نأتي الآنَ إلى وقتِ دراسةِ الكلمة في هذا المساء؛ وهو وقتٌ رائعٌ. وأودُّ أن أُشَجِّعكم على أن تفتحوا كِتابكم المقدَّسَ على رسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الثَّاني. وإن لم تُحضِر كِتابًا مُقدَّسًا معكَ، يمكنكَ أن تَجِد واحدًا في ظَهرِ المَقعدِ القريبِ منك، ويمكنكَ أن تُتابعَ الآياتِ معَنا فيما نَتأمَّلُ في هذا المساءِ في آيتَيْنِ كِتابيَّتَيْنِ مُهمَّتَيْنِ جدًّا جدًّا. واسمَحوا لي أن أقرأهما على مَسامِعِكُم. الآيتان الثَّالثة والرَّابعة مِن رسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الأوَّل: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَة". والآن، أريدُ منكم أن تَعلموا أنَّ هَاتينِ الآيتينِ تَزخُرانِ بالكلماتِ الفَصيحَة. وليسَ هذا فقط، بل إنَّهُما تَزخُرانِ بالكلماتِ العَميقةِ والمُؤثِّرةِ الَّتي تُعَلِّمُ حَقًّا عظيمًا. قبلَ كُلِّ شيء، يجب علينا أن نَذكُرَ حَقيقةً أساسيَّةً وهي أنَّ الحياةَ عامَّةً (حتَّى بالنِّسبةِ إلى المؤمنينَ الحقيقيِّينَ) ليست سَهلة. فلا أحدَ مِنَّا بِمنأى مِن مَتاعبِ الحياةِ الَّتي نَعيشُها في هذه الأجسادِ الخاطئةِ وعلى هذا الكوكبِ السَّاقِط. فالتَّجربةُ، والخطيَّةُ، والفشلُ، وخيبةُ الأمل، والرَّفضُ، والإحباطُ، وعدمُ الشُّعورِ بالإنجاز، والضُّعف، والألم، والحُزن، والوَحدة، والخوف، والقلق، والعُزلة؛ هذه كُلُّها تُصيبُنا جميعًا بأشكالٍ مُتباينة. وهي كُلُّها جُزءٌ مِن خِبرتِنا الحَياتيَّة.
والسُّؤالُ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ هو: أينَ نَجِدُ المَصادِرَ الَّتي تُعينُنا على التَّعامُلِ مع هذه الأشياء؟ أو في الحقيقةِ: على التَّعامُل معها بفاعليَّة؟ أو في الحقيقة: على التَّعامُلِ معها بانتصار؟ وإلى أينَ نَذهب لِحَلِّ مُعضلاتِ الحياة؟ هل يُمكننا أن نَلتجئَ إلى الله؟ وهل هو يُبالي؟ وهل يُحبُّنا مَحبَّةً كافيةً لتقديمِ المساعدةِ الخارقةِ للطَّبيعةِ لنا؟ هناكَ أشخاصٌ يَشُكُّونَ في ذلك. وقد كَتَبَ "هيرمان ميلفيل" (Herman Melville): "السَّببُ في أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَخافونَ مِنَ الله، وفي الوقتِ نَفسِهِ لا يُحِبُّونَهُ هو أنَّهم لا يَثِقونَ أنَّ لهُ قَلب، بل يَتخيَّلونَ أنَّهُ كُلُّهُ عَقل كالسَّاعة" [نهايةُ الاقتباس]. فهناكَ أُناسٌ في اعتقادي يُفَكِّرونَ في اللهِ وَحَسْب كما لو أنَّهُ آلةٌ صَنَعَت كُلَّ شيءٍ ولا تُبالي كثيرًا. هل هذا صحيح؟ أَم أنَّ اللهَ يُبالي؟ وهلِ اللهُ يُحِبُّنا؟ وهل أعطانا اللهُ المصادرَ الَّتي نَحتاجُ إليها للتَّعامُلِ معَ مُعضِلاتِ الحياة؟ والحقيقة هي: هل لدينا مَا يَكفينا؟ هل لَدينا كُلُّ ما يَلزمُنا؟ أَم أنَّ عُلماءَ النَّفسِ مُحِقُّونَ في قولِهم إنَّهُ بالرَّغمِ مِن وُجودِ اللهِ في حياتِك، وبالرَّغمِ مِن وُجودِ المسيحِ في حياتِك، فإنَّكَ ما تَزالُ عاجِزًا وتَحتاجُ إلى العِلاج؟ وقد تَقولُ فِئةٌ مِنَ المُتَديِّنين: "بالرَّغمِ مِن وجودِ اللهِ في حياتِكَ، وبالرَّغمِ مِن أنَّكَ قد تَعرِفُ المسيحَ، ولكنَّكَ بحاجة إلى المَزيدِ مِن يَسوع. فأنتَ بحاجة إلى مَسحة خاصَّة منهُ لكي تصيرَ حَقًّا مُكتفيًا". هل هُم مُحِقُّون؟ فبالرَّغمِ مِن مَعرفتنا باللهِ، هل أعطانا اللهُ جُرعةً صغيرةً فقط مِنَ النِّعمةِ الخارقةِ للطَّبيعةِ بالكاد تَكفي للمشيِ بِتَثاقُل؟ أو بالكاد تَكفي لتخليصِنا، ولكنَّها لا تَكفي لتقديسِنا. أو بالكاد تَكفي لتخليصِنا وتَقديسِنا، ولكنَّها لا تَكفي لتمجيدِنا؟ وما أعنيه هو: إن كُنَّا قد أتينا إلى اللهِ مِن خلالِ المسيح، هل لَدينا حَقًّا ما يَكفينا أم أنَّنا بحاجة إلى المَزيد؟
وهذا يقودُنا، على الأقلِّ بصورة مَبدئيَّة، إلى التَّحدُّثِ عن صِفةٍ مِن صِفاتِ الله. وقد أَخرجتُ في هذا الأسبوع مَجموعةً مِن الكُتُبِ الَّتي تَتحدَّثُ عن صِفاتِ اللهِ وابتدأتُ في البحثِ عن صِفةٍ مُحَدَّدةٍ جدًّا وهي صِفَةُ السَّخاء؛ ولكنِّي لم أعثُر عليها. فأنا لم أعثُر عليها في أيِّ لاهوتٍ نِظامِيٍّ، ولم أعثُر عليها في أيِّ كِتابٍ يَتحدَّثُ عنِ الله. فأنا لم أعثُر عليها وَحَسْب. وقد تَصَفَّحتُ فَهارِسَ نحوِ عشرةِ كُتُب مُحاولاً أن أعثُرَ على شخصٍ قالَ شيئًا عن سَخاءِ الله. هل كانَ اللاهوتيُّونَ المسيحيُّونَ أيضًا يَشُكُّونَ في ما إذا كانَ اللهُ سَخيًّا جدًّا؟ هل هو بَخيلٌ قليلاً؟ هل يُعطينا بالكاد ما يَكفي لإنقاذِنا مِن جَهنَّم، ولكنَّهُ لا يُعطينا أكثرَ مِن ذلكَ بكثير؟ لِننظُر إلى الكتابِ المقدَّسِ قليلاً ونَستمعُ إلى الآياتِ التَّاليةِ ونَرى ما تَستنتجونَهُ. ففي سِفْر الخُروج 34: 6 يَتحدَّثُ اللهُ عن ذاتِهِ. وإليكم ما يَقول: "أنا رَحيمٌ. أنا رَؤوفٌ. أنا كَثِيرُ الإِحْسَان". ونَقرأُ في سِفْرِ مَراثي إرْميا 3: 22 و23 أنَّ: "إحساناتِ الرَّبِّ لا تَتوقَّف، وأنَّ مَراحِمَهُ لاَ تَزُول. هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. قَليلةٌ أَمَانَتُكَ". هل هذا هو ما تَقولُهُ الآية؟ ليسَ في كِتابيَ المُقَدَّس، بل إنَّها تقولُ ماذا؟ "كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ". وقد قالَ المُرَنِّمُ: "بِالنَّهَارِ يُوصِي الرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ...". ثُمَّ إنَّ المُرَنِّمَ يَقول: "فَلْيَحْمَدُوا الرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ". فهو يُعطينا ما نَحتاجُ إليهِ في النَّهار، ويُعطينا ما نَحتاجُ إليهِ في اللَّيل. لِذا، يجب علينا أن نَحمَدَهُ على ذلك.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ اللهَ سَخِيٌّ جدًّا. والحقيقةُ أنَّهُ يقولُ إنَّهُ في كُلِّ أمورِ الحياةِ عَظيمٌ، وسَخِيٌّ، ورَؤوفٌ، ومِعطاءٌ، وفَوقَ السَّماواتِ، ومِنَ الأزل إلى الأبد. فنِعمَتُهُ عَظيمةٌ كارتفاعِ السَّماءِ عنِ الأرض. فهذه هي سِعَةُ رَحمَتِهِ مِن جِهَةِ الأشخاصِ الَّذينَ يَخْشَوْنَهُ. استمعوا إلى ما يَقولُهُ المَزمور 121: أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأتِي عَوْنِي! مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ. إِنَّهُ لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ الْيُمْنَى. لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ. الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْر". والخُلاصةُ هي أنَّهُ سيَعتني بكُلِّ شيء... بِكُلِّ شيءٍ دونَ استثناء. وفي إنجيل يوحنَّا 1: 16 (في العهدِ الجديد)، نَقرأُ ما يَلي: "وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا". فعندما قَبِلنا المسيحَ لم نأخُذ جُزءًا، بل أخذنا الكُلَّ. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 10: 10: "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ جُزءٌ مِنها". هل هذا هو ما قالَهُ؟ لا! بل قال: "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ". "ولِيَكونَ لَهُم أفضَل". وفي رسالة رُومية 8: 17، نَقرأُ أنَّنا لسنا مُجرَّدَ وَرَثَة، بل إنَّنا وَرَثة معَ المسيح، وأنَّ كُلَّ ما يُعطيهِ اللهُ للمسيحِ يُعطيهِ لنا.
واسمَحوا لي أن أُريكُم آيةً رائعةً مِن رسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ الثَّالث. استَمِعوا إليها فقط إذْ إنَّني سأقرأُها لكم. رسالة كورِنثوس الأولى 3: 21. استمعوا إلى هذه الجُملة في مُنتصفِ الآية: "فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَكُمْ". لِمَن؟ للمؤمنين. وقد تقول: "أجل، ولكنَّهُ يَتحدَّثُ عن نَوعٍ مُعيَّنٍ مِنَ المُؤمِنين". لا! بل إنَّ هذه الكلمات كُتِبَت إلى أهلِ كورِنثوس الَّذين رُبَّما كانوا في أسفلِ السُّلَّم إذْ إنَّهم كانوا أشخاصًا خُطاةً جدًّا مِن جوانبَ كثيرة. صحيحٌ أنَّهم كانوا قد قَبِلوا المسيحَ، ولكنَّهم لم يكونوا مُطيعينَ لَهُ في أمورٍ كثيرة. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يَقولُ إنَّ: "كُلَّ شَيْءٍ لَكُمْ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ طبيعةَ اللهِ هي أنَّهُ سَخِيٌّ. وعندما يُعطي اللهُ الخلاصَ فإنَّهُ يُعطي مِلْءَ الخَلاص. فهي نِعمة فَوقَ نِعمة، وهي رَحمة فوقَ رَحمة، وهي كُلُّ ما يُمكنُ أن يُعطيهِ اللهُ. ويُتابِعُ بُولُسُ كَلامَهُ قائِلاً: "أَبُولُسُ، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبَلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ".
فبولسُ لَكُم، وأبُلُّس لَكُم، وبُطرُس لَكُم، وكُلُّ المُعلِّمينَ الرَّائعينَ والعالَمَ لَكُم. والحياةُ لَكُم، والمَوتُ لَكُم، والأشياءُ الحاضرةُ لكم، والأشياءُ المُستقبَلةُ لكم. كُلُّ شيءٍ لكم. ثُمَّ إليكُم الذُّروة: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ للهِ". يا للعَجَب! نحنُ نَملِكُ كُلَّ شيءٍ إذْ إنَّ أيَّ شَيءٍ لدى اللهِ والمسيحِ هو لَنا. فنحنُ لنا العالَم إذ إنَّ اللهَ خَلَقَهُ لأجلِنا. ونحنُ لنا الحياةُ؛ أيِ الحياةُ الروحيَّة والأبديَّةُ في المسيح. ونحنُ لَنا المَوتُ لأنَّ المَوتَ رِبحٌ لنا. ونحنُ لنا الأشياء الحاضِرة. وهذا يَضُمُّ كُلَّ شيءٍ في الحياة؛ أي كُلَّ شيءٍ في هذه الحياة، وكُلَّ شيءٍ نَختبرُهُ سواءَ كانَ خَيرًا أَم شَرَّا، مُبهِجًا أَم مُؤلِمًا، والأفراحَ، وخيباتِ الأمل، والصحَّة، والمَرض. فقد وَهَبنا اللهُ كُلَّ هذه الأشياء وجَعَلها تَعمل معًا لخيرِنا. ونحنُ نَملِكُ الأشياءَ المُستقبليَّة: المُكافأة الأبديَّة، وأمجاد السَّماء، والسَّماء الجديدة، والأرض الجديدة، والمَملكة الألفيَّة. ونحنُ للمسيح، والمسيحُ لله. وكُلُّ شيءٍ مَشمولٌ في نفسِ العَطِيَّة. يا للعَجَب! يا لها مِن أفكارٍ بَديعةٍ ورائعة!
لِذا، لا عَجَبَ أنَّهُ في الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالة كورنثوسَ الأولى والعدد التَّاسع، كَتَبَ بولسُ: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ". اسمَعوني يا أصدقائي الأعِزَّاء: يُخبرُنا العُلماءُ أنَّنا نَستخدِمُ فقط أقلَّ مِن عشرة بالمئة مِن عُقولِنا في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقات. وهذا واضحٌ بالنِّسبة إلى فئةٍ مِنَ النَّاس، ولكنَّهُ ليسَ كذلك بالنِّسبة إلى الأغلبيَّة مِنَّا. ولكنَّهُ ليسَ كذلك بالنِّسبة إلى الأغلبيَّة مِنَّا. فإن كُنتَ تَستخدِمُ فقط أقلَّ مِن عشرة بالمئة مِن عقلِك، يُمكنني أن أقولَ لكم الآن أنَّنا (أنا وأنتُم) نَستخدِمُ جُزءًا صغيرًا جدًّا جدًّا مِن كُلِّ النِّعمةِ الَّتي لنا في المسيح. فأعينُكم لم تَرَ ذلكَ بَعد. وآذانُكم لم تَسمع ذلك بَعد. وقُلوبُكم لم تَستوعِب بعد كُلَّ ما وَهَبَكُم الرَّبُّ إيَّاه في المسيح. وهذا هو ما تَقولُهُ الآية 2كورنثوس 9: 8 إذْ نَقرأ: "وَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِح". ويا لها مِن جُملةٍ رائعة! فهي آية رائعة وحَسْب. واسمحوا لي أن أَقرأها مَرَّةً أخرى: "وَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِح".
هل تَملِكونَ كُلَّ ما تَحتاجونَ إليه؟ أجل! بل إنَّكم تَملِكونَ أكثرَ مِمَّا تَحتاجونَ إليه. فأنتُم لديكم كُلُّ نِعمة فائقة ومُتدفِّقة. لِذا فإنَّكم مُكتفونَ دائمًا في كُلِّ شيء، ولديكم وَفْرة تُمكِّنُكُم مِنَ القيامِ بكُلِّ عَملٍ صالح. والكلمة "اكتفاء" المذكورة هنا هي: "أوتاركيا" (autarkeia)، وهي تَعني: "اكتفاء ذاتيّ" أو "يَتمتَّع بالاكتفاءِ الذَّاتيّ". وهي تَعني أن تكونَ مُستقلاًّ عن الظُّروفِ الخارجيَّة، وتَعني تحديدًا ألاَّ تكونَ مُعتمدًا على خِدماتِ الآخرين. أليس هذا الأمرُ مُدهشًا؟ أي أنَّكَ (بصفتكَ مُؤمنًا) لستَ مُتَّكِلاً على الآخرين، بل مُكْتَفٍ بذاتِكَ ومُستقلًّا بذاتِك! بعبارة أخرى، أنتَ تَملِكُ نِعمةً فوقَ نِعمة فوقَ نِعمة في المسيح، وأنَّ هذه النِّعمة هي أكثر مِن كافية لكُلِّ حاجةٍ في الحياة. لِذا فإنَّكَ مُكْتَفٍ دائمًا في كلِّ شيء. لِذا فإنَّ الرَّسولَ يقولُ بوضوح إنَّ المؤمنَ، بالنِّعمةِ الإلهيَّةِ، صارَ مُكتفيًا، وصار يَملِكُ القُدرةَ والقوَّةَ على الوفاءِ بِكُلِّ ما هو [أو هي] بحاجة إليه.
فنحنُ نَنظُرُ إلى الحياةِ ونَرى كُلَّ شيءٍ في الحياة، ونَرى كُلَّ التَّجاربِ والمِحَنِ في الحياة. ولكن اسمعوني: لا يوجد سبب يَدعوكَ (إن كُنتَ مَسيحيًّا حقيقيًّا) إلى الاعتقادِ بأنَّكَ لا تَملِكُ مَا يَكفي. فأنتَ مُكْتَفٍ دائمًا في كلِّ شيء. لماذا؟ لأنَّ اللهَ السَّخيَّ قد أَسبَغَ عليكَ نِعمةً فائقةً لم تَستوعبها بعد، ولم تَستخدمها بعد. اسمعوا الكلماتِ التَّالية مِن رسالة أفسُس 1: 3: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيح". فنحنُ نَملِكُ كلَّ شيء. فقد بارَكَنا بكُلِّ بَرَكةٍ رُوحيَّة – بكُلِّ بَركةٍ رُوحيَّة. وَهُوَ يقولُ في الأصحاحِ الثَّاني والعددِ السَّابع: "لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ..." – أي مِنَ الخلاصِ فَصاعِدًا إلى أبدِ الآبِدين سنَختبرُ "...غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". إنَّها نِعمةٌ فَوقَ نِعمة فَوقَ نِعمة. وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الثالثِ مِن رسالة أفسُس والعدد 18: "وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ". بعبارة أخرى، هل تُدركونَ ما لَديكُم؟ عَرضُهُ، وعُمقُهُ، وطُولُهُ وعُلوه!
لا شَكَّ في أنَّكم تَمَلُّونَ مِن رُؤيةِ أولئكَ المؤمنينَ الَّذينَ لا يَتوقَّفونَ عن طَلَبِ المَزيد. أليسَ كذلك؟ المزيد مِن ماذا؟ انظروا إلى رسالة كولوسي 2: 8: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيح". لا تَسمحوا لأحدٍ أن يَسبيكُم إلى أيِّ نِظامٍ بَشريٍّ. والآن، استمعوا إلى العددَيْن 9 و10: "فَإِنَّهُ فِيهِ [أيْ: في المَسيح] يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا". والآن، استمعوا إلى الكلماتِ التَّالية: "وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ". يا لها مِن جُملة! يا لها مِن جُملةٍ رائعة! فأنتُم مَمْلُوؤونَ فيه وصِرتُم كامِلينَ فيه.
والآن، بالرَّغمِ مِن كُلِّ هذا الإعلانِ عن سَخاءِ اللهِ العَجيب، لا يَكتُبُ أحدٌ عن ذلك! وبالرَّغمِ مِن كُلِّ هذا الإعلانِ عن سَخاءِ اللهِ العَجيب، ما يَزالُ المؤمنونَ يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ بَخيلٌ، وأنَّهُ رُبَّما أعطاهُم نِعمةَ الخلاصِ، ولكنَّهُ لم يُعطِهم نِعمةً كافيةً لكي يَتقدَّسوا، أو رُبَّما أنَّهُ أعطاهُم نِعمة كافية لكي يَتقدَّسوا، ولكنَّهُ لم يُعطِهم نِعمة كافية للتَّمجيد. فَهُم يَظُنُّونَ أنَّكَ قد تَفقِد خلاصَك. أو رُبَّما أنَّهُ أعطاكَ نِعمةً كافيةً لِتَخلُص، ونِعمةً كافيةً لتتقدَّس إلى حَدٍّ مَا، ونِعمةً كافيةً لتَتمجَّد؛ ولكنَّهُ لم يُعطِكَ نِعمةً كافيةً لمُعالجة مَشاكلِك. فقد خَدَعَكَ فيما يَختصُّ بالمصادرِ اللاَّزمة للحياة! هذا يا أحبَّائي مَوْقِفٌ جَاحِدٌ جدًّا تُجاهَ اللهِ السَّخيِّ. اسمَعوا كلماتِ سُليمان الَّذي كانَ أَحكَمَ مِن كثيرينَ في عَالَمِه. فقد قالَ في سِفْر الجامعة 3: 14 ما يَلي: "قَدْ عَرَفْتُ..." - "قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ اللهُ أَنَّهُ يَكُونُ إِلَى الأَبَدِ. لاَ شَيْءَ يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلاَ شَيْءَ يُنْقَصُ مِنْهُ". وهذا جَيِّد. فأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي يُعطيهِ الله، لا يُمكنكَ أن تَزيدَ عليه، ولا يُمكنكَ أن تُنقِصَ مِنه. إذًا، هل نَحنُ مُكتفونَ في المسيح؟ أَم أنَّنا نَفتَقِرُ إلى المَصادِر؟ وهل نحنُ بحاجة إلى المزيدِ مِن يَسوع؟ هل نحنُ بحاجة إلى المزيدِ مِنَ القُوَّة الخارقة للطَّبيعة؟ وهل نجنُ بحاجة إلى مُساعدة بَشريَّة، أو إلى عِلاج، أو إلى عِلاجٍ نَفسيٍّ غير مُتاحٍ في الكتاب المقدَّس؟ "لاَ يَمْنَعُ خَيْرًا عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَال" (المَزمور 84: 11). فلا يوجد نَقصٌ في أيِّ شيء.
وقد تَقول: "لماذا يَشُكُّ كثيرونَ في ذلك؟" واحدٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي تَجعلُ النَّاسَ يَشُكُّونَ في ذلك هو أنَّهم ليسوا مُخَلَّصينَ حَقًّا، وليست لديهم علاقة بيسوعَ المسيح. لِذا فإنَّهم ليسوا مُكْتَفين. فَهُم يَظُنُّونَ وَحَسْب أنَّهم مُخلَّصون. وهناكَ سببٌ آخر يَجعلُ النَّاسَ يَشُكُّونَ في ذلك وهو أنَّهُم جُهَّال. فَهُم لا يُدركونَ ما يَملِكونَهُ. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إلى أهلِ أفسُس: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ [غِنَى نِعْمَتِهِ]". وهناكَ سببٌ آخر يَجعلُ النَّاسَ لا يَختبرونَ ذلك. فبالرَّغمِ مِن كونِهم مُخَلَّصينَ حقًّا ومُكْتَفينَ، ومع أنَّهم رُبَّما تَلَقَّوْا تَعليمًا جَيِّدًا عن ذلك ويَعلمونَ أنَّهُم مُكتَفون فإنَّهم لا يَسلُكونَ بالاستقامة. لِذا فإنَّ المَصادرَ مَوجودة، ولكنَّهُم لا يَستخدِمونَها. أمَّا بالنِّسبةِ إلى المؤمنِ الحقيقيِّ والمُطيع، هناكَ اكتفاءٌ كاملٌ في المسيح. فَكِّروا في ذلك بالطَّريقةِ التَّاليةِ وَفقًا لما جاءَ في رُومية 8. فهذه كلمات قويَّة جدًّا جدًّا. رسالة رُومية 8: 31. استمعوا إلى ما يَلي: "اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِين". تَوقَّفوا هُنا. فهو يَتحدَّثُ عنِ الله. فاللهُ لم يُشفِق على ابنِه، بل أرسلَ ابنَهُ (يسوعَ المسيحَ) إلى العالَمِ لكي يَموتَ على الصَّليب عن خطايانا.
حسنًا! إن لم يُشفِق اللهُ على ابنِه (الَّذي هو أكثر ما يُمكنُهُ أن يَبذُلَهُ)، أليسَ كذلك؟ فقد كانَ أكثرَ ما يُمكنُهُ أن يَبذُلَهُ، فإنَّ بولسَ يقول: "كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ [أي: مَعَ ابنِهِ] كُلَّ شَيْءٍ؟" هذا هو مَنْطِقُهُ: إن كانَ اللهُ قد وَهَبَنا أثمنَ شيء (أي: ذَبيحةَ ابنِهِ)، كيفَ نَظُنُّ أنَّهُ قد يَبخَل علينا بالأشياءِ الأخرى، أو بالأشياءِ الجيِّدةِ الَّتي اشتراها ابنُهُ بِموتِه؟ هل هذا مَعقول؟ فإن كانَ اللهُ قد وَهَبَنا أثمنَ شَيء، لن يَبخَلَ علينا بأرخصِ الأشياء. وقد تقول: "صَحيحٌ أنَّ اللهَ وَهَبني أثمَنَ هِبَةٍ لديه [أي: ابنَهُ]، وغَفَرَ لي خَطايايَ مِن خلالِ ذَبيحةِ ابنِهِ، ولكنَّهُ لن يُعطيني سلامًا يَكفي للتَّعامُلِ مَع هذا الموقِف". لا! فإن كانَ قد وَهَبَكَ أثمَنَ مَا لَديه، ما الَّذي سيَجعلُهُ يَبخَلُ عليكَ بأرخصِ الأشياء؟ وكما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ هذه الآياتِ تَتحدَّثُ عنِ الحقيقةِ العظيمةِ بأنَّنا مُكْتَفونَ في المسيح. فنحنُ لدينا خَلاصٌ كَافٍ. وأنا لا أُقَلِّلُ مِن شَأنِ الشَّرِكَة، ولا أُقَلِّلُ مِن شَأنِ حِكمَتِهِ ورِعايَتِهِ ولُطفِهِ ومَشورَتِه؛ ولكنِّي أقولُ وَحَسْب إنَّهُ عندما يَختصُّ الأمرُ بالمَصادرِ الروحيَّةِ فإنَّنا [بِفَضْلِ الرُّوحِ السَّاكِن فينا، ومُعجزةِ الخلاصِ] مُؤمنونَ مُكْتَفونَ ومَملوؤون. فالخلاصُ ليسَ هِبَةً رخيصةً، بل إنَّهُ في إنجيل مَتَّى 22: 4، يُشَبِّهُ يَسوعُ الخلاصَ بوليمةِ عُرْس. والسَّببُ في أنَّهُ استَخدَمَ وليمةَ العُرسِ هو أنَّهُ في ولائمِ الأعراسِ، كانَ الطَّعامُ يُقدَّمُ بوَفرة. فعندما خَلُصْتَ، أَسبَغَ اللهُ عليكَ نِعمةً سَخيَّةً تُشبِهُ ذلك السَّخاءَ الَّذي يُظهِرُهُ النَّاسُ في وَليمةِ العُرس.
هل تَذكرونَ في لُوقا 15 عندما عادَ الابنُ الضَّالُّ إلى البيت؛ وهي صُورة عن عودةِ الخاطئِ إلى الله؟ ماذا فَعلَ الأبُ؟ لقد قالَ الأبُ: "أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَح". وهذه صُورة للخلاص. فاللهُ لا يقول: "لقد أعطيتُكم الخلاصَ؛ ولكن لا تَتوقَّعوا المَزيد"، بل إنَّها وَليمةُ عُرسٍ كاملة وسَخِيَّة تَحوي كُلَّ ما يُمكن أن يُعطيهِ الله. فهكذا يَعملُ اللهُ إذْ إنَّهُ يُعطينا الأفضلَ مِن كُلِّ شيء. وكُلُّ ذلكَ يَقودُنا إلى العددِ الثَّالث. ورُبَّما لم تكونوا تَعلمونَ ذلك، ولكنَّها الحقيقة. وما الَّذي يَقولُهُ العددُ الثَّالث؟ "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا [ماذا؟] كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". في مُقدِّمةِ بُطرس لهذه الرِّسالة الرَّائعة، يَتحدَّثُ عن خَلاصِنا. والتَّيقُّنُ مِن خَلاصِنا هو أوَّلُ مَوقفٍ نأخُذُهُ للتَّصَدِّي للمُعَلِّمينَ الكَذَبة. فالمُعَلِّمونَ الكَذَبة هُم فِكرتُهُ الرَّئيسيَّة. ولكنَّهُ يَبتدئُ بالتَّحدُّثِ عن خَلاصِنا؛ وهو الموقفُ الَّذي نأخُذُهُ للتَّصَدِّي للتَّعليمِ الزَّائف. وقد تَحَدَّثَ للتَّوّ عن مَصدرِ خَلاصِنا في العددِ الأوَّل، وتَحدَّثَ عن جَوهرِ خَلاصِنا في العددِ الثَّاني. وهو يَتحدَّثُ الآنَ عن كِفايةِ خَلاصِنا في العَددينِ الثَّالث والرَّابع. وهي [في الحقيقة] واحدة مِن أعظمِ الجُمَلِ في كُلِّ صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس.
إذًا، لِنَتحدَّث عن كِفايَة خَلاصِنا. ولن نَتمكَّنَ مِن قَولِ كُلِّ ما ينبغي قَولُه لأنَّه يُعوِزُنا الوقت لذلك، ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لكم بِضعَ نِقاطٍ تُرَكِّزونَ عليها. حسنًا؟ عندما نَنظُرُ إلى هَاتينِ الآيتَيْن، يجب أن نَشعُرَ بفرحٍ لا نِهايةَ لَهُ عندما نَرى مِقدارَ كِفايتِنا بيسوعَ المسيح. وأوَّلُ كلمة أريدُ منكم أن تُدَوِّنوها هي الكلمة "قُدرة" – قُدرة. وسوفَ نَستخدِمُ هذه الكلماتِ للتَّأمُّلِ في هاتينِ الآيتين: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ". والآن، إنَّ القُدرةَ هي مَصدَرُ كِفايتِنا. فأيًّا كانتِ الكِفايةُ الَّتي وُهِبَت لنا فإنَّها نابعة مِن طَاقةٍ خارقةٍ للطَّبيعة. فهذا لم يَحدث بسبب قُدرتِنا نحن، ولم يَحدث بسببِ أيِّ شيءٍ فَعلناه، ولا بسببِ قُدرةٍ طبيعيَّة، وليسَ بسببِ قُدرةٍ بَشريَّة، بل بسببِ قُدرةٍ إلهيَّة. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَبتدئُ بقينٍ رَاسِخٍ وهو أنَّهُ مِن خلالِ امتيازاتِ خلاصِنا، فإنَّ قُدرةَ اللهِ تَعمل بِكُلِّ طاقتِها. ويا لها مِن فِكرةٍ رائعة! وقد عَبَّرَ بولسُ عن ذلك بالكلماتِ التَّالية: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا". أيَّةُ قُوَّة؟ القُوَّةُ الَّتي أَقامَت يَسوعَ مِنَ الأموات. فقوَّةُ القيامة تَعمل فينا. ويُمكننا أن نَفعلَ أكثر جدًّا مِمَّا نَفتَكِر، وأكثر جدًّا مِمَّا نقول. إنَّها القوَّة الإلهيَّة: "قُدرتَهُ الإلهيَّة".
ورُبَّما كانَ الضَّميرُ هُنا يَعودُ على يسوعَ رَبِّنا؛ أي قُدرةَ الرَّبِّ يسوع. وقد تقول: "ولكن رُبَّما يَعودُ الضَّميرُ هُنا على الله". هذا مُمكِن؛ ولكنَّهُ رُبَّما لم يَكُن سيَستخدِمُ الكلمة "إلهيَّة" في تلك الحالة لأنَّهُ لو كانَ يُشيرُ إلى الله لكانَ يَكفي أن يَقولُ: "قُدرَتَهُ" حيثُ إنَّ الكلمة "الله" تُشيرُ في ذاتِها إلى الأُلوهيَّة. ولكن حيثُ إنَّهُ يُضيفُ الكلمة "إلهيَّة"، قد يَدفعُنا ذلك إلى افتراضِ أنَّ الضَّميرَ هُنا يُشيرُ إلى يسوعَ رَبِّنا الَّذي رُبَّما يَشُكُّ أُناسٌ في لاهوتِه. لِذا فإنَّهُ يَذكُرُ يَسوعَ رَبَّنا ويقولُ إنَّها قُدرَتُهُ الإلهيَّة... قُدرَتُهُ الإلهيَّة. ووَفقًا لإنجيل مَتَّى 24: 30، فإنَّ الرَّبَّ يسوعَ يَملِكُ قُوَّةً عظيمة. ووَفقًا لإنجيل مَرقُس 5: 30 فإنَّ قُوَّةً عظيمةً خَرَجت منه للشِّفاء. ووَفقًا لإنجيل لوقا 4: 14، فإنَّ خِدمتَهُ في الجَليل تَمَّت بقوَّة. ووَفقًا لإنجيل لوقا 5: 17، كانت قُوَّةُ الرَّبِّ الإلهِ حَالَّةً فيه. ويقولُ بولُس في رسالتِهِ إلى أهلِ رُومية 1: 4 إنَّ يسوعَ المسيحَ كانَ ابنَ اللهِ بقوَّة. وقد كانَ بولُسُ فَرِحًا لأنَّ قُوَّةَ المسيحِ قد حَلَّتْ عليه (بِحَسَبِ رسالة كورِنثوس الثانية 12: 9).
لِذا يا أحبَّائي، لا يُمكِنُ أن يَفقِدَ المؤمنُ القُدرة. هل سَمعتُم ذلك؟ قد تَشعُرُ بالفُتور، وقد تُطفئُ أنتَ الزِّرَّ؛ ولكنَّ القُوَّةَ لن تَزول. فهذا لن يَحدُث. فهي مَوجودة. إنَّها القُدرةُ الإلهيَّة. ففي اللَّحظةِ الَّتي آمَنَّا فيها بيسوعَ المسيح، وُهِبَت لنا القُدرةَ الإلهيَّة – أي: للمُؤمِنين. والكلمة "وُهِبَت"... وقد كُنتُ أتمنَّى أن يكونَ لدينا الوقتُ الكافي للتَّأمُّلِ فيها بِعُمق... إنَّها كلمة مُرَكَّبَة، وتَرِدُ بصيغةِ المُضارِعِ التَّامِّ بِمَعنى أنَّ اللهَ قد وَهَبَنا بسخاءٍ قُوَّةً دائمة. فهي شيءٌ وَهَبَهُ اللهُ لنا في الماضي ولهُ نَتائج مُستمرَّة. لِذا، لا يُمكِن أن نَفقِدَ تلك القُدرة. وهذه أشياءٌ لا تُوجدُ فينا بصورةٍ طَبيعيَّة، بل يَنبغي أن تُعطَى لنا. ويسوعُ رَبُّنا [بِقُدرتِهِ الإلهيَّةِ] يَستمرُّ في إعطائها بسَخاءٍ لَنا.
والكلمةُ الثَّانيةُ الَّتي أريدُ أن تُرَكِّزوا عليها هي: "وَهَبَتْ". فما الَّذي وَهَبَتْهُ لنا قُدرتُه؟ لقد وَهَبَتْ لَنا شيئًا. ما هو هذا الشَّيء؟ لقد وَهَبَ لنا [لاحِظوا]: "كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". وهذه جُملة رائعة جدًّا. فلولا حَقيقة أنَّها كلمةُ الله، لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ مِنَّا أن يَنظُرَ إلى حَياتِهِ العمليَّة ويَظُنَّ أنَّهُ حَصَلَ على كُلِّ ما هُوَ للحياةِ والتَّقوى لأنَّنا نَتَخَبَّطُ ونَتَعَثَّرُ كثيرًا. ولكنَّ هذا هو ما تَقولُهُ الآية. فالكلمةُ "كُلّ" تَرِدُ بصيغةٍ تَوكيديَّةٍ لأنَّ ما يُرَكِّزُ عليهِ بُطرسُ هو الكِفاية الكامِلَة. فنحنُ لدينا كُلُّ شيءٍ يَخْتَصُّ بماذا؟ أولاً: كُلُّ شيءٍ يَختصُّ بالحياة. ويا لها مِن جُملةٍ رائعة! فالحياةُ هي الواقعُ الجَوهريُّ. وكُلُّ شيءٍ يَختصُّ بالحياةِ مُتوفِّرٌ لدينا. فنحنُ لنا الحياة الجديدة في المسيح. وكُلُّ شيءٍ يَختصُ بالحِفاظِ على تلكَ الحياة مُتوفِّرٌ لدينا. لِذا، يجب علينا أن نُؤمِنَ بأنَّ المُؤمِنَ مَضمونٌ إلى الأبد. لماذا؟ لأنَّكَ تَملِكُ كُلَّ شيءٍ يَختصُّ بتلك الحياة. لِذا فإنَّنا نُؤمِنُ بأنَّ المؤمنَ سَيُثابِر إلى الأبد. لماذا؟ لأنَّكُم تَملِكونَ كلَّ ما هُوَ ضَروريٌّ للحِفاظِ على تلكَ الحياة. لِذا فإنَّنا نُؤمِنُ بأنَّهُ في أيِّ مِحنةٍ أو صِراعٍ أو تَجربةٍ في الحياة، أنتُم تَملِكونَ كُلَّ ما تَحتاجونَ إليه لأنَّ كُلَّ ما تَحتاجونَ إليهِ للحياة مُتوفِّرٌ لديكم. وأنتُم تَملِكونَهُ بمِلئِهِ، وتَملِكونَهُ بِوَفرَة، وتَملكونَهُ بصورةٍ كاملة. كُلَّ شيء. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قائلاً: "والتَّقوى"؛ أي إنَّ كُلَّ ما تَحتاجونَ إليهِ لحياةِ التَّقوى مُتوفِّرٌ لديكم.
وتلك الكلمة الرَّائعة "يوسيبيا" (eusebeia) تُشيرُ إلى الوَقارِ الحَقيقيِّ؛ أي إلى الوَقارِ في العِبادة، وإلى الطَّاعةِ العَمليَّة. فكُلُّ ما يَلزَمُكَ لِتَكونَ إنسانًا وَقورًا، ومُقدَّسًا، ووَرِعًا هو لَديك. فلا حاجةَ إلى أن تَطلُبَ المَزيد، ولا حَاجةَ إلى أن تَطلُبَ ما هو أكثر مِن ذلك، أو أن تَبحثَ عنِ اختبارٍ عَجيبٍ، أو عن مَوهبةٍ غَريبة، أو مُعجزة، أو عن شيءٍ عَجيبٍ، أو عن آية. فأنتَ تَملِكُ كُلَّ مَصدرٍ رُوحيٍّ لِحِفْظِ وتَكميلِ تلكَ الحياة الأبديَّة الَّتي فيكَ، وتَملِكُ كُلَّ مَصدرٍ رُوحيٍّ لإظهارِ تلكَ الحياةِ مِن خلالِ الحياةِ التَّقيَّة. يا لها مِن جُملةٍ رائعة! واسمحوا لي أن أقولَ ذلك مَرَّةً أخرى: أنتَ تَملِكُ كُلَّ مَصدرٍ رُوحيٍّ لِحِفْظِ وتَكميلِ تلكَ الحياة الأبديَّة الَّتي فيكَ، وتَملِكُ كُلَّ مَصدرٍ رُوحيٍّ لإظهارِ تلكَ الحياةِ مِن خلالِ الحياةِ التَّقيَّة. فَكُلُّ ما تَحتاجُ إليهِ مَوجود. فالمسألةُ ليست مَسألة كِفاية. فالنِّعمةُ القويَّةُ الَّتي تَقدِرُ أن تُخَلِّص تَقدِرُ أيضًا أن تَحفَظَ، وتَقدِرُ أيضًا أن تُظهِرَ ذاتها في سُلوكِنا.
لقد تَحدَّثنا عنِ الكلمة "قُدرة" والكلمة "وَهَبَتْ". والكلمةُ الثَّالثةُ هي: "بِمَعرفة". فكيفَ وُهِبَت لنا هذه القُدرة؟ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَة". يا لها مِن جُملةٍ رائعة! فكيفَ تَحصُلونَ على ذلك؟ مِن خلالِ مَعرفتِهِ مَعرفةً حَقيقيَّة. وقد تقول: "ما مَعنى ذلك؟" إنَّ مَعناها بالنِّسبةِ إليَّ هو أنَّهُ يجب عليكَ أن تَعرفَ المسيح. يجب عليكَ أن تَعرفَ المسيح. والكلمة المُستخدَمة هنا (وهي: "إبيغنوسيس" – "epignosis") تَعني ببساطة: "مَعرفة". وهي تُتَرجم أحيانًا: "مَعرفة عَميقة" أو "مَعرفة حَقيقيَّة"؛ ولكنَّها تُستخدَمُ في الحقيقة بالتَّبادُلِ معَ تلك الكلمة الأبسط مِنها وهي: "نوسيس" (gnosis) ومَعناها: "يَعرِف". ولكنَّ ما يَقولُهُ هنا هو إنَّهُ يجبُ عليكَ أن تَعرفَ المسيح؛ لا مَعرفةً سَطحيَّةً، ولا إدراكًا سَطحيًّا لحقيقةِ أنَّ يسوعَ عاشَ، وَماتَ، وقامَ ثانيةً، وما إلى ذلك، ولا مَعرفةً سَطحيَّةً بقصَّةِ يسوع؛ بل يجب عليكَ أن تَعرِفَهُ... أن تَعرِفَهُ.
هل تَذكرونَ الآية مَتَّى 7: 21؟ "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ!... فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: اذْهَبُوا عَنِّي... إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" "ولكنَّنا يا رَبُّ... ولكنَّنا كَرَزنا باسمِكَ، وصَنَعنا مُعجزاتٍ كثيرةً باسمِكَ، وطَرَدنا شياطينَ باسمِكَ! إنِّي لم أَعرفكُم قَطّ!" إذا، ما الَّذي نَعنيه بالمَعرفة؟ نحنُ نَتحدَّثُ عن نَوعٍ مِنَ المعرفة يَلزَمُنا أن نَتحدَّثَ عنه. فهي لا تَعني أن تَعرِفَ مَعرفةً سَطحيَّةً ضَحلة، بل أن تَعرِفَ بالمَعنى العَميقِ والحَميم. وهذا يُشبِهُ ما جاءَ في العهدِ القديمِ إذْ نَقرأُ إنَّ قايينَ عَرَفَ امرأتَهُ فولدَت ابنًا. فهي مَعرفة عميقة. وقد دُهِشَ يُوسُفُ عندما رأى أنَّ مَريمَ حُبْلَى لأنَّهُ لم يَعرفها. وهذا يُشيرُ إلى أنَّهُ لم يُعاشِرها مُعاشرةً جِنسيَّةً حميمة. فهي كلمة تُشيرُ إلى العلاقةِ الحَميمة. وعندما نَقرأُ أنَّ تلك القُدرة قد وُهِبَت لنا بمَعرفتِه، فإنَّها تَعني تلك العَلاقة الحميمة الَّتي يُمكنُ للمَرءِ أن يَختبرها معَ المسيحِ بالإيمانِ مِن خلالِ مَعرفةِ المسيحِ مَعرفةً حَقيقيَّةً بِمَعنى الشَّركة الحميمة. فعندما يَعرفُ المَرءُ المسيحَ مَعرفةً حَقيقيَّة فإنَّهُ يَحصُلُ على قُوَّةِ اللهِ مِن خلالِ المسيح. وهذا يَجلِبُ كُلَّ شَيءٍ رُوحيٍّ قد تَحتاجُ إليهِ حَياتُهُ للبقاءِ بأفضلِ حالةٍ مُمكنةٍ والتَّعبيرِ عن نَفسِها مِن خلالِ التَّقوى.
وقد تَقول: "وكيفَ تَحدُثُ تلك المعرفة الشخصيَّة؟" عندما أُدركُ أنَّ يسوعَ عاشَ وماتَ بصفتِهِ اللهَ الظَّاهِرَ في جَسَدٍ بَشريٍّ، وعندما أُدركُ أنَّهُ ماتَ عن خَطاياي، وعندما أُدركُ أنَّهُ قامَ ثانيةً، وعندما أُدركُ أنَّهُ رَبٌّ على الكُلِّ وآتي إليهِ وأقول: "أنا أُوْمِنُ بِك، وأترُكُ خَطاياي، وأُسَلِّمُكَ حَياتي وأتبَعُكَ بطاعةٍ بِصِفَتِكَ رَبًّا لي"، فإنَّ هذا يَجعلُ الإنسانَ يَعرِفُ يسوعَ المسيحَ مَعرفةً حَقيقيَّة. ومِن خلالِ تلك المَعرفةِ الحقيقيَّة، تَنبُعُ القُوَّةُ وتُوهَبُ القُدرة. ولا حاجةَ إلى طَلَبِ أيِّ شيءٍ إضافيٍّ. فنحنُ لا نُولَدُ مِثلَ صِغار الضَّفادِع. فأعتقدُ أنَّ أغلبيَّةَ المسيحيِّينَ يَظُنُّونَ أنَّنا كذلك. هل تَعرفونَ كيفَ يكونُ الشُّرغوفُ مِثلَ الفَاصِلَةِ أو مِثلَ الفَاصِلَةِ المَنقوطَة إذْ يكونُ لهُ رأسٌ صَغيرٌ وذَنَب؟ فأنا أعتقدُ أنَّ بَعضًا مِنَّا يَظُنُّونَ أنَّ المسيحيَّ هو ضفْدَعٌ صَغير. فأنتَ تُولَدُ مِثلَ الشُّرغوفِ، ثُمَّ تَظهَرُ ذِراعٌ، ثُمَّ ذِراعٌ أخرى، ثُمَّ سَاقٌ! لا! فأنتَ لا تُولَدُ كشُرغوف. فعندما تُولدُ ولادةً جَديدةً في عائلةِ اللهِ، تُولَدُ كامِلاً ومُكتملاً. فلن يُضافَ أيُّ شيءٍ جديد آخر. فأنتَ ماذا؟ خَليقَةٌ جَديدةٌ تَمامًا. فأنتَ لستَ شُرغوفًا، بل حَياة جديدة مُكتملة ومُكتفية تمامًا. ولا شَكَّ في أنَّكَ ستحتاجُ إلى التَّعلُّم، وإلى النُّمُوِّ؛ ولكنَّ كُلَّ المَصادِرِ مُتوفِّرة. "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ [كيف؟] بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". فمِن خلالِ يسوعَ المسيحِ، تُسَدُّ كُلُّ احتياجاتِكُم. لِذا فإنَّ المعرفةَ الشَّخصيَّةَ بيسوعَ المسيحِ هي الطَّريقةُ الَّتي تُوهَبُ لكَ القُدرةُ مِن خلالِها.
ولكن هناكَ المَزيدُ هُنا. فهناكَ عُنصرانِ في هذه المعرفة الحقيقيَّة المُدهشة: الأوَّلُ هو أنَّ اللهَ هو الَّذي يُبادِرُ إليها. أرجو أن تَنظروا إلى العددِ الثَّالث: فهي تَحدُثُ "بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا". يا للعَجَب! فلا يُمكنُكَ أن تَحصُلَ على تلك المعرفة الحقيقيَّة ما لم [ماذا؟] يَدعوكَ اللهُ. وهذا هو جانبُ السِّيادة الإلهيَّة. وكيفَ يَدعوكَ اللهُ؟ كيفَ يَفعلُ ذلك؟ أولاً، نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ السَّادس عشر أنَّ الرُّوح القُدُس يَبتدئُ في تَبكيتِكَ على خَطيَّة فَترى خَطيَّتَك. ثُمَّ إنَّني أعتقدُ أنَّ هَيمنةَ الشَّيطانِ تُبْطَل. وحينئذٍ تَبتدئُ في رُؤيةِ نُورِ مَجدِ إنجيلِ يسوعَ المسيح. وهذا يعني أنَّ اللهَ يَجذِبُكَ. والطَّريقةُ الوحيدةُ للحُصولِ على هذه القُدرةِ هي مِن خلالِ المَعرفةِ الحقيقيِّةِ للمسيح. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ مِن خلالِها أن تَحصُلَ على المعرفةِ الحقيقيَّةِ للمسيحِ هي عندما يَدعوكَ اللهُ. وقد عَبَّرَ يسوعُ عن ذلك بالكلماتِ التَّالية: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". إن لم يَجتذبهُ. ولكن يوجد شيءٌ آخر. ماذا عن دَوري أنا؟ انظروا إلى العددِ الثالثِ مَرَّةً أخرى. فالمعرفةُ الحقيقيَّةُ تَبتدئُ عندما تَتِمُّ دَعوتُنا. ولكن لاحظوا أنَّ الدَّعوة تَصيرُ فاعِلَةً مِن نَحوِنا مِن خلالِ مَجْدِهِ وفَضيلَتِهِ هُوَ. فأنا لم أَنهَض مِنَ النَّومِ ذاتَ يومٍ وأقول: "أعتقد أنِّي سأصيرُ مَسيحيًّا. فأنا أَسمعُ اللهَ يَدعوني". وأنا لم أَنهض مِنَ النَّومِ ذاتَ يومٍ وأقول: "أنا أشعُرُ أنِّي أَنجذِب... وأَنجذِب... وأَنجذِب". لا! بل إنَّ الشَّيءَ الَّذي دَفَعَني إلى البحثِ عنِ المعرفةِ الحقيقيَّةِ للمسيح [لاحظوا هذا]: هو أنَّني رأيتُ مَجدَهُ وَفضيلَتَهُ. أتَفهمونَ ذلك؟
فاللهُ يَدعونا، ولكنَّ تلك الدَّعوةَ تَصيرُ فاعِلَةً عندما نَنجَذِبُ إلى مجدِ المسيحِ وفَضيلتِه. وهذا مُدهشٌ! وبُطرُسُ يُشيرُ إلى مَجدِ يسوعَ المسيحِ المُعلَن الَّذي جَعَلَهُ جَذَّابًا بالنِّسبةِ إلينا. لِذا فإنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ الَّتي يُمكِنُكَ مِن خلالها أن تَحصُلَ على الإيمانِ المُخَلِّصِ هي أن تَفهَمَ المسيح. لِذا فإنَّ كاتِبَ إنجيل يوحنَّا [على سبيلِ المِثالِ] يُقَدِّم في إنجيلِهِ وَحَسْب المسيحَ، ومُعجِزاتِ المسيحِ الواحدةَ تلو الأخرى تِلو الأخرى، ويَذكُرُ الكلماتِ المجيدةِ والرَّائعةِ والإلهيَّةِ والخارقةِ للطَّبيعةِ الَّتي نَطَقَ بها يسوعُ المسيح. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في النِّهاية: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ [لماذا؟] لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". فلا بُدَّ أن تَرَوْا مَجدَ المسيح. ولا بُدَّ أن تَرَوْا فَضيلةَ المسيح. مَجْدَهُ ("دوكسا" – "doxa"). وفي العهدِ القديمِ، نَرى أنَّ المَجدَ يُنسَبُ دائمًا إلى الله. لِذا، عندما تَرَوْنَ مَجدَ المسيح فإنَّكُم تَرَوْنَ لاهوت المسيح. فيجب عليكَ أن تَرى المسيحَ بصفتِهِ اللهَ الظَّاهِر في جَسَدٍ بَشريٍّ. ويجب أن تَتأثَّر بمَجدِ جَلالِ لاهوتِه. لِذا، يجب علينا أن نُقدِّمَ دائمًا المسيحَ، ثُمَّ أن نُقَدِّمَ المسيحَ، ثُمَ أن نُقَدِّمَ المَسيحَ لأنَّهُ مِن خلالِ ذلكَ تَصيرُ دَعوةُ اللهِ للبَشَر فاعِلَةً.
وكم يُدهشُني أن أَرى النَّاسَ اليومَ يَفترضونَ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَجتذبَ شخصًا إلى المسيح مِن دونِ تَقديمٍ واضحٍ للمسيح. فلا يُمكنُ لأيِّ إنسانٍ أن يُؤمِنَ ما لم يَسمَع عنِ المسيح (كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاحِ العاشِر). وأوَّلُ شيءٍ يَنبغي أن تَسمَعَ عنهُ هو مَجدُه؛ أي أنَّهُ الله. لِذا، صحيحٌ أنَّ النَّاسَ يَخلُصونَ لأنَّ اللهَ يَدعو ويَجذِب، ولكِن مِن جِهَتِنا البشريَّة فإنَّ ما يَأتي بِنا، وما يَجذبُنا، وما يَستخدِمُهُ الآبُ لِجَذبِنا هو مَجدُ المسيحِ؛ أي لاهوتُهُ. لِذا، ما الَّذي ينبغي لنا أن نَكرِزَ بهِ للخُطاة؟ وما الَّذي ينبغي أن نَكرِزَ بهِ للنَّاسِ الَّذينَ لا يَعرفونَ الرَّبَّ؟ يجب علينا أن نَكرِزَ بمجدِ يسوعَ المسيح. ويجب علينا أن نَكرِزَ بأنَّهُ كانَ اللهُ الظَّاهِرُ في جَسَدٍ بَشريٍّ كما هُوَ مُؤكَّدٌ مِن خلالِ أقوالِهِ وأفعالِه. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ إنَّنا نُجْذَبُ مِن خلالِ فَضيلتِهِ ("أريتي" – "arete"): فَضيلَتِه؛ أي لا فقط مِن خلالِ شَخصِهِ بصفتِهِ الله، بل أيضًا مِن خلالِ أعمالِهِ وحياتِهِ الَّتي كانت فَاضِلَة. فعندما أنظرُ إلى يسوعَ المسيح، أرى لا فقط الله، بل أرى أيضًا إنسانًا كامِلاً، وأرى فَضيلةً كاملةً، وأرى عَرضًا للأعمالِ الإلهيَّةِ والكلماتِ الإلهيَّةِ تأتي مِن خلالِ ذلكَ اللهِ-الإنسان. فالطَّبيعةُ الإلهيَّةُ ليسوعَ، والفَضيلةُ الأخلاقيَّةُ لحياتِهِ هُما ما يَجذبانِ البَشر. ويا أحبَّائي، اسمَحوا لي أن أقولَ لكم ما يَلي: إنَّ هذا هو الشَّيء الوحيد الَّذي سيَجذِبُ النَّاسَ إلى الله. لا أن نَعِدَهُم بالسَّعادة، ولا أن نَعِدَهُم بأوقاتٍ طَيِّبة، ولا أن نَعِدَهُم بالسَّماء. فكُلُّ هذه الأشياء ستأتي. لِذا لا حاجةَ إلى أن نَعِدَهُم بذلك، بل إنَّ ما يَجذِبُ النَّاسَ حَقًّا هو أن تَصيرَ رُؤيةُ المسيحِ واضحة؛ أي أن يَرَوْا أنَّهُ كانَ الله، وأنَّهُ كانَ كامِلاً. فَظُهورُ مَجدِهِ جَذَبَ الاثني عَشَر. وظُهورُ فَضيلَتِهِ حَفِظَهُم هُناك. وما يَزالُ ذلك هو الشَّيءُ نَفسُهُ الَّذي يَجذِب.
وهذا يَقودُنا إلى كَلِمةٍ رابعة وهي الكلمة: "مَواعيد" - مَواعيد. فقُدرةُ المسيحِ الإلهيَّة تَهَبُنا كُلَّ ما نَحتاجُ إليهِ مِن خلالِ مَعرفتِهِ، وهذا يُؤدِّي إلى حُصولِنا على المَواعيد إذ نَقرأ في العدد الرَّابع: "اللَّذَيْنِ بِهِمَا". بماذا؟ ماذا تَعني بالعبارة "اللَّذَيْن بهما"؟ أي بِمَجدِهِ وفَضيلَتِهِ. فمَجدُهُ وفَضيلتُهُ هُما ليسا الشَّيئَيْن الوَحيدَيْن اللَّذَيْن يَجذِباننا، بل إنَّ مَجدَهُ [بصفتِهِ الله] وفَضيلتَهُ [بصفتِهِ كامِلاً] هُما اللَّذانِ يَهَبانا وُعودَهُ العُظمَى والثَّمينة. "اللَّذَيْنِ بِهِمَا"؛ أي مِن خلالِ طَبيعتِهِ الإلهيَّةِ وشَخصِهِ القُدُّوسِ، أو بسببِ صِفاتِهِ. فهذا هو المَعنى المَقصود. فَبِسَبَبِ طَبيعَتِهِ "قَدْ وَهَبَ لَنَا". ومَرَّةً أخرى، نَجِدُ هُنا فِعلاً مُضارِعًا تامًّا يُفيدُ الاستمراريَّة. فقد وَهَبَنا ذلكَ. وتأثيرُ ذلكَ مُستمرّ. وما الَّذي وَهَبنا إيَّاه؟ انظروا إلى هذا: "الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ". ومِنَ الواضحِ أنَّ الكلمة "ثَمينة" تَعني: "قَيِّمَة" أو "غَالِيَة" أو "نَفيسَة". والكلمة "عُظمَى" ("ميغيستوس" – "megistos") تعني: "هائلة جدًّا" أو "فائقة" أو "الأعظم". لِذا، مِن خلالِ الإنجيلِ المُخَلِّص، وَهَبَنا رَبُّنا يَسوعُ المَجيدُ والعَظيمُ والفَاضِلُ والمُقدَّسُ بِصورةٍ سَخيَّةٍ ومُستمرَّةٍ: المَواعيد – المَواعيد.
وما هي هذه المَواعيد؟ لقد قال: "مَن آمَنَ بي سَيَحيا". وهذا وَعْدٌ بالحياة. وقد قال: "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ". وقد قال: "إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ". وقد وَعَدنا بالحياةِ بعدَ القِيامَة. فهي كُلُّ وُعودِه. الوُعودُ بكُلِّ الأشياءِ الَّتي رأيناها في رسالة كورنثوس والأصحاح الثَّالث... كُلُّ الأشياء: الأشياءُ الحاضِرةُ، والأشياءُ المُستقبليَّةُ، والحياةُ، والموتُ، وكُلُّ شيء. فقد وَعَدنا بالحياة. وقد وَعَدنا بكُلِّ البَركاتِ في السَّماويَّات. وقد وَعَدَنا بوفرةٍ مِنَ النِّعمةِ فوقَ نِعمَة. وقد وَعَدنا بالفَرح. وقد وَعَدنا بالقوَّة. وقد وَعدَنا بالإرشاد. وقد وَعَدنا بالعَون. وقد وَعَدنا بأن يُعَلِّمَنا. وقد وَعدَنا بأن يُعطينا حِكمةً. وقد وَعَدنا بالرُّوحِ القُدُس. وقد وَعَدنا بالسَّماء. وقد وَعَدنا بالمُكافآتِ الأبديَّة. فهي كُلُّها لنا... كُلُّها. وحَتَّى إنَّهُ لا يُحَدِّدُ مِقدارًا لها. اقرأوا وَحَسْب العهدَ الجديدَ واعثُروا على كُلِّ وَعدٍ قَطَعَهُ. فهو لَكُم. هل تَملِكونَ كلَّ شيء؟ هل أنتُم مَكتَفون؟ أجل! فَمِن خلالِ القُدرةِ الإلهيَّة، هناكَ مَا يَكفي لكُلِّ الأشخاصِ الَّذينَ يَحصُلونَ على ذلكَ مِن خلالِ الإيمانِ بالمسيح. فَهُم يَحصُلونَ على كُلِّ وَعد... كُلِّ وَعد.
والكلمة الأخيرةُ هي: "شُرَكاء". وهذا كثيرٌ جدًّا... كثيرٌ جدًّا. فهو يَهَبُنا هذا كُلَّهُ لكي نَصيرَ شُركاء. شُركاء في ماذا؟ "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا [أي بهذهِ المَواعيد العُظمَى والثَّمينة] شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّة". ويا للعَجَب! ما الَّذي تَقولُه؟ إنَّ الغايةَ مِنَ المَواعيد، والغايةَ مِن صَلاحِ اللهِ في المسيح هو أن تَصيروا شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّة. هل هذا يعني أنَّ اللهَ الآبَ جَذَبني إلى مَجدِ المسيحِ وفَضيلَتِهِ، ووَهَبَني كُلَّ هذه الوعودِ مِن خلالِ مَعرفتي الحقيقيَّةِ المُخَلِّصَةِ بابنِهِ لكي أصيرَ شَريكًا في طبيعتِه؟ هذا صحيح. فعندما تأتي إلى يسوعَ المسيح فإنَّكَ تَحصُل على كلِّ ما تحتاجُ إليهِ للحياةِ والتَّقوى وتَنالُ كُلَّ مَواعيدِ اللهِ في الحاضِرِ وإلى الأبد، وتَصيرُ شَريكًا في طبيعةِ الله. فهي بَرَكَة مُزدوجَة. ففي المَقامِ الأوَّل، إنَّها مُتاحة هُنا والآن. هل هذا يعني أنَّني إن صِرتُ مَسيحيًّا الآن فإنِّي أصيرُ شَريكًا في طبيعةِ الله؟ أجل. والآية يُوحنَّا 1: 12 تقول إنَّكُم تَصيرونَ أولادَ الله. والآية رُومية 8: 9 تقول إنَّ رُوحَ اللهِ يَسكُنُ فيك. وإن كانَ رُوحُ اللهِ يَسكُنُ فيكَ فإنَّكَ تَحصُل على الطَّبيعةِ الإلهيَّة. فنحنُ نَقرأ في رسالة غَلاطيَّة 2: 20: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". فاللهُ يَحيا فِيَّ. ماذا؟ "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُس؟" ونَقرأ في رسالة كولوسي 1: 27: "الْمَسِيحُ فِيكُمْ".
والكلمة "شَريك" هي "كوينوسوس" (koinosos). ونحنُ نُترجِمُ تلك الكلمة غالبًا: "شَرِكَة". وهي تَعني "مُشارِك" أو "شَريك". فنحنُ نَشترِكُ في حياةِ اللهِ فينا. فنحنُ شُركاءُ في نفسِ الحياة. كيفَ يُعقَلُ هذا؟ نَقرأُ في نهايةِ العددِ الرَّابع: "هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَة". فَمِن جِهة، إنَّ حياتَنا الجديدةَ في المسيح هي طبيعة جديدة، أي الطَّبيعة الإلهيَّة. وقد هَربنا مِن الفسادِ الَّذي كانَ يُهيمِنُ علينا قبلَ اهتدائِنا. والكلمة "فَساد" تَنطوي على فِكرةِ تَحَلُّلِ شَيءٍ مَا، أو تَعَفُّنِ شيءٍ مَا، أو تَلَفِه، أو خَرابِه. وهذه هي الحالةُ الَّتي كُنَّا عليها. فقد كُنَّا فاسِدينَ تَمامًا، ومُتَعَفِّنينَ، ومُنْحَطِّينَ، وتَالِفينَ، وفي حالةٍ يُرثَى لها. والكلمةُ تُشيرُ أيضًا إلى رائحةِ العَفَنِ المُنبعثة مِنَ الأشياءِ المُتَعَفِّنَة. وقد هَرَبنا مِن ذلك. أليسَ ذلك الأمرُ رائعًا؟ فأنتَ تَملِكُ طَبيعةً جديدةً في المسيح. إنَّها حياةُ اللهِ فيك. فأنتَ شَريكٌ في الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ إذْ إنَّكَ هَربتَ مِنَ الفسادِ المَوجودِ في العالَمِ بسببِ الشَّهوة. والفَسادُ الَّذي في العالَمِ هو الخطيَّة المُتَعَفِّنة والفاسِدة الَّتي تُثارُ بالشَّهوة. والكلمة "شَهوة" (إبيثوميا" – "epithumia") تَعني "رَغبة شِرِّيرة". لِذا، عِندما نِلنا الخَلاصَ نَجَونَا. والكلمة "هَارِبينَ" تُشيرُ إلى الهَرَبِ بِنجاح مِن خَطَرٍ مَا. فقد هَرَبنا مِن طَبيعتِنا المُتَحَلِّلَة، والمُتَعَفِّنَة، والسَّاقطة والخاطئة. وأنا الآن خَليقة جديدة، ولديَّ طبيعة جديدة في المسيح. وحياةُ اللهِ مَوجودة في نَفسي. ما أروعَ ذلك! ما أروعَ ذلك!
ولكن يوجد مَعنىً آخر. فرُبَّما كانَ بُطرسُ يُشيرُ أيضًا إلى المستقبَل. فرُبَّما كانَ يَعني أنَّ الربَّ قد خَلَّصَكُم، وأنَّ الرَّبَّ قد وَهَبَكُم كُلَّ ما هو للحياةِ والتَّقوى، وأنَّهُ قد وَهَبَكُم كُلَّ المَواعيدِ لكي تَصيروا في المُستقبلِ شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّة بعدَ أن هَربتُم مِنَ الْفَسَادِ الموجودِ فِي الْعَالَمِ بسببِ وُجودِ الشَّهْوَة. فرُبَّما كانَ يُشيرُ إلى نفسِ الفكرةِ بالمفهومِ المُستقبليِّ بالمَعنى التَّالي إذْ يقول: "ذاتَ يومٍ، ستَصيرونَ شُركاءَ تمامًا للطَّبيعةِ الإلهيَّةِ عندما يَتِمُّ فِداءُ أجسادِكُم أيضًا إذ إنَّكم ستَهربونَ تمامًا مِنَ الفسادِ الموجودِ في العالَمِ بسببِ وُجودِ الشَّهوةِ عندما تَحصُلونَ على أجسادٍ مُمَجَّدةٍ وتصيرونَ كامِلينَ تمامًا". فالآيةُ تُشيرُ إلى كِلا البُعْدَيْنِ هُنا. فَمِن جِهة، لقد صِرنا شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ لأنَّنا حَصلنا على قلبٍ جديد. ومِن جهةِ أخرى، سوفَ نَصيرُ شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ عندما نَحصُلُ على أجسادٍ جديدةٍ تَنسَجِمُ معَ القلبِ الجديد. أليسَ كذلك؟ فقد هَرَبنا مِن شَهَواتِ العالَمِ وفَسادِ أجسادِنا السَّاقطةِ بالمَفهومِ الرُّوحيِّ. وفي يومٍ مَا، سوفَ نَهرُبُ مِن فَسادِ أجسادِنا بالمَفهومِ الزَّمَنِيِّ. ففي ذلك اليوم، سنصيرُ مِثلَ يسوع لأنَّنا سنَراهُ كما هو. فنحنُ شُركاء الطَّبيعة الإلهيَّة. والمسيحُ يَسكُنُ فينا. ولكنَّنا سنَشترِكُ في مِلْءِ تلك الطَّبيعة عندما نَحصُل على أجسادٍ مُمَجَّدةٍ مِثلَ يسوعَ المسيح. لِذا فإنَّ الآيةَ تَحمِلُ مَعنىً حاضِرًا ومَعنىً مُستقبليًّا. فقد هَرَبنا مِنَ الفسادِ الرُّوحيِّ لطبيعتِنا الفاسدة. وفي يومٍ ما، سنَهرُبُ مِنَ الفسادِ الجسديِّ لأجسادِنا السَّاقطة. ورُبَّما كانت هذه هي نُقطةُ بُطرسَ الأساسيَّة.
يا أحبَّائي، نحنُ هُنا أمامَ مَقطعٍ مُدهشٍ مِنَ الكتابِ المقدَّس. والألفاظُ الَّتي يَستخدِمُها بُطرسُ هنا مُدهشة جدًّا لأنَّهُ يَستعيرُها مِنَ الدِّياناتِ الوثنيَّة. فالدِّياناتُ الوثنيَّةُ تَدعو النَّاسَ دائمًا إلى إدراكِ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ الموجودةِ فيه. أليسَ كذلك؟ وهي تَدعوهُ إلى العَيشِ وَفقًا لذلك. أو إنَّ الدِّياناتِ الوثنيَّة تقولُ دائمًا: "أَطلِقِ العِنانَ لنفسِك في الجَوهرِ الإلهيِّ". فالمُعلِّمونَ الزَّائفونَ في الأزمنةِ القديمةِ والأزمنةِ المُعاصرة يُركِّزونَ كثيرًا على المعرفة الفائقة. ولكنَّ بُطرسَ يُرَكِّز على المعرفة الحقيقيَّة. فقد كانَ المُعلِّمونَ الزَّائفونَ يَشعرونَ أنَّ المعرفةَ الفائقةَ تَرفعُكَ وتَجعلُكَ لستَ بحاجةٍ إلى الأخلاق؛ ولكنَّ بُطرسَ يَقولُ: "لا! فالمعرفةُ الحقيقيَّةُ تُعطيكَ كُلَّ ما تَحتاجُ إليه كي تعيشَ حَياةً تَقيَّة". وقد كانَ المُعلِّمونَ الكَذَبةُ يُعَلِّمونَ أنَّ القداسةَ مُستحيلة؛ ولكنَّ بُطرسَ يقولُ إنَّ القَداسةَ شيءٌ لا بُدَّ مِن وُجودِه. وسوفَ نَتحرَّرُ مِنَ الفَساد. وقد عَبَّرَ كَاتِبٌ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "لقد أكَّدَ المُعلِّمونَ الوَثنيُّونَ على أنَّكم تَهرُبونَ مِن شِراكِ الفَسادِ بأن تَصيروا شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ مِن خلالِ ’نوموس‘ (nomos): أيِ ’الأعمال‘، أو مِن خلالِ ’فوسيس‘ (phusis): أي مِن خلالِ الحصولِ على طَبيعةٍ فائقةٍ مِن نَوعٍ مَا. ولكنَّ بُطرسَ يَستخدِمُ مُفرداتِهم ويَرُدُّ قائلاً: ’لا! بل إنَّكم تَحصُلونَ على المعرفةِ الحقيقيَّةِ وتَتحرَّرونَ حَقًّا مِنَ الفسادِ مِن خلالِ النِّعمةِ فقط بالإيمان‘".
هل هناكَ كِفاية في خلاصِنا؟ استمعوا إلى ما سأقول: إنَّ أيَّ شيءٍ أقَلُّ مِنَ الخلاصِ الكاملِ والكافي يَستَخِفُّ باللهِ ويُهينُ المسيح. فمنِ المُؤكِّدِ أنَّهُ كَافٍ. فإلهُنا يُعطي نِعمةً أكثر. أكثرَ مِن ماذا؟ أكثرَ مِن قُدرتِكم على الاستيعاب. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي: لقد كانَ وقتًا رائعًا في الشَّركةِ، يا أبانا. نحنُ مُمْتَنُّونَ جدًّا. وقد استمتعنا جدًّا بالتَّرانيمِ الَّتي مَلأت قُلوبَنا فَرَحًا، وتَحَمَّسنا جدًّا الآنَ عندَ سَماعِنا عن كِفايتِنا الرُّوحيَّةِ في المَسيح. يا رَبّ، ليتَنا لا نَشُكُّ البتَّة في ذلك، بل أن نَكونَ شاكِرينَ عليه. وليتَنا نَفهمُ أنَّ السَّببَ في عدمِ كِفايتِنا هو جَهلُنا لأنَّهُ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ مَا أَعْدَدْتَهُ لَنا. يا رَبّ، افتَح أعيُنَنا لكي نَفهمَ ما لَنا في المسيح، ولكي نَتمتَّع بتلك المَصادر بِكُلِّ مِلئِها، ولكي لا نَكونَ أغبياءَ حاسِبينَ أنَّهُ يجب علينا أن نَتَّكِلَ على حِكمةِ البشر، أو أنَّنا بحاجة إلى المزيدِ في حين أنَّنا لم نَكتشِف بعد كُلَّ ما لَدينا. يا رَبّ، نَشكُرُكَ على تَوفيرِ كُلِّ ما نَحتاجُ إليه كي نعيشَ بالطَّريقةِ الَّتي تُمَجِّدُك. باسمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
