إذ نَعودُ مَرَّةً أخرى في هذا المَساء إلى وقتِ دراسةِ كلمةِ اللهِ، أودُّ أن أَلفِتَ أنظارَكُم إلى رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل - رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل. في هذا الصَّباح، نَظرنا إلى الأعداد 3-5. وفي هذا المساء (كما فَعلنا في الأسبوع الماضي)، سوفَ ننتقلُ إلى الأعداد 6-9. رسالة بُطرس الأولى 1: 6-9.
إنَّ موضوعَ بُطرس هو: "فَرَحُ الخَلاص". فهو يَنتقلُ مِنَ نَشيدِ التَّسبيحِ الرَّائعِ للهِ (في الأعداد 3-5)، ويقولُ في العددِ السَّادس: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُون". وهو يَدعو إلى مُباركةِ اللهِ على الخلاصِ، أو على الميراثِ الأبديِّ الثَّمينِ الَّذي هو مِن نَصيبِ المُؤمِن. فَلنبتدئ. وأرجو أن تُتابعوني في أثناء قراءتي للأعداد 6-9:
الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوس".
مِنَ الواضحِ أنَّ الموضوعَ هُنا هو الفَرح. وفي العَددَين الأوَّل والثَّاني، نَجِدُ إشارةً إلى أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمونَ إلى المسيحِ مُختارونَ مِنَ الله. وتُخبرُنا الأعدادُ 3-5 أنَّ اختيارَ اللهِ لنا بنعمتِهِ قد جَعَلَنا نُولَدُ ثانيةً لرجاءٍ حَيٍّ مِن خلالِ قِيامةِ المسيح. لِذا فقد حَصلنا على الوعدِ بميراثٍ هُوَ خَلاصُنا الكاملُ والنِّهائيُّ. وذلك الميراثُ لا يَفنى، ولا يَتَدنَّسُ، ولا يَضمَحِلّ؛ بل هو مَحفوظٌ لنا ونحنُ لَهُ. لِذا فإنَّنا نَبتهِجُ جدًّا. ففَرحُ الخلاصِ هو الفِكرةُ الموجودةُ في قلبِ بُطرس.
وكما تَعلمونَ فإنَّنا نَقرأُ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعرفونَ الرَّبَّ ويَسلُكونَ معَ الرَّبِّ، والأشخاصَ الَّذينَ يَتَّكِلونَ عليهِ يَختبرونَ الفَرح. فمثلاً، إن قرأتُم سِفْر المَزامير، ستَجدونَ أنَّ واحدةً مِنَ الأفكارِ الَّتي تَتكرَّرُ في المَزامير هي الفَرَح. فنحنُ نَقرأُ في المزمور 4: 7: "جَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي". ونَقرأُ في المَزمور 5: 11: "وَيَفْرَحُ جَمِيعُ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ. إِلَى الأَبَدِ يَهْتِفُونَ". ونَقرأُ في المَزمور 9: 2: "أَفْرَحُ وَأَبْتَهِجُ بِكَ [أو: أَتَهَلَّلُ بِكَ]، أُرَنِّمُ لاسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ".
وفي المَزمور 32: 11 (على ما أعتقد): "افْرَحُوا بِالرَّبِّ وَابْتَهِجُوا يَا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ، وَاهْتِفُوا يَا جَمِيعَ الْمُسْتَقِيمِي الْقُلُوب". ونَقرأُ في المَزمور 37: 4 الكلماتِ المألوفةِ التَّالية: "تَلَذَّذْ بِالرَّبِّ".
ونَقرأ في المَزمور 43: 3-4: "أَرْسِلْ نُورَكَ وَحَقَّكَ، هُمَا يَهْدِيَانِنِي وَيَأتِيَانِ بِي إِلَى جَبَلِ قُدْسِكَ وَإِلَى مَسَاكِنِكَ. فَآتِي إِلَى مَذْبَحِ اللهِ". ثُمَّ نَقرأُ هذهِ الكلماتِ الرَّائعة: "إِلَى اللهِ بَهْجَةِ فَرَحِي، وَأَحْمَدُكَ بِالْعُودِ يَا اَللهُ إِلهِي". ثُمَّ إنَّهُ يَطرحُ السُّؤالَ التَّالي: "لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟" فبعدَ أن نِلتَ الخلاصَ، لا يَجوزُ البتَّةَ أن تَكونَ يَائسًا، بل ينبغي أن تَكونَ دائمًا فَرِحًا.
تَلخيصًا لذلك، يُمكننا أن نقولَ إنَّ واجبَ المُؤمِنَ يُحَتِّمُ عليهِ أن يكونَ فَرِحًا قدرَ استطاعتِه. ويُمكنُنا أيضًا أن نَقولَ إنَّ قَصدَ اللهِ، وخُطَّةَ اللهِ، ومَشيئةَ اللهِ هي أن نَحرِصَ على أن نَكونَ فَرِحينَ قدرَ استطاعَتِنا.
والسُّؤالُ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ الآنَ هو: كيفَ نُمسِكُ بذلك الفَرح؟ ففي أحيان كثيرة، لا نَتمتَّعُ بذلك الفرح. لِذا، يجب علينا أن نَسمعَ ما قالَهُ بولُس إذْ إنَّهُ يُوصينا قائلاً: "افرَحُوا" لأنَّهُ تأتي أوقاتٌ لا نَفرحُ فيها. كيفَ نُمسِكُ بذلك الفَرح؟ وكيفَ نَتعلَّمُ أن نُرَكِّزَ على ذلك الفَرح؟ يُقدِّمُ لنا بُطرسُ الإجابة. فهو يُخبرُنا هنا كيفَ يُمكنُنا أن نَجعلَ فَرحَ الخلاصِ ذاكَ حَقيقةً في حياتِنا. والمسألةُ هي مَسألةُ تَركيز. فهي تَتوقَّفُ كُلُّها على ما تَختارُ أن تَنظُرَ إليه، وما تَختارُ أن تُرَكِّزَ عليه.
أوَّلُ مَصدرٍ (وسوفَ نُقدِّمُ لكم العديدَ مِنَ المَصادر) أوَّلُ مَصدرٍ هو الميراثُ المَحفوظ. فهذا هو المَصدرُ الأوَّلُ للفرحِ الَّذي يُشيرُ إليه بُطرس. لاحظوا في العددِ السَّادس أنَّهُ يَقول: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُون". وقد ناقشنا ذلكَ في المَرَّة السَّابقة. وما الَّذي قَصَدَهُ بقولِهِ: "الَّذي بِهِ"؟ إنَّهُ يُشيرُ إلى الخلاصِ المَوصوفِ في الأعداد 3-5؛ أي بالميراثِ الأبديِّ المَحفوظِ في السَّماواتِ لأجلِكُم والَّذي لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ. فلأنَّ اللهَ وَعَدَكُم بميراثٍ مَحفوظٍ هو مِلْءُ الخلاصِ الأبديِّ، يجب عليكم أن تَفرحوا. افرَحوا في هذا: بوجودِ مِيراثٍ مَحفوظٍ لأجلكم.
ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 10: 32: "وَلكِنْ تَذَكَّرُوا الأَيَّامَ السَّالِفَةَ الَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ صَبَرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ. مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ، وَمِنْ جِهَةٍ صَائِرِينَ شُرَكَاءَ الَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هكَذَا". بعبارة أخرى، لقد تألَّمتُم كمؤمنين. "لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضًا، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ" [لماذا؟] "عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا". يا لها مِن جُملةٍ رائعة!
فكاتبُ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين يَقولُ إنَّكُم قَبلتُم بفرحٍ سَلْبَ مُمتلكاتِكُم الأرضيَّة لأنَّكُم تَعلمونَ أنَّ لكم مِيراثًا أفضلَ وباقيًا؛ أي أنَّ لكم مُمتلكاتٍ أو أملاكًا أو مِيراثًا لا يُمكنُ أن يُسلَب، ولا يُمكِن أن يُصادَر، ولا يُمكِن أن يُسرَق. هذا هو فَرحُ تَرَقُّبِ مِيراثِكُم المَحفوظ. ويا أحبَّائي، يجب علينا دائمًا أن نَفرحَ لأنَّهُ لا يوجد شيء يَستطيعُ أن يَسلِبَنا حياتَنا الأبديَّةَ، ولا يوجد شيء يَستطيعُ أن يُبعِدَنا عنه.
أمَّا المَصدرُ الثَّاني لفرحِ الخلاصِ الَّذي ذَكرناهُ في المرَّة السَّابقة فهو ليسَ فقط الميراثُ المَحفوظ، بل الإيمان المَزَكَّى. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. فالعدد السَّادس يَقولُ أيضًا: "مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَة". بعبارة أخرى، يجب أن تَفرحوا بالرَّغمِ مِنَ التَّجارب. ثُمَّ إنَّ العددَ السَّابع يقول: بسببِ "تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ".
ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا رأينا في المَرَّة السَّابقة (في تلك الآية السَّادسة الرائعة) أنَّ بُطرسَ يُقدِّمُ لنا تَعليمًا لاهوتيًّا رائعًا بخصوصِ التَّجارب. فهو يُخبرنا أنَّ التَّجاربَ لا تَدومُ مِن خلالِ قَولِهِ: "تُحزَنونَ يَسيرًا". وهو يُخبرُنا أنَّ الضِّيقاتِ تَخدِمُ غايةً مُحدَّدةً مِن خلالِ قَولِهِ: "إن كانَ يَجِبُ". فاللهُ يَسمَحُ بها لأنَّها ضَروريَّة لكمالِنا الرُّوحيِّ. وهو يُخبرُنا أنَّها مُؤلمةٌ وأنَّهُ ينبغي أن تكونَ كذلكَ مِن خلالِ قَولِهِ: "تُحزَنون". وهو يُخبرُنا أنَّها تأتي بأشكالٍ عديدةٍ مِن خلالِ قَولِهِ: "تجاربَ مُتنوِّعة". وهو يَقولُ أيضًا إنَّها ليست مُصَمَّمَةً لسَلبِكُم فَرَحَكُم مِن خلالِ قولِهِ في تلك العبارة القصيرة: "مع أنَّكُم الآنَ...". بعبارة أخرى، معَ أنَّكُم تَتعرَّضونَ للتَّجربة، فإنَّها لا تَمَسُّ فَرَحَكُم، بل هي تَهدفُ إلى تَحقيقِ غايةٍ مُحدَّدة. وهي تأتي بأشكالٍ مُتنوِّعة، وتُحدِثُ أَلَمًا، ولكنَّها لا تَدوم. فهي تَهدفُ إلى تَكميلِكُم، وتَهدِفُ إلى إنضاجِكُم رُوحيًّا.
وقد قالَ "سبيرجن" (Spurgeon) ذاتَ مَرَّة: "الخُطُواتُ الَّتي نَصعَدُ بها إلى الفَرحِ عادةً ما تكونُ مُبَلَّلَةً بالدُّموع". وقد قال: "في وسطِ رَمادِ آلامِنا تَكمُنُ شَراراتُ فَرَحِنا المُتأهِّبة للاشتعالِ عندما تَتَّقِدُ بواسطةِ الرُّوحِ القُدُس". فالفرحُ يَنبُعُ مِنَ الألم.
والآن، لماذا الأمرُ هكذا؟ وكيفَ يُمكنُنا أن نَفرحَ في الألم؟ نَقرأُ في العددِ السَّابعِ: لأنَّه يؤكِّدُ صِحَّةَ إيمانِنا. فهو يُؤكِّدُ صِحَّةَ إيمانَنا. وَهُوَ يُبرهِنُ على أنَّ إيمانَنا "أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّار". فنحنُ لدينا إيمانٌ مَزَكَّى.
هل تَذكرونَ ما قُلناهُ في الأسبوعِ الماضي عن أنَّ أعظمَ مَصدرٍ يُطَمئِنُ المؤمنَ هو أن يَعلمَ أنَّ إيمانَهُ حَقيقيّ؟ فالتَّجاربُ لا تُبرهِنُ إيمانَكَ لله. فهو يَعلمُ ذلك. ولكنَّها تُبرهِنُ إيمانَكَ لكَ لكي تَطمئنَّ في ذلك الإيمان. فأحيانًا، قد يأتي شخصٌ ويَقول: "أنا لستُ مُتيقِّنًا! كيفَ أَعلمُ إن كُنتُ مُخلَّصًا؟ كيفَ أَعلمُ أنَّ إيماني حَقيقيّ؟ فأنا أشُكُّ في صِحَّةِ إيماني أحيانًا. وأنا لستُ واثقًا مِن أنِّي مُخَلَّص!"
وغالبًا، لا يوجدُ ما يُمكنُ أن يُقالَ لزيادةِ ذلك اليَقين لأنَّ ذلك اليقين يأتي عندما يَمُرُّ المرءُ بالتَّجارب. فعندما تأتي التَّجاربُ المؤلمةُ وتَمضي وأنت ما تَزالُ مُؤمنًا، ولم تُلَوِّح بقبضتِكَ في وَجهِ اللهِ وتَمضي في طَريقِك، فإنَّ ذلكَ الثَّباتَ دَليلٌ على أنَّ إيمانَكَ حَقيقيّ. وعندما يكونُ لديكَ ذلكَ الإيمانُ الحقيقيُّ المُزَكَّى، والمُمتَحَن، والمُجَرَّب، والمُعلَن، سيكونُ هناكَ فَرحٌ في قلبِك، وابتهاجٌ في قلبِك. وحينئذٍ، يُمكنكَ حقًّا أن تَفرح.
فأنا أفرحُ بالإيمانِ المُزَكَّى لأنَّهُ في نَظري أثمنُ جدًّا مِنَ الذَّهبِ حَتَّى عندما يُمتَحَنُ بالنَّار. فالتَّجاربُ لا تَستطيعُ أن تَمَسَّ كُنْزَ الإيمانِ المُزَكَّى. أَلاَ تَفرحونَ في ذلك؟ أَلاَ تَفرَحُ عندما تكونُ مُتيقِّنًا أنَّ إيمانَكَ حَقيقيٌّ، وأنَّ خلاصَكَ حَقيقيٌّ، وأنَّ مِيراثَكَ سيكونُ حقًا مِن نَصيبِك؟
والآن، لنتحدَّث عنِ المصدرِ الثَّالث. فبُطرسُ يُطلِعُنا على سَببٍ ثالثٍ للفرحِ ويُذكِّرُنا بأنَّ الإيمانَ المُزَكَّى والميراثَ المَحفوظَ ينبغي أن يَجعلانا نَفرحُ فَرحًا دائمًا. ثُمَّ ثالثًا، إنَّهُ يُقدِّمُ لنا حقيقةً أخرى مُهمَّةً جدًّا وهي الوعدُ بالكَرامَة. الوعدُ بالكَرامَة. وأعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ في العددِ السَّابعِ عن ذلكَ بكلماتٍ رائعةً.
فهو يَقول: "لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فأنتُم تَفرحونَ بميراثِكُم المَحفوظ. وأنتُم تَفرحونَ بإيمانِكُم المُزَكَّى. وأريدُ أن أقولَ لكم إنَّكم تَفرحونَ بالوعدِ بالكَرامَة. فأنا أفرحُ عندما أنظرُ إلى الأمام. وأنا أفرحُ عندما أنظرُ إلى ما أعَدَّهُ اللهُ لي في المُستقبلِ بنعمتِه.
والآن، مِنَ الجِهَةِ الاصطلاحيَّةِ في هذهِ الآية فإنَّ الكلمة "لكي" في بدايةِ العددِ السَّابعِ ("هينا" – "hina") في حالةِ النَّصبِ في اللُّغةِ اليونانيَّة تُفيدُ القَصد. وهو يَتحدَّثُ هُنا عن تَزكيةِ إيمانِكُم ثُمَّ يَصِفُ الإيمانَ بأنَّهُ أَثمَنُ مِنَ الذَّهب. ولكنَّ الإيمانَ الموجودَ هو الَّذي سيؤدِّي إلى المَدْحِ والكَرامةِ والمَجد عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح.
لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَقتصِرُ فقط على الإيمانِ المُزَكَّى، بل إنَّهُ فَرَحُ المُكافأةِ المُرتَقَبة. فتَزكيةُ الإيمانِ ليست هُنا الفكرة الرئيسيَّة. فتَزكيةُ الإيمانِ هي ليستِ القَصد، بل إنَّ تَزكيةَ الإيمانِ هي الوسيلةُ لتحقيقِ القصد، والوسيلةُ لتحقيقِ الغاية، والوسيلةُ لتحقيقِ الهدف. والهدفُ هو المَدح والمَجد والكَرامة عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح. فذلك هو الهدف: مُكافأتُكم الأبديَّة.
لِذا فإنَّكم تَبتهجونَ جدًّا بسببِ خَلاصِكُم الأبديّ، وتَبتَهِجونَ جدًّا في كُلِّ الضِّيقاتِ والتَّجاربِ الحَياتيَّةِ الَّتي هي مُجرَّدُ طَرائقَ لتَزكيةِ إيمانِكُم لأنَّ الإيمانَ المُزَكَّى هو دائمًا إيمانٌ للكَرامَة. والإيمانُ الحقيقيُّ يَجتازُ كُلَّ هذهِ الضِّيقاتِ ويوجدُ في النِّهايةِ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح.
وأنا لا أريدُ أن يَكونَ عِيارُ هذا الدَّرسِ الرُّوحِيِّ أَثْقَلَ مِمَّا يجب، ولكنِّي أريدُ منكم أن تَفهموا شيئًا هُنا. فالمَدْحُ وَالكَرَامَةُ وَالمَجْدُ هي في اعتقادي أمورٌ ستَحصلونَ أنتُم عليها. فهي أمورٌ ستَحصُلونَ أنتُم عليها. بعبارة أخرى، إنَّ اللهَ يُريدُ أن يُعطيكم مَدحًا، واللهُ يُريدُ أن يُعطيكم مَجدًا، واللهُ يُريدُ أن يُعطيكم كَرامةً. فالآيةُ لا تقولُ هنا إنَّ ذلكَ سيَدفعُنا إلى تَسبيحِهِ وتَمجيدِهِ وإكرامِهِ، بل إنَّنا سَنوجَدُ [بسببِ إيمانِنا] جَديرينَ بالحَمْدِ، وجَديرينَ بالمجدِ، وجَديرينَ بالكرامةِ عندما يأتي يسوع. وهذا شيءٌ مِنَ الرَّائعِ أن نُفَكِّرَ فيه. وما أعنيه هو أن مُجَرَّدَ تَخَيُّلِ أنَّنا سنَرى الربَّ يومًا ونَحصلُ منهُ على المَدْح هي فكرةٌ رائعة! رائعة!
انظروا إلى رسالة بُطرس الأولى 2: 20. فنحنُ نَقرأُ في مُنتصفِ الآية: "إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ...". هل تَرَوْنَ تلكَ الكلمات؟ "إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا..." [ماذا؟] "...فَضْلٌ عِنْدَ الله". أليسَ مِنَ الرَّائعِ أن تَعلَموا أنهُ بإمكانِكُم أن تَجِدوا فَضلاً عندَ الله؟ وأنَّهُ يُمكنكم أن تُرضُوا الله؟
ارجِعوا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامسِ والعِشرين قليلاً، أي إلى تلكَ العِظةِ العظيمةِ لرَبِّنا عن مَجيئِهِ الثَّاني. إنجيل مَتَّى والأصحاح 25. هل تَذكرونَ تلك الجُملةَ الَّتي وَرَدَت في مَثَلِ الوَزنات؟ فنحنُ نَقرأُ في العدد 21: "فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ [أيِ العَبْدُ الَّذي رَبِحَ خَمْسَ وَزَناتٍ]: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى [ماذا؟] فَرَحِ سَيِّدِك".
هل تَعلمونَ أنَّهُ بمقدورِكُم أن تَجعلوا اللهَ يَفرَح؟ فأنا أستطيعُ أن أجعلَ اللهَ يَفرح. فاللهُ سيَقول: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِك". والعدد 23 يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ عنِ العبدِ الَّذي رَبِحَ وَزنتين... الشَّيءَ نَفسَهُ. فسوفَ نَحصُلُ على المَدحِ مِنَ اللهِ بسببِ الخلاص.
انظروا إلى رسالة رُومية 2: 29: "بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ [ثُمَّ اسمَعوا ما يَقول]، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ [مِن مَن؟] مِنَ الله". فالإيمانُ الحَقيقيُّ يَنالُ المَدْحَ مِنَ الله. وهذا شيءٌ رائعٌ لأنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ هو هِبَة مِنَ الله. يا لها مِن فِكرةٍ رائعة! فهو يُعطينا إيَّاه ثُمَّ يَمدَحُنا عليه!
يا لهُ مِن سَخاء! فعندما نَلتقي يسوعَ المسيحَ في استعلانِهِ، وعندَ ظُهورِهِ: "أبوكاليبسيس" (apokalypsis) ومَعناها: ظُهور أوِ استعلان المَسيح، سنحصلُ على المَدحِ مِنَ الله. وأعتقدُ أنَّ هذهِ الكلمة تُشيرُ إلى المَدحِ اللَّفظيِّ. فأنا أعتقدُ أنَّ هذا يَعني أنَّ اللهَ سيَمدَحُنا لَفظيًّا قائلاً: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ!" فسوفَ نَجِدُ مَدحًا مِنَ اللهِ لنا.
والكلمةُ الثَّانيةُ الَّتي يَستخدِمُها بُطرسُ هي: "مَجْد". للمَدْحِ والمَجد. وأعتقدُ مَرَّةً أخرى أنَّهُ يُشيرُ هُنا إلى المَجدِ الَّذي سنَحصُلُ عليه. انظروا إلى رسالة رُومية 2: 7 حيثُ إنَّكُم تَفتحونَ عليها: "أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ [والمَعنى الضِّمنيُّ هو أنَّ اللهَ سيَمنَحُهُم] الحَيَاةَ الأَبَدِيَّة". بعبارة أخرى، إنَّهُ يَتحدَّثُ هنا عنِ المؤمنينَ ويقولُ إنَّ المؤمنينَ يَسْعَوْنَ إلى المجدِ والكرامةٍ والبقاء. والعدد 10 يَقول: "وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ" [والمَعنى الضِّمنيُّ هو أنَّ هذهِ ستُعطَى "لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ". ومَرَّةً أخرى، سوفَ يُعطينا اللهُ مَجدًا.
فإن كانتِ الكلمةُ الأولى [أي: المَدْح] تُشيرُ إلى المَدْحِ اللَّفظيِّ، فإنَّ هذه الكلمة تُشيرُ إلى كَمالِ الإنسانِ... كَمالِ الإنسان. فاللهُ سيُعطينا لا فقط مَدْحًا لَفظيًّا فقط، بل سيُعطينا أيضًا مَجدَهُ. فهو سَيَهَبُنا مَجدَهُ. فيسوعُ المسيحُ (إن كُنتُم تَذكرونَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ في إنجيل يوحنَّا 1: 14) هو اللهُ المُتَجَسِّدُ. ونحنُ نَقرأُ: "وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا". فيسوعُ كانَ مَجد اللهِ المُتجسِّد. والكتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ عندما نَراهُ فإنَّنا سنكونُ ماذا؟ سنكونُ مِثلَهُ. لِذا، سوفَ نَحصُلُ على مَجدِ اللهِ، ونَحصُلُ على المَدحِ اللَّفظيِّ والكمالِ، الكَمالِ الأبديِّ المَجيدِ للإنسانِ بأن يَصيرَ مُشابهًا للمسيح.
والكلمةُ الثَّالثةُ الَّتي يَستخدِمُها بُطرسُ هو الكلمة "كَرامَة". وما المقصودُ بذلك؟ رُبَّما المُكافآت. وإن فَصَّلنا تلكَ الكلماتِ، قد نَجِدُ أنَّها مُرادفاتٌ. أمَّا إذا نَظرنا إلى المَعنى الفريدِ لكُلٍّ مِنها فإنَّ الكلمةَ الأولى هي مَدْحٌ لَفظيٌّ، والثَّانية هي كَمالُ الإنسانِ، والثَّالثة هي المُكافآتُ. فهي الكرامةُ الَّتي يُعطيها اللهُ لنا بسببِ خِدمتِنا لَهُ.
ففي سِفْر الرُّؤيا 22: 12، قالَ يَسوع: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ". فهو سيأتي ويُعطي مُكافآتٍ. ويتحدَّثُ الأصحاحُ الثَّالثُ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس عنِ الخِدمةِ الَّتي نُقدِّمُها، وعن حقيقةِ أنَّهُ سيأتي لمُكافئتِنا. والعددُ الثَّامنُ مِن رسالة يوحنَّا الثَّانية يُحذِّرُنا مِن فُقدانِ تلك المُكافآتِ. أمَّا إذا كُنَّا أُمناءَ فسوفَ نَحصُلُ على المُكافأةِ الكاملة.
والحقيقةُ هي أنَّها فِكرةٌ لا تَستوعِبُها عُقولُنا! فعُقولُنا لا تَستوعِبُ البتَّةَ أنَّ اللهَ الَّذي هو الوحيدُ الَّذي يَستحقُّ المَدحَ، وأنَّ اللهَ الَّذي هو الوحيدُ الَّذي يَستحقُّ التَّمجيدَ، وأنَّ اللهَ الَّذي هو الوحيدُ الَّذي يَستحقُّ الكَرامةً سيُعطي هذهِ الأشياءَ الثَّلاثةَ لنا! وقد تَقول: "وكيفَ يُمكِنُ أن يَحدُثَ ذلك؟" لأنَّنا سنكونُ في تلك اللَّحظةِ تحديدًا قد صِرنا مُماثلينَ تَمامًا لِمَن؟ للمسيح. ولأنَّنا صِرنا على مِثالِ المسيحِ، وصِرنا نَملِكُ تَمامًا بِرَّ المسيح، ولأنَّنا حَصَلنا على أجسادٍ ونُفوسٍ كاملة لا يُمكِنُ لشيءٍ سِوى الأبديِّةِ أن يَجعلَها كذلك، سنصيرُ جديرينَ بالمَدحِ، وجَديرينَ بالمَجدِ، وجَديرينَ بالكَرامة.
ومَتى سيَحدُثُ ذلك؟ عندَ ظُهورِ المَسيح، أو عندَ استعلانِ يسوعَ المسيح. وهذه عبارة تُشيرُ إلى يومِ المسيح، أي إلى الوقتِ الَّذي سيعودُ فيهِ ليَدينَ الخُطاةَ ويُكافِئَ شَعبَهُ المَفديَّ.
لاحظوا الآيةَ 1: 13. فبُطرسُ يُفَكِّرُ حَقًّا في هذا الأمرِ على غِرارِ كُلِّ المؤمنينَ المُتألِّمينَ في اعتقادي: "لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ [كما يَقولُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 13] صَاحِينَ [أو: رَتِّبوا أولويَّاتِكُم]، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ [مَتى؟] عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وما هي تلكَ النِّعمة؟ وما هي تلكَ الهِبة الَّتي سيُعطيها اللهُ بنِعمته؟ المَدْح وَالكَرَامَة وَالمَجْد عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ المَسِيح.
ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 4: 13: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِين". افرَحُوا الآنَ حَتَّى أنَّهُ كما أنَّكُم كُنتم أُمناءَ وفَرِحتُم هُنا تُكافَأونَ بفرحٍ أعظمَ عندَ استعلانِ يسوعَ المسيحَ عندما يأتي. فَمِن جِهة، فإنَّ مُكافأتَنا الأبديَّةَ تَقتَرِنُ بِكُلِّ تأكيدٍ بأمانَتِنا هُنا. ويبدو أنَّهُ يقولُ إنَّنا سنُكافأُ بفرحٍ أعظم إن أَظهرنا فَرحًا أعظمَ في هذه الحياة.
وتُشيرُ الآيةُ 1كورنثوس 1: 7 أيضًا إلى "اسْتِعْلاَنِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح"، والآيةُ الَّتي تَليها تُشيرُ إلى: "يَوْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". لِذا فإنَّنا نَربِطُ بينَ استعلانِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ ويومِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح؛ وهو الوقتُ الفريدُ الَّذي سيأتي فيهِ الرَّبُّ لمُكافأةِ شَعبِهِ المَفديّ. فتلكَ هي الكَرامةُ الَّتي وُعِدنا بها. فهي ستَتحقَّقُ في ذلك الوقت.
ويا لها مِن حَقيقةٍ مَجيدةٍ أن نُدركَ ما قالَهُ بولسُ في رسالتِهِ الثَّانية إلى أهلِ تسالونيكي والأصحاحِ الأوَّل. فهو يَقولُ إنَّ الرَّبَّ سيأتي... وهو مَقطعٌ رائعٌ... فهو سيأتي "بَيِّنَةً [في العددِ الخامِسِ] عَلَى قَضَاءِ اللهِ الْعَادِلِ، أَنَّكُمْ تُؤَهَّلُونَ لِمَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي لأَجْلِهِ تَتَأَلَّمُونَ أَيْضًا. إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاء". فسوفَ يأتي مِنَ السَّماءِ ويُعطينا راحةً مِن كُلِّ ضيق.
"مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ، مَتَى جَاءَ لِيَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ وَيُتَعَجَّبَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ. لأَنَّ شَهَادَتَنَا عِنْدَكُمْ صُدِّقَتْ فِي ذلِكَ الْيَوْم". لِذا فإنَّهُ سيأتي ليَدينَ الأشرارَ ويَتَمَجَّدَ في قِدِّيسيهِ في ذلكَ اليوم.
وبولُس يَقولُ في ذلك النَّصِّ المَعروفِ الَّذي ذَكرتُهُ في هذا الصَّباح: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا [في ذلك اليوم]". لِذا فإنَّ تَزكيةَ إيمانِنا هُنا (أي إنِ اتَّضَحَ أنَّ إيمانَنا حَقيقيٌّ هُنا) ستُكافأُ مُكافأةً مَجيدةً عندَ استعلانِ المسيح.
أَلاَ لاحظتُم شيئًا واحدًا؟ أنَّ النَّصَّ لا يقولُ إنَّ إيمانَنا ينبغي أن يَنتظرَ إلى وقتِ الاختطافِ لكي يَظهَرَ ما إذا كانَ حَقيقيًّا، بل إنَّ إيمانَنا، الَّذي قد تَبَرهَنَ أصلاً أنَّهُ حَقيقيٌّ، يَنتظرُ مُكافأتَهُ الأبديَّة. فلا يوجد أيُّ عَدَمِ ضَمانٍ في هذا الأمر. فالبُرهانُ على الإيمانِ الَّذي امتُحِنَ أصلاً يُؤدِّي إلى المَدْحِ والمَجدِ والكَرامة. لِذا فإنَّ النَّصَّ لا يُعَلِّمُ أنَّنا لن نَعرفَ حقيقةَ إيمانِنا إلاَّ في ذلك الوقت. فيُمكنُنا أن نَعرفَ لأنَّ إيمانَنا يَتَزَكَّى. فلا يوجد أيُّ عَدمِ يقينٍ هُنا، بل إنَّ الوعدَ واضحٌ جدًّا. فالإيمانُ الَّذي تأكَّدت صِحَّتُهُ مِن خلالِ التَّجاربِ يَستطيعُ أن يَحيا بترقُّبٍ شديدٍ إلى وقتِ المُكافأةِ الأبديَّة. فإن لم يَكُن ذلكَ يَكفي لِجَعلِكَ فَرِحًا فإنَّكَ مُتمسِّكٌ جدًّا بالأرضيَّات. ولكن فَكِّروا في ما ستحصُلونَ عليه في السَّماء.
وقد تَحدَّثنا عن ذلك قليلاً في هذا الصَّباح: عن كمالِ الجسدِ والرُّوح، وعن أنَّ سُلطانَ الخطيَّةِ وسِيادَتَها وقُوَّتَها وحُضورَها قد كُسِرَت إلى الأبد، وعن أنَّهُ لن يكونَ لها تأثيرٌ مُعَطِّلٌ على الحياةِ والعلاقات، وعنِ الحُريَّةِ التَّامَّةِ مِن كُلِّ شَرّ، وعن أنَّهُ لن يكونَ هناكَ شيءٍ مُدَنِّسٌ، وعنِ الابتهاجِ الكاملِ، والمعرفةِ الكاملة، والتَّعزيةِ الكاملة، والمحبَّةِ الكاملة، والسُّرورِ الكامِل، والسَّلام الكامل، والفَرح الكامل. ونحنُ نَبتهِجُ الآنَ فيما نَترقَّبُ ذلك.
لِذا، في ذلك الوقتِ العظيمِ عندما يأتي الرَّبُّ يسوعُ ويُستعلَنُ، ويأتي ليَدينَ الأشرارَ ويُكافِئَ خاصَّتَه، سنَكونُ معَ الرَّبِّ في شَرِكَة. هذه هي العلاقةُ الأسمَى في السَّماء. وسوفَ نَرى الرَّبَّ ونَتمتَّعَ معهُ في شركة حَميمة وعميقة. هذه هي الرُّؤيا العظيمة للسَّماء. وسوفَ نَجِدُ كُلَّ مَحبَّة وإكرام. وهذه هي أعظمُ كَرامةٍ في السَّماء. وسوفَ نَملِكُ ونَشتركُ معهُ في المجد. وهذا هو الامتيازُ العظيمُ للسَّماء. وسوفَ نَخدِمُ. وهذا هو الواجبُ الأعظمُ في السَّماء. ويا لها مِن كَرامة!
هل تَذكرونَ إنجيل لوقا والأصحاح 12؟ اسمَحوا لي أن أُشيرَ بسرعة إلى ما جاءَ فيه ابتداءً مِنَ العدد 35: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ".
هل تَذكرونَ ما قُلناهُ في سِلسلتِنا عنِ السَّماء؟ أي عنِ الحقيقةِ المُذهلةِ الَّتي تقولُ إنَّهُ عندما يأتي يسوعُ لأجلِنا، لن يَقتصِرَ الأمرُ على أنَّنا سنَخدِمُهُ، بل إنَّهُ ماذا؟ سيَخدِمُنا! فسوفَ يَخدِمُنا! فسوفَ يَجعَلُنا نَتَّكِئ ويأتي ويَخدِمُنا. فهناكَ مَدْحٌ ومَجدٌ وكَرامةٌ لنا. وبُطرسُ يَقولُ إنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عن أحوالِكُم، وبِغَضِّ النَّظرِ عن تَجارِبكُم، يجب عليكم أن تَفرحوا فَرحًا كاملاً وأن تَبتهِجوا تَمامًا بميراثِكُم المَحفوظ، وإيمانِكُم المُزَكَّى، وكَرامَتِكُم الَّتي وُعِدتُم بها.
رابعًا، وهذه نُقطة رائعة جدًّا: نحنُ نَبتَهِجُ في الشَّركةِ الشَّخصيَّة – في الشَّركةِ الشَّخصيَّة. وأودُّ أن أقولَ إنَّ هذا السَّببَ رُبَّما كانَ مِن أوجُهٍ عديدةٍ أروعَ مَصدرٍ للفرح. وهو مَصدرٌ مِنَ الرَّائعِ جدًّا أن نَتأمَّلَ فيه.
لاحِظوا العددَ الثَّامن: "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ". لماذا تَبتهجون؟ لماذا تَبتهجونَ جدًّا؟ ولماذا تَبتهجونَ بفرحٍ لا يُنطَقُ بهِ ومَجيد؟ لأنَّكُم تُحبُّونَهُ، ولأنَّكُم تَثِقونَ بهِ. فهذانِ هُما الشَّيئانِ اللَّذانِ يَذكُرُهما. فأنتُم تُحبُّونَهُ، وأنتُم تُؤمِنونَ بهِ معَ أنَّكُم لم تَرَوْهُ. فبُطرسُ يُعَلِّي مِن شأنِ المحبَّةِ والثِّقة.
هل يُمكنني أن أقولَ لكم الآنَ إنَّ تلك جُملة رائعة في تلك الآية؟ فأنا مُقتنِعٌ تمامًا أنَّ العُنصرين الرَّئيسيَّيْن في أيَّة علاقةٍ ذاتِ مَغزى هُما المحبَّةُ والثِّقة – المحبَّةُ والثِّقة. فهذا هو جوهرُ العلاقة. وهو مَصدرُ الفرحِ العظيمِ في أيَّة علاقة. فإن لم تُحافِظ على المَحبَّة ستَنهارُ العَلاقة. وإن لم تُحافِظ على الثِّقة ستَنهارُ العَلاقة. فهناكَ عَواطف حَقيقيَّة في هذه الآية – عَواطف حَقيقيَّة.
مَنْ مِنَ الرُّسلِ (عَدا عن يَهوذا) أظهرَ أكثرَ مِن غَيرِهِ ثِقةً ضَعيفةً وإيمانًا ضعيفًا بالمسيح؟ مَن مِنهُم؟ مَن هُوَ؟ بُطرس. ومَن مِن رُسُلِ المسيحِ (عَدا عن يَهوذا) اضطُرَّ إلى مواجهةِ يسوعَ المسيحِ والإجابةِ عن أسئلتِهِ بخصوصِ مَحبَّتِه؟ مَن مِنهُم؟ بُطرس. فقد كانَ بُطرسُ القائدَ الَّذي قيلَ لَهُ: "يا قَليلَ الإيمان". وقد كانَ بُطرسُ القائدَ الَّذي قالَ لهُ يَسوعُ ثلاثَ مَرَّاتٍ: "بُطرس! هل [ماذا؟] تُحبُّني؟" وأنا أرى هُنا تَواضُعًا جميلاً جدًّا. وبُطرسُ يُوصي هؤلاءِ المؤمنينَ المُضطَهَدينَ ويقولُ لهم: "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ". والعواطفُ في الخَلفيَّةِ تُظهِرُ الموقفَ المُتواضعَ لبُطرس لأنَّهُ يَقولُ في قَلبِه: "أنتُم في وَضْعٍ أفضل بكثير مِن وَضعي [أو مِنَ الوضعِ الَّذي كُنتُ فيه] لأنِّي رأيتُهُ ولم أحفَظ مَحبَّتي، ولأنِّي رأيتُهُ ولم أحفَظ إيماني".
فبُطرس يُظهِرُ تَواضُعًا حَقيقيًّا ويَعكِسُ الفَرقَ الحَقيقيَّ بينَهُ في الماضي وبينَ هؤلاءِ المؤمنينَ المُضطَهَدين. فقد رأى المسيحَ، ومَشى معَ المسيحِ، ورافقَ المسيحَ أكثرَ مِن ثلاثِ سَنواتٍ؛ ولكنَّهُ أظهرَ إيمانًا ضَعيفًا ومَحبَّةً ضَعيفة. أمَّا هُم فلم يَرَوْا المسيحَ؛ وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ إيمانَهُم قَويٌّ، ومَحبَّتَهُم حقيقيَّة في وَسْطِ نَفسِ النَّوعِ مِنَ التَّجاربِ الَّتي سَقَطَ فيها بُطرس. لِذا، هناكَ مَشاعِر عميقة في هذه الآية الرَّائعة في قلبِ بُطرس فيما يُفْصِحُ بتواضُعٍ شَديدٍ عن مَشاعرِه.
أَلاَ لاحظتُم العبارةَ الأولى في العددِ الثَّامن؟ "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ". "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ". فيا لها مِن جُملةٍ عميقةٍ جدًّا! فكما تَرَوْنَ، مِنَ المألوفِ أن تَثِقَ في شخصٍ وتُحبَّهُ إن كُنتَ قد رأيتهُ، ولَمستهُ، وعَرَفتهُ. ولكنَّ هؤلاءِ المؤمنينَ لم يَلتقوا يومًا يسوعَ المسيح. وكما هي حالُنا نحنُ، فإنَّهم لم يَنظروا يَومًا وَجهَهُ، ولم يَلمَسوهُ يَومًا، ولم يأكُلوا مَعَهُ، ولم يَمشوا مَعَهُ، ولم يَتحدَّثوا مَعَهُ، ولم يَسمعوا صَوتَهُ، ولم يَشعروا بيديهِ، ولم يُحَدِّقوا في عَينيه. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ [كما يَقول] فإنَّكُم: "تُحِبُّونَهُ".
والكلمة "تُحبُّونَهُ" ("أغاباؤو" – "agapao") تَرِدُ بصيغةِ المُضارعِ المُستمرِّ للإشارةِ إلى أنَّكُم تُحبُّونَهُ مَحبَّةً دائمةً بِمَحضِ اختيارِكُم. فتلكَ المحبَّة تُعَبِّرُ عنِ المَحبَّةِ النَّابعةِ مِنَ الإرادة. فقدِ اخترتُم أن تكونوا أُمناءَ في مَحبَّتِكُم لَهُ. وهذا، في نَظري، هو جَوهرُ الفَرح. فهي علاقةُ المحبَّة الحميمةِ تلكَ بينَكُم وبينَ المسيح.
واسمَحوا لي أن أتعمَّقَ في هذه الفكرة قليلاً. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ ما يَقولُهُ بُطرسُ هنا يَصِفُ جَوهرَ مَعنى أن تَكونَ مُؤمِنًا. فإن سألتَني: "مَن هو المُؤمِن؟" سأقولُ لكَ إنَّهُ شخصٌ يُحبُّ يسوعَ المسيحَ مَحبَّةً طَوعيَّة. فهو شَخصٌ يُحِبُّهُ. فلا أعتقدُ أنَّهُ توجدُ طريقةٌ لوصفِ الطَّبيعةِ الجديدةِ أفضلَ مِن أن نقولَ إنَّها تُحبُّ المسيحَ دائمًا.
وأنا أُحِبُّ التَّرجمةَ المُعتَمَدَةَ لرسالة بُطرس الأولى 2: 7: "للمؤمنينَ فإنَّ هذا الحَجَرَ ثَمينٌ". وبولُس يَقولُ في رسالتهِ الأولى إلى كورنثوس 16: 22: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ [ماذا؟] أَنَاثِيمَا!" أي أنَّهُ سَيُحكَمُ عليهِ بالهلاكِ أو يَكونُ مَلعونًا. فأفضلُ وَصفٍ للمؤمنِ هو أنَّهُ شخصٌ يُحبُّ الرَّبَّ يسوعَ المسيح.
وهذا هو حَقًّا ما ينبغي أن تَفحَصَهُ عندما تَرغبُ في تَحديدِ علاقةِ شخصٍ بالله. اسألهُ ما رأيُهُ في يسوعَ المسيح. فإن كانَ يَصِفُ مَحبَّةً حَميمةً وعميقةً للمسيح فإنَّ تلك هي العلامة على القلبِ الَّذي اختبرَ التَّغيير. مَحبَّة المسيح. ورسالةُ يوحنَّا الأولى تَتحدَّثُ عن ذلك بطريقةٍ رائعة جدًّا. ففي رسالة يوحنَّا الأولى، أَتَذكرونَ الآية 4: 19؟ "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ [ماذا؟] هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً". فهذهِ هي المَحبَّةُ المُتبادَلَة. فجَوهرُ الحياةِ الرُّوحيَّةِ هو أن تُحبَّ المسيح. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ النَّاموسَ يُكْمَلُ بأن تُحبَّ الربَّ الإلهَ بكُلِّ قَلبِكَ ونَفسِكَ وفِكرِكَ وقُدرتِك.
استمعوا إلى ما قالَهُ بولُسُ في الآيةِ الأخيرةِ مِن رسالةِ أفسُس؛ أي في الآية 6: 24: "اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ". أَلاَ تَجِدونَ هذهِ الآيةَ رائعة؟ "اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ". فهذا شيءٌ جَوهريّ.
وأودُّ أن أقولَ إنَّ أيَّ شخصٍ يَقولُ إنَّهُ لا يُحبُّ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ لا يُمكنُ أن يكونَ البتَّة مَسيحيًّا. فهذا هو جوهرُ المسيحيَّة. وقد قالَ يسوعُ ذلكَ في إنجيل يوحنَّا 14: 15: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ". وفي العدد 21: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي". وفي العدد 24: "اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي".
بعبارة أخرى، فإنَّ يسوعَ يَقرِنُ مَحبَّتَهُ بإطاعَتِه، ويَقرِنُ مَحبَّتَهُ بحِفظِ وَصاياه. لِذا فإنَّ المؤمنَ هو شَخصٌ يُحبُّ المسيح. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "أنا أَعلمُ حقًّا أنَّ فَرَحَكُم يَنبُعُ مِن مَحبَّتِكُم للمسيحِ الَّذي هو سَيِّدٌ غَيرُ مَنظورٍ تُحِبُّونَهُ".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ [ثانيًا]: "ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ [أي بِعِيونِكُم الجَسديَّة] لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ". والكلمة "إيس" (eis) هي الكلمة المُستخدَمة في اليونانيَّة. بعبارة أخرى، معَ أنَّكُم لا تَرونَهُ فإنَّكُم تُؤمِنونَ بِهِ، وتَثِقونَ بِه. لِذا، هذانِ هُما عُنصرا العَلاقة: المحبَّةُ والثِّقة.
ولَعلَّكم تَذكرونَ (وأنا واثِقُ مِن ذلك) ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 20: 29 إذ قالَ يسوعُ لتُوما: "لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي... آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ لَمْ يَرَوْا [وماذا؟] وآمَنُوا". طُوبَى لِلَّذِينَ لَمْ يَرَوْا وآمَنُوا". فهذانِ هُما الشَّيئانِ اللَّذانِ يَربِطانا بالمسيحِ بعلاقةٍ حَميمة: أن نُحبَّهُ ونَثِقَ بِه.
ويا أحبَّائي، هل يُمكنني أن أقولَ لكم إنَّ الشَّخصَ الَّذي يُؤمِنُ لا يَستطيعُ إلاَّ أن يُحِبَّ، وإنَّ الشَّخصَ الَّذي يُحبُّ لا يَستطيعُ إلاَّ أن يُؤمِن؟ هل تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة كورنثوسَ الأولى والأصحاح 13؟ "المَحبَّةُ تُصَدِّقُ كُلَّ شَيء". واسمَحوا لي أن أقولَ لكم ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: الإيمانُ يَقبَلُ كَلامَ يسوعَ المسيح. وكَلامُهُ يُبَيِّنُهُ في كُلِّ بَهائِهِ، وكُلِّ رَوعَتِه، ويَقودُنا إلى أن نُحِبَّهُ. وكُلَّما زادَ إيمانُنا بالمسيحِ وزادت مَعرفتُنا القَلبيَّةُ بِهِ، زادَت مَحبَّتُنا لَهُ لأنَّهُ كُلَّما زادَ إيمانُنا بِحَقِّ المَسيحِ زادَت رَوعَتُهُ وبَهاؤُهُ. وتلكَ الثِّقةُ تَحْفِزُنا على أن نُحبَّهُ لأنَّهُ رَائعٌ جدًّا. لِذا فإنَّ الإيمانَ والمَحبَّةَ... المَحبَّةَ والإيمانَ يُعَرِّفانِ شَرِكَتَنا الحميمةَ بالمسيح. فأنتُم تُحبُّونَهُ وتُؤمِنونَ بِه.
وكيفَ يَظهَرُ ذلك؟ مِن خلالِ تَوقِكَ إلى تَمجيدِه. فهل هذا هو شَوقُ قَلبِك؟ هل تَتوقُ إلى أن تَخدِمَهُ بكُلِّ قلبِكَ ونفسِكَ وفِكرِكَ وقُدرتِك؟ هل تَبتَهِجُ بجمالِه؟ هل تُحبُّ أن تَتحدَّثَ عنه؟ هل تُحبُّ أن تَقرأ عنه؟ وتُحبُّ الشَّركة معه؟ وتَرغبُ في مَعرفتِه مَعرفةً أفضل وأعمق؟ وتَتوقُ في قَلبِكَ إلى أن تَكونَ مِثلَهُ؟ هذا هو التَّعبيرُ عن علاقةِ المحبَّةِ والثِّقة.
وقد كَتَبَ "روبرت ليتن" (Robert Layton) في سنة 1853 في شَرحٍ رائعٍ لرسالة بُطرس الأولى ما يَلي: "آمِن فتُحِبّ. آمِن كثيرًا فتُحبُّ كثيرًا. اجتهِد مِن أجلِ الاقتناعِ القويِّ والعميقِ بالأشياءِ المجيدةِ الَّتي تَكلَّمَ عنها المسيحُ فيَقودُكَ ذلكَ الأمرُ إلى المحبَّة. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ النَّاسَ آمَنوا حَقًّا بقيمتِه. لِذا فإنَّهُم يُحبُّونَهُ. فالخليقةُ العاقلةُ لا يُمكِنُها سِوى أن تُمارِسَ الأشياءَ الَّتي تُؤمِنُ إيمانًا راسخًا بأنَّها جَديرةٌ بأن تُحَبَّ أكثر مِن غَيرها. ولكن ما أَخبَثَ عدمِ الإيمانِ الَّذي يَجعلُ القلبَ باردًا ومَيْتًا تُجاهَ الله. لِذا، حاول أن تُؤمِنَ بعظمةِ المسيح، وبمحبَّتِهِ لنا، وباهتمامِنا بِهِ لأنَّ هذا سيُضرِمُ هذه النَّارَ في القلبِ ويَجعلُها تَصعَدُ ذَبيحةَ مَحبَّةٍ لَهُ".
هذا هو القَلبُ النَّابضُ لعلاقتِنا بالمسيح. فنحنُ نَثِقُ بهِ ونُحبُّهُ. هل تَتمتَّعُ بمثلِ هذه العلاقة؟ فهذا سَبَبُ فَرح. أليسَ كذلك؟ فهل تَقرأُ عنِ المسيح وتَبتَهِج؟ وهل نَهَضتَ يومًا بعدَ أن جَثَوْتَ على رُكبتيكَ وصَلَّيتَ وتَحدَّثتَ معهُ فوجدتَ أنَّكَ مُبتَهِجٌ؟ هل تَفرحُ وَحَسْب لأنَّكَ تُؤمِنُ بِهِ، وتَثِقُ في ذلك الإيمان؟ هل تَشعُرُ أحيانًا بالحماسةِ في قلبِكَ لأنَّكَ تَشعُرُ بالفرحِ بسببِ حُبِّكَ لَهُ؟
على الصَّعيدِ الشَّخصيّ، أعتقدُ أنَّنا نَتَّفِق جميعًا على أنَّ المحبَّة الَّتي نَشعُر بها هي أروع بكثير مِنَ المحبَّةِ الَّتي نَحصُلُ عليها. فمحبَّتي للآخرينَ هي أروعُ في نَظري مِن مَحبَّتِهم لي. فأنا أستمتعُ بحُبِّي للآخرينَ أكثرَ مِمَّا أستمتِعُ بحُبِّهم لي لأنَّهُ عندما أُحِبُّهم فإنَّني أختبرُ المحبَّة. وأنا أفرحُ في قلبي بسببِ فَرَحِ حُبِّي للمسيح. فهذا أمرٌ يُحَمِّسُني أكثر بكثير مِن حُبِّهِ لي لأنِّي أشعرُ بعُمق بمحبَّتي لَهُ. لِذا فإنَّنا نَبتَهِج.
وما الَّذي يَجعلُنا نَبتهِج؟ الميراثُ المَحفوظ، والإيمانُ المُزَكَّى، والوعدُ بالكَرامة، والشَّركةُ الشَّخصيَّة. وهذا يَجعلُنا نَبتَهِجُ هَكذا [لاحظوا في نهايةِ العددِ الثَّامن] "فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ". ما مَعنى ذلك؟ "آنيليتو" (aneklaleto) ومَعناها: فَرَحٌ تَعجَزُ اللُّغَةُ عن وَصفِه، ويَعجَزُ الكَلامُ عن وَصفِه. فالمَعنى الحَرفيُّ هو: "بِفَرَحٍ لا يُمكِنُ للكلماتِ أن تُعَبِّرَ عنهُ". فهو إلهيٌّ جدًّا ويَفوقُ القُدرةَ على الكلامِ والتَّفكير. لِذا فإنَّكَ لا تَستطيعُ أن تُعَبِّرَ عنه.
فَمِنَ الصَّعبِ جدًّا أن نُعَبِّرَ عن مَحبَّتِنا للآخرين. وما أعنيه هو أنَّنا نُحاولُ في النِّطاقِ البَشريِّ. فالأغاني الَّتي تَتحدَّثُ عنِ الحُبِّ لا نِهايةَ لها، ولا تَتوقَّف. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَستمرُّ وحسب في تكديسِها، ونُحاولُ أن نُعَبِّرَ عن كُلِّ مشاعرِ الحُبِّ بينَ إنسانٍ وإنسان. ولكنَّ مَحبَّتَنا لَهُ لا يُعَبَّرُ عنها، وتَسمو على أيِّ كَلام. وبالمُناسبة، هذه هي المرَّة الوحيدة الَّتي تُستخدَمُ فيها هذه الكلمة.
ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ هذه الكلمة: "ومَجيد". وما مَعنى ذلك؟ أعتقدُ أنَّها تَعني أنَّهُ فَرَحٌ مُمتلئٌ ومُفْعَمٌ بالمجدِ الإلهيّ. إنَّها هِبَة خارقة للطَّبيعة. يا لها مِن فِكرة! يا لها مِن فِكرة! فَثَمَرُ الرُّوحِ هو: مَحبَّة. وثَمَرُ الرُّوحِ هو: فَرَح. فمحبَّتُنا للرَّبِّ هي ليست مَحبَّة بشريَّة، بل هي مَجدٌ إلهيٌّ يُوهَبُ لنا ويَحْفِزُ قُلوبَنا على أن نُحِبَّ اللهَ بالمحبَّةِ الَّتي يَهَبُها لنا. ونحنُ نَفرحُ بفرحٍ هو فَرَحُ الرُّوح. لِذا فإنَّ فَرَحَنا يَعكِسُ فَرَحًا إلهيًّا لأنَّ مَحبَّتَنا هي انعكاسٌ للمحبَّةِ السَّماويَّة. لِذا فإنَّنا نَفرَح.
ثُمَّ إنَّ بُطرسَ يُقدِّمُ لنا فِكرةً واحدةً أخيرة. فيجب علينا أن نَختبرَ دائمًا الفرحَ بسببِ خَلاصِنا الحاضِر... خَلاصِنا الحاضِر. فَعَدا عنِ الميراثِ المُستقبليِّ، والكرامةِ، وعَدا عنِ الشَّركةِ الشخصيَّةِ في الوقتِ الحاضر، هُناكَ الوَعْدُ بالخلاصِ في الوقتِ الحاضر إذ نَقرأُ في العدد 9: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوس".
فلا أعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ المُستقبَل هنا. فهو لا يَقول: "ستَنالونَ"، بل يَتحدَّثُ بصيغةِ الحاضِر: "نَائِلينَ"؛ أي هُنا والآن، في الوقتِ الحاضِر. ويُمكنكم أن تُترجِموا هذه الآيةَ حَرفيًّا هكذا: "نائِلينَ في الوقتِ الحاضِر...". فهي تَرِدُ بهذه الصِّيغةِ في اللُّغةِ اليونانيَّة. وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "كوميتزو" تَعني: "أن تَحصُل على ما تَستحقُّهُ" أو "أن تَحصُلَ على شيءٍ أنتَ جَديرٌ بِه". فالفرحُ الَّذي لا يُنطَقُ بهِ ومَجيد لا يَقتَصِرُ فقط على ما جاءَ في العددِ الثَّامِنِ، بل يَمتدُّ أيضًا إلى ما جاءَ في العددِ التَّاسع. فَمِن خلالِ شَركَتِنا الشَّخصيَّةِ معَ المسيحِ مِن خلالِ المحبَّةِ والثِّقةِ، نَنالُ غايةَ إيمانِنا هُنا والآن وهي تَحديدًا: "خَلاصَ نُفوسِكُم".
لِذا فإنَّكُم تَملِكونَ الآنَ غايةَ إيمانِكُم أو النَّتيجة أو الهَدَف: غَايةَ إيمانِكُم، أو النَّتيجة المَنطقيَّة لَهُ، أوِ الغاية المَنطقيَّة لَهُ: "خَلاصَ نُفوسِكُم". أيُّ خَلاص؟ ذلك الخلاصَ الحاضِرَ المُستمرّ. وما مَعنى "نُفوسِكُم"؟ الشَّخصُ كُلُّهُ... الشَّخصُ كُلُّهُ. أنتَ. فيُمكنكم أن تَقرأوا هذه الآيةَ هكذا: "فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ لأنَّكُم حَصلتُم في الحاضرِ، وستَستمرُّونَ في الحُصولِ على النَّتيجةِ المَنطقيَّةِ لإيمانِكُم المَزَكَّى بِما في ذلكَ الخلاصَ الدَّائمَ لنفوسِكُم".
مِن ماذا؟ ما الَّذي نَحتاجُ باستمرار إلى التَّحرُّرِ مِنه؟ الخطيَّة، والذَّنب، والدَّينونة، والغَضب، والجَهل، والبؤس، والتَّشويش، وفُقدان الأمل، وكُلَّ شيءٍ ساقطٍ ومُدَنِّس. فهو لا يَتحدَّثُ عن شيءٍ مُستقبليٍّ. بل إنَّنا قد تَحرَّرنا... قد تَحرَّرنا مِن سُلطانِ الخطيَّة. وقد تَحرَّرنا مِن مُتَعِها وشَهواتِها ومَسَرَّاتِها. وبالمقابلِ فقد أعطانا حياةً جديدةً وفَرَحًا لا يُنطَق بِهِ.
فنحنُ نَتمتَّعُ بِخَلاصٍ حاضِرٍ مُستمرٍّ. فهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ هُنا. فالنَّتيجةُ الحاضِرَةُ لإيمانِكُم المُزَكَّى هي التَّحرُّرُ المُستمرُّ الَّذي تَتمتَّعونَ به. فخلاصُنا هُنا والآنَ يُحرِّرُنا مِنَ الدَّينونةِ الرَّهيبةِ والمُتَعِ المُرعِبَةِ، ويَجعلُنا نَتوقُ إلى المسيح.
فخلاصُنا في الوقتِ الحاضِرِ [إن أردنا أن نُعَبِّرَ عنهُ بأسلوبٍ نَثريٍّ] يَدعو الرِّجالِ والنَّساءَ إلى الشُّربِ لا مِن بُحيرةِ الخطيَّةِ المُمتلئةِ بالأقذارِ والأوساخِ والطِّين، بل مِن يَنابيعِ المياهِ الصَّافيةِ الَّتي تَتدفَّقُ مِن نَبعِ الحياةِ الأبديَّة. لِذا فإنَّنا نَعيشُ في هذا العالَمِ ونَتعرَّضُ لكُلِّ الضُّغوطِ، ولكنَّ الخطيَّةَ لم تَعُد ماذا؟ تُهيمِن عَلينا. فنحنُ لم نَعُد عَبيدًا لها، ولم نَعُد خَاضِعينَ لها. لِذا فإنَّنا نَفرَحُ. نَفرحُ لا فقط في المُستقبَل، بل نَفرحُ أيضًا في الحاضرِ بسببِ خلاصِنا الحاضِر. لِذا، هناكَ فَرَحٌ حَتَّى في التَّجاربِ لأنَّ الرَّبَّ يُنقِذُنا مِنها جميعًا. فلا توجد تَجربة في حياتِنا لا يَستطيعُ الرَّبُّ أن يَجِدَ لنا مَنفَذًا مِنها.
والحقيقةُ هي أنَّهُ لا يوجد سببٌ يَدعونا إلى فُقدانِ فَرَحِنا. أليسَ كذلك؟ فيُمكنُنا أن نَنظُرَ إلى ميراثِنا المَحفوظ. ويُمكنُنا أن نَشكُرَ اللهَ على إيمانِنا المُزَكَّى. ويُمكنُنا أن نَرجو في الكرامةِ الَّتي وُعِدنا بها. ويُمكننا أن نَتمتَّعَ بعلاقةٍ وشركةٍ شخصيَّةٍ وخلاصٍ حاضِر. ويا أحبَّائي، يجب عليكم أن تَستفيدوا مِن مَصدرِ الفرحِ المُتاحِ لكم بصفَتِكُم مُؤمِنين.
وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 15: 11: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ". فهو يُريدُ مِنَّا أن نَعرفَ الفَرح. وسوفَ نَعرفُ ذلكَ الفرحَ عندما نُرَكِّزُ على تلك الحقائقِ العظيمة.
وقد كَتَبَتْ "جين صوفيا بيغو" (Jean Sophia Pigott) قبلَ سَنواتٍ عديدةٍ تَرنيمةً رائعةً تَقولُ كَلِماتُ مَقطعٍ مِنها: "يسوعُ، أنا مُطمئنَّةٌ، مُطمئنَّةٌ في فَرَحِ شَخصِكَ، وأختبرُ حَلاوةَ قَلبِكَ المُحبّ". أليست هذه الكلمات جَميلة؟ هل أنتَ مُطمئنٌّ في فَرَحِ شَخصِهِ؟ وهل تَختبرُ حَلاوةَ قَلبِهِ المُحبّ؟
وقبلَ قُرونٍ خَلَت، كَتَبَ "بيرنارد [رَئيس دَيْر كليرفو]" (Bernard of Clairvaux) كلماتٍ صارت تَرنيمةً مَشهورةً يَقولُ فيها: "يَسوعُ، أنتَ فَرحُ القُلوبِ المُحبَّة". فهذا الأمرُ ليسَ جديدًا. فسواءَ رَجعتُم إلى بِضعةِ أجيالٍ إلى الوراء إلى الوقتِ الَّذي كَتَبَت فيهِ تلك السَّيِّدَةُ تلكَ التَّرنيمة، أو رَجعتُم بِضعةَ قُرونٍ إلى زَمَنِ بيرنارد [رئيس دَيْر كليرفو]، ستَجِدونَ أنَّ المؤمنينَ الَّذي استفادوا مِن المَصادرِ الروحيَّةِ المُتاحة لهم عاشوا في فَرحٍ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الظُّروف. ولا أعتقدُ أنَّ اللهَ يَتوقَّعُ مِنَّا أن نَعيشَ بطريقةٍ مُختلفةٍ عن ذلك. وأرجو أن تَعرفوا أنتُم أيضًا الفرحَ الَّذي يَتوقُ المسيحُ إلى إعطائِهِ لَكُم. دَعونا نَحني رُؤوسَنا معًا للصَّلاة:
أَلاَ أخذتَ دقيقةً تَصمُتُ فيها؟ وأَلاَ صَلَّيتَ [إن كُنتَ بحاجةٍ إلى ذلك] تلكَ الصَّلاةَ الَّتي صَلاَّها داودُ: "يا رَبُّ، رُدَّ لي بَهجَةَ خَلاصِك"؟ أَلاَ طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ أن يُعطيكَ مِلْءَ فَرَحِه؟
أَلاَ سَألتَهُ أن يُساعِدَكَ في أن تَرى ذلكَ المِيراثَ المَحفوظَ؟ أَلاَ شَكرتَهُ على ذلكَ الإيمانِ المُزَكَّى، وتلك الكَرامةِ الَّتي وَعَدَكَ بها؟ أَلاَ أخبرتَهُ أنَّكَ تُحبُّهُ وتَثِقُ بِه، وأنَّكَ تَبتَهِجُ بتلكَ العلاقةِ الشخصيَّة؟ أَلاَ شَكرتَهُ على الخلاصِ الحاضرِ المُستمرِّ الَّذي تَتمتَّعُ بهِ الآنَ إذْ إنَّهُ يُعطيكَ نُصرةً لأنَّ إيمانَكَ قد غَلَبَ العالَم؟ اطلُب منهُ أن يَملأَ حياتَكَ بالفرح؛ فَرَح الرُّوح.
يا أبانا، نُصَلِّي أيضًا لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرفونَ المسيحَ، والَّذينَ يَنظرونَ إلى هذا الفَرحِ كما لو كانَ حُلْمًا بَعيدَ المَنال. يا رَبُّ يَسوعُ، لَيتَهُم يَحصُلونَ عليهِ اليومَ، ويَفتحونَ قُلوبَهُم، ويَقبَلونَ عَطيَّةَ الخلاصِ الَّتي تُقدِّمُها مِن خلالِ مَوتِكَ وقِيامَتِك، ويَنالونَ غُفرانَ الخطايا والحياةَ الأبديَّة. اعمَل عَمَلَكَ العَظيمَ في كُلِّ قَلبٍ حَتَّى نَختبرَ فَرَحًا يَؤولُ إلى تَسبيحِكَ إلى أبدِ الآبِدين.
This article is also available and sold as a booklet.
