لا يَغارونَ مِنَ الكَنيسةِ المَفدِيَّة، بل يَفرحونَ بالكنيسةِ المَفديَّة. والشَّيءُ نَفسُهُ مُصَوَّرٌ في قِصَّةِ الابنِ الضَّالِّ الرَّائعةِ الَّتي تَنتهي بالكلمات: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ". والصُّورةُ هي صُورةُ أَبٍ يَفرَحُ ويَدعو جَميعَ خُدَّامِهِ إلى الوَليمةِ فَيَفرَحون. وَهُمْ يَرمِزونَ إلى المَلائكةِ الَّذينَ يَفرحونَ بخَلاصِ الرِّجالِ والنِّساءِ الضَّالِّين. وما تَقولُهُ لنا هذهِ الأمثالُ الثَّلاثةُ هو، بصورةٍ رَئيسيَّة، كيفَ أنَّ اللهَ وجُنْدَهُ السَّماويَّ المُقَدَّسينَ يَفرَحونَ باهتداءِ البَشَر.
والآن، اسمَعوني: فَكِّروا في الأمرِ بالطَّريقةِ التَّالية: طَالَما أنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ القِدِّيسينَ فَرِحوا باهتِدائِنا، كَمْ بالحَرِيِّ سَيَفرحونَ بِتَمجيدِنا؟ وَكَمْ بالحَرِيِّ سَيَفرحونَ عندما نُعَبِّرُ تَمامًا عن كَمالِ الجَسَدِ والنَّفسِ إلى أبدِ الآبِدينَ، وعندما نُحَقِّقُ أَسْمَى ما يُريدُ اللهُ أن يَفعلَهُ في عَمليَّةِ الفِداء؟
إذًا، كيفَ ستكونُ علاقَتُنا بالملائكة؟ سوفَ نَتمتَّعُ بالشَّركةِ مَعَهُم. ثانيًا، سوفَ نَكونُ مَصدَرَ فَرَحِهم الأبديّ. مَصدَرَ فَرَحِهم الأبديّ. فسوفَ يُحِبُّونَنا. وسوفَ يَتَحَمَّسونَ بِالأشياءِ الَّتي حَدَثَت في حَياتِنا، وبِما تَمَّ لِتَكميلِنا والمَجيءِ بِنا إلى حَضْرَةِ اللهِ القُدُّوسِ الَّذي يَعبُدونَهُ ويُبِجِّلونَهُ.
ثالثًا، إنَّ عَلاقَتنا بالملائكةِ يُعَبَّرُ عَنها...وأرجو أن تَفتحوا مَعي على سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الرَّابعِ إذْ نَجِدُ أنَّنا سنَنْضَمُّ إلى المَلائكةِ في التَّسبيحِ والعِبادَة. وسوفَ نَقولُ المَزيدَ عن ذلكَ في دراسةٍ مُستقبليَّةٍ عندما نَتحدَّثُ عَمَّا سنَفعَلُهُ في السَّماء. ولكِنْ لِنَنظُر إلى ذلكَ على الأقلِّ بِصورة مَبدئِيَّة. سِفْر الرُّؤيا 4: 4: "وَحَوْلَ الْعَرْشِ [أيْ حَوْلَ عَرشِ اللهِ المَوصوف في الأعدادِ القليلةِ الأولى] أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ". وهَؤلاءِ يَرمِزونَ إلى القِدِّيسينَ المَفدِيِّين. وهُناكَ مَن يَرى أنَّ الأربعةَ والعِشرينَ شَيخًا يَرمِزونَ إلى الكنيسة. وأنا أَميلُ إلى ذلك. وهُناكَ مَن يَرى أنَّ اثني عَشَرَ مِنهُم يَرمِزونَ إلى العهدِ القديمِ (إذْ إنَّ كُلاًّ مِنهُم يَرمِزُ إلى أحدِ الأسباطِ)، وأنَّ اثني عَشَرَ مِنهُم يَرمِزونَ إلى العهدِ الجديد (إذْ إنَّ كُلاًّ مِنهُم يَرمِزُ إلى أحدِ الرُّسُل) فيكونُ المَجموعُ 24. وفي كِلتا الحَالَتَيْن، فإنَّهُم يَرمِزونَ إلى القِدِّيسينَ المَفدِيِّين. ويُمكِنُكم أن تَرَوْهُم هُنا. ونحنُ نَراهُم مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. وما الَّذي يَفعلونَهُ؟ إنَّهُم يُسَبِّحونَ اللهَ.
ولكِنْ بالإضافَةِ إلى هَؤلاءِ، نَقرأُ في العَدد 6: "وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ". وَهُمْ يُوْصَفونَ بأوصافٍ شَبيهَةٍ جدًّا بالأوصافِ المَذكورةِ في سِفْرِ حِزْقيال والأصحاحِ الأوَّل. وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّهُم مَلائكة. لِذا، هُناكَ أربعةٌ وعِشرونَ شَيخًا يُمَثِّلونَ البَشَرَ المَفدِيِّين. وهُناكَ أربعةُ كائناتٍ حَيَّة تَرمِزُ إلى المَلائكةِ القِدِّيسين. وَهُمْ يَقولونَ مَعًا دُونَ تَوَقُّف: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ..." [في العَدد 8] "...الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأتِي. وَحِينَمَا تُعْطِي الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ..." وَهَلُمَّ جَرَّا. وَها نَحْنُ نُسَبِّحُ اللهَ ونَعبُدُهُ مَعًا مَعَ مَلائِكَتِهِ القِدِّيسين.
ونَجِدُ في الأصحاحِ الخامِسِ والعَدد 6 مَرَّةً أخرى مَشهَدًا مُشابِهًا. فالشُّيوخُ مَوجودونَ هُنا. والكائناتُ الحَيَّةُ الأربعةُ المَذكورةُ في العَدد 8 مَوجودة هُنا مَعَ الشُّيوخِ الأربعةِ والعِشرين. "وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: ’مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ...‘" وَهَلُمَّ جَرَّا إذْ يُرَنِّمونَ تَمجيدًا للمَسيح. ثُمَّ انظروا إلى العَدد 11: "وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ" مَعَ القِدِّيسين. فقد سَمِعْتُ صَوْتَ مَلائكةٍ كَثيرين. فَمَعَ أنَّ الملائكةَ ليست كائنات جَسديَّة، فإنَّهُم يَمتَلِكُونَ أصواتًا ويَستطيعونَ أن يُعَبِّروا عن أنفُسِهم. فقدِ اجتَمَعوا "حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ". وفي العَدد 13: "وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: «لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ»". إذًا، نحنُ نَعلمُ أنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي سنَفعَلُها معَ الملائكةِ هو أنَّنا سنَشترِكُ في التَّسبيحِ والعِبادةِ إلى أبدِ الآبِدينَ وَدَهْرِ الدُّهور.
والآن، لِنَذهب إلى الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ، واسمَحوا لي أن أُريكُم شَيئًا رابعًا. وأعتقدُ أنَّ هذهِ الآيةَ ستكونُ مَصْدَرَ عَوْنٍ لَنا. وقد أشَرنا قبلَ قَليل إلى الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 1: 14، ولكِنْ دَعوني أُوَسِّع تَفكيرَكُم قليلاً. فبالإشارةِ إلى الملائكةِ في العَدد 13 حيثُ تَظهَرُ الكلمةُ "ملائكة"، نَقرأُ في العَدد 14: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ [تَابِعوا ما يَلي] أَرْوَاحًا خَادِمَةً..." "...أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟" فالملائكةُ أرواحٌ خادِمَةٌ وَاجِبُهُم هُوَ أن يَخدِموا وَرَثَةَ الخَلاص. والآن، في الأصحاحِ الأوَّلِ نَرى التَّبايُنَ بينَهُم وبينَ المَسيح. فَمَصيرُ المَسيحِ هُوَ أنْ يَملِك. ومَصيرُ المَلائكةِ هو أن يَخدِموا. هل فَهِمتُم ذلك؟ فقد خُلِقوا كي يَخدِموا المَفدِيِّين. لاحِظوا ذلك. ولا أعتقدُ أنَّ ذلكَ سيكونُ أمرًا مُؤقَّتًا، بل أعتقدُ أنَّهُ سيكونُ أبديًّا. وأعتقدُ أنَّهُ عندما نَذهبُ إلى المَجدِ فإنَّ الملائكةَ سَيَخدِمُونَنا هُناك. فسوفَ يَخدِمونَنا هُناكَ كَما خَدَمونا هُنا. فسوفَ نَملِكُ معَ المَسيحِ، في حين أنَّهُم سَيَخدمونَ المَسيحَ ويَخدِمونَنا. وهذهِ فِكرةٌ مُدهشة. ولكِن عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ، سيكونُ الملائكةُ خُدَّامَنا القِدِّيسينَ المُطيعين. وَمِنَ المُذهِلِ أن تُفَكِّروا في أنَّ مَصيرَكُم سيكونُ هُوَ أنْ تُخْدَموا مِنْ قِبَلِ المَلائكةِ إلى الأبد.
فَمَصيرُ يَسوعَ هُوَ أنْ يَملِك. وسوفَ يأتي الوقتُ الَّذي نُغادِرُ فيهِ هذا العَالَمَ ونَذهبُ فيهِ إلى السَّماءِ حيثُ نَملِكُ معَ يَسوعَ المَسيح. فسوفَ نَملِكُ معَ يسوعَ المَسيح. وعندما نَملِكُ معَ يسوعَ المَسيحِ، نَقرأُ أنَّنا سَنَجلِسُ على عَرشِه. فسوفَ نَجلِسُ على عَرشِه. ونَقرأُ في رِسالةِ أفسُس والأصحاحِ الأوَّلِ أنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ الرِّياساتِ والسَّلاطينِ، وكُلَّ الكائِناتِ المَلائكيَّةِ تَحتَهُ. فَهُوَ يَملِكُ بِسِيادَةٍ فَوقَها كُلَّها. وسوفَ نَملِكُ معَ المَسيحِ في ذلكَ السُّلطان. وَهُوَ يَقولُ في سِفْر الرُّؤيا 3: 21 للمُؤمِنينَ الحَقيقيِّين: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ". ويا أحبَّائي، اسمَحوا لي أن أقولَ ذلكَ ببساطَة: لقد حَصَلْنا على وَعْدٍ بأنَّنا سنَجلِسُ على عَرشِ المَسيحِ عن يَمينِ اللهِ. وَلا يُوجَد مَلاكٌ حَصَلَ يَومًا على ذلكَ الوَعد. فنحنُ نَملِكُ. أمَّا هُمْ فَيَخدِمون. ارجِعوا إلى الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الأوَّل: "لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ [اللهُ] قَطُّ: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟ ليسَ لأحد. فالملائكةُ لا يَملِكون، بل يَخدِمون. أمَّا المَسيحُ فَيَملِكُ. وَنَحْنُ في المَسيحِ نَملِكُ مَعَهُ. لِذا، سوفَ نَكونُ في شَرِكَةٍ معَ المَلائكةِ، وسوفَ نَفرَحُ معَ المَلائكةِ. وسوفَ نَعبُدُ اللهَ ونُسَبِّحُهُ معَ الملائكة. ولكِنَّنا سَنَملِكُ على المَلائكة. وَهُمْ سَيَخدِمونَنا في السَّماء.
رِسالة كورِنثوس الأولى [وَهُوَ مَقطَعٌ مُهِمٌّ]، الأصحاحُ السَّادِسُ والعَددُ الأوَّل: "أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟" بعبارةٍ أخرى، لا تُقيموا دَعْوَى على مُؤمِنينَ آخَرينَ أمامَ مَحكمةٍ يَتَرَأسُّها غيرُ مُؤمِنين. "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟" بعبارةٍ أخرى، إنْ كُنتُم سَتَدينونَ العَالَمَ، مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ ينبغي لكُم أن تَكونوا قادِرينَ على حَلِّ خِلافاتِكُم الشَّخصيَّة. "فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟" وقد تَقول: "ما مَعنى ذلك؟" اسمَعوني يا أحبَّائي: في يَومٍ ما، عندما يُقيمُ المَسيحُ مَلكوتَهُ الأرضيَّ، سَوفَ نَدينُ العَالَم. فسوفَ نَكونُ سُفراءَ لَديهِ، وحُكَّامًا لَديهِ، ومُلوكًا لَديهِ، وأُمراءَ لَديهِ، وقادَةً لَديهِ. وسوفَ نَجلِسُ لإدانَةِ العَالَمِ إذْ إنَّنا سَنُنَفِّذُ ونُحَقِّقُ أحكامَ الدَّينونَةِ الَّتي يُصْدِرُها المَسيح.
ولكِنْ عَدا عن ذلكَ [كما جاءَ في العَدد 3]: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ [وَهِيَ كَلِمَة تَعني: "نَحْكُم" أو "نَسُود على"] مَلاَئِكَة؟" ولا يُوجَد وُضوحٌ أكبر مِن هذا. فَطوالَ الأبديَّةِ، سَنَحكُمُ ونَسُودُ على المَلائكة. فسوفَ نَكونُ في شَرِكَة مَعَهُم. وسوفَ نَفرَحُ مَعَهُم. وسوفَ نَعبُدُ اللهَ ونُسَبِّحُهُ مَعَهُم. وسوفَ يَخدِمونَنا؛ في حينِ أنَّنا سَنَملِكُ معَ المَسيحِ عليهم. وَهُمْ سَيُطيعونَنا كَما نُطيعُ نحنُ المَسيح. والآن، لاحِظوا ما يَلي: كُلُّ هذا سَيَجري في انسجامٍ تَامٍّ، ومُقَدَّسٍ، ومَجيدٍ، ورائِعٍ. فهكذا ستكونُ عَلاقَتُنا بالمَلائكة. وسوفَ نُحِبُّهم في أثناءِ ذلك. وسوفَ نَعرِفُهم في أثناءِ ذلكَ بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يُعْرَفونَ بها مِنْ قِبَلِ اللهِ والابن. وَحَتَّى إنَّنا سَنَعرِفُهم بأسمائِهم. وَسَوفَ يَقومونَ بِكُلِّ فَرَحٍ [بِصِفَتِهم كائِناتٍ مُقَدَّسَةً مَخلوقَةً] بِكُلِّ شَيءٍ نَطلُبُهُ مِنهُم لأنَّها مَشيئةُ اللهِ. وَهُمْ مَوجودونَ لأجلِ مَجْدِهِ. وَهُمْ يَفرَحونَ بِكُلِّ شَيءٍ فَعَلَهُ في الكنيسة.
ثانيًا، لِنتحدَّث عنِ العلاقاتِ بعائلَتِنا. حسنًا؟ فالنَّاسُ يَسألونَني دائمًا السُّؤالَ التَّالي: "هَل سأكونُ مُتزوِّجًا مِن نفسِ المَرأةِ في السَّماء؟" أو: "هل يُمكِنُني أن أختارَ امرأةً أخرى؟" أو قد يَقولُ لي شخصٌ: "لا أريدُ أن أخسرَ زَوجتي. فأنا لا أتخيَّلُ أنِّي سأذهبُ إلى السَّماءِ ولا أكونُ مُتزوِّجًا". وما أعنيه هو أنَّني لا أتخيَّلُ أن أذهبَ إلى الشَّارعِ وأن أقول: "آه، مرحبًا يا باتريشا. أنا أَتذكَّرُكِ. فقد كُنتِ زَوجَتي. مِنَ الرَّائعِ جدًّا أن أراكِ. أنا لَمْ أَرَ الأولادَ مُنذُ فَترة. هل هُمْ في الجِوار؟" لا يُمكِنُني أن أحتَمِلَ ذلك. ولا يُمكِنُني أن أتخيَّلَ ذلك. فَلا يُمكنُني أن أتخيَّلَ أنَّني لن أتمتَّعَ بعلاقتي الحَميمةِ معَ عائلتي، ولا بالشَّرِكَةِ العَميقةِ والرَّائعةِ والبَديعة. وأنا أُحِبُّ أن تَكونَ عائلتي [ولو مَرَّةً] كاملةً، وأنْ نَكونَ جَميعًا كامِلينَ كي أتمتَّعَ بذلكَ كُلِّه. فأنا أَكرَهُ أن يَكونوا جَميعًا كَامِلينَ ومُشَتَّتينَ في جَميعِ أنحاءِ الكَوْنِ اللَّامُتَناهي دُونَ أن أتمكَّنَ مِن مَعرفةِ كيفَ سيكونونَ في حَالةِ الكَمال. فنحنُ نَسألُ أسئلةً كهذهِ لأنَّ أذهانَنا مَحصورة في الأَبعاد: هَل سنَحظى بالمحبَّة العائليَّة؟ هَل سَنَشعُر بِمَشاعِرَ عائليّة؟ هَل سنتَمتَّعُ بالشَّركةِ العائليَّة؟ هَل ستكونُ العلاقاتُ هُناكَ كما هي هُنا؟
مِنَ الواضِحِ مِن وُجهةِ النَّظرِ العامَّة أنَّنا سنكونُ جَميعًا كامِلين. لِذا، ستكونُ هُناكَ مَحبَّةٌ كامِلَة، وسلامٌ كامِل، وفَرَحٌ كامِل، وانسجامٌ كامِل، وثِقة كامِلة، وشَرِكَة كامِلة، وعلاقاتٌ كامِلة في كُلِّ بُعدٍ مِنَ الوُجود. فسوفَ تكونُ العَلاقةُ كامِلة. وهل يُمكنكم أن تَتخيَّلوا عائلةً كهذه؟ وهل يُمكنكم أن تتخيَّلوا مكانًا توجدُ فيهِ علاقاتٌ كاملة تمامًا؟ فكُلُّ شخصٍ كامِل، ولا يوجدُ أيُّ حُزنٍ، ولا تُوجدُ أيُّ حَسْرَة، ولا تُوجَدُ أيُّ خَيبةِ أَمل، ولا يوجدُ أيُّ إحباط، ولا أحدَ يَفعلُ أيَّ شيءٍ خاطِئ، ولا يَقولُ أيَّ شَيءٍ خَاطِئ، ولا يُفَكِّرُ في أيِّ شَيءٍ خاطِئ؛ بل إنَّ الجميعِ يَتصرَّفونَ بِكَمالٍ بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَتصرَّفُ اللهُ بها في أيِّ مَوقفٍ وكُلِّ مَوقِفٍ؟ هل تَتخيَّلونَ أنْ يَتصرَّفَ جميعُ الأشخاصِ في عائلتِكَ كما يُمكنُ للمسيحِ أن يَتصرَّفَ في كُلِّ لَحظةٍ مِن لَحَظاتِ حَياتِهم؟ والشَّيءُ الَّذي يَزيدُ مِن رَوعةِ ذلك هو أنَّكَ ستتصرَّفُ بالطَّريقةِ ذاتِها: مَحَبَّة كامِلة، وانسجامٌ كامِل، وفَرَحٌ كامِل، وسلامٌ كامِل، ورِضا كامِل، وقَناعة كامِلة، وتَوافُقٌ كامِل، وسُرورٌ كامِل، وبَرَكَةٌ كامِلة، وأداءٌ كامِل، وعلاقاتٌ كامِلة.
وقد تَقول: "وماذا عنِ الزَّواجِ والعائلة؟" إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عن ذلك. رِسالة كورنثوس الأولى...لِنَفتَح عليها...على الأصحاحِ السَّابع. رسالة كورِنثوس الأولى 7: 29: "فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: الْوَقْتُ مُنْذُ الآنَ مُقَصَّرٌ..."، أيْ أنَّ الوقتَ المُتَبَقِّي إلى أنْ يَجيءَ الرَّبُّ وإلى أنْ تَأتي دَينونَةُ هذا العَالَم قَصيرٌ. "...لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ". والآن، أريدُ أن أَشرَحَ ذلكَ لأنَّ هُناكَ أشخاصًا قد يَتَّخِذونَ هَذِهِ الآيةَ شِعارًا حَقيقيًّا لِحياتِهم ويَنفصِلون. وأنا لا أريدُ منكم أن تَفعلوا ذلك. فقد فَعَلَ أشخاصٌ كثيرونَ ذلك. ولكِنَّ هَذا ليسَ ما يُريدُ الكتابُ المقدَّسُ أن يُعَلِّمَنا إيَّاه. تابِعوا هذهِ الفِكرة. العَدد 30: "وَالَّذِينَ يَبْكُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَبْكُونَ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَفْرَحُونَ، وَالَّذِينَ يَشْتَرُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ، وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ [أو شَكْلَ أو طِرازَ] هذَا الْعَالَمِ [ماذا؟] تَزُولُ". وما الَّذي يَزولُ هُنا؟ سوفَ أُخبِرُكم ما الَّذي يَزول. ارجِعوا إلى اللَّائِحَة. الزَّواجُ، لأنَّهُ يَقولُ: "لِكَيْ يَكونَ الَّذينَ لَهُم نِساءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ". والبُكاءُ، والفَرَحُ الأرضيُّ، والبَيعُ والامتلاكُ، واستعمالُ هذا العَالَم. فَكُلُّ تلكَ الهَيئةِ الَّتي للعَالَم ستَزول. والزَّواجُ جُزءٌ مِن هَيئةِ العالَم. فَهُوَ شَكْلُ العَالَم. والكلمة "هَيئة" تَعني "طِراز" أو: "أُسلوبَ حَياة"، أو: "طريقةَ القيامِ بالأشياءِ". وهذهِ الأمورُ ليست دائمةً.
وما يَقولُهُ هُنا هو: "انظروا وتَعَلَّموا كيفَ تَحصُلونَ على ما تُقَدِّمُهُ الحياةُ: الزَّواجَ وَبَرَكاتِهِ". وبُطرُسُ يُسَمَّي الزَّواجَ "نِعْمَةَ الحَياةِ". "وتَعَلَّموا كيفَ تَبْكونَ، وتَفرحونَ، وتَشترونَ، وتَمتَلِكونَ؛ ولكِنْ لا تَنْغَمِسوا كثيرًا في ذلكَ لأنَّ هذا كُلَّهُ جُزءٌ مِنْ هَيئةٍ سَتَزول. وَهُوَ جُزءٌ مِن هَيئةٍ مُؤقَّتَةٍ. لا تَنْغَمِسوا في ذلكَ أكثرَ مِنَ اللَّازِم". فهُناكَ مَسؤوليَّاتٌ للزَّواجِ، وهي رائعة ومَوجودة؛ ولكِن لا تَنْهَمِكوا فيها كثيرًا إلى حَدٍّ يَصيرُ فيهِ زَواجُكم عُذرًا لعدمِ خِدمةِ اللهِ، أو عُذرًا لعدمِ كَنْزِ كُنوزٍ في السَّماءِ، أو عُذرًا لعدمِ التَّركيزِ على الأشياءِ السَّماويَّةِ عِوَضًا عنِ الأرضيَّة. وصَحيحٌ أنَّهُ يجبُ عليكم أن تَحزَنوا وتَفرحوا، وأنَّهُ يجب عليكم أن تَشتروا الأشياءَ الَّتي تَحتاجونَ إليها، ولكِنْ لا تَسمَحوا لعواطِفِكم ومُمتلكاتِكُم أن تُسيطِرَ عليكم فتَقَعوا فَريسةَ العالَمِ البشريِّ الزَّائِل. فَكُلُّ هذهِ الأشياءِ ليست أبديَّة.
وَحَتَّى إنَّهُ يَمضِي قَائِلاً: إنِ استطعتَ أنْ تَمْكُثَ عَازِبًا، امْكُثْ عَازِبًا...امكُثْ عازِبًا. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 33، بل في العَدد 32: "غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ [فاهتِمامُهُ مُنْقَسِمٌ]". لِذا، إنِ استطعتَ أن تَبقى عَازِبًا، ابقَ عَازِبًا ورَكِّزْ وَحَسْب على الأمورِ المُختصَّةِ بالرَّبِّ لأنَّ الزَّواجَ جُزءٌ مِنْ نِظامٍ مُؤقَّتٍ زَائِل. وهذا لا يَعني بالنِّسبةِ إليَّ أنْ تَصيرَ عَديمَ المُبالاةِ بزواجِك، بل إنَّ ما يَعنيه ذلكَ بالنِّسبةِ إليَّ هُوَ أنَّ اللهَ أعطانا هِبَةً رائعةً في هَيئةِ الأشياءِ هُنا. ويجب علينا أن نَتمتَّع بها تَمامًا.
فالزَّواجُ هُوَ نِعمَةُ الحياةِ، ولكِنَّهُ أمرٌ زَائِلٌ. انظروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 22. وهذهِ مُواجهة أخرى مِن مُواجهاتِ رَبِّنا الرَّائعةِ والعَظيمةِ معَ الصَّدُّوقِيِّينَ والفَرِّيسيِّين. فقد أرادوا أن يَنْصِبوا لَهُ فَخًّا. وكانَ الصَّدُّوقِيُّونَ يُنكرونَ القِيامَة. ونَقرأ في العَدد 23: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ جَاءَ إِلَيْهِ صَدُّوقِيُّونَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ..." (وقد كانوا يَقولونَ ذلكَ لأنَّهُم كانوا يَقبلونَ فقط أسفارَ مُوسَى الخَمسة. وكانوا يَقولونَ إنَّ أسفارَ مُوسَى الخَمسةَ لا تُعَلِّمُ عنِ القِيامَة). فقد جاءوا إلى يَسوعَ وَسَأَلُوهُ، وكانَ سُؤالُهُم هُجومًا على الفَرِّيسيِّينَ لأنَّ الفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا يُؤمِنونَ بالقيامَةِ كانوا يُعَلِّمونَ مَا يَلي: فقد كانوا يُعَلِّمونَ أنَّهُ في الحَياةِ الآخِرَةِ سوفَ تَتمتَّعُ بنفسِ العلاقاتِ الَّتي تَتمتَّعُ بها هُنا. فسوفَ تَكونُ مُتزوِّجًا مِن نفسِ المرأة، ولديكَ نَفسُ العائلة، وأنَّ ذلكَ سيَبقى إلى الأبد على تلكَ الحال. إذًا، فقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ يُعَلِّمونَ أنَّ الحياةَ الآخِرَةَ ستكونُ مِثلَ هذهِ الحياة. أمَّا الصَّدُّوقِيُّونَ فلم يكونوا يُؤمِنونَ بالقيامَة. لِذا فقد حاولوا أن يأخذوا لاهوتَ الفَرِّيسيِّينَ وأن يَرسِموا صُورةً غَريبةً جدًّا. وقد طَرَحوا سُؤالاً قَصَدوا مِنهُ حَقًّا أن يُبَيِّنوا سُخْفَ النَّظرةِ الفَرِّيسيَّةِ إلى القِيامَة ظَنًّا مِنهُم بأنَّهُ سَيَكونُ فَخًّا للإيقاعِ بيسوع. "يَا مُعَلِّمُ، قَالَ مُوسَى: إِنْ مَاتَ أَحَدٌ وَلَيْسَ لَهُ أَوْلاَدٌ، يَتَزَوَّجْ أَخُوهُ بِامْرَأَتِهِ وَيُقِمْ نَسْلاً لأَخِيهِ". فإنْ ماتَ رَجُلٌ دُونَ أن يَترُكَ نَسْلاً لزوجَتِه، وكانَ لَهُ أخٌ غيرُ مُتزوِّج، فإنَّ مَسؤوليَّةَ الأخِ تُحَتِّمُ عليهِ أن يَتزوَّجَها ويُقيمَ نَسْلاً. حسنًا! هذا مَبْدأٌ جَاءَ بِهِ مُوْسَى. وهذا التَّعليمُ مَوجودٌ في سِفْر التَّثنية والأصحاح 25.
إذًا، هَذِهِ هي صُورَتُهم الافتراضيَّة. حسنًا؟ "فَكَانَ عِنْدَنَا سَبْعَةُ إِخْوَةٍ، وَتَزَوَّجَ الأَوَّلُ وَمَاتَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسْلٌ تَرَكَ امْرَأَتَهُ لأَخِيهِ. وَكَذلِكَ الثَّانِي [والمَعنى الضِّمنِيُّ هُوَ أنَّهُ مَاتَ] وَالثَّالِثُ [والرَّابِعُ والخَامِسُ والسَّادِسُ مَاتوا] إِلَى السَّبْعَةِ [إذْ إنَّ السَّابِعَ ماتَ]. وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضًا". يجب أن يَفْحَصَ أحدٌ ذلكَ البيت! وأوَدُّ أن أقولَ لكم شَيئًا: إذا كُنتُ الأخَ الخَامِسَ، سأهرُبُ إلى بَلَدٍ آخَر. ثُمَّ يأتي السُّؤالُ في العَدد 28: "فَفِي الْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنَ السَّبْعَةِ تَكُونُ زَوْجَةً؟" فَقَدْ طَرَحوا هذا السُّؤالَ. وَقد كانُوا يَضحَكونَ في أنفُسِهِمْ ويَقولونَ إنَّهُ مَوقِفٌ مُضْحِكٌ. فإنْ كُنَّا سنَذهبُ جَميعًا إلى هُناكَ بنفسِ الحَالَةِ الَّتي كُنَّا عَليها هُنا، لِمَنْ تَكونُ زَوجَةً؟ اسمَعوني: إنَّ هذا السُّؤالَ ليسَ سُؤالاً غَريبًا. فقد تَطرَحونَ نَفسَ السُّؤالِ اليوم. فإنْ كُنَّا سنُتابِعُ زَواجَنا في السَّماءِ، سيكونُ الأمرُ مُرْبِكًا جدًّا بالنِّسبةِ إلى أُناسٍ مُعَيَّنين...مُربِكًا جدًّا. وحيثُ إنَّ اللهَ لا يُطيقُ تَعَدُّدَ الزِّيْجاتِ هُنا، فإنَّهُ لن يُطيقَ ذلكَ هُناك. ويُمكِنُكم أن تَكونوا مُتَيَقِّنينَ مِن أنَّهُ إنْ كُنْتَ مُتزوِّجًا مِن ثلاثِ أو أربعِ زَوجاتٍ هُنا فإنَّكَ لن تَحصُلَ عليهِنَّ إلى الأبد في السَّماء. ولكِنَّ هذا هُوَ السُّؤال الَّذي طَرَحوهُ ظَنًّا مِنهُم بأنَّهُم يَستطيعونَ الإيقاعَ بيسوعَ في ذلكَ المَوقِفِ السَّخيفِ الأحمَق.
ونَقرأُ في العَدد 29 أنَّهُ قال: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ". فأنتُم لا تَفهمونَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ عنِ القِيامَةِ. وأنتُم لا تَفهمونَ قُوَّةَ اللهِ الَّتي تَجعَلُ القِيامَةَ مُمْكِنَةً. "لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ". فالملائكةُ لا يَتزوَّجون. وهل تَعلمونَ أنَّ كُلَّ الملائكةِ خُلِقوا في وقتٍ واحِد؟ فالملائكةُ لا يَتناسَلون. فلا يُمْكِنُ لأيِّ مَلاكَيْنِ أنْ يَتعاشَرا ويُنْجِبا مَلائكةً صِغارًا. فَجَميعُهم خُلِقوا في وقتٍ واحدٍ في التَّدبيرِ الإلهِيّ. وَهُمْ لا يُنْجِبون. وهذا يَعني أنَّكَ ستَبقى على نَفسِ الحَال. فإنْ كُنتَ رَجُلاً هُنا، ستكونُ رَجُلاً في الأبديَّة. وإنْ كُنتِ امرأةً هُنا، ستكونينَ امرأةً في الأبديَّة في هَيئةٍ مُمَجَّدَة. "لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ".
ولماذا لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُون؟ لأنَّ السَّببَ في وُجودِ زَواجٍ هُنا هُوَ أنَّ الرَّجُلَ بحاجةٍ إلى مُعين، وأنَّ المَرأةَ بحاجةٍ إلى مَنْ يَحميها، وأنَّ اللهَ خَلَقَهُما كي يُنْجِبا أولادًا. أمَّا في السَّماءِ فإنَّ الرَّجُلَ لا يَحتاجُ إلى مُعين لأنَّهُ كَامِلٌ. والمرأةُ لن تَحتاجَ إلى مَنْ يَحميها لأنَّها كَامِلَة. ولن يكونَ هُناكَ أشخاصٌ يَتَناسَلونَ في السَّماءِ لأنَّ المَفدِيِّينَ فقط سيكونونَ هُناكَ. ولن تكونَ هُناكَ وِلادَة ولا تَناسُل. لِذا، لا مَغْزى مِنَ الزَّواج. وقد تَقول: "ولكنِّي سَعيدٌ في زَواجي. فأنا أُحِبُّ زَوجَتي. وهي صَديقَتي الحَميمة، وزَميلَتي العَزيزة، ورَفيقَتي في كُلِّ مَجالاتِ الحَياة". هذا حَسَنٌ. وسوفَ تَتمتَّعُ بتلكَ العلاقةِ مَعَها في السَّماءِ إلى أبدِ الآبِدينَ وَدَهْرِ الدُّهور. ولكِنْ ليسَ مَعَها فقط، بل معَ كُلِّ نَفْسٍ في السَّماءِ أيضًا. وإنْ كانَ مِنَ الرَّائعِ أن يَحْظَى كُلٌّ مِنكُما بأفضَلِ عَلاقةٍ بالآخر، تَخَيَّل كَمْ سيكونُ رائعًا أنْ تَحْظَى بأفضلِ ما في العلاقَةِ البشريَّةِ المُمَجَّدَةِ، وأنْ تَحْظَى بذلكَ في علاقاتِكَ بِكُلِّ إنسانٍ في الوُجود. فهذا رائعٌ، ومُبهِجٌ، ومُتَنَوِّعٌ، وفَرَحٌ لا يُنْطَقُ بِه.
إذًا، الزَّواجُ هُوَ لهذا المَكانِ وهذا الزَّمان. فَهُوَ مَوْجودٌ لِتَكميلِ الرَّجُلِ الَّذي يَحتاجُ إلى مُعين، ولِتَكميلِ المرأةِ الَّتي تَحتاجُ إلى مَن يَحميها ويُوَفِّرَ حَاجاتِها. وَهُوَ مَوجودٌ لأجلِ العَلاقَةِ الحَميمَةِ لإشباعِ رَغْباتِ الرَّجُلِ ورَغْباتِ المرأة. وَهُوَ لأجلِ التَّناسُل. ولكِنَّنا لن نَشعُرَ بأيِّ رَغْباتٍ غيرِ مُشْبَعَة هُناك. فنحنُ لن نَشعُرَ بأيِّ رَغْباتٍ غيرِ مُشْبَعَة هُناك. ولن نكونَ قادرينَ على التَّناسُل. ولن نَرغبَ في التَّناسُل. فنحنُ لن نَكونَ نَاقِصين، ولن نَكونَ بحاجة إلى الزَّواج. والفِكرةُ لا تَعني أنَّنا لن نَكونَ أشخاصًا مُختَلِفين. فسوفَ نَبقى رِجالاً مُمَجَّدينَ ونِساءً مُمَجَّداتٍ، ولكِنَّنا سنكونُ كامِلينَ تمامًا حَتَّى إنَّنا لن نَحتاجَ إلى أيِّ شَخصٍ لِتَكميلِنا، ولن نَحتاجَ إلى أيِّ شخصٍ لتَعويضِ نَقْصِنا. وقد تَقول: "هل هذا يَعني أنَّنا لن نَتمتَّعَ بالعلاقةِ الطَّيِّبَة؟" لا! بل إنَّهُ يَعني أنَّكَ ستتمتَّعُ بعلاقةٍ أفضَل مِن أيِّ عَلاقَةٍ حَلُمْتَ بها يَومًا؛ ولكنَّكَ لن تَتمتَّعَ بهذهِ العلاقةِ بزوجَتِكَ وأفرادِ عائلتِكَ الأعِزَّاءِ فقط، بل ستتمتَّعُ بها معَ كُلِّ كائِنٍ آخرَ في الوُجود. وهذا أمرٌ رائعٌ!
والآن، أنا أَعلمُ أنَّ ذلكَ يُذهِلُكم. وقد سَمِعْتُ شخصًا يَقولُ ذاتَ مَرَّة: "سوفَ نَكونُ جَميعًا بِعُمْرِ الثَّالثةِ والثَّلاثينَ مِثلَ المَسيحِ، ونَكونُ ذُكورًا". اسمَعوني: إذا كُنتِ امرأةً، ستكونينَ امرأةً في السَّماء...امرأةً مُمَجَّدَة. وإنْ كُنتَ رَجُلاً، ستكونُ رَجُلاً مُمَجَّدًا. وحيثُ إنَّهُ لا يوجدُ وَقتٌ في السَّماء، لن يَكونَ لَنا أيُّ عُمْر. وهذا يَبدو رائعًا لنا جَميعًا.
واسمَحوا لي أن أَصْحَبَكُم إلى فِئَةٍ ثالثةٍ باختصار، ثُمَّ سأَختِمُ كَلامي. فماذا عن علاقَتِنا بالمؤمنينَ الآخرين؟ كيفَ ستكون؟ وقد أَشَرْتُ إلى ذلكَ قبلَ قَليل. والنُّقطةُ الأولى الَّتي أريدُ مِنكُم أن تَفهموها هي أنَّنا سنكونُ نَفسَ الأشخاصِ كما نحنُ الآن. فسوفَ أبقى إلى الأبد جون ماك آرثر. وأنا لا أريدُ أن أُفَكِّرَ في ذلكَ الآن، ولكِنَّ ذلكَ سيكونُ أمرًا لا بأسَ بِهِ في السَّماء. فسوفَ أشعُرُ بمشاعِرَ مُختَلِفة بخصوصِ ذلك. ولكِنَّنا سنكونُ إلى الأبد نفسَ الأشخاص. واسمَحوا لي أن أُعطيكُم لَمْحَةً عن ذلك. وهذه نُقطة قويَّة عندما تَبتَدِئونَ في فَهْمِ الفِكرة. سِفْرُ التَّكوين 25: 8: "وَأَسْلَمَ إِبْرَاهِيمُ رُوحَهُ وَمَاتَ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ، شَيْخًا وَشَبْعَانَ أَيَّامًا، وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ". ونَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ في سِفْرِ التَّكوين 35: 29 وسِفْرِ التَّكوين 49: 29. ونَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ في سِفْرِ العَدد 20: 24، والشَّيءَ نَفسَهُ في سِفْرِ القُضاة 2: 10. فعندما كانَ النَّاسُ يَموتون، كانوا يُضَمُّونَ إلى قَومِهم. بعبارةٍ أخرى، كانوا يَحتفظونَ بِهُوِيَّتِهم. فقد كانوا يَنْضَمُّونَ إلى قَومِهم. ونَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني 12: 23 أنَّ ابنَ داودَ الصَّغير مات. وَهُوَ يَقولُ: "هُوَ لاَ يَرْجعُ إِلَيَّ، بل أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْه". فَهُوَ سَيَحتفِظُ بِهُوِيَّتِه، وأنا سأحتفِظُ بِهُوِيَّتي. فَهُوْ سَيَبقى هُوَ، وأنا سأبقى أنا. فجَميعُ النَّاسِ يُحافِظونَ على هُوِيَّتِهم. فسوفَ نكونُ رِفْقَةً مُتنوِّعَةً مِنَ الأفراد.
واسمَحوا لي أن أصْحَبَكُم إلى العهدِ الجديدِ وأنْ أُريكُم ذلكَ أكثر. فنحنُ نَجِدُ في إنجيل لُوقا 22: 8 جُملةً رائعةً وفِكرةً مَجيدةً. وسوفَ نَبتدئُ مِنْ عَدَدٍ لاحِقٍ إذْ نَقرأُ في العَدد 14 أنَّ يَسوعَ: "اتَّكَأَ وَالاثْنَا عَشَرَ رَسُولاً مَعَهُ. وَقَالَ لَهُمْ: شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ". وقد حَدَّثَهُمْ عنِ الفِصْحِ وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "خُذُوا هذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ"؛ أيِ الخُبْزَ والكَأس. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 18: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ [مِنَ الآن فَصاعِدًا] حَتَّى يَأتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ". فسوفَ أشَرَبُهُ مَعَكُم في مَلكوتي. بعبارةٍ أخرى، سوفَ نَلتقي ثانيةً. فأنتُم ستَبْقَوْنَ أنتُم، وأنا سأبقى أنا. وسوفَ نَفعلُ ذلكَ مَرَّةً أخرى ونَحتَفِظُ بِشَرِكَتِنا. ويُقَدِّمُ لنا الأصحاحُ الثَّامِنُ مِن إنجيلِ مَتَّى فِكرةً أخرى عن هذهُ النُّقطةِ؛ وهي ليست مَحْجوبَةً كَثيرًا كما هي الحَالُ في الشَّواهِدِ القليلةِ الأخيرة. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّامِنِ: "وَأَقُولُ لَكُمْ [في العَدد 11]: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب [وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عنِ المَلَكوت] وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَات".
انظُروا إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ التَّاسِع عَشر. وسوفَ أُعَجِّلُ قَليلاً لأنِّي أريدُ أن أُنهي هذهِ النُّقطة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 19: 7: "لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ! لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا. وَأُعْطِيَتْ أَنْ تَلْبَسَ بَزًّا نَقِيًّا بَهِيًّا، لأَنَّ الْبَزَّ هُوَ تَبَرُّرَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَقَالَ لِيَ: اكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ الْخَرُوف". فعندما نَذهَبُ إلى السَّماءِ، اسمَعوني: سَوفَ نُدعَى إلى عَشاءِ عُرْسٍ. فَهُوَ الخَروفُ، ونحنُ العَروس. وَمَنْ هُمُ المَدعُوُّون؟ لا بُدَّ أنَّهُم قِدِّيسو العهدِ القديمِ والضِّيقَة. فسوفَ نَكونُ جَميعًا هُناك. وسوفَ يَكونُ الرَّبُّ هُناك. وسوفَ تَكونُ الكَنيسةُ هُناك. وسوفَ يَكونُ قِدِّيسو الضِّيقةِ وَالعهدِ القديمِ هُناكَ أيضًا. فسوفَ تَكونُ حَفلةً للجَميعِ، يا أحبَّائي. وسوفَ تَستَمِرُّ وتَستَمِرُّ وتَستَمِرُّ مِن عَشاءِ عُرْسِ الخَروفِ الفَريدِ ذاكَ إلى الرِّفْقَةِ والشَّرِكَةِ المَجيدَتَيْنِ إلى الأبد حيثُ سَنَحْتَفِظُ جَميعًا بِهُوِيَّتِنا ونَذهبُ لنكونَ معَ جَميعِ المَفدِيِّينَ الآخرينَ الَّذينَ سَيَحتَفِظونَ بِهُوِيَّتِهم، ولكِنْ في هَيئةٍ مُمَجَّدَةٍ تَمامًا إلى أبدِ الآبِدين. ويجبُ عليكَ أن تَختار. فيُمكِنُكَ أن تَكونَ في شَرِكَةٍ معَ أخنوخ، أو نُوْح، أو إبراهيم، أو يَعقوب، أو صَموئيل، أو مُوْسَى، أو يَشوع، أو أستير، أو إيليَّا، أو أليشَع، أو إشَعْياء، أو دانيال، أو حِزْقيال، أو داوُد، أو بُطرس، أو بَرنابا، أو بولُس، أو أيِّ شخصٍ تَشاء. وسوفَ يَبْقَوْنَ كَما هُمْ، وتَبقى أنتَ كما أنتَ.
هل تَذكرونَ مَا حَدَثَ على جَبَلِ التَّجَلِّي عندما صَعِدَ بُطرسُ ويَعقوبُ ويُوحَنَّا إلى الجَبَلِ مَعَ رَبِّنا إذْ نَقرأُ أنَّهُ ظَهَرَ لَهُم مُوسَى وإيليَّا؟ فقد ظَهَرَ مُوسَى وإيليَّا على ذلكَ الجَبل. وهذا يُخبرُنا أنَّ هَذينِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ مَاتا قبلَ قُرونٍ مَضَتْ ما زالا يَحتَفِظان بِهُوِيَّتِهما. ثانيًا، مِنَ الواضحِ أنَّ بُطرسَ ويَعقوبَ ويُوحَنَّا عَرَفوهُما. وهذا يُخبرُنا أنَّنا سنَتمكَّنُ أيضًا مِن تَمييزِ أشخاصٍ لم نَرَهُمْ مِنْ قَبْل. لِذا فإنَّ حَادِثَةَ التَّجَلِّي هي إعادَةُ تأكيدٍ للهُويَّةِ الشَّخصيَّةِ الَّتي نَحتَفِظُ بها في السَّماءِ، وتَمييزٌ لِتلكَ الهُوِيَّةِ مِنْ قِبَلِ أشخاصٍ لم يَرَوْا هؤلاءِ النَّاس. فسوفَ نَعرِفُهُم حَالاً جَميعًا، ونَكونُ في شَرِكَة مَعَهُم جَميعًا، ونَستمِرُّ في الوُجودِ كَما نَحْنُ تَمامًا ونَعرِفُ الجَميعَ مَعرفةً مُختَلِفَة. وقد قالَ يَسوعُ لِلِّصِّ على الصَّليب: "إنَّكَ اليومَ تَكونُ مَعي [أين؟] في الفِرْدَوْس". فسوفَ نكونُ أنا وأنتَ معًا. فنحنُ لن نُجْعَلَ مُحايِدينَ ونُدْمَجَ في كِيانٍ واحِد، بل إنَّنا سَنَبقى كَما نَحن...سَنَبقى كَما نَحن.
وهذهِ فِكرةٌ عَظيمة. فسوفَ يَكونُ إبراهيمُ هُناكَ. وسوفَ يَكونُ إسحاقُ هُناكَ. وسوفَ يَكونُ يَعقوبُ هُناكَ. وسوفَ تَكونونَ هُناكَ، وأكونُ أنا هُناكَ، وكُلُّ شخصٍ يُحِبُّ الرَّبَّ سيكونُ هُناكَ. ولن يَقتَصِرَ الأمرُ فقط على أنَّنا سنكونُ هُناكَ، وعلى أنَّنا سَنَبقى كَما نَحْنُ ولكِنْ في حَالةٍ مُكَمَّلَةٍ، بل إنَّنا سنتَمكَّنُ مِن أن نَكونَ في شَرِكَةٍ بَعْضُنا مَعَ بعض طَوالَ الأبديَّةِ لأنَّنا سَنَعرِفُ بَعضُنا بَعضًا مَعرفةً تَامَّةً. وفي ذلكَ المَقطَعِ مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 22 حيثُ حَاوَلَ الصَّدُّوقِيُّونَ أنْ يُوْقِعوا يَسوعَ في الفَخِّ، يَقولُ في الآيةِ الأخيرة (أي في الآية 32): "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ". وما الَّذي قَصَدَهُ؟ أنَّ إبراهيمَ حَيٌّ، وأنَّ إسحاقَ حَيٌّ، وأنَّ يَعقوبَ حَيٌّ. وأنا إلَهُهُم، لا أنِّي كُنْتُ إلَهَهُم. فأنا إلَهُهُم، وَهُمْ شَعْبي.
والآن، قد يَطرَحُ شخصٌ السُّؤالَ التَّالي: "هل سيكونُ هُناكَ لَمُّ شَمْلٍ في السَّماء؟" هُناكَ شَيءٌ آخرُ كانَ يَنبغي أن أَذكُرَهُ، وقد خَطَرَ ببالي الآن، وَهُوَ مَذكورٌ في سِفْر الرُّؤيا. وهذا مُهِمٌّ جدًّا ولا يُمكِنُني أن أَتَجاهَلَهُ. واسمَحوا لي أن أقولَهُ لَكُم باختِصار. رُؤيا 2: 17: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ... حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ". يا للعَجَب! فسوفَ تَحصُلُ على اسمٍ جَديدٍ إلى الأبد. إذًا، سوفَ تَحتَفِظُ بِهُوِيَّتِكَ، ولكِنَّ اسمَكَ هُوَ الَّذي سَيَتَطَهَّرُ ويَتَنَقَّى. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الخامِسِ مِنَ الأصحاحِ الثَّالث: "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي". فاسمُهُ المُكَمَّلُ الآنَ سيكونُ دائمًا اسمَهُ، وسأعتَرِف باسمِهِ أمامَ الله. وفي العدد 12: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ..." فسوفَ يَبقى دائمًا في السَّماء. "...وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ". فسوفَ تَحصُلُ على كُلِّ أنواعِ الأسماء. فسوفَ أكونُ جون المُقَدَّس الكَامِل (في حَالَتي). فسوفَ أكونُ بِرِفْقَةِ جَميعِ المَفدِيِّينَ وأحمِلُ اسمَ اللهِ، وأحمِلُ اسمَ المَسيحِ؛ لا بطريقةٍ هَرْطَقِيَّة، بل بطريقةٍ حَقيقيَّة. ويا لها مِن فِكرةٍ عَظيمة! فِكرةٍ عَظيمة!
فسوفَ نَكونُ على حَقيقَتِنا. وسوف نَكونُ في شَرِكَة. والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ الآن هو: هل سَنَتَّحِدُ بأحبَّائِنا الآخرين؟ بِكُلِّ تأكيد. فَلا حَاجَةَ إلى قَولِ ذلكَ لأنَّنا نَحْتَفِظُ جَميعًا بِهُوِيَّتِنا. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في رِسالةِ تَسالونيكي الأولى، هل تَذكرونَ الوَعدَ باختِطافِ الكَنيسةِ في الأصحاحِ الرَّابع؟ وَهُوَ يَقولُ في نِهايةِ هذا المَقطعِ إنَّ المَلائكةَ سَيأتونَ وَيَنْفُخونَ في البُوقِ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ. ثُمَّ إنَّ الأَمْوَاتَ فِي المَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 18: "عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَم". ولماذا كانَ ذلكَ الكَلامُ مُعَزِّيًا؟ بسببِ تَرَقُّبِ لَمِّ الشَّمْل. فقد كانَ هُناكَ تَخَوُّفٌ مِن أنَّ عَدَدًا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ مَاتوا قد لا يَحصُلونَ على المَجدِ الأبديِّ. لِذا، كانَ هذا الكلامُ المُشجِّعُ يَرمي إلى تَعزِيَتِهِم بحقيقةِ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ مَاتوا لم يُفَوِّتوا مَجيءَ المَسيح. فَهُوَ سيأتي ويَجمَعُهُم أوَّلاً مِنَ القَبْرِ، ثُمَّ إنَّ الأحياءَ سَيُجمَعونَ فَنَجتَمِعُ جَميعًا مَرَّةً أخرى. عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بذلكَ الرَّجاءِ العَظيمِ الرَّائع. فرَجاءُ التَّعزيةِ نَفسُهُ يُشيرُ إذًا إلى رَجاءِ لَمِّ الشَّمْل...لَمِّ الشَّمْل. ونحنُ نُؤمِنُ بأنَّنا سَنَحظى بِلَمِّ الشَّمْلِ المَجيدِ ذلكَ معَ المَفدِيِّينَ عندما نَمْضي لنكونَ معَ الرَّبّ. وحيثُ إنَّنا نَعرِفُ الجَميعَ، سوفَ نَعرِفُ الأشخاصَ الَّذينَ نُريدُ بِصورةٍ خاصَّةٍ أن نَعرِفَهُم.
وما نَوعُ العَلاقاتِ الَّتي سَنتمتَّعُ بها؟ رُبَّما يُمكِنُنا أن نُلَخِّصَ ذلكَ مِن خلالِ النَّظَرِ إلى مَقطَعٍ أخيرٍ وَهُوَ رُؤيا 21: 5. سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 21. والحقيقةُ هي أنَّهُ يجبُ علينا أن نَقرأَ الأعداد 1-5: "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ". وإليكُم بِضعةَ أشياءٍ تُساعِدُنا في فَهْمِ شَرِكَتِنا: "وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ". فسوفَ تَكونُ شَرِكَة مِن دُونِ دُموع. "وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ". فسوفَ تَكونُ شَرِكَة مِن دُونِ انفصال. "وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ". فسوفَ تَكونُ شَرِكَة مِن دونِ أَلَم، وشَرِكَة مِن دونِ مَوت، وشَرِكَة مِن دونِ حُزن، وشَرِكَة مِن دونِ قَلَق. فما الَّذي يَجعَلُ شَرِكَتَنا شَاقَّةً هُنا؟ الدُّموعُ، والبُكاءُ، والألمُ، والموت. ولكِنَّ ذلكَ كُلَّهُ سَيَزول. فسوفَ نَتمتَّعُ بعلاقةٍ لم نَخْتَبِر مَثيلاً لها يَومًا. وسوفَ يَكونُ هُناكَ جَمالٌ في السَّماء. وأعتقد أنَّهُ سيكونُ هُناكَ مَرَحٌ تَامٌّ في السَّماءِ لأنَّ اللهَ أعطانا حَتَّى ذلك. وقد كَتَبَ "أ.أ. هودج" (AA Hodge): "مِنَ المؤكَّدِ أنَّ السَّماءَ، الَّتي هِيَ المَسْكَنُ الأبديُّ للإنسانِ المُمَجَّدِ وجَميعِ أفرادِ الجِنسِ البشريِّ المَفدِيِّينَ، ستكونُ بَشريَّةً في بُنْيَتِها، وأحوالِها، وأنشِطَتِها. ولا بُدَّ أنَّ أفراحَها وأنشِطَتَها ستكونُ عَقلانِيَّةً، وأخلاقيَّةً، وعاطِفيَّةً، وطَوعِيَّةً، ونَشِطَة. ولا بُدَّ أنْ تُمارَسَ فيها كُلُّ القُدراتِ، وأنْ تُشبَعَ فيها كُلُّ الأذواقِ، وأنْ تَنْمو فيها كُلُّ المواهِبِ، وأنْ تَتَحَقَّقَ فيها كُلُّ المُثُلِ العُليا. ولا بُدَّ أنَّ المَنطِقَ، والفُضولَ العَقليَّ، والقُدرةَ على التَّخَيُّلِ، والغَرائِزَ الجَماليَّةَ، والمَشاعِرَ المُقَدَّسَةَ، والمَوَدَّةَ الاجتماعيَّةَ، والمَوارِدَ الَّتي لا تَنضَبُ للقُوَّةِ والقُدرةِ المُختصَّةِ بالنَّفسِ البشريَّةِ، لا بُدَّ أنَّها جَميعًا سَتَجِدُ في السَّماءِ التَّحقيقَ والشِّبَع" [نِهايةُ الاقتباس]. ويا لها مِن كَلِماتٍ رائعة! لِذا، لا عَجَبَ أنَّ المُرَنِّمَ قالَ: "عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ". ويا لَهُ مِنْ رَجاءٍ لَنا! فهُناكَ عَلاقاتٌ مَجيدةٌ تَنتَظِرُنا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي.
نَحنُ نَتذكَّرُ يا أبانا كلماتِ التَّرنيمةِ القَديمةِ الَّتي تَقول: "سوفَ أُرَنِّمُ لَكَ تَرنيمَةً عن تلكَ الأرضِ الجَميلة، وعن ذلكَ البيتِ البَعيدِ للنَّفسِ حيثُ لا تَهُبُّ أيُّ عَواصِفَ على الشَّاطِئِ المُتَلألِئ فيما تُطْوَى سَنواتُ الأبديَّة. ما أَحلى أن نَكون في تلكَ الأرضِ الجَميلةِ الخَاليةِ تَمامًا مِنْ كُلِّ حُزنٍ وألم، وأنْ نُرَنِّمَ بِشِفاهِنا والقيثاراتُ في أيدينا حينَ يُحَيِّي بَعضُنا بَعضًا مَرَّةً أخرى". نحنُ نَتوقُ إلى ذلكَ، يا أبانا، ونَتوقُ إلى لَمِّ الشَّمْلِ هُناك. ونحنُ نَتذكَّرُ كَلمات "لونغفيلو" (Longfellow) الَّذي قالَ: "لا يُوجَدُ قَطيعٌ يَحتاجُ إلى المُراقَبةِ والرِّعاية، بل يُوجَد حَمَلٌ واحِدٌ مَيِّتُ هُناك. ولا يُوجَد بَيتٌ يَحتاجُ إلى الحِماية، بل يُوجَدُ كُرْسِيٌّ واحِدٌ فَارِغ. وهُناكَ أُمٌّ، أو أبٌ، أو أَخٌ، أو أُختٌ، أو فَرْدٌ في العائلةِ. فنحنُ جَميعًا لدينا أحِبَّاءَ هُناك. ونحنُ جَميعًا لدينا مَقْعَد فارغ. ونحنُ جميعًا لدينا حَمَلٌ مَيِّتٌ في قَطيعِ حَياتِنا. ونحنُ نَتوقُ إلى لَمِّ الشَّمْلِ المَجيدِ الَّذي تُوَفِّرُهُ السَّماءُ لنا". ونحنُ نَقولُ مَعَ يُوحَنَّا: "آمين تَعالَ أيُّها الرَّبُّ يَسوع". يا أبانا، بارِكْنا فيما نُرَنِّمُ في أثناءِ مُغادَرَتِنا لهذا المَكان، وَسَاعِدنا على أن نَحصُرَ اهتِمامَنا بالأمورِ الَّتي في العُلَى. باسمِ المُخَلِّص. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
