Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، نَعودُ إلى دِراسَتِنا عن تَشريحِ الكنيسة. ويُمكنُني القولُ إنَّنا تَوقَّفنا وقتًا طَويلاً عن مُتابعةِ دراستِنا للرِّسالةِ الثانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس؛ ولكنَّنا سنَعودُ إلى مُتابعةِ دراسةِ ذلكَ الأصحاح الحادي عشرَ ونُنهي دراسةَ تلك الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ الأخيرة قَريبًا. ولكنَّ الرَّبَّ وَضَعَ على قلبي أن أعودَ وأتحدَّثَ عن تَشريحِ الكنيسة. والسَّببُ في ذلكَ يَرجِعُ إلى أنَّهُ عَبْرَ السِّنين، جَلَبَ اللهُ أشخاصًا جُدُدًا كَثيرينَ مِنكُم إلى كَنيستِنا. ولا بُدَّ أن تَفهموا طَبيعةَ الكَنيسةِ وسِماتِها، وأن تَفهموا سَبَبَ قِيامِنا بما نَقومُ به وبالطَّريقةِ الَّتي نَقومُ بها. لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ عن كُلِّ هذا الموضوعِ المُختصِّ بكيفيَّةِ عَملِ الكنيسة. ونحنُ نَصرِفُ وَقتًا رائعًا جدًّا جدًّا في القيامِ بذلك.

وقد استَعَرنا تَشبيهَ الكنيسةِ في الكتابِ المقدَّسِ بجسدِ المسيح؛ وهي هُوِيَّة غَنيَّة ورائعة تَضُمُّ كُنوزًا عَظيمةً مِنَ الحَقِّ الَّذي يُسهِمُ في بُنيانِنا ويَنبغي لنا أن نُطَبِّقَهُ. وقد عَقَدْنا مُقارنةً بينَ الكنيسةِ والجسد وقُلنا إنَّ المسيحَ هو الرَّأس (كما يُعَلِّمُ الرَّسولُ بولسُ في رسالتيّ أفسُس وكولوسي). وفي أثناءِ قِيامِنا بذلك، نَظرنا إلى ذلكَ التَّشبيهِ نَظرةً عَميقةً، وتَوسَّعنا فيهِ قليلاً، وتَحدَّثنا عن تَشريحِ الكنيسة. وأرجو أن تَسمحوا لي أن أَلفِتَ أنظارَكُم إلى نَصٍّ كِتابيٍّ نَبتدئُ بِهِ وهو رسالة أفسُس والأصحاح الرَّابع. أرجو أن تَفتحوا عليها ابتداءً مِنَ العَددِ الحادي عَشَر ومَا يَليه. فبولُسُ يَكتُبُ: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيح".

هذا نَصٌّ عَميقٌ وغَنِيٌّ. ويُمكنُنا أن نَصرِفَ وقتًا طَويلاً في التَحدُّثِ عن كُلِّ تَفاصيلِ كلماتِ بولس هنا؛ ولكنِّي أريدُ أن أُوَجِّهَ أنظارَكُم إلى شيءٍ واحدٍ في البداية وهو التَّالي: أنَّ بُنيانَ جَسَدِ المَسيحِ (وهو الشَّيءُ الَّذي نَحنُ عَاكِفونَ على القيامِ بِهِ) يَهدِفُ أو يَرمي إلى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ المَسِيح. بعبارة أخرى، نحنُ نُريدُ أن يَكونَ جَسَدُ المسيحِ مُشابهًا للمسيحِ قدرَ الإمكان. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في رسالَتِهِ إلى أهْلِ غَلاطيَّة 4: 19 إنَّهُ كانَ يَتَمَخَّصُ "إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ". فيجب علينا أن نَكونَ مُشابهينَ للمسيح؛ لا بِصِفَةٍ فَرديَّةٍ فَحَسْب، بل وأيضًا بِصِفةٍ جَماعيَّة. فيجب علينا أن نَنتهي جَميعًا إلى قِياسِ قَامَةِ مِلْءِ المَسيح.

وهذا يَتطلَّبُ وَحدةَ الإيمان، ويَتطلَّبُ مَعرفةً عَميقةً لابنِ الله. فيجب علينا أن نَعرِفَ صِفاتِهِ لكي نَتمكَّنَ مِن أن نَصيرَ مِثلَهُ. ويجب علينا أن نَتَمَثَّلَ بِصفاتِه وأن نُظهِرَ فَضائِلَهُ. لِذا فإنَّ الكنيسةَ هي ليست مُؤسَّسة دينيَّة، وهي ليست مَجموعة مِنَ الأشخاصِ غيرِ المُترابطين؛ بل هي عُضْوٌ حَيٌّ أُعطِيَ نَفسَ حَياةِ الله. وَهُم أشخاصٌ يَتَّحِدونَ في وَحدةٍ عُضويَّة؛ أي في وَحدةٍ رُوحيَّةٍ عُضويَّةٍ ويَسْعَوْنَ إلى التَّمَثُّلِ بالمسيح. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما حَدَثَ في أنطاكِيَة إذْ إنَّ الوَثنيِّينَ هُناكَ كانوا أوَّلَ مَن دَعا التَّلاَمِيذَ "مَسِيحِيِّين"؛ وهي كلمة تَعني أنَّهُم "مُسَحاءَ صَغيرون". لِذا فإنَّ الفِكرةَ مِن نُموِّ الكنيسة، والفِكرةَ مِنَ الجسدِ الرُّوحيّ للمسيحِ هي أنَّهُ يَنمو، ويَنضُج، ويَتمثَّل بالمسيح. وهذا يَعني أن يَكتَسِبَ الفضائلَ اللاَّزمة ويُظِهَرَ الصِّفاتِ الَّتي تَعكِسُ صِفاتِ رَبِّهِ ورأسِه.

لِذا فإنَّنا نُرَكِّزُ على هذه العمليَّة. فالكنيسةُ هي جسدُ المسيح. فهي ليست شيئًا جامًدا، بل هُوَ جَسَدٌ يَنمو وينضُج ليصيرَ مُشابهًا للمسيح. وقد ابتدأنا (إن كُنتُم تَذكرونَ) بالهيكلِ العَظميِّ وقُلنا إنَّهُ توجدُ أمورٌ عديدةٌ مُهمَّةٌ وأساسيَّةٌ وجَوهريَّةٌ تُعطي الكنيسةَ شَكلَها وصَلابتَها. وهي أمورٌ لا جِدالَ فيها لأنَّها جَوهريَّة جدًّا. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ بالتَّفصيلِ على مَدى أسابيع عَديدة. وقد تَحَّدثنا بعدَ ذلكَ عنِ الأنظمةِ الدَّاخليَّة. فالجِسمُ لا يَكتملُ بكُلِّ تأكيدٍ بعَمودٍ فِقريٍّ فقط. فيجب أن تَرتبط بذلك العَمودِ الفِقريِّ أجهزة داخليَّة تُعطيهِ الحياةَ وتَجعلُهُ جَسَدًا حَيًّا؛ لا مُجَرَّدَ هَيكلٍ عَظميّ. لِذا فقد تَأمَّلنا في الأنظمةِ الدَّاخليَّةِ الَّتي تَجعلُ الكنيسةَ جَسدَ المسيح، والَّتي تَجعلُها ما يُريدُ اللهُ مِنها أن تَكون.

وقد ابتدأنا بالإيمان وقُلنا إنَّ نُقطةَ البِدايةِ هي بِكُلِّ تأكيد أن تُؤمِنَ باللهِ، وأن تَتَّكِلَ على اللهِ، وأن تَعرفَهُ مَعرفةً كافيةً في كُلِّ جَوانبِ الحياة. وقد تَذَكَّرنا الآيةَ حَبَقُّوق 2: 4 الَّتي تَقول: "البارُّ بالإيمانِ يَحيا"، والآية 2كورِنثوس 5: 7 الَّتي تَقولُ إنَّنا: "بالإيمانِ نَسلُكُ، لا بالعِيان". وقد ذَكَّرنا أنفسَنا بكُلِّ تأكيد بأنَّهُ يجب علينا أن نَحْمِلَ تُرْسَ الإيمانِ الَّذي بِهِ نَقدِرُ أن نُطفِئَ جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ المُلتَهِبَة. أمَّا النِّظامُ الدَّاخليُّ الثَّاني فهو الطَّاعة. وهي تَسيرُ جنبًا إلى جَنبٍ معَ الإيمان. فيجب أن يكونَ الإيمانُ مَصحوبًا بالخُضوعِ لكُلِّ ما يَطلُبُهُ الرَّبُّ مِنَّا إذْ نَقرأُ: "احفَظوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". فنحنُ الَّذينَ كُنَّا عَبيدًا للخطيَّةِ قد صِرنا الآنَ عَبيدًا للبِرّ (كما جاءَ في رسالة رُومية 6: 17). والطَّاعةُ لكلمةِ اللهِ ومَشيئةِ اللهِ هي جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِن ذلك.

ثالثًا، لقد تَحدَّثنا عنِ الاتِّضاعِ الَّذي هو واحدٌ مِن أنبَلِ الفَضائلِ المسيحيَّةِ ويَعني أن يَعترفَ الإنسانُ بخطيئتِهِ وعَدمِ استِحقاقِه. والتَّواضُعُ، كما قُلنا، ليسَ ضَعفًا. وهو ليسَ مُساويًا بِكُلِّ تأكيد للخطيَّة، وليسَ مُساويًا للجَهل، وليسَ مُساويًا للخَوف. فأحيانًا، قد يبدو الخُطاةُ والضُّعفاءُ والخائفونَ مُتواضِعين. ولكنَّ التَّواضُعَ يَعني في الحقيقةِ أن يَفهمَ الإنسانُ خَطيئتَهُ الشَّخصيَّةَ، وأن يَفهمَ فَهمًا سَليمًا نِعمةَ اللهِ في المَسيح، وأن يَفهمَ فَهمًا سَليمًا مَا يَستطيعُ اللهُ أن يَستخدِمَنا للقيامِ بهِ عندما نَخضَعُ لَهُ. والآن، هذا يَقودُنا إلى النِّظامِ الدَّاخليِّ الرَّابعِ أوِ العُنصرِ الرَّابعِ أوِ المَوقفِ الرُّوحيِّ الرَّابعِ [كما نُسَمِّيهِ] أوِّ الدَّافعِ الرُّوحيِّ الرَّابع. وهو مَوقِفٌ تَسمعونَ الكثيرَ عنه؛ ولكنَّهُ مَوقفٌ مُهمٌّ جِدًّا جِدًّا وهو: المحبَّة – المَحبَّة. وهو الشَّيءُ الَّذي أريدُ أن أُحَدِّثَكُم عنهُ في هذا الصَّباح.

وهناكَ أساليب كثيرة لمُعالجةِ هذا الموضوع، ولكن رُبَّما يُمكنُني مُعالجتُه مِن خلالِ العالَمِ الَّذي نَعيشُ فيه، ومِن خلالِ سِياقِ الثَّقافةِ الَّتي تُحيطُ بنا والَّتي أعادَت تَعريفَ هذه الكلمة بطريقةٍ مُؤسفةٍ جدًّا. ولكي نَفعلَ ذلك، على الأقلِّ كنُقطة انطلاق، انظروا إلى ما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاح الخامس – رسالة أفسُس والأصحاح الخامس. وهذه نُقطة بداية جيِّدة لنا. وَمِنَ الواضحِ أنَّ مَوضوعَ المحبَّة هو مَوضوعٌ كبيرٌ ذُكِرَ في مَواضِع كثيرة جدًّا في كلمةِ الله. ولكنِّي سأحاولُ أن أُلَخِّصَ ذلكَ مِن خلالِ العُثورِ على نُقطةِ دُخولٍ هُنا في رسالة أفسُس 5: 1: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ". والآن، ما مَعنى أن نَكونَ مُتَمَثِّلينَ بالله؟

نَجِدُ الجَوابَ عن ذلك السُّؤال في العددِ الثَّاني: "اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّة". فإن أردتُم أن تَتَمَثَّلوا باللهِ، اسلُكوا في المَحبَّة لأنَّهُ كما أخبرَنا يُوحنَّا فإنَّ اللهَ مَحبَّة. فإن أردتَ أن تَكونَ ابنًا حَقيقيًّا للهِ، وإن أردتَ أن تُظهِرَ صِفَاتِهِ، وإن أردتَ أن تَتَمَثَّلَ باللهِ، اسلُك في المحبَّة لأنَّ هذه واحدة مِن صِفاتِ الله. "لأنَّهُ هكذا أَحَبَّ اللهُ العالَمَ..." (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 3: 16). وكما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى إذْ إنَّ اللهَ مَحبَّة.

وَهُوَ يُعَرِّفُ مَدى مَحبَّةِ اللهِ في العددِ الثَّاني فيقول: "كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا". وهذا هو أوضحُ وأقصرُ تَعريفٍ للمحبَّة في أيِّ مَوضِعٍ في الكتابِ المقدَّس، وَهُوَ كالتَّالي: المَحبَّة تَعني في نِهايةِ المَطاف: التَّضحية بالذَّات. فهي لا تُعَرَّفُ بِصورةٍ رئيسيَّةٍ بأنَّها عاطفة، ولا تُعَرَّف بصورة رئيسيَّة بأنَّها شُعور.

بل إنَّها تَعني بَذْلَ الذَّاتِ والتَّضحيةِ بالذَّات. فعندما تَنظرُ إلى اللهِ وتُدركُ أنَّ اللهَ يُحبُّك فإنَّكَ تُدركُ ذلكَ مِن خلالِ التَّضحيةِ الَّتي قامَ بها. لِذا فإنَّ النَّصَّ يَقولُ ببساطَة: تَمَثَّل بالله. وكيفَ تَفعلُ ذلك؟ بأن تَسلُكَ في المَحبَّة. وكيفَ تُعَرَّفُ المحبَّة؟ إنَّها تُعَرَّفُ مِن خلالِ المسيحِ الَّذي أَحبَّنا وبَذَلَ نَفسَهُ لأجلِنا. بعبارة أخرى: السِّمَةُ الرَّئيسيَّةُ للمَحبَّة هي أنَّها تُعطي وتُعطي وتُعطي بسَخاء. فهي تُعطي بِلا حُدود. وهي تُعطي بِلا أنانيَّة، وبلا اهتمامٍ بالنَّفس. فهي مُضَحِّيَة. وأودُّ أن أقولَ أيضًا إنَّ المحبَّة تَنبُعُ مِنَ التَّواضُع. لِذا فإنِّي أَضَعُ هذه المواقفَ معًا. فلا أحدَ يَستطيعُ أن يُحبَّ مَحبَّةً كهذهِ إن كانَ يُرَكِّزُ على ذاتِه. فلا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَبذُلَ حَياتَهُ، ولا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يُضَحِّي تَمامًا.

أو كما قالَ يَسوع: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ [ماذا؟] نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". هل تُريدونَ تَعريفًا للمحبَّة؟ إنَّها مُضَحِّيَة. وهي ليست أنانيَّة، بل إنَّها تَعني التَّضحية بالذَّات. فهي ليست أنانيَّة. وهي لا تُوجَدُ إلاَّ في حياةِ الإنسانِ المُتواضِع، أوِ الإنسانِ المُكَرَّسِ الَّذي يُوصَفُ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني بأنَّهُ: "لا يَنظُرُ إلى ما هو لنَفسِه، بل إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا". فالإنسانُ الَّذي يَحسَبُ الآخرينَ أفضلَ مِنهُ يَستطيعُ أن يُضَحِّي هكذا. هذه هي المحبَّة الكِتابيَّة. ولا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ سِوى الأشخاصَ المُتواضِعينَ أن يُمارِسوها لأنَّ الأشخاصَ المُتواضِعينَ هُمُ الوَحيدونَ الَّذينَ يُمكنهم أن يُضَحُّوا بأنفسِهم لأجلِ شخصٍ آخر.

والتَّواضُعُ ليسَ سَجِيَّة شَخصيَّة، ولا يَجوزُ أن نَخلِطَ بينَهُ وبينَ كَونِ المَرءِ مِسكينًا أو هَادئًا، ولا يَجوزُ أن نَخلِطَ بَينَهُ وبينَ التَّحدُّثِ بلُطفٍ أو لِيْن؛ بل ينبغي أن يُقرَنَ بالتَّضحيةِ بالذَّات إذْ يُضَحِّي المَرءُ بنفسِهِ لأجلِ الآخرين. فهذه هي المحبَّة الَّتي تَنبُع مِنَ التَّواضُع. وحيثُ لا يُوجَد تَواضُع، لا تُوجدَ مَحبَّة. ويجب عليكم أن تَتذكَّروا أنَّ التَّواضُع يَنشأ عنِ الفَهمِ السَّليمِ لحالتِنا ولحَقيقةِ الله. هذا هو التَّواضُع. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول في رسالتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح 12: "أنا لا أُقارِنُ نَفسي بالآخرين". فنحنُ لسنا مِثلَ أولئكَ الَّذينَ يُقارنونَ أنفسَهُم بالآخرينَ لأنَّ ذلكَ يُعطي نَتائجَ مَغلوطة. فعندما تُقارنُ نَفسكَ بالآخرين، يُمكِنُكَ أن تَعثُر دائمًا على سَبَبٍ للافتخارِ والزَّهوِ بالنَّفس.

أمَّا عندما تُقارنُ نَفسكَ بالله فإنَّكَ تُدركُ أنَّكَ ذَليلٌ ووَضيع. ومِن خِلالِ إخلاءِ النَّفسِ ذاكَ الَّذي أَظهَرَهُ يَسوعُ في تَجَسُّدِه (كما جاءَ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني) يُمكِن أن تَنبُع المَحبَّة. فاللهُ أحَبَّنا كُلَّ هذا الحُبِّ حَتَّى إنَّهُ تَجَسَّدَ وبَذَلَ نَفسَهُ. فقد تَواضَعَ لأجلِ تلكَ المحبَّة. وعالَمُنا، بِكُلِّ صَراحَة، لا يَعرِفُ أيَّ شيءٍ عن ذلك بصورة رئيسيَّة. وأنا أريدُ منكم أن تُتابِعوا هذا النَّصَّ. وسوفَ أُخبركم ما جاءَ فيه، ثُمَّ أُريكم كيفَ يَظهَر ذلكَ في المُجتمَع. لاحِظوا العددَ الثَّالث؛ فهو مُدهش جدًّا. ففي هذا الحديثِ عنِ المحبَّة نَراهُ يَقولُ حالاً: "وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ". وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "زِنَا" هي "بورنيا" (porneia) ومَعناها: خَطيَّة جِنسيَّة. وهي تُتَرجَم عادةً: "دَعارة".

"وَكُلُّ نَجَاسَةٍ"، وهي كلمة تُشيرُ ببساطة إلى كُلِّ شكلٍ آخر مِن أشكالِ الخطيَّةِ الجِنسيَّة. "أَوْ طَمَعٍ"؛ وهذا هو سَبَبُ اقترافِ الخطيَّةِ الجنسيَّة. فَهُوَ لا يَتحدَّثُ عنِ الطَّمَعِ الماليِّ هُنا، بل يَتحدَّثُ عنِ التَّلَهُّفِ إلى ذلكَ النَّوعِ مِنَ الشَّرّ. "فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِين".

والآن، لماذا يَتحدَّث عن هذا الأمر؟ فلماذا بعدَ أن تَحدَّثَ في العَددينِ الأوَّل والثَّاني، في هذا الحَديثِ السَّامي عنِ المحبَّة، وفي هذا الاستِعراضِ الرَّائعِ للمحبَّة، وبعدَ أن يَقولَ إنَّ المسيحَ أحَبَّنا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً، ولماذا بعدَ أن تَحدَّثَ عنِ المَجدِ الرَّفيعِ لتواضُعِ المَسيحِ وإخلائِهِ لنفسِه، وبعدَ هذا التَّعبيرِ عنِ المحبَّةِ خُضوعًا لقَصدِ اللهِ على الصَّليبِ كَي يَفدي الخُطاةَ، لماذا يَنتقلُ فجأةً إلى الحديثِ عن مَوضوعٍ حَقيرٍ كالزِّنا وكُلِّ شَكلٍ آخرَ مِنَ الخَطيَّةِ الجِنسيَّة، وعنِ الشَّهوةِ الَّتي تَقودُ إلى هذه الخَطايا؟ لماذا؟

لأنَّهُ في العادَة، هذه هي نَظرةُ العالَمِ إلى المَحبَّة. فهذا هوَ انحِرافُ العالَم. وهذا هو تَعريفُ العالَم. بل إنَّ العَدَدَيْنِ الرَّابع والخَامِس يَقولانِ المَزيد: "وَلاَ الْقَبَاحَةُ"؛ وهي كَلمة تَعني حَرفيًّا: "فُحْشًا". "وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ" إشارَةً إلى الكَلامِ البَذيءِ ذي الإيحاءِ الجِنسيِّ. "وَالْهَزْلُ". والمَعنى مُشابِهٌ هُنا. "الَّتِي لاَ تَلِيق، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ". بعبارة أخرى، نحنُ نَتحدَّثُ عنِ المحبَّة، وفجأةً نَنتقلُ إلى هذا المُقابِلِ المُريعِ الَّذي يُمارِسُهُ العالَمُ مِن خلالِ انهِماكِهِ بالأمورِ الجِنسيَّة. فهذا هو البَديلُ الَّذي يَعرِفُهُ العالَمُ للمحبَّة. فعندما تَذكُرُ الكلمة "مَحبَّة" في العالم اليوم، ما الَّذي تَتحدَّثُ عنهُ في الحقيقة؟

فعندما يَقولُ شخصٌ إنَّهُ يُحِبُّ فَتاةً، ما الَّذي يَقصِدُهُ بذلك الحُبّ؟ فإن كُنتَ مُتزوِّجًا ووقعتَ في الحُبِّ فإنَّ ذلكَ يُبَرِّرُ الخَطيَّةَ الجنسيَّة. وإن كُنتَ عَازبًا ووقعتَ في الحُبِّ فإنَّ ذلكَ يُبَرِّرُ الخَطيَّةَ الجِنسيَّة. وإن كُنتَ رَجُلاً ووقعتَ في الحُبِّ أو وَقعتَ في حُبِّ رَجُلٍ آخر فإنَّ ذلكَ يُبَرِّرُ الجِنسيَّةَ المِثليَّة. وإن كُنتِ امرأةً وقُلتِ إنَّكِ تُحِبِّينَ امرأةً أخرى فإنَّ هذا يُبَرِّرُ الجِنسيَّةَ المِثليَّة. فهذا هو انحرافُ العالَم. وكُلُّ تلكَ الأغاني الَّتي تَتحدَّثُ عنِ الحُبِّ دونَ تَوقُّف، وكُلُّ تلكَ البرامِجِ التِّلِفزيونيَّةِ والأفلامِ وكُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي تَستمرُّ في تَعريفِ المحبَّةِ بعباراتٍ جِنسيَّةٍ مَحضَةٍ تُظهِرُ أنَّ هذا هو الفَسادُ الَّذي أَلْحَقَهُ العالَمُ بالحُبِّ الحَقيقيّ.

واسمَحوا لي أن أَخطو مَعَكُم خُطوةً أخرى وأن أَحْفِزَ ذِهنَكُم قليلاً لكي تَعلموا المَكانَ الَّذي انحَدَرَ إليهِ مُجتمعُنا اليوم. ففي المَعركةِ ضِدَّ الإجهاضِ مَثلاً (لكي أُريكُم المُستوى المُنْحَطَّ الَّذي وَصَلنا إليهِ في موضوعِ المحبَّةِ الزَّائفةِ هذه، والمُستوى المُنْحَطَّ الَّذي وَصَلنا إليهِ في تَعريفِ العَلاقات)، اسمَحوا لي أن أتحدَّثَ عن مَوضوعِ الإجهاضِ قَليلاً. فمَعركةُ الإجهاضِ لا تَدورُ حَولَ الأطفال. فمَعركةُ الإجهاضِ لا تَدورُ حَولَ ما إذا كانَ يَجوزُ لنا أن نَقتُلَ الأَجِنَّةِ لِمُجرَّدِ قَتلِ الأَجِنَّة. فَلا أحدَ سيُصَوِّتُ لِقَتلِ الأجِنَّةِ لمُجرَّدِ قَتلِ الأَجِنَّة. بل إنَّ السَّببَ الوحيدَ الَّذي يَدفعُ النَّاسَ إلى قَتْلِ هؤلاءِ الأَجِنَّةِ هو أنَّ المسألةَ لا تَختصُّ بالأجِنَّة، بل بالجِنس. هذه هي المسألة. فلو لم يَكُن الإجهاضُ مُرتبطًا بالجِنس لما تَمَّ تَشريعُهُ يَومًا.

عندما كنتُ طِفلاً صغيرًا، سَمِعتُ أنَّ طُيورَ اللَّقْلَقِ تأتي بالأطفالِ الصِّغار. وأريدُ أن أقولَ لكم شيئًا: لو كانت طُيورُ اللَّقْلَقِ تأتي بالأطفال، لما وَافَقَ أحدٌ على تَشريعِ الإجهاض. فلم يَكُن هُناكَ من سَيُشَرِّعُ قَتْلَ هؤلاءِ الأجِنَّة لو أنَّ اللَّقالِقَ هي الَّتي تأتي بالأطفال. ولكن كما تَرَوْنَ فإنَّ الجِنسَ هو النُّقطة الجَوهريَّة. فالنَّاسُ يُريدونَ أن يُقيموا عَلاقاتٍ جِنسيَّة. وقد يَكونُ الجَنينُ الَّذي تَحْبَلُ بِهِ الفَتاةُ هو النَّتيجةُ المُؤسِفَةٌ لذلك الجِنس. لِذا فإنَّهم لا يُريدونَ أن يُوقِفوا الجِنسَ، بل أن يَفعلوا ماذا؟ يَقتُلوا هؤلاءِ الأجِنَّة. وما الَّذي يَحاولونَ أن يَقولوه؟ لا أنَّهُم لا يُحبُّونَ الأطفالَ، ولا حتَّى أنَّهم لا يَكرهونَ الأَجِنَّة، ولا أنَّهُم يُحبُّونَ القَتل؛ بل إنَّهم يُريدونَ أن يُمارِسوا الجِنسَ إلى ذلك الحَدّ. فنحنُ مُستعدُّونَ في مُجتمعِنا لقتلِ الفِئةِ الأكثر بَراءةً في وَسْطِنا، ومُستعدُّونَ لِقَتلِ الفِئةِ الأضعَف.

ونحنُ مُستعدُّونَ للقيامِ بذلك – رَكِّزوا مَعي في هذه النُّقطة – نحنُ مُستعدُّونَ للقيامِ بذلكَ بالرَّغمِ مِن أقوى غَريزةٍ مَوجودةٍ لحمايةِ الأطفالِ وهي غَريزة الأُمومَة. فعندما نَرى مُجتمعًا قادرًا على إقناعِ أُمٍّ بإعدامِ طِفلِها، يجب علينا أن نَعلمَ أنَّ ذلكَ المُجتمعَ يَملِكُ القُدرةَ على التَّأثيرِ بقوَّة لأنَّ الأُمومةَ تَحمي الطِّفلَ بالغَريزة. ولكنَّها مُعجزةٌ تَحدُثُ بِفِعلِ السِّحرِ الأسوَد، أوِ السِّحرِ الشَّيطانيّ. وهذا نَجاحٌ مُذهِل؛ أي هذا الإجهاض. وهو ليسَ نَجاحًا للأشخاصِ الَّذينَ يَكرهونَ الأطفالَ. فهذه ليست القَضيَّة؛ بل هو نَجاحٌ لهؤلاءِ الَّذينَ يُريدونَ أن يُمارِسوا جِنْسًا مِن دونِ آثار. والجِنسُ المَجَّانِيُّ يَعني أنَّهُ يجب علينا أن نَتقبَّلَ الزِّنا على اعتِبارِ أنَّهُ لا عِلَّةَ في ذلك. والجِنسُ المَجَّانِيُّ يَعني أنَّهُ ينبغي لنا أن نَقبلَ الخَطيَّةَ الجنسيَّة، ويَعني أن نَقبلَ الجنسيَّةَ المِثليَّة. فكُلُّ هذه الأشياءِ يَنبغي أن يُعادَ تَعريفُها بأنَّها نَبيلَة وتُعَبِّرُ عنِ المَحبَّة. فنحنُ نَسمَعُ أنَّهُ طَالَما أنَّ هُناكَ مَحبَّة، لا بأسَ في ذلك.

وأريدُ مِنكُم أن تَفهموا، يا أحبَّائي، أنَّ كُلَّ ما يَجري هو لأجلِ الجِنس... كُلَّ شَيء. وقد أدَّى ذلكَ إلى فَسادِ مُجتمعِنا في الصَّميم. فالعائلةُ، والبيتُ، والمَكانُ الَّذي يَتَعَلَّمُ فيهِ النَّاسُ المحبَّةَ غيرَ الأنانيَّة هو كَارثة وفَوضى جِنسيَّة على كُلِّ الجَبْهات. فنحنُ لدينا مُجتمعُ بأسرِهِ يَسعى إلى الحُصولِ على كُلِّ ما يُريد مِن دُونِ أن يَرغبَ في العَطاء. أَشْبِع رَغبتكَ الجِنسيَّة، وإن لم تُعجبكَ النَّتائج، اقتُلها. أَشبِع شَهوتَكَ الجِنسيَّة، وإن أُصِبتَ بِنَقصِ المَناعةِ المُكتسبَة (أي: الإيدز)، حاول أن تَتظاهَر بأنَّ ذلكَ العِقابَ هو رَمْزٌ للشَّجاعَة، وَكُنْ بَطَلاً. مَارِس نَشاطَكَ الجِنسيَّ، وعندما تَمَلُّ مِنَ الشَّخصِ الَّذي تَستَغِلُّهُ، تَخَلَّص مِنهُ واذهب واحصُل على شخصٍ آخر. فمُجتمعُنا مَهووسٌ جدًّا بالجنس. ويُرافِقُ ذلكَ مَوتُ كُلِّ فَهْمٍ طَبيعيٍّ ومَعقولٍ للحُبّ.

ولا أدري إن كُنَّا نُمَيِّز دائمًا تلكَ الأشياء. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ بإمكانِكُم أن تَرجِعوا إلى ما قالَهُ أُغسطينوس عنِ الحَربِ بينَ مَدينةِ اللهِ ومَدينةِ الإنسان. فهُناكَ حَربٌ ثَقافيَّة هائلة، وصِراعٌ ثَقافيٌّ هائل. والحَربُ مُستَعِرَة اليوم. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم شَيئًا يا أحبَّائي: إنَّ الحَربَ المُستَعِرَةَ بينَ مَدينةِ اللهِ (أيِ المَسيحيَّةِ الكِتابيَّةِ) ومَدينةِ الإنسانِ (أيِ النِّظامِ العَالميِّ الشَّيطانيِّ) اسمَحوا لي أن أقولَ لكم ما يَلي: إنَّها حَربٌ تَدورُ حَول شيءٌ واحدٍ فقط هو: الجِنس. ففي النِّطاقِ الأخلاقيِّ في مُجتمعِنا، نَجِدُ أنَّ الصِّراعَ الدَّائِرَ إنَّما يَدورُ حَصريًّا حولَ الجِنس. وهذا الأمرُ يُلَخِّصُ كُلَّ جَوانبِ الصِّراعِ العَنيفِ بينَ المسيحيَّينَ والعالَم: الإجهاض، والدَّعارة، والزِّنا، والطَّلاق، والجِنسيَّة المِثليَّة، وحتَّى حَرَكة المُساواة بين الجِنسَيْن. فهي جَميعُها مَسائِل جَنسيَّة. وهي جَميعُها تُسيءُ مُباشرةً إلى المحبَّة.

فالشَّيطانُ لديهِ خُطَّة قائمة على سَبعِ خُطُوات. ورُبَّما كانت هذهِ الخُطَّة تَسيرُ كما يَلي: الخُطوةُ الأولى: إنَّ غَايةَ الشَّيطانِ هي أن يَربَحَ النُّفوسَ لَهُ. الخُطوةُ الثَّانية: إنَّ إحدى الوسائلِ القويَّةِ لتحقيقِ هذهِ الغاية هي فَسادُ المُجتمع. فهذه الخُطَّةُ تَسيرُ على ما يُرام بصورة خاصَّة في مُجتمعٍ مِنَ الأشخاصِ المُنْصاعينَ أوِ المُنقادينَ وراءَ غَيرِهم. ففي نِهايةِ المَطاف: المُجتمعُ الجيِّدُ هو [ببساطة] مُجتمعٌ يُسَهِّلُ على النَّاسِ أن يَكونوا صَالحين. واللَّازِمَةُ الشَّيطانيَّة صَحيحة أيضًا إذْ إنَّها تَقول: المُجتمعَ السَّيِّئُ يُسَهِّلُ على النَّاسِ أن يَكونوا سَيِّئين. بعبارة أخرى، إنَّ ما يَعنيه ذلك هو أنَّهُ حينَ يكونُ لديكَ مُجتمعٌ مِنَ الأشخاصِ المُنقادينَ الَّذينَ يَميلونَ إلى اتباعِ الآخرين، والَّذي يُمكِنُكَ فيهِ أن تَتَحَكَّمَ بِهِم بمُفردكَ مِن خلالِ وِسائلِ الإعلامِ وَما شَابَهَ ذلك، يُمكنُكَ أن تَتحكَّمَ بالمُجتمعِ كُلِّه. لِذا فإنَّ كُلَّ ما يَحتاجُ الشَّيطانُ إلى القيامِ بهِ هو أن يَجعلَ المُجتمعَ السيِّءَ مَكانًا يَسهُلُ فيهِ عَملُ الشَّرّ. وهكذا هي الحالُ في أمريكا. فَمِنَ السَّهلِ أن تَكونَ سَيِّئًا لأنَّ لدينا مُجتمعًا سَيِّئًا.

وما الَّذي أَقصِدُهُ بذلك؟ أنَّنا نَحتَمِلُ الشَّرَّ. ونحنُ لا نَكتفي باحتِمالِهِ وَحَسْب، بل نُنادي بأنَّ هذا الشَّرَّ حُريَّة شَخصيَّة. الخُطوة الثَّالثة: إنَّ أقوى وَسيلة لتدميرِ المُجتمعِ تَقومُ على تَدميرِ لِبْنَةٍ أساسيَّةٍ فيه وهي: العائلة (الَّتي يَتَعَلَّمُ فيها الإنسانُ المَحبَّةَ المُضَحِّية). فهي المُؤسَّسةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكنُنا أن نَتعلَّمَ فيها الإيْثارَ يَوميًّا. لِذا فإنَّهُ يَسعى إلى تَمزيقِها شَرَّ تَمزيق. الخُطوةُ الرَّابعة: العائلةُ تُدَمَّرُ مِن خلالِ تَحطيمِ الزَّواج. خامسًا: الزَّواجُ يُدَمَّرُ مِن خلالِ إضعافِ رَابِطَتِهِ القَويَّةِ المُتَمَثِّلَةِ في الإخلاصِ الجِنسيِّ. سادسًا: الإخلاصُ يُدَمَّرُ مِن خلالِ الثَّورةِ الجِنسيَّة. فهكذا يَتِمُّ ذلك. ورُبَّما كانتِ الثَّورةُ الجَنسيَّةُ أكثرَ ثَورةٍ مُدَمِّرةٍ في التَّاريخ. فهي أسوأُ بكثير مِن أيَّةِ ثَورةٍ أخرى أعرِفُ عنها.

فهي أسوأُ مِنَ الثَّورةِ السِّياسيَّةِ، وأسوأُ مِن أيِّ ثَورةٍ عَسكريَّةٍ إذْ إنَّ الثَّورةَ الجِنسيَّةَ قد دَمَّرَت هذه الأُمَّة. فقد كُنَّا قِلِقينَ طَوالَ الوقتِ بشأنِ رُوسيا. وقد كُنَّا قِلِقينَ طَوالَ الوقتِ بشأنِ عَالَمِ السِّتارِ الحَديديِّ. وقد كُنَّا قِلِقينَ طَوالَ الوقتِ بشأنِ تَسليحِ أنفُسِنا: حُروبُ النُّجومِ، والقُوَّة العَسكريَّة، والتَّسليح، والأسلحة النَّوويَّة، والقُنبلة الهيدروجينيَّة. فقد كُنَّا قَلِقينَ مِن هذا كُلِّه. ولكن كانت هُناكَ ثَورة تَجري هُنا دَمَّرَتْ مُجتمعَنا بطريقةٍ تَعجَزُ عنها أيُّ قَنابِل لأنَّها دَمَّرَت مَنابِعَ الحَياة. فقد صِرنا نَعيشُ في وَسْطِ نِسبيَّةٍ أخلاقيَّة. وصارَ الجِنسُ أمرًا عاديًّا. وصارتِ الثَّورةُ الجِنسيَّةُ مَطلَبًا حَتَّى إنَّنا صِرنا نَملِكُ حُريَّةَ القِيامِ بأيِّ شَيءٍ نُريدُهُ جِنسيًّا. فهذه هي القَضيَّةُ المُلِحَّةُ في مَدينةِ الإنسانِ في مُجتمعِنا.

أمَّا المَدى الَّذي سَيَصِلُ إليهِ ذلكَ النِّظامُ الشَّيطانيُّ مِن أجلِ إعطاءِ الإنسانِ حُريَّةَ مُمارسةِ الخَطيَّةِ الجِنسيَّةِ فإنَّهُ يَظهرُ بأوضحِ صُورةٍ لَهُ مِن خلالِ حالاتِ الإجهاض. فقد قَرأنا عن جَرائمِ قَتلٍ، وقرأنا عن قَتْلٍ يَحدُثُ طَوالَ الوقت، ولكن تَذكَّروا ما يَلي: أنَّ تِسعةُ وتِسعينَ بالمِئة مِن كُلِّ الجَرائمِ في الولاياتِ المُتَّحدة هي جَرائمُ إجهاض. فإلى هذا الحَدِّ نُريدُ الحُصولَ على حُريَّتِنا الجنسيَّة! فالنَّاسُ مُستعدُّونَ أن يَقتُلوا مِن أجلِ الحِفاظِ على تلكَ الحُريَّة! أو كما كَتَبَ أحدُ الكُتَّاب: "الإجهاضُ هو الاستعدادُ للقتلِ في سبيلِ الرَّغبةِ في مُمارسةِ الجِنس". وهذه هي الحقيقة. لِذا، ها نَحنُ في هذا المُجتمع نُعيدُ تَعريفَ المَحبَّة بارتِباطِها بالمُتطلَّباتِ الجِنسيَّةِ والحُريَّاتِ الجِنسيَّةِ معَ أنَّهُ لا يوجد شيءٌ بَعيدٌ عنِ الفَهمِ الحَقيقيِّ للمحبَّة أكثرَ مِن هذا التَّعريف. والحقيقةُ هو أنَّ هذا هو تمامًا ما تَوَقَّعَهُ الأصحاحُ الخامسُ مِن رسالة أفسُس؛ أي أنَّهُ عِوَضًا عنِ الشَّيءِ الحَقيقيِّ، سوفَ يأتي العالَمُ ويَستعيضُ عن ذلك بالفَسادِ الأخلاقيِّ، والنَّجاسةِ، والشَّهوةِ الجِنسيَّة، والقَذارةِ، والكَلامِ البَذيءِ، والنُّكاتِ السَّمِجَة، وكُلِّ الكلامِ البَذيءِ المُنتشرِ على نِطاقٍ واسعٍ في هذا المُجتمعِ المُنْحَلِّ الَّذي لا يُبالي بشيءٍ آخرَ سِوى الجِنس.

والسُّؤالُ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ علينا الآنَ هو: إن كانَ هذا المُجتمعَ الجِنسيَّ الأنانيَّ بحاجة إلى أن يَرى المحبَّةَ الحقيقيَّة، أينَ يُمكِنُهُ أن يَراها؟ هناكَ مَكانٌ واحدٌ يُمكِنُهم أن يَرَوْها فيه وهي: فينا نَحنُ. لِنَفتَح على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13. فقد كانَ كُلُّ ما سَبَق تَمهيدًا؛ ولكنَّ ما جاءَ في يوحنَّا 13 هو ما نُريدُ حَقًّا أن نَتحدَّثَ عنه. ورُبَّما صَرفتُ وقتًا طَويلاً على المُقدِّمة، ولكنِّي أريدُ منكم أن تَفهموا حَالَ مُجتمعُنا الآن. وهذا واحدٌ مِن تلكَ المَقاطِعِ الرَّائعة. وما زِلتُ أَذكُرُ يومَ الأحدِ الَّذي وَعَظتُ فيهِ استِنادًا إلى هذا المَقطَع رُبَّما قبلَ... لا أدري... رُبَّما قَبلَ 22 أو 23 سنة. وقد وَعظتُ استِنادًا إلى هذا النَّصِّ مَرَّةً واحدةً فقط منذُ مَجيئي إلى هُنا. وقد قَدَّمتُ تلك العِظة في الكنيسة وكانَ لها تأثيرٌ عَميقٌ فِيَّ، وتأثيرٌ عَميقٌ في كنيستِنا.

وَحَتَّى إنَّها تَرَكَت تأثيرًا عَميقًا خارجَ جُدرانِ كَنيستِنا إذْ إنَّها وَصَلَت إلى خارجِ الكنيسةِ. وقد تَلَقَّيتُ دَعْواتٍ للذَّهابِ إلى أماكِن عديدة للوعظِ مِن نَفسِ هذا الأصحاح. فهو يُلقي نَظرةً عميقةً على هذا الدَّافعِ الرُّوحيِّ المُهمِّ جدًّا: المَحبَّة؛ أي على هذا الموقفِ الرُّوحيِّ الجَوهريِّ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ رَبُّنا هُنا. لِنَبتدِئ مِنَ العددِ الأوَّل: "أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" أو: "إلى النِّهاية"، أو: "إلى الحَدِّ الأقصى"، أو: "إلى الكَمال". فقد كانَ يَسوعُ على حَافَةِ تَجربةٍ مُريعةٍ جدًّا جدًّا. وقدِ اجتمعوا معًا (أيِ التَّلاميذُ) في العِليَّة.

وهذا هو المَساءُ الأخيرُ الَّذي قامَ فيهِ يَهوذا بخيانَتِهِ المُريعة للرَّبِّ ومَضى ونَفَّذَ ذلك. فهذا كُلُّهُ مَذكورٌ في هذا الأصحاح. فقد كانَ هؤلاءِ التَّلاميذُ الحَمْقَى والأنانيُّونَ يَتجادلونَ بشأنِ مَن مِنهُم سيكونُ الأعظمُ في المَلكوت. وفي خِضَمِّ خِيانةِ يَهوذا، وفي خِضَمِّ تَفَكُّكِ هؤلاءِ التَّلاميذ عنِ الرَّبِّ بسببِ مَقاصِدِهم وأهدافِهم الأنانيَّة، نَجِدُ يَهوذا يُوشِكُ على خِيانَتِه، ونَجِدُ بَقيَّةَ التَّلاميذِ يَخوضونَ هذا الجِدالَ البَشِعَ عَمَّن مِنهم سيكونُ الأعظم. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُم جميعًا لم يُبالوا بِما سيَختبرهُ الرَّبُّ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ كانَ قد أخبرَهُم قبلَ ذلك أنَّهُ سيَموتُ كما تَقَعُ حَبَّةُ الحِنطةِ في الأرض.

ولكنَّهم لم يُبالوا بذلك؛ بل كانوا مَشغولينَ بشُؤونِهم. وفي تلكَ البيئةِ تَحديدًا (الَّتي تَسمَحُ لنا بأن نَراهُم بَعيدينَ كُلَّ البُعدِ عن أيَّة مَشاعِر بَشريَّة) نَقرأُ أنَّهُ "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى". فمحبَّةُ يَسوعَ لخاصَّتِهِ ليست مَشروطة. فقد أحبَّهُم إلى المُنتَهى في أبشعِ لَحظةٍ مِن عَدَمِ مُبالاتِهم. وفي العددِ الثَّاني، يَكشِفُ النَّصُّ لنا عن هذه المَحبَّة. وكأنَّ العددَ الأوَّلَ يُحَدِّد مَوضوعَ الأصحاح. والموضوعُ هو: كيفَ أَحَبَّ يَسوع. وها هي القصَّة: "فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ [وهذا يَعني أنَّهُ كانَ مِن بَلدةِ قَريوت] أَنْ يُسَلِّمَهُ".

كانَ الشَّيطانُ قد قامَ بعملِه، واستَولى على قلبِ يَهوذا غير المؤمن، وأعَدَّهُ للخيانَة. "يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي"؛ وهذا مُهمٌّ جدًّا. ففي خِضَمِّ هذا كُلِّه، لم يَكُن هناكَ أيُّ خَوفٍ لدى يَسوع. فالخيانةُ لا بُدَّ أن تَحدُث، والإعدامُ لا بُدَّ أن يَتِمَّ؛ ولكنَّ يَسوعَ كانَ يَعلمُ في نهايةِ المَطافِ أنَّهُ جاءَ مِن عندِ اللهِ وإنَّهُ سيَمضي إلى هُناكَ بالرَّغمِ مِن كُلِّ ذلك. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ تَألَّمَ في البُستان بسببِ حَقيقةِ أنَّهُ كانَ سيَنفصِلُ عنِ الآبِ ويَحمِلُ حِمْلَ الخطيَّة. وبسببِ ذلكَ صَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ.

ولا شَكَّ في أنَّهُ تألَّم، ولكنَّهُ لم يَكُن خائفًا مِمَّا سيَحدُثُ في النِّهاية. فقد كانَ يسوعُ يَعلمُ كيفَ سيَنتهي الأمر. فقد جاءَ مِن عندِ اللهِ عندَ تَجسُّدِهِ، وسوفَ يَعودُ إليه. ولا شَكَّ في أنَّهُ صَلَّى لأجلِ ذلكَ بحرارة في الأصحاحِ السَّابع عشر. ثُمَّ نَقرأُ أنَّهُ "قَامَ [في العددِ الرَّابع] عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ". فقد خَلَعَ ثَوبَهُ الخَارجيَّ ورُبَّما خَلَّعُ كُلَّ ثِيابِهِ حَتَّى خَصْرِهِ ولم يُبْقِ سِوى الثِّياب الَّتي كانَ يَلُفُّها حَولَ خَصرِه. ورُبَّما كانت سَاقاهُ عَارِيتَيْن، ورُبَّما كانَ الجُزءُ الأعلى مِن جَسَدِهِ عاريًا. "وَأَخَذَ مِنْشَفَةً [كما نَقرأُ] وَاتَّزَرَ بِهَا". فقد لَفَّ مِنشفةً حولَ خَضرِه. "ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا".

وهذا واحدٌ مِن أعظمِ المَشاهِدِ في حياةِ رَبِّنا. وهناكَ شيءٌ ينبغي أن تَعرِفوه. فقد كانتِ العادَةُ أو كانَ العُرفُ السَّائدُ بِحُكْمِ الضَّرورةِ أن تَغسِلَ رَجْلَيْكَ قبلَ أن تَأكُلَ الطَّعام لأنَّهُ في تلكَ الأيَّام كانَ النَّاسُ يَرتدونَ صَنادِل. وأحيانًا، كانوا يَخلعونَها ويَمشونَ بِلا نَعْل. وعندما تأتي لتناولِ الطَّعام، كانَ مِنَ اللاَّئقِ أن تَغسِلَ رِجْلَيْكَ إمَّا بسببِ التصاقِ الغُبارِ بهما إن كانَ التُّرابُ في الخارجِ جَافًّا، وإمَّا بسببِ الوَحْلِ العالِق بهما إن كانَ التُّرابُ مُبْتَلاًّ. وحيثُ إنَّ النَّاسَ كانوا يَصرِفونَ وقتًا طويلاً في تَناوُلِ الطعامِ ويَستمرُّونَ في ذلك حتَّى وقتٍ مُتأخِّرٍ مِنَ المساء، لم يَكُن مِنَ اللاَّئقِ البتَّة أن تأتي إلى مُناسبةٍ كهذه مِن دونِ أن تَغسِلَ رِجْلَيْكَ. وكانَ مِنَ المُعتادِ أن يَتَّكِئَ النَّاسُ لتناولِ الطَّعام.

بِعبارة أخرى، كانوا يَتَّكِئونَ قليلاً. وكانَ مِنَ المُريعِ أن يَكونَ رأسُكَ قريبًا مِن قَدَمَيِّ أحدِهم. لِذا، كانَتِ اللَّباقَةُ تَقتضي في الأزمنةِ القديمة غَسْلَ الرِّجْلَيْن. وكانَ أقَلُّ العَبيدِ شأنًا في السُّلَّمِ الاجتماعيِّ هو الَّذي يَقومُ بذلك العمل. ومِنَ الواضحِ أنَّهُ لم يَكُن عَملاً يَتهافَتُ النَّاسُ للقيامِ به. فهو لم يَكُن عَملاً مَرغوبًا فيه، بل كانَ عَملاً يُعْهَدُ بِهِ إلى أقَلِّ النَّاسِ شَأنًا وَأَحَطِّهِم قَدرًا. ويبدو أنَّهُ لم يَكُن يوجدُ في تلكَ العِليَّةِ الَّتي استأجرها الرَّبُّ وتلاميذُهُ أوِ استَعاروها لقضاءِ تلكَ الأُمسية وأكلِ عَشاءِ الفِصحِ في أورُشليم، لم يَكُن يوجدُ عَبْدٌ للقيامِ بذلك، ولم يَكُن أيٌّ مِنَ التَّلاميذِ (الَّذينَ كانوا يَتجادلونَ مَن سيكونُ الأعظم) مُستعدًّا للقيامِ بذلك.

فلم يَكُن أحدٌ مِنهُم يَرغبُ في إظهارِ تَواضُعٍ كهذا خَشيةَ أن يَخسَرَ الجِدال. لِذا، لم يَفعل أيٌّ مِنهُم ذلك. ولكنَّ الرَّبَّ فَعَلَ ذلك. فقد انتظرَ ولكنَّ أحدًا لم يَفعل ذلك. لِذا فقد خَلَعَ ثَوبَهُ الخارجيَّ، ولَفَّ مِنشفةً حَولَ خَصرِهِ، وسَكَبَ مَاءً في مِغسَلٍ، وغَسَلَ أرجُلَ التَّلاميذ. وعندما ابتدأَ، جاءَ أوَّلاً إلى سِمعان بُطرس. وقد قالَ بُطرسُ كلماتٍ جَديرة بالمُلاحظة سواءَ كانَ يَنبغي أو لا يَنبغي أن يَقولَها. ولكن يجب أن تَتذكَّروا أنَّ بُطرسَ لم يَكُن يَتكلَّمُ عن نَفسِهِ فقط، بل كانَ النَّاطِقَ بلسانِ البقيَّة. وعندما كانَ يَتكلَّم، رُبَّما لم يَكُن يَتكلَّمُ عن نَفسِهِ فقط، بل كانَ يَتكلَّمُ بلسانِ الجميع. لِذا نَقرأُ أنَّهُ جَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُس. ولا شَكَّ في أنَّ الصَّمتَ سَادَ عندما ابتدأَ يَسوعُ يَفعل ذلك. فَمَلِكُ المَجدِ يَقومُ بأحقرِ وأحَطِّ مَهمَّة!

وقد جاءَ إلى بُطرس فقالَ بُطرس لَهُ: "يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!" وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّهُ تَكلَّمَ نِيابةً عنِ البقيَّة: "لا يَجوزُ أن تَفعلَ ذلك!" أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: "لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ". وماذا قَصَدَ بذلك؟ لم يَكُن بُطرسُ قد فَهِمَ بَعد الاتِّضاع، ولم يَكُن قد فَهِمَ بَعد إخلاءَ النَّفس المَذكور في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني. ولم يَكُن قد فَهِمَ بَعد إلى أيِّ حَدٍ سيَتَّضِعُ يَسوع. "هل تَحْسَبُ هذا شَيئًا؟ أنتَ لا تَفهم أيَّ شيءٍ بَعد. انتظر إلى أن تَرى ما سأفعلُهُ بعدَ وقتٍ قَصيرٍ مِنَ الآن حينَ أُصلَبُ وأقومُ ثانيةً، وعندما أَموتُ مِيْتَةً مُهينَةً وأُدفَنُ في قَبْرٍ عَاديٍّ لأجلِكُم. أنتَ لا تَفهمُ اتِّضاعي؛ ولكنَّكَ سَتَفهم لاحقًا".

"قَالَ لَهُ بُطْرُسُ" – لم يَكُن بُطرسُ يَتَوَرَّعُ حَتَّى عن إصدارِ الأوامِرِ لله كَما تُلاحِظونَ هُنا: "قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!" فقد كانَ شَخصًا جَسورًا! أليسَ كذلك؟ فهو يُخاطِبُ خَالِقَ الكَونِ والربَّ كُليَّ السِّيادة. "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!" وهناكَ شَيءٌ في ما قالَهُ يُثيرُ الإعجاب. فقد قالَ: "هذا لا يَجوز! فأنتَ الكامِلُ الخالي مِن أيَّة خَطيَّة، وأنتَ هو الرَّبُّ والسيِّد. هذا لا يَجوز. لن أسمَحَ لكَ بالقيامِ بهذا". "أَجَابَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ". وقد كانَ يَسوعُ يَتحدَّثُ رُوحيًّا هُنا. وهو يَقول: "اسمَع يا بُطرس! لا تَقُل لي ألاَّ أغسِلَ رِجْلَيْكَ لأنَّهُ بالمَفهومِ الرُّوحِيِّ إن لم أغسِلَكَ لن تكونَ لكَ أيَّةُ عَلاقةٍ بي. فهذا رَمْزٌ لذلكَ الاغتسال. وإن لم أغسِلَكَ لن يَكونَ لكَ مَعي نَصيب".

ولا أدري إن كانَ بُطرسُ قد فَهِمَ حَقًّا ذلك. ولكنَّها كانت جُملة ذات أهميَّة رُوحيَّة عظيمة. فقد كانَ ينبغي لبُطرسَ أن يَسمحَ للمسيحِ أن يَغسِلَ قَلبَهُ وإلاَّ فإنَّهُ لن يَتمتَّعَ بأيَّة علاقة باللهِ البتَّة. ولا أدري إن كانَ بُطرسُ قد فَهِمَ ذلك. ولا أدري إن كانَ بُطرسُ قدِ استوعبَ مَعنى ذلك، ولكنَّهُ قال: "إن لم أغسِلَكَ لن يَكونَ لكَ مَعي نَصيب". وكم أُحِبُّ رَدَّ بُطرس إذْ نَقرأُ في العددِ التَّاسِع: "قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأسِي»". "أنا أريدُ تلكَ العلاقةِ بِك. حَمِّمْني". وهذا يُرينا مَرَّةً أخرى حقيقةَ أنَّ التَّلاميذَ لم يكونوا مُتيقِّنينَ مِمَّا يَحدُث. فقد كانوا ما زَالوا يُحاولونَ أن يَفهموا ما يَجري.

فقد اقتَنَعوا بحقيقةِ أنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ. فقد قالَ بُطرسُ ذلك. وقد كانوا يَعلَمونَ أنَّهُ الرَّبّ، ويَعلمونَ أنَّهُ وُلِدَ مِن عَذراء، ويَعلمونَ قُدرَتَهُ الَّتي ظَهَرَت مِن خلالِ مُعجِزاتِهِ. فقد كانوا حَاضِرينَ عندما مَشَى على الماءِ وهَدَّأَ العاصِفة. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ اللهُ الخالِق. فقد كانوا يَعلمونَ ذلك. وقد أخبرَهُم أنَّهُ سيَموت، وأخبرَهُم أنَّهُ سيَقومُ في اليومِ الثَّالث، وأخبرهُم أنَّهُ كما أنَّ حَبَّةَ الحِنطةِ تَقَعُ في الأرضِ وتَموتُ وتأتي بثَمَر فإنَّهُ سيَخسَرُ حَياتَهُ ويَستردُّها مَرَّةً أخرى. فقد أخبرَهُم بهذا كُلِّه. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ جاءَ لأجلِ غَايةٍ خَلاصيَّة. وكانوا يَعلمونَ أنَّ ابنَ الإنسانِ جاءَ لكي يَطلُبَ ويُخلِّصَ ما قد هَلَك. وكانوا يَعلمونَ أنَّهُ جاءَ ليكونَ حَمَلاً كَفَّارِيًّا. وكانوا يَعلمونَ أنَّهُ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطايا العالَم.

لقد كانوا يَعلمونَ هذا كُلَّهُ. ولكنَّهُم لم يَفهموا كيفيَّةَ ارتباطِ كُلِّ تلكَ الأشياءِ معًا. وَهُم ما زَالوا لا يَتقَبَّلونَ فِكرةَ إعدامِ المسيح على الصَّليب. لِذا، بالرَّغمِ مِن بَساطَةِ فَهْمِ بُطرسَ أو عَدَمِ فَهمِهِ، قالَ الرَّبُّ لَهُ: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ". وحينئذٍ قالَ بُطرس: "إذًا، اغسِلني لأنِّي أريدُ أن يكونَ لي نَصيبٌ مَعَك". ولكنَّ يَسوعَ قالَ لَهُ (وهذا تَعليمٌ رُوحيٌّ آخر): "الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ". وما الَّذي يَعنيه؟ "بُطرس! أنا لستُ بحاجة إلى غَسلِكَ مِن قِمَّةِ رأسِكِ إلى أَخمَصِ قَدميكَ. فقد فَعلتُ ذلك". ما قَصدُك؟ "أنتَ مُخَلَّصٌ يا بُطرس". هذا هو المَعنى الرُّوحيّ. "أنا لستُ بحاجة إلى غَسلِكَ مَرَّةً أخرى، وأنتَ لستَ بحاجة إلى الاغتسال، بل بحاجة فقط إلى غَسلِ قَدميك".

وهذا حَقٌّ رُوحيٌّ مُدهش. فبصفتِكَ مَسيحيًّا، أنتَ بحاجة إلى الاغتسالِ مَرَّةً واحدةً فقط، وإلى الكثيرِ مِن غَسْلِ الأرجُل. أليسَ كذلك؟ فهناكَ وقتٌ واحدٌ فقط تَمَّ فيها غَسلُكَ مِن قِمَّةِ رأسِكَ إلى أَخمَصِ قَدميكَ عندما نِلتَ الخَلاصَ، وعندما اختبرتَ غَسْلَ الميلاد الثَّاني (كما أَسماهُ بولُس). فهناكَ مَرَّةً واحدة فقط تَمَّ فيها تَطهيرُكَ كاملاً؛ ولكن في أثناءِ سَيرِكَ في العالَم، أنتَ بحاجة إلى غَسْلِ رِجْلَيْكَ دائمًا لأنَّهُما تَلتقطانِ الغُبارَ والأوساخَ مِن هذا المُجتمعِ السَّاقط. بُطرس! أنتَ لستَ بحاجة إلى غَسْلٍ آخر. وهذا يؤكِّدُ أنَّ بُطرسَ كانَ مُؤمنًا بحقّ، وأنَّهُ وُلِدَ ثانيةً بحقّ، وأنَّهُ تَطَهَّرَ حَقًّا واغتسلَ مِن خَطاياه. ولكنَّهُ كانَ بحاجة إلى غَسلِ رِجْلَيْهِ دائمًا. وهذا تَشبيهٌ رائعٌ.

فنحنُ مَن جِئنا إلى المسيحِ قدِ اغتسلنا مِن قِمَّةِ رأسِنا إلى أَخمَصِ قَدَمَيْنا رُوحيًّا. فقد تَمَّ تَطهيرُنا تَمامًا، وغُفِرَت خَطايانا تَمامًا. ولكن في أثناءِ سَيرِنا في العالَم، نحنُ بحاجة إلى الاعترافِ والتَّوبةِ والتَّطهيرِ دائمًا يومًا بعدَ يوم لكي تَبقى أرجُلُنا نَظيفةً، ولكي يَكونَ لنا دَائمًا نَصيبٌ معَ المسيحِ في مَلكوتِهِ المَجيد. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 11: "لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِين»". فقد كانَ يوجدُ شخصٌ في تلك المجموعةِ ليسَ طَاهرًا. وقد كانَ يوجدُ شخصٌ لم يُولَد ثانيةً. وكانَ يوجدُ شخصٌ غير مُخَلَّص. مَن هو؟ يَهوذا. وقد قالَ يسوعُ عنهُ: "واحدٌ مِنكُم شَيطان". فهو لم يَكُن يَومًا مُؤمِنًا. وهو لم يُولَد ثانيةً. وهو ليسَ مُؤمِنًا حَقيقيًّا.

فهو يَقول: "[بُطرُس!] أَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ" لأنَّهُ كانَ هُناكَ شخصٌ سيَخونُهُ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 12: "فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا". فقدِ انتهى مِن غَسلِ جَميعِ الأرجُلِ الأربعِ والعشرين. ولا يُمكنُني أن أتخيَّلَ شُعورَ التَّلاميذِ أثناءَ قِيامِ الرَّبِّ بذلك. فقد كانوا يَنظرونَ إلى أسفل إليه، وكانَ هُوَ يَنظُرُ إلى أعلى إليهم. وعندما انتهى مِن ذلك، أخذَ ثِيابَهُ، ولَبِسَها، واتَّكأَ إلى المائدةِ وقالَ لَهُم: "أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟" هل تَفهمونَ هذا؟ "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ [تَفعلوا ماذا؟ أن تَفعلوا ماذا؟] يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يَقولُ في العدد 16: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ". والآن اسمَعوني: اسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ كُلَّ هذا المَشهَد. "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى". وكيفَ أَظهَرَ تلكَ المَحبَّة لَهُم؟ لقد أَظهرَ تلكَ المحبَّة لهم بأنِ اتَّضَعَ. فقد أظهرَ تلك المحبَّة لهم بأن اتَّضَعَ إلى أَدنَى مَكانَةٍ مُمكِنَةٍ إذْ إنَّهُ قامَ بأقذرِ عَملٍ وأَحَطِّ عَمَلٍ حينَ غَسَلَ الأرجُلَ المُتَّسِخَةَ لتلاميذهِ الأنانيِّين. وقد فَعَلَ ما هو أكثر مِن ذلكَ بأن مَاتَ على الصَّليبِ حَامِلاً خَطاياهُم بما في ذلكَ خَطِيَّتَيِّ اللاَّمُبالاةِ والأنانيَّة.

لقد عَلَّمَهُم دَرسًا عَمليًّا عميقًا في المحبَّة. وقد أحبَّهُم إلى المُنتَهى، أو إلى الحَدِّ الأقصى. وما هو الحَدُّ الأقصى؟ التَّضحية البَاذِلَة، والاتِّضاع، وسدُّ الحاجاتِ في أدنى مُستوياتِها، وحتى أن تَبذُلَ حَياتَكَ لأجلِ أحبَّائِك. أمَّا تَطبيقُ هذا الدَّرسِ العَظيمِ فمَوجودٌ في العَددَيْن 34 و 35: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ". هذا هو ما قَالَهُ لَهُم: وكانَ يَهوذا قد غادرَ المَكان الآن. "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فهذه هي الوَصيَّة الجديدة. وقد يَقولُ أحدُكُم: "ولكِن كيف؟" "كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا". وكيفَ أَحَبَّهُم؟ بأن فَعَلَ ماذا؟ بأن غَسَلَ أرجُلَهُم. وأُذَكِّرُكم مَرَّةً أخرى بأنَّ المحبَّةَ تَختلِف عنِ المَشاعِر العاطفيَّة. فهي ليست عَاطفة وَحَسْب، وهي ليست انجِذابًا أرضيًّا.

بل إنَّ المَحبَّة [ببساطة] مُختلفة عنِ المشاعرِ والعواطفِ والانجذاب. فالمحبَّة [ببساطة] هي سَدُّ حاجةِ شخصٍ مَا إلى حَدِّ التَّضحية بالنَّفس. فهي تَعني أن تَتَّضِعَ بطريقةٍ تَسُدُّ فيها حاجةً. "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فيجب علينا أن نُحبَّ بالطَّريقةِ نَفسِها. اسمَعوني يا أحبَّائي: إنَّ الأمرَ بسيطٌ إلى هذا الحَدّ. فالمحبَّةُ تَعني ألاَّ تَكونَ أنانيًّا. وأنا أقولُ لكم إنَّ هذا مُناقِضٌ لكُلِّ ما يَحدُثُ في مُجتمعِنا. أليسَ كذلك؟ فهو مُناقضٌ لكُلِّ ما يَحدث. فهذه أكثرُ ثَقافة أنانيَّة على وجهِ الأرض، بل رُبَّما أكثرُ ثَقافةٍ أنانيَّة عَرَفتها البَشريَّة إذْ إنَّها مُنغمسة تَمامًا في ذاتِها وتَتحدَّثُ عنِ المحبَّةِ دونَ أن تَفهمَ أيَّ شيءٍ عنها.

فهي تَرى أنَّ المَحبَّة هي أخذٌ، وأخذٌ، وأخذٌ، وأخذٌ، وتُعَرِّفُ المحبَّةَ بصورةٍ رئيسيَّةٍ على أنَّها جِنس. لِذا، كيفَ سيَتمكَّنون مِن رُؤيةِ الحقيقة؟ ثُمَّ نقرأُ في العدد 35: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ". فإن كُنَّا جسد المسيح (ونحنُ كذلك)، وإن كُنَّا نُريدُ أن نُظهِرَ فضائِلَ المسيحِ وصِفاتِه، ونُريدُ أن نَمتلِئَ إلى كُلِّ مِلْءِ قامةِ المسيح، وإن أردنا أن نُظهِرَ مِلْءَ المَعرفةِ بابنِ الله، وإن أردنا أن نَصيرَ على صُورَتِهِ، وإن أردنا أن نَصيرَ مِثلَهُ، يجب علينا أن نُظهِرَ المحبَّةَ الَّتي أَحبَّنا بها. وهذا يَعني أن نُضَحِّي بعضُنا لأجلِ بَعض. وقد يعني ذلك أن نَغسِلَ الأرجُلَ. وقد يَعني ذلكَ أن نَبذِلَ حياتَنا. وأنا لا أعني بذلكَ بالضَّرورة أن نَموتَ بعضُنا لأجلِ بعض، بل أن نُقدِّمَ كُلَّ ما يُمكنُنا تَقديمُه في حياتِنا.

هل تُحبّ؟ هل تُحبُّ إلى الحَدِّ الَّذي تُبدي فيهِ الاستعدادَ للتَّضحيةِ بنفسِكَ بأسرعِ ما يُمكن لِسَدِّ حاجةٍ حَقيقيَّةٍ لدى شخصٍ آخر؟ وهل أنتَ مُستعدٌّ للتَّضحيةِ بما لديكَ، وبما هُوَ لَكَ، وبخُطَطِكَ ووقتِكَ وأموالِكَ لأجلِ سَدِّ حَاجةِ شخصٍ آخر؟ هل تُحبُّ هكذا؟ هل تُحبُّ إلى حَدِّ غَسْلِ الأرجُل؟ هل تُحبُّ كما جاءَ في الآيةِ الَّتي تقول: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِه"؟ أعتقدُ أنَّ واحدةً مِن أكثرِ الرَّسائلِ المُشجِّعةِ الَّتي تَسَلَّمتُها والَّتي هي واحدة مِنَ الرَّسائلِ الَّتي ستَبقى حَيَّةً في ذاكرتي لأنَّها رائعة جدًّا هي رسالة وَصلتني مِن فتاة كانت طالبةً في جامعةِ جنوب كاليفورنيا (USC) وتُعَلِّمُ هُنا في أحدِ صُفوفِ مَدارسِ الأحد. وقد كَتبت إليَّ الرِّسالةَ التَّاليةَ الَّتي تَقولُ فيها: "أنا أُعَلِّمُ صَفًّا لفتياتِ المَرحلةِ الإعداديَّة".

وقد قالت: "لقد كنتُ أقولُ لنفسي دائمًا إنِّي أُحِبُّ هؤلاءِ الفتيات، وأُحبُّ ضَفائِرهنَّ، وأُحبُّ ابتساماتِهِنَّ، وأُحبُّ فَساتينهنَّ الجميلة. وقد كنتُ أُحبُّ حقيقةَ أنَّهُن فتياتٍ صَغيرات جَميلات. وذاتَ يومُ [كما تَقولُ في هذه الرِّسالة] أدركتُ أنَّني أصرِفُ عَشْرَ دقائقَ فقط في تَحضيرِ الدَّرسِ، وأدركتُ أنَّني لا أُحِبُّهنَّ في الأصل لأنِّي لم أُضَحِّي بأيِّ شَيءٍ مِن أجلِ تَقديمِ أعظمِ عَطيَّة يُمكنُني أن أُقدِّمَها لَهُنَّ وهي الحَقُّ المُختصُّ بكلمةِ الله". وقد قالت: "وقد جَثَوْتُ أمامَ اللهِ واعترفتُ بعدمِ حُبِّي لَهُنَّ. فقد كانَ كُلُّ ما لديَّ هو مشاعر عاطفيَّة تُجاهَ هؤلاءِ الفتياتِ الصَّغيراتِ الجميلات. ولكنِّي لم أكُن أُحِبِّهُنَّ". وقد قالت: "المحبَّة تَعني الاستعدادُ القويُّ مِن أجلِ تَقديمِ أفضلِ ما لَديَّ لَهُنَّ حتَّى لو كانَ ذلك يَعني عدم تَمَكُّني مِن حُضورِ مُبارياتِ كُرة القَدم أوِ القيامِ بأيٍّ مِنَ النَّشاطاتِ في الحَرَمِ الجامِعيّ".

والآن، هذه هي المحبَّة الحقيقيَّة. فهذه هي بالتَّحديد. فالمحبَّةُ الكِتابيَّةُ ليست كيمياء، وليست اهتمامًا مُشترَكًا، وليست شُعورًا عابِرًا، وليسَت عاطفةً؛ بل هي تَضحية بالذَّات. وعندما تُحبُّونَ أنتُم بهذه الطَّريقة، وأُحِبُّ أنا بهذه الطَّريقة، ستكونُ الكنيسةُ مِثلَ المسيح، وسيَعلمُ العالَمُ أنَّنا أولادُ الله. لِذا يا أحبَّائي، اسمَحوا لي أن أقولَ لكم إنَّهُ يجب علينا أن نُظهِرَ بَديلاً. فلا يُمكنُنا أن نَتبعَ نَفسَ النَّهجِ الَّذي يَتبعونَهُ. ولا يُمكنُنا أن نَنقِلَ المحبَّةَ إلى النِّطاقِ الجِنسيِّ ونَمحيها مِنَ الوجود. ولا يُمكنُنا أن نُدَمِّرَ العائلةَ، ونُدمِّرَ الزَّيجاتِ، وكُلَّ الأشياءِ الجميلة ونَرجو أن نَفهمَ المَحبَّةَ على حَقيقتِها. فالمحبَّة هي تَضحية بالنَّفس. قد لا تكونُ حياتُكَ أو زَواجُكَ أو بَيتُكَ كما تُريدُ أن تَكونَ في العالَمِ الخَياليِّ، ولكنَّها أماكِنَ يُمكنُكَ أن تُعَبِّرَ وتُعَلِّمَ فيها عنِ المحبَّةِ غيرِ الأنانيَّة.

وفي الخِتام، هناكَ الكثيرُ لأقولَهُ ولكنَّ الوقتَ لا يَكفي. رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّالث. دَعونا نُلَخِّص ذلك. سوفَ نَنتقلُ مِن إنجيل يوحنَّا إلى رسالة يوحنَّا. رسالة يوحنَّا الأولى 3: 14: "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَة". فهكذا يُمكنُنا أن نُبيِّنَ أنَّنا نِلنا الخَلاصَ. وكما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 13: 35، هكذا يُمكنُنا أن نُظهِرَ أنَّنا أولادُ اللهِ مِن خلالِ المحبَّة: "لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ. كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ. بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَة". وما مَعنى ذلك؟ هل ذلكَ يَعني أن أَقتُلَ نَفسي؟

لا، ولكن ماذا عَمَّا جاءَ في العدد 17: "وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ اللهِ فِيه؟" فالأمرُ يُشبِهُ سَدَّ حاجَة مِن خلالِ بَذلِ الوقتِ والمُمتلكاتِ والمالِ، وتَقديمِ التَّعليمِ الرُّوحيِّ، والإرشادِ، والصَّلاةِ، وأيِّ شيءٍ آخر. "يَا أَوْلاَدِي [في العدد 18] لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقّ". المَحبَّة – إنَّها دافعٌ رُوحيٌّ أساسيٌّ في نِظامِ جسدِ المسيح. حسنًا! دَعونا نُصَلِّي: يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا الصَّباح مَرَّةً أخرى على غِنى حَقِّك. ويا رَبّ، نَشكُرُكَ على حقيقةٍ عظيمةٍ واحدة وَرَدت في رسالة رُومية 5: 5، وهي تقولُ إنَّ مَحبَّةَ المسيحِ قدِ انسكبَت في قُلوبِنا. فما أروعَ أن نَعلمَ أنَّ هذه المحبَّةَ المَطلوبةَ مِنَّا مَوجودة فينا، وأنَّها بحاجة فقط إلى أن نُظهِرَها. وهذا هو ما نُصَلِّي أن يَحدُثَ في كُلِّ نَفسٍ حاضِرة هُنا لكي تَتَمجَّدَ أنتَ. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize