قبلَ أن نَشترِك في مائدةِ الرَّبِّ في هذا المَساء، أريدُ أن نُتابِعَ سِلسلتَنا عن تَشريح الكنيسة. وقد قُلنا في وقتٍ سابقٍ إنَّ هناكَ أشخاصًا جُدُدًا كثيرينَ في كنيستِنا إذْ إنَّ كنيستَنا مُستمرَّة في النُّموِّ؛ وهو أمرٌ نَشكُرُ الرَّبَّ جدًّا عليه. ولكنَّ أشخاصًا كثيرينَ جدًّا رُبَّما لا يَفهمونَ جيِّدًا سَببَ ما نَفعلُهُ، أو سَبَبَ قِيامِنا بما نَقومُ بهِ بهذه الطَّريقة. لِذا، سَوف نَعودُ إلى الوَراء ونَنظُر إلى تَشريحِ الكنيسة، ونَنظُر إلى العَناصِرِ أوِ المُكَوِّناتِ أوِ الصِّفاتِ أوِ السِّماتِ الرَّئيسيَّةِ لحياةِ الكنيسةِ وما يَنبغي للكنيسة أن تَكون. وهي عِظَة تأتي في وَقتِها الصَّحيح في تاريخِ الكنيسةِ الأمريكيَّةِ، بل رُبَّما في الكنيسةِ الغَربيَّةِ عَامَّةً، لأنَّهُ كما ذَكَرنا فإنَّ الكنيسةَ تُواجِهُ أَزمَةَ هُوِيَّة. فهي تُحاولُ جَاهدةَ أن تَعرِفَ هُويَّتِها الحقيقيَّة.
فهناكَ كَنائسُ تُحاولُ جاهدةَ أن تَعرِفَ جَوهرَ تلكَ الهُويَّة، وهُناكَ كَنائسُ أخرى تُحاولُ جاهدةً أن تَعرِفَ نَمَطَ تلكَ الهُويَّة. ويجب علينا أن نَرجِعَ إلى كلمةِ اللهِ كي نَفهمَ العَناصِرَ الأساسيَّة. وهذا هو مَا نَسعى إلى القيامِ به. ونحنُ نَستعيرُ التَّشبيهَ الرَّائعَ لجسدِ المسيحِ؛ وهو تَشبيهٌ استَخدمَهُ رَبُّنا مِن خلالِ الرَّسول بولس في العهد الجديد. ونحنُ نُوَسِّعُ هذا التَّشبيه قَليلاً لنَتحدَّثَ عن تَشريحِ الكنيسة. ونحنُ نَفعلُ ذلكَ لكي نَتلامَسَ معَ ما ينبغي أن نَتوقَّعَهُ في الكنيسة، أي في هذه الكنيسةِ لذلكَ السَّبب. ولأنَّهُ إعلانُ اللهِ، ينبغي أن نَتوقَّعَ ذلكَ في أيَّة كنيسة. ولأنَّ هذه هي كنيسةُ المسيح، لا كَنيستَنا، ولأنَّهُ قالَ إنَّهُ سَيَبني كَنيسَتَهُ وقَرَّرَ كيفَ يَنبغي أن تُبنَى، فإنَّ هذه تَصيرُ أُمورًا لا جِدالَ فيها بخصوصِ الكنيسة.
ونحنُ نُبالي بهذه السِّماتِ وبكيفيَّةِ تَجاوُبِنا مَعَها بِحَسَب ما يُشيرُ إليهِ الكتابُ المقدَّس. وكما قُلتُ لكم في هذا الصَّباح، لا يَنبغي أن نَجِدَ صُعوبةً في مَعرفةِ ما يَنبغي للكنيسةِ أن تَكونَ عليه؛ لا سِيَّما أنَّنا نُمسِكُ بأيدينا كلمةَ اللهِ الَّتي هي دَليلُ التَّعليمات. فقد قالَ يَسوعُ: "سوفَ أبني كَنيسَتي". وقد وَضعَ خُطَّةَ التَّنفيذِ وأعلَنَها للأشخاصِ العاملينَ في مَشروعِ البِناء. وقد ذَكرنا أنَّ هناكَ أربعة جوانب في تَشريحِ الكنيسة نُريدُ أن نَنظُرَ إليها: أوَّلاً، الهَيكلُ العَظميُّ، ثُمَّ الأنظمة الدَّاخليَّة، ثُمَّ العَضَلات، وأخيرًا اللَّحم. وقد تَحدَّثنا عنِ الهَيكلِ العَظميِّ وتَحدَّثنا عَنِ الأمورِ الَّتي نَعتقدُ أنَّها جَوهريَّة جدًّا وتُعطي الكَنيسةَ صَلابتَها، وتُعطي الكنيسةَ عَمودَها الفِقريَّ؛ أيِ الأشياءَ الأساسيَّةَ المَتينةَ الَّتي تُوفِّرُ إطارَ الحَياةِ في الكنيسة.
وقد ذَكَرنا أنَّ تلكَ الأشياءَ هي عِبادةُ اللهِ، وتَعظيمُ يَسوعَ المسيحِ، والسَّعيُ إلى القَداسة، وإعلانُ الحَقِّ، والخُضوعُ للسُّلطةِ الرُّوحيَّة. وقد تَحدَّثنا عن تلكَ الجَوانِبِ بعناية. وقد بَارَكَنا اللهُ حَقًّا في أثناءِ قِيامِنا بذلك. ثُمَّ إنَّنا ابتدأنا أيضًا بالنَّظرِ إلى تلكَ الفِئةِ الثَّانية وهي الأجهزة الدَّاخليَّة. فالهيكلُ العَظميُّ لا يُعطي حَياةً. فهو يُوفِّرُ إطارًا، ويُعطي صَلابةً، ويُعطي شَكلاً؛ ولكنَّهُ يَفتقِرُ إلى الحياة. فيجب عليكم أن تُعَلِّقوا الكثيرَ مِنَ الأعضاءِ الدَّاخليَّةِ على ذلكَ الهَيكلِ قبلَ أن تَحصُلوا على جَسَدٍ حَيٍّ. لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ عنِ الأجهزةِ الدَّاخليَّة. وقد حَدَّثناكُم عن جِهازَيْنِ مِنَ الأجهزةِ الدَّاخليَّةِ الَّتي ينبغي أن تَعملَ في الكنيسةِ أو في جسدِ المسيح. الأوَّلُ هو الإيمان. ثُمَّ إنَّنا تَحدَّثنا في هذا الصَّباح عن الطَّاعة. وهذه هي المواقفُ الرُّوحيَّة.
فعندما أتحدَّثُ عنِ الأجهزةِ الدَّاخليَّةِ في الكنيسة فإنِّي أتحدَّثُ عنِ مواقفَ رُوحيَّة، أو دَوافع، أو مُعتقدات؛ أي عن تلكَ الأشياءِ الَّتي تَختصُّ بالقلب. فهذه أمورٌ مُختصَّة بالقلب. فنحنُ لَسنا نَاموسِيِّينَ. ونحنُ لا نُؤمِنُ بأنَّهُ ينبغي التَّلاعُبُ بالنَّاسِ خَارجيًّا، أو إخافتُهم، أو إرغامُهُم مِن خلالِ الخَوفِ أوِ المُكافأةِ الخارجيَّةِ على القيامِ بمجموعةٍ مِنَ الأنماطِ السُّلوكيَّة؛ بل إنَّنا نُؤمِنُ بأنَّهُ يَنبغي للرِّجالِ والنِّساءِ أن يَعيشوا وَفقًا للتَّغييرِ الَّذي يَحدُثُ في الدَّاخل. لِذا فإنَّ ما نَفعلُهُ هو أنَّنا نَعمَلُ على القلبِ أو على المَواقفِ الرُّوحيَّة. وهذا هو في الأساس عَمَلُ كلمةِ اللهِ كَما قُلنا في هذا الصَّباح. فإن كُنتَ ستُجري عَمليَّةَ قَلب، يجب عليكَ أن تَستخدِمَ أدواتٍ فَعَّالة جدًّا. وبحسبِ ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الرابعِ فإنَّ أكثرَ أداةٍ فَعَّالة في كَشْفِ القَلبِ وإجراءِ العَمليَّةِ الجِراحيَّةِ اللاَّزمةِ هي كلمةُ اللهِ لأنَّها أَمضَى مِن أيَّةِ أداةٍ أخرى.
لِذا، إن كُنتَ ستَبني لدى النَّاسِ دَوافعَ سَليمة، ومَواقف صَحيحة، ومَبادئ قَويمة، وإن كُنتَ ستُجري عَمليَّةً للقلب، وإن كُنتَ ستَستأصِلُ المَرَضَ وتُجري عَمليَّةَ صَمَّامٍ رُوحيَّة ناجحة، يجب عليكَ أن تَقومُ بذلكَ باستخدامِ الكلمة؛ أي أن تُعَلِّمَ النَّاسَ (كما جاءَ في رسالة أفسُس 6: 6) أن يَعمَلوا مَشيئةَ اللهِ مِنَ القَلب. وذلكَ العَملُ المُختصُّ ببِناءِ دَوافعَ قَلبيَّة سَليمة يَتطلَّبُ أن تَبني في النَّاسِ إيمانًا قَويًّا وتَكريسًا للطَّاعة. وقد تَحدَّثنا عن ذلك. فلننتقل إلى المَوقفِ الثَّالثِ في هذا المساء. فسوفَ نَتحدَّثُ عن مَوقفٍ قَلبيٍّ آخر، أو مُبدأ آخر، أو دَافعٍ رَئيسيٍّ آخرَ إن أرادتِ الكنيسةُ أن تَكونَ جَسَدَ المسيحِ الحَيّ. ويجب أن يَكونَ هذا الموقفُ قَريبًا مِن رأسِ اللاَّئحة. والحقيقةُ هي أنَّ هذا المَوقِفَ يأتي في عَقلي في المَرتبة الثَّالثة. لِذا فإنَّهُ مَوجودٌ هنا. وهو مَوقفُ الاتِّضاع. الاتِّضاع.
فَعَدا عنِ الإيمانِ والطَّاعة كفئةٍ عامَّة، رُبَّما لا توجد فَضيلة رُوحيَّة أكثر أهميَّة مِن فَضيلةِ الاتِّضاع. ففي المُنتَصَف، وفي المَركِز، وفي صَميمِ حَياةِ الكنيسة يأتي هذا الأمرُ المُختصُّ بفضيلةِ الاتِّضاع. وأريدُ أن أُراجِعَ ذلكَ مَعَكُم اللَّيلة قبلَ أن نَشترِك في مَائدةِ الرَّبِّ بسببِ أهميَّتِهِ البالغة. وسوفَ نَرى مِقدارَ أهميَّتِهِ مِن خِلالِ رَبطِهِ بكَسْرِ الخُبزِ وتَناوُلِ الكأسِ معًا. افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامس – إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامس. فإن كانَت هُناكَ سِمَةٌ تَتَّسِمُ بها اليَهوديَّةُ في زَمنِ يسوعَ فهي أنَّها كانت تُشَجِّعُ على الكِبرياء الروحيَّة. وإن كانَت هُناكَ سِمَةٌ تَتَّسِمُ بها اليَهوديَّةُ في زَمنِ يسوعَ فهي أنَّ النَّاسَ كانوا يَفتخِرونَ بتَدَيُّنِهم الخارجيِّ ويَتوقَّعونَ تَصفيقَ الجَماهير.
فنحنُ نَتذكَّرُ عندَ قِراءتِنا للأصحاحِ الثَّالث والعِشرين مِن إنجيل مَتَّى كيفَ أنَّ قادةَ إسرائيل كانوا يَسْعَوْنَ دائمًا إلى الأماكِنِ الأولى والعالية. فعندما كَانوا يُقدِّمونَ عُشورَهُم كانوا يَنْفُخونَ في الأبواق. وعندما كانوا يَصومونَ كانوا يَخرجونَ إلى الأماكِنِ العامَّةِ والمُكتَظَّةِ ويَضعونَ الرَّمادَ على رُؤوسِهم لكي يَرى الجميعُ كَم هُم أتقياء. فالنَّاموسيَّةُ هي الرَّفيقُ الدَّائمُ للكِبرياءِ الرُّوحيَّة. والرُّوحانيَّةُ الحَقيقيَّةُ تُرافِقُها دائمًا فَضيلةُ الاتِّضاع. لِذا، عندما ابتدأَ يَسوعُ العِظةَ على الجبل، انتقدَ رِجالَ الدِّينِ في يَومِهِ انتقادًا لاذِعًا. فقد فَتَحَ فَمَهُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامسِ وابتدأَ يُعَلِّمُهم. وأوَّلُ شَيءٍ خَرَجَ مِن فَمِه هو: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُون".
إنَّ الوُعودَ المذكورةَ في نِهايةِ كُلِّ آيةٍ مِن هذهِ الآياتِ تَختصُّ بنِطاقِ الخلاص. فهو يَتحدَّثُ عن أشخاصٍ مُخَلَّصينَ سيَحصُلونَ على المَلكوتِ، وسيَحصُلونَ على التَّعزيةِ، وسيَرِثونَ الأرضَ، وتُشبَع نُفوسُهم. وهذه كُلُّها أوصافٌ أو سِماتٌ للخلاص. فهذه كُلُّها تَصِفُ مَعنى الانتماء إلى المسيحِ، والانتماء إلى اللهِ، ومَعرفة أنَّكَ في المَلكوتِ، والحُصول على التَّعزيةِ في كُلِّ تَحدِّياتِ الحياةِ، والحُصول على الوعدِ بأنَّكَ ستَرِثُ ذاتَ يَومٍ الأرضَ بشكلِها النِّهائيِّ والأخير؛ أي على أمجادِ السَّماواتِ الجديدةِ والأرضِ الجديدةِ في السَّماواتِ الأبديَّة، وبأنَّ نَفسَكَ سَتُشبَع. فهذهِ الأشياءُ هي مِن نَصيبِ المَفدِيِّين.
والمَفديُّونَ هُنا يُوصَفونَ بالأوصافِ التَّالية: فَهُم مَساكينُ بالرُّوح. وَهُم حَزانى. وَهُم وُدَعاء. وَهُم جِياعٌ وعِطاشٌ. وكُلُّ هذهِ الصِّفاتِ تَصِفُ جَوانبَ عَديدة للاتِّضاع. فأوَّلاً، إنَّ تلك العِبارة "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوح" تَستخدِمُ كلمةً يونانيَّةً بصيغةِ الفِعل: "أولئكَ المَساكين بالرُّوح"؛ وهي تَعني أن تَكونَ فَقيرًا جدًّا إلى الحَدِّ الَّذي تُضطَرُّ فيه إلى الاستِعطاء. وأفضلُ طريقةٍ لوصفِ ذلك هي أن يكونَ المَرءُ مُفلِسًا وليسَت لديهِ أيَّة مَوارِد للرِّزق. فَهؤلاءِ لا يَملِكونَ شيئًا، وليست لديهم المواردُ للحُصولِ على أيِّ شيء. وهي لَفظةُ تُستخدَمُ للمُتَسَوِّلينَ الَّذينَ لا يَملِكونَ أيَّة مَهارة، أو يُعانونَ مِن إعاقَةٍ تَحُولُ دُونَ قِيامِهِم بأيَّة وظيفة أو بأيِّ عمل. فَهُم في حَالة مُزرية جدًّا. فالمَلكوتُ هو مِن نَصيبِ المَساكين (كما يَقولُ يَسوع).
فالمَلكوتُ هو مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعلمونَ أنَّهُم لا يَملِكونَ أيَّ شيء، والَّذينَ يُدركونَ إفلاسَهُم التَّامّ. ولا شَكَّ في أنَّهُ لا يَتحدَّثُ عنِ الأشياءِ الماديَّةِ هُنا، بل عنِ الأشياءِ الرُّوحيَّة. فالمَلكوتُ ليسَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم حَقَّقوا العَديدَ مِنَ الإنجازاتِ الرُّوحيَّة. وهو ليسَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم نَالُوا حُظوةٍ عندَ الله. وهو ليسَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتَّكِلونَ على خِتانِهم، أوِ الَّذينَ وُلِدوا مِن جِنسِ إسرائيل، أوِ الَّذينَ وُلِدوا (مِثلَ الرَّسولِ بولس على سَبيلِ المِثالِ) مِن سِبْطَ بِنيامينَ الشَّريف جِدًّا. وهو ليسَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَستطيعونَ الحِفاظَ على مَظهَرٍ خَارجيٍّ جَذَّاب، ويَتمسَّكونَ بالتَّقاليد، ويَلتزمونَ ظَاهريًّا بالشَّريعة؛ أيِ الَّذينَ يَتَّكِلونَ على إنجازاتِهِم الدِّينيَّة الشَّخصيَّة.
بل إنَّ المَلكوتَ هُوَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقرَعونَ على صُدورِهِم ويَقولونَ: "اللَّهُمَّ ارحَمني أنا الخاطِئ". فإن تَساءلتَ يَومًا كيفَ كانَ النَّاسُ في العهدِ القديمِ يَخلُصون، فإنَّهم كانوا يَخلُصونَ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي يَخلُصُ بها النَّاسُ الآن. ولكنَّهُم في الجانبِ الآخرِ مِنَ الصَّليب وحَسْب. فقد كانت طَريقةُ الحُصولِ على الخلاصِ [في المَقامِ الأوَّل] تَستَنِدُ إلى الاعترافِ بالخطيَّة. وكانَ هذا يَحدُثُ عندما يَعلمُ الشَّخصُ أنَّهُ لم يَتمكَّن مِن حِفْظِ نَاموسِ الله. فقد أعطَى اللهُ نَاموسَهُ، وفَصَّلَهُ بوضوحٍ تامٍّ لِمُوسَى، وأوصاهُ أن يَكتُبَهُ لكي يَتمكَّنَ الجَميعُ مِن رُؤيتِهِ وقِراءتِه. وقد حاولَ النَّاسُ أن يُطَبِّقوهُ ولكنَّهُم أَخفقوا. فقد فَشِلوا في تَطبيقِ النَّاموسِ، وراحُوا يُقَدِّمونَ الذَّبائِحَ ولكنَّ ذلكَ لم يُعطِهِم يَومًا شِبَعًا لِنُفوسِهم "لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا".
لِذا فقد كانَ هُناكَ تَكرارٌ لا نِهائيّ إلى أن وَصَلوا نُقطةً أدركوا فيها إفلاسَهُم، وأدركوا فيها عَجزَهُم التَّامَّ عن حِفْظِ نَاموسِ اللهِ، والعَجْزَ التَّامَّ للذَّبائحِ الحَيَوانيَّة عن رَفْعِ خَطاياهُم. وبسببِ حَالةِ الإفلاسِ تِلكَ، اتَّكَلوا على رَحمةِ اللهِ وتَضرَّعوا إليهِ كي يَغفِرَ لهم. والحقيقةُ هي أنَّ ذلكَ العَشَّارَ المَذكورَ في إنجيل لوقا والأصحاح 18، والَّذي قَرَعَ على صَدرِهِ هو مِثالٌ إيضاحِيٌّ على كيفَ كانَ الإنسانُ في العهدِ القديمِ، أوِ الإنسانِ قبلَ الصَّليبِ، يَخلُص. فقد كانَ يَقرَعُ على صَدرِهِ ويقول: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئ". فهو لم يَتَجاسَر حتَّى على النَّظرِ إلى أعلى نَحوَ السَّماء لأنَّهُ كانَ يَشعَرُ بِحَرَجٍ وخِزْيٍ شَديدَيْنِ بسببِ إثمِهِ الَّذي لا نِهايةَ لَهُ حَتَّى إنَّهُ صَرَخَ طَالِبًا رَحمةَ الله.
وفي تلك النُّقطة، أسبَغَ اللهُ نِعمَتَهُ عليهِ (كَما قالَ يَسوعُ) فَنَزلَ ذلكَ الرَّجُلُ إلى بَيتِهِ مُبَرَّرًا. فقد حُسِبَ بِرُّ المَسيحِ لَهُ كَما حُسِبَ لنا في هذا الجانِبِ مِنَ الصَّليب. فالانكسارُ والاتِّضاعُ هو النُّقطةُ الجوهريَّة؛ أي أن يَفهمَ الإنسانُ إفلاسَهُ الرُّوحيَّ. ولاحِظوا في العددِ الرَّابعِ أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَعترِفُ بإفلاسِهِ الرُّوحيِّ يَنوحُ، ويَكتئبُ، ويَحزَنُ حُزنًا عَميقًا، ويَتَألَّمُ بسببِ حَالتِه. ثُمَّ يَلي ذلكَ في العددِ الخامسِ الوَداعة الَّتي تَصِلُ إلى حَدِّ الرُّعبِ أوِ الخَوفِ مِنَ الاقترابِ مِن عَرشِ اللهِ لأنَّ هذا الإنسانَ يُدركُ عَدمَ استحقاقِه. ويُمكِنُنا أن نَرى انعكاسَ ذلكَ على الرَّجُلِ المَذكور في لوقا 18 إذْ إنَّهُ لم يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ كَانَ يَنظُرُ إلى الأرض.
وأخيرًا في العددِ السَّادسِ، نَقرأُ عن أولئكَ الَّذينَ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرِّ الَّذي يَعلَمونَ أنَّهم لا يَملِكونَهُ. وقد تَذَكَّرَ الرَّسولُ بولسُ ذلكَ في رسالتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالثِ أنَّهُ كَرَّسَ أوَّلَ أربعينَ سنةٍ تَقريبًا مِن حياتِهِ في الاتِّكالِ على بِرِّهِ الذَّاتِيِّ؛ ولكنَّهُ لم يَجِد ذلكَ مُشبِعًا البتَّة. وفي لَحظةٍ، بينَما كانَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق، التقَى المَسيحَ فقال: "وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَان". وهذا كُلُّهُ يُشيرُ إلى الاتِّضاعِ، أوِ الإفلاسِ الرُّوحيِّ، أوِ الحُزنِ على الخطيَّة، أوِ المُثولِ باتِّضاعٍ أمامَ اللهِ والخَوفِ مِنَ النَّظرِ إلى أعلى، وإدراكِكَ لحقيقةِ أنَّكَ لا تَملِكُ الشَّيءَ الَّذي أنتَ في حَاجةٍ مُلِحَّةٍ إليه وهو: البِرّ. وهكذا تَدخُلُ المَلكوت.
ويَتِمُّ التَّركيزُ على هذا الأمر في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. ولكي نَفهمَ كيفَ يَبتدئُ الأمرُ بِرُمَّتِه في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 فإنَّ يَسوعَ يَتحدَّثُ في الحقيقة في نَفسِ الإطارِ العَامِّ عن كيفيَّةِ دُخولِ الإنسانِ إلى المَلكوت، ويُرَكِّزُ على مَسألةِ الاتِّضاع فيقولُ في العددِ الثَّالث: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا...". وقد كانَ التَّلاميذُ بحاجةٍ مُلِحَّةٍ إلى الرُّجوعِ. وهذا يعني حَرفيًّا أن يَستديروا ويُتابِعوا السَّيرَ في الاتِّجاهِ الآخر لأنَّهُ رُبَّما تَذكرونَ (إن كُنتُم تَعرفونَ خَلفيَّةَ الأصحاح 18 مِن إنجيل مَتَّى) أنَّ التَّلاميذَ كانوا يَتجادَلونَ في هذه النُّقطة. وقد كانَ جِدالُهم هو حَولَ مَن سيكونُ الأعظم في المَلكوت.
عندما انضمُّوا إلى يسوعَ عَلِموا أنَّهُم في حَضرةِ شَخصٍ مُمَيَّزٍ جدًّا. وقد فَهِموا أنَّهُ المَسِيَّا. وقد تَمَّ تَوضيحُ ذلك قبلَ أصحاحَيْن بعباراتٍ لا تَحتَمِلُ التَّأويل حينَ قالَ بُطرس: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ". أنتَ هو المَسِيَّا، اللهُ المُتجسِّد. فقد عَلِموا أنَّ هذا هو المَسيَّا، وأنَّ المَسيَّا سيُؤسِّس المَلكوت. وكُلَّما زَادَت مَعرفتُهم عنِ المَلكوت، زادَ جِدالُهُم بخصوصِ مَن مِنهُم سيَجلِسُ في المَقاعِدِ الأولى. فبعدَ وقتٍ قَصيرٍ مِن تلك الحادثة... وهذا يُرينا كَم كانَ مِنَ الصَّعبِ عليهم أن يَسمَعوا بآذانِهم ويُؤمِنوا حَتَّى عندما قالَ لهم يسوعُ ما قالَهُ لهم... فبعدَ وقتٍ قصيرٍ مِن تلكَ الحادثةِ، أرسلَ يَعقوبَ ويوحنَّا أُمَّهُما لكي تَسألَ شَخصيًّا إن كانَ يَسوعُ يَسمَحُ لهُما بأن يَجلِسا واحدٌ عَن يَمينِهِ وواحدٌ عن يَسارِهِ في المَلكوت.
لِذا فقد كانَ الجِدالُ مستمرًّا حَتَّى إنَّنا نَقرأُ عنهُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13؛ أي في ذاتِ اللَّيلةِ الَّتي تعَرَّضَ فيها يَسوعُ للخِيانَة. فعِوَضًا عن أن يَكونوا مُرْهَفي الحِسِّ تُجاهَ ما سيَحدُثُ ليَسوع (لا سِيَّما بعدَ أن أخبرهُم أنَّهُ سيموت)، كانوا جميعًا يَتجادَلونَ بشأنِ مَن مِنهم سيكونُ الأعظمُ في المَلكوت. وفي مُنتصفِ المُجادلة إذْ كانَ يَسوعُ يَجلِسُ في بيتٍ في كَفْرِناحوم (رُبَّما بَيت بُطرس. فهناكَ مَن يَرى أنَّهُ كانَ بَيت بُطرس)، دَعا يَسوعُ صَبِيًّا صَغيرًا إليه، أيْ وَلَدًا، وأقامَهُ في وَسْطِهم واستَخدَمَ ذلكَ الولدَ لتوضيحِ ما يُريدُ أن يَقول: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَات".
فالمَلكوتُ هُوَ مِن نَصيبِ المُتَّضِعين. لِذا، يجب عليكُم أن تأتوا باتِّضاع. والآن، ما الَّذي يَقصِدُه بأن نَتَّضِعَ مِثلَ هذا الولد؟ إنَّ المَعنى بَسيطٌ جدًّا. فالولدُ مُتَّكِلٌ تَمامًا على وَالِدَيْه. وهذا جُزءٌ مِنَ المَعنى، ولكنَّهُ جُزءٌ صَغيرٌ فقط. أمَّا المَعنى الرَّئيسيُّ فهو أنَّ أيَّ وَلَدٍ في هذا العُمرِ لا تَكونُ لهُ إنجازات. فهو لم يُحَقِّق شَيئًا بَعد، ولم يُنجِز شَيئًا بَعد. فلا يُوجَد لديهِ سِجِلٌّ حَافِلٌ بالإنجازات. فيجب عليكَ أن تُدركَ أنَّكَ مُفلِسٌ، ولا تَملِكُ أيَّ شيء، أو كَما يَقولُ كاتِبُ التَّرنيمةِ: "ليسَ بِيَدَيَّ أيُّ شيءٍ، بل إنِّي أتمسَّكُ وَحَسْب بالصَّليب". فهكذا يأتي الولد؛ بلا أيِّ سِجِلٍّ بالإنجازات. وهكذا ينبغي أن تأتي أنتَ. فيجب أن تأتي مِثلَ وَلَدٍ صَغير.
ولتعزيزِ ذلكَ أكثر، أريدُ أن أَصحَبَكُم إلى واحدٍ مِن أعظمِ النُّصوصِ الكِرازيَّة في كُلِّ العهدِ الجديد، وهو نَصٌّ مَذكورٌ في رِسالة يَعقوب والأصحاح الرَّابع... رسالة يَعقوب والأصحاح الرَّابع. وأريدُ أن أَبتدئَ القراءةَ مِنَ العدد 4 لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ يُبَيِّنُ سِياقَ النَّصِّ لَنا: "أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ". وهذا مُماثِلٌ جدًّا لما قالَهُ يُوحنَّا في رسالة يوحنَّا الأولى: "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الخامِس: "أَمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ بَاطِلاً: الرُّوحُ الَّذِي حَلَّ فِينَا يَشْتَاقُ إِلَى الْحَسَدِ؟" ثُمَّ في العددِ السَّادس: "وَلكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ".
فهُناكَ نَقْلَةٌ مِنَ اللُّغةِ القويَّةِ جدًّا في العددِ الرَّابع (عن مَحَبَّةِ العالَمِ وارتباطِها بالزِّنى وعَداوةِ اللهِ) والعَددِ الخامسِ (الَّذي يَصعُبُ جِدًّا فَهمُه، ولكنَّهُ يُشيرُ إلى رَفضِ عَملِ الرُّوحِ القُدُسِ) إلى الحَقيقةِ المَذكورةِ في العددِ السَّادسِ وهي أنَّ اللهَ مَا يَزالُ يُعطي نِعمةً. فقد تكونُ مُحِبًّا للعالَم، وقد تَكونُ عَدُوًّا للهِ، وقد تُقاوِمُ الرُّوحَ؛ ولكن هُناكَ نِعمةٌ مُتاحَة. وأنا أوْمِنُ بأنَّهُ يَتحدَّثُ هُنا إلى غيرِ المؤمنين. وسوفَ أُبَيِّنُ لَكُم السَّبب. ففي العددِ الثَّامن، في مُنتصفِ هذا السِّياق، تَجِدونَهُ يَقولُ: "أَيُّهَا الْخُطَاةُ". "نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ". ولا يوجد أيُّ مكانٍ في كُلِّ العهدِ الجديدِ يُنْعَتُ فيهِ المؤمنونَ بهذا النَّعت.
وهذا لا يَعني أنَّنا لا نُخطِئ. فنحنُ نُخطئ. ولكنَّنا لم نُدْعَ قَطّ خُطاةً. والحقيقةُ هي أنَّنا نُسَمَّى بالرَّغمِ مِن كَونِنا خُطاة ماذا؟ العَكس تَمامًا: قِدِّيسين. فنحنُ لسنا مِن أصحابِ الرَّأيَيْنِ بِمَعنى أن نُظهِرُ اهتمامًا قَليلاً بالأمورِ الرُّوحيَّة واهتمامًا كبيرًا بالعالَم. فهذا هو تَمامًا ما يَتحدَّثُ عنهُ في العددِ الرَّابع. فقد تَظُنُّ أنَّكَ تُحِبُّ اللهَ؛ ولكن إن كُنتَ شَخصًا ذَا رَأيَيْنِ ومُتَعَلِّقًا بالعالمِ فإنَّكَ لا تُحِبُّهُ؛ بل أنتَ تُشبِهُ الأرضَ المَذكورةَ في الأصحاح 13 مِن إنجيل مَتَّى والَّتي تَكثُرُ فيها الأعشابُ الضَّارَّةُ. ثُمَّ إنَّ هَمَّ هذَا العَالَمِ وَغُرُورَ الغِنَى يَخْنُقَانِ الحَقَّ. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ في اعتقادي عن غيرِ المؤمنينَ الَّذينَ يُمكِنُ وَصفُهُم بأنَّهم زُناة وزَواني، وبأنَّهُم يُحبُّونَ العالَم، ويَتمرَّدونَ على اللهِ، ويُعادونَ اللهَ، والَّذينَ يَدعوهُم في العددِ الثَّامِنِ "خُطاةً".
وهو يَقولُ في العددِ السَّادسِ إنَّ هُناكَ نِعمَةً مُتاحَةً؛ ولكن لاحِظوا مِن فَضلِكُم إلى مَن يَحصُل عليها. فنحنُ نَقرأُ في العددِ السَّادس: "يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". وهذه الجُملة مَذكورة في كُلٍّ مِنَ المَزاميرِ وسِفْرِ الأمثال. فالنِّعمةُ المُخَلِّصَةُ مُتاحَةٌ للمُتواضِعين؛ أي للأشخاصِ الَّذينَ يُظهِرونَ تلكَ الصِّفاتِ المَذكورة في التَّطويبات؛ أي للأشخاصِ المُفلِسينَ رُوحيًّا، ويَعلَمونَ ذلكَ، ويَحزنونَ على إفلاسِهم، ويأتونَ إلى الرَّبِّ بوداعة، ويَتردَّدونَ في المُثولِ في حَضرَتِهِ، ويَشعرونَ بالخَجَلِ الشَّديد؛ ولكنَّهم يأتونَ بِسببِ جُوعِهم الشَّديد لأنَّهم يَعرِفونَ ما الَّذي يَحتاجونَ إليهِ أكثر مِن غَيرِهِ وما يَنقُصُهم. والآن، كيفَ يَظهَرُ هذا الاتِّضاع؟ رَكِّزوا مَعي: إنَّ اللهَ يُعطي نِعمةً للمُتواضِعين. لِذا، هذه هي طَريقةُ التَّعبيرِ عن ذلك الاتِّضاع:
"فَاخْضَعُوا للهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ التَّاسع: "اكْتَئِبُوا وَنُوحُوا وَابْكُوا". ونحنُ نَجِدُ هُنا نفسَ اللُّغةِ المُستخدمة في التَّطويباتِ مَرَّةً أخرى. "لِيَتَحَوَّلْ ضَحِكُكُمْ إِلَى نَوْحٍ، وَفَرَحُكُمْ إِلَى غَمٍّ. اتَّضِعُوا قُدَّامَ الرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ".
وأنا أُوْمِنُ حقًّا أنَّهُ واحدٌ مِنَ أعظمِ النُّصوصِ الكِرازيَّةِ في العهدِ الجديد. ولا وَقتَ لدينا لشَرحِ النَّصِّ كُلِّه، ولكنَّ المَعنى العامَّ هو أنَّها دَعوة إلى الخاطِئِ أوِ الشَّخصِ الَّذي يُحبُّ العالَمَ كي يَتَّضِع. وذلكَ الاتِّضاع يَعني أن تَخضَعَ لله. فهذا يَعني أن تَخضَعَ للهِ المُعلَنِ في الكتابِ المقدَّس.
فيجب عليكَ، بعبارة أخرى، أن تَترُكَ إبليسَ، وتَقتربَ إلى الله، وتَعترفَ بخطاياكَ، وتَطلُبَ مِنهُ أن يُطَهِّرَ قَلبَكَ، وتَأتي إليهِ بانكسارٍ وحُزنٍ وبُكاء. فإن أَظهرتَ هذا الاتِّضاعَ، سيَرفَعُكَ اللهُ. فهذه هي البداية يا أحبَّائي. هذه هي بِدايةُ الأمرِ كُلِّه. فيجب عليكَ أن تأتي باتِّضاعٍ وانكِسارٍ وقلبٍ نَادِمٍ. وأعتقدُ أنَّ هذا يُوافِقُ تَمامًا ما ذُكِرَ في العهدِ القديم. فلا يُوجد أيُّ فَرقٍ حَقيقيٍّ. فأنا لا أُحِبُّ أن نُفَرِّقَ بينَ كيفيَّةِ مَجيءِ النَّاسِ في العهدِ القديمِ إلى الرَّبّ وكيفيَّةِ مَجيئِهم إليهِ في العهدِ الجديد. فالحقيقةُ هي أنَّ الأمرَ سِيَّان.
استَمِعوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ إشعياء والأصحاح 55: "اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ". فها هي الطَّريقةُ مَرَّةً أخرى. فيجب عليكَ أن تأتي وأنتَ تُدركُ شَرَّكَ، ويجب عليكَ أن تأتي وأنتَ تُدركُ أنَّكَ لستَ بَارًّا، وأن تأتي بانكسارٍ، وأن تُلقي نَفسَكَ على رَحمةِ الله. فهكذا تَدخُلُ المَلكوت. فأنتَ تَدخُلُهُ باتِّضاع. وأودُّ أن أقولَ لكم إنَّنا نَرى مِن خلالِ هذا كُلِّه إنَّ شَيئًا لم يَتغيَّر. فلم يَتغيَّر شَيء. فأنتَ لستَ جَديرًا الآنَ بالخلاصِ أكثرَ مِمَّا كُنتَ عليهِ حينَ جِئتَ إليه. أليسَ كذلك؟ فأنتَ لستَ جَديرًا الآنَ بصَلاحِ اللهِ في المسيحِ أكثرَ مِمَّا كُنتَ عليهِ حينَ جِئتَ إليه.
فأنتَ مَا تَزالُ خَاطئًا، وما تَزالُ نِعمةُ اللهِ هي الَّتي تَحفظُك. فلا يوجد مَوضِعٌ للكِبرياءِ في حَياتِكَ – البتَّة. وإن كانَ هُناكَ صَلاحٌ ونُبْلٌ وصِفاتٌ تَقِيَّةٌ في حَياتِكَ فإنَّها نَاجِمَةٌ عن عَمَلِ الرَّبِّ، لا عن عَمَلِكَ أنتَ. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ في رسالتِهِ الأولى 5: 5: "تَسَرْبَلُوا بِالتَّوَاضُع"، ثُمَّ إنَّهُ يَقتبسُ نَفسَ مَا جاءَ في العهدِ القديمِ فيقول: "لأَنَّ اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". ثُمَّ في العدد 6: "فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ". وهو هُنا يُخاطِبُ المؤمنين. والمبدأُ هو نَفسُه. فأنا أعتقدُ أنَّهُ في رسالة يَعقوب يُخاطِبُ غيرَ المؤمنينَ؛ أيِ الخُطاةَ والزُّناةَ الَّذين يُحبُّونَ العالَم.
أمَّا هُنا فإنَّهُ يُخاطِبُ الأحداثَ الَّذينَ رُبَّما كانَ بَعضٌ مِنهُم يَخدِمونَ بِصِفتِهم شُيوخًا لأنَّ هذا هو السِّياقُ المُباشِر. ولكنَّهُ يُخاطِبُ بكُلِّ تأكيدٍ المؤمنينَ هُنا. والوصيَّةُ هي: تَواضَعُوا... تَواضَعوا. فالرَّبُّ يُريدُ أن يَفعلَ هذا. والرَّبُّ سيَفعلُ كُلَّ ما يَنبغي فِعلُهُ لكي يَجعلَنا مُتواضِعين. لِننظُر إلى رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاحِ الثَّاني عشر نَظرةً خاطفةً. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا النَّصِّ في أحدِ الأيَّامِ في أثناءِ دراسَتِنا لرسالة كورِنثوس الثَّانية؛ ولكنِّي أريدُ أن أُشارِكَ مَعَكُم مَجموعةً مِنَ الأفكار. رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاح 12. ففي بِدايةِ الأصحاح، يَتحدَّثُ الرَّسولُ بولسُ عنِ اختبارٍ مُدهشٍ جدًّا جدًّا اختبرَهُ شخصيًّا. فهو يَتحدَّثُ (كما جاءَ في العددِ الأوَّل) عن رُؤى وإعلاناتٍ وأمورٍ خارقةٍ للطَّبيعة.
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ بطريقةٍ غير مُباشرة؛ ولكنَّنا نَعلمُ إلى مَن يُشيرُ هُنا. فهو يُشيرُ إلى نَفسِهِ قَائِلاً: "أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً". وَهُوَ يَتحدَّثُ عن نَفسِه. "أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقول: "قبلَ أربعَ عَشْرَةَ سَنة، مَرَرْتُ باختبارٍ، ولكنِّي لا أَفهمُ حَقيقَتَهُ. فأنا لا أدري إن كُنتُ حقًّا في الجسد، أَم أنَّني انتقلتُ بطريقةٍ مَا خارجَ الجسد! "لَسْتُ أَعلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ". ولكنَّ هذا الرَّجُلَ "اخْتُطِفَ... إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ". فالسَّماءُ الأولى هي سَماءُ الأوكسجين أوِ الهواءُ المُحيطُ بنا. والسَّماءُ الثَّانيةُ هي سَماءُ الأجرامِ السَّماويَّة حيثُ تُوجدُ النُّجومُ وكُلُّ الكَواكِب؛ أيِ الفَضاءُ العَظيمُ الَّذي فَوقَنا. والسَّماءُ الثَّالثةُ هي [ببساطة] السَّماءُ الَّتي يَسكُنُ اللهُ فيها حيثُ يُوجَدُ عَرشُ اللهِ ومَسكَنُ الله.
هذا الرَّجُلُ، قبلَ أربعَ عَشْرَةَ سنة [كما يَقولُ] اختُطِفَ إلى ذلكَ المَكان. لا أدري كَيف! ولا أَفهمُ كَيف! ولا أَدري ما الهَيئةُ الَّتي كُنتُ عليها؛ ولكنِّي اختُطِفتُ إلى هُناك. وهو يَقولُ مَرَّةً أخرى في العددِ الثَّالث: "وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ" [فهو يُكَرِّرُ ذلك]. "أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا". والنَّاسُ يَسألونَني دائمًا ما هي تلكَ الكلمات! وأنا أُجيب: "إنَّها كَلماتٌ لا يُنطَقُ بها، ولا يَسُوغُ لإنسانٍ أن يَتكلَّمَ بها". فبولسُ هوَ الوحيدُ الَّذي مَرَّ بهذا الاختبار. وأنا أَعلمُ أنَّ أشخاصًا كَثيرينَ اليومَ يَدَّعونَ أنَّهم مَرُّوا بهذا الاختبار، ولكنَّ بولسَ هو الوحيدُ الَّذي مَرَّ بِه. وَهُوَ يَقول: "مِنْ جِهَةِ هذَا أَفْتَخِرُ. وَلكِنْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِي لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ بِضَعَفَاتِي".
وما يُحاولُ أن يَفعلَهُ هنا هو أنَّهُ يَقولُ: مِنَ المؤكَّدِ أنَّني أستطيعُ أن أتحدَّثَ عن تلك الرِّحلة. وهُناكَ جُزءٌ مِنِّي يُريدُ أن يَحتَفِلَ بتلك الخِبرة المُذهلة. ولكن عندما أنظرُ حقًّا إلى نَفسي فإنَّ كُلَّ ما يُمكنُني حقًّا أن أتحدَّثَ عنهُ هو ضَعفي. وكأنَّهُ يَقول: "أنا لم أذهب إلى هُناكَ لأنِّي جَديرٌ بأن أذهبَ إلى هُناك. وأنا لم أذهب إلى هُناكَ لأنِّي جَديرٌ بالقيامِ بتلك الرِّحلة. فهي لم تَكُن مُكافأة لي على رُوحانيَّتي. وما أعنيه هو أنَّها كانت شيئًا رائعًا وعَظيمًا يُمكنُني أن أفتَخِرَ بِهِ وأبتَهِجَ بِه، ولكن عندما أنظرُ إلى نفسي فإنَّ كُلَّ ما يُمكنُني أن أفتخرَ بهِ هو ضَعفي". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العددِ السَّابع: "لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ". وَقد حَصَلَ بولسُ على الكثيرِ مِنَ الإعلانات.
فقد نَالَ الإعلانَ الأوَّلَ وَهُوَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق إذْ إنَّهُ أُصيبَ حَرفيًّا بالعَمى بسببِ نُورِ يسوعَ المسيح. فقد ظَهَرَ لهُ المسيحُ هُناك. وقد ظَهَرَ لهُ المسيحُ مَرَّتينِ على أقلِّ تَقدير بصورةٍ شَخصيَّة وفَرديَّة ومُستقلَّة عن أيِّ شخصٍ آخر. فعندما كانَ في طَريقِهِ إلى رُوما في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الرَّبَّ أرسلَ مَلاكًا ليُعطيهِ تَعليماتٍ بشأنِ ما سيَحدُثُ في وَسْطِ العاصفة. ثُمَّ إنَّهُ اختُطِفَ إلى السَّماءِ الثَّالثةِ؛ أي إلى فِرْدَوْسِ الله. فقد حَصَلَ على إعلانٍ مُدهشٍ لم يَحصُل أحدٌ آخر على مَثيل لَهُ. وبسببِ ذلكَ كُلِّه فإنَّهُ يَقولُ في العددِ السَّابع: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَات". فكما تَرَوْنَ، هذا هو ما قد يَحدُثُ لكَ إن حَصلتَ على مِثلِ تلكَ الإعلاناتِ العَظيمة.
وما أعنيه هو أنَّهُ لم يَحصل أيُّ إنسانٍ على مِثلِ تلكَ الإعلانات. فلم يَحدُث قَطّ أن ذَهَبَ أيُّ شخصٍ إلى السَّماءِ وعادَ مِنها. فهذا ليسَ شَيئًا يَحدُثُ عادةً. والحقيقةُ هي أنَّ الأناجيلَ تَقولُ إنَّهُ "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ"؛ أي: المَسيح. فهذا ليسَ شَيئًا يَحدُثُ عَشوائيًّا فيحصُلُ النَّاسُ على هذه الإعلاناتِ المُدهشة. وحتَّى إنَّ بُطرسَ نَظَرَ إلى التَّجَلِّي المَجيدِ ليسوعَ المسيحِ بِكُلِّ رَوعَتِهِ وبَهائِهِ بسببِ نُدرَتِهِ إذْ إنَّ الحَاضِرينَ كانوا فقط بُطرس ويَعقوب ويوحنَّا. ولكن بعدَ صُعودِ المسيح، لم يُعْطَ مِثلُ هذا الإعلان مَرَّةً أخرى لبُطرس؛ بل فقط لبولُس. وهذا قد يَجعلُ الشَّخصَ يَفتخِرُ بسهولة، وقد تَجعلُ الإنسانَ يَتَكَبَّر في نَفسِهِ لأنَّهُ إن كُنتَ تُجري نِقاشًا وتُريدُ أن تَجذِبَ انتباهَ الآخرين، يَكفي أن تَقول: "اسمَعوا يا رِفاق، كَم مَرَّة ذَهبتُم إلى السَّماء؟ وكم مَرَّة جاءَ المسيحُ بعدَ قِيامَتِهِ وصُعودِهِ وعَقدَ اجتماعًا خاصًّا بكم؟"
لِذا، مِن أجلِ حِمايتِهِ مِنَ الافتخار، نَقرأُ في العددِ السَّابعِ أنَّهُ أُعطيَ شَوكةً في الجسد. وقد أُعطيَ في الحقيقةِ وَتَدًا وليسَ مُجرَّدَ شَوكةٍ صَغيرةٍ مِثلَ تِلكَ الأشواكِ المَوجودةِ في أشجارِ الوَرد. فالكلمة المُستخدمة هُنا تَعني "وَتَدًا" يُشبِهُ قَلَمَ الرَّصاصِ المُدَبَّب؛ ولكنَّهُ كِبيرُ الحَجم. وقد كانَ القَصدُ مِنهُ هو أن يَخترِقَ كِبرياءَهُ أو جَسَدَهُ كي يَحفَظَهُ مِنَ الافتخارِ بنفسه. فقد كانت تلك شَوكة في الجسد مِنَ الله. ونحنُ نَعلمُ ذلكَ لأنَّهُ في العَددِ الثَّامنِ تَضَرَّعَ إلى اللهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ كي يُزيلَها؛ ولكنَّ الرَّبَّ قالَ: "لا". لِذا، لا بُدَّ أنَّ الرَّبَّ هو الَّذي سَمَحَ بذلك لأنَّ الرَّبَّ رَفَضَ أن يُزيلَها. كذلك، إن كانت قد أُعطيت لَهُ لجَعلِهِ مُتواضعًا فإنَّ الشَّيطانَ عَاكِفٌ على إذلالِ النَّاس. وقد تَقولُ: "مَهلاً! لقد كانَ مَلاكُ الشَّيطانِ هوَ الَّذي لَطَمَهُ".
هذا صَحيح. واللهُ قد يَستخدِمُ الشَّياطينَ إنْ لَزِمَ الأمرُ كي يَجعلَ أولادَهُ يَتَّضِعون. لِذا، مِنَ السُّخفِ أن يُحاولَ النَّاسُ أن يَطرُدوا الشَّياطين. فحتَّى لو كانَ بمقدورِهم أن يَطرُدوهُم، قد يَطرُدونَ الشَّياطينَ الَّتي أرسلَها الرَّبُّ للقيامِ بعملِه. وقد سَمَحَ الرَّبُّ بأن تَسكُنَ الأرواحُ الشِّرِّيرةُ في هذا الشَّخص. وأعتقدُ أنَّ هذهِ إشارة مُحَدَّدة إلى زَعيمِ المؤامرةِ الَّتي حَدَثَت في كنيسةِ كورِنثوس وكادَت أن تُمَزِّقَ تلكَ الكنيسة. وبسببِ ذلكَ الشَّرْخ، انكَسَرَ قلبُ بولُس. فهذه هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي تَدورُ حَولَها الرِّسالةُ كُلُّها. وبولُس لم يُحِبّ ما حَدَث، بل رُبَّما صَلَّى مَزاميرَ اللَّعنةِ وتَمَنَّى لو أنَّ ذلكَ الشَّخصَ يَموت. ورُبَّما قالَ: "يا رَبُّ، اقتُلهُ". ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ الرَّبَّ أرادَ مِنهُ أن يَكونَ هُناكَ لكي يَدُقَّ ذلكَ الوَتَدَ في جَسَدِ بولُس بسببِ نَجاحاتِهِ الكثيرة جدًّا لأنَّ الإعلاناتِ الكثيرة جدًّا قد تَجعلُ إنسانًا عاديًّا، بل وحتَّى إنسانًا بارًّا مِثلَ بولُس، مُفتَخِرًا. واللهُ يُريدُهُ مُتواضِعًا.
واللهُ قد يَلجأُ إلى أيَّة طَريقة لِجَعلِ شَعبِهِ مُتواضِعًا حَتَّى لو اضطُرَّ إلى إرسالِ أحدِ أعوانِ الشَّيطانِ لابتلائِهِ، أو حتَّى لو كانَ ذلكَ يَعني حُدوثَ اضطِرابٍ في الكنيسةِ كما حَدثَ في كورِنثوس، أو حتَّى لو كانَ ذلكَ يَعني أن يَتعرَّضَ هو شَخصيًّا للهُجوم. وقد كانَ الهُجومُ الشَّخصيُّ الَّذي حَدَثَ في كنيسة كورِنثوس مُوَجَّهًا مُباشرةً إلى بولُس. وأنتُم تَعلمونَ ماذا قالوا عنه. فقد قالوا إنَّهُ يَخدِمُ لأجلِ المال، وإنَّهُ يَسعى إلى إقامةِ عَلاقاتٍ جِنسيَّةٍ معَ النِّساء، وإنَّهُ لا يُحِبُّ إلاَّ نَفسَهُ، وإنَّهُ يَكذِب، وإنَّهُ مُخادِع، وهَلُمَّ جَرَّا. وكُلُّ ذلكَ مَذكورٌ في رسالة كورنثوس الثَّانية. وهناكَ أوقاتٌ قد يَسمَحُ اللهُ فيها بتَمزيقِ الكنيسةِ أو بحدوثِ هُجومٍ شَخصيٍّ على أحدِ الأشخاصِ لكي يَجعَلَهُ مُتواضِعًا. وهذا يُرينا أهميَّة التَّواضُع.
ولكن لماذا التَّواضُعُ مُهِمٌّ إلى هذا الحَدّ؟ نَقرأُ في العَدد 9: "فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ [ماذا؟] تُكْمَلُ»". فقد سَحَقَهُ اللهُ لأنَّهُ عندما يُدركُ إفلاسَهُ ويُدركُ أنَّهُ لا يَملِكُ شَيئًا سيكونُ حينئذٍ نافعًا للاستخدام. وقد تَعلَّمَ بولسُ ذلك. لِذا فإنَّهُ يَقولُ "فَبِكُلِّ سُرُورٍ [في العدد 9] أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيح". وكما تَرَونَ فإنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ القُوَّةَ مُرتبطة ارتباطًا مُباشرًا بالتَّواضُعِ وبالانكسار. "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا [ماذا؟] قَوِيٌّ". فقد تَعَلَّمَ أن يَتَقَبَّلَ العَداوة. لِذا، إنِ اتُّهِمتَ زُورًا، أو إنِ افتَرى أحَدُهم عليكَ، أو إن أساءَ أحدُهم مُعاملتَك، تَقَبَّل ذلك. تَقَبَّل ذلك. افحَص قَلبِكَ، ودَع عَملَ الاتِّضاعِ يَعمل فيك. كُن راضيًا بذلك لأنَّهُ في ضَعفِكَ تُكْمَلُ قُوَّتُك. فهو يُريدُ مِنكَ أن تَكونَ مُتواضِعًا. وهو قد يَفعلُ كُلَّ ما يَلزَمُ مِن أجلِ تَحقيقِ تلكَ الغاية. وأعتقدُ أنَّ اتِّضاعَ الرَّسول بولُس يَظهرُ بأوضحِ صُورةٍ مُمكنةٍ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالث. أرجو أن تَفتحوا على ذلك الأصحاح. والآن، أنا أَضَعُ عادةً مُخَطَّطًا لعِظاتي. وقد وَضعتُ مُخَطَّطًا لعِظَةِ هذا المساء، وهي تَحوي نُقطةً واحدةً فقط. وأنا عَاجِزٌ عن تَجاوُزِها. وهذه النُّقطة هي: التَّواضُع. وهي النُّقطة الثَّالثة. ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لكم التَّالي: إن كانَ هُناكَ شَخصٌ... إن كانَ هُناكَ شَخصٌ لديهِ إنجازاتٌ رُوحيَّة في الحياة فهو بولُس. وإن كانَ هُناكَ شَخصٌ فَعَلَ ما يُرضي اللهَ حَقًّا ويَسُرُّهُ فهو بولُس.
وأعتقدُ أنَّهُ مِن وُجهةِ نَظرِ العالَم، هذا هو السَّببُ في أنَّهُم أطلَقوا اسمَهُ على مَدينةٍ في "مينيسوتا" (Minnesota)، وأطلَقوا اسمَهُ على الكثيرِ مِنَ الكاتِدرائيَّاتِ في كُلِّ مَكان، وأطلَقوا اسمَهُ على الكثيرِ مِنَ الكنائسِ في كُلِّ مَكان، وأطلَقوا اسمَهُ على الكثيرِ مَن الأطفالِ الصِّغار. ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تَعلموا كيفَ كانَ يَنظُرُ إلى نَفسِه إذْ نَقرأُ في العَدد 12: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ". فأنا لم أَصِل بَعد. "أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى" وأَسعَى... وأَسعَى. فعندما كَتَبَ إلى تِيموثاوُس في نِهاية حَياتِه قالَ ذلكَ ببساطَةٍ مُتناهية. فقد قال: "أنا أوَّلُ [مَن؟] الخُطاة" (في رسالتهِ الأولى إلى تيموثاوس 1: 15). "أنا أَوَّل الخُطاة". فَهُوَ يَقول: "هل تَعلمونَ لماذا خَلَّصَني اللهُ؟ لقد خَلَّصَني لأنِّي كُنتُ إنسانًا سَيِّئًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ أرادَ أن يَعرِضَ رَحمَتَهُ الواسعةَ الفَريدةَ مِن خلالي أنا: "لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِىَّ أَنَا أَوَّلاً كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالاً".
وكأنَّ لِسانَ حَالِهِ هُوَ: "إن كانَ بمقدورِهِ أن يُخَلِّصَني، فإنَّهُ قادرٌ أن يُخَلِّصَ أيَّ شخص". ولا يوجد شيءٌ تَغَيَّرَ في قَلبِ بولُس. فهو يَقول: "أنا لم أُحَقِّق الهَدَفَ بَعد. فما زِلتُ غيرَ جَديرٍ بتلكَ الرَّحمة الآنَ كما كنتُ دائمًا". اقرأوا ما يَقول في رسالة رُومية والأصحاح السَّابع. فهو يَقول: "وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي [ويَقودُني إلى النَّتيجةِ التَّالية]: وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْت؟" فأنا أُشبِهُ قَاتِلاً رَبَطوا جُثَّةَ القَتيلَ بِهِ فَصارت جُثَّةُ القَتيلِ تَنْهَشُ لَحمي. هذا هو الاتِّضاع. هذا هو الاتِّضاع. "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى". "دَيُوكو" – "dioko"]. فأنا أَسعى وأجتَهِد. فأنا أُحاولُ وَحَسْب أن أُحَقِّقَ الهَدَفَ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ لأجلي. وما الهَدفُ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ لأجلِه؟
نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح الثَّامِن: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ [يَسوعَ المسيح]". فاللهُ خَلَّصَهُ لكي يَجعلَهُ مُشابهًا للمسيح. وَهُوَ سيَفعلُ ذلك في نِهايةِ المَطاف. فهذه ستكونُ جائزةُ الدَّعوةِ العُليا: التَّمَثُّل بالمسيح. فهذا هو الهَدفُ في الأبديَّة. وهذا هو الهَدفُ الآن. لِذا فإنَّهُ يَقول: "أنا أَسعَى وَحَسْب إلى تَحقيقِ الهَدَفِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ لأجلي، وَهُوَ أن يَجعلني مُشابهًا لابنِهِ. ففي يَومٍ مَا، سيَفعلُ ذلكَ في الأبديَّة، ولكن إلى أن يَحينَ ذلك الوقت، أنا أَسعَى إلى تَحقيقِ ذلكَ هُنا والآن، ولكنِّي لم أُحَقِّق ذلكَ بَعد". وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي يَنبغي أن تَفحصُوا فيها أنفُسَكُم يا أحبَّائي. فإن أردتَ أن تَعرفَ مِقدارَ نُضجِكَ الرُّوحيِّ، قارِن نَفسَكَ لا بشخصٍ آخر، بل هل تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الثانية؟ فبولُس يَقولُ إنَّنا لا نُقارِنُ أنفسَنا بأنفسِنا، ولا نَقيسُ أنفسَنا بأنفسِنا على المُستوى البَشريّ. فإن أردتَ أن تَعرفَ أينَ أنتَ رُوحيًّا، قَارِن نَفسكَ بيسوعَ المسيح. فهذا سيُبقيكَ مُتواضعًا.
"وَقَبْلَ الْكَرَامَةِ [في أمثال 15: 33] التَّوَاضُعُ". "وَقَبْلَ الْكَرَامَةِ التَّوَاضُعُ". فاللهُ يُريدُ منكَ أن تَكونَ مُتواضعًا. فقد جِئتَ مُتواضعًا. لِذا، ليسَ هُناكَ سَبَبٌ يَدعوكَ إلى أن تَكونَ مُتكبِّرًا الآن. البَتَّة! فأنتَ لستَ جَديرًا بالخلاصِ الآن أكثرَ مِمَّا كُنتَ عليهِ قبلَ أن يُخَلِّصَكَ اللهُ. فأنتَ ما زِلتَ بائسًا وغيرَ مُستحقٍّ في ذاتِكَ؛ ولكنَّكَ تَبَرَّرتَ بِبِرِّ المسيحِ لأنَّهُ دَفَعَ أُجرةَ خَطاياك. أمَّا أنتَ في ذاتِكَ فلستَ أكثر جَدارةً الآن. وعندما يَجلِبُ اللهُ إلى حَياتِكَ تلكَ الأشياءَ الَّتي تَجعلُكَ تَتَّضِع، ويَسحَقُكَ، ويَكسِرُكَ، ويُحَطِّمُ ثِقَتَكَ بنفسِك، ويَسمحُ بحدوثِ أمورٍ لا يُمكِنُكَ أن تُصلِحَها أو تُقَوِّمَها أو تُبطِلَها، وعندما يَعصِفُ النَّقدُ بِكَ كما تَعصِفُ الرِّيحُ القَويَّةُ بِقَشَّة، وتَعجَزُ عن لَمْلَمَةِ أجزائِكَ المُبَعثَرة، وتَتساءَلُ عَمَّا سيَحدُثُ لكَ بسببِ ذلك، تَذكَّر وَحَسْب ما سيَفعلُهُ ذلكَ بك إن تَعاملتَ مَعَ هذهِ الأمورِ كما يَنبغي. فهي ستَجعلُكَ مُتواضعًا وأكثرَ نَفْعًا. وأفضلُ مَكانٍ نَختِمُ فيهِ حَديثَنا القصيرَ عنِ التَّواضُع قبلَ أن نَتقدَّم إلى مَائدةِ الرَّبِّ هو رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني... رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني. وسوفَ نَبتدئُ مِنَ العدد الثَّالث: "لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ". فيجب أن تَعلموا أنَّ هُناكَ صِفَة يَتَّصِف بها الأشخاصُ المُتواضِعون وهي هذهِ: أنَّهُم يَرَوْنَ أنَّ خَطاياهُم هي أسوأ مِن خَطايا أيِّ شخصٍ آخر. وهذا مُؤشِّرٌ مُهِمٌّ. فإن كُنتَ تَنتَقِدُ المؤمنينَ الآخرينَ أكثرَ مِمَّا تَنتقدُ نَفسَكَ فإنَّكَ لستَ مُتواضعًا.
فالكِبرياءُ هي الَّتي تَسمَحُ لكَ بالزَّحفِ خَارِجَ جُحرِكَ لانتقادِ الآخرين. وأنا لا أتحدَّثُ عن تَقييمِ الحَقِّ، ولا أتحدَّثُ عن أن يكونَ لديكَ رُوحُ تَمييز؛ بل أتحدَّثُ عنِ الانشغالِ بانتقادِ خَطايا الآخرين. فمِنَ الصَّعبِ عليكَ أن تَفعلَ ذلكَ إن كُنتَ مُنشغلاً بخطاياكَ الشَّخصيَّة. فعندما تَكونُ أبشعُ الخطايا الَّتي تُزعِجُكَ صَادِرة عنكَ أنتَ، وعندما تَكونُ الخَطايا الَّتي تُحزِنُكَ أكثر مِن غَيرِها صَادرة عنكَ أنتَ، وعندما تَكونُ الخَطايا الَّتي تَرغبُ في التَّخلُّصِ مِنها هي خَطاياكَ أنتَ، وعندما يكونُ تأثيرُ تلكَ الخطايا الَّتي تُؤثِّرُ في الكنيسةِ صادرةَ عنكَ أنتَ لا عن شخصٍ آخر، يَكونُ لديكَ قَدرٌ مِنَ التَّواضُع، وتَكونُ قادرًا على القيامِ بما يَقولُهُ النَّصُّ هُنا: "حَاسِبًا الآخرينَ أفضلَ مِن نَفسِك". وهذا يَتطلَّبُ أيضًا (وَفقًا لما جاءَ في العددِ الرَّابع) ألاَّ تُراعي مَصلَحَتِكَ الشَّخصيَّة، بَلْ أن تُراعي مَصَالِحَ الآخرينَ أيضًا.
فعندما تُراعي مَصالحَ الآخرين، ونَجاحَ الآخرين، وبَرَكاتِ الآخرين، وخَيرَ الآخرينَ أكثرَ مِمَّا تُراعي مَصالِحَكَ الشَّخصيَّة، يَكونُ لَديكَ قَدرٌ مِنَ الاتِّضاع. وعندما لا تَهتمُّ كَثيرًا بِمَصالِحِكَ الشَّخصيَّةِ، ولا تُبالي كثيرًا بنَجاحاتِكَ الشخصيَّة، ولا تُبالي كثيرًا بإنجازاتِكَ الشخصيَّة، ولا تُبالي كثيرًا بامتيازاتِكَ الشَّخصيَّة، أو بشُهرتِك، أو بِسُمعتِك؛ بل تَنشَغِلُ بتلكَ الأشياءِ الَّتي تَخُصُّ الآخرينَ، يَكونُ لديكَ قَدرٌ مِنَ الاتِّضاع. فالأمرُ يَتوقَّفُ على نَظرتكَ إلى نَفسِكَ: سَلبيًّا مِن جِهَةِ خطاياكَ، وإيجابيًّا مِن جِهَةِ نَجاحاتِك. فهل تُبالي بخطاياكَ أكثر مِمَّا تُبالي بخطايا الآخرين؟ وهل تُبالي بِبَركاتِ الآخرينَ أكثر مِمَّا تُبالي ببركاتِك؟
لقد كانَ هذا هو مَوقفُ المَسيح. فقد كانَ يَهتمُّ بنا أكثرَ مِمَّا يَهتمُّ بنفسِه. والموقفُ المُعَبَّر عنهُ في العددِ الخامِس هو: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا". فقد كانَ على استعدادٍ تَامٍّ للتَّخلِّي عن امتيازاتِهِ لكي يَحمِلَ خَطايانا. وقد كانَ مُستعدًّا للانفصالِ عنِ اللهِ واحتمالِ الألمِ بطريقةٍ نَعجَزُ عن تَفسيرِها واستيعابِها لكي نَتَمَكَّنَ نحنُ، بالرَّغمِ مِن عدمِ استحقاقِنا، مِنَ الحُصولِ على الخَلاص. وهذا المَقطَعُ المُدهشُ الَّذي نَعرِفُهُ جَيِّدًا يُبَيِّنُ ذلك: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ". فقد كانَ مُستعدًّا للتَّخلِّي عن ذلك: "لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاس".
وهذا هو الإخلاءُ هُنا أو الـ "كينوسيس" (kenosis) كما يُسَمَّى، ومَعناهُ: "إخلاءُ الذَّات": "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيب". بعبارة أخرى، لقد نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لأجلِنا. لقد نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لأجلِنا. إذًا، ما هو هذا الاتِّضاعُ الَّذي يَطلُبُهُ اللهُ مِنَّا؟ إنَّهُ الشُّعورُ بالإفلاسِ الرُّوحيِّ وعدمِ الاستِحقاقِ التَّامِّ كما هُوَ مُبَيَّن في التَّطويباتِ وفي العِظَةِ الَّتي قَدَّمَها يَسوعُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18، وفي رسالةِ يَعقوب. وَهُوَ مَوقفٌ يَستمرُّ بعدَ خَلاصِنا حينَ نُدركُ أنَّنا لسنا مُستحقِّينَ الآنَ أكثرَ مِمَّا كُنَّا مُستحقِّينَ في الماضي. وَهُوَ المَوقِفُ الَّذي يُدركُ المُعاناةَ والألمَ في حَياتِنا لأنَّهُما يُؤثِّرانِ فينا تأثيرًا عَميقًا ويَلطِمانَنا؛ وهذه كلمة وَرَدَت في رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاحِ الثَّاني عَشَر ومَعناها: "يَلكُم".
فهي ضَربة مُوجَّهة إلى الوَجه. وهي نَفسُ الكلمة المُستخدمة للإشارة إلى الجُنديِّ الَّذي لَكَمَ يَسوعُ في وَجهِه. فعندما تَلْطُمُنا ظُروفُ الدَّهرِ، ونُتَّهَمُ زُورًا، يجب علينا أن نَحَتِمِلَ ذلك لأنَّنا نَفهمُ أنَّهُ بالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ اللهَ يُريدُ أن يَجعلَنا مُتواضِعينَ. وكُلَّما زَادَ تَواضُعُنا زَادَت قُوَّتُهُ العامِلَة فينا. وَهُوَ الاتِّضاعُ الَّذي يَجعلُنا نُبالي بخطايانا أكثرَ مِمَّا نُبالي بخطايا جَميعِ الأشخاصٍ الآخرينَ أو أيِّ شخصٍ آخر. وَهُوَ الاتِّضاعُ الَّذي يَنظُرُ تَحديدًا إلى مَصلحةِ الآخرينَ والَّذي ظَهَرَ جَلِيًّا مِن خلالِ ما فَعَلَهُ يَسوعُ المَسيحُ حينَ أَخلَى نَفسَهُ. فهذا هو الاتِّضاع. وهذا هو، يا أحبَّائي، المَوقفُ القَلبيُّ الَّذي يَنبُعُ مِن صَميمِ الفضيلةِ الرُّوحيَّة. لِذا، عندما تَفعلُ الخِدمةُ في الكنيسةِ ما يُريدُ اللهُ مِنها أن تَفعلَهُ، فإنَّها تَفعلُ عَملاً قَلبيًّا.
وفي القلبِ، إنَّها تَسعى مِن خلالِ كلمةِ اللهِ إلى بِناءِ الإيمانِ، وبِناءِ الطَّاعةِ، وجَلْبِ التَّواضُع. فهذا عَمَلٌ قَلبيٌّ. وهذا هو عَملُ الكنيسة. فهو ليسَ عَملاً سَطحيًّا، بلِ العَكسُ تَمامًا. فهَدفُ الكنيسةِ هو ليسَ أن تَأتي بِكُم إلى هُنا وتُقدِّمَ لكم اجتِماعًا جَميلاً؛ بل إنَّ هَدفَ الخِدمةِ الكَنَسِيَّةِ هو حَضُّكُم على التَّواضُع. فهذا هو المَوقفُ الرُّوحيُّ الَّذي يَجعلُ الجُزءَ الدَّاخليَّ للكنيسةِ ما يُريدُ اللهُ مِنهُ أن يَكون. وحينئذٍ سيكونُ بإمكانِ الكنيسةِ أن تَحيا مِنَ الدَّاخلِ إلى الخارِج. دَعونا نَحني رُؤوسَنا معًا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، حينَ نُفَكِّرُ في هذا نَشعُرُ جميعًا بالتَّبكيتِ في قُلوبِنا. فأنا أشعرُ بذلك. فقد بارَكتَني ببَركاتٍ كثيرة. ومِن زَاويةِ الخِدمةِ في الكنيسة، لقد فَتَحْتَ أبوابًا كثيرةً جدًّا، وأعطيتَنا أشياءَ كثيرة وامتيازاتٍ كثيرة.
ويا رَبُّ، إنَّ هذهِ الامتيازاتِ تَتطلَّبُ تَواضُعًا. وأنا أَفهمُ ذلك وأشكُرُكَ على هذه الأشياءِ الَّتي تَحدُثُ في حياتي وتَجعلُني أُدركُ إفلاسي وأتَّكِلُ عليك. أشكُرُكَ على الإهاناتِ، والمَتاعِبِ، والتَّلفيقاتِ، والاتِّهاماتِ الباطِلَةِ، وأشكُرُكَ على التَّجاربِ والمِحَنِ والضِّيقاتِ الَّتي تُبتَلى بها الكنيسة، وعلى الصُّعوباتِ – أجل! وَحَتَّى على الهَجَماتِ الشَّيطانيَّةِ وهَجَماتِ الأرواحِ الشِّرِّيرة. أشكُرُكَ على كُلِّ هذهِ الأشياءِ الَّتي لا تأتي نَتيجةَ إثْمٍ، بل تَكشِفُ لنا عن مَقاصِدِكَ الرَّاميةِ إلى جَعلِ عَبدِكَ مُتواضِعًا. وأشكُرُكَ على ذلكَ أيضًا في حياةِ هذه الرَّعيَّةِ العَزيزة. أشكُرُكَ على قِيامِكَ بِكُلِّ مَا يَلزمُ لجَعلِهِم مُتواضِعينَ لكي يَعلموا كيفَ يَتَّكِلونَ عليكَ، ولكي يسْعَوْا إلى تَوطيدِ علاقَتِهم بِكَ لأنَّهم لا يَستطيعونَ الذَّهابَ إلى أيِّ مَكانٍ آخر للحُصولِ على القوَّة. فَكَما أنَّ يسوعَ وَضَعَ نَفسَهُ حَتَّى المَوت، مَوتِ الصَّليب، أعطِنا يا رَبُّ نَفسَ هذا المَوقِف لكي نَكونَ مِثلَهُ، ولكي نَتواضَع.
وإذْ نَتقدَّمُ الآنَ يا رَبُّ إلى هذه المائدة ونَنظُر إلى اتِّضاعِ المسيح بأوضحِ صُوَرِهِ، فإنَّنا نَراهُ مُهانًا بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الخالِق الَّذي خَلَقَ هذهِ العَوالِمَ وَجَعَلَها تَسبَحُ في الفَضاء، ونَشَرَ النُّجومَ في أرجاءِ السَّماواتِ، وخَلَقَ الكَونَ في سِتَّةِ أيَّام واستراحَ، والَّذي هُو كُليُّ القَداسَةِ والكَمالِ ولا تُوجَد فيهِ خَطيَّة البتَّة إذْ إنَّهُ لا يَتأثَّرُ بهذا العالَمِ الشرِّيرِ كما أنَّ شُعاعَ الشَّمسِ لا يَتأثَّرُ بأكوامِ النُّفاياتِ ولا يَتلوَّثُ؛ بل يَبقى نَقيًّا وساطِعًا.
ولكِن يا رَبّ، نحنُ نَعلمُ أنَّنا نَنسَى في أغلبِ الأحيانِ نِعمَتَكَ ورَحمتَكَ ومِقدارَ اتِّضاعِكَ. لِذا فإنَّنا بحاجة إلى هذه المَائدة. لِذا فإنَّنا بحاجة إلى المَجيءِ إلى هُنا لكي نَتذكَّرَ مَرَّةً أخرى أنَّكَ وَضَعتَ نَفسَكَ لأجلِنا. فقد جِئتَ وصِرتَ خَطيَّةً لأجلِنا معَ أنَّكَ لم تَعرِف خَطيَّةً لكي نَصيرَ بِرَّ اللهِ فيك. فقد صِرتَ خَطيَّةً فقط بمعنى أنَّكَ عُومِلتَ كما لو أنَّكَ اقترفتَ خَطايانا في حين أنَّكَ في الحقيقة لم تَقترف أيَّ خَطيَّة؛ ولكنَّكَ فَعلتَ ذلكَ لكي تَتِمَّ مُعاملتُنا كما لو أنَّنا لم نَفعل خَطيَّةً، بل كما لو أنَّنا عَمِلنا أعمالَكَ البارَّةَ فقط. فيا لها مِن نِعمةٍ رائعةٍ، ويا لَهُ مِن تَواضٌعٍ عَظيم! وإذْ نَنظُرُ إلى الصَّليب في هذا المَساء، هُناكَ زَوايا عَديدة. ولكن في هذه اللَّيلة، نُريدُ أن نَرى هُناكَ تَواضُعَكَ وتَنازُلَكَ لكي تَكونَ قُدوةً لنا.
لَيتَنا نَتَواضَع، ونُدرك كم نَحنُ خُطاة، وكم أنَّنا غيرُ مُستحِقِّين. ولَيتَنا نَتواضَعُ أمامَكَ، ونَتواضَعُ بَعضُنا أمامَ بَعض، ونُعبِّرُ عن تلك المحبَّةِ لأنَّهُ "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". اجعَلنا نَتَواضَع يا رَبُّ بأيَّة وَسيلة تَراها مُناسبة لكي نُظهِرَ نَفسَ صِفاتِ المَسيحِ الَّذي نُكَرِّسُ أنفُسَنا لَهُ ونَتوقُ إلى التَّمَثُّلِ به.
This article is also available and sold as a booklet.
