Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، كما تَعلمون، لقد انتهينا في الأسبوعِ الماضي مِن دراسةِ الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس. وقد قالت زوجتي لي: "لن تَنتقل مُباشرةً إلى الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس. أليسَ كذلك؟ يجب عليكَ حَقًّا أن تُوَجِّهَ رسالةً إلى الأُمَّهاتِ في عيدِ الأُمّ". وهي تُلِحُّ عليَّ دائمًا بهذا الشَّأن في عيدِ الأُمّ. فقُلتُ: "لقد فَعلتُ ذلكَ قبلَ سنوات". فقالت: "أجل، قبلَ سبعِ سنوات تَحَدَّثْتَ عن حَنَّة. وأعتقد أنَّهُ يجب عليكَ أن تَفعلَ ذلكَ مَرَّةً أخرى في عيدِ الأُمِّ هذا". فقلت: "حسنًا يا عَزيزتي. سأفعل ذلك". وهذا هو ما سأفعلُه في هذا الصَّباح. وأنا أفعلُ ذلكَ بِدونِ أيِّ تَرَدُّد، بل بفرحٍ وسعادة. قبلَ سبعِ سنوات، تَأمَّلْتُ في شَخصيَّةِ أُمٍّ تَقيَّة مِن خلالِ الحديثِ عن حياةِ حَنَّة. وقد مَضَى على ذلكَ وقتٌ طويل. وكانَ لا بُدَّ لي أن أُنعِشَ ذاكرتي بخصوصِ القِصَّة بأسرِها كي أتمكَّنَ مِنَ العَودةِ إلى الحديثِ عنها. وقد تَحَمَّسْتُ وتَلَهَّفْتُ مَرَّةً أخرى بشأنِ الأمورِ الَّتي يُمكنُنا أن نَتعلَّمَها مِن هذه القصَّة الرَّائعة.

افتَحوا كِتابَكُم المقدَّس على سِفْرِ صَموئيل الأوَّل والأصحاح الأوَّل. صَموئيل الأوَّل والأصحاح الأوَّل. لقد قالَ "جاي" (Jay) في سنة 1914 إنَّ الكونغرس عَيَّنَ عيدَ الأُمِّ عُطلةً رَسميَّةً في بَلَدِنا، وجَعَلَهُ يومَ الأحد كما لو أنَّ يومَ الأحد ليسَ عُطلةً رَسميَّةً أصلاً، ولكِنَّهُ أَضفَى عليهِ خَتْمَ الحُكومة مِن خلالِ قانونٍ رَسميٍّ صَادَقَ عليهِ الرَّئيس. وينبغي مُراعاةُ هذا اليوم. وقبلَ نحوِ سِتِّ سنواتٍ مِن هذا التَّاريخ (أي في سنة 1908)، احتفلت الآنسة "آنَّا جارفيس" (Anna jarvis) بأوَّلِ عيدِ أُمٍّ بمُفردها إذْ أرادت أنْ تَحتَفِلَ بذِكرى أُمِّها. وإذْ كانت تَعلمُ أنَّ هناكَ أناسًا آخرينَ يَوَدُّونَ أن يُشاركوها مَشاعِرَها، ابتدأت بِحَشْدِ مَزيدٍ مِنَ الأصواتِ في الأُمَّة، وشَنَّتْ حَملةً شَمِلَتِ الأُمَّة كُلَّها حَقًّا بِهَدَفِ جَعْلِ الأُمَّة كُلِّها تُدركُ الحاجةَ إلى الاحتفالِ بعيدِ الأُمّ. وأخيرًا، بعدَ سِتِّ سنوات، وافقَ الكونغرس على ذلكَ وَوَقَّعَ الرَّئيسُ على ذلك. والآن، صارَ يُحتَفَلُ بِهِ في الأُمَّة بأسرِها، وصارَ تَقليدًا وتُراثًا. وهو يَمتدُّ إلى ما وَراءِ أُمَّتِنا إذْ يُحتَفَلُ بِهِ مِنْ قِبَلِ أُمَمٍ أخرى في العالَمِ أيضًا.

وإذا رَجعتُم في تاريخِنا إلى الجُزءِ الأسبَقِ مِن هذا القَرْنِ تَحديدًا، يُمكنكم أن تَقرأوا تَكريمات مُدهشة جدًّا إلى الأُمّ. وإذا قَرأتُم بالصُّدفة أمورًا كُتِبَتْ في أوقاتٍ قريبة مِن عيدِ الأُمِّ في أزمنة مُختلفة، ستُدركونَ كيفَ كانَ النَّاسُ يَشعرونَ بخصوصِ الأُمومة في تلكَ الأيَّام. وقد قَرأتُ بالصُّدفة تَكريمًا مُدهشًا كَتَبَهُ رَجُلٌ يُدعى "دبليو.إل. كولدويل" (W.L. Caldwell) في سنة 1928. استَمِعوا إلى ما قالَهُ عنِ الأُمّ: "لَيتَنا نَقِف تَكريمًا للمرأةِ الَّتي تأتي في المَكانةِ بعدَ يسوعَ المسيحِ مِن جِهةِ أنَّها أفضل عَطيَّة وَهَبها اللهُ إلى البَشَر: الأُمّ. فهي الَّتي شارَكَتْ حياتَها معنا عندما كانت أعضاؤُنا ما تَزالُ في طَوْرِ التَّشَكُّل. فقد مَشَتْ إلى وادي ظِلِّ الموتِ كي نَحصُلَ على نُورِ الحياة. فبينَ ذِراعَيْها كُنَّا نَحصُلُ على طَعامِنا، ونَجِدُ سَريرًا طَرِيًّا نَرتاحُ فيه. فهُناكَ كُنَّا نَسْتَكينُ في ساعةِ الألم. وهُناكَ كُنَّا نَلعَبُ ونَمرَحُ في أوقاتِ طُفولَتِنا. وقد صارت هاتانِ الذِّراعانِ فيما بعد مَلاذَنا وَحِصْنَنا. فهي الَّتي عَلَّمَتْ قَدَمَيْنا الصَّغيرتينِ أن تَمشيا، وَرَفَعَتْنا لنَجتازَ الأماكِنَ الصَّعبة. وذِراعاها المُبارَكتانِ هُما اللَّتانِ استخدَمَتا الإبرَةَ نَهارًا وليلاً كي تَصنَعَ ثِيابًا لنا. وهي الَّتي وَضَعَتِ الكُتُبَ تحتَ إبْطِنا وأرسَلَتْنا إلى المدرسة. ولكِنَّ الأهَمَّ مِن ذلكَ كُلِّه هو أنَّها عَلَّمتْ شَفَتَيْنا الصَّغيرَتينِ اسْمَ يَسوعَ، وقَصَّتْ علينا أوَّلَ قِصَّة عجيبة عن مَحبَّةِ المُخَلِّص".

ثُمَّ إنَّهُ يَمضي قائلاً: "إنَّ فَخْرَ أمريكا هُوَ أُمَّهاتُها. صَحيحٌ أنَّ هناكَ أُمَّهات شِرِّيرات مِثلَ إيزابَل في العهدِ القديم، وأنَّ هُناكَ أُمَّهاتٍ غير طَبيعيَّات يَبِعْنَ أطفالَهُنَّ إلى الخطيَّة. وهُناكَ أُمَّهاتٌ مَلعونات بالخطيَّة، ومَخمورات، ويَتَخَلَّيْنِ عن أولادِهِنَّ تَكشِفُ أُمومَتُهُنَّ عن عَارِهِنَّ؛ ولكنِّي مَسرورٌ لأنِّي أعلمُ أنَّ هناكَ أُمَّهاتٍ قليلاتٍ في هذه الفئة" [نِهايةُ الاقتباس]. قَليلات؟ القليلُ مِنَ الأُمَّهاتِ غيرِ الأمينات؟ القَليلُ مِنَ الأُمَّهاتِ المُلَطَّخاتِ بالخطيَّة؟ القَليلُ مِنَ الأُمَّهاتِ المُلَطَّخاتِ بالعار؟ رُبَّما كُنَّ قَليلات في سنة 1928، ولكِنَّهُنَّ لَسْنَ قليلات اليوم. فما هي حالُ الأمومةِ في أمريكا؟ وهلْ ما زالتِ الأُمَّهاتُ فَخْرَ هذه الأرض؟

لقد عَثَرْتُ على شيءٍ آخر كُتِبَ تَكريمًا للأُمِّ قبلَ عُقودٍ مَضَتْ. وإليكم ما جاءَ فيه: "تَنْطَلِقُ الأُمُّ الشَّابَّةُ في طَريقِ الحياةِ. وهي تَسألُ: ’هلِ الطَّريقُ طويلة؟‘ ويَقولُ لها مُرشِدُها: ’أجل. والطَّريقُ شَاقَّة. وسوفَ تَهْرَمينَ قبلَ أن تَبلُغي نِهايَتَها. ولكِنَّ النِّهاية ستكونُ أفضل مِنَ البِداية‘. ولكِنَّ الأُمَّ الشَّابَّة كانت سَعيدة، ولم تَكُن تُصَدِّقُ أنَّ هُناكَ شيئًا يُمكِنُ أن يكونَ أفضلَ مِن تلكَ السِّنين. لِذا فقد لَعِبَتْ معَ أطفالِها، وجَمَعتِ الزُّهورَ لَهُم على طُولِ الطَّريق، وَاسْتَحَمَّتْ مَعَهُم في الجداولِ الصَّافية. وقد أشرَقَتِ الشَّمسُ عليهم وكانتِ الحياةُ جَيِّدة. وقد صَاحَتِ الأُمُّ الشَّابَّةُ قائلةً: ’لن يكونَ هُناكَ أبدًا شيءٌ أروعُ مِن هذا‘. ثُمَّ جاءَ اللَّيلُ، وجاءتِ العاصفةُ، وأَظلمَ الطَّريق، وارتَعَدَ الأولادُ مِنَ الخوفِ والبَرد فاحتَضَنَتْهُمُ الأُمُّ إليها وغَطَّتْهُم بِعَباءَتِها، فقالَ الأولاد: ’أُمِّي، نحنُ لسنا خائِفين لأنَّكِ قَريبة مِنَّا ولا يُمكنُ أنْ يَلْحَقَ بِنا أيُّ أَذى‘. فقالتِ الأُمُّ: ’هذا أفضلُ مِنْ ضَوْءِ النَّهار لأنِّي عَلَّمْتُ أولادي الشَّجاعة‘.

"ثُمَّ جاءَ الصَّباحُ فقابَلوا تَلَّةً. وقد تَسَلَّقَ الأولادُ التَّلَّ وتَعِبوا. وقد تَعِبتِ الأُمُّ أيضًا. ولكِنَّها كانت تَقولُ للأولادِ دائمًا: ’اصبِروا قليلاً فَنَصِلُ إلى وُجْهَتِنا‘. لِذا فقد تَسَلَّقَ الأولادُ التَّلَّ. وعندما بَلغوا القِمَّةَ قالوا: ’لم يَكُن بمقدورِنا أن نَفعلَ ذلكَ مِن دونِكِ يا أُمِّي‘. وعندما اضْطَجَعَتِ الأُمُّ في تلكَ اللَّيلة، نَظرت إلى النُّجومِ وقالت: ’هذا اليومُ أفضل مِنَ اليومِ السَّابق لأنَّ أولادي تَعَلَّموا القُوَّةَ في مُواجَهَةِ الصُّعوبات. فقد مَنَحْتُهُم يومَ أمسٍ الشَّجاعة، ومَنَحْتُهُم اليومَ القوَّة‘.

’وفي اليومِ التَّالي، جاءت سُحُبٌ غريبةٌ جَعَلتِ الأرضَ تُظلِم. إنَّها سُحُبُ الحربِ والكراهِيَةِ والشَّرِّ. وقد اضطربَ الأولادُ وتَعَثَّروا. فقالت لَهُم أُمُّهم: ’انظروا إلى أعلى. ارفَعوا أعيُنَكُم إلى النُّور‘. نَظَرَ الأولادُ فرأوا فوقَ السُّحُبِ مَجْدًا دائمًا. وقد هَداهُمْ ذلكَ وجَعَلَهُم يَتَخَطَّوْنَ الظَّلام. وفي تلكَ اللَّيلة، خَاطَبَتِ الأُمُّ يَسوعَ قائلةً: ’هذا أفضلُ يومٍ على الإطلاق لأنِّي جَعَلْتُ أولادي يَرَوْنَ اللهَ‘.

ثُمَّ مَضَتِ الأيَّامُ والأسابيعُ والأشهُرُ والسِّنين. وشَاخَتِ الأُمُّ وصارت ضَئيلةَ الحَكْمِ ومُنحَنِيَةَ الظَّهْرِ. ولكِنَّ الأولادَ كانوا طِوالَ القامةِ، وأقوياءَ، ويَسلُكونَ في الإيمانِ بشجاعة. وعندما كانوا يُواجِهونَ عَقَباتٍ، كانوا يَحمِلونَها لأنَّها كانت خَفيفةً كالرِّيشة. وأخيرًا، بَلَغوا تَلَّةً. وكانوا يَرَوْنَ أنَّهُ يوجدُ بعدَ التَّلَّة طَريقٌ مُشْرِقٌ وبوَّاباتٌ ذَهبيَّة مَفتوحة على مَصاريعِها. فقالتِ الأُمُّ: ’لقد بَلَغْتُ نِهايةَ رِحلتي. والآن، أنا أَعلمُ أنَّ النِّهاية أفضل مِنَ البداية لأنَّهُ بمقدورِ أولادي أن يَسيروا وَحْدَهُم لأنَّهُم يَسيرونَ معَ الله‘. فقالَ الأولادُ: ’سوفَ تَسيرينَ مَعنا دائمًا يا أُمِّي حَتَّى عندما تَعبُرينَ مِنْ تلكَ البَوَّاباتِ إلى المُخَلِّص‘. وقد وَقَفوا وراقبوها وهي تَمضي وَحْدَها. ثُمَّ أُغْلِقَتِ البَوَّاباتُ خَلفَها. فقالوا: ’لا يُمكِنُنا أن نَراها، ولكنَّها ما تَزالُ مَعنا. فأُمٌّ كأُمِّنا هي أكثر مِن ذِكرى. فهي حُضورٌ حَيٌّ‘".

إنَّهُ تَكريمٌ رائع. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ يبدو أنَّهُ لا يُلائِمُ سنة 1987 في أمريكا. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يُلائِمُ مَلايينَ الأُمَّهاتِ اللَّاتي يَلْجأنَ إلى الإجهاضِ ويَقْتُلْنَ الجَنين. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يُلائِمُ مَلايينَ الأُمَّهاتِ المُطَلَّقاتِ اللَّاتي يَتَخَلَّيْنَ عن أولادِهِنَّ. وهو لا يُوافِقُ رُبْعَ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ وِلاداتٍ غير مَشروعة ولا يَجدونَ بَيْتًا، ولا عائلةً كما يَنبغي أن تكونَ العائلات. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يُوافِقُ مَلايينَ الأطفالِ الذين تُساءُ مُعامَلَتِهم إذْ إنَّهُمْ ضَحايا لغَضَبِ أُمَّهاتِهم.

وقد قالَ "كولدويل" (Caldwell) أيضًا، وهو الشَّخصُ الَّذي اقتَبَسْتُ كَلامَهُ قبلَ قَليل: "لا توجد أُمَّة أعظَم مِن أُمِّها لأنَّهُنَّ صَانِعاتُ الرِّجالِ". وهو مُحِقٌّ، كما تَعلمون. فهو مُحِقٌّ. فَهُنَّ صَانِعاتُ الرِّجالِ. وقد كَتَبَ بولسُ إلى تيموثاوس فقال إنَّ الأُمَّهاتِ سَيَخْلُصْنَ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ (رسالة تيموثاوس الأولى 2: 15). فما الَّذي قَصَدَهُ؟ لقد قَصَدَ أنَّ دَورَ المرأةِ الخَلاصِيّ، وفَضيلَتَها، ومَهمَّتَها، وهَدَفَها يَتَمَثَّلُ في تَربيةِ أولادٍ صَالِحين. فَمعَ أنَّ المرأةَ، مِن جِهَة، قد تَحْمِلُ وَصْمَةً بسببِ سُقوطِها أوَّلاً في الخطيَّة في جَنَّةِ عَدْن، فإنَّها تَعْكِسُ وَصْمَةَ العارِ تلكَ مِن خلالِ رِيادَتِها في إنْجابِ جيلٍ صالِحٍ مِن خلالِ تأثيرها الرُّوحيِّ على أولادِها.

ولكِنَّ هذا كُلَّهُ يَبدو كَلامًا عَفاهُ الزَّمَنُ ولا صِلَةَ لَهُ بحياةِ النِّساءِ اللَّاتي قَرَّرْنَ أنَّ الدَّورَ الحقيقيَّ للمرأةِ هو العَمَلُ خارجَ المنزل. والحقيقةُ هي أنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي تَبَقَّى مِنْ عيدِ الأُمِّ هو الرِّبْحُ التِّجاريُّ. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يُرَوَّجُ لَهُ مِنْ قِبَلِ مُحِبِّي الأُمَّهاتِ، بل يُرَوَّجُ لهُ مِنْ قِبَلِ مُحِبِّي المال. فالأُمومَةُ في يومِنا هذا صارَتْ، بصراحة، مُحَطَّمَةً. وقد صارَتْ مَثارًا للسُّخْرِيَة. وقد فَقَدَ الزَّواجُ قُدسيَّتَهُ. وقد صارَ الآباءُ والأُمَّهاتُ يَتَهَرَّبونَ مِن مَسؤوليَّاتِهم. والأَجِنَّةُ يُقتَلون مِن خلالِ عَمليَّاتِ الإجهاض. والأُمَّهاتُ يُظْهِرْنَ كُلَّ أنانيَّة بسببِ انشغالِهِنَّ بأعمالِهِنَّ وَمُتْعَتِهِنَّ في سَبيلِ تَحقيقِ ما يُرْضيهِنَّ، دُوْنَ أنْ يَلْتَفِتْنَ كثيرًا إلى أولادِهِنَّ المهملين إلى حَدٍّ كبير.

ولكِنَّ مِعيارَ اللهِ لم يتغيَّر. وَمِنَ اللَّائِقِ أنْ نَنظُرَ مَرَّةً أخرى إلى الصُّورةِ الَّتي يُريدُ اللهُ أن تكونَ عليها الأُمومة إذْ إنَّهُ يُريدُ لها أن تكونَ أعلى دَعوة للمرأة. فيجب على النِّساءِ التَّقيَّاتِ (كما يَقولُ بولسُ لتيطُس) أنْ "يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ، مُتَعَقِّلاَتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ". والأرملةُ الَّتي ينبغي أنْ تُضَمَّ إلى لائحةِ الخادِماتِ في الكنيسة هي (بحسبِ ما جاءَ في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 10) امرأة مَشهودُ لها بتربيةِ الأولادِ وتَنشئةِ جيلٍ تَقِيٍّ. فهذا هو مِعيارُ اللهِ طَوالَ الوقت. وهذه هي خُطَّتُهُ للنِّساء. وقدِ ابتدأَ الأمرُ بِسارَة الَّتي كانت هِبَة مِنَ اللهِ لإبراهيم. وسارة هي نَموذجُ الإيمان. وسارة هي نَموذجُ الطَّاعة. وسارة، الَّتي وُهِبَتْ وَلَدًا في وقتٍ مُتأخِّرٍ جدًّا مِن حياتِها عاشَتْ حياةَ إيمانٍ وقَداسةٍ تُظْهِرُ كيفَ ينبغي أن يكونَ الزَّواجُ وكيفَ ينبغي أن تكونَ الأُمومة. وهُناكَ نَموذَجُ رَاحيل الَّتي كانت آخِرُ كلماتٍ نَطَقَتْ بها قبلَ مَوتِها هي عندما وَلَدَتْ واحدًا مِن أولادِها الَّذي أَسْمَتْهُ "بَنْ أُونِي" ومَعناهُ "ابْنُ حُزْني". وهُناكَ "يُوكَابَد" أُمُّ مُوسَى، ومَريَم الَّتي حارَبَتْ مِن أجلِ حياةِ ذلكَ الطِّفلِ الجَميلِ الَّذي أعطاهُ اللهُ نِعمةً. وهُناكَ دَبُورَة الَّتي دَعاها اللهُ "أُمًّا في إسرائيل". وهُناكَ راعوثُ الأُمميَّةُ صَاحِبَةُ الرُّوحِ الحُلوةِ الَّتي أَحَبَّتْ وَضَحَّتْ، وتَبارَكَتْ بأنْ جُعِلَتْ أُمَّ عُوبيد الَّذي وَلَدَ يَسَّى الَّذي وَلَدَ دَاوُد الَّذي مِنْ نَسْلِهِ جاءَ المَسِيَّا. وهُناكَ أَليصابات، تلكَ الأُمُّ الحُلوة المُمتلئة نِعمةً لأعظمِ نَبيٍّ عاشَ يومًا (يوحنَّا المَعمدان). وهُناكَ، بِلا شَكٍّ، مَريم، أُمُّ رَبِّنا.

ولكِنْ عندما يَتَحَدَّثُ الكتابُ المقدَّسُ بالتَّفصيلِ عنِ الكَرامةِ المَنسوبةِ إلى الأُمِّ، لا نَجِدُ تَفصيلاً أكبر مِن ذاكَ المُعطَى لِحَنَّة. ونحنُ نَلتقيها في سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح الأوَّل. وَالاسمُ "حَنَّة" يُشيرُ إلى جَمالِها. فهو يَعني: "نِعمة". والحقيقةُ هي أنَّها كانت رَمْزَ النِّعمةِ المُسْبَغَةِ على النِّساء. وقد صارَتْ أُمًّا بالإيمان. وأوَّلُ ذِكْرٍ لها في بدايةِ سِفْر صموئيل الأوَّل إذْ نَراها امرأةً عاقِرًا. ثُمَّ إنَّها صارت أُمًّا، أُمَّ واحدٍ مِن أعظمِ الرِّجالِ الذين مَشَوْا على الأرضِ وَهُوَ: صَموئيل. وإذْ تَقرأونَ قِصَّةَ وِلادةِ صموئيل، تُلاحظونَ وَصْفَ هذه المرأة الفاضِلَة.

في بِدايةِ السِّفْرِ، نَقرأُ عن فَترةِ القُضاة. فلم يَكُن هناكَ مَلِكٌ في إسرائيل حَتَّى ذلكَ الوقت. وقد كانَ ذلكَ الوقتُ عَصيبًا. وكانَ وَقتَ اضطِرابٍ عظيم. وَهُوَ وَقتٌ كانَ فيهِ بنو إسرائيلَ ضُعفاءَ أمامَ الفِلِسطينيِّين. وَهُوَ وقتٌ كانوا فيهِ فاسِدينَ أخلاقيًّا. وَهُوَ وقتٌ عانُوا فيهِ بُرودًا رُوحيًّا. وَقد كانَ الوقتُ مُلائمًا لظُهورِ رَجُلٍ عظيمٍ لتولِّي قِيادةِ الأُمَّة. فهي فترةُ انْحِطاطٍ دينيٍّ واضطرابٍ سِياسيٍّ. فبموتِ شَمشون، انقسمتِ البلدُ وصارت بلا قائد. وكانَ الفِلِسطينيُّون يُهاجِموهُم مِنَ الأطراف. وكانَ الكَهَنَةُ فاسِدين. وكانتِ الفضائحُ الأخلاقيَّة مُنتشرة بكثرة في وَسْطِ عائلةِ الكَهنة. وكانتِ الأُمَّة ضَعيفة. وكانتِ الأُمَّة عاجِزَة. وأسوأُ الكُلِّ هو ما جاءَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الأوَّلِ إذْ نَقرأ: "وَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَزِيزَةً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. لَمْ تَكُنْ رُؤْيَا كَثِيرًا". وَحَتَّى إنَّ اللهَ لم يَكُن يَجِدُ ما يَقولُهُ لَهُم. وكانتِ الأُمَّة بحاجة إلى قائدٍ عظيم، ورَجُلٍ عظيم. وكانَ اللهُ بحاجة إلى امرأة عظيمة تُرَبِّي ذلكَ الرَّجُلَ العَظيمَ. وصَموئيلُ، الَّذي هُوَ واحدٌ مِن أعظمِ الرِّجالِ الَّذينَ مَشَوْا يومًا على هذه الأرضِ، لم يَصِرْ هكذا بسببِ عَمَلِ اللهِ فقط، بل أيضًا بسببِ أُمِّهِ الفاضِلَة. وقد قَدَّمَتْ لأُمَّتِها والعالَمِ أفضلَ ميراثٍ يُمكِنُ لأيِّ امرأةٍ أن تُقَدِّمَهُ: وَلَدًا تَقِيًّا.

والعَدَدُ الأوَّلُ يَبتدئُ كالتَّالي: "كَانَ رَجُلٌ مِنْ رَامَتَايِمَ صُوفِيمَ مِنْ جَبَلِ أَفْرَايِمَ [أيْ في المِنطقةِ المُحيطةِ بجبلِ أفرايِم] اسْمُهُ أَلْقَانَةُ بْنُ يَرُوحَامَ بْنِ أَلِيهُوَ بْنِ تُوحُوَ بْنِ صُوفٍ. هُوَ أَفْرَايِمِيٌّ. وَلَهُ امْرَأَتَانِ، اسْمُ الْوَاحِدَةِ حَنَّةُ، وَاسْمُ الأُخْرَى فَنِنَّةُ. وَكَانَ لِفَنِنَّةَ أَوْلاَدٌ، وَأَمَّا حَنَّةُ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَوْلاَدٌ". فقد كانَ مُتزوِّجًا مِن امرأتَيْن: "فَنِنَّة" وَ "حَنَّة". وبالمُناسبة، إنَّ الاسمَ "حَنَّة" يَعني: "نِعمَة". وقد كانَ اسمًا شائعًا في الشَّرق. وإذْ نَبتدئُ بهذه القصَّة، أريدُ أن تُلاحِظوا ثلاثةَ أشياء تُمَيِّزُ الأُمَّ الفاضِلة. فهي تتمتَّعُ بعلاقةٍ سَليمةٍ بِزوجِها، وتَتمتَّعُ بعلاقةٍ سليمةٍ باللهِ، وتَتمتَّعُ بعلاقةٍ سليمةٍ ببيتِها. فهذه الأشياءُ الثَّلاثة بارِزَة وتَصِفُها لَنا.

أوَّلا، لِننظُر إلى علاقَتِها السَّليمةِ بزوجِها. وأودُّ أن أقولَ في البدايةِ إنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن تَفهموا هذه النُّقطة. فأهمُّ عَلاقة في العائلة وفي تَربيةِ أولادٍ أتقياء هي ليسَتِ العلاقة بينَ الأبَوَيْنِ والأولاد، بل هي العلاقةُ بينَ الأُمِّ والأب. فما تَعْكِساهُ لأولادِكُما مِن خلالِ علاقَتِكُم هو ما سَيَلتَصِقُ بأذهانِهم. فَهُم يتعلَّمونَ عنِ العلاقاتِ البشريَّةِ مِنْ كِليكما. فَهُم يَتعلَّمونَ عنِ الفضيلةِ، ويَتعلَّمونَ عنِ الخطيَّة، ويَتعلَّمونَ عنِ المحبَّة، ويتعلَّمونَ عنِ الغُفران، ويتعلَّمونَ عنِ الإشفاقِ، ويتعلَّمونَ عنِ التَّفَهُّم، ويتعلَّمونَ عنِ التَّعاطُفِ، ويتعلَّمونَ عنِ الفضيلة، ويَتعلَّمونَ عنِ الصِّدقِ والنَّزاهة. فَهُم يُراقبونَ. والأهَمُّ مِن عَلاقَتِكِ بأولادِكِ على المَدى الطَّويل هو علاقَتُكِ بزوجِكِ لأنَّها ظَاهِرَة أمامَهُم. لِذا فإنَّ كَلمةَ اللهِ حَريصة مُنذُ البداية على إخبارِنا عنِ العلاقةِ بينَ حَنَّة وأَلقانَة.

والآن، اسمَحوا لي في البداية أن أقولَ إنَّها لم تَكُن علاقة كاملة. لِذا، أيَّتُها النِّساءُ، يجب عليكُنَّ أنْ تَعْلَمْنَ في البداية أنَّكُنَّ لم تَتَزَوَّجْنَ مِن رِجالٍ كامِلين. فهذا أمرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ. وأنا أريدُ مِنكُم أن تَفهموا ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فقد كانت حَنَّة مُتزَوِّجَة مِن رَجُلٍ مُتزوِّجٍ مِن امرأةٍ أخرى. والآن، لا أدري كيفَ تَنْظُرينَ إلى ذلكَ بِصِفَتِكِ امرأةً، ولكِنْ يُمكنُني أن أُخَمِّن. ويُمكنُني أيضًا أن أقولَ لكم إنَّ ذلكَ الأمرَ لم يَكُن مَقبولاً لدى حَنَّة أفضلَ مِمَّا هو مَقبولٌ لَديكُنَّ؛ أيْ أن يكونَ لديكِ مُنافِسَةٌ في البيتِ، وأن تكونَ هناكَ زَوجة أخرى في البيت. والأسوأُ مِن ذلك هو أنَّها كانت تُنْجِبُ بَنينَ وبَنات، في حينِ أنَّ حَنَّة لم تَكُن تُنْجِب. لِذا فقد كانتِ حَنَّة هي الزَّوجة العاقِر الَّتي لا تُنْجِب والتي لا تَستطيعُ أن تُعطي زوجها أكثرَ ما تَتَمَنَّى مِن قَلبِها أن تُعطيه.

وهو لم يَكُن زوجًا كامِلاً. وحَقيقةُ أنَّهُ كانَ مُتزوِّجًا مِن امرأتينِ تُشيرُ إلى أنَّهُ لم يَكُن كامِلاً. ولكِن يجب عليكم أن تَفهموا ما يَلي: لقد حَدَثَ ذلكَ في زَمَنِ العهدِ القديم. وقد كانَ تَعَدُّدُ الزَّوجاتِ جُزءًا مِنَ الثَّقافة البشريَّة؛ ولكنَّهُ لم يَكُن البَتَّة خُطَّةَ اللهِ. البَتَّة. فمشيئةُ اللهِ دائمًا هي أن يكونَ هناكَ رَجُلٌ واحدٌ وامرأةٌ واحدة فقط، وأنْ يَترُكا أبَوَيْهِما ويَلتصِقا أحدُهُما بالآخر مَدى الحياة فيَصيرُ الاثنانِ جسدًا واحدًا. وهذا يَسري مِنْ سِفْرِ التَّكوين فصاعِدًا. ولكِنَّ المُجتمعَ البشريَّ كانَ مُصَابًا بِداءِ تَعَدُّدِ الزَّوجات. وعندما وَصَلَ الحَقُّ الإلهيُّ إلى المُجتمعِ البشريِّ، كانَ ذلكَ الأمرُ مُتَفَشِّيًا جدًّا (أيْ تَعَدُّدُ الزَّوجاتِ) حَتَّى إنَّ الأمرَ تَطَلَّبَ وقتًا طويلاً لاستئصالِه. وهذا يُشبِهُ أنْ يَذهبَ مُرْسَلٌ اليومَ إلى بَلَدٍ أجنبيٍّ، وأن يُقَدِّمَ الإنجيلَ إلى النَّاسِ، وأن يَجِدَ أنَّ هؤلاءِ النَّاسَ يَأتونَ إلى المسيحِ ولكنَّهُم مُنغمسونَ في كُلِّ أشكالِ تَعَدُّدِ الزَّوجاتِ حَتَّى إنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ أجيالاً عديدةً لاستئصالِ ذلكَ الأمر. لِذا، لقد كانت هذه هي حالُ العالَمِ القديم.

لِذا، فقد وَضَعَ ألقانَة زوجَتَهُ حَنَّة في موقفٍ صَعبٍ جدًّا. ونحنُ لا نَعلَمُ التَّفاصيل، ولكِن مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ تَزَوَّجَ فَنِنَّة لأنَّ حَنَّة كانت عاقِرًا كي يُنْجِبَ منها نَسلاً يَرِثُهُ. لِذا، فقد كانَ ذلكَ الأمرُ يَزيدُ حِدَّةَ الألم لأنَّ فَنِنَّة نَجَحَتْ في ذلكَ الاتِّحادِ الزَّوجيِّ بالقيامِ بما أَخفَقَتْ فيهِ حَنَّة. فهي لم تَكُن علاقة كامِلة، ولكِن بالرَّغمِ مِن ذلك فقد كانت علاقة جَيِّدة، وعلاقة سَليمة. واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم السَّبب.

أوَّلاً، لقد كانا يَشترِكانِ معًا في العِبادة إذْ نَقرأ: "وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ..." أيْ: أَلقانَة، في العددِ الثَّالِث "...يَصْعَدُ مِنْ مَدِينَتِهِ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ لِيَسْجُدَ وَيَذْبَحَ لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي شِيلُوهَ". وهذا لا يَعني أنَّهُ كانَ يَذهبُ إلى هُناكَ مَرَّة في السَّنة، بل أنَّهُ كانَ يَذهبُ دائمًا. وفي سِفْر التَّثنية 16: 16، نَقرأُ شَرْحًا لذلك الأمر: "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَة". أجل، في عِيدِ الْفَطِيرِ، وَعِيدِ الأَسَابِيعِ، وَعِيدِ الْمَظَالِّ. فقد كانَ ينبغي للذُّكورِ أن يَذهبوا لمكانِ العِبادة. وفي هذه المَرَّة تحديدًا (بحسب ما جاءَ في سِفْر صموئيل الأوَّل)، كانَ مَكانُ العِبادة في شِيلوه لأنَّ تابوتَ العهدِ كانَ هُناكَ قبلَ أنْ يَتِمَّ نَقلُهُ إلى أورُشليم. لِذا، في تلكَ المَرَّاتِ الثَّلاثِ على الأقَلّ في السَّنة، كانَ ينبغي لجميعِ الذُّكورِ أن يَذهبوا ويَفعلوا ذلك. وقد كانَ هُوَ يَفعلُ ذلك. فقد كانَ رَجُلاً عابِدًا. فقد كانَ يَذهبُ ويُقَدِّمُ ذبائِحَهُ للرَّبِّ.

ونَقرأُ في العددِ الثَّالثِ أنَّ عَالي كانَ رئيسًا للكَهَنة وأنَّ ابنيهِ "حُفْنِي" وَ "فِينَحَاسُ" كانا كَاهِنَيْنِ للرَّبِّ. وَهُما رَجُلانِ شِرِّيرانِ على النَّقيضِ مِن أَلقانَة. فقد كانَ أَلقانَة رَجُلاً تَقِيًّا وعابِدًا حقيقيًّا. أمَّا ابنا الكاهِنِ (أو بالأحرى: ابْنا رَئيسِ الكَهنة) فكانا رَجُلَيْنِ شِرِّيرَيْن وفَاسِدَيْن كما سَنرى. ولكنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ رَجُلاً عابِدًا. بِعبارة أخرى، لقد كانَ زَوْجُ حَنَّة مُؤمِنًا. وكانَ زَوجُها مُكَرَّسًا. وكانَ زوجُها مُتَعَبِّدًا. ولكنَّهُ لم يَكُن كامِلاً. فقد كانَ مُتزوِّجًا مِن امرأتَيْن. وكانَ ذلكَ الأمرُ مُخالفًا لشريعةِ اللهِ. وفي أيِّ وقتٍ تُخالَفُ فيهِ تلكَ الشَّريعة، تكونُ هناكَ عَواقِب سَلبيَّة جدًّا. وهي تُحْدِثُ دائمًا ألمًا شديدًا ومُعاناةً شديدة. وقد كانت هذه هي الحالة في تلكَ العائلة. فيجب أن تَعلموا ذلك. وقد زادت فَنِنَّة الأمرَ سُوءًا بأنْ أنجَبَتْ أولادًا في حين أنَّ حَنَّة لم تُنجِب أولادًا. ولكِن بالرَّغمِ مِن ذلكَ كُلِّه، كانَ أَلقانَة رَجُلاً يؤمِنُ باللهِ، ورَجُلاً يَعبُدُ الله. وببساطة، لقد كانَت مُتزوِّجة مِن زَوجٍ مُؤمِن. وهذا هو أوَّلُ مَطْلَبٍ لتَنشئةِ أولادٍ صَالِحين.

وأنا أُشَجِّعُكُنَّ، كما أفعلُ دائمًا، أيَّتُها الشَّابَّاتُ، أنْ تَتَزَوَّجْنَ مِن رَجُلٍ يُحِبُّ الرَّبَّ يسوعَ المسيح لأنَّكِ بحاجة إلى تلكَ القيادة الروحيَّة. وقد فَعلت حَنَّة ذلك. وبالرَّغمِ مِن صُعوبةِ تلكَ العلاقةِ في بيتِ فيهِ أكثر مِن زوجة، كانَ لديها زَوجٌ صَالِحٌ يَمتَلِكُ صِفاتِ القائدِ الرُّوحيِّ. وعلى النَّقيضِ مِن حُفْنِي وَفِينَحَاسُ، اللَّذانِ بالرَّغمِ مِنْ كُوْنِهِما كاهِنَيْنِ وابنَيْ رَئيسِ الكَهنة، فإنَّهُما كانا جَسَدِيَّيْنِ وفاسِدَيْنِ بصورةٍ لا مَثيلَ لها.

إذًا، نَجِدُ هُنا الجانبَ الأوَّلَ للعلاقة السَّليمة بينَ الزَّوجِ والزَّوجة: فقد كانا يَعبُدانِ اللهَ مَعًا. فقد كانا يَعبُدانِ اللهَ معًا. وهذه نُقطة رئيسيَّة...رَئيسيَّة. فعِبادَتُكما مُهمَّة في تَعليمِ القداسةِ لأولادِكُما. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في التَّوراةِ، أيْ في الأسفارِ الخمسةِ الأولى، أنَّهُ عندما أَعطى اللهُ شَريعَتَهُ لِشَعبِهِ في الأصحاحِ السَّابعِ مِن سِفْر التَّثنية، قالَ لَهُم: "مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا..." [أيْ أرْضَ كَنعان] "...وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ..." [وَهُوَ يَذْكُرُ أسماءَ تلكَ الشُّعوب] "...وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ". ثُمَّ استَمِعوا إلى هذا في العددِ الثَّالث: "وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بْنَتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأْخُذْ لابْنِكَ. لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى". ابتعدوا عنِ الزَّواجِ مِن غيرِ مُؤمِنين.

وفي الأصحاحِ الأخيرِ مِن سِفْر يَشوع، ابتداءً مِنَ العدد 11، نَجِدُ نَفسَ التَّعليمات: "فَاحْتَفِظُوا جِدًّا لأَنْفُسِكُمْ أَنْ تُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ. وَلكِنْ إِذَا رَجَعْتُمْ وَلَصِقْتُمْ بِبَقِيَّةِ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ، أُولئِكَ الْبَاقِينَ مَعَكُمْ، وَصَاهَرْتُمُوهُمْ وَدَخَلْتُمْ إِلَيْهِمْ وَهُمْ إِلَيْكُمْ، فَاعْلَمُوا يَقِينًا أَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ لاَ يَعُودُ يَطْرُدُ أُولئِكَ الشُّعُوبَ مِنْ أَمَامِكُمْ، فَيَكُونُوا لَكُمْ فَخًّا وَشَرَكًا وَسَوْطًا عَلَى جَوَانِبِكُمْ، وَشَوْكًا فِي أَعْيُنِكُمْ، حَتَّى تَبِيدُوا عَنْ تِلْكَ الأَرْضِ الصَّالِحَةِ الَّتِي أَعْطَاكُمْ إِيَّاهَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ". فإنْ رَجَعْتُم إلى مُصاهَرَتِهم، ستَخسرونَ كُلَّ شيء. لا تَفعلوا ذلك. وهذه الوصايا تَتَكرَّرُ في وقتٍ لاحقٍ مِن تاريخِ بني إسرائيلَ عندما تَحَرَّروا مِنَ السَّبْيِ وعادوا لإعادةِ البِناءِ، وتَحديدًا في سِفْر عَزْرا 9: 10-15. وحينَ تأتونَ إلى العهدِ الجديد، في رسالة كورِنثوس الأولى، يَقولُ بولس في الأصحاحِ السَّابع: "فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي الرَّبِّ فَقَطْ". وفي رسالة كورِنثوس الثانية 6: 14: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟" وكيفَ يُمكنُ للأبَوَيْنِ [بِحَسَب ما جاءَ في رسالة أفسُس 6: 4] أن يُرَبِّيا أولادَهُما بتأديبِ الرَّبِّ وإنذارِه إن كانَ أحَدُهُما غيرَ مُؤمِن؟ والآن، نحنُ نُبارِكُ اللهَ لأنَّهُ يَستطيعُ بنِعمَتِه أن يُلغي حَقيقةَ أنَّكِ مُتزوِّجة مِن زوجٍ غير مُؤمِن. فرُبَّما لم تَكوني عندَ زواجِكِ مُؤمِنَة أنتِ أيضًا، وأنَّكِ آمنتِ بالمسيحِ في حين أنَّ زوجَكِ لم يُؤمِن. ورُبَّما تَزَّوْجِت مِنْ رَجُلٍ غيرِ مُؤمِن معَ أنَّكِ مُؤمِنَة، ومعَ أنَّكِ كُنتِ تَعلمينَ أنَّكِ تَفعلينَ ذلك. ولكِنَّ اللهَ بنِعمَتِهِ يَستطيعُ أن يُبْطِلَ كُلَّ هذه الأحوال. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ قَصْدَهُ هو أنْ يَتزوَّجَ المُؤمِنُ مُؤمِنَةً لأجلِ خَيْرِ الجيلِ القادِم.

إذًا، النُّقطةُ الأولى هي أنَّهُما كانا يَشتركانِ في العِبادة. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. فالطَّريقةُ الَّتي تَعبُدانِ اللهَ فيها تَعْكِسُ كَمًّا هائلاً مِنَ المعلوماتِ لأولادِكُما. فهل أنتُما أمينان؟ هل أنتُما أمينانِ في مَجيئِكُما والتقائِكُما شعبَ اللهِ المَفديِّ أسبوعًا تِلوَ الآخر؟ وهل أنتُما أمينانِ في جَعْلِ كلمةِ اللهِ صاحِبَةَ الأولويَّة الأولى في حياتِكُما؟ وهل أنتُما أمينانِ في إعطاءِ الصَّلاةِ أولويَّة قُصوى في حياتِكُما الروحيَّة؟ وهل أنتُما أمينانِ في عَيشِ المُعتقداتِ الَّتي تَقولانِ إنَّكُما تَعتَنِقانِها؟ بعبارة أخرى، فإنَّ مَوقِفَ تَكريسِكُما الروحيِّ سَيَعكِسُ المسيحيَّةَ لأولادِكُما بطريقةٍ مِنَ الصَّعبِ عليهم أن يَتقَبَّلوها إنْ كانت في الحقيقةِ أقَلَّ مِمَّا ينبغي أن تَكونَ عليه.

ثانيًا، لم يَكُنِ الأمرُ يَقتصِرُ على أنَّهُما كانا يَتمتَّعانِ بعلاقة سليمة في زواجِهِما بسببِ عِبادَتِهما مَعًا، بل ثانيًا، لقد كانتْ هُناكَ مَحبَّة مُتبادَلة بينَهُما. لاحِظوا العدد 4: "وَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ وَذَبَحَ أَلْقَانَةُ..." [وهذه إشارة إلى أحدِ تلكَ الأوقاتِ الَّتي كانَ أَلقانَة يَذهبُ فيها إلى شِيلوه] "...أَعْطَى فَنِنَّةَ امْرَأَتَهُ وَجَمِيعَ بَنِيهَا وَبَنَاتِهَا أَنْصِبَةً. وَأَمَّا حَنَّةُ فَأَعْطَاهَا نَصِيبَ اثْنَيْنِ، لأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ حَنَّةَ". تَوَقَّفوا عندَ تلكَ النُّقطة. فهو لم يَكُن يُحِبُّ فَنِنَّة. فهذا هو المَعنى الضِّمنيّ. فقد تَزَوَّجَ مِنْ فَنِنَّة كي تُنْجِبَ الأولادَ الَّذينَ لم تتمكَّن حَنَّة مِن إنجابِهم. وكانت فَنِنَّة موجودة كي تُوْجِدَ مُستقبَلاً لعائلتِه، وميراثًا لَهُ. ولكِنَّ حَنَّة كانت المرأةَ الَّتي أحَبَّها. وَهُوَ لم يُحاول أنْ يُخفي ذلك. وعندما كانوا يَذَهبونَ لتقديمِ ذبائِحِهم، ولا أدري إنْ كُنتُم تَعلمونَ كيفَ كانوا يَفعلونَ ذلك، ولكنَّهُم كانوا يَذهبونَ لتقديمِ ذبائحِ السَّلامة، وكانوا يُقَدِّمونَ الذَّبائحَ على المَذبحِ هُناك. وكانَ الكاهِنُ يأخُذُ نَصيبًا صَغيرًا، ولكِنَّ القِسْمَ الأكبرَ مِنَ الذَّبائحِ كانَ يَرجِعُ إلى العائلةِ فيُقيمونَ وَليمةً. وبعدَ انتهاءِ العيد، كانَ أَلقانَة يُعطي نَصيبًا مُضاعَفًا لحَنَّة لأنَّها كانتِ الزَّوجةُ الَّتي يُحِبُّها. وكانت هذه إيماءَه في الشَّرقِ لإكرامِ الضَّيف. فقد كانتِ المرأةُ الَّتي أَحَبَّها مِن قَلبِه. وهي ليست مَحبَّةً عاطفيَّةً فقط، بل كانت مَحَبَّةً رَقيقة، ومَحَبَّةً مُرْهَفَةَ الحِسِّ، ومَحَبَّةً مُضَحِّيَةً، ومَحَبَّةً مُفْعَمَةً بالتَّقدير. فقد أحَبَّها. وقد كانت هذه المحبَّة هي الَّتي تَمْنَحُها الشُّعورُ بالطُّمأنينة.

أيُّها الرِّجالُ، إن لم تَكونوا تَعرفونَ ذلكَ حَتَّى الآن، يجب أن تَعلموه: إنَّ شُعورَ المرأةِ بالأمان يَكْمُنُ في مَحَبَّتِكَ لها، لا في حِسابِكَ المَصرِفِيِّ، ولا في البيتِ الفاخِر، ولا في الأثاثِ الجديد، ولا في خُطَّةِ التَّقاعُد. فالمرأةُ تَشعُرُ بالأمان في مَحبَّتِكَ. ويجب أن يَظهَرَ ذلكَ باستمرار كي لا يَكونَ هُناكَ أيُّ شَكٍّ في ذلك. فالنَّاسُ يَتساءلونَ غالبًا لماذا تَميلُ النِّساءُ إلى الشَّكِّ في أزواجِهِنَّ، وفي التَّساؤُلِ عَمَّا إذا كانَ يَميلُ إلى نِساءٍ أُخريات أو يَعْبَثُ معَ امرأةٍ أخرى. والسَّببُ هو أنَّ ذلكَ الأمرَ مُتأصِّل عميقًا في المرأة لأنَّ شُعورَها بالأمان يَكْمُنُ في مَحبَّةِ زوجِها لها. وقد كانَ الأمرُ كذلكَ في حالةِ أَلقانَة وحَنَّة. وقد كانت تَشعُرُ بالأمانِ في مَحَبَّتِهِ لها لأنَّهُ كانَ يُخَصِّصُ وقتًا لإظهارِ مَحبَّتِهِ لها بطُرُقٍ واضحة تمامًا مِثلما كانَ يَفَعَلُ في ذلكَ العيد على مَرأى مِنَ الجميع. فقد كانت توجدُ بينَهُما محبَّة مُتبادَلة. لِذا فقد كانت تَشعُرُ بالأمانِ في تلكَ المحبَّة. وقد كانت بحاجة إلى ذلك...صَدِّقوني...لا سِيَّما بوجودِ زَوجةٍ أخرى. ولا شَكَّ في أنَّكُنَّ لن تَكُنَّ راضِياتٍ عن ذلكَ ولو قليلاً. ولا هي أيضًا. لِذا فقد كانت بحاجة إلى الشُّعورِ بالأمانِ مِن خلالِ مَحبَّتِهِ لها.

وأليسَ مِنَ المُدهشِ كيفَ أنَّ اللهَ يَعمَلُ بعنايَتِهِ الإلهيَّة على مُوازَنَةِ الأمور؟ فحَنَّة كانت تَتمتَّعُ بمحبَّة ألقانَة لها. وفَنِنَّة الَّتي لم تَكُن تتمتَّعُ بمحبَّتِه كانت قد أنْجَبَتْ أولادًا سَمَحَ لها اللهُ أنْ تُنْجِبَهُم كي تَشعُرَ بمحبَّتِهم لها. فاللهُ كانَ مُنْعِمًا عليهم جميعًا. فقد تَشاركوا المحبَّة. ومِنَ المُهِمِّ جدًّا أن تَتمتَّعي بِصِفَتِكِ أُمًّا تَقيَّةً بمَحَبَّةِ زوجِكِ لكي يكونَ هُناكَ شُعورٌ بالأمان، ولكي يكونَ هُناكَ دِفْءٌ، وثِقَة، وسَكينَة، ولكي يَزولَ القَلَقُ والشُّعورُ بالإحباط، ولكي تَتمكَّنَ المرأةُ مِن تكريسِ نَفسِها لأولادِها مِن دونِ أن تَشعُر أنَّهُ ينبغي لها أن تكونَ مَلِكَةَ جَمالٍ كي تَفوزَ بقلبِ زَوجِها. فحينَ يَغْمُرُ الزَّوجُ تلكَ الزَّوجة بمحبَّتِهِ ويَمْنَحُها الشُّعورَ بالأمان، يُمكِنُها حينئذٍ أن تُكَرِّسَ نَفسَها لأولادِها مِن دونِ أن تَشعُرَ بأنَّها مُضطرَّة دائمًا لِبَذلِ جُهْدٍ كبيرٍ جدًّا لاجتذابِ زوجِها.

ثالثًا، لقد كانا يَتَقاسَمانِ شيئًا آخر. فقد كانا يَتقاسَمانِ المَشاعِر. فقد كانا يَشتركانِ في العِبادة، أيْ في علاقَتِهما باللهِ. وقد كانا يَشتركانِ في المحبَّة. وقد كانا يَشتركانِ في المشاعر. انظروا إلى العدد السَّادس: "وَكَانَتْ ضَرَّتُهَا [أيْ: "فَنِنَّة"] تُغِيظُهَا أَيْضًا غَيْظًا لأَجْلِ الْمُرَاغَمَةِ، لأَنَّ الرَّبَّ أَغْلَقَ رَحِمَهَا". ونَقرأُ ذلكَ أيضًا في نهايةِ العددِ الخامِس. فنحنُ نَقرأُ مَرَّتَيْن أنَّ الرَّبَّ أَغْلَقَ رَحِمَها. وما يُحاولُ أن يَقولَهُ هُنا هو أنَّ المُشكلةَ لم تَكُنْ تَكْمُنُ في حَنَّة، بل إنَّ الرَّبَّ هو الَّذي فَعَلَ ذلك. فالرَّبُّ أَغلَقَ رَحِمَها. وكانت فَنِنَّة تُغيظُها. وأنتُم تَعلمونَ هذه الأمور: "مِنَ السَّيِّئ جدًّا أنَّكِ لا تَستطيعينَ أنْ تُنجِبي أيَّ أولاد يا حَنَّة". فقد كانت تَطْعَنُها بالسِّكِّينِ وَحَسْب. "وَهكَذَا صَارَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، كُلَّمَا صَعِدَتْ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ، هكَذَا كَانَتْ تُغِيظُهَا. فَبَكَتْ وَلَمْ تَأكُلْ".

فها هي تَذهب إلى العيدِ الكبير. وكانَ أَلقانَة يَتعاطَفُ مَعَها لأنَّهُ يُحِبُّها. وكانَ يُعطيها نَصيبًا مُضاعَفًا. ولكنَّها لم تَكُن تأكُلُ شيئًا لأنَّهُ كانت هُناكَ، مِنْ جِهَةٍ أخرى، فَنِنَّة الَّتي كانت تُغيظُها حَقًّا لأنَّها لم تُنْجِب أولادًا. ولا شَكَّ أنِّي لا أُريدُ أن أكونَ في موقِف أَلقانَة وأنْ أُحاوِلَ أنْ أُصْلِحَ بينَ هاتينِ المرأتَيْن. "فَقَالَ لَهَا أَلْقَانَةُ رَجُلُهَا: يَا حَنَّةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ وَلِمَاذَا لاَ تَأْكُلِينَ؟ وَلِمَاذَا يَكْتَئِبُ قَلْبُكِ؟ أَمَا أَنَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ عَشَرَةِ بَنِينَ؟" فقد كانا يَتَقاسَمانِ المَشاعِر. فقد قَرَأَ مَشاعِرَها ولم يُكَلِّمَها بقسوة، بل طَرَحَ عليها سُؤالاً: لماذا تَفعلينَ هذا يا حَنَّة؟ أَمَا أَنَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ عَشَرَةِ بَنِينَ؟ ويا لَهُ مِنْ قَلبٍ مُتعاطِف! وأنا أَعلمُ أنَّ بعضَ النِّساءِ هُنا يَكْتُبْنَ هذه النِّقاط كي يُذَكِّرْنَ أزواجَهُنَّ بذلك. وأنا أَتَفَهَّمُ ذلك. فقد نكونُ أحيانًا عَديمي الحِسِّ...عَديمي الحِسِّ. وقد نُسارِعُ إلى تَقديمِ الإجاباتِ الفوريَّة على كُلِّ شيءٍ مِن دونِ أن نَسمَعَ القلب. ولكِنَّ أَلْقانَة لم يَفعل ذلك...بارَكَهُ اللهُ. فقد كانَ يَعلَمُ عنِ الصِّراع. وكانَ يَعلَمُ أنَّ الصِّراعَ يَحْتَدِمُ مِنْ جِهَةِ فَنِنَّة. وكانَ يَعلمُ أنَّ الصِّراعَ يَتعمَّقُ ويَصيرُ مُؤلِمًا، وأنَّ ذلكَ يَضَعُها في موقِفٍ صَعبٍ جدًّا. لِذا فقد كانَ رَقيقًا، ومُتعاطِفًا، ومُراعِيًا لمشاعِرِها. وكانَ يَشعُرُ بمشاعِرِها القلبيَّة.

ولماذا كانت هذه المرأة فاضِلَة؟ سوفَ أُجيبُكم: لأنَّ التُّربةَ كانت صَالحة لإنتاجِ أُمٍّ فاضِلَة. فقد كانت تَتمتَّعُ بعلاقةٍ سليمةٍ بزوجِها. وقد كانا يَشتركانِ في العِبادة؛ وهذا هو أعمقُ بُعْدٍ في الحياةِ البشريَّة. وقد كانا يَتشاركانِ الحُبَّ. ورُبَّما كانَ هذا هو ثاني أعمَق بُعْدٍ في الحياةِ البشريَّة. وقد كانا يَتشاركانِ المَشاعِر. ورُبَّما كانَ هذا هو ثالثُ أعمق بُعدٍ في الحياةِ البشريَّة. فقد كانا يَتمتَّعانِ بعلاقةٍ عميقة. وكانا يَتحرَّكانِ مَعًا في حَضرةِ اللهِ، أحَدُهُما معَ الآخر، ويَشتركانِ معًا في تَخَطِّي مَشاكِلِ الحياةِ النَّاجمةِ عن أشخاصٍ آخرين.

ثانيًا، إذْ تُدَقِّقونَ في صِفاتِ الأُمِّ التَّقيَّة سَتَرَوْنَ أنَّها كانت تَتمتَّع بعلاقة سليمة بالله. فالأمرُ لم يَكُن يَقتصِر فقط على أنَّهُ كانت توجد أمور سليمة بينها وبينَ زوجِها. وبالمُناسَبة، لا توجد أيُّ جُملة تُشيرُ إلى وجودِ أيِّ خِلافٍ على الإطلاق في اتِّحادِهما. فلا وُجودَ لأيِّ شيءٍ يُشيرُ إلى وُجودِ نِزاع. والأُمُّ الفاضِلَةُ تَنمو أفضلَ نُمُوٍّ في تُربةِ زَوجٍ صَالِحٍ ومُحِبٍّ ودَاعِمٍ ومُتعاطِف. ولكنَّها كانت تَتمتَّعُ أيضًا بعلاقة سليمة بالله. فقد كانت تَعلمُ أينَ تَلتجئُ في مُشكلَتِها إذْ كانت تَلتجئُ مُباشَرةً إلى الرَّبِّ. وهُناكَ فضائل عديدة تَنْجُمُ عن هذا الجانِب. أوَّلاً، لقد كانَتْ شَغوفة إلى أفضلِ شَيءٍ لدى الله. ويُمكِنُنا أن نَستخدِمَ الكلمة "شَغوفَة". فقد كانت شَغوفة إلى أفضلٍ شيءٍ لدى الله. وما الَّذي نَعينهِ بذلك؟ لقد أرادتْ وَلَدًا. فقد كانت في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى وَلَد. فقد كانت بحاجة إلى وَلَد حَتَّى إنَّها كانت تَبكي وتَصوم. فقد كانَ قَلبُها يَتَقَطَّع بسببِ حقيقةِ أنَّها لا تَستطيعُ الإنجاب، ولكنَّها لم تَكُن صاحِبَةَ دوافِع أنانيَّة. فهي لم تُرد طِفلاً كي تُحَقِّقَ طُموحاتِها الَّتي لم تتحقَّق. وهي لم تُرد طِفلاً كي تُلْبِسَهُ مِثلَ اللُّورد الصَّغير "فونتلروي" (Little Lord Fauntleroy) وتَتباهَى بِهِ. وهي لم تُرِد طِفلاً كي تُشْبِعَ حاجَتَها الشخصيَّة إلى المحبَّة. بل إنَّها أرادتْ طِفلاً كي تُكَرِّسَهُ لله. فقد أرادت طِفلاً لأنَّها كانت تَعلمُ أنَّ هذه هي أفضلُ خِطَّة إلهيَّة للمرأة. ومعَ أنَّ اللهَ لا يَدعو جميعَ النِّساءِ إلى الزَّواج (بحسب رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح السَّابع)، فإنَّهُ يُعطي بَعضًا مِنهُنَّ مَوهبةَ العُزوبيَّة. ومعَ أنَّ هناكَ أوقاتًا يَشاءُ اللهُ فيها أن يَجعلَ امرأةً عاقِرًا، أو زوجَها، كي لا يُنجبانِ ابْنًا، فإنَّ الأمرَ المألوفَ هو أنَّ تلكَ هي أفضل هِبَة مِنَ اللهِ. فأفضلُ هِبة مِنهُ للنِّساءِ هي أن يُعطيهنَّ أولادًا. فالأولادُ، في نِهايةِ المَطافِ، ميراثٌ مِنَ الرَّبِّ. واللهُ هو الَّذي يَفتَحُ رَحِمَ الأُمِّ ويَجعَلُ قَلبَها فَرِحًا.

وقد أرادت حَنَّة طِفلاً لأنَّها أرادت أفضلَ ما لدى الله. وقد أرادت أن تُكْرِمَ اللهَ وتُمَجِّدَهُ. وقد كانت تَعلمُ أنَّ أفضلَ عَطيَّة تُعَبِّرُ عن محبَّةِ اللهِ للمرأة هي أن يُعطيها طِفلاً. وما أقولُهُ لكم هو أنَّ المرأة التَّقيَّة حَقًّا هي ليست أُمًّا مُتَرَدِّدَة، وليست أُمًّا تَجِدُ الطِّفلَ شَخصًا مُتَطَفِّلاً عليها، وليست أُمًّا تُؤجِّلُ وِلادةَ الطِّفلِ أطولَ وقتٍ مُمكن كي لا يُعيقَ الطِّفلُ جَدوَلَها، ولا تَنزَعِج حينَ تَجِدُ أنَّ وَسيلةَ مَنْعِ الحملِ الَّتي استخدَمَتْها لم تَكُن فَعَّالة. فالمرأةُ التَّقيَّة حَقًّا، والمرأةُ الَّتي تَمتَلِكُ قَلبَ أُمٍّ بحسبِ المِعيارِ الإلهيِّ هي أُمٌّ تَتوقُ إلى إنجابِ طِفل. وهي أُمٌّ شَغوفَة بالأطفال، وتَرى أنَّ الطِّفلَ عَطيَّة مِنَ اللهِ، وبَرَكة خاصَّة تُعَبِّرُ عن محبَّتِه، وأنَّ ذلكَ يُتَمِّمُ القَصْدَ الإلهيَّ للنِّساءِ، وأنَّهُ بِكُلِّ تأكيد رَجاءٌ للجيلِ القادِم في أن تُرَبِّي نَسلاً صَالِحًا. فالأُمُّ التَّقيَّة تَتوقُ إلى إنجابِ طِفل. وإذْ لم يَكُن لديها أولاد، فقد بَكَتْ. وهذه ليست نَزوة. وهو ليسَ عَمَلاً أنانيًّا لإثباتِ أنوثَتِها. بل إنَّها تَعلمُ أنَّ هذه هي أفضل خُطَّة إلهيَّة للنِّساء، وأنَّ قَلبَها ليسَ مُشْبَعًا تَمامًا.

وقد قَرأتُ في هذا الأسبوع قِصَّةَ أُمٍّ أنجَبَتْ طِفلاً، ولكنَّ الطِّفلَ مات. وهي تَتذكَّرُ ذلكَ بعدَ عَشْرِ سنوات وتقولُ إنَّ المأساةَ لم تَكُن تَكمُنُ في موتِ الطِّفل، بل إنَّ المأساةَ كانت تَكمُنُ في موتِ إحساسِها بالأُمومَة. فقد كانت قادِرة في هذه الحالة تَحديدًا على تَقَبُّلِ حقيقةِ أنَّ الطِّفلَ الصَّغيرَ ذَهَبَ إلى حَضرةِ اللهِ، ولكنَّها كانت تُلاقي صُعوبةً في تَقَبُّلِ حقيقة أنَّها لن تكونَ أُمًّا. وهذا هو قَلبُ الأُمِّ الَّتي تَتوقُ إلى طِفل. لِذا فقد كانت حَنَّة تَمتلِكُ هذا الشَّغَفَ إلى أفضلِ ما لدى الله.

ثانيًا، لقد كانت تَتَّصِفُ بالصَّلاة. فقد كانت تَعلمُ أينَ تَلتجئ. انظروا إلى العدد 9: "فَقَامَتْ حَنَّةُ بَعْدَمَا أَكَلُوا فِي شِيلُوهَ وَبَعْدَمَا شَرِبُوا". ومِنَ الواضحِ أنَّها أَكَلَتْ قليلاً بعدَ أنْ شَجَّعَها زوجها المُتعاطِفُ مَعَها في العدد 8. وقد انْتَهَتِ الآنَ مِن ذلكَ في شِيلوه. "وَعَالِي الْكَاهِنُ جَالِسٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ عِنْدَ قَائِمَةِ هَيْكَلِ الرَّبِّ". فقد كانَ رئيسُ الكَهَنة جالسًا عندَ الهيكل. وقد دَخَلَتْ إلى هُناك. فقد جاءت إلى الهيكلِ وهي في حالة صَعبة جدًّا. فقد كانت مُرَّةَ النَّفسِ (كما تَقولُ الآيةُ حَرفيًّا). "فَصَلَّتْ إلى الرَّبِّ وبَكَتْ بُكاءً. فقد كانت مُحَطَّمَة...مُحَطَّمة. "وَنَذَرَتْ نَذْرًا وَقَالَتْ: يَا رَبّ". وهي تنذرُ هُنا. ولكِنْ لاحِظوا ما يَلي بخصوصِ هذه المرأة التَّقيَّة. فقد كانت امرأةً مُصَلِّيَة. وهذه صِفة جَميلة. فقد كانت تُدركُ أنَّ اللهَ هُو مَصدَرُ الأولاد. وكانت تُدركُ أنَّ اللهَ وَحدَهُ هو الَّذي يَستطيعُ أن يُعالِجَ عُقْمَها. وقد كانت فَضيلَتُها المُمَيِّزَة لها هي الإيمان...الإيمان الدَّائم. فنحنُ نقرأ في العدد 12: "وَكَانَ إِذْ أَكْثَرَتِ الصَّلاَةَ أَمَامَ الرَّبِّ..." فهي صَلاة دائمة. فقد بَقِيَتْ هُناك. فقد ظَلَّتْ هُناك. فقد كانَ قَلبُها مَكسورًا. وكانت تُصَلِّي بحرارة. وهذا هو رُوحُ الصَّلاةِ الحقيقيَّة.

وهذا كَلامٌ جانِبِيٌّ. ولكِن كما تَعلمونَ، يجب علينا أن نَتساءلَ أينَ يَكْمُنُ شَغَفُنا الحقيقيّ لأنَّنا نُصَلِّي بتردُّدٍ شديد. وقد رأيتُ إعلانًا يَدعوني أنا وقادة الكنيسة الآخرين إلى حُضورِ مؤتمرِ الصَّلاةِ القوميّ (National Prayer Congress) في واشنطن مِن أجلِ الصَّلاةِ إلى اللهِ كي يُغَيِّرَ حَالَ هذه الأُمَّة. والإعلانُ يَقول: "تَعالَوا إلى مؤتمرِ الصَّلاةِ الَّذي سيُعقَدُ في فُندق حَياة ريجنسي الَّذي يَحوي مَطاعِمَ فاخِرة، ومَسارِح، وجاكوزي، وحَمَّامَ مِياهٍ مَعدِنيَّة". وقد فَكَّرْتُ: "هذا هو كُلُّ ما في الأمر! لنذهب ونُصَلِّي في فُندق حياة ريجنسي...في المُنتَجَع". وهذا مُحزِنٌ حَقًّا. ورُبَّما سيَذهبُ أناسٌ كثيرونَ للصَّلاةِ إن كانتِ البيئةُ مِنَ الدَّرجةِ الأولى. أليسَ كذلك؟ أينَ الانكسار؟ الحقيقةُ هي أنَّ حَنَّة لم تَكُن تُمانِعُ في ذلك. فهي لم تَكُن تَهتمُّ بالمكانِ، بل إنَّ قلبَها كانَ مُنكسِرًا. فقد ذهبت إلى بيتِ اللهِ وابتدأت تَسكُبُ قَلبَها في صلاةٍ صادِقة، وإيمانٍ قويّ، واتِّكالٍ كُليٍّ على اللهِ، واستغرَقَتْ في الصَّلاة. فقد كانت تَعلمُ أنَّ اللهَ هو الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَنْسِجَ حَياةً في الرَّحِم (كما يَقولُ المَزمور 139). لِذا فقد كانَ شَغَفُها مُنْصَبًّا على الصَّلاة. وهذا يُرينا علاقَتها السَّليمةَ بالله. فقد كانت تَعلمُ أينَ تَلتجئُ في مَشاكِلِها.

ثالثًا، لقد كانت امرأةً تَفي بِوَعْدِها. فهي ليست فقط امرأة شَغوفة ومُصَلِّية، بل أَلا نَظرتُم إلى العدد 11؟ فقد نَذَرَتْ نَذْرًا أو قَطَعَتْ وَعْدًا قائلةً: "يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِنْ نَظَرْتَ نَظَرًا إِلَى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ". فقد كانت تَنظُرُ إلى العُقْمِ بأنَّهُ مَذَلَّة. "إلى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ، وَذَكَرْتَنِي". وهذا لا يَعني أنَّهُ لم يَكُن يَعلَمُ مَن تَكون، بل "ذَكَرْتَني" بِمَعنى "اشتياقي إلى أنْ أُنْجِبَ ابْنًا". "وَلَمْ تَنْسَ أَمَتَكَ بَلْ أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ" وَهُنا يأتي الوَعْدُ: "فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، وَلاَ يَعْلُو رَأْسَهُ مُوسَى". وهذا الجُزءُ الصَّغيرُ الأخيرُ هو نَذْرُ النَّذير المَذكور في سِفْر العَدَد 6: 3-6. فإنْ أرادَ يَهوديٌّ أن يُكَرِّسَ نَفسَهُ تَكريسًا كاملاً للهِ، لم يَكُن يَقُصُّ شَعرَهُ، ولا يَهتمُّ بمظهرِهِ الجسديِّ، ولا يَحْتَسي الخَمْرَ والمُسْكِرَ، وكانَ يَمتَنِعُ عنِ الوَلائمِ والاحتفالاتِ وكُلِّ تلكَ الأشياء، ويَعيشُ حَياةَ زُهْدٍ وتَكريسٍ، وحياةً تُرَكِّزُ على الله.

وكانَ هناكَ يهودٌ كثيرونَ ينْذِرونَ نَذْرَ النَّذيرِ وقتًا قصيرًا. وثلاثةٌ مِنهُم في الكتابِ المقدَّسِ تَكَرَّسوا طَوالَ حياتِهم وَهُم: شَمْشون، ويوحنَّا المَعمدان، وهذا الطِّفلُ (أيْ: صَموئيل). فطَوالَ حياتِهم، كانوا مُفْرَزينَ ومُكَرَّسينَ تَمامًا لله. فلا يوجد انغماسٌ شَخصيٌّ البَتَّة في المَلَذَّات. ولا يوجد انشغالٌ بالشَّكلِ والمَظهَرِ والملابسِ وكُلِّ هذه الأشياء. لِذا فقد قَطَعَتْ وعدًا للهِ قائلة: "سوفَ أُعطيكَ هذا الطِّفلَ. فكُلُّ ما أُريدُهُ هو أن أُشْبِعَ عَاطِفَةَ الأُمومَةِ لَدَيَّ. وكُلُّ ما أُريدُه هو أن أُرَبِّي صَبِيًّا صَالِحًا كي أُكَرِّسَهُ لكَ لِمَجْدِك. فإنْ أعطيتَني إيَّاه، سأرُدُّهُ لَكَ". فهذا هو وَعدُها: أنْ تُعطي ابنَها لله. وهذا هو جَوهَرُ الأُمِّ التَّقيَّة. فعندما كانت تُصَلِّي أنْ يُعطيها الرَّبُّ طِفلاً، كانت تُصَلِّي لأجلِ ذلكَ الطِّفلِ لا لسببٍ خاطئ، بل للسَّبَبِ الصَّحيح وهو: أنْ تَرُدَّ ذلكَ الطِّفلَ إلى الله؛ أيْ إلى المَصدَرِ الَّذي جاءَ الطِّفلُ مِنه. وهذا هو جَوهَرُ الأُمِّ التَّقيَّة: أنْ تُقَدِّمَ ابنَها لله... أنْ تُقَدِّمَ ابنَها لله. لقد أنْجَبَتْ أُمِّي صَبِيًّا واحدًا وهو أنا. وقبلَ أن أُولَد، كَرَّسَتْني للرَّبِّ مُنذُ الولادة، وقالت لأبي إنَّها تُريدُ ابْنًا يَكرِزُ بالإنجيل. وهذا مِيراثٌ رائع. وقد لا يكونُ هذا الشَّيءُ هو ما سيَفعلُهُ كُلُّ ابْن...فهو ليسَ ما سيَفعلُهُ كُلُّ ابْن، ولكِنَّ كُلَّ أُمٍّ تَقيَّة ستُقَدِّمُ ابنَها للهِ أيًّا كان. وستَفعلُ الشَّيءَ نَفسَهُ بابنَتِها. لِذا، فقد نَذَرَتْ حَنَّة نَذْرًا.

والشَّيءُ التَّالي الَّذي نَراهُ بخصوص حَنَّة هو عِفَّتُها. فقد كانَ عالي رئيسَ الكهنة، ولكِنِّي أريدُ أن أقولَ لكم إنَّهُ كانَ رَئيسَ كَهنةٍ سَيِّئًا حَقًّا. ولا توجد كلمات مُناسبة تَصِفُ سُوْءَ حُكْمِهِ على الأشياءِ أيضًا. "وَكَانَ إِذْ أَكْثَرَتِ الصَّلاَةَ أَمَامَ الرَّبِّ وَعَالِي يُلاَحِظُ فَاهَا". فقد كانَ رَجُلاً ضَخْمًا وسَمينًا. والحقيقة هي أنَّهُ عندما ماتَ ابْناهُ، صُعِقَ وسَقَطَ أرضًا فَانكَسَرَت رَقَبَتُهُ ومات. إذًا، فقد كانَ عالي جالسًا هُناكَ يُراقِبُها. وكانت هي هُناكَ تَسكُبُ قَلبها، وتَنْتَحِبُ، وتَبكي. وكانت تَتكلَّمُ في قَلبِها. فهي لم تَكُن تتكلَّمُ بصوتٍ مَسموع (كما جاءَ في العدد 13)، بل إنَّ شَفَتَيْهَا فَقَطْ كانتا تَتَحَرَّكَانِ. هل حَدَثَ أنَّكَ كُنتَ تَتكلَّمُ في قلبِكَ ولكِنَّ شَفتيكَ كانتا تَتحرَّكان مِن دونِ أن تُصدِرا صَوتًا مَسموعًا؟ لِذا فقد ظَنَّ عالي أنَّها سَكْرَى. ألا يَمتَلِكُ قُدرةً رائعةً على التَّمييز؟ والحقيقةُ هي أنِّي لا أَعلمُ شيئًا عن قُدرتي على التَّمييزِ بالمُقارنةِ بالنَّاسِ الآخرينَ أو بِعَالي، ولكن يُمكنني أن أقولَ لكم إنِّي أستطيعُ أن أُمَيِّزَ بينَ امرأةٍ سَكْرَى وامرأةٍ تُصَلِّي بانكِسار.

لِذا فقد قَرَّرَ عالي أن يَقومَ بدورِهِ الرُّوحِيِّ: "حَتَّى مَتَى تَسْكَرِينَ؟ انْزِعِي خَمْرَكِ عَنْكِ". فهذا هو ما قالَهُ لها. وقد كانت حَنَّة امرأةً مُمتلئةً نِعمةً. فَأَجَابَتْ وَقَالت: "لاَ يَا سَيِّدِي. إِنِّي امْرَأَةٌ حَزِينَةُ الرُّوحِ وَلَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، بَلْ أَسْكُبُ نَفْسِي أَمَامَ الرَّبِّ...". "لقد أَسأتَ الحُكْمَ عليَّ. لاَ تَحْسِبْ أَمَتَكَ امرأةً لا قيمةَ لها". وهذا يُعطينا فِكرة بسيطة عن شُرْبِ الخَمْرِ أوِ المُسكِر وعلاقَة ذلكَ بانْحِطاطِ قيمةِ النِّساء. فقد كانت هذه هي نَظرةُ العهدِ القديم: "لا تَحْسَبْني كذلك. لأَنِّي مِنْ كَثْرَةِ كُرْبَتِي وَغَيْظِي قَدْ تَكَلَّمْتُ إِلَى الآن". ولَمَّا سَمِعَ عَالِي هذا الجَوابَ الفَصيحَ قال: "اذْهَبِي بِسَلاَمٍ، وَإِلهُ إِسْرَائِيلَ يُعْطِيكِ سُؤْلَكِ الَّذِي سَأَلْتِهِ مِنْ لَدُنْهُ". وقد كانَ هذا اعتذارًا لَطيفًا. ولكنَّهُ أساءَ الحُكْمَ عليها حينَ ظَنَّ أنَّها سَكْرَى. "لاَ تَحْسِبْ أَمَتَكَ امرأةً لا قيمةَ لها" أو حَرفيًّا: "ابْنَةَ بَلِيَّعَال"؛ أيْ امرأة عَديمةَ القيمة. وقد كانَ هذا، بالمُناسبة، لَفظًا مُستخدمًا في العهدِ القديم للإشارة إلى عبادةِ الأصنام (في سِفْر التَّثنية 13)، وإلى التَّمرُّدِ (في سِفْر صموئيل الأوَّل 2)، وإلى الفُسْقِ والفُجور (في سِفْرِ القُضاة 19 و 20). وقد كانَ لَفظًا يُشيرُ إلى التَّصَلُّفِ والغَباوةِ (في سِفْر صموئيل الأوَّل 25)، وَحَتَّى إلى القَتل (في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 21). "لا تُظَنَّ أنِّي امرأة مِن ذلكَ النَّوع. فأنا لستُ امرأة مِن تلكَ الفِئَة". فقد كانت امرأةً فاضلةً مِثلَ المرأة المَذكورة في أمثال 12: 4 و 31: 10. فقد كانت امرأةً فَاضِلَةً. وكانت امرأةً تَقِيَّةً، وامرأةً طَاهِرَةً.

إذًا، ما الَّذي نَتعلَّمُهُ عن هذه المرأة؟ لقد كانت تَتمتَّعُ بعلاقةٍ سليمةٍ بالله. وكانت شَغوفَةً لأفضلِ ما لَدى الله. وكانت تُصَلِّي بإيمان إلى الله. وقد نَذَرَتْ نَذرًا إلى الله وأَظْهَرَتْ دافِعَها القَلبيَّ. والآن، نَرى عِفَّتَها. فهي امرأة لا تَختلط البَتَّة بالأشرار.

والصِّفَةُ التَّالية الَّتي نَراها هُنا مِنْ جِهَةِ شَخصيَّتِها مَذكورة في العدد 18. وأنا أُحِبُّ هذه الآية: فَقَالَتْ [رَدًّا على عَالي]: ’لِتَجِدْ جَارِيَتُكَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ‘". ثُمَّ مَضَتِ الْمَرْأَةُ فِي طَرِيقِهَا وَأَكَلَتْ، وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهَا بَعْدُ مُغَيَّرًا". فقد صارت تأكُلُ الآن، ولم تَعُد حَزينة. وقد تَقول: "لماذا؟" سوفَ أقولُ لكم لماذا: لأنَّها كانت صَاحِبَةَ إيمانٍ صَبور. فقد كانت صَاحِبَةَ إيمانٍ صَبور. فقد سَلَّمَتِ الأمرَ إلى الله. وماذا عَساها أن تَفعل؟ فهي لم تَشَأ أنْ تَبقى مُحْبَطَةً. وهذا هو الإيمانُ الحقيقيُّ. فالإيمانُ الحقيقيُّ لا يُصَلِّي: "يا رَبُّ، هذه هي مُشكلتي. هذه هي مُشكلتي" ويَمضي في إحباطٍ تامٍّ. فهذا شَكٌّ في الحقيقة. ولكِنَّ الإيمانَ يَقول: "هذه هي مُشكلتي يا رَبّ". وهو يَمضي مِن دون أن يكونَ حَزينًا. فهذه هوَ الاتِّكال. "أنا أتَّكِلُ عليكَ". وهذه هي صِفَةُ المرأةِ التَّقيَّة. فهي امرأة تَتَّكِلُ تمامًا على الله. وهي تُلقي حِمْلَها على الله. وهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فقد مَضَتْ، وأَكلَت، ولم تَعُد حَزينة.

وهناكَ شيءٌ آخر يَختصُّ بهذه المرأة ينبغي أن أُخبرَكُم عنهُ قليلاً، وهو مَذكورٌ في الأصحاحِ الثَّاني والآيات مِن 1 إلى 10. فهي ليست فقط امرأة شَغوفة، وامرأة مُصَلِّية، وامرأة تَفي بِوعودِها، وامرأة طاهِرة، وامرأة تَمتلِك إيمانًا صَبورًا، بل إنَّها أيضًا امرأة...وأنا أُحِبُّ ذلك...امرأةٌ مُسَبِّحَة. فعندما أعطاها اللهُ ابْنًا، ماذا كانَ رَدُّها؟ "فَصَلَّتْ حَنَّةُ وَقَالَتْ [في العددِ الأوَّل]: ’فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ. اتَّسَعَ فَمِي عَلَى أَعْدَائِي، لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلاَصِكَ. لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلهِنَا...‘". وهي تَستمرُّ في ذلك إلى نِهايةِ العددِ العاشِر إذْ إنَّها تُسَبِّحُ، وتَشكُرُ، وتَحْمَدُ اللهَ. فهي امرأة مُسَبِّحَة. وهي امرأةٌ يَفيضُ قَلبُها بالشُّكر. فعندما أعطاها اللهُ ابْنًا، عَبَّرَتْ عن ذلكَ التَّسبيحِ الطَّاهِرِ وغيرِ المُنقَطِعِ الَّذي يَتَدَفَّقُ مِن نَفسِها الشَّكورة. والحقيقة هي أنَّهُ يجب عليكم أن تَقرأوا هذه الآياتِ العَشْرِ بعناية لأنَّها تُحْفَة تَسبيحيَّة تَحْوي كُلَّ العناصِرِ وتُشبِهُ تَسْبِحَةَ مَريم المُدَوَّنة في إنجيل لوقا 1: 46-55 حيثُ تَقول: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ"، وتَحوي تلكَ العناصِرِ الرَّائعةِ للتَّسبيح بسببِ ولادةِ ابنِها. فالأُمُّ التَّقيَّة مَعروفة بتسبيحِها.

وهذا هو النَّموذَج. فهي تَتمتَّعُ بعلاقة سليمة بزوجِها، ويَشتركانِ في العِبادة، ويَشتركانِ في المحبَّة، ويَشتركانِ في المشاعرِ العميقة. وهي تَتمتَّعُ بعلاقة سليمة باللهِ. وأشواقُها هي أشواقُ اللهِ. وهي امرأة مُصَلِّيَة. وهي امرأةٌ تَمتَلِكُ إيمانًا قَوِيًّا. وهي امرأة طاهِرَة. وهي امرأة تَفي بِوُعودِها. وهي امرأة مُسَبِّحَة. وأخيرًا، لقد كانت تَتمتَّعُ بعلاقة سليمة ببيتِها. ارجِعوا إلى العدد 21 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل. فقد كانت تَتمتَّعُ بعلاقة سَليمة ببيتِها. فنحنُ نَجِدُ هُنا إشارةً إلى الطِّفلِ في العدد 21: "وَصَعِدَ الرَّجُلُ أَلْقَانَةُ وَجَمِيعُ بَيْتِهِ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ الذَّبِيحَةَ السَّنَوِيَّةَ، وَنَذْرَهُ". فقد واظَبَ على القيامِ بواجِبِهِ المُعتاد. وَهُوَ شخصٌ أمين. فقد كانَ يَجمَعُ كُلَّ أهْلِ بيتِه ويَصعَد بِهم. ونَقرأُ في العدد 22: "وَلكِنَّ حَنَّةَ لَمْ تَصْعَدْ". فهي لم تَذهب. "لأَنَّهَا قَالَتْ لِرَجُلِهَا: ’مَتَى فُطِمَ الصَّبِيُّ آتِي بِهِ‘". والآن مَهلاً! هذا يَعني مُدَّةَ سَنَتَيْن يا حَنَّة! أو رُبَّما ثلاثُ سِنين! لا أدري تمامًا كم أَرْضَعَتْ حَنَّة الطِّفلَ صَموئيل، ولكِن مِنَ المؤكَّد أنَّ ذلكَ استغرقَ وقتًا طويلاً. "لن أذهب". وقد كانت تلكَ الرِّحلة تَستغرِق فقط أسبوعينِ أو ثلاثة أسابيع على الأكثر للصُّعودِ إلى هُناك وقَضاءِ أُسبوعٍ هُناكَ، والسَّفر إلى هُناك، والعودة. فهي مَسافة تَقِلُّ عن ثلاثِ مِئَة كيلو متر مِن أقصى أرضِ فِلَسطين إلى أقصاها. ولكنَّها لم تَذهب. فهي لم تَذهب على الإطلاق. لماذا؟ لأنَّها كَرَّسَتْ نَفسَها للاعتناءِ بابنِها. فعندما أعطاها اللهُ الابنَ، كَرَّسَتْ نَفسَها للاعتِناءِ بِه. وعودة إلى العدد 19 ونَرى كيفَ ابتدأَ الأمرُ بِرُمَّتِه:

"وَبَكَّرُوا فِي الصَّبَاحِ وَسَجَدُوا أَمَامَ الرَّبِّ". فقد عَبَدَ الرَّجُلُ وزوجَتُهُ الرَّبَّ في الصَّباح. أليسَ مِنَ الرَّائعِ أن يَعبُدا الرَّبَّ معًا؟ "وَرَجَعُوا وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِهِمْ فِي الرَّامَةِ. وَعَرَفَ أَلْقَانَةُ امْرَأَتَهُ حَنَّةَ، وَالرَّبُّ ذَكَرَهَا. وَكَانَ فِي مَدَارِ السَّنَةِ أَنَّ حَنَّةَ حَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ صَمُوئِيلَ قَائِلَةً: ’لأَنِّي مِنَ الرَّبِّ سَأَلْتُهُ‘". فالاسمُ صَموئيل يَعني: "يُسْمَعُ مِنَ الله". وما إنْ وُلِدَ ذلكَ الصَّبيُّ، قالت حَنَّة: "هذا هو ابنُ شَغَفي. هذا هو ابْنُ نَذْري. لن أُضَحِّي بوقتي بعيدًا عن هذا الطِّفل. ولن أترُكَ هذا الطِّفلَ بِضعة أسابيع. ولن أُسافِرَ بهذا الطِّفلِ مَسافةً طويلةً وأجعل الرِّحلةَ شَاقَّةً عليه" لأنَّهُم كانوا لا بُدَّ أنْ يَسيروا على الأقدام. وكانَ الطِّفلُ بحاجة إلى النَّوم، وبحاجة إلى الرِّعاية المنزليَّة، وإلى بيئة مُريحة في فَترةِ رِضاعَتِه.

وهذا يَختلفُ تَمامَ الاختلاف عَمَّا نَراهُ اليوم. أليسَ كذلك؟ فالنِّساءُ يَلِدْنَ الأولادَ. وبعدَ بِضعة أشهُر يُرْسِلْنَ الطِّفلَ إلى دارِ رعاية ويَعُدْنَ إلى وَظائِفِهِنَّ. ولكنَّ حَنَّة لم تَفعل ذلك، بل كانت مُكَرَّسة تمامًا للبقاءِ في بيتِها إلى أنْ تُرَبِّي ابنَها الصَّغير، وإلى أنْ تَفْطِمَ الصَّبيَّ الصَّغير وتَغمُرَهُ بالمحبَّة والرِّعاية. وقد كانت تَرغَبُ في التحدُّثِ إلى ذلكَ الصَّبيِّ الصَّغيرِ عنِ اللهِ، وفي أنْ تُعِدَّهُ لتلكَ اللَّحظةِ الَّتي ستُرسِلُهُ فيها إلى الهيكَل. ولا بُدَّ أنَّ الطِّفلَ كانَ في الثَّالثة على أقَلِّ تقدير. فقد كانت تلكَ الأوقاتُ مُهمَّةً جدًّا...مُهِمَّةً جدًّا. فقد كانَ الطِّفلُ الصَّغيرُ يَتعلَّم مِن أُمِّهِ ويُغْمَرُ بالمحبَّة مِن أُمِّهِ. ولا شَكَّ في أنَّها أطاعَتْ ما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية وعَلَّمَت ذلكَ الصَّبيَّ الصَّغيرَ طَوالَ الوقتِ الأمورَ المُختصَّةَ بالرَّبّ. وهذا مُهِمٌّ جدًّا. كَرِّسي نَفسَكِ للاعتناءِ بطِفلِكِ.

وهناكَ طِفلٌ تَرَبَّى هكذا وصارَ رَجُلاً يُدعى "جون ستايلز" (John Styles). فقد تَرَبَّى على يَدِ أُمٍّ تَقيَّة. استمعوا إلى ما قالَهُ: "لقد تَعَبَّدْتُ في كنائسَ كبيرة وصغيرة. وقد صَلَّيْتُ في الشَّوارعِ المُزدحمة. وقد بَحَثْتُ عن إلهي فوجدتُهُ حيثُ تَتَكَسَّرُ أمواجُ مُحيطِهِ. وقد رَكَعْتُ في الغابةِ الهادئةِ في ظِلِّ شَجرةٍ قديمة. ولكِنَّ أحَبَّ جَميعِ المَذابِحِ على قَلبي كانَ على رُكْبَةِ أُمِّي. فقد استمعتُ إلى اللهِ في هَيكَلِه. وقد مَيَّزْتُ صَوتَهُ في الزِّحام. وقد سَمعتُهُ يَتكلَّمُ في ضَجيجِ الأمواجِ العاليةِ والصَّاخبة، وفي الأماكِنِ الَّتي تَهُبُّ فيها الرِّياحُ بِرِقَّة في أَعلى الشَّجرة حينَ يتحدَّثُ إلهي إليَّ. ولكنِّي لم أسمعهُ بوضوحٍ أكبر مِمَّا كنتُ أسمَعُهُ على رُكْبَةِ أُمِّي. فالأشياءُ المُهمَّةُ في حياتي والجديرة بالاهتمام وُلِدَتْ في صَدْرِ أُمِّي، وقد تَنَفَّسْتُها في صَدري مِن خلالِ مَحَبَّتِها العَجيبةِ الَّتي أَظهَرَتْها لي مِن خلالِ حياتِها. ومعَ أنَّ السَّنواتِ الَّتي جَعَلَتْني رَجُلاً حَرَمَتْني مِنها، فإنَّ الذَّاكرةَ تَمْنَعُني مِنَ التِّيهِ بَعيدًا عن رُكْبَةِ أُمِّي. يا رَبُّ، اجْعَلني رَجُلاً حَسَبَ رُؤيَتِها، وطَهِّرني مِنَ الأنانيَّة. يا رَبُّ، حافِظ على التزامي بمعاييرِها وساعِدني على أن أعيشَ وأكونَ مَصْدَرَ بَرَكة للآخرين. ويا رَبُّ، قَدِّس تأثيرَ الأيَّامِ الخَوالي، واجْعَلني أتردَّدُ إلى الأبد إلى المَعبَدِ عندَ رُكْبَةِ أُمِّي". وقد كانت هذه هي شَهادةُ صَموئيل في السَّنواتِ الَّتي كَرَّسَتْ فيها حَنَّة نَفسها للاعتناءِ به. ولا توجد دَعوة على وجهِ الأرضِ في الحياةِ البشريَّة أَسْمَى مِن ذلكَ النَّوعِ مِنَ التَّكريس الَّذي تُخَصِّصُهُ الأُمُّ لابنِها.

وهي لم تُكَرِّس نفسها فقط لابنِها، بل ثانيًا، لقد كَرَّسَتْ ابنَها للرَّبِّ. ففي العدد 24، بل في الحقيقة، يجب علينا أن نَقرأَ العدد 23 لأنَّنا لم نَقرأهُ: "فَقَالَ لَهَا أَلْقَانَةُ رَجُلُهَا: ’اعْمَلِي مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ. امْكُثِي حَتَّى تَفْطِمِيهِ. إِنَّمَا الرَّبُّ يُقِيمُ كَلاَمَهُ‘. فَمَكَثَتِ الْمَرْأَةُ وَأَرْضَعَتِ ابْنَهَا حَتَّى فَطَمَتْهُ". ونَقرأُ في نهايةِ العدد 22: "آتِي بِهِ لِيَتَرَاءَى أَمَامَ الرَّبِّ وَيُقِيمَ هُنَاكَ إِلَى الأَبَد". وقد كَرَّسَتِ الطِّفلَ المَفطومَ إلى اللهِ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 24: "ثُمَّ حِينَ فَطَمَتْهُ أَصْعَدَتْهُ مَعَهَا بِثَلاَثَةِ ثِيرَانٍ وَإِيفَةِ دَقِيق وَزِقِّ خَمْرٍ، وَأَتَتْ بِهِ إِلَى الرَّبِّ فِي شِيلُوهَ وَالصَّبِيُّ صَغِيرٌ. فَذَبَحُوا الثَّوْرَ وَجَاءُوا بِالصَّبِيِّ إِلَى عَالِي. وَقَالَتْ: ’أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي. حَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ يَا سَيِّدِي، أَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي وَقَفَتْ لَدَيْكَ هُنَا تُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ. لأَجْلِ هذَا الصَّبِيِّ صَلَّيْتُ فَأَعْطَانِيَ الرَّبُّ سُؤْلِيَ الَّذِي سَأَلْتُهُ مِنْ لَدُنْهُ. وَأَنَا أَيْضًا قَدْ أَعَرْتُهُ لِلرَّبِّ. جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ هُوَ عَارِيَّةٌ لِلرَّبِّ‘. وَسَجَدُوا هُنَاكَ لِلرَّبِّ".

ويا لَهُ مِن مَشهَد! فهي لم تَطلُب شيئًا مِنهُ. فهي لم تَطلُب مِنهُ أن يُبارِكَهُ بوظيفة عظيمة في مَجالٍ مُهِمٍّ وأن يكونَ مَشهورًا، أو أن يَجني مالاً كثيرًا كي تَفْتَخِرَ بِهِ. وهي لم تَطلُب أن يَحصُلَ على مَنصِبٍ يَضْمَنُ حُصولَهُ على مالٍ يَكفي للاعتناءِ بها في شَيخوخَتِها. لا، بل إنَّها قَدَّمَتْ ذلكَ الصَّبيَّ لله. ولكنَّها لم تُهمِل يومًا مسؤوليَّتَها تُجاهَهُ. انظروا إلى الأصحاحِ الثَّاني والعدد 18: "وَكَانَ صَمُوئِيلُ يَخْدِمُ أَمَامَ الرَّبِّ وَهُوَ صَبِيٌّ مُتَمَنْطِقٌ بِأَفُودٍ مِنْ كَتَّانٍ". بعبارة أخرى، لقد كانَ يَرتدي مَلابِسَ شَبيهةً بملابسِ الكاهِنِ حَتَّى عندما كانَ طِفلاً صَغيرًا. فقد كَانَ يَخْدِمُ طَوالَ حياتِهِ أمامَ الرَّبِّ. "وَعَمِلَتْ لَهُ أُمُّهُ جُبَّةً صَغِيرَةً [في العدد 19] وَأَصْعَدَتْهَا لَهُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ عِنْدَ صُعُودِهَا مَعَ رَجُلِهَا لِذَبْحِ الذَّبِيحَةِ السَّنَوِيَّةِ. وَبَارَكَ عَالِي أَلْقَانَةَ وَامْرَأَتَهُ وَقَالَ: ’يَجْعَلْ لَكَ الرَّبُّ نَسْلاً مِنْ هذِهِ الْمَرْأَةِ بَدَلَ الْعَارِيَّةِ الَّتِي أَعَارَتْ لِلرَّبِّ‘. وَذَهَبَا إِلَى مَكَانِهِمَا. وَلَمَّا افْتَقَدَ الرَّبُّ حَنَّةَ حَبِلَتْ وَوَلَدَتْ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَبِنْتَيْنِ. وَكَبِرَ الصَّبِيُّ صَمُوئِيلُ عِنْدَ الرَّبِّ".

فهي لم تُهمِل يومًا مَسؤليَّتَها. ففي كُلِّ مَرَّة زارَتْهُ فيها، كانت تَجْلِبُ جُبَّةً صَغيرةً لصموئيلَ الَّذي كانَ يَنمو. وهذا هو ما تَفعَلُهُ المرأةُ التَّقيَّة. وهذه هي الفِكرة في أنَّكِ لا تَتوقَّفينَ يومًا عن كَوْنِكِ أُمًّا بِغَضِّ النَّظَرِ عنِ السِّنِّ الَّتي بَلَغَها أولادُكِ. وقد بارَكَها اللهُ. وقد كُنتُ أتمنَّى لو أنَّنا نَمْلِكُ الوقتَ لإجراءِ مُفارَقَةٍ لبقيَّةِ القصَّة لأنَّنا نَجِدُ في بقيَّةَ الأصحاحِ الثَّاني والأصحاحِ الثَّالثِ والأصحاحِ الرَّابعِ القصَّةَ المُحزِنَةَ والمأساويَّةَ لعائلةِ عَالي. فقد كانَ ابْناهُ زَانِيَيْن. وقد ماتا. وقد سَقَطَ هُوَ نَفسُهُ (كَما ذَكرتُ) ومات. وقد كانَ ذلكَ المَشهدُ مُحزِنًا وبَشِعًا. ويُعَلِّقُ الكتابُ المقدَّسُ على عَالي فيقولُ إنَّهُ لم يَرْدَعْ ابنيهِ مِنْ فِعْلِ الشَّرِّ. أمَّا زوجَتُهُ فلا ذِكْرَ لها. ولا أدري ما دَورُها، ولكنَّها كانت مُختلفة جدًّا عن حَنَّة الَّتي رَبَّتْ صَموئيلَ التَّقيَّ. فلكي تكوني أُمًّا تَقيَّة، يجب أن تتمتَّعي بعلاقة سليمة بزوجِكِ، وعلاقة سليمة باللهِ، وبعلاقة سليمة بالبيت. وقد كانت حَنَّة تَتمتَّعُ بكُلِّ ذلك. وقد أَكْرَمَها اللهُ. وهي نَموذَجٌ ينبغي التَّمَثُّلُ به.

وفي الخِتام، اسمَحوا لي أن أَطرحَ سُؤالَيْن: ما مَعنى ذلك؟ وكيفَ يُمكِنُنا أن نُطَبِّقَ ذلك؟ أوَّلاً، اسألي نَفسَكِ: هل أنتِ أُمٌّ تَقِيَّة؟ هل أنتِ أُمٌّ تَقيَّة؟ وهل أنتِ تَستعِدِّينَ لأن تكوني أُمًّا تَقيَّة؟ وإنْ كُنتِ امرأة كبيرةَ السِّنِّ، هل تُعِدِّينَ نِساءً شابَّاتٍ لِيَصِرْنَ أُمَّهاتٍ تَقيَّات؟ وأنا أقولُ للرِّجال: هل تُوْجِدُ بيئةً تَظْهَرُ فيها تَقوى زوجَتِكَ بأفضل صُورة مُمكِنَة؟ وهل تُرَبِّي أولادًا سَيَقودونَ زوجاتِهم ليَكُنَّ زوجاتٍ تَقيَّات؟ وأقولُ لَكُم أيُّها الشَّباب: هل تُكرِمونَ أُمَّكُم؟ هل تُطيعونَ أُمَّكُم؟ فإنْ وَهَبَكُمُ اللهُ أُمًّا تَقيَّة، فقد وَهَبَكُم أفضلَ هِبَة. صَحيحٌ أنَّهُ لا توجد أُمٌّ كامِلة، ولكِن عندما يُحْبِبْنَ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ، ويَحْرِصْنَ على تَوصيلَ هذه المحبَّة إليكُم، فإنَّهُنَّ بذلكَ قد قَدَّمْنَ لَكُم أفضلَ ما يَسْتَطِعْنَ تَقديمَهُ. فهل أنتُم شاكِرون؟ وهُناكَ أشخاصٌ يَقولون: "لم تَكُن أُمِّي تَقيَّة". هل تُصَلِّي لأجلها؟ هل تُصَلِّي لأجلِها وتَسألُ رُوحَ اللهِ أن تَتأثَّرَ بأُمٍّ تَقيَّة تَستطيعُ أن تُريكَ الأشياءَ الَّتي لم تُريكَ إيَّاها أُمُّك؟ فرجاءُ مُجتمعِنا يَتوقَّف حَقًّا على ما يَحدُثُ في الجيلِ القادِم. وهذا يَتوقَّف كثيرًا على ما تَفعَلُهُ الأُمَّهاتُ التَّقيَّات. دَعونا نَحني رُؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا الصَّباح على ما شارَكْتَهُ مَعَنا مَرَّةً أخرى مِن خلالِ إرشادِ رُوحِكَ الَّذي يُعَلِّمُنا كَلِمَتَك. فقدِ انتَعَشْنا. لقدِ انتَعَشنا مَرَّةً أخرى لأنَّنا رأينا بوضوح أنَّكَ أعطيتَنا النَّموذجَ الَّذي يَضْمَنُ تَربيةَ جيلٍ صَالِح. بارِك الأُمَّهاتِ في هذه الرَّعيَّة. اغفِر لَهُنَّ، يا رَبَّ، كما أَعلمُ أنَّكَ تَفعل، اغفِر لَهُنَّ تَقصيرَهُنَّ، كما تَغفِرُ لنا نحنُ الآباءُ تَقصيرَنا. امْنَحْهُنَّ جميعًا القُوَّة. وبالنِّسبة إلى النِّساءِ اللَّاتي يَرْغَبْنَ في أنْ يَصِرْنَ أُمَّهات، ساعِدهُنَّ على الاستمرارِ إلى أنْ يَصِرْنَ في النِّهاية أُمَّهاتٍ فاضِلات. وبالنِّسبة إلى الأُمَّهاتِ حاليًّا، لَيتَهُنَّ يَنظُرنَ إلى الفضائلِ الظَّاهرةِ في حياةِ حَنَّة ويَتَمَثَّلْنَ بها يوميًّا. وبالنِّسبة إلى الأُمَّهاتِ الَّلاتي تَجاوَزْنَ هذهِ السِّنَّ، وَرَبَّيْنَ أولادًا كَبِروا وانفَصلوا عَنْهُنَّ، لَيتَهُنَّ يَنْصَحْنَ الشَّابَّات. ويا رَبّ، نحنُ نُصَلِّي أنْ تُعطي أولادًا للنِّساءِ التَّقيَّات، أولادًا يَكبرونَ ويصيرونَ راسِخينَ كي يَسلُكوا في الإيمانِ بشجاعة ويُرَبُّوا جيلاً ثانيًا يَعيشُ لتَمجيدِك إنْ تَأنَّى يَسوعُ في مَجيئِه. يا أبانا، لأجلِ ذلكَ نُصَلِّي شاكِرين. باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize