في هذا المَساء، نَودُّ أن نَنتهِزَ هذه الفُرصةَ وهذا الامتيازَ العظيمَ للعودةِ إلى رسالة بُطرس الثَّانية والأصحاحِ الثَّاني، والأعداد مِن 5 إلى 11 في مَعرِضِ دراستِنا لموضوعِ يَقينِ الخلاص. وهذا هو الجُزءُ الثَّامنُ في هذه السِّلسلة الرَّائعة. في أثناءِ دراستِنا لرسالة بُطرس الثَّانية والأصحاحِ الأوَّلِ، والأعداد مِن 5 إلى 11، تَعلَّمنا خلالَ هذه الدِّراسة الطويلة أنَّ اللهَ يريدُ مِن أولادِهِ الأحبَّاء أن يَتمتَّعوا بيقينِ خَلاصِهم. فهو يُريدُ منهم أن يَتمتَّعوا باليقينِ الكامِل. والحقيقةُ هي أنَّ بُطرسَ يَكتبُ هذا الجُزءَ الرَّائعَ لكي يَختبرَ المؤمنونَ اليَقينَ الَّذي يُريدُهُ اللهُ لَهُم. وفي ضَوءِ حقيقةِ أنَّ العَدوَّ [أي إبليسَ] هو المُشتكي على الإخوة، وأنَّه يريد دائمًا أن يُكيلَ إلينا ضَرَباتِ الشَّكِّ لكي يَجعلَنا نَشُكُّ في خلاصِنا، فإنَّ اللهَ [بالمُقابِل] يريدُ أن يُؤكِّدَ حالتَنا الروحيَّةَ ويَقينَنا.
واليقينُ هو، في الحقيقة، فِكرة رئيسيَّة في هذه الرِّسالة القصيرة. واسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم وَحَسْب بدورِها في تَوضيحِ الصُّورةِ الكاملة. فالفكرةُ الرئيسيَّة مِن رسالة بُطرس الثَّانية هي: المُعلِّمون الكذبة. وهذه الفكرة تَظهر بصورة رئيسيَّة في الأصحاحِ الثَّاني. فالأصحاحُ الثَّاني يُعالج بصورةٍ رئيسيَّة مسألةَ المُعلِّمين الكذبة. ولكنَّ ذلكَ المقطعَ الرَّئيسيَّ [أيِ الأصحاحَ الثَّاني] الَّذي يُعالجُ مسألةَ المُعلِّمين الكذبة مُحاطٌ أيضًا بتعليمٍ آخر يُرَكِّزُ على مَسألةِ التَّصدِّي بنجاحٍ لهجومِ المُعلِّمينَ الكذبة. فلكي يَتَصَدَّى المؤمنُ للأفكارِ المُضَلِّلَة، يجب عليهِ أن يَعرفَ. فالمعرفةُ هي المِفتاحُ للتَّصدِّي للمُعلِّمينَ الكذبة. فَهُم لن يَتمكَّنوا مِن خِداعِكَ إذا كنتَ تَعرفُ الحقَّ؛ أيِ الحقَّ المُختصَّ بالعقيدة، والحقَّ المُختصَّ بحالتِكَ الرُّوحيَّة. فحيثُ وُجِدَت مَعرفة، لا يُمكنُ أن يكونَ هناكَ خِداع.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ لنا [في المقامِ الأوَّل] إنَّه يجب علينا أن نَعرفَ كِتابَنا المُقدَّس. وهو يُعالجُ هذه المسألة في الأصحاحِ الأوَّل والأعداد مِن 12 إلى 21. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في الأصحاحِ الثَّالثِ إنَّه يجب عليكم أن تَعرفوا قَداسَتَكُم. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلك. وهُنا في نَصِّنا في الأصحاحِ الأوَّلِ والأعداد مِن 1 إلى 11، يجب عليكم أن تَعرفوا خَلاصَكُم. فإذا كنتَ تَعرفُ الكتابَ المقدَّس، وتَعرفُ قداسَتَكَ، وتَعرفُ خلاصَكَ، تكونُ مُستعدًّا للتَّصدِّي لضَلالِ المُعلِّمينَ الكذبة. والآن، نحنُ نتحدَّثُ عن كُلِّ هذا الموضوعِ المُختصِّ بمعرفةِ خَلاصِكُم. وهو يَبتدئُ في الحقيقة في العددِ الأوَّل ويَستمرُّ حتَّى العدد 11. ففي العددِ الأوَّل، رأينا مَصدرَ خلاصِنا. وفي العددِ الثَّاني، رأينا جَوهرَ خلاصِنا. وفي العَددين 3 و4، رأينا كِفايةَ خلاصِنا. والآن (في الأعداد مِن 5 إلى 11)، نَرى يَقينَ خَلاصِنا.
فيجب علينا أن نَعرفَ خلاصَنا إن أردنا أن نَتصدَّى للمُعلِّمينَ الكذبة بفاعليَّة دونَ أن نَسقُطَ في فَخِّ ضَلالِهم. لِذا فقد دَرَسنا الآياتِ الرَّائعةَ الَّتي تَتحدَّثُ عن خلاصِنا؛ ولا سيَّما يَقين الخَلاص. وبوصولِنا إلى العددِ الخامس، حَدَّثتُكُم عنِ الجُهدِ المطلوب. فهناكَ جُهدٌ مَطلوبٌ مِن أجلِ التَّيقُّنِ مِن خلاصِكُم. لاحظوا العددَ الخامس: "وَلِهذَا عَيْنِهِ، وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ [كُلَّ اجتهادٍ]، قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ...". وسوفَ نَتوقَّفُ هنا. فإن أردتَ أن تَتيقَّنَ مِن خلاصِكَ فإنَّ هذا يَتطلَّبُ سَعيًا دَؤوبًاـ ويَتطلَّبُ جُهدًا. فمِلْءُ اليقينِ يَنبُعُ مِنَ الجُهدِ الدَّؤوبِ في الاستفادةِ مِن كُلِّ المواردِ السَّخيَّةِ الَّتي وَفَرَّهَا اللهُ لنا بنعمتِه.
ثانيًا، لقد قُلنا إنَّ النَّصَّ لا يَكتفي بوصفِ الجُهدِ المَطلوب، بل يَذكُرُ لنا الفضائلَ الَّتي يَنبغي لنا أن نَجِدَّ في طَلَبِها. فأنتُم تَنتقلونَ مِنَ الموقفِ إلى العمل. وفي الجُزءِ الثَّاني مِنَ العددِ الخامس وحتَّى نهايةِ العددِ السَّابع، ذَكَرنا مَجموعةً مِنَ الفضائلِ الَّتي ينبغي لنا أن نَجِدَّ في طَلَبِها. فهو يقولُ في العددِ الخامسِ إنَّهُ يجب علينا أن نَسعى إلى الفضيلة، "وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً". هذهِ هي المَسَاعِي، المَسَاعِي الأخلاقيّةُ الَّتي يَقومُ بها الشَّخصُ الَّذي يريدُ أن يَكونَ مُتيقِّنًا. فيجب أن تُضيفَ إلى إيمانِكَ فضيلةً أخلاقيَّةً. ويجب أن تُضيفَ إلى فَضيلتِكَ الأخلاقيَّةِ حِكمةً عَمليَّة. ويجب أن تُضيفَ إلى حِكمتِكَ العمليَّةِ تَعَفُّفًا [أي ضَبطًا داخليًّا للنَّفس]. ويجب أن تُضيفَ إلى الضَّبطِ الدَّاخليِّ للنَّفسِ صَبرًا في التَّجارب. ويجب أن تُضيفَ إلى ذلكَ تَقوى. ويجب أن تُضيفَ إلى ذلكَ صَداقةً أخويَّةً أو مَودَّةً أخويَّةً. ويجب أن تُضيفَ إلى ذلك مَحبَّةً فائقةً نحوَ اللهِ وجَميعِ النَّاس. وعندما تَجِدّ في طلبِ هذه الفضائل، ستَختبر اليَقين. لِذا فإنَّ اليَقينَ يَتطلَّبُ جُهدًا مَوصوفًا هنا: "وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ"، وسَعيًا نحوَ الفضائل. ثُمَّ نأتي إلى النُّقطةِ الثَّالثةِ في العددين 8 و9؛ وهي النُّقطةُ الَّتي سنتحدَّثُ عنها في هذا المساء. فهناكَ خِيارانِ مُقَدَّمان. فلكي يكونَ لديَّ يَقين، يجب عليَّ أن أُفَكِّرَ في الخِياراتِ المُقدَّمةِ في العددين 8 و9. ونَجِدُ هنا خِيارَين. فيُمكنكَ أن تَذهبَ في هذا الاتِّجاهِ أو ذاك؛ أي أن تَقبلَ أو تَرفُضَ السَّعيَ نحوَ هذه الفضائلِ والجُهدَ الموصوف. وبُطرسُ يُبيِّنُ نتائجَ هذينِ الخيارَيْنِ بوضوحٍ شديدٍ جدًّا.
أولاً، لننظُر إلى الخِيارِ الإيجابيّ. فإن أردتُ أن أختبرَ اليَقينَ في حياتي، يجب عليَّ أن أختارَ الخِيارَ الإيجابيَّ في العدد 8: "لأَنَّ هذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ" – هذا هو الخِيارُ الأولُ: أن تَجِدَّ في طَلَبِ هذه الفَضائِل. فإن أردتَ أن تَتمتَّعَ باليقينِ بكُلِّ غِناه، هذه هي الوسيلة: بالسَّعيِ إلى هذهِ الفضائِل. فإن فَعلتُم ذلكَ ووجدتُم أنَّها تَتكاثَرُ في حياتِكم: "تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". والآن، يجب عليكم أن تُرَكِّزوا معي جيِّدًا لأنَّ هذه حُجَّة مُعَقَّدة يُقدِّمُها بُطرسُ لنا.
فالعبارةُ "لأَنَّ هذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ" تُشيرُ إلى تلك الفضائلِ السَّبعِ الَّتي ذَكَرَها. فإن حَصلتم عليها؛ وبالمُناسبة، إنَّ الفعلَ اليونانيَّ يُشيرُ إلى المِلْكِيَّةِ الَّتي يَملِكُها شخصٌ مَا. فالفِعلُ اليونانيُّ يُشيرُ إلى امتلاكٍ حَقيقيٍّ. فالتَّعبيرُ المُستخدمُ هنا قويٌّ جدًّا: إنْ اكتسبتُم حَقًّا هذه الفضائلَ وكَثُرَت. والفِعلُ المُستخدَمُ هنا هو: "بليوناتزو" (pleonazo)؛ وهو يعني أن يكونَ لديكَ أكثر مِنَ الكفاية، وأكثر مِنَ الضَّروريّ، وأن يكونَ لديكَ ما يَفيضُ عن حَاجَتِك. فإن رأيتَ هذه الفضائلَ في حياتِكَ (أيِ الأخلاقَ الحَميدةَ، والمعرفةَ، والتَّعفُّفَ، والصَّبرَ، والتَّقوى، والمَودَّةَ الأخويَّة، والمَحبَّة)، إن رأيتَ هذه الفضائلَ في حياتِكَ، ورأيتَها تَكثُر [كما يقولُ في العدد 8]: "تُصَيِّرُكُمْ [أي: تَجعَلُكُم] لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ".
اسمَحوا لي أن أتحدَّثَ عن هَاتينِ اللَّفظَتَيْن. فالكلمة "مُتكاسل" تَعني حَرفيًّا: "مُعَطَّل" أو "بَليد" أو "عاطِل عنِ العَمل". وهي تُستخدَمُ ثماني مَرَّات في العهد الجديد. وهي تَعني دائمًا: "بَليد" أو "غير صالِح للاستعمال" أو "غير عامِل" أو "غير فعَّال"؛ كما هي الحالُ في الآية تيطُس 1: 12 في تلك العبارة المُدهشة: "بُطونٌ بَطَّالة". وبالمُناسبة، نَجِدُ في رسالة يَعقوب 2: 20-22 أنَّ هذه الكلمة تُتَرجَم: "مَيِّت" – "مَيِّت". فإن سَعيتَ نحوَ هذه الفضائل لن تكونَ كَسولاً أو بَطَّالاً أو عديمَ النَّفع. ولن تكونَ [بِمَعنى مِنَ المعاني] مَيْتًا مِن جهةِ فَاعليَّتِك. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قائلاً: "وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ". وهذا يعني بصورة رئيسيَّة الشَّيءَ نفسَهُ: "غيرَ مُنتِج". وهي عبارة تُستخَدمُ سبعَ مَرَّاتٍ في العهد الجديد، وتُستخدم عادةً لوصفِ الأشجار.
وهي تُستخدمُ لوصفِ المُرتدِّينَ الَّذينَ لم يَختبروا التَّجديدَ في رسالة يهوذا والعدد 12 الَّذينَ كانوا كأشجارٍ غيرِ مُثمرة. وهي تُستخدَمُ في رسالة أفسُس 5: 11 للإشارة إلى أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ المُثْمِرَة. وهي تُستخدَمُ في إنجيل مَتَّى 13: 22 للإشارة إلى المؤمنينَ السَّطحيِّينَ وغيرِ المُثمرين. وهي تُستخدمُ في الرِّسالة الثانية إلى أهلِ تسالونيكي 3: 14 للإشارةِ حتَّى إلى المؤمنِ الحقيقيِّ غيرِ المُثمِر. لِذا فإنَّه يقولُ: عندما لا تُظهِرُ حياتُكَ هذه الأشياءَ، أو هذهِ الفضائلَ، ستكونُ عَديمَ النَّفعِ وبلا ثَمَر في مَعرفتكَ الحقيقيّةِ بربِّنا يسوعَ المسيح. أمَّا إذا كانت هذه الفضائلُ فيكَ وكَثُرَت، لن تكون بلا فائدةٍ أو بلا ثَمر؛ بل ستكونُ حَياتُكُم مُثمرةً دائمًا. فإن لم تَكُن هذه الفضائلُ موجودة في حياتِكَ، لن يَكونَ هُناكَ شيءٌ يُمَيِّزُكَ عنِ المُرتدِّ، ولن يكونَ هناكَ شيءٌ يُميِّزُكَ عن فاعلِ الشَّرِّ، ولن يكونَ هناكَ شيءٌ يُميِّزُكَ عن المؤمنِ السَّطحيِّ.
والآن، انظروا إلى العبارةِ في نهايةِ العددِ الثَّامنِ لأنَّها مُهمَّة. فهو يقولُ: "لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فتلكَ العبارة "لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح" تُرينا أنَّهُ يُشيرُ هنا إلى المؤمنينَ الحقيقيِّين. فهو يقولُ إنَّكَ ستحصل على المعرفةِ الصَّحيحةِ خِلافًا للمعرفةِ الزَّائفة. فأنتَ مؤمنٌ حقيقيٌّ. فالمؤمنُ الحقيقيُّ لديه القُدرة على إظهارِ هذه الفَضائل. فهي مُتأصِّلةٌ في الطَّبيعةِ الجديدةِ لأنَّ اللهَ يقولُ للمؤمنِ: "مِن خلالِ المسيحِ أنتَ مُباركٌ بكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحيَّةٍ في السَّماويَّات" (في رسالة أفسُس 1: 3)، و "أنتَ تَملِكُ كُلَّ ما هوَ للحياةِ والتَّقوى مِن خلالِ مَعرفتِكَ الحقيقيَّةِ به" (في رسالة بُطرس الثَّانية 1: 3).
لِذا فإنَّ الحَبَّةَ أوِ البِذرةَ أوِ القُدرةَ على اكتسابِ كُلِّ هذه الفضائلِ موجودة في المؤمنِ الحقيقيّ. لِذا فإنَّ بُطرسَ يقولُ إنَّ المؤمنَ الَّذي يُؤمِنُ إيمانًا صَادقًا وحَقيقيًّا ويَرى هذه الأشياءَ تَكثُر في حياتِهِ هو ليسَ شخصًا عديمَ الفائدة، وليسَ شخصًا بلا ثَمر، بل هو شخصٌ مُثمِرٌ ونافعٌ في حياتِه. والآن، هذا هو الخِيارُ الأوَّل: اكتسابُ هذه الفضائل. فإنِ اكتسَبتَها بكُلِّ اجتهادٍ وَفقًا للجُهدِ الموصوفِ، ورأيتَ هذه الفضائلَ تَكثُر في حياتِكَ، ستكونُ النَّتيجةُ هي أنَّكَ ستكونُ نافعًا ومُثمرًا. هذا هو الخِيارُ الأوَّل. والآن، انظروا إلى العددِ التَّاسعِ للاطِّلاعِ على الخِيارِ الثَّاني.
"لأَنَّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هذِهِ [الصِّفاتٍ]". أيُّ صِفات؟ نفسُ هذه الفَضائِل السَّبع. فإن نَظَرَ الشَّخصُ إلى حياتِهِ ولم يَرَ أخلاقًا حَميدةً، ومعرفةً، وتَعَفُّفًا، وصَبرًا، وصَلاحًا، ومَودَّةً أخويَّةً، ومَحبَّةً؛ إن لم يَرَ هذه الأشياء، ولم يُلاحِظ أنَّها تَكثُرُ في حياتِه، ولم يَجِدَّ في طَلبِ هذهِ الأشياءِ، فإنَّ الآيةَ تَقولُ: "هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَر". وبالمُناسبة، هاتانِ اللَّفظتانِ مُترادفتينِ كما أنَّ العِبارَتَيْنِ "غير نافِع" و "غير مُثمِر" مُترادِفتان. فهو يقولُ حَرفيًّا: "هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَر". بعبارة أخرى، إنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَرى جيِّدًا لتمييزِ حالتِهِ الرُّوحيَّة. فإنَ اكتسبَ الإنسانُ [والآن، رَكِّزوا معي في هذه الفكرة] إنِ اكتسبَ الإنسانُ هذه الفضائلَ، سيكونُ نافعًا ومُثمِرًا. وإن كانَ نافعًا ومُثمرًا، سيتمكَّنُ مِن تَمييزِ حالتِهِ الرُّوحيَّة. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ يَستطيعُ أن يَرى ثَمَرَ عملِ اللهِ في حياتِه. فسوفَ يَعرفُ حالتَهُ الرُّوحيَّة.
مِن جهةٍ ثانية، إن لم تَكُن تلك الفضائلُ تَكثُرُ، سيكونُ الشَّخصُ أعمى وقصيرَ البصر، ولن يتمكَّنَ مِن رؤيةِ حالتِهِ الرُّوحيَّةِ الحقيقيَّة. لِذا، إن أردتَ أن تَتيقَّنَ مِن خَلاصِكَ، عليكَ أن تَختارَ الخِيارَ الأوَّل. والآن، تابعوا معي مَرَّةً أخرى ما جاءَ في العدد 9: "لأَنَّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هذِهِ [الفضائل والصِّفات]، هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَر". والآن، لاحظوا الفكرةَ التَّالية: "قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَة". ما مَعنى ذلك؟ إنَّ الكلمة "تَطهير" هي "كاثاريسموس" (katharismos) الَّتي اشتَقَقنا مِنها الكلمة "كاثارسيس" ومَعناها: "تَطهير". فقد نَسِيَ أنَّهُ تَطَهَّر. وما مَعنى ذلك؟ حَدَث الخلاص. فقد نَسِيَ أنَّهُ نَالَ الخَلاصَ مِن خطاياهِ السَّالفةِ وحياتِهِ القديمةِ الخاطئة.
إنَّ ما يَقولُهُ بُطرسُ هنا هو إنَّ ذلكَ الشَّخصَ الَّذي نَالَ الخلاصَ أو اختبرَ الخلاصَ، والَّذي تَطَهَّرَ مِن خلالِهِ مِن حياتِهِ القديمةِ الخاطئةِ، نَسِيَ ذلكَ ولا يَستطيعُ أن يَتذكَّرَ ذلكَ لأنَّهُ لا يَرى في حياتِهِ تَكاثُرَ هذه الفضائل. واسمَحوا لي أن أُبَسِّطَ لكم الفِكرة: عندما تَكثُرُ الفَضائلُ الأخلاقيَّةُ في حياتِكم، سيكونُ لديكم البُرهانُ على الخلاص. هل فَهمتُم ذلك؟ وعندما لا تَكثُرُ الفضائلُ الأخلاقيَّةُ، ستَفتقِرُونَ إلى يَقينِ الخلاص. فيقينُ خلاصِ الإنسانِ مُرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بما يَحدُثُ في حياتِه. فالأشخاصُ الَّذينَ لا يَرَوْنَ الفضائلَ تَكثُر في حَياتِهم لن يَتذكَّروا أنَّهم تَطهَّروا. والعبارة "قد نَسِيَ" تَعني حَرفيًّا: "يَتعرَّضُ للنِّسيان" أو "يُكابِدُ نِسيانًا".
لِذا تَلخيصًا لذلك فإنَّ عَدَمَ السَّعيِ بِجِدٍّ للحُصولِ على الفضائلِ الرُّوحيَّةِ يُؤدِّي إلى فُقدانِ ذاكرةٍ رُوحيّ. فعدمُ اكتسابُ الإنسانِ للفضائلِ الأخلاقيَّةِ في حياتِهِ، أي إخفاقُهُ في اكتسابِ هذه الفَضائلِ السَّبعِ سَيُعمي ذلكَ الشَّخصَ عن رؤيةِ حالتِهِ الرُّوحيَّة. وهو لن يتذكَّرَ لحظةَ خَلاصِهِ في وقتٍ مَا، ولن يَعلمَ إن كانَ قد نالَ الخلاصَ حَقًّا. صَحيحٌ أنَّهُ قد يَتذكَّرُ حَدَثًا خارجيًّا اختبرَهُ في اللَّحظةِ الَّتي نالَ فيها الخلاصَ، ولكنَّهُ لن يكونَ واثقًا مِنَ الخلاص. وقد كَتَبَ المُفَسِّرُ "بوكام" (Bauckham) في "التَّفسيرُ الكِتابيُّ للكلمة" (The Word Biblical Commentary) ما يَلي: "إنَّ مَعرفةَ يسوعَ المسيحِ عندَ الاهتِداءِ تأتي كاستنارةٍ للأشخاصِ الَّذينَ كانوا عُميانًا بسببِ جَهلِهم الوَثنيِّ. ولكنَّ المؤمنينَ الَّذينَ لا يُظهِرونَ الثَّمرَ الأخلاقيَّ لهذهِ المعرفةِ قد صَاروا حَقًّا عُميانًا عنها مَرَّةً أخرى" [نهايةُ الاقتباس].
والآن لاحظوا ما يَلي: إنَّ ذلك النَّوعَ مِنَ النِّسيان يُؤدِّي إلى تِكرارِ الخطايا السَّالفة. لِذا فإنَّكَ أمامَ خِيارَيْن... خِيارَيْن. فالمؤمنُ الَّذي يَرى أنَّ هذه الصِّفاتِ والفضائلَ تَكثُر سيتمتَّعُ بالخلاص لأنَّهُ يَرى ثَمَرَها ونَفعَها في حياتِه الشخصيَّة. وسوفَ يَرى أنَّهُ يَعرفُ حَقًّا رَبَّنا يسوعَ المسيح. مِن جهةٍ أخرى فإنَّ المؤمنَ الَّذي لا يَجِدَّ في طَلبِ هذه الفضائلَ، ولا يَرى هذه الصِّفاتِ تَكثُر لن يَكونَ مُتيقِّنًا. لِذا فقد رأينا وَصفَ الجُهد، والسُّلوكَ بِجِدٍّ؛ أيِ السَّعيَ إلى اكتسابِ هذه الفضائل. فهو يَذكُرُ لنا الفضائلَ المُحدَّدةَ الَّتي ينبغي أن تَكثُرَ في حياتِنا ويُقدِّمُ لنا خِيارَيْن.
وأخيرًا، الوعدُ بالامتيازات. فلكي يُلَخِّصَ بُطرسُ هذهِ الحُجَّةَ ويَجعلها جَذَّابةً فإنَّهُ يَذكُرُ الامتيازاتِ في العَددين 10 و11. وهذه هي حَقًّا النُّقطةُ الَّتي تَصِلُ فيها هذه الحُجَّةُ بأسرِها إلى ذُروتِها. لاحظوا العددَ العاشِر: "لِذلِكَ...أَيُّهَا الإِخْوَةُ". ونَجِدُ هُنا مَرَّةً أخرى الكلمة "لذلكَ" الَّتي تَربِطُ كلَّ الأشياءِ معًا بِمَعنى: "في ضَوءِ كُلِّ ما ذَكرتُهُ، لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْن". توقَّفوا عندَ تلك النُّقطة. فمِنَ الواضحِ أنَّهُ بسببِ ما قالَهُ، يجب عليكم أن تَشعروا بالحاجةِ إلى أن تَجعَلوا دَعوتَكُم ثابتة. فبسببِ المأساةِ الكامِنَةِ في الخيارِ الثَّاني، يجب عليكم أن تَتجنَّبوه. لِذا فإنَّ العددَ العاشرَ يَدعوكُم إلى انتقاءِ الخِيارِ الأوَّل.
والعددُ العاشرُ يَبدو شَبيهًا جدًّا بالعددِ الخامِس: اجتهدوا في هذا. ابذُلوا كُلَّ جُهدٍ. والحقيقةُ هي أنَّها نفسُ العبارة تقريبًا: "بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا"؛ أي ابذُلوا جُهدًا أكبر. وهو يَستخدِمُ نفسَ الكلمة الَّتي استخدَمَها في العددِ الخامس. والكلمة تَنطوي على الإلحاحِ والحَماسة. في أن تَفعلوا ماذا؟ أن تَتيقَّنوا. وهي صِيغةٌ مِن صِيَغِ الفِعْلِ بمعنى: "أن تُثبِتَ ذلكَ لنفسِك" – أن تُثبِتَ ذلكَ لنفسِك؛ أي أن تتأكَّد منهُ، وتتحقَّقَ منهُ، وتَتيقَّنَ منهُ، وتَتَثَبَّتَ منهُ، وتُرَسِّخَهُ، وتُوَطِّدَهُ، وتَجزِمَهُ. وهي كلمة تُستخدَمُ في تَوفيرِ ضَمانةٍ قَانونيَّة.
فلا يوجدُ في الحقيقة ما هو أسوأُ مِن أن تَخشَى مِن أن تكونَ غيرَ مُخَلَّص. فهُناكَ حُزنٌ ويأسٌ يَنجُمانِ عن ذلك النَّوعِ مِن عَدَمِ اليقينِ، وَشَكٌّ وخَوفٌ. لِذا فإنَّ بطرسَ يقولُ: اجتهدوا روحيًّا لكي تَتيقَّنوا مِن ذلكَ بأنفسكم. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. فصيغةُ الفِعلِ هُنا تَعني أنَّكُم تَفعلُونَ ذلكَ لأجلِ أنفسِكُم بِمَعنى أن تَتَيَقَّنوا مِن دَعوتِهِ لكم واختيارِهِ لكم. و "الدَّعوةُ" و "الاختيارُ" كلمتانِ مُترادفتان. فالدَّعوةُ هنا ليست مُجرَّد دَعوة، بل أمرٌ إلهيٌّ مَقرونٌ بالاختيارِ الإلهيِّ منذُ الأزل. فيجب عليكَ أن تَتيقَّنَ لأجلكَ أنتَ مِنْ أنَّ اللهَ قد دَعاكَ واختاركَ للخلاص.
والآن، مِنَ الواضحِ أنَّكَ لا تَتيقَّنُ مِن ذلكَ لأجلِ اللهِ. فاللهُ يَعلمُ هذا الأمر. أليسَ كذلك؟ فاللهُ ليسَ لديهِ شَكٌّ في ذلكَ البتَّة. واللهُ يَعلمُ ذلكَ لأنَّهُ هو الَّذي اختارَكَ. ولكن يجب عليكَ أن تَتيقَّنَ مِن ذلكَ لأجلِكَ أنتَ. فهو يَعرِفُ المُختارينَ، ويَعرفُ الأشخاصَ الَّذينَ اختارَهُم، ويَعرفُ الأشخاصَ الَّذينَ دَعاهُم. ولكن هل لديكَ ذلكَ اليقين؟ وهل لديكَ تلك الثِّقة؟ اجتهِد للتَّحقُّقِ مِن ذلك. وكيفَ تَفعلُ ذلك؟ تَابِعوا قراءةَ العددِ العاشِر: "لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ...". بعبارة أخرى: طالما أنَّكم تَجِدُّونَ في طلبِ هذه الفضائلِ الأخلاقيَّةِ، وطالما أنَّكم تَسْعَوْنَ بِجِدٍّ نحوَ هذه الفضائلِ المُتكاثرة، وطالما أنَّكم تَسعونَ إلى الحياةِ المُقدَّسةِ [إن أردنا تَبسيطَ الأمرِ]، وطالما أنَّكم تَسعونَ إلى النُّموِّ الرُّوحيِّ، ستَحصُلونَ على ضمانةٍ عَمليَّةٍ مِن جِهةِ دَعوتِكُم واختيارِكُم. وأريدُ أن أقولَ لكم إنَّ هذه ثِقة رائعة جدًّا تَحصلونَ عليها.
لاحظوا الكلمة "فَعَلتُم" هُنا: "لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ". فهي تَرِدُ بصيغةٍ تَدُلُّ على نَمَطِ حَياةٍ يَوميّ. فطالما أنَّ نَمَطَ حياتِكُم اليوميّ هو السَّعيُ نحوَ الأخلاقِ الحميدةِ، والمعرفةِ، والتَّعفُّفِ، والصَّبرِ، والتَّقوى، والمودَّةِ الأخويَّةِ، والمحبَّة؛ طالما أنَّكُم تَسعونَ إلى ذلكَ كُلَّ يومٍ [كما يقولُ]، انظروا إلى نهايةِ العددِ العاشِر: "لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا". فأنتُم لن تَزيغوا، أو تَتعثَّروا، أو تَسقُطوا في الشَّكِ أوِ اليأسِ أوِ الكآبةِ أوِ الحُزنِ أوِ الخوفِ بخصوصِ حالتِكم الرُّوحيَّة. فأنتم لن تَزِلُّوا، بل ستَظَلُّونَ دائمًا واثِقين، وستَظَلُّونَ دائمًا مُتيقِّنين. لماذا؟ لأنَّ دَعوتَكُم واختيارَكُم سيكونانِ ثابتانِ في أذهانِكُم. لماذا؟
لأنَّكم تَسْعَوْنَ نحوَ هذه الفضائل، وتَرونَها تَكثُر، وتَعلمونَ أنَّ اللهَ يَجعلُها تُثمِرُ في حياتِكُم. ولأنَّكم قادرونَ على رؤيتِها إذْ إنَّها مَنظورةٌ وظاهرةٌ، ستَعرفونَ حالتَكم الروحيَّة، وتَعرفونَ أنَّكم مُخَلَّصون، وتَعلمونَ أنَّكُم تَلَقَّيتُم دَعوةً مِنَ اللهِ، وتَعلمونَ أنَّهُ تَمَّ اختيارُكُم مِنَ اللهِ قبلَ تأسيسِ العالَم. وبسببِ المعرفةِ الواثقةِ بذلك، ستَتمتَّعونَ بِمِلءِ اليَقين. وهذه بَرَكة غَنيَّة مُدهشة. ويا أحبَّائي، إنَّ ما يَقولُهُ بُطرس، وما أقولُهُ لكم، هو أنَّ اليَقينَ مُرتبطٌ ارتباطًا مُباشِرًا بالطَّريقةِ الَّتي تَعيشونَ بها حَياتَكُم.
فكُلُّ شخصٍ يَوَدُّ أن يَكونَ مُتيقِّنًا مِن خلاصه، ولا أحدَ يُريدُ أن يَعيشَ حَياتَهُ في شَكّ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، يُمكنني أن أقولَ إنَّ مُؤمنينَ كثيرينَ، أو رُبَّما أغلبيَّةَ المؤمنينَ، يَعيشونَ في شَكّ. وهناكَ أشخاصٌ يقولون: "كُلُّ ما ينبغي لكَ أن تَفعلَهُ للتَّيقُّنِ مِن خَلاصِكَ هو أن تَرجِعَ في الزَّمنِ إلى اللَّحظةِ الَّتي وَقَّعتَ فيها على الخَطِّ المُنَقَّط. فهذا هو كُلُّ اليَقينِ الَّذي أنتَ بحاجة إليه". ولكنَّ هذا ليسَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فإن أردتَ أن تَعلمَ أنَّ دَعوتكَ واختيارَكَ مُؤكَّدان، يجب عليكَ أن تُؤكِّدهما مِن خلالِ الفضائلِ الظَّاهرةِ في حياتِكَ والَّتي يَهَبُها لكَ رُوحُ اللهِ حينَ تَسعى إلى الحصولِ على تلك الفضائل. وحينَ تَجِدُّ في طَلَبِ هذه الأشياء وتَرى أنَّكَ نافعٌ ومُثمِرٌ للهِ، وأنَّ هذه الفضائلَ تَكثُر في حياتِك، لن تَتعثَّرَ، ولن تَشعُرَ بالشَّكِّ أوِ اليأسِ أوِ الخوفِ أوِ الحَيْرَة.
وفي العددِ الحادي عَشر، يَقولُ [بُطرسُ] ذلكَ بطريقةٍ مُباشرةٍ لا مَثيلَ لها: "لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ". وهذه الآية تَحتاجُ إلى تأمُّلٍ دَقيق. فهو يقولُ في العدد 11 قبلَ أيِّ شيءٍ آخر: "لأنَّهُ هَكذا". هكذا كيف؟ مِن خلالِ السَّعيِ الدَّؤوبِ نحوَ هذه الفضائلِ، ومِن خلالِ البَرَكةِ الَّتي تَنجُمُ عنها؛ أي بَرَكة اليَقين، وبَرَكة الثَّبات. فحينَ تَفعلونَ ذلكَ باجتهاد، فإنَّهُ يَقول [والآن لاحظوا ذلك مَرَّةً أخرى]: "يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ". ما الَّذي يَتحدَّثُ عنه؟ ما الَّذي يَقولُهُ هنا؟
إنَّهُ يَقولُ: في المستقبل، عندما تَدخلونَ إلى المملكةِ الأبديَّة، ستحصلونَ على مُكافأةٍ وَفيرة. هذه هي [في نَظري] الطَّريقةُ الأكثر بَساطةً ومُباشَرةً لفهمِ هذه الجُملة. وهذه سِمَةٌ أخرى لوعدِه. فإن سَعيتُم إلى الفضيلةِ في حياتِكُم، ستَحصلونَ لا فقط على اليقينِ في هذه الحياة، بل إنَّكُم ستحصلونَ أيضًا على المكافأةِ في الحياةِ الآخِرة. فالدُّخولُ إلى المَلكوتِ الأبديِّ يُشيرُ إلى رجائِنا في المستقبل. والآن، لقد دَخَلنا الملكوتَ في لحظةِ الخلاص. وقدِ انتقلنا مِنَ الموتِ إلى الحياة، ومِن مَلكوتِ الظُّلمةِ إلى مَلكوتِ ابنِ مَحبَّتِه. ونحنُ نَعيشُ الآنَ في الشَّكلِ الحاضِرِ مِنَ المَلكوت، ونَعيشُ تحتَ سِيادةِ المسيح، ونعيشُ في المَلكوتِ بذلكَ المَعنى. فالمسيحُ هو المَلِكُ. وهو يَسودُ على شَعبِه.
ولكنَّنا مَا زِلنا نَترقَّبُ التَّحقيقَ المُستقبليَّ أوِ المَلكوتَ الأبديَّ الَّذي فيه مُكافآت. فهذا المَلكوتُ الَّذي نَعيشُ فيهِ الآنَ مُرتبطٌ بالخلاص. وقد دَخَلنا إلى الملكوتِ مِن خلالِ الخلاص. وقد حَصَلنا على البَرَكَةِ تِلوَ البَرَكةِ تِلو البَرَكة. والسِّمةُ الأبديَّةُ للملكوتِ، والَّتي ستتحقَّقُ تمامًا في المستقبل، هي بَرَكَةُ المُكافأةِ الأبديَّة. فهي تَتَخَطَّى الزَّمانَ، وتَتَخَطَّى المَكان. فسوفَ نَكونُ في حَضرةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ مُخلِّصِنا. وفي ذلك الوقت، ستكونُ هناكَ وَفرةٌ لنا لأنَّنا سَعينا بِجِدٍّ وأمانةٍ نحوَ هذه الفضائل.
وبالمُناسبة، هذا يا أحبَّائي هو هَدَفُ سَعيِنا. فهناكَ أشخاصٌ يُريدونَ أن يُقنعونَا بأنَّكَ تستطيعُ أن تأتي إلى يسوعَ المسيحِ وتُؤمِنَ بهِ في لحظةٍ مُعيَّنةٍ ثُمَّ أن تَعيشَ كَما تَشاء. وقد يَقولُ أُناسٌ لنا إنَّهُ مِنَ الحَسَنِ أن تَجِدَّ في طَلَبِ الفضائلِ الأخلاقيَّةِ، ولكن إن لم تَفعل ذلكَ فإنَّكَ ستذهبُ أيضًا إلى الملكوت. وهذا صَحيح! فإن كُنتَ مُؤمنًا حقيقيًّا واخترتَ الخِيارَ الثَّاني ولم تَجِدَّ في السَّعيِ إلى الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ، ستَعيشُ في شَكٍّ، وتَعيشُ في كآبةٍ، وتَعيشُ في خَوفٍ، وتَعيشُ في يأسٍ، وتَقلقُ بشأنِ حالتِكَ الرُّوحيَّة، وتتساءلُ إن كُنتَ مُخَلَّصًا حَقًّا لأنَّكَ لا تَرى نُمُوًّا في الفضائلِ الأخلاقيَّة.
وفوقَ هذا كُلِّه، معَ أنَّكَ ستَدخُلُ في المستقبلِ إلى الملكوت، فإنَّكَ ستَجِدُ أنَّكَ لن تَحصُلَ على وَفرةٍ مِنَ المُكافآتِ في ذلك اليوم. فسوفَ تَحصُلُ على المَدحِ مِنَ الله؛ ولكنَّهُ لن يكونَ مَدحًا بالقَدرِ الَّذي كنتَ ستَحصُلُ عليهِ لو أنَّكَ اجتهدتَ في السَّعيِ نحو الفضائلِ الأخلاقيَّة. فيبدو أنَّهُ مِن المبادئِ الأساسيَّةِ أن نَعيشَ حياتَنا المسيحيَّةَ في ضَوْءِ المُكافأةِ الأبديَّة، وأن نَسعى إلى أن نَكنِزَ لنا كُنوزًا في السَّماء، وأن نَجِدَّ في طَلبِ الفضائلِ الَّتي هي ذَهَبٌ وفِضَّةٌ وحجارةٌ كريمةٌ، لا أن نَجِدَّ في طَلبِ الأشياءِ الأقلِّ الَّتي هي خَشَبٌ وعُشبٌ وقَشّ. فالأشخاصُ الَّذينَ يَسْعَوْنَ بِجِدٍّ وأمانةٍ نحوَ القداسةِ سيَحصلونَ على مُكافأةٍ مُجزية.
والآن، أنا أُقِرُّ بأنَّ كُلَّ وَلَدٍ مِن أولادِ اللهِ سيَذهبُ إلى السَّماءِ ويَحصُلُ على أشياء وَفيرة. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ بطرسَ هُنا يحاولُ أن يقولَ إنَّ هناكَ مُكافأةً جَزيلةً جدًّا للأشخاصِ الَّذينَ سَعَوْا نَحوَ الفضيلةِ باجتهاد. وفي حينِ إنِّي أُوْمِنُ بأنَّ جميعَ المؤمنينَ يُثمرون، مِن الواضحِ أنَّ هناكَ خِيارًا يَختارُهُ مَجموعةٌ مِنَ المؤمنينَ وهو أن يَبذُلوا أقلَّ جُهدٍ مُمكِن في السَّعيِ نحوَ الفضيلةِ الرُّوحيَّة؛ في حينِ أنَّ هناكَ مُؤمِنينَ يَبذُلونَ جُهدًا كبيرًا في ذلك. والكتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ اللهَ يُعطي بسخاء كُلَّ المُخَلَّصين. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ يُعطيهم كُلَّ شيءٍ بغنى للتَّمتُّع. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ كُلَّ المؤمنينَ ينالونَ الغُفرانَ حَسَبِ غِنى نِعمَتِهِ الَّتي أَجزَلَها لَنا.
والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ اللهَ يُريدُ أن يأتي لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ بِاللُّطْفِ على كُلِّ المُخَلَّصين. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ حَسَبِ نِعمَتِهِ سَكَبَ رُوحَهُ بسخاءٍ علينا عندما وُلِدنا ولادةً جديدة. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ هُناكَ ما يُعرَفُ بِغِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي كُلِّ الْقِدِّيسِينَ. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ جميعَ المُخَلَّصينَ يَعرفونَ غِنَى مَجْدِ سِرِّهِ الَّذِي هُوَ المَسِيحُ فِينا رَجَاءُ المَجْد. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ سَخِيٌّ وغَنِيٌّ تُجاهَ جَميعِ المؤمنينَ [يهودًا وأُمَمًا] الَّذينَ يَدْعونَ بِهِ للخلاص. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّه يُعطي جميعَ المُخَلَّصينَ الرُّوحَ القُدُسَ، وإنَّهُ يُعطيهُم جَميعَ نِعَمِهِ المُتنوِّعة.
لِذا، حيثُ إنَّهُ يُغدِقُ على كُلِّ المؤمنينَ هذا السَّخاءَ المُدهشَ، وهذه النِّعمةَ والبَركةَ الغَنيَّة، وحيثُ إنَّ كُلَّ المؤمنينَ لديهم أمانَة إلى حَدٍّ مَا، ويُثمرونَ إلى حَدٍّ ما، سوفَ يَحصُلونَ جميعًا على مِقدارٍ مِنَ البَركةِ والوَفرةِ في المَجد. ومعَ أنَّ هذا كُلَّهُ صَحيح، لا يُمكنني أن أُقاومَ ما جاءَ في هذه الآيةِ في هذا السِّياقِ إذْ إنَّهُ يبدو لي أنَّها تقول: عندما تَبذلونَ كُلَّ اجتهادٍ في السُّلوكِ في الفضائلِ المسيحيَّةِ في حياتِكم فإنَّ اللهَ سيُقابِلُ ذلكَ بِتَكثيرِ وزيادةِ الوَفرةِ الَّتي تَنالونَها عندما تَدخلونَ إلى مَلكوتِهِ الأبديّ. لِذا، أعتقدُ أنَّ هناكَ دَرَجاتٍ مِنَ المُكافآتِ الَّتي سيُعطيها اللهُ لأولادِهِ الأحبَّاء وَفقًا لِمُستوى أمانَتِهم وسَعيِهم واجتهادِهم في البِرّ. لِذا، لا بُدَّ أنَّ وَفْرَةَ الزَّرعِ تَعني أيضًا وَفرةَ ماذا؟ الحَصاد.
فمُكافآتُ النِّعمةِ في الأبديَّةِ ستَتناسَبُ معَ عَمَلِ النِّعمةِ في هذا الزَّمان. اسمحوا لي أن أقولَ ذلكَ مرةً أخرى: مُكافآتُ النِّعمةِ في الأبديَّةِ ستَتناسَبُ معَ عَمَلِ النِّعمةِ في هذا الزَّمان. وسوفَ تكونُ هناكَ دَرجاتٌ مِنَ المُكافآتِ في المجد تَتناسبُ معَ أمانَتِكَ في هذه الحياة. ففي لحظةِ الخلاصِ، حُسِمَت مسألةُ الدُّخولِ إلى الملكوت؛ ولكن ليست كيفيَّة الدُّخول. ففي لحظةِ الخلاص، حُسِمَت حقيقةُ دُخولِنا إلى المَملكةِ الأبديَّة. ولكنَّ الطَّريقةَ الَّتي سنَدخُلُ بها لم تُحسَم. فحَجمُ مُكافأتِنا الأبديَّة مُرتبطٌ بمقدارِ اجتهادِنا في السُّلوكِ في الفضيلة. لِذا، تَلخيصًا لما قُلناه: فيما يَخُصُّ الأشخاصَ الَّذينَ يَسلُكونَ في الفضيلةِ في هذهِ الحياةِ باجتهادٍ، سوفَ يَحصلونَ على شَيئين: ففي هذه الحياةِ وهذا الزَّمان، سيحصلونَ على يَقينِ الخلاص. وفي ذلك الزَّمانِ وذلك المكان، سيحصلونَ على بَرَكَةٍ وَفيرة.
ووعدُ اللهِ هو أنَّني إن سَلكتُ في الفضيلةِ في هذه الحياة، سوفَ أتمتَّعُ بأفضل ما في الحياة وهو أنَّني سأتيقَّنُ مِن مَنزلي الأبديِّ، وأتمتَّعُ إلى أبدِ الآبدينِ ودَهرِ الدُّهورِ بمُكافأةٍ أعظم بسببِ اجتهادي بقوَّةِ رُوحِ الله. فبالنِّسبةِ إلى المؤمنِ المُجتهِد، هناكَ وَعدان: اليقينُ في هذه الحياة، والوفرةُ في الحياةِ الآخرة. هذانِ هُما: اليقينُ في هذه الحياة، والوفرةُ في الحياةِ الآخرة. يا لهُ مِن وعدٍ رائع! ويا أحبَّائي، أنا أَعلمُ أنَّكُم تَتوقونَ إلى ذلكَ مِثلي، وأنَّ كُلَّ مؤمنٍ يُريدُ أن يَتمتَّعَ باليقين. ولكِن لا يَكفي (كما قلتُ في بدايةِ هذه السِّلسلة) أن تَقولُ لشخصٍ مَا إنَّ خلاصَهُ مُتوقِّفٌ على عَمَلٍ قامَ بهِ في الماضي. قد تقولُ لهُ ذلك، ولكنَّهُ قد لا يُصَدِّقُهُ.
فقد لا يُصَدِّقُهُ إن لم تَكُن هناكَ زيادة في الفضيلة الأخلاقيَّة لأنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا قد تَقولُهُ لهُ لإقناعِهِ بأنَّهُ مُؤمِن، إن لم يَرَوْا الدَّليلَ في حياتِهم فإنَّ مِثلَ هذا الإقناعِ الكَلامِيِّ قد يُقابَلُ بآذانٍ صَمَّاء. وكيفَ أعلمُ أنَّني مُخلَّصٌ حَقًّا؟ أولاً، لأنِّي أرى نَفْعي وثَمري نَتيجةَ اجتهادي في السُّلوكِ في الأشياءِ المُقدَّسة. وإن كنتُ أَشُكُّ، وإن كنتُ أتساءلُ، وإن كنتُ أعيشُ في خوفٍ مِن أنِّي قد لا أكونُ مُخَلَّصًا، فإنَّ السَّببَ في ذلك هو أنَّ هذه الأشياءَ لا تَزيدُ في حياتي. لِذا فقد أَجبنا عنِ السؤالِ في اعتقادي بتفصيلٍ شَديد ووَصلنا إلى ذُروةِ كلماتِ بُطرس.
واسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ ذلكَ في الخِتامِ مِن خلالِ كلماتِ لاهوتيٍّ كِتابيٍّ عظيم هُوَ "بنجامين وورفيلد" (Benjamin Warfield) كَتَبَ قبلَ سَنواتٍ مَا يَلي: "يَحُضُّنا بُطرسُ على جَعلِ دَعوتِنا واختيارِنا ثابِتَيْنِ مِن خلالِ شيءٍ مُحَدَّدٍ هو الاجتهادُ في الأعمالِ الصَّالحة. وهو لا يَعني أنَّهُ مِن خلالِ الأعمالِ الصَّالحةِ قد نَحصُلُ مِنَ اللهِ على قَدْرٍ مِنَ الاختيار، بل يعني أنَّهُ مِن خلالِ تَكثيرِ بِذرةِ الحياةِ الرُّوحيَّةِ الَّتي حَصلنا عليها مِنَ اللهِ وجَعْلِها تَتكاثَر إلى الحَدِّ الأقصى، ومِن خلالِ تَكميلِ خلاصِنا، ليسَ مِن دونِ المسيحِ بكُلِّ تأكيد، بل في المسيحِ، يُمكننا أن نَجعلَ أنفسَنا مُتيقِّنينَ مِن أنَّنا حَصلنا حَقًّا على الاختيارِ الَّذي يُمكِنُنا أن نُطالبَ به. لِذا فإنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ تَصيرُ العلامةَ والامتحانَ على الاختيار. وعندما نَنظرُ إلى المَعنى الشَّاملِ الَّذي يُفَكِّرُ فيهِ بُطرسُ هنا فإنَّها العلاماتُ والامتحاناتُ الوحيدةُ على الاختيار.
"فلا يُمكنُنا البتَّة أن نَعرفَ أنَّنا مُختارونَ مِنَ اللهِ للحياةِ الأبديَّةِ ما لم نُظهِر في حياتِنا ثَمَرَ الاختيار: الإيمانُ، والفضيلةُ، والمعرفةُ، والعِفَّةُ، والصَّبرُ، والصَّلاحُ، ومودَّة الإخوة. فَمِن غيرِ المُمكنِ أن نَسعى إلى التَّيقُّنِ مِنَ اختيارِنا بمعزِلٍ عن قَداسةِ الحياة. فالشَّيءُ المُحَدَّدُ الَّذي اختارَ اللهُ شَعبَهُ للقيامِ بهِ مِن قبلِ تأسيسِ العالمِ هو أنَّه يجب عليهم أن يكونوا قِدِّيسين. وحيثُ إنَّ القداسةَ هي النَّتيجةُ الحَتميَّةُ، فإنَّها العلامةُ المؤكَّدةُ على الاختيار" [نهايةُ الاقتباس]. فالشَّخصُ الَّذي يَتعمَّقُ في الحياةِ الروحيَّةِ يَعلمُ يَقينًا إن كانَ حَقًّا يَتمتَّعُ بِبَهاءِ مَجدِ اللهِ، أو إن كانَ يَمشي في الظُّلمةِ على غِرارِ المُسافرِ الَّذي يَعلمُ إن كانَ يُسافرُ تحتَ أشعَّةِ الشَّمسِ أو تحتَ المَطر.
انظر إلى حياتِك. فإن لم تَكُن تَرى فضيلةً أخلاقيَّةً، لن تَجِدَ أيَّ دليلٍ يُؤكِّدُ خلاصَك. انظر إلى حياتِك. فإن رأيتَ هذه الأشياءَ في حياتِك، ليسَ بصورة كاملة بالضَّرورة، ولكنَّها موجودة، وتَزيد، يُمكنكَ أن تَعلمَ أنَّكَ تَسلُكُ في النُّور. وفي الخِتام، اسمَحوا لي أن أذكُرَ لكم بِضعَ نِقاطٍ عَمليَّة أو تَطبيقيَّة. فلماذا كُلُّ هذا الكلامِ عنِ اليقين؟ أولاً، إنَّهُ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. فهو يَحصُرُنا. ولكِن لماذا كُلُّ هذا الكلامِ أسبوعًا تلوَ الآخر، وعِظَةً تِلو الأخرى؟ ما هي مَزايا اليقين؟ هل هو مُهمٌّ جدًّا؟ وهل يَستحقُّ هذا الاهتمامَ المُكَثَّف؟ الجوابُ هو: أجل. واسمحوا لي أن أَذكُرَ لكم الأسبابَ. فهناكَ بِضعةُ أسبابٍ رُبَّما تَرغبونَ في تَدوينِها:
أوَّلاً، إنَّ عقيدةَ اليقينِ واختبارَ اليقينِ مُهمَّانِ [في المقامِ الأوَّلِ] لأنَّ هذه العقيدةَ تَجعلُنا نُحبُّ اللهَ ونُسَبِّحهُ. فهي تَجعلُنا نُحبُّ اللهَ ونُسَبِّحَهُ على نِعمتِهِ المُخَلِّصة، وعلى وَعدِهِ الأبديّ. وما أعنيه هو: إن كنتُ أَعلمُ أنِّي مُخَلَّص، سأُسبِّحُ اللهَ على ذلك. وإن كنتُ أَعلمُ أنِّي مَضمونٌ إلى الأبد، سأُسبِّحُ اللهَ على ذلك وأُحبُّ اللهَ بسببِ ذلك. أمَّا إن لم أكُن مُتيقِّنًا مِن أنِّي كذلك، لا يُمكنُني أن أُسَبِّحَ اللهَ عليه. أليسَ كذلك؟ فهذه تَطبيقاتٌ عَمليَّة جدًّا. كيفَ يُمكنني أن أكونَ مُمتلئًا بالامتنان؟ وكيفَ يُمكنني أن أكونَ مُمتلئًا بالتَّسبيحِ القَلبيِّ إن لم أكُن حتَّى مُتيقِّنًا مِن خلاصي؟
ثانيًا، لا يَقتصِرُ الأمرُ على أنَّ هذه العقيدةَ تَجعلُنا نُحبُّ اللهَ ونُسَبِّحهُ، بل إنَّها تُضْفِي فَرَحًا على كُلِّ واجباتِنا وتجاربِنا الأرضيَّة. فإن كنتُ أَعلمُ أنِّي مُخَلَّصٌ، لن أُبالي بما يحدثُ في هذه الحياةِ لأنَّ هذا اليقينَ يُعطيني فَرَحًا في خِضَمِّ ذلك. لماذا؟ لأنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عما يَحدث زَمنيًّا، أنا أَعلمُ أنِّي مُخَلَّصٌ وأعرِفُ مَصيري الأبديّ. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ اليَقينَ يَجعلُني أفرحُ في أيِّ ضِيق.
ثالثًا، اليقينُ يَجعلُنا مُتحمِّسينَ للطَّاعةِ والخدمة... يَجعلُنا مُتحمِّسينَ للطَّاعةِ والخدمة. فإن كنتُ أَعلمُ أنِّي مُخَلَّصٌ حَقًّا، وإن كنتُ أَعلمُ أنِّي ذاهبٌ حَقًّا إلى السَّماء، سأعلمُ أنَّ مسؤوليَّتي هي أن أُطيعَ مَلِكي. فاليقينُ لا يُؤدِّي إلى الفُتور. فالشَّكُّ يُؤدِّي إلى الفُتور؛ أمَّا اليقينُ فيؤدِّي إلى الاجتهاد. والشَّكُّ يُحبِطُ الخدمة؛ أمَّا اليقينُ فيُشَجِّع عليها. وقد كَتَبَ "توماس واطسون" (Thomas Watson): "اليقينُ يُشبِهُ بَنْدول السَّاعة في أنَّهُ يَجعلُ كُلَّ بَكَراتِ الطَّاعةِ تَدور". وأنا أُحبُّ هذا التَّشبيه. فاليقينُ هو البَنْدولُ الَّذي يَجذِبُ بَكَراتِ السَّاعة ويَجعلُ كُلَّ شيءٍ يَدور. فإن كنتُ أَعلمُ أنِّي مُخَلَّصٌ، ولم يَكُن لديَّ أيُّ شَكٍّ في ذلك، وكنتُ أَعلمُ أنِّي أنتمي إلى الله، وكنتُ أَعلمُ مَصيري الأبديَّ، فإنَّ ذلكَ سيَدفعُني إلى الطَّاعةِ والخدمة. أمَّا إن لم أكن مُتيقِّنًا مِن ذلك، سأكونُ فاتِرًا، وعديمَ المُبالاةِ، أو كما قالَ بُطرس: عَديمَ النَّفعِ وغيرَ مُثمِر.
رابعًا، اليقينُ يُعطينا نُصرةً في التَّجربة. اليقينُ يُعطينا نُصرةً في التَّجربة. واسمحوا لي أن أقول لكم لماذا: لأنَّهُ في وسطِ أقوى تَجربة، أنا أَعلمُ أنِّي أنتمي إلى الله. لِذا، أنا أعلمُ أنَّهُ لنْ تُصِبني تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُني أُجَرَّبُ فَوْقَ مَا أستَطيع، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذ. فإن كنتُ أَعلمُ أنِّي أنتمي إلى الله، سأعلمُ أيضًا أنَّهُ قد أعطاني القُدرةَ على الانتصارِ على التَّجربة.
كذلك، في وَسْطِ تلك التَّجربة، لن أشعُرَ باليأس لأنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّها تَجربة قويَّة فإنِّي أعلمُ لا فقط أنِّي أملكُ القدرةَ على الانتصارِ عليها، بل أَعلمُ أيضًا أنَّ مُستقبلي مَضمونٌ في السَّماء، وأنَّ تلك التَّجربة لا تستطيعُ أن تُغيِّرَ مَصيري الأبديّ. مِن جهة أخرى، إن لم يَكُن لديَّ يَقينٌ في خلاصي، ستَعملُ التَّجربةُ على إغراقي في الإحباطِ والاكتئاب، ولن أكونَ واثقًا مِن أنِّي سأجتازُ تلك التَّجربة، وسأتساءلُ إن كانت ستَدينَني إن وَقعتُ ضَحيَّةً لها. ولكنَّ لا!، فإن كانَ لديَّ يَقين، سيَجعلني ذلكَ اليَقينُ أُحبُّ اللهَ وأُسبِّحُهُ، وسيُعطيني فَرَحًا في وسطِ كُلِّ واجباتي وتجاربي الأرضيَّة، ويَجعلُني مُتحمِّسًا للطَّاعةِ والخدمة، ويُعطيني نُصرةً في التَّجربة.
خامسًا، إن كانَ لديَّ يَقينٌ، سيَجعلُني راضيًا حَتَّى لو كنتُ لا أَملِكُ سِوى القليل في هذا العالَم. فإن كانَ لديَّ يَقينٌ، سيَجعلُني راضيًا حتَّى لو كنتُ لا أَملِكُ سِوى القليل في هذا العالَم. فإن كانَ لديَّ يَقينُ الخلاصِ، سأكونُ واثقًا مِن أنِّي أَملِكُ غِنىً في الدَّهرِ الآتي، وسأكونُ واثقًا مِن أنَّ إلهي سيَملأُ كُلَّ احتياجي بحسب غِناه في المَجد في المَسيحِ يَسُوع. لِذا، إن كنتُ مُتيقِّنًا مِن خلاصي، لا يَهُمُّ ما سيحدثُ لي في هذا العالَم. أمَّا إن لم أكُن مُتيقِّنًا مِن خلاصي، سألهثُ وراءَ كُلِّ شيءٍ يُقدِّمُهُ هذا العالَم. وإن لم أَكُن واثقًا مِن أنَّ هناكَ مُكافأةً أبديَّةً لي، سأرغبُ في مَلْءِ هذه الحياةِ بكُلِّ ما يُمكنُني الحُصولُ عليه. وعندما لا تَسيرُ الأمورُ كما أُريد، سـأشعرُ بالاستياءِ أكثر فأكثر.
سادسًا، كما هي الحالُ في النُّقطةِ الخامسة، إن كنتُ مُتيقِّنًا مِن خلاصي فإنَّ ذلكَ سيَجعلُ القلبَ المُتألِّمَ يَحتملُ الألمَ بِصبر. إن كنتُ مُتيقِّنًا مِن خلاصي فإنَّ ذلكَ سيَجعلُ القلبَ المُتألِّمَ يَحتملُ الألمَ بِصبر. فإن كنتُ أتألَّمُ في حياتي ولكنِّي مُتيقِّنٌ مِن خلاصي الأبديّ، يُمكنني أن أحتملَ ذلك.
سابعًا، إن كنتُ مُتيقِّنًا فإنَّ ذلكَ يُسَكِّنُ ضَميري عندما يَلومُني... يُسَكِّنُ ضَميري عندما يَلومُني. فحتَّى عندما أشعرُ بالذَّنب، وحتَّى عندما أشعرُ بعدمِ الاستحقاق، وحتَّى عندما أشعرُ بأنِّي خاطئ وشرِّير ونَجِس وبائس، سيرتاحُ ضَميري بسببِ يَقينِ خلاصي الأبديّ. وهذا حَقٌّ عَظيم. فهو حَقٌّ عظيم لأنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أن يَشتكي عيكَ مِن خلالِ ضَميرِك. ولكن إن كُنتُ مُتيقِّنًا مِن خلاصي فإنَّ ذلكَ سيُسَكِّن ضَميري عندما يَلومُني.
ثامنًا وأخيرًا، إن كانَ لديَّ يَقينٌ فإنَّهُ سيُزيلُ خوفي مِنَ الموت. إن كانَ لديَّ يَقينٌ فإنَّهُ سيُزيلُ خوفي مِنَ الموت. فإن كنتُ أَعلمُ أنِّي مُؤمِن، يُمكنني أن أواجهَ الموتَ بثقةٍ تامَّةٍ بأنِّي سأنتقلُ مِن هذه الحياةِ إلى الحياةِ الآخِرَة حيثُ سيكونُ يسوعُ المسيحُ بانتظاري. أمَّا إن لم أكن مُتيقِّنًا مِن خلاصي، سأرتعبُ مِن الموت. أليسَ كذلك؟ إذًا، ما هو التَّطبيقُ العَمليُّ لليقين؟ إنَّهُ يَجعلُني أُحبُّ اللهَ وأُسَبِّحُه. وَهُوَ يُعطيني فَرَحًا في خِضَمِّ واجباتي وتجاربي الأرضيَّة. وَهُوَ يَجعلُني مُتحمِّسًا للطَّاعةِ والخدمة. وَهُوَ يُعطيني نُصرةً في التَّجربة. وَهُوَ يَجعلُني راضيًا بالرَّغمِ مِن أنِّي لا أَملِكُ سِوى القليل في هذا العالَم. وَهُوَ يَجعلُ القلبَ المُتألِّم يَحتملُ بصبر. وَهُوَ يُسَكِّن الضَّميرَ المُعَذَّب. وَهُوَ يُزيلُ الخوفَ مِنَ الموت. ألا تَعتقدونَ أن هذه عقيدة عَمليَّة؟
فاللهُ لم يَكُنِ مُضطرًّا لإعطائِنا يَقينًا. هل تَذكرونَ ما قُلتُهُ لكم في الدَّرسِ الأوَّل؟ فهناكَ أشخاصٌ يقولونَ إنَّ التَّفكيرَ في يَقينِ الخلاصِ هوَ تَجديف. يا لها مِن فِكرة! فالكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة تقولُ ذلك؛ أي أنَّكَ إذا تَجَرَّأتَ على افتراضِ أنَّهُ يُمكنكَ أن تَعرفَ أنَّكَ مُخَلَّص فإنَّكَ تُجَدِّفُ على الله. والأشخاصُ الَّذينَ يَعتَنِقونَ العقيدةَ الأرمينيَّةَ بخصوصِ الكتابِ المقدَّسِ والَّتي تقولُ إنَّكَ يُمكنُ أن تَفقِدَ خلاصَك يَقولونَ أيضًا إنَّهُ مِنَ الوقاحةِ أن تَفترضَ أنَّ خلاصَكَ أبديٌّ. ولكنَّ اللهَ يَقولُ إنَّكَ تَستطيعُ أن تَجعلَ دَعوتكَ واختيارَكَ مُؤكَّدَيْنِ تمامًا، وإنَّهُ لا حاجةَ البتَّة إلى الشَّكِّ واليأس، بل إنَّ كُلَّ ما ينبغي أن تَفعلَهُ هو أن تَسعى نحوَ هذه الفضائل.
ومِن خلالِ بُرهانِ الحياةِ التَّقيَّةِ تأتي الثِّقةُ بالخلاصِ الأبديِّ؛ وَهُوَ يَقينٌ يُوفِّرُ لكَ كُلَّ الامتيازاتِ الَّتي ذَكرتُها. وصَلاتي لأجلِكُم هي أن تَتمتَّعوا بِملءِ يَقينِ خَلاصِكُم.
يا أبانا، نَشكُرُكَ على عَطيَّةِ الخلاصِ العظيمةِ هذه. ويا لَيتَنا نَحفظُ هذه العطيَّةَ في قُلوبِنا، ونَقبَلُهُا، ونَسعى إليها لكي نَتمتَّعَ بها حَتَّى نُسَبِّحَكَ ونُحبَّكَ لأنَّنا نَعلمُ أنَّكَ تُحبُّنا وأنَّكَ خَلَّصتَنا؛ وحَتَّى نَختبرَ الفرحَ في خِضَمِّ كُلِّ واجباتِنا وتجاربنا الأرضيَّة؛ وحَتَّى نَكونَ مُتحمِّسينَ لإطَاعةِ وخدمةِ ذاكَ الَّذي خَلَّصَنا حقًّا؛ وحتَّى نَنتصرَ على التَّجاربِ لأنَّنا نَعلمُ أنَّكَ أعطيتَنا القُدرةَ ووعدتَنا بالسَّماءِ، وَهُوَ وَعدٌ لا يُمكِنُنا أن نَخسرَه؛ وحَتَّى نَكونَ رَاضينَ بالرَّغمِ مِن أنَّنا قد لا نملِكُ سِوى القليل في هذا العالمِ لأنَّنا نَعلمُ أنَّنا سنُعطَى الكثيرَ في الدَّهرِ الآتي؛ وحتَّى نَحتملَ الآلامَ بصبر؛ وحتَّى لا نَسمحَ لضمائرنِا أن تَلومَنا لأنَّنا نَعلمُ أنَّنا نَنتمي إليكَ؛ وحتَّى لا نَخافَ الموتَ. يا رَبُّ هذه هي الطَّريقة الَّتي نُريدُ أن نَعيشَ بها لكي نكونَ نافِعينَ ومُثمرينَ لك. يا أبانا، نَحنُ نَعلمُ هذا: أنَّهُ إن كُنَّا نَعلمُ أنَّنا مُخَلَّصونَ وكُنَّا مُتيقِّنينَ مِن ذلك فإنَّنا لن نَضِلَّ بسببِ العَدوِّ وأعوانِهِ المُعلِّمينَ الكذبةِ الَّذينَ يحاولونَ أن يُشَكِّكونا في الحقِّ المُختصِّ بخلاصِ المسيح. أعطِنا تلك المَعرفةَ الحقيقيَّةَ فيما نَسعى إلى الحصولِ على هذه الأشياءِ المُقدَّسة. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
