Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمون، نحنُ نَتأمَّلُ في مَوضوعِ السَّماء. والحقيقةُ هي أنَّنا عَنْوَنَّا هذهِ السِّلسِلَةَ: "التَّطَلُّعُ نَحْوَ السَّماء". وهذه هي العِظَةُ الثَّالثة. وقد أخبَرتُكم في أثناءِ تَأمُّلِنا في موضوعِ السَّماءِ أنَّهُ في اليومِ الَّذي نَعيشُ فيه، يبدو أنَّهُ يُوجَدُ في الكنيسة اهتِمامٌ ضَئيلٌ جدًّا بِمَوضوعِ السَّماء. والحقيقةُ هي أنَّ الكنيسةَ في جِيْلي تَرَكَتْ حَقًّا تُراثًا مِنَ الوَعظِ الكِتابِيِّ الَّذي يُرَكِّزُ على مَجدِ السَّماء. فقد تُرِكَ لي ذلكَ الإرْث. ولكِنَّ الكنيسةَ اليوم تَترُكُ للجيلِ القادِمِ إرْثًا لا مِنَ الوعظِ التَّفسيريِّ، بل مِنَ الوَعْظِ العَلائِقِيّ، وتَركيزًا لا على السَّماءِ، بل تَركيزًا على النَّجاحِ الشَّخصيِّ هُنا والآن. لِذا، فقد حَدَثَتْ نَقْلَةٌ كبيرة. وأعتقدُ أنَّ الوقتَ قد حَانَ كي نَرجِعَ ونَنظُرَ نَظرةً فَاحِصَةً إلى السَّماء.

لقد نَشَأنا في زَمَنٍ كانَ النَّاسُ فيهِ يُنادونَ بكلمةِ اللهِ ويَكرِزونَ ضِدَّ الخَطيَّة، ولكِنَّنا نَعيشُ الآنَ في زَمَنٍ يُرَكِّزُ فيهِ النَّاسُ على جَمْعِ التَّبَرُّعاتِ المَاليَّةِ وعلى العَلاقاتِ العَامَّة. وَهُوَ يَومٌ مُختَلِفٌ بالنِّسبةِ إلى الكنيسة. وأعتقدُ أنَّنا فَقَدنا نَظرَتَنا السَّليمة إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يجبُ علينا أن نَستَعيدَها. والحقيقةُ هي أنَّ عَدَمَ إدراكِ أهميَّةِ السَّماءِ هُوَ خَلَلٌ كبيرٌ جدًّا في حياةِ الكنيسة. وَهُوَ يَقودُ إلى كُلِّ أنواعِ المَشاكِل. و "جون بَنْيان" (John Bunyan) الَّذي كَتَبَ، كما تَعلمونَ جَيِّدًا، القصَّةَ الكلاسيكيَّةَ عنِ الحياةِ المَسيحيَّةِ "سِياحَة المَسيحيّ" (Pilgrim’s Progress) رَكَّزَ في نُقطةٍ مُعيَّنَةٍ مِن "سِياحَةِ المَسيحيِّ" على الحِوارِ الَّذي دَارَ بينَ سَائِحَيْنِ كانا في طَريقِهما إلى المَدينةِ السَّماويَّة. والحَقيقةُ هي أنَّ النُّقطةَ الرَّئيسيَّةَ مِنَ القِصَّةِ هي أنَّ المَسيحيَّ كانَ في طَريقِهِ إلى المَدينةِ السَّماويَّةِ الَّتي هي السَّماء. وبينما كانَ هذانِ السَّائِحانِ يَسيرانِ في طَريقِهما إلى تلكَ المَدينةِ السَّماويَّة، سَألَ أَحَدُهُما الآخَرَ: "مَتى تَجِدُ نَفسَكَ في أفضلِ وأنشَطِ حَالَةٍ رُوحِيَّة؟" وقد أجابَ الآخَرُ: "عندما أُفَكِّرُ في المَكانِ الَّذي أنا ذَاهِبٌ إليه". ومِن خِلالِ تلكَ النُّقطةِ البسيطةِ مِنَ الحِوارِ في الطَّريق، يُرَكِّزُ "جون بَنْيان" على حَقيقةِ أنَّ الحياةَ الروحيَّةَ النَّشِطَةَ تَتحقَّقُ مِنْ خِلالِ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يَتَفَكَّرونَ في المَكانِ الَّذي هُمْ في طَريقِهم إليه، والَّذينَ انفَصَلوا [بِمَعنى مِنَ المَعاني] عَنِ المَكانِ الَّذي كانوا فيهِ، وَحَتَّى عَنِ المَكانِ الَّذي هُمْ فيهِ الآن بسببِ انشِغالِهمِ التَّامِّ بالمَكانِ الَّذي هُمْ في طَريقِهم إليه. وأعتقدُ أنَّ "بَنْيان" فَهِمَ قُوَّةَ تَرَقُّبِ السَّماء، وقُوَّةَ إلحاقِ الهَزيمةِ بكُلِّ التَّجارِبِ والامتحاناتِ في رِحلةِ الحياة. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ الكنيسةَ اليومَ سَتَتغيَّرُ بِفِعْلِ العَقليَّةِ السَّماويَّة.

وأنا أَذكُرُ أنِّي عندما كُنتُ صَغيرًا، كانت هُناكَ جُملة يُرَدِّدُها الجَميعُ وهي: "الشَّخصُ الَّذي يُفَكِّرُ كَثيرًا في السَّماءِ لا يَصْلُحُ للأرض". هل سَمِعتُم تلكَ الجُملة؟ ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّها جُملة صَحيحة، بل أعتقدُ أنَّهُ يجبُ علينا أن نَعكِسَها ونقولَ: "الشَّخصُ الَّذي يُفَكِّرُ كَثيرًا في الأرضِ لا يَصْلُحُ للسَّماء" لأنَّ هُناكَ تَغييرًا هَائلاً في التَّفكير. وفي هذهِ السِّلسِلَة، أُحاوِلُ أن أُرَكِّزَ أفْكارَنا على السَّماءِ كي نَتَعَلَّمَ أن نُفَكِّرَ في المَكانِ الَّذي سَنذهبُ إليهِ لأنَّ رِحْلَتَنا هي أيضًا رِحلة إلى المَدينةِ السَّماويَّة. ويجب علينا أن نُفَكِّرَ تَفكيرًا سَماويًّا كي نَكونَ صَالِحينَ للأرض.

والآن، لقد حَاوَلنا في دراسَتِنا أن نُجيبَ عن عَدَدٍ مِنَ الأسئلةِ لأنَّها دِراسَةٌ تُرَكِّزُ على مَوضوعٍ مُحَدَّدٍ لا على نَصٍّ كِتابيٍّ. والسُّؤالُ الأوَّلُ الَّذي طَرَحْناهُ وأَجَبْنا عنهُ هو: ما السَّماء؟ وقد رأينا أنَّ السَّماءَ مَكانٌ. فَهِيَ مَكانٌ يَسكُنُ اللهُ فيهِ بِجلالِهِ وسِيادَتِه. وَهُوَ مَعروفٌ تَمامًا وكُليًّا، وَقَدِ اخْتُبِرَ مِنْ قِبَلِ مَلائِكَتِهِ وَمِنْ قِبَلِ القِدِّيسينَ الَّذينَ يَعبُدونَهُ ويُوجَدونَ في حَضرَتِهِ إلى الأبد. فقِدِّيسو العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ مَوجودونَ هُناكَ بالرُّوح. وَهُمْ مَعَ اللهِ بانتظارِ أجسادِهم المُمَجَّدةِ الَّتي سَيَحصُلونَ عليها عندَ المَجيءِ الثَّاني. إذًا السَّماءُ مَكانٌ. فَهِيَ مَكانٌ يَسكُنُهُ اللهُ وَسَيَسْكُنُهُ جَميعُ القِدِّيسينَ مِنْ كُلِّ العُصورِ إلى أبدِ الآبِدينَ في أجسادٍ مُمَجَّدة. والقِدِّيسونَ الموجودونَ هُناكَ الآنَ هُمْ بِلا أجسادِهم بانتظارِ القِيامَةِ حينَ يَنْضَمُّ الجَسَدُ إلى الرُّوحِ في تلكَ الحالةِ الأبديَّة. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ بمزيدٍ مِنَ التَّفصيلِ في المُستقبَل. وإلى أنْ نَذهبَ إلى السَّماء، يُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ أنَّنا نَعيشُ حَتَّى في هذا الوقتِ، بِصِفَتِنا مَسيحيِّينَ، في حَالةٍ تُدعى "السَّماوِيَّات". لِذا، مِنْ جِهَة، السَّماءُ مَكانٌ. وهي أيضًا حَالَة مِنَ الوُجود. فنحنُ لَسْنا بعد في المَكانِ الَّذي يُدعى "السَّماء"، ولكِنَّنا نَعيشُ في نِطاقٍ أو حَالَةٍ مِنَ الوُجودِ تُدعَى "السَّماوِيَّات". وهذا يَعني أنَّنا نَعيشُ في نِطاقِ سِيادَةِ اللهِ. فنحنُ لَسنا بعدُ في سَماءِ السَّماواتِ، ولكِنَّنا تَحتَ سِيادةِ اللهِ في نِطاقِ سُلطانِهِ الرُّوحِيِّ على قُلوبِ وَحياةِ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِهِ مِن خلالِ يَسوعَ المَسيح. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن رِسالةِ أفسُس أنَّنا تَبارَكْنا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّات.

فَنَحْنُ نَتذوَّقُ مُنذُ الآنَ طَعْمَ الحياةِ السَّماويَّة. فنحنُ نَتَذَوَّقُها مِنْ خِلالِ حُضورِ الرُّوحِ القُدُسِ وَسُكْناه. ونحنُ نَتذوَّقُها لأنَّنا نَمْتَلِكُ الحَياةَ الأبديَّةَ هُنا والآن. ونحنُ نَتَذَوَّقُها لأنَّنا أفرادٌ في عَائلةِ اللهِ الأبديَّة. ونحنُ نَتذوَّقُها لأنَّنا اخْتَبَرْنا الوِلادةَ الثَّانية. فقد خُلِقَتْ نُفوسُنا مِن جَديد. ونحنُ نَنتَظِرُ إعادَةَ خَلْقِ أجسادِنا. ونحنُ نَتذوَّقُ السَّماءَ الآنَ لأنَّنا نُختَبِرُ طَبيعةَ السَّماءِ: المحبَّةَ، والفَرَحَ، والسَّلامَ، والصَّلاحَ، ومَا إلى ذلك. ونحنُ، في الحَقيقة، شُرَكاءُ مُنذُ الآن في الطَّبيعةِ الإلهيَّة. ونَقرأُ في رِسالةِ فيلبِّي 3: 20 و 21 أنَّنا مُواطِنونَ سَماوِيُّون. لِذا، نحنُ لم نَذهب بَعْد إلى المَكانِ الَّذي يُدعَى "السَّماء"، ولكِنَّنا نَعيشُ في نِطاقٍ يُدعَى: "السَّماويَّات". ونحنُ نَتَذَوَّقُ مُسَبَّقًا طَعْمَ المَجْدِ الإلهيّ. وهذا يَعني أنَّنا سَنَبقى في هَذا العَالَمِ، أيْ طَالَما نَعيشُ هُنا، سَنبقى نُزلاء وغُرَباء. فنحنُ نَنتَمي إلى بَلَدٍ آخَر. وأبونا هُناك، ومُخَلِّصُنا هُناك، ورِفاقُنا القِدِّيسونَ هُناك، وكَنْزُنا هُناك، ومِيراثُنا هُناك، وبيتُنا هُناك. ونحنُ مُجَرَّدُ عَابِرينَ في هذا المَكان. لِذا فقد أَجَبْنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ وقُلنا إنَّ السَّماءَ مَكانٌ، وإنَّ السَّماءَ نِطاقٌ يَسودُ اللهُ فيه. ثانيًا، لقد طَرَحْنا السُّؤالَ: أينَ هي السَّماء؟ والجوابُ هُوَ ماذا؟ فَوْق...فَوْق. فَوْق أين؟ فَوْق في السَّماءِ الثَّالثة. فالسَّماءُ بَعيدة. فإنْ سَافَرنا إلى ما وَراءَ كُلِّ الكَواكِبِ وكُلِّ النُّجومِ لن نَصِلَ إلى هُناك. فهي بَعيدةٌ جدًّا. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ ما السُّرعةُ الَّتي يُمكِنُكم أن تَذهبوا بِها إليها؟ في يَومٍ واحِدٍ! رُبَّما في طَرْفَةِ عَيْن. فقد قالَ يَسوعُ للِّصِّ على الصَّليب: "إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْس". فهي بَعيدة، ولكنَّها قَريبة.

والسُّؤالُ الثَّالثُ الَّذي طَرَحناهُ والذي نُريدُ أن نَتطرَّقَ إليهِ مَرَّةً أخرى في هذا المَساءِ هُوَ: كيفَ هي السَّماء؟ كيفَ هي؟ وقد نَظرنا إلى سِفْرِ حِزْقيال والأصحاحِ الأوَّل. وقد حَاوَلَ حِزْقيالُ أن يُقَدِّمَ لَنا وَصْفًا لَها، ولكِنَّهُ حَيَّرَ عُقولَنا. فالأصحاحُ الأوَّلُ مِن سِفْرِ حِزْقيال هُوَ نَصٌّ مُعَقَّدٌ. وأنا أُقِرُّ أنَّها صُورةٌ مُحَيِّرةٌ لِنورٍ مُشِعٍّ يُظْهِرُ بَكَراتٍ مُلَوَّنَةً تُشِعُّ نُورًا وَتَتَلألأُ كالحِجارَةِ الكَريمةِ المَصقولَةِ، وهي جَميعُها تَمْتَزِجُ بِجَلالِ وَحَرَكَةِ المَلائكةِ القِدِّيسينَ، وقَوْسِ قُزَحٍ يَكادُ يُعْمي الأعيُنَ لِشِدَّةِ لَمعانِهِ الَّذي مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ يَستَعصي على الوَصف. إنَّها المَكانُ الَّذي يُوجَدُ فيهِ عَرشُ اللهِ، والَّذي يَظهَرُ فيهِ نُورٌ مُشِعٌّ وعَظيمٌ يَنْبَعِثُ مِنْ ذلكَ العَرش.

وقد قُلنا أيضًا إنَّ سِفْرَ الرُّؤيا يُخبرُنا أنَّهُ يُوجَدُ هُناكَ لا عَرْشٌ وَحَسْب، بل إنَّهُ يُوجَدُ أيضًا هَيكَلٌ هُناك. ولكِنَّنا لاحَظْنا أمورًا مُدهشةً. فبحسبِ ما جاءَ في سِفْرِ الرُّؤيا 3: 12، نَقرأُ أنَّ هُناكَ هَيكلاً في السَّماءِ لا يَخرُجُ القِدِّيسونَ مِنْهُ. ولا بُدَّ أنَّهُ هَيكَلٌ كَبير. فَهُوَ ضَخْمٌ، وَغيرُ مَحدودٍ، وأبديٌّ. ولا يُمكِنُنا أن نَخرُجَ مِنهُ (بحسبِ الآيَتَيْن 3: 12 و 7: 15). والحَقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ أنَّهُ في هَيكَلِ اللهِ يَبْسُطُ خَيْمَتَهُ عَليهِم. ونَرى لاحِقًا (حينَ نَصِلُ إلى الأصحاح 21 والعَدد 22) أنَّ الرَّبَّ نَفسَهُ هُوَ والخَروفَ الهَيكَل. وما نَوعُ الهَيكَلِ الَّذي لا تُغادِرُهُ البَتَّة؟ وما نَوعُ الهَيكَلِ الَّذي يَبْسُطُ اللهُ في السَّماءِ الأبديَّةِ خَيمَتَهُ عَلى كُلِّ شَعبِه؟ إنَّهُ حُضُورُه. فهُناكَ عَرْشٌ؛ وَهُوَ النُّقطةُ المَركزيَّةُ إذْ إنَّ اللهَ يُعلِنُ جَلالَهُ وَسِيادَتَهُ وَمَجْدَهُ. ولكِنْ في الوقتِ نَفسِه، هُناكَ هَيكَلٌ غيرُ مَحدودٍ مِثلَ السَّماءِ بأسرِها. وهذا أمرٌ مُذهِل...مُذهِل!

لِذا فإنَّهُ يُوجَدُ عَرشٌ هُناكَ. وبالرَّغمِ مِن وُجودِ نُقطةٍ مَركزيَّةٍ في العَرشِ فإنَّ كُلَّ السَّماءِ غيرِ المَحدودة هي حُضورُ الله. وَكُلُّ حُضورِ اللهِ والخَروفِ هُوَ الهَيكَل. لِذا فإنَّنا لن نَخرُجَ مِنَ الهَيكلِ لأنَّهُ غَيرُ مُتناهٍ على غِرارِ حُضورِ الله. فلا بُدَّ أن يَكونَ هَيكلاً يَستطيعُ أنْ يَستوعِبَ اللهَ الأبديَّ. والهَيكَلُ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَستوعِبَ اللهَ الأزليَّ هُوَ الهَيكَلُ غيرُ المَحدودِ على غِرارِ اللهِ غيرِ المَحدود.

والآن، لِمَزيدٍ مِنَ الوَصفِ المُفَصِّلِ للسَّماءِ، لِنَذهَب إلى سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحَيْن 21 و 22. فهذانِ الأصحاحانِ يُطْلِعانَا على مَا يُسَمِّيهِ الكتابُ المقدَّسُ "السَّماء الجَديدة والأرض الجَديدة"؛ وَهِيَ الحَالَةُ الأبديَّة. والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم نَظرةً خَاطِفَةً. وقد تَحدَّثنا عن ذلكَ قبلَ أُسبوعَيْن، ولكنِّي أريدُ أن أُذَكِّرَكُم بذلك. فقد قُلنا إنَّهُ يُوجَدُ كَوْنٌ حَاليًّا. وهذا الكَوْنُ الحَالِيُّ مَوجودٌ في الهَيئَةِ الَّتي نَعرِفُها، ويَحوي كُلَّ الأجْرامِ السَّماويَّةِ، والنُّجومِ، والأقمارِ، والكَواكِبِ، وَما إلى ذلك. وهذهِ هي السَّماءُ الحَاليَّة. وهُنا في الأسفل تَوجَدُ الأرضُ الحَاليَّة. وحوْلَ نِطاقِ كَوْنِنا الفَسيحِ هُناكَ المَسْكَنُ غيرُ المَحدودُ للهِ غيرِ المَحدود؛ أيْ على غِرارِ اللهِ نَفسِهِ الَّذي لا تَحُدُّهُ حُدود.

وذاتَ يومً، سَيَضُمُّ اللهُ حَرْفِيًّا الكَونَ كُلَّهُ ويُحَوِّلُهُ إلى السَّماءِ بِشَكلِها النِهائيِّ. لِذا فإنَّها تُدعَى السَّماء الجَديدة والأرض الجَديدة. أمَّا الآن فإنَّهُ تُوجَدُ أرضٌ قَديمةٌ وسَماءٌ قَديمة. وَهُما مُلَوَّثَتانِ بالخطيَّةِ، وَمُلَطَّخَتانِ بالسُّقوط. والحقيقةُ هي أنَّ الأرضَ هي نِطاقُ الشَّيطانِ، وتَحتَ هَيمنةِ الشَّيطانِ، وأنَّ الأرضَ مَأهولَةٌ بالبَشَرِ السَّاقِطينَ، وأنَّ الفَضاءَ الخَارِجِيَّ مَأهولٌ بالشَّياطينِ السَّاقطين. وَثُلْثُ السَّماءِ فَقَطْ طَاهِرَة تَمامًا وَبلا عَيْب.

ولكِنْ عِندَ إعادَةِ الخَلْقِ، ستكونُ هُناكَ سَماءٌ جَديدةٌ وأرضٌ جَديدة. وهذا يَعني أنَّ ثُلْثَ السَّماءِ سَتَضُمُّ السَّمَاءَيْنِ (الأولى والثَّانيةَ) والأرضَ وتُحَوِّلُها إلى الحَالَةِ الأبديَّةِ النِّهائيَّة. وَمِنَ الأرضِ فَصاعِدًا إلى الفَضاءِ اللَّامُتَناهي، ستكونُ هُناكَ سَماءُ السَّماواتِ. وسوفَ تَكونُ هُناكَ حُفرةٌ صَغيرةٌ في مَكانٍ مَا تُدعى "جَهَنَّم". ولكِنْ عَدا عن ذلك، سوفَ يُضَمُّ كُلُّ شيءٍ إلى الحَالةِ النِّهائيَّةِ الَّتي تُدعَى السَّماوات الجَديدة والأرض الجَديدة.

وهذهِ ليست فِكرة جَديدة. والحَقيقةُ هي أنَّها فِكرة حَصَلَ عليها أنبياءُ العهدِ القديمِ مِنَ الله. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 65: 17: "لأَنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، فَلاَ تُذْكَرُ الأُولَى وَلاَ تَخْطُرُ عَلَى بَال. بَلِ افْرَحُوا وَابْتَهِجُوا إِلَى الأَبَدِ فِي مَا أَنَا خَالِقٌ". وَهذا يُخبِرُنا أنَّهُ عندما نَذهبُ إلى السَّماواتِ الجَديدة والأرضِ الجَديدة، لن نَتذكَّرَ البَتَّةَ كيفَ كانتِ القَديمة...البَتَّة...في تلكَ السَّماءِ الجَديدةِ المَجيدة. ويُقَدِّمُ لنا الأصحاح 66 نَظرةً مُشابِهَةً في سِفْرِ إشَعْياء إذْ نَقرأُ في العَدد 22: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي أَنَا صَانِعٌ تَثْبُتُ أَمَامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ". وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، هُناكَ بِضْعَةُ شَواهِد في العهدِ القديمِ تَتحدَّثُ عنِ السَّماءِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة. ويُمكِنُكم أن تَجِدوها أيضًا في المَزمور 102 والعَدَدَيْن 25 و 26. لِذا فإنَّ هذا الأمرَ هُوَ شَيءٌ وَعَدَ اللهُ بِهِ مُنذُ وقتٍ طَويل. ويُمكِنُنا أنْ نَجِدَ شَاهِدًا آخَرَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الأوَّلِ؛ وَهُوَ اقتباسٌ مِنَ المَزمور 102: 10: "وَ «أَنْتَ يَارَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى»". بِعبارة أخرى فإنَّ المُرَنِّمَ يَقولُ (وكاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ يَقتَبِسُ كَلامَهُ قائلاً): "يا رَبُّ، هُناكَ سَماءٌ وأرضٌ، ولكِنَّكَ سَتُغَيِّرهُما". وهذا صَحيح. فَسوفَ تَكونُ هُناكَ أرضٌ أبديَّة. وسوفَ يَكونُ هُناكَ كَوْنٌ أبدِيٌّ. وسوفَ تَكونُ هُناكَ سَماءٌ أبديَّة. وسوفَ تَكونُ جَميعًا واحِدَةً ومُتماثِلَة. فسوفَ تَكونُ هُناكَ أرضٌ لا تُشبِهُ الأرضَ الَّتي نَعرِفُها. وسوفَ يَكونُ هُناكَ فَضَاءٌ خَارِجِيٌّ لا يُشبِهُ الفَضاءَ الخَارِجيَّ الَّذي نَعرِفُهُ.

والآن، نَأتي إلى سِفْرِ الرُّؤيا فَنَجِدُ وَصْفًا لِهذا الكَون. فَتاريخُ الأرضِ انتَهى. والمَجزرةُ العَظيمةُ الأخيرةُ على الأرضِ تَمَّتْ. ومَعرَكةُ هَرْمَجَدُّون انْتَهَت. وقد تَمَّ تَقييدُ الشَّيطانِ وَطَرْحُهُ في جَهَنَّم. ومُلْكُ يَسوعَ المَسيحِ الأَلْفِيُّ انْتَهى. وكُلُّ الأشرارِ الَّذينَ عَاشوا في كُلِّ العُصورِ طُرِحُوا في جَهَنَّم. ونَقرأُ في العَدد 14: "وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي". في بُحيرةِ النَّار. "وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ". وبِطَرْحِ الشَّيطانِ وكُلِّ الأشرارِ في ذلكَ المَكانِ الَّذي يُدعى "جَهَنَّم"، لم يَتَبَقَّ شَيءٌ سِوى خَلْقِ السَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجَديدة. فدَينونةُ الخطيَّة نِهائِيَّة. ونحنُ نَأتي الآنَ إلى الحَالةِ الأبديَّة. فَالمُلْكُ الألفيُّ للمَسيحِ على الأرضِ انتَهى. والعَرشُ الأبيضُ العَظيمُ أدَّى الغَايَةَ مِنْ وُجودِهِ إذْ إنَّ اللهَ دَانَ الأشرارَ والشَّيطانَ وَطَرَحَهُم في جَهَنَّمَ الأبديَّة. ثُمَّ إنَّ الكَونَ كُلَّهُ، باستثناءِ جَهَنَّمَ، سَيَتَحَوَّلُ إلى السَّماواتِ الجَديدة والأرضِ الجديدة. فسوفَ يَخْلِقُ اللهُ، كَما رأينا في سِفْرِ إشَعْياء، سَماءً جديدةً وأرضًا جَديدةً بَديعةً جِدًّا حَتَّى إنَّ أحدًا لن يَتذكَّرَ القَديمَة. فَكُلُّ ذِكْرى للأولى سَتَزول.

ويَصِفُ بُطرسُ ذلكَ قائلاً في رسالةِ بُطرسَ الثَّانية 3: 13: "وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ..." (وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى الوَعْدِ المَذكور في المَزمور 102 وفي إشَعْياء 65 و 66 إذْ إنَّهُ يَحتَفِظُ بذلكَ في ذِهنِه): "...نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً..." [والآن، هذا هو المِفتاح] "...يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ" بِمَعزِلٍ عنِ الخطيَّةِ وبِمَعزِلٍ عنِ الشَّرّ. والآن، نحنُ نُدركُ أنَّهُ مُنذُ سُقوطِ الشَّيطانِ، بَقِيَتِ السَّماءُ الأولى والسَّماءُ الثَّانيةُ والأرضُ (بِكُلِّ تأكيدٍ) تَحتَ اللَّعنة. "مَلعونَةٌ الأرضُ" (كَما جَاءَ في سِفْرِ التَّكوين). وفي سِفْرِ أيُّوب والأصحاح 15 (أعتقد في العَدد 15)، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ السَّمَاوَاتِ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْكَ. فَحَتَّى السَّماواتُ الَّتي نَعرِفُها تَدَنَّسَتْ بالخطيَّة. وفي سِفْر إشعياء 24: 5، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ الأرضَ تَدَنَّسَتْ تَحْتَ سُكَّانِهَا. فنحنُ نَعيشُ في كَوْنٍ مُلَوَّث. وسَوفَ يُعيدُ اللهُ خَلقَهُ.

والآن، لقد أعطانا اللهُ مَثَلاً تَوضيحيًّا على هذا. وقبلَ أن نَنظُرَ إلى السَّماءِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدةِ المَذكورَتَيْن في الأصحاح 21، يَقول: "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا". وقبلَ أنْ نَغوصَ في ذلك، اسمَحوا لي أن أُريكُم صُورةً لِدَمارٍ آخرَ على الأرضِ يَصْلُحُ كَمَثَلٍ تَوضيحيٍّ صَغيرٍ لما سَيَفعَلُهُ اللهُ. رِسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الثَّالث. افتَحوا عليها في كِتابِكُم المُقدَّس. رِسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الثَّالث. وهُوَ نَصٌّ مَعروفٌ لَديكم.

ففي رِسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الثَّالث، يُمكِنُنا أن نَنظُرَ إلى العَددِ الرَّابعِ كَنُقطةِ بِداية. فالمُستهزِئونَ وَالسَّاخِرونَ يأتونَ قَائِلِينَ: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" مَا الَّذي سَيَجعَلُنا نُصَدِّقُ أنَّ يَسوعَ آتٍ؟ "لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ". فَمَنْطِقُهُم هُوَ: "نحنُ لم نَشْهَدْ مَذْبَحَةً مِنْ قَبْل. فَلِمَ سَنَشهَدُ مَذبحةً الآن؟ فلم تَحْدُثْ مِنْ قَبْل دَينونة على الأرض. فما الَّذي سَيَجعَلُها تَحدُثُ الآن؟ وما الَّذي يَدفعُنا إلى تَصديقِ أنَّ اللهَ سَيَفعلُ شَيئًا؟ فهو لم يَفعل أيَّ شَيءٍ حَتَّى الآن". وهذا يُشبِهُ القولُ إنِّي لن أموتَ لأنِّي لم أَمُتْ مِنْ قَبْل. ونَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "لأَنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ، اللَّوَاتِي بِهِنَّ الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهَلَكَ". فهل نَسَوْا أنَّهُ جاءَ وَقْتٌ فَتَحَ فيها اللهُ طَاقاتِ السَّماءِ، وفَتَحَ يَنابيعَ الأرضِ، وَأَغْرَقَ الجِنسَ البَشريَّ كُلَّهُ؟

فقبلَ الطُّوْفانِ المَذكور في سِفْرِ التَّكوين (في الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْر التَّكوين)، كانَ هُناكَ بُخارٌ يُغَطِّي الأرضَ. وكانتِ السَّماواتُ بِهيئة مُعَيَّنة. فقد كانَ هُناكَ بُخارٌ، ولم يَكُن هُناكَ مَطَر. وكانَ البُخارُ يُنَقِّي الأشعَّةَ فوقَ البَنفسجيَّةَ الَّتي تَصِلُ الآنَ إلى الأرض. وكانَ النَّاسُ يَعيشونَ وقتًا طَويلاً. وكانتِ الحَيَواناتُ تَعيشُ وَقتًا طَويلاً. فكما تَعلمونَ، كانَ النَّاسُ يَعيشونَ أكثرَ مِن 900 سنة لأنَّهُ لم تَكُن هُناكَ تلكَ الأشِعَّةُ فوقَ البَنفسجيَّة تَختَرِقُ تلكَ المِظَلَّةَ المَائيَّةَ الحَامِيَةَ الَّتي تُحيطُ بالأرض. لِذا فقد كانتِ الأرضُ مُثمِرَةً بِصورةٍ لا يَسَعُنا أن نَتخيَّلَها اليوم. ولكِنْ بسببِ الخطيَّةِ، فَتَحَ اللهُ طَاقاتِ السَّماءِ القَديمة وَيَنابيعَ الأرضِ القَديمة فَنَزَلَ مَاءٌ مِنَ السَّماءِ، وانفَجَرَتْ يَنابيعُ الغَمْرِ وأَغْرَقَتِ الجِنسَ البَشريَّ بأسرِه. لِذا فإنَّ ما يَقولُهُ الكَاتِبُ بُطرُسُ هُوَ إنَّ ما حَدَثَ هُوَ صُورةٌ (صُورة مُصَغَّرة) عن كيفَ أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يَجلِبَ الدَّينونَةَ مِن خلالِ تَجديدِ السَّماواتِ والأرض. وهَذا يَكفي لِتَذكيرِنا بأنَّهُ مِنَ السُّخْفِ أنْ نُفَكِّرَ في أنَّهُ إنْ لم يَفعَلِ اللهُ شَيئًا مَا فإنَّهُ لن يَفعلَهُ يَومًا. فلا يَجوزُ لنا أن نُفَكِّرَ هَكذا.

وهُناكَ مَثَلٌ تَوضيحيٌّ آخَر عَمَّا يَستطيعُ اللهُ أن يَفعلَهُ (في إنجيل لُوقا والأصحاح 17) مِنْ خِلالِ النَّارِ والكِبريتِ اللَّذانِ نَزَلا على سَدوم وعَمُورَة. ولكِنَّ اللهَ يَقولُ إنَّهُ سيأتي يَومٌ يُكَرِّرُ فيهِ مَا حَدَثَ مَرَّةً أخرى؛ ولكِنَّ هذهِ المَرَّةَ ستكونُ أعظمَ مِن أيِّ شَيءٍ حَدَثَ مُنْذُ الطُّوْفانِ الَّذي حَدَثَ في زَمَنِ نُوح. فسوفَ يُدَمَّرُ كُلُّ شَيء. انظروا إلى العَددِ السَّادِس. فَهُوَ يَقولُ: إنَّ العَالَمَ الكَائِنَ حِينئذٍ هَلَكَ إذْ فاضَ عليهِ المَاءُ. "وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الْكَائِنَةُ الآنَ، فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّار". فَذاتَ مَرَّة، أَهْلَكَ اللهُ الأرضَ بالماء. وفي المَرَّةِ القَادِمَةِ سَيُهلِكُها بالنَّارِ "إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ". ونَقرأُ في العَدد 10: "وَلكِنْ سَيَأتِي يَوْمُ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ... [أيْ بَغْتَةً وبِصورةٍ غير مُتوقَّعَة] "...الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ". فالسَّماواتُ الَّتي نَعرِفُها سَتَزول. "وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا". فَكُلُّ شَيءٍ سَيُعادُ خَلْقُه...كُلُّ شَيء.

ومَا مِنْ شَكٍّ في أنَّ اكتشافَ الذَّرَّةِ أعطانا فَهمًا لكيفيَّةِ حُدوثِ ذلكَ في الحَقيقة. فقد صَنَعنا قَنابِلَ ذَرِّيَّة، وَشَطَرْنا الذَّرَّةَ، وأطلَقْنا قُوَّةً قادِرَةً على إحداثِ دَمارٍ يَصعُبُ تَصديقُه. والحَقيقةُ هي أنَّ سِلسلةً مِنَ الانفجاراتِ الذَّريَّةِ يُمكِنُ أن تُدَمِّرَ حَرفِيًّا هذهِ الأرضَ، وأنَّهُ إنْ لامَسَتْ هذهِ الذَّرَّاتُ أَبْخِرَةَ الماءِ المُعَلَّقَة في السَّماءِ فإنَّها قد تَنْشَطِر. وحينئذٍ فإنَّ السَّماواتِ سَتَنْحَلُّ أيضًا. فَبُنْيَةُ أرضِنا (وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّكُم تَعلمونَ ذلك) يُمْكِنُ أنْ تُشعِلَ نَارًا هَائلةً. فنحنُ نَجلِسُ على قِشْرَةِ كُرَةٍ نَاريَّة. فمُحيط الأرضِ الَّذي يَبلُغُ 25,000 ميل حولَ الأرضِ، وَقُطْرُها الَّذي يَبلُغُ طُولُهُ ثَمانيةَ آلافِ ميل هُوَ في مُجمَلِهِ كُتلةٌ مُلتَهِبَة. والذَّرَّةُ تَستطيعُ أن تُدَمِّرَ الجُزءَ الخارجيَّ مِنَ الكَون. وإنِ اشتَعَلَتِ النَّارُ في بَاطِنِ الأرضِ فإنَّها تَستطيعُ بِكُلِّ تأكيدٍ أن تُدَمِّرَ الأرضَ وأنْ تُسْهِمَ في دَمارِها. فَكما أنَّ اللهَ فَتَحَ طَاقاتِ السَّماءِ وَأنزَلَ المَطَر، ثُمَّ فَجَّرَ المِياهَ مِنْ باطِنِ الأرضِ، فإنَّهُ يَقدِرُ أن يُضْرِمَ نَارًا مِن أسفَلْ ونَارًا مِن أعلى أيضًا.

فَفي جَوْفِ الأرضِ تُوجَدُ بُحيرةٌ مِنَ النِّيرانِ السَّائلةِ المُلتَهِبَةِ الَّتي تَغلي. وعندما تَقترِبُ كثيرًا مِنَ القِشرةِ الأرضيَّة، وتَكونُ القِشرةُ الأرضيَّةُ رَقيقة جدًّا فإنَّها تَخرُجُ بِقُوَّة مِنَ السَّطحِ وتُفَجِّرُ بسببِ الضَّغطِ جُزءًا مِنَ القِشرَة. ونحنُ نُسَمِّي ذلكَ ماذا؟ بُركانًا. إذًا، الأرضُ هي قُنبلةٌ ناريَّةٌ ضَخمةٌ كَيفَما نَظرتُم إليها. واللهُ سَيُطلِقُ تلكَ القُدرةَ النَّاريَّةَ مِنَ الدَّاخِلِ والخَارِجِ مِنْ خِلالِ الطَّاقةِ الذَّريَّةِ فَيُدَمِّرُ بذلكَ الكَونَ كُلَّهُ. وَهُوَ سَيَخلِقُ سَماءً جَديدةً وأرضًا جَديدة.

والآن، بعدَ أن عَرَفتُم ذلك، لِنَرجِع إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 21. وأنا مُتَحَمِّسٌ لرؤيةِ تلكَ السَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجديدة. والكلمة "جَديدة" مُهِمَّة: "سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً". فهي جَديدة بِمَعنى "كاينوس" (kainos)، وهي كلمة يُونانيَّة مُدهِشَة. فَهِيَ جَديدة مِنْ جِهَةِ النَّوعيَّةِ، لا مِن جِهَةِ التَّرتيبِ الزَّمَنِيّ. فهي ليست جَديدة بِمعنى أنَّها حَديثَة على عَكسِ القَديمة، بل إنَّها جَديدة بِمَعنى أنَّها مُختلِفَة عنِ الأخرى. وَهِيَ نَفسُ اللَّفظة المُستخدَمة مَثلاً في رِسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاحِ الخَامِسِ: "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ". فهذا لا يَعني فقط أنَّكَ صِرْتَ شخصًا جَديدًا على عَكْسِ القَديم، بل إنَّكَ صِرْتَ جَديدًا بِمَعنى أنَّكَ مُختَلِفٌ عنِ القَديم. فالنَّوعيَّةُ مُختلِفَة. لِذا فإنَّ السَّماواتِ الجديدةَ والأرضَ الجديدةَ شَبيهَةٌ بِتَجديدِنا...شَبيهَةٌ بِتَجديدِنا؛ أيْ أنَّها ستكونُ أفضَلَ...أفضَلَ، ومُمَجَّدةً، وبلا خَطيَّة، وأبديَّة. فالسَّماءُ الجديدةُ الَّتي يَذكُرُها هُناكَ في العددِ الأوَّل ستُعْتَقُ مِنْ جَمالِها القَديمِ وتُمْنَحُ جَمالاً جَديدًا.

وقد تَقول: "وما مَعنى ذلك؟" لا أدري ما مَعنى ذلكَ تَحديدًا. "وكيفَ سَتكونُ النُّجومُ؟" لا أدري. فأنا لا أدري حَتَّى كيفَ سَيكونُ شَكلُها. ولكنِّي أقولُ لكم شيئًا واحدًا: لن نَخْتَبِرَ المَزيدَ مِنَ الأعاصير، ولا المَزيدَ مِنَ العَواصِف، ولا المَزيدَ مِنَ الرِّياحِ العَاتِيَة، ولا المَزيدَ مِنَ الرُّعودِ، ولا المَزيدَ مِنَ مَساكِنِ الشَّياطين. أمَّا عَدا عن ذلكَ فَلا أدري كيفَ سيكونُ الأمر. وإنْ أخبرني اللهُ، لن أتمكَّنَ مِنْ فَهْمِ ذلكَ بأيِّ حَالٍ. لِذا، ما الفائِدَةُ مِنْ هَدْرِ الوَرَق؟

إذًا إنَّهُ يَقولُ إنَّهُ ستكونُ هُناكَ أرضٌ جَديدة. وكيفَ ستكونُ تلكَ الأرض؟ لا أعلَمُ ذلكَ أيضًا. ولكِنَّها سَتكونُ مَكانًا يُمكِنُكَ أن تَسيرَ فيهِ وتُفَكِّرَ لأنَّنا سنكونُ أجسادًا مُمَجَّدَةً. فعندما كانَ يَسوعُ في جَسَدِهِ المُمَجَّدِ، مَشَى. وسوفَ تَكونُ مَكانًا يُمكِنُكَ أن تَأكُلَ فيه لأنَّهُ عندما خَرَجَ يَسوعُ مِنَ القَبرِ أكل. صَحيحٌ أنَّهُ لم يَكُن بحاجةٍ إلى الطَّعامِ كي يُحافِظَ على حَياتِهِ، ولكِنَّهُ أكلَ لأنَّهُ تُوجَدُ مُتعَة مُعَيَّنة في الأكل. والآن، إذا نَظرتُم إلى الأرضِ اليومَ سَتَرَوْنَ بُقَعًا جَميلةً على أرضِنا مَكْسُوَّة بالعُشْبِ الأخضرِ والزُّهور، وتَزْخُرُ بالمَحاصيلِ الكَامِلَة، والأشجارِ المُظَلِّلَة، وقِمَمِ الجِبالِ الثَّلْجِيَّة، والمُرتَفعاتِ، والجَداوِلِ، والأنهارِ الصَّافية. ولكِنْ بالرَّغمِ مِنَ البُقَعِ الجَميلة، فإنَّها أرضٌ سَقيمةٌ تَكثُرُ فيها الأمراضُ، والعِللُ، والأسقامُ، والموتُ، والتَّلوُّثُ، ومَوبوءَةٌ بِتَعاساتِ الشَّرِّ.

وبِصَراحَة، يُمكِنُنا فقط أن نَتخيَّلَ كيفَ ستكونُ السَّماءُ الجديدةُ والأرضُ الجديدة. فذاتَ يَومٍ، عندما تَنْحَلُّ السَّماواتُ مُلْتَهِبَةً (كما يَقولُ بُطرسُ في رسالةِ بطرسَ الثانية 3: 12)، وَتَذوبُ الْعَنَاصِرُ بسببِ الحَرارَةِ الشَّديدة، فإنَّهُ يَقولُ إنَّنا نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. وهذا هو كُلُّ ما يُمكِنُنا حَقًّا أنْ نَعرِفَهُ. فهي لن تَرْزَحَ تحتَ وَطْأةِ لَعنَةِ الخَطيَّةِ، ولن تُحْفَرَ بالآلاتِ الحَديدِيَّةِ لاستخراجِ ثَرْوَتِها، ولن تُنْبِتُ شَوْكًا وَحَسَكًا، ولن تَجِدَ أعشابًا ضَارَّةً في حَديقَتِكَ. وهذهِ أمورٌ عَمليَّة. فالتُّربةُ الأبديَّةُ لن تُحْفَرَ فيها قُبورٌ. والبَساتينُ لن تُلَطَّخَ بالدِّماء، ولن تَبْتَلَّ بالدُّموع. فَهِيَ أرضٌ ستَفيضُ تِلالُها إلى الأبد بيَنابيعِ الخَلاصِ، ولن تَعرِفَ وِدْيانُها الأبديَّةُ سِوى فِرْدَوْسِ اللهِ الحُلو. وسوفَ نَكونُ على تلكَ الأرض. "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ [ماذا؟] الأَرْضَ" (إنجيل مَتَّى 5: 5). وهُناكَ تلكَ الصَّلاةُ الرَّائعة: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْض" الَّتي لن تَكونَ هُناك حَاجَة إلى رَفْعِها مَرَّةً أخرى لأنَّ اللهَ سيَملِكُ على الأرض.

وقد كُنتُ أستمِعُ إلى عِظَةٍ مُسَجَّلَةٍ لِـ "آل مارتن" (Al Martin). وقد دَعَوْناهُ إلى الوعظِ في كَنيسَتِنا قبلَ مُدَّة واستمتعنا بوجودِهِ بيننا كثيرًا جدًّا. وقد كانَ يَفْتَكِرُ أفكارًا رائعةً في السَّماء. وإليكُم ما قالَهُ: "فَكِّروا في ذلك. هذهِ الأرضُ [وأنا أُحِبُّ أن أُفَكِّرَ فيها بهذهِ الطَّريقة] هذهِ الأرضُ الَّتي تَشَبَّعَتْ بدماءِ كثيرينَ في المَعارِك، وهذهِ الأرضُ الَّتي تَلَطَّخَتْ بَساتينُها بالدِّماءِ البَريئةِ، وهذهِ الأرضُ الَّتي تَطَأُها أقدامَ الطَّاغِيَةِ والفَاسِقِ والقاتِلِ واللِّصِّ، وهذهِ الأرضُ الَّتي تُؤازِرُ تَمَرُّدَ الجَماهيرِ غيرِ المُؤمِنَةِ، وهذهِ الأرضُ الَّتي أُنْكِرَ فيها اللهُ القَديرُ، وهذا الهَواءُ الَّذي يُحيطُ بنا والذي يَتَنَفَّسُهُ البَشَرُ في حَناجِرِهم ويَملأونَهُ بكلماتِ التَّجديفِ وإنكارِ اللهِ، هُوَ نَفسُ العَالَمِ ونِظامِهِ الدَّاعِمِ الَّذي سَيَتَجَدَّدُ بِنارِ الدَّينونةِ عندَ عَودةِ المسيح. وعندما يَنتَهي مِن ذلك، ستَكونُ كُلُّ جُزَيئَةٍ وَكُلُّ ذَرَّةٍ في هذهِ الأرضِ ونِظامِها الدَّاعِمِ خَاويةً مِن أيِّ شَيءٍ سِوى البِرّ. فسوفَ تكونُ السَّماءُ الجَديدَةُ والأرضُ الجَديدةُ الَّتي لا يَسْكُنُها شَيءٌ سِوى البِرِّ، والبِرِّ فقط". وهذا كَلامٌ بَديعٌ! ويا لَها مِنْ نَظرةٍ مُبارَكَة!

وإنْ أردنا أن نَتأمَّلَ في هَذينِ الأصحاحَيْنِ، مِنَ الأفضَلِ أنْ نُعَجِّلَ قَليلاً. ارجِعوا إلى العَددِ الأوَّل. لا تُصَدِّقوا ذلكَ، يا أصدقائي. "لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا" [كَما يَقول]. فقد مَضَتا. "وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ" [أو لا وُجودَ للبَحْر]. ومِنَ المُدهشِ أن نُحاولِ تَخَيُّلَ ما كانَ الكاتِبُ يُفَكِّرُ فيهِ بهذا الخُصوص. ولا أدري إنْ كانَ بمقدورِنا أن نَكونَ جِازِمينَ هُنا، ولكِنْ تُوجَدُ طُرُقٌ عَديدةٌ لتفسيرِ تلك الفِكرة. "وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ". ولا أدري إنْ كُنتُم تَعلمونَ هذا، ولكِنَّ اليهودَ لم يكونوا حَقًّا بَحَّارَة. وكانَ هُناكَ شَعبٌ يَعيشُ في تلكَ الأرضِ قَبلَهُم ويُعرَفونَ لدينا باسم "الفينيقِيِّين". وقد كانَ هَؤلاءِ البَحَّارةُ تُجَّارًا، وكانُوا أعظَمَ بَحَّارةٍ في العَالَم. ولكِنَّ اليهودَ لم يَكونوا كذلك، بل كانوا شَعبًا مُزارِعًا. ولكي أكونَ صَريحًا معكم، كانوا يَخافونَ مِنَ البحرِ خَوفًا طَبيعيًّا. لِذا، عندما أرادَ يَسوعُ أن يُحَدِّثَهُم عنِ الموتِ المُرعِبِ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18، أشارَ إلى إنسانٍ يُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقُ فِي لُجَّةِ البَحْر.

فبالنِّسبةِ إلى اليَهود، كانَ البَحرُ يَرمِزُ إلى الاضطرابِ، والغضَبِ، والعُنفِ، والغُموضِ، والبَلْبَلَة. وَحَتَّى إنَّهُ كانَ يَرمِزُ إلى الانفصال. وهُناكَ مَن يَعتقدُ أنَّ العِبارةَ "وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ" تُشيرُ إلى زَوالِ الحَواجِزِ القَوميَّة. وَسَواءٌ أكانَتْ تَعني عَدَمَ وُجودِ خَوفٍ، أيْ عَدَمَ وُجودِ شَيءٍ تَخْشَى مِنْهُ، أَمْ كَانَتْ تَعني عَدَمَ وُجودِ شَيءٍ يَفصِلُكَ عنِ الشُّعوبِ الأخرى؛ ولَعَلَّها تَعني كِلا الأمْرَيْن، فإنَّ العِبارَةَ "وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ" تَعني أنَّهُ لن يكونَ هُناكَ شَيءٌ يَدفَعُكَ إلى الخَوف، ولن يُوجَدَ شَيءٌ تَخافُ مِنه، ولن يُوجَدَ شَيءٌ يَفصِلُكَ عنِ الشُّعوبِ الأخرى.

ثُمَّ إنَّ يُوحَنَّا يَنظُرُ [في العَددِ الثَّاني]، وأريدُ أن أُرَكِّزَ على هذا العَددِ قَليلاً إذْ يَقول: "رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ". فهُناكَ سَماءٌ جَديدةٌ وأرضٌ جَديدةٌ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّنا بِحاجة إلى أورُشَليم جَديدة. "[رَأيتُها] نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا". وهذا مُدهِش! فهذا يُعطيني فِكرةً بأنَّ أورُشَليمَ الجَديدةَ كانت قد خُلِقَتْ أصلاً، وكانت قد أُعِدَّتْ أصلاً، وكانت مُهَيَّأَةً أصلاً. وعندما خُلِقَتِ السَّماءُ الجَديدةُ والأرضُ الجَديدةُ، نَزَلَتْ أورُشَليمُ الجَديدةُ مِنَ السَّماءِ الثَّالثةِ حيثُ تَمَّ إعدادُها في الحالةِ النِّهائيَّة للسَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجَديدة. وَهُوَ لا يَقولُ: لقد رأيتُها تُخلَقُ"، بل رأيتُها "نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ". والسَّماءُ الَّتي يَسكُنُ اللهُ فيها هي السَّماءُ الثَّالثة. لِذا، يُمكِنُنا أن نَستنتِجَ أنَّ اللهَ أعَدَّ هُناكَ في الأعلى أورُشَليمَ الجديدةَ هَذِه. وفي الوقتِ المُناسِب، سوفَ تَنزِلُ مِنَ السَماواتِ الجديدةِ والأرضِ الجَديدةِ وتَصيرُ عَاصِمَةَ الحالةِ الأبديَّة.

ولكِنَّها سَتكونُ قد أُعِدَّتْ أصلاً قَبْلِ ذلك. وفي اعتقادي الشَّخصيِّ أنَّها المَدينةُ الَّتي ذَهَبَ يَسوعُ كي يُعِدَّها عندما قَالَ: "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ [مَاذا؟] مَكَانًا لَكُمْ". ورُبَّما سَيَعْمَلُ قبلَ مَجيئهِ ثانيةً على إعدادِ أورُشليم الجَديدة.

وهُناكَ ثلاثُ مُدُنٍ تُسَمَّى "أورُشَليم": فهُناكَ أورُشَليمُ التَّاريخيَّة، وهُناكَ أورُشَليمُ الألفيَّة، وهُناكَ أورُشَليمُ الأبديَّةُ الَّتي أعتقدُ أنَّها عَاصِمَةُ الأبديَّة. فهي عَاصِمَةُ السَّماءِ. فهي ليست السَّماء، بل هي عَاصِمَةُ السَّماء. فهي المَدينةُ الَّتي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ. وهي المدينةُ الَّتي كانَ إبراهيمُ يَتوقُ إليها حَقًّا ويَتطلَّعُ إليها. وَنَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 12: 22: "بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، وَإِلَى...يَسُوعَ". فهي مَكانُ وُجودِ جَميعِ القِدِّيسين. وأنا أعتقدُ أنَّها تلكَ المَدينةُ المُمَيَّزَةُ الَّتي سَتَنزِلُ. وهي مُهَيَّأَة [كَما قَرأنا] كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وما مَعنى ذلك؟ إنَّها إشارَةٌ وَحَسْب إلى جَمالِها ورَوعَتِها وَمَجْدِها. وما أعنيه هو: هل مِنْ طَريقةٍ أخرى لِلتَّعبيرِ عَنْ جَمالِها أكثرَ مِن أن يُقالَ إنَّها كَعَروسٍ مُزَيَّنَة (تَأكيدًا لِصِفاتِها كَعَروس)! فهي المَكانُ الَّذي تَسكُنُ فيهِ الكَنيسةُ...الكَنيسةُ الَّتي هي عَروسُ المَسيح. فهي مَدينةُ العَروس. ورُبَّما كانتِ المَكانَ الَّذي تُقامُ فيهِ وَليمةُ العُرْسِ في رُؤيا 19: 9 عندما يَمضي القِدِّيسونَ ليكونوا معَ الرَّبِّ، وعندما يَمْضونَ إلى عَشاءِ عُرْسِ الخَروف. فقد يَتِمُّ ذلكَ في وَليمةٍ خَاصَّةٍ في أورُشَليمَ الجَديدة. ولكِنَّها المَدينة الَّتي تُوْصَفُ مِنْ زَاويةِ الأشخاصِ المَوجودينَ فيها. وَهُمْ عَروسُ المَسيح...عَروسُهُ...الكَنيسة. ونَقرأُ في العَدد 9: "هَلُمَّ فَأُرِيَكَ الْعَرُوسَ امْرَأَةَ الْخَرُوفِ. وَذَهَبَ بِي بِالرُّوحِ إِلَى جَبَل عَظِيمٍ عَال، وَأَرَانِي الْمَدِينَةَ الْعَظِيمَةَ أُورُشَلِيمَ الْمُقَدَّسَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ".

لِذا فإنَّها مَدينةُ العَروس. وهي المَدينةُ الَّتي تَسكُنُ فيها الكَنيسة. ولا يُمْكِنُ لِلسُّكَّانِ أنْ يَنفَصِلوا عِن ذلكَ المَكان. فهي مَدينةُ العَروسِ لأنَّها المَكانُ الَّذي تَسكُنُ فيهِ الكَنيسة. فَامرأةُ الخَروفِ تَسكُنُ هُنا. وبصراحَة، لقد كانتِ المُدُنُ تُوْصَفُ في الأزمنةِ القديمةِ غالبًا وَفْقًا لشخصيَّةِ النَّاسِ الموجودينَ فيها. والحقيقةُ هي أنَّ مدينةَ كورِنثوس (سَيِّئَةَ السُّمْعَةِ) كانت تُقْرَنُ بإباحيَّةِ سُكَّانِها حَتَّى إنَّ الفِعْلَ "يُكَرْنِث" كانَ يَعني: "يَضْطَجِعُ مَعَ زَانِية" لأنَّ المَدينةَ كانت مُقتَرِنَة بالنَّاسِ الَّذين يَعيشونَ فيها.

والآن، قد يُطْرَحُ السُّؤالُ التَّالي: هَلْ سَتَكونُ وَظيفَتُها الوَحيدةُ هي أنْ تَكونَ المَكان الَّذي تَسكُنُ فيهِ الكَنيسة؟ كَلاَّ! فَمَعَ أنَّها تَتَفَرَّدُ بِكونِها مَدينةَ العَروسِ إذْ إنَّ الكنيسةَ تُضْفي عليها تلكَ الصِّفَةَ الفَريدة، أعتقدُ أنَّ كُلَّ القِدِّيسينَ في جَميعِ العُصورِ سيكونونَ هُناكَ. سوفَ يكونونَ جَميعًا هُناكَ: قِدِّيسو العهدِ القديمِ، والقِدِّيسونَ الَّذينَ افْتُدوا وأَتَوْا مِنَ الضِّيقةِ العَظيمةِ، أعتقد أنَّهُم سيكونونَ جَميعًا في ذلكَ المكان. والحقيقةُ الرَّائعةُ هي أنَّها مَدينةُ جَميعِ المَفدِيِّينَ في كُلِّ العُصور.

إذًا، لماذا لا يَذكُرُ شَيئًا آخَرَ سِوى الكَنيسة؟ لأنَّ هذا السِفْرَ كُتِبَ لأجلِ الكنيسة. فقد كُتِبَ لِتَعزيةِ الكَنيسةِ المُضطَهَدة. فهي مَدينةُ العَروسِ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ القارئِ لأنَّها مَدينَتُه. فهي المَدينَةُ المُمَيَّزَةُ للمُؤمِنينَ المُضْطَهَدينَ الَّذي يُحِبُّونَ المَسيحَ كي يُعطيهم تَعزيةً، ويُعطيهم رَجاءً. لِذا فإنَّ يُوحَنَا يَنظُرُ. وإذْ يَنظُرُ فإنَّهُ يَرى سَماءً جَديدةً وأرضًا جَديدة. وقد أُعيدَ خَلْقُ السَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجَديدةِ مِنْ جَديد تَمامًا. ثُمَّ إنَّهُ يَرى شَيئًا نَازِلاً مِنَ السَّماءِ الثَّالثةِ إلى تلكَ السَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجَديدةِ وَهُوَ مَدينةُ العَروسِ هَذِهِ الَّتي تَتَّصِفُ بالجَمالِ البَديعِ بسببِ الكَنيسةِ الَّتي تَسكُنُ فيها والتي سَتَلتقي عَريسَها المَسيحَ إلى أبدِ الآبِدينَ ودَهْرِ الدُّهور.

وَلاحِظوا أنَّها تَنزِلُ مِنَ السَّماء. وأودُّ أن أقولَ لَكُم مَرَّةً أخرى: هذا يَعني أنَّها رُبَّما مَوجودة أصلاً وأنَّها تُضَمُّ في هذا الوقتِ إلى الحالةِ الأبديَّة. وقد قَرأتُ كِتابًا قالَ فيهِ كاتِبُهُ إنَّهُ بسببِ شَكْلِها المُكَعَّبِ، رُبَّما كانَتْ إحدى زَواياها تَمَسُّ الأرضَ في حينِ أنَّ زَواياها الأخرى تَنتَشِرُ في الفَضاء. ولكِنَّنا لا نَعلمُ ذلك. فنحنُ لا نَعلَمُ تَمامًا أينَ سيكونُ مَكانُها في الحَالةِ الأبديَّة. ولكِنِّي أُوْمِنُ بأنَّها ستكونُ مَوجودة أصلاً، وأنَّ يَسوعَ يُعِدُّها الآنَ للوقتِ الَّذي سَتَنزِلُ فيه.

والآن، ما الدَّاعي إلى وُجودِ مَدينة؟ وهل هي مَدينة كالمُدُنِ الَّتي نَعرِفُها؟ على الأرجَحِ: لا. فسوفَ تَكونُ مُختَلِفَة بكُلِّ تأكيد. وهي ليست كالمُدُنِ الَّتي نَعرِفُها. فأوَّلاً، لن تَكونَ هُناكَ سِياسَةٌ كَما هِيَ الحَالُ في المُدُن. ولن يَكونَ هُناكَ فَسادٌ كَما هِيَ الحَالُ في المُدُن. فهي ستكونُ وَحَسْب مَدينةً مِن نَوعٍ مُختَلِف. وقد تَقول: "إذًا، لماذا تُدعَى مَدينة؟" لأنَّهُ ينبغي أن تَفهموا كيفَ كانوا يَنظرونَ إلى المَدينةِ في ذلكَ الوقت. والحقيقةُ هي أنِّي فَكَّرْتُ في حَقيقةِ أنَّني عندما أُفَكِّرُ في السَّماءِ فإنِّي أُفَكِّرُ في أنَّها بَلَد، لا مَدينة. ولكِنَّ أولئكَ النَّاسَ كانوا يُفَكِّرونَ في المَدينةِ لأنَّهُم كانوا بَدْوًا لا مَدينَةَ لَهُم. وقد كان النَّاسُ الَّذينَ يُسافرونَ دائمًا في البَرِّيَّةِ يَنظرونَ إلى المَدينةِ بأنَّها مَكانُ أمانٍ، وسَلامٍ، وفَرَحٍ، وشَرِكَة، وثَقافَة. لِذا فقد كانَ إبراهيمُ يَتَرَقَّبُ مَدينةً. وكانَ اليَهودُ الَّذينَ يَرْتَحِلونَ وَيَرْتَحِلونَ وَيَرْتَحِلونَ يُريدونَ مَدينةً خَاصَّةً بهم. لِذا فقد كانت أورُشَليمُ قَيِّمَةً جِدًّا بالنِّسبةِ إلَيهِم. والشَّخصُ الَّذي يَرْتَحِلُ في مَكانٍ وَيَتْعَبُ فيهِ يَتوقُ إلى مَدينةٍ يَجِدُ فيها الدِّفْءَ، والشَّرِكَةَ، والصَّداقَةَ، والطَّعامَ، والأمانَ، والحِمايةَ، والحَياةَ الاجتماعيَّةَ، والرِّفْقَة. فهذه هي الفِكرة. هذهِ هي الفِكرة. إنَّها المَكانُ الَّذي يُوْجَدُ فيهِ جَميعُ القِدِّيسينَ في جَميعِ الدُّهور. وهي المَكانُ الَّذي يُكَمَّلُ فيهِ الأبرار. وهي المَكانُ الَّذي يُوجَدُ فيهِ جَميعُ الملائكةِ القِدِّيسين. وهي المَكانُ الَّذي يُوجَدُ فيهِ اللهُ، والمَكانُ الَّذي يُوجَدُ فيهِ المَسيحُ، والمَكانُ الَّذي نُريدُ جَميعًا أن نَكونَ فيه لأنَّنا جَميعًا نُريدُ أن نَكونَ مَعَ جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ نُحِبُّهم. ويا لَها مِن فِكرة! فجَميعُ المَفدِيِّينَ يَجتمعونَ في مَدينةٍ نَشِطَة.

إذًا ما الَّذي تَعنيهِ المَدينة؟ الانسجامُ، والتَّبادُلُ، والمَسؤوليَّةُ، والمُشارَكَةُ في الواجِبات. فنحنُ جَميعًا لدينا مَهامٌ وواجِباتٌ في ذلكَ المَكان. فسوفَ نَختَلِطُ بالآخرين على مُختلَفِ المُستوياتِ والنِّقاطِ والوسائلِ والطُّرُق. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هُناكَ وَحْدَة تَامَّة، ولن يكونَ هناكَ شَيءٌ يُشَوِّهُ أو يُفْسِدُ الشَّرِكَةَ الطَّاهِرَة. وهل يُمكنكُم أن تَتخيَّلوا شَرِكَةً طَاهرةً؟ وهل يُمكنكُم أن تَتخيَّلوا مُجتمعًا مِنَ النَّاسِ لا يَغضَبُ فيهِ أَحَد؟ أو لا يَفعَلُ فيهِ أحدٌ شَيئًا خاطئًا؟ أو لا يَقولُ فيهِ أحدٌ شَيئًا خاطئًا؟ أو لا يُفَكِّرُ فيهِ أحدٌ بشيءٍ خاطئ؟ وهل يُمكنكُم أن تَتخيَّلوا مُجتمعًا يَنسجمُ فيهِ الجَميعُ انسجامًا تامًّا؟ وهل يُمكنكُم أن تَتخيَّلوا مُجتمعًا يُحِبُّ فيهِ النَّاسُ بَعضُهُم بَعضًا كما أنَّ اللهَ يُحِبُّ الجَميع؟ وَمُجتمعًا يَتَّسِمُ كُلُّ شَيءٍ فيهِ بالكَمالِ التَّامّ؟ وَمُجتمعًا تَنْسَجِمُ فيهِ مَعَ الجميعِ انسجامًا تامًّا إلى أبدِ الآبِدين؟ وَمُجتمعًا تَشعُرُ فيهِ بالمَحَبَّةِ الكاملةِ تُجاهَ أُناسٍ كَامِلينَ دائمًا؟

والآن، كم سيكونُ ذلكَ رائعًا إنْ كُنتَ تُحِبُّ حَقًّا الإخوة! وما أعنيه هو أنِّي أُحِبَّ المُؤمِنينَ وأنَّ المُؤمِنينَ يُحِبُّونَني، ولكِنَّنا لسنا كَامِلين. ولكنِّي أُفَضِّلُ أن أكونَ في شَرِكَةِ مُؤمِنينَ على أن أكونَ في أيِّ مَكانٍ آخر. أَلا تُفَضِّلونَ أنتُم ذلكَ أيضًا؟ فأنا أُحِبُ شَرِكَةَ المُؤمِنين. ولكنِّي أُحِبُّ شَرِكَةَ المُؤمِنينَ الكامِلينَ أكثرَ مِمَّا أُحِبُّ شَرِكَةَ المُؤمِنينَ غيرِ الكَامِلين. لِذا، إنْ فَكَّرتُم في ما يَعنيهِ ذلك، ستَجدونَ أنَّها فِكرة رائعة. فهي ذُروةُ المَحبَّة. وهي فِكرةٌ بَديعة. وما أروعَ ذلكَ إنْ كُنتَ تُحِبُّ الإخوَة!

وما يَجعلُ ذلكَ رائعًا بصورة خاصَّة هو العَددُ الثَّالث. فاللهُ هُناكَ. وسوفَ نكونُ في شَرِكَة أبديَّة لا تَنقَطِع مَعَهُ. فَكِّروا وَحَسْب في السَّماء. وفَكِّروا وَحَسْب في صُعوبةِ التَّعامُلِ مَعَ النَّاسِ هُنا. فنحنُ نُحِبُّ الحياةَ الاجتماعيَّةَ، ونُحِبُّ الشَّرِكَة، ونُحِبُّ الرِّفْقَةَ؛ ولكِنَّ الأمرَ مَحفوفٌ بالعَقَباتِ، ومَحفوفٌ بالصُّعوباتِ. والنَّاسُ يُخَيِّبونَ أَمَلَكَ، ويُحبِطونَكَ، ويُثيرونَ غَضَبَكَ الشَّديد. ولكِنْ في يَومٍ مِنَ الأيَّام، سوفَ نَصيرُ أشخاصًا كامِلينَ نتعامَلُ مَعَ أشخاصٍ كامِلينَ في مَكانٍ كَامِلٍ إلى أبدِ الآبِدينَ وَدَهْرِ الدُّهور. وإنْ كُنْتَ تُحِبُّ الإخوةَ، سوفَ تَتَحَمَّسُ كَثيرًا لذلك.

انظروا إلى العَدد 9: "ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمُ السَّبْعَةُ الْجَامَاتِ الْمَمْلُوَّةِ مِنَ السَّبْعِ الضَّرَبَاتِ الأَخِيرَةِ، وَتَكَلَّمَ مَعِي". إنَّهُ نَفسُ المَلاكِ الَّذي ظَهَرَ سابقًا في وقتِ الضِّيقَةِ العَظيمة. "قَائِلاً: «هَلُمَّ فَأُرِيَكَ الْعَرُوسَ امْرَأَةَ الْخَرُوفِ». وَذَهَبَ بِي بِالرُّوحِ إِلَى جَبَل عَظِيمٍ عَال، وَأَرَانِي الْمَدِينَةَ الْعَظِيمَةَ أُورُشَلِيمَ الْمُقَدَّسَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ". لِذا فقد أَجْلَسَ هذا المَلاكُ يُوحَنَّا في رُؤياه على جَبَلٍ عَظيمٍ عَالٍ في الأرضِ الجَديدةِ فاستَطاعَ أنْ يَنْظُرُ مِن هُناكَ ويَرى هذهِ المَدينةَ المُقدَّسَةَ، تُحْفَةَ اللهِ، عَاصِمَةَ السَّماءِ الأبديَّة. والتَّفاصيلُ، يا أصدقائي الأعِزَّاء، تُذهِلُ العَقلَ. والشَّيءُ المُدهشُ حَقًّا هو أنَّنا سنذهبُ إلى هُناكَ يا أحبَّائي ... سَنَذهبُ إلى هُناك. وإنْ أردتُم أن تَتَحَدَّثوا عَنْ دِعَايَةٍ عن تلكَ الرِّحلَة، أرجو أن تُصَمِّموا دِعَايَةً عن هذا المَكان.

العَدد 11: "لَهَا مَجْدُ اللهِ". أَلا وَضَعْتُمْ خَطًّا تحتَ هذهِ الكلمات! فهذا هُوَ جَوهَرُ السَّماءِ الأبديَّة. فهي المَكانُ الَّذي يَظهَرُ فيهِ مَجْدُ اللهِ جَلِيًّا. يَظْهَرُ فيهِ مَجْدُ اللهِ جَلِيًّا. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر إشَعْياء 60: 19: "لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُورًا فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئًا، بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا وَإِلهُكِ زِينَتَكِ" (إشعياء 60: 19). ويا لَها مِن جُملة! ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 23 مِنْ سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 21: "لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا". فنحنُ لن نَكونَ بحاجَةٍ إلى النُّجومِ والشَّمسِ والقمرِ بعدَ ذلك. فنحنُ لن نكونَ بحاجةٍ إليها لأنَّ اللهَ سَيُنيرُ كُلَّ...رَكِّزوا مَعي: كُلَّ السَّماءِ اللَّامُتناهِيَةِ، ولا سِيَّما هذهِ الجَوهرةَ السَّماويَّةَ المُتلألِئَةَ الَّتي تُسَمَّى "أورُشَليم الجَديدة". وَيُحاولُ يُوحَنَّا أنْ يَصِفَها فيقولُ في العددِ الحادي عَشَر: "وَلَمَعَانُهَا شِبْهُ أَكْرَمِ حَجَرٍ كَحَجَرِ يَشْبٍ بَلُّورِيٍّ".

عندما كنتُ صَبِيًّا، كنتُ أذهبُ (وهذا هُوَ كُلُّ ما يُمكنُني أن أقولَهُ لَكُم يا رِفاقي)، كُنتُ أذهبُ للتَّزَلُّجِ بِمِزْلَجَةٍ ذاتِ عَجلات في "پاسادينا" (Pasadena). وكانت هُناكَ كُرة زُجاجِيَّة مُعَلَّقة في الوَسَط. هل ذَهبتُم يَومًا إلى صَالةِ تَزَلُّجٍ كهذه؟ رُبَّما ذَهبتُم يَومًا إلى صَالَةِ رَقْصٍ تُوجَدُ فيها كُرَة زُجاجيَّة كهذه. فقد كُنتُ في حَلْبَةِ تَزَلُّج. وكانت تُوْجَدُ هذهِ الكُرةُ الزُّجاجيَّةُ بِكُلِّ تلكَ القِطَعِ الصَّغيرةِ مِنَ الزُّجاج. وكانوا يُوَجِّهونَ الأنوارَ إليها فَتَعكِسُها في كُلِّ أرجاءِ المَكان. وهذا نَموذُجٌ مُصَغَّرٌ جدًّا وَوَضيعٌ للشَّيءِ الَّذي يُحاولُ يُوحَنَّا أنْ يَصِفَهُ. فَهُوَ يَرى شَيئًا نَازِلاً مِنَ السَّماءِ إلى هذهِ الحَالةِ الأبديَّة، وَهُوَ هذا الشَّيءُ البَلُّورِيُّ الَّذي يُشبِهُ الحَجَرَ الكَريمَ اللَّامِعَ والمُتألِّقَ الَّذي يَعكِسُ ذَاتَ المَجْدِ البَهِيِّ والعَظيمِ لِطَبيعةِ الله. وَهُوَ مَشهَدٌ يَحْبِسُ الأنفاس. وَنُورُ مَجْدِ اللهِ اللَّامِعِ اللَّامُتناهي يُغَطِّي حَرفِيًّا الكَونَ اللَّامُتناهي. إنَّهُ جَمالٌ مُشِعٌّ وَخَلاَّب.

ثُمَّ إنَّهُ يَنتَقِلُ مِن مَجْدِها إلى تَصميمِها. وهذا مُدهِشٌ. ويجب عليكم أن تَتَذَكَّروا الآنَ أنَّهُ يَصِفُ شَيئًا يَستَحيلُ وَصفُه: "وَكَانَ لَهَا سُورٌ عَظِيمٌ وَعَال، وَكَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ بَابًا، وَعَلَى الأَبْوَابِ اثْنَا عَشَرَ مَلاَكًا، وَأَسْمَاءٌ مَكْتُوبَةٌ هِيَ أَسْمَاءُ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. مِنَ الشَّرْقِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الشِّمَالِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الْجَنُوبِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الْغَرْبِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ. وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَالَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعِي كَانَ مَعَهُ قَصَبَةٌ مِنْ ذَهَبٍ لِكَيْ يَقِيسَ الْمَدِينَةَ وَأَبْوَابَهَا وَسُورَهَا. وَالْمَدِينَةُ كَانَتْ مَوْضُوعَةً مُرَبَّعَةً". فَأبعادُها مُتماثِلَةٌ تَمامًا إشارةَ إلى فِكْرِ الله. فهُناكَ اتِّساقٌ تَامٌّ. "طُولُهَا بِقَدْرِ الْعَرْضِ. فَقَاسَ الْمَدِينَةَ بِالْقَصَبَةِ مَسَافَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ غَلْوَةٍ. الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالارْتِفَاعُ مُتَسَاوِيَةٌ. وَقَاسَ سُورَهَا: مِئَةً وَأَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، ذِرَاعَ إِنْسَانٍ أَيِ الْمَلاَكُ". وهذهِ مُلاحَظَةٌ مُدهشةٌ. أليست كذلك؟ فالمَلائكةُ تَستَخدِمُ نَفسَ المَقاييسِ الَّتي نَستخدِمُها نحنُ.

والآن، قد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك. تَوَقَّف وَاشرَح لي ذلكَ قليلاً". حسنًا! إنَّها مَدينة حَقيقيَّة. وهي مَدينةٌ مُتماثِلَةُ الأبعاد. انظروا إلى العَدد 12: "وَكَانَ لَهَا سُورٌ عَظِيمٌ وَعَال". وقد تَقولُ: "لماذا؟" لا أدري لماذا. ولكِنَّها كذلك. فإنْ أرادَ اللهُ أن يَضَعَ لها سُورًا عَظيمًا وَعَالِيًا فإنَّهُ يَستطيعُ أن يَضَعَ سُورًا عَظيمًا وَعَالِيًا. ولكِنَّهُ رَمْزٌ للأمان، ورَمزٌ للحِمايَة. فَكما هِيَ حَالُ كُلِّ المُدُنِ القَديمة، فإنَّ الأمانَ مُهِمٌّ للنَّاس. فقد كانوا يُريدونَ مَكانًا آمِنًا. والسُّور العَالي يَرمِزُ إلى الأمان. ونَقرأُ في الأصحاح 22 والعَدد 14 أنَّ الأشخاصَ الوَحيدينَ الَّذينَ يَستطيعونَ أن يَدخُلوا إليها هُمْ أولئكَ الَّذينَ غَسَلوا ثِيابَهُم. فَباستطاعَةِ هَؤلاءِ أن يَدخُلوا مِنَ الأبوابِ "لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ كَذِبًا". إذًا، الأبوابُ تَرمِزُ إلى حَقيقةِ أنَّ هُناكَ أشخاصًا في الدَّاخِلِ وأنَّ هُناكَ أشخاصًا في الخَارِج ... أنَّ هُناكَ أشخاصًا في الدَّاخِلِ وأشخاصًا في الخَارِج. وقِياسُ السُّورِ (كَما جَاءَ في العَدد 17) يُساوي مِئَةً وَأَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا وَفقًا لقياساتِ الإنسان الَّتي هي أيضًا قياساتُ المَلائكة. وَهُوَ سُورٌ مُدهشٌ حينَ تُفَكِّرونَ فيه. ولكِنَّ أصغَرَ سُوْرٍ يَفي بالغَرَض. ولكِنَّ اللهَ شَاءَ أنْ يَصْنَعَهُ هَكذا في تلكَ الرُّؤيا الَّتي رآها يُوحَنَّا. وَهُوَ رَمْزٌ لِضَمِّ المَفْدِيِّينَ، ورَمْزٌ للأمان، ورَمزٌ للحِماية، وأيضًا رَمزٌ للإقْصاءِ إذْ إنَّ جَميعَ غيرِ المُستَحِقِّينَ يُترَكونَ خَارِجًا.

وهُناكَ اثْنا عَشَرَ بابًا. ولِكُلِّ بابٍ حَارِسٌ...حَرَسُ الشَّرَفِ أوِ المَلائَكَة. وكانَ كُلُّ بَابٍ يَحْمِلُ اسمَ وَاحِدٍ مِنَ أسباطِ بَني إسرائيل. وهذا يَرمِزُ إلى عَهْدِ اللهِ الأبديِّ مَعَ إسرائيل، وأيضًا مَعَ العَروس. إذًا، مَعَ أنَّها تُدعى مَدينةُ العَروس، مِنَ الواضحِ جدًّا أنَّها تُقْرَنُ بإسرائيل. لِذا، نَستَنتِجُ أنَّها مَكانٌ يَسكُنُ فيهِ جَميعُ القِدِّيسينَ مِنْ جَميعِ العُصور. ومِنَ الواضحِ أنَّ الرَّقْمَ 12 هُوَ رَقَمُ التَّماثُلِ التَّامِّ، وأنَّهُ رَقْمُ الكَمال. فهُناكَ اثنَا عَشَرَ بَابًا، واثنَا عَشَرَ مَلاكًا، واثنَا عَشَرَ سِبْطًا، واثنَا عَشَرَ أساسًا، واثنَا عَشَرَ رَسولاً، وهُناكَ اثْنَتَا عَشَرَةَ لُؤْلُؤَةً، واثنَا عَشَرَ صِنْفًا مِنَ الثَّمَر، واثنَا عَشَرَ أَلْفَ غَلْوَة، و (12 × 12 ذِراعًا). فاللهُ يَستَخدِمُ العَددَ 12 مِرارًا وتَكرارًا عندما يَختصُّ الأمرُ بالحالةِ الأبديَّة.

ونقرأُ في العدد 13 أنَّ هَناكَ ثَلاثةَ أبوابٍ مِنْ كُلِّ جِهَة. وما مَعنى ذلك؟ إنَّ البابَ يُشيرُ إلى ماذا؟ إلى دُخولِكَ وَخُروجِك. وأرجو أن لا تَظُنُّوا أنَّ هذا المَكانَ هو المَكانُ الَّذي سَنَبقى فيهِ إلى الأبد، يا أحبَّائي. فهو ليسَ كذلك. فهُناكَ كَوْنٌ لامُتَناهي نَجوْلُ في رِحَابِه. وحيثُ إنَّهُ بمقدورِنا أن نَنتقلَ مِن هُنا إلى السَّماءِ الثَّالثةِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ، لن تَكونَ هُناكَ أيُّ مُشكلةٍ في عُبورِ السَّماءِ اللَّامُتناهِيَةِ في أيِّ وَقتٍ نَشاء بِسُرعةٍ خَارقة. ولكِنَّنا سَنَدخُلُ وَنَخرُجُ مِن هذا المَكانِ مِن خِلالِ هذهِ الأبوابِ البَديعَة. ونَقرأُ في العَدد 14: "وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ". إذًا فإنَّ اللهَ يُعَرِّفُ شَعبَ العهدِ القَديمِ وشَعبَ العهدِ الجديدِ بطريقةٍ رائعة. وأنا أُحِبُّ حَقيقةَ أنَّهُ يَذكرُ في العَدد 14 الخَروف؛ وَهُوَ اسمُ المَسيحِ بِوَصْفِهِ الذَّبيحَة. فَهُوَ سَيكونُ دائمًا وأبدًا الخَروف. وفي العَدد 15، يَستخدِمُ قَصَبَةً مِنْ ذَهَب. وَعادَةً، يُقَدَّرُ طُولُ القَصَبَة بنحوِ ثَلاثةِ أمتار. وقد قَاسَها وَوَجَدَ أنَّها مُتماثِلَة تَمامًا في أبعادِها: "الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالارْتِفَاعُ مُتَسَاوِيَةٌ". وهل تَعلمونَ أنَّ قُدْسَ الأقداسِ في هَيكلِ سُليمان كانَ مُكَعَّبًا قِياسُهُ 20×20×20؟ وهذا هُوَ قُدْسُ أقداسِ الأبديَّة. وَهُوَ يُساوي نَحْوَ 2,25 مَليون ميل مُرَبَّع. وَهُوَ يَستطيعُ أن يَحوي مِئَةَ ألفِ مَليون شخص (أو مِئَةَ مِليارِ شخص). فسوفَ يكونُ هُناكَ مُتَّسَعٌ كَبيرٌ لنا جَميعًا. ولكِن لن يَتِمَّ احتِجازُنا هُناك. صَحيحٌ أنَّهُ وَاسِعٌ جدًّا للأشخاصِ الَّذينَ يَجِدونَ الطَّريقَ الضَّيِّقَ، ولكِنَّهُ بِكُلِّ تأكيدٍ لن يَحتَجِزَهُم. فالأجسادُ المُمَجَّدَةُ لا يُمكِنُ أن تُحْشَرَ في أيِّ مَكانٍ. فلا يُمكنُني أن أتخيَّلَ ذلك. وحَتَّى لوِ اصْطَدَمْتَ بأيِّ شخصٍ فإنَّهُ سيكونُ كَامِلاً ولن يُبالي بذلك. وإنْ كانَ المَكانُ مُكَعَّبًا...إنْ كانَ المَكانُ مُكَعَّبًا، ستكونُ كُلُّ الأشياءِ مُكَدَّسَةً بَعضُها فوقَ بعض إذْ ستكونُ هُناكَ شَوارِعُ فوقَ شَوارِع فَوقَ شَوارِع. والحقيقةُ هي أنَّ ارتفاعَها يُشبِهُ المَسافةَ مِنْ طَرَفِ وِلايةِ فلوريدا (Florida) إلى طَرَفِ وِلايةِ "مين" (Maine). وهذا مُذهِل. فسوفَ تكونُ هُناكَ مَلايينُ الشَّوارِعِ الذَّهبيَّةِ الَّتي تَتقاطَعُ بعضُها مَعَ بعض. فَهُو مَكانٌ يَزْخُرُ بالجَلالِ، ومَكانٌ يَزخُرُ بالجَمال.

ونَقرأُ في العَدد 18: "وَكَانَ بِنَاءُ سُورِهَا مِنْ يَشْبٍ". فالسُّورُ شِبْهُ زُجاجٍ نَقِيٍّ كالألماسِ الَّذي يُشِعُّ مَجْدًا. لِماذا؟ لأنَّ ذلكَ الشَّيءَ يَعكِسُ مَجْدَ اللهِ. لِذا، يجبُ أن يكونَ حَجَرًا شَفَّافًا كي يَعكِسَ المَجد. وتَقرأونَ مَرَّةً أخرى عن هذهِ اللُّؤلُؤةِ اللَّامِعَةِ الَّتي تَتَلألأُ في السَّماء. ونَقرأُ...رَكِّزوا مَعي: "وَكَانَ بِنَاءُ سُورِهَا مِنْ يَشْبٍ، وَالْمَدِينَةُ ذَهَبٌ نَقِيٌّ شِبْهُ زُجَاجٍ نَقِيٍّ". أخبروني: هل رأيتُم يومًا ذَهَبًا نَقيًّا شِبْهَ زُجاجٍ نَقِيٍّ؟ لستُ أنا. فأنا لم أرَ يَومًا ذَهَبًا نَقيًّا شِبْهَ زُجاجٍ نَقِيٍّ. فالذَّهَبُ النَّقِيُّ لا يُشبِهُ البَتَّةَ الزُّجاجَ النَّقِيَّ. فالذَّهَبُ النَّقِيُّ ليسَ شَيئًا يُمكِنُكَ أن تَرى مِن خِلالِه؛ أمَّا الزُّجاجُ النَّقِيُّ فيُمكِنُكَ أن تَرى مِن خِلالِه. وقد تَقول: "وما نَوعُ هذا الذَّهَب؟" لا أدري. ويُوحَنَّا لم يَكُن يَدري أيضًا. وَلا بُدَّ أنَّهُ كانَ يَلْمَعُ بِلَمَعانٍ وبهاءٍ ذَهَبِيٍّ، ولكِنَّهُ كانَ بالرَّغمِ مِن ذلكَ شَفَّافًا كالزُّجاج.

وبالمُناسبة، سوفَ يَكونُ إدراكُنا للأشياءِ مُختَلِفًا بأيِّ حَال. فقد يَكونُ الشَّيْءُ صُلْبًا وشَفَّافًا في الوقتِ نَفسِه. فعندما قامَ يسوعُ بِجَسَدِهِ المُمَجَّدِ مَشَى عَبْرَ جِدار. لِذا فإنَّنا لا نَعلمُ حَقًّا وتَحديدًا مَعنى ذلك. ولكِنَّ كُلَّ شَيءٍ تَنظُرونَ إليهِ سيكونُ شَفَّافًا. والسَّببُ في ذلكَ هو أن يُظهِرَ أنَّ مَجْدَ اللهِ يَختَرِقُهُ لِشِدَّةِ لَمَعانِه. وهذا يُشبِهُ كَثيرًا وَصْفَ حِزْقيال. فَإشعاعُ مَجْدِ اللهِ يَظْهَرُ جَلِيًّا مِن خِلالِ كُلِّ مادَّةٍ ويَعْكِسُ مِن خِلالِ كُلِّ زَاويةٍ مِنْ زَوايا الأحجارِ الكَريمةِ الجَمالَ الَّذي لا يُحْجَبُ لِحُضورِ اللهِ اللَّامُتناهي.

ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ الأساسات. فهي مُزَيَّنَةٌ بِكُلِّ حَجَرٍ كَرِيمٍ. "الأَسَاسُ الأَوَّلُ يَشْبٌ. الثَّانِي يَاقُوتٌ أَزْرَقُ. الثَّالِثُ عَقِيقٌ أَبْيَضُ. الرَّابِعُ زُمُرُّدٌ ذُبَابِيٌّ الْخَامِسُ جَزَعٌ عَقِيقِيٌّ. السَّادِسُ عَقِيقٌ أَحْمَرُ. السَّابِعُ زَبَرْجَدٌ. الثَّامِنُ زُمُرُّدٌ سِلْقِيٌّ. التَّاسِعُ يَاقُوتٌ أَصْفَرُ. الْعَاشِرُ عَقِيقٌ أَخْضَرُ. الْحَادِي عَشَرَ أَسْمَانْجُونِيٌّ. الثَّانِي عَشَرَ جَمَشْتٌ". والآن، لا أدري ماذا أقولُ عن ذلكَ سِوى أنَّهُ جَمالٌ لا يَتَصَوَّرُهُ عَقْلٌ! فالأحجارُ الكَريمةُ المُلَوَّنَةُ تَرسِمُ صُورةً مُذهلةً، وزُجاجًا شَفَّافًا، وألماسًا، ولونًا ذَهبيًّا. والصُّورةُ كُلُّها تَفوقُ الوَصْفَ. وهذا هو جَلالُ السَّماء.

وهل تُحِبُّونَ الجَمال؟ هل تُحِبُّونَ الجَمال؟ وما أعنيه هو: هل تُحِبُّونَ بعدَ نُزولِ المَطَرِ أنْ تُشاهِدوا الألوانَ الخَضراءَ وَغَيرَها؟ تَخَيَّلوا أنَّكُم تَنظرونَ إلى هذا المَشهَد. فاللهُ وَضَعَ في القلبِ البشريِّ حُبَّ الجَمال. فنحنُ نُحِبُّ الجَمالَ. وهذا جَمالٌ أَخَّاذٌ يَجعلُ قَلبَ الرَّجُلِ المُمَجَّدِ أوِ المَرأةِ المُمَجَّدَةِ مُبتَهِجًا إلى الأبد. فلا وُجودَ للدُّخانِ أوِ التَّلَوُّثِ. يا للرَّوعَة!

ثُمَّ إنَّ العَددَ الحادي والعِشرينَ يُمْعِنُ في وَصْفِ جَمَالِها: "وَالاثْنَا عَشَرَ بَابًا اثْنَتَا عَشَرَةَ لُؤْلُؤَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَبْوَابِ كَانَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ". تَخَيَّلوا ذلك. تَخَيَّلوه! ولا أعرِفُ حَجْمَ الأبوابِ، ولكِنَّ كُلًّا مِنها كانَ مِنْ لُؤلؤةٍ واحدة. وقد تَقول: "أودُّ أن أرى تلكَ المَحَارَة". لا تُوجَد مَحَارة يا أحبَّائي. فإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَخلِقَ لُؤلؤةً، يُمكِنُهُ أن يَخلِقَ لُؤلؤةً. فهو لا يَحتاجُ إلى مَحَارَة. ولكِنَّ كُلَّ بابٍ كانَ مِنْ لُؤلؤةٍ واحِدة. "وَسُوقُ الْمَدِينَةِ ذَهَبٌ نَقِيٌّ..." [ومَرَّةً أخرى] "...كَزُجَاجٍ شَفَّافٍ".

وكم أُحِبُّ فِكرةَ أنَّهُ لكي تَدخُلَ المَدينةَ، يجبُ عليكَ أن تَمُرَّ مِن خِلالِ لُؤلؤة. فنحنُ نَدخُلُ السَّماءَ مِن خِلالِ لُؤلؤة. وما هي أهميَّةُ ذلك؟ إنَّ اللُّؤلؤةَ تُصْنَعُ مِنْ قِبَلِ حَيَوانٍ صَغير...حَيوانٍ صَغيرٍ جدًّا. وهل تَعلمونَ ما هُوَ المَطلوبُ لِصُنْعِ لُؤلؤة؟ يجبُ على ذلكَ الحَيَوانُ أنْ [ماذا؟] أنْ يُجْرَحَ. وعندما يَبتدئُ ذلكَ الحَيَوانُ الصَّغيرُ المَجروحُ بِمُداواةِ جُرْحِهِ فإنَّهُ يَصْنَعُ لُؤلؤةً. والفِكرةُ هي أنَّنا نَدخُلُ السَّماءَ مِن خلالِ لُؤلؤةٍ تَرمِزُ إلى ذاكَ الَّذي جُرِحَ لأجلِنا. وَمِن خِلالِ جِراحِهِ، صَنَعَ اللَّآلِئَ الَّتي نَدخُلُ مِنها إلى حُضورِهِ المُقَدَّسِ والأبديِّ. فالسَّماءُ تُدْخَلُ مِن خِلالِ المُعاناةِ، والمَشَقَّةِ، والدَّمِ، وآلامِ الصَّليب. فَمِنْ دُونِ جُرْحٍ، لا تُوجَدُ لُؤلؤة. ونحنُ نَدخُلُ مِنْ لآلِئَ صُنِعَتْ مِنْ قِبَلِ فَادينا المَجروح. ويا لها مِن فِكرة! يا لها مِن فِكرة!

ونَقرأُ في العدد 22 سِماتٍ عَديدة خَاصَّة في السَّماء: "وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلاً، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ وَالْخَرُوفُ هَيْكَلُهَا". وقد قُلنا ذلكَ مِن قَبل. فالهَيكَلُ هُوَ حُضورُ اللهِ. وفي العَدد 23: "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا". فَهُوَ نُورٌ بَهِيٌّ يُنيرُ مِنْ خِلالِ حُضورِ اللهِ والخَروف. "وَيَخْجَلُ الْقَمَرُ" [كَما يَقولُ إشَعْياءُ]. وكَمْ أُحِبُّ هَذِهِ الآيَة! "وَتُخْزَى الشَّمْسُ". ونَقرأُ في العَدد 24: "وَتَمْشِي شُعُوبُ الْمُخَلَّصِينَ بِنُورِهَا، وَمُلُوكُ الأَرْضِ يَجِيئُونَ بِمَجْدِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا". فَمَجْدُ كُلِّ البَشَرِ الآخَرينَ، وكَرامَةُ كُلِّ البَشَرِ الآخَرينَ تَخْتَفي وتَتلاشَى. فكُلُّ أنواعِ البَشَرِ سيكونونَ هُناكَ، بِمَنْ في ذلكَ أعلى النَّاسِ شَأنًا. وأعتقدُ أنَّ الفِكرةَ هُنا هي أنَّ حَتَّى مُلوكَ العَالَمِ، وأشْرَفَ النَّاسِ، وأعلاهُم شَأنًا وأنبَلَهُم (إنْ جازَ التَّعبيرُ) سَيَتنازَلونَ عَن مَجْدِهم أمامَ مَجْدِ السَّماء. والشُّعوبُ...كُلُّ الشُّعوبِ...كُلُّ الشُّعوبِ سَتَمشي بِنورِ حُضورِ اللهِ. وَكُلُّ البَشَرِ، حَتَّى مُلوكُ الأرضِ، سَيَنْحَنونَ أمامَ مَجْدِهِ.

ونَقرأُ في العَدد 25 أنَّهُ في النَّهارِ... والنَّهارُ سيكونُ دَائمًا "لأنَّ لَيْلاً لاَ يَكُونُ هُنَاكَ". "وَأَبْوَابُهَا لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا". لن تُغلِقَ البَتَّة. فقد كانت أبوابُ المَدينَةِ تُغلَقُ دائمًا في اللَّيلِ لِمَنْعِ دُخولِ اللُّصوصِ، وقُطَّاعِ الطَّريقِ، ومُثيري المَتاعِبِ، والجُيوشِ الأخرى. ولكِنْ حيثُ إنَّهُ لن يكونَ هُناكَ لَيلٌ فإنَّ الأبوابَ لن تُغلَقَ البَتَّة. فهُناكَ حُريَّة تَامَّة، وأمانٌ تَامٌّ. لِذا يُمكِنُكم أن تَدخُلوا وتَخرُجوا كَما تَشاؤون. فهُناكَ حِماية كَاملة. "وَيَجِيئُونَ بِمَجْدِ الأُمَمِ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا". وكما تَرَوْنَ، لن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ يُنافِسُ مَجْدَ اللهِ. لا شَيء.

وفي العَدد 27: "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِلاَّ [وَكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلماتِ] الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ". فلن يَدخُلَها سِوى الأشخاصِ الَّذينَ كُتِبَتْ أسماؤُهُم في سِفْرِ حَياةِ الخَروف؛ أيِ الَّذينَ آمَنوا بالمَسيح. فلا يُوجَدُ مُنافِسٌ لِمَجْدِ الله. ولا يُوْجَدُ مَنْ يُنافِسُهُ على الكَرامَة. فالأُمَمُ سَتَأتي بِكُلِّ مَجْدِها وكُلِّ كَرامَتِها وتَضَعُها أمامَ عَرشِ اللهِ. "وَأَرَانِي نَهْرًا صَافِيًا مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعًا كَبَلُّورٍ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ كُلَّ شَيءٍ لامِعُ وشَفَّافٌ حَتَّى إنَّ نُوْرَ اللهِ يُشِعُّ مِن خِلالِها. وقد كانَ هذا النَّهرُ "خَارِجًا مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْخَرُوفِ. فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ الأُمَم" [أوْ لِخَيْرِ الأُمَم].

ففي جَنَّةِ عَدْن، رُبَّما تَذكرونَ أنَّهُ كانَ هُناكَ نَهْرٌ جَميلٌ لَهُ أربعَةُ رُؤوسٍ وَيَسْقي الجَنَّة. وَهُنا، نَجِدُ أنّ المَدينةَ السَّماويَّةَ تُقَدِّمُ بِصورةٍ مَجيدةٍ نَهْرًا مُتَدَفِّقًا يَنْبَعُ مِنْ عَرْشِ اللهِ ويَختَرِقُ سَاحَةَ المَدينة؛ وَهُوَ نَهْرٌ سَماوِيٌّ صَافٍ كَالبِلَّوْر. وَهُوَ مَشهَدٌ بَديعٌ وَحَسْب يَسْتَحيلُ وَصْفُه.

ونحنُ نَقرأُ في المَزمور 46: 4: "نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ اللهِ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ نَهْرٌ. وهل تَتَخَيَّلونَ ذلك؟ وهل تَعلمونَ أهميَّةَ النَّهرِ لليهودِ الَّذينَ كانوا يَعيشونَ في مَكانٍ قَاحِلٍ مِثلَ فَلسطين؟ لقد كانَ النَّهرُ مَكانًا رائعًا للتَّعزيةِ، والرَّاحةِ، والاسترخاءِ، والانتعاشِ، والارتواءِ، والحُصولِ على مَاءٍ بَارِدٍ في الأوقاتِ الحَارَّة. فقد كانتِ المَدينةُ مَكانًا للحِمايةِ، والشَّركةِ، والرِّفْقَةِ، والحياةِ الاجتماعيَّة. وكانَ النَّهرُ يَعني المَاءَ للفَمِ العَطشْان. واللهُ يُعطيهم سَماءً هي ذُروةُ كُلِّ شَيءٍ كانَ قَيِّمًا لديهم؛ كُلِّ شيء. فإنْ عَثَرْتُمْ على شَجَرةٍ حينَ تَمشي في بَرِّيَّةٍ قَاحِلَةٍ وتَجِدُ ما تَأكُلُهُ، سَيكونُ فَرَحُكم غَامِرًا. شَجَرة! شَجَرة! وسوفَ تأكلونَ لأجلِ المُتعة. فأنتُم لا تَأكلونَ لأجلِ الغِذاءِ في السَّماء، بل تَأكُلونَ وَحَسْب لأجلِ المَذاقِ، وتأكلونَ وَحَسْب لأجلِ مُتْعَةِ تَذَوِّق ما تَأكلونَهُ مِنْ ثَمَرِ تلكَ الشَّجَرة. والكلمة "شِفاء" هي تَرجمة للكلمة "ثيرابين" (therapeian) الَّتي اشتُقَّتْ مِنها الكلمة "ثيرابيوتيك" (therapeutic) ومَعناها: "وَاهِبٌ للصِّحَّة". فالأوراقُ لا تُعالِجُ الأمراضَ، بل تُعَزِّزُ غِنَى الحَياة. فهذا هُوَ ما تَفعَلُه. وهي شَجَرة شَهِيَّة وَحَسْب للأكل. والماءُ هُوَ فقط لأجلِ مُتْعَةِ الشُّرْب. فلا حاجةَ إلى الأكلِ أوِ الشُّربِ للحِفاظِ على الحَياة، بل إنَّ كُلَّ أَكْلٍ وَشُرْبٍ هُوَ لأجلِ المُتعَةِ فقط. ويا للعَجَب! إنَّهُ مُدهِشٌ!

"وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ". لن تَكونَ هُناكَ لَعنة. "وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ. وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ. وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ". فلن تُوجَدَ لَعنة، ولن تُوجَدَ خَطِيَّة. وَعَرْشُ اللهِ والخَروفِ يَكونُ فيها. وكم أُحِبُّ ما جاءَ في رسالة تسالونيكي الأولى 4: 17. فعندما نُؤخَذُ إلى السَّماءِ عندَما يَحدُثُ الاختِطافُ: "نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ [مَنْ؟] الرَّبِّ". فنحنُ لن نَبتَعِدَ عن حَضْرَتِهِ إلى أبدِ الآبِدين. ونَقرأُ في العدد 4 أنَّنا سَننْظُرُ وَجْهَهُ. وهذا يُشيرُ إلى العَلاقةِ الحَميمةِ والمُشاركةِ والشَّرِكَة. "وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ". وهذا يَرمِزُ إلى المِلْكِيَّة. فهي عَلامَةٌ بأنَّنا خَاصَّتُه.

والآن، فَكِّروا في ذلك. أَلا فَكَّرْتُم في ذلك؟ فنحنُ نَتحدَّثُ عن شَرِكَةٍ حَميمةٍ للخُطاةِ في حَضْرَةِ اللهِ القُدُّوسِ إلى أبدِ الآبِدين. اسمَعوني: مِنَ التَّجديفِ أنْ نَتحدَّثَ عَنْ أنَّنا سَنُوجَدُ في حَضرةِ اللهِ السَّرْمَدِيّ، وَمِنَ التَّجديفِ أن نَتحدَّثَ عن أنَّنا سَنَتمتَّعُ بشركةٍ شَخصيَّةٍ حَميمةٍ معَ المَسيح، وَمِنَ التَّجديفِ أن نتحدَّثَ عن أنَّنا سَنَكونُ وَرَثَةً معَ المَسيح، أو أنَّنا سَنَدينُ العَالَمَ، أو أنَّنا سَنَجلِسُ على العَرشِ مَعَ المَسيحِ، أو أنَّنا سنَتَّحِدُ باللهِ الآب؛ فَهِيَ سَتكونُ أفكارًا تَجديفيَّةً لو أنَّها لم تَكُن كُلُّها حَقيقيَّة. ولكنَّها أفكارٌ رائعة. وهي كُلُّها وُعودٌ مِنَ اللهِ لَنا. وَهُوَ سَيَكتُبُ اسمَهُ على جِباهِنا. فيا لها مِن فِكرةٍ رائعة!

فمَجْدُ السَّماءِ هُوَ حُضورُ اللهِ البَهِيِّ الَّذي يُشِعُّ جَمالاً نَعْجَزُ عن وَصْفِه. فهذه هي السَّماء. واسمَحوا لي أن أختِمَ كَلامي. لقد كَتَبَ "چ.أ. سايس" (JA Seiss) قبلَ سنواتٍ خَلَتْ الكلماتِ التَّالية الجَميلة: "إنَّ ذلكَ اللَّمَعانَ ليسَ ناشِئًا عنِ اشتِعالِ مَادَّةٍ ما، ولا عَنِ احتِراقِ وُقودٍ ينبغي استبدالُهُ حينَ يَنْفَد المَخزونُ، بل هُوَ النُّوْرُ غيرُ المَخلوقِ لِذاكَ الَّذي هُوَ نُوْرٌ مُشِعٌّ بِواسِطَةِ وَمِنْ خِلالِ الخَروفِ بِصِفَتِهِ السِّراجَ الدَّائِمَ لِبيتِ وقُلوبِ وَأذهانِ قِدِّيسيهِ المُمَجَّدين. فعندما ضُرِبَ بولسُ وَسِيْلا، وَضُبِطَتْ أَرْجُلُهُمَا فِي المِقْطَرَةِ، وطُرِحا في غَيَاهِبِ السِّجْنِ في فيلبِّي، استَمَرَّا في رُؤيةِ نُورٍ مُقَدَّسٍ مَكَّنَهُما مِنَ طَرْدِ وَحْشَةِ الظَّلامِ بِتَرانيمَ مُبْهِجَة. وعندما كانَ بولسُ في طَريقِهِ إلى دِمَشْق، أَبْرَقَ نُورٌ أسطَعُ مِنَ الشَّمسِ في مُنْتَصَفِ النَّهارِ حَوْلَهُ، وأَضَاءَ كِيانَهُ كُلَّهُ بِمَعالِمَ جَديدة وَفَهْمٍ جَديدٍ جَعَلَ نَفسَهُ وَجَسَدَهُ بعدَ ذلكَ نُورًا في الرَّبِّ. وعندما نَزَلَ مُوْسَى مِنْ فوقِ الجَبَلِ بعدَ حَديثِهِ مَعَ اللهِ، كانَ وَجْهُهُ يَلْمَعُ بِشِدَّة حَتَّى إنَّ إخوَتَهُ لم يَحْتَمِلوا النَّظَرَ إليه. فقد تَمَتَّعَ بِشركةٍ حَميمةٍ جدًّا معَ ذلكَ النُّور حَتَّى إنَّهُ صَارَ مُسْتَنيرًا وجاءَ إلى المِحَلَّةِ كَنورِ اللهِ إذْ إنَّهُ كانَ يُشِعُّ بِمَجدِ الله. وعلى جَبَلِ التَّجَلِّي، انبَثَقَ ذلكَ النُّورُ نَفسُهُ مِنْ كُلِّ جَسَدِ وَثيابِ يَسوعَ المُبارَك. وفيما يَختصُّ بالمَرَّةِ الَّتي سَتُخْلَقُ فيها هذهِ المَدينةُ وتَصيرُ فيها مَكانًا، يَقولُ إشعياءُ إنَّ القَمَرَ سَيَخجَلُ وإنَّ الشَّمْسَ سَتُخْزَى. وَهُما سَيَخجلانِ بسببِ المَجدِ المُشِعِّ بِقوَّة الَّذي سَيَظْهَرُ آنذاكَ في أورُشَليم الجَديدة فلا تَعودُ هُناكَ حَاجة إلى أنْ يُشرِقا فيها لأنَّ نُورَ مَجْدِ اللهِ يُنيرُها، والخَروفُ سِراجُها". ويا لها مِن حَقيقةٍ عَظيمة ورائعة! وهذا هُوَ ما نَحنُ ذاهِبونَ إليه، يا أحبَّائي. هذا هو ما نَحنُ ذاهِبونَ إليه.

"أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا". وقد قالَ فيلُبُّس: "إلى أينَ أنتَ ذَاهِبٌ؟ وَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ إلى ذلكَ المَكان؟ وكيفَ نَقْدِرُ أن نَعرِفَ أينَ أنت؟ وكيفَ نَقدِرُ أن نَذهبَ إلى هُناك؟" هل تَذكرونَ ذلكَ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 14؟ "يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا". وقد قالَ يَسوعُ: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي؟" وهذا سُؤالٌ مُهِمٌّ. فيجب أن تَعلمَ مَنْ أنا. وقبلَ ذلكَ، قالَ تُوما: "يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ". إنَّهُما سُؤالان. فنحنُ لا نَعلَمُ يَقينًا مَنْ أنتَ، ولا نَعلمُ أينَ تَذهب! فقالَ يَسوعُ: "أنا هُوَ الله". قالَ ذلكَ لِفيلُبُّس. وقد قالَ لتوما: "لا حَاجَةَ إلى أن تَعلموا أينَ أذهبُ. كُلُّ ما تَحتاجونَ إلى مَعرفتِه هو أنِّي أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ [بِماذا؟] إلاَّ بِي". فهل تُريدُ أن تَذهبَ إلى السَّماء. يَسوعُ المَسيحُ هُوَ الطَّريق. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، لقد صَرَفْنا وَقتًا رائعًا في هذا المَساء. ويا لَهُ مِنْ فَرَحٍ في أن نَكونَ مَعًا معَ الأشخاصِ الَّذينَ نُحِبُّهُم. وقد تَذَوَّقْنا طَعْمَ السَّماءِ اللَّيلة. ونحنُ نَشكُرُكَ على ذلكَ ونَسألُكَ أنْ تُؤكِّدَ في قُلوبِنا هذهِ الرُّؤيا الرَّائعة. اجْعَلْنا نَتَشَوَّقُ إلى ما يَنتظِرُنا، وَساعِدنا على أن نَعيشَ في ضَوْءِ ذلك. باسمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize