Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المَساء، في الوقتِ المُخَصَّصِ لدراسةِ كلمةِ اللهِ معًا، نَعودُ إلى رسالة بُطرس والأصحاح الأوَّل. ونحنُ نَتأمَّلُ في الأعداد مِن 6 إلى 9 في هذه الرِّسالة الرَّائعة. ولكن قبلَ أن نَنظُر إلى رسالة بُطرس الأولى 1: 6-9، اسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم بواحدٍ مِن أهمِّ الأصحاحاتِ في كُلِّ كلمةِ اللهِ وهو الأصحاح 15 مِن إنجيل لوقا. ولا حاجةَ إلى أن تَفتحوا عليه، بل أردتُ فقط أن أُشيرَ إليه.

ففي الأصحاحِ الخامِس عَشَر مِن إنجيل لوقا، يَحكي رَبُّنا يسوعُ ثلاثَ قِصَص. الأولى عن رَجُلٍ لَهُ مِئة خَروف وأضاعَ واحدًا مِنها، والثَّانية عن امرأة أضاعَت دِرهمًا، والثَّالثة عن أبٍ ضَلَّ ابنُهُ؛ وهي القصَّة المعروفة بقصَّةِ الابنِ الضَّالّ. وفي كلِّ حالةٍ، تَرمِزُ القصَّةُ إلى الخلاص. فالخروفُ الضَّالُّ قد وُجِد. والدِّرهَمُ المفقودُ قد وُجِد. والابنُ الضَّالُّ قد وُجِد. فكُلُّ قصَّة مِن هذه القِصَص تُصَوِّرُ نَفسًا ضَالَّةً تعودُ إلى الله لتجدَ الغُفرانَ والبَرَكة.

وفي كلِّ قِصَّة، هناكَ رَدٌّ شائعٌ. ففي نهايةِ قِصَّةِ الخروفِ الضَّالِّ نَقرأُ: "وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحًا، وَيَأتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلاً لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ!" ثُمَّ إنَّ رَبَّنا يَقول: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ".

وفي حالةِ الدِّرهمِ المَفقود، عندما عَثَرت عليه دَعَت صَديقاتِها وجاراتِها وقالت: "افْرَحْنَ مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ". ثُمَّ إنَّ الربَّ يقول: "هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ".

وفي قِصَّةِ الابنِ الضَّالِّ الَّذي وُجِد، قالَ الأبُ لعبيدِهِ بسُرعة: "أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأكُلَ وَنَفْرَحَ، لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ. وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا".

ففي كُلِّ حالة، كانَ هناكَ فَرَحٌ عظيم... فَرَحٌ عَظيم. والشَّيءُ الَّذي أريدُ منكم أن تُدَوِّنوهُ في أذهانِكُم هو أنَّ الخلاصَ والفَرحَ شَيئانِ مُتلازِمان. فالخلاصُ والفَرحُ شَيئانِ مُتلازِمان. فالتَّصالُحُ معَ اللهِ يَجلِبُ الفَرح: فَرَحٌ مِن جانِبِ الله، وفَرَحٌ مِن جانبِ المسيح، وفَرَحٌ مِن جانبِ الملائكة، وفَرَحٌ مِن جانبِ الكنيسة، وفَرَحٌ مِن جانبِ الشَّخصِ المَفديّ.

وفَرَحُ الخلاصِ هذا هو الفكرةُ مِن كَلامِ بُطرس. أَلا نَظرتُم مَعي الآنَ إلى رسالة بُطرس الأوَّلى والأصحاحِ الأوَّل؟ فهو يَذكُرُ الخلاصَ في العددِ الخامس: "لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". وفي العددِ التَّاسع: "خَلاَصَ النُّفُوس". وفي العددِ العاشِر: "الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاء". فهو يَستخدِمُ ثلاثَ مَرَّاتٍ في الآيات 5-10 الكلمة: "خَلاص". لِذا فإنَّ الخلاصَ عُنصرٌ مُهمٌّ في رسالةِ بُطرس.

وسوفَ تُلاحظونَ أيضًا في العددِ السَّادسِ أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الفَرح: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ". وهو يَقولُ في نِهايةِ العددِ الثامن: "فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ". والآن، إنَّ ما أستَخلِصُهُ ببساطة مُتناهية مِن ذلك هو أنَّ ما يَدورُ في ذِهنِ بُطرسَ هُنا هو أنَّهُ لا يَكفي أن نَفهمَ الخلاصَ فقط، بل يجب علينا أن نَفهمَ تأثيرَهُ أيضًا؛ أي: الفَرَح.

ففَرَحُ الخلاصِ يَملأُ قَلبَ بُطرس في هذا النَّصّ. وهذا لائقٌ لأنَّهُ يَعكِسُ ما يَعرفُهُ بُطرسُ عن إعلانِ الله. فالمُرنِّمُ [على سبيلِ المِثالِ] في المَزمور 4: 7 يَقولُ إنَّ اللهَ جَعَلَ سُرورًا في قَلبِه. ونَقرأُ في سِفْر إشعياءُ 35: 10 أنَّ مَفْدِيِّي الرَّبِّ يأتونَ بِتَرَنُّمٍ وفَرَحٍ أبديٍّ. وقد قالَ أيضًا في الأصحاح 61 إنَّ المسيحَ سيأتي ليُعطي دُهْنَ فَرَح. وهو يَصِفُ كُلَّ المَفديِّينَ في العددِ العاشِرِ مِن ذلكَ الأصحاحِ نَفسِهِ حينَ يَقول: "فَرَحًا أَفْرَحُ بِالرَّبِّ. تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلهِي، لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَص".

ولَعلَّكُم تَذكرونَ أيضًا أنَّهُ عندما أَعلنتِ المَلائكةُ مِيلادَ المسيح قالت إنَّ مُخَلِّصًا سيأتي، وإنَّ مَجيئَهُ سيَجلِبُ بُشرى بِفَرَحٍ عَظيم (في إنجيل لوقا 2: 10). وقد تَمَّ الرَّبطُ بينَ الفرحِ والخلاصِ مِن قِبَلِ الرَّسولِ بولُس. فقد كَتَبَ أنَّ مُؤمِني تسالونيكي قَبِلوا رسالةَ الإنجيلِ بفَرح (في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 1: 6).

وخُلاصَةُ ذلكَ هي ببساطة أن نَتذكَّرَ أنَّ الفَرَحَ يأتي نَتيجةَ هِبَةِ الخلاصِ الإلهيَّة. ويجب علينا جميعًا نحنُ الَّذينَ اختبرنا الخلاصَ أن نَختبِرَ ذلك الفَرح. لِذا فإنَّ بولسَ يَحُضُّ المؤمنينَ في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 5: 16 بهذه الكلماتِ المألوفة: "افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ". وقد قالَ لمؤمني فيلبِّي: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". لماذا؟ لأنَّ الفرحَ والابتهاجَ هو عُنصُرٌ مَوجودٌ في عملِ الخلاصِ الإلهيّ.

ولكِن عندما تَدخُلُ الخطيَّةُ إلى حياةِ المؤمنِ فإنَّ الفَرَحَ سيَخرُج منها. وقد عَبَّرَ داوُدُ عن ذلكَ في المَزمور 51: 12 عندما مَرَّ بتلكَ الخطيَّةِ المُريعةِ إذْ إنَّهُ زَنا وَقَتَلَ؛ فما كانَ مِنهُ إلاَّ أن صَرَخَ إلى اللهِ قائلا: "رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ". فالفَرَحُ هو عُنصرٌ في الخَلاص. وقد يُحرَمُ المؤمنُ منهُ بسببِ الخطيَّة. وحينئذٍ فإنَّنا نَجِدُ تلكَ الآياتِ الَّتي تَحُضُّنا على التَّوبةِ واختبارِ الفرحِ الَّذي أعَدَّهُ اللهُ لنا. لِذا فإنَّ الخلاصَ يَنطوي على الفَرح حتَّى إنَّهُ يجبُ على كُلِّ مُؤمنٍ أن يَفرحَ دائمًا.

والسُّؤالُ الَّذي يَتبادَرُ إلى أذهانِنا هو: كيفَ يُمكنُنا أن نَختبِرَ ذلك الفَرح؟ كيفَ نَحصُلُ على ذلك الفَرح؟ لِنُواجِه الحقيقة: إنَّ الأغلبيَّةَ مِنَّا لا يَمتَلِئونَ دائمًا بالفرح. فنحنُ لا نَختبِرُ طَوالَ الوقتِ هذا الفَرح. إذًا، ما الَّذي يُعيدُ إلينا ذلك الفَرح؟ وما الَّذي يَحْفِزُ على ذلك الفَرح؟ وما الَّذي يَقودُنا إلى ذلكَ الفَرح؟ وما الَّذي يَجعلُنا نَكتَشِف ذلك الفَرح؟ هذا هو بالضَّبط ما سنَعرِفُهُ مِن بُطرُسَ في الأعداد 6-9.

وقبلَ أن نَتأمَّلَ في هذهِ الآياتِ تَحديدًا، يجب علينا أن نَتذكَّرَ أنَّهُ كانَ ينبغي لبُطرسَ أن يَتحدَّثَ عن موضوعِ الفرحِ لأنَّ قُرَّاءَهُ كانوا بحاجةٍ مُلِحَّةٍ إلى تَذكيرهم به. فقد كانوا في مَوقفٍ صَعبٍ جدًّا. وقد دَرَسنا ما يَكفي عن هذه الرِّسالة في وقتِنا القصيرِ هنا لنَعرفَ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَكتُبُ إليهم كانوا يَتعرَّضونَ للاضطهاد. فقد كانوا مِن بينِ أولئكَ المؤمنينَ الَّذي كانوا يعيشونَ في ذلكَ العالمِ القديمِ واتُّهِموا بإحراقِ رُوما. فقد كانوا مُحتَقَرينَ، ومَكروهينَ، ومَرفوضينَ مِن أُناسٍ كثيرين حَتَّى مِن دونِ تلك التُّهمة. لِذا فقد كانوا يَتعرَّضونَ لاضطهادٍ قاسٍ جدًّا.

ففي الأصحاحِ الثَّاني [على سبيلِ المِثال] والعدد 12، يَقولُ بُطرس: "وَأَنْ تَكُونَ سِيرَتُكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَيْ يَكُونُوا، فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ فِي يَوْمِ الافْتِقَادِ، مِنْ أَجْلِ أَعْمَالِكُمُ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُلاَحِظُونَهَا"، وَهَلُمَّ جَرَّا. فقد كانَ النَّاسُ يَفْتَرونَ عَليهم بأنَّهُم فاعِلو شَرٍّ. وفي العدد 19، نَجِدُ أنَّ المَعنى الضِّمنيَّ هو أنَّهُم كانوا يَتألَّمونَ ظُلمًا. وبُطرسُ يَقول: "اصبِروا على هذهِ الآلامِ الَّتي تَحتَمِلونَها ظُلمًا". ونَقرأُ في العدد 20 أنَّهم كانوا يُعامَلونَ مُعاملةً قاسيةً حَتَّى إنَّ بُطرسَ يَدعوهُم إلى احتمالِها بِصَبر. وَهُوَ يَقولُ لهم في العدد 21: "لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ". فقد تَألَّمَ المسيحُ. وسوفَ تَتألَّمونَ أنتُم أيضًا.

وهو يَقولُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ التَّاسع: "غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ". والمَعنى الضِّمنيُّ هو أنَّهُم كانوا يَصنعونَ شَرًّا بهؤلاءِ المسيحيِّين، وأنَّهم كانوا يُهينونَ هؤلاءِ المسيحيِّين. ولكن كانَ يَنبغي للمسيحيِّين ألاَّ يَنتقموا لأنفسهم. والعدد 14 يَقول: "وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ". وهو يَستمرُّ في تَذكيرِهم بأن يَستمرُّوا في الدِّفاعِ عن سببِ إيمانِهم والرَّجاءِ الَّذي فيهم، وبأن يُقَدِّسوا الرَّبَّ الإلهَ في قُلوبِهم. وإنِ اقتضى الأمرُ ذلك [كما جاءَ في العدد 17] أن يَتألَّموا وَهُم صَانِعونَ خَيرًا، لا شَرًّا.

ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 4: 1: "فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا بِالْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهذِهِ النِّيَّة". ونَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 12: "لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ، بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِين". فالعدد 14 يُخبرُنا أنَّهم كانوا يُعَيَّرونَ باسمِ المسيح. وقد كانوا يَتألَّمونَ [كما يَقولُ العدد 16] كَمسيحيِّين، وكانَ ينبغي لهم ألاَّ يَخجَلوا، بل أن يُمجِّدوا اسمَ الرَّبّ. ونَقرأُ في العدد 19 أنَّهُ إن تَألَّمتُم، استودِعوا أنفُسَكُم لله. ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 5: 10: "بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، [اللهُ] هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ".

والآن، إنَّ كُلَّ هذه الآياتِ تُخبرُنا بكلماتٍ لا لُبْسَ فيها أنَّهم كانوا يَعيشونَ في وقتٍ عَصيبٍ جدًّا جدًّا. فقد كانَ وَقتًا يُمكِنُ أن يَسلِبَهُم بسهولة فَرَحَهُم. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقرِنُ الفرحَ بخلاصِهم مُذكِّرًا إيَّاهُم ببركةِ مَعرفةِ اللهِ مِن خلالِ المسيح، وبأنَّهُ ينبغي لهم أن يَفرحوا بالرَّغمِ مِن كُلِّ ذلك. فبالرَّغمِ مِن تلكَ الصُّعوباتِ، يجب عليهم ألاَّ يَسمحوا لها أن تَسلِبَهُم فَرَحَهُم.

والآن، لننظُر إلى الأعداد 6-9، وأرجوا أن تُصغوا في أثناءِ قِراءتي لها: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوس".

وهذه كَلِماتٌ غَنيَّة ومُدهشة وعَميقة. وهي تُطلِعُنا على كُلِّ مَوضوعِ الفَرحِ هذا. وبُطرسُ يُجيبُ حَقًّا عنِ السُّؤالِ الَّذي طَرَحناهُ هُنا ضِمنيًّا في وقتٍ سابقٍ وهو: ما الَّذي يَنبغي للمؤمنينَ الَّذينَ يَعيشونَ في وسطِ الضِّيقِ أن يُرَكِّزوا أنظارَهُم عليه لكي يَستعيدوا فَرَحَهُم؟ أينَ يُمكنُني العُثورُ على فَرحي عندما لا تَجري الأمورُ كما أَتمنَّى أن تَجري؟

بصورةٍ عامَّةٍ، هل لاحظتُم أثناءَ قراءتي أنَّ الفَرحَ مُقترِنٌ بذلك الائتلافِ الثُّلاثيِّ المُقدَّسِ والمألوفِ الَّذي يَضُمُّ الإيمانَ والرَّجاءَ والمحبَّة؛ وثَلاثَتُها مَذكورة في هذا المَقطَع؟ فكما تَرَونَ، فإنَّ الفرحَ ليسَ شُعورًا عابِرًا ضَحلاً، بل هو شيءٌ عَميقٌ جدًّا، وشيءٌ مُقترِنٌ بالإيمانِ، ومُقترِنٌ بالرَّجاء، ومُقترِنٌ بالمحبَّة.

فالفرحُ ليسَ رَخيصًا، بل يأتي على حِسابِ اللهِ. فهو يَضَعُ كَنْزَ الفَرَحِ في السَّماءِ مِن خلالِ ذَبيحةِ المسيح. وهو يُوفِّرُ ذلكَ الفَرحَ في كُلِّ تَجارِبِنا مِن خلالِ خِدمةِ رُوحِ الله. لِذا فإنَّ الثَّمنَ الَّذي دَفَعَهُ الآبُ هو أنَّهُ أعطانا الابنَ والرُّوحَ لكي نَختبرَ الفَرح.

ولَعلَّكُم تَذكرونَ عندما كُنَّا نَدرُسُ رسالةَ فيلبِّي قبلَ بِضعة أسابيع أنَّنا قُلنا إنَّ الفَرحَ يَنشأُ عن أشياء أعمقُ بكثير مِنَ الأشياءِ الَّتي تُنشِئُ السَّعادة. فالأحوالُ الإيجابيَّةُ تُنشِئُ سَعادةً. أمَّا العلاقةُ الإيجابيَّةُ باللهِ الحَيِّ مِن خلالِ المسيحِ فتُنشِئُ فَرَحًا. فالسَّعادةُ تأتي مِنَ الأحداثِ الإيجابيَّة. أمَّا الفَرَحُ فَيَنبُعُ مِنَ الثِّقةِ العميقةِ بأنَّ حياتَكَ مُسْتَتِرَة مَعَ المَسِيحِ فِي الله. فالفرحُ مُقتَرِنٌ بالخلاص.

لِذا، قد تَقول: حسنًا يا جون! كيفَ أنظرُ إلى خلاصي للحصولِ على ذلك الفَرح، ولاكتشافِ ذلك الفَرح، وللتَّركيزِ على ذلك الفَرح، وللتَّمتُّعِ بذلك الفَرح؟" ويُخبرُنا بُطرسُ خمسة أشياء، أو خمسَ نِقاطٍ، ينبغي أن تُرَكِّزَ عليها لاستعادةِ فَرَحِكَ. ولا أدري أينَ أنتَ في حياتِكَ المسيحيَّة، ولكن إن لم تَكُن تَفرحُ دائمًا، وإن لم تَكُن تَبتَهِجُ دائمًا بالرَّبِّ، وإن لم تَكُن تَشعُرُ بذلكَ الشُّعورِ العَميقِ بالسَّلامِ والرِّضا، ولم يَكُن قَلبُكَ مُلتهِبًا، ولم تَكُن هناكَ حَماسةٌ كبيرةٌ في حياتِكَ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الظُّروف، يجب عليكَ أن تَستعيدَ فَرَحَك. وبُطرسُ يُقدِّمُ لنا خمسَ نِقاط. فَفَرَحُكَ يَنبغي أن يَنبُعَ مِن أعماقِكَ. فهو ليسَ مُقترِنًا بأحوالِكَ، وليسَ مُقترِنًا بما تَختبرُهُ [مِن جِهة]. ولكِن مِن جهةٍ أخرى سأُريكُم أنَّهُ مُقتَرِنٌ بذلك. فهو يَنبُعُ مِنَ الثِّقةِ بأمورٍ مُعيَّنة:

أوَّلاً، إنَّهُ يَنبُعُ مِنَ الثِّقةِ في [أوَّلاً] ميراثٍ مَحفوظ... مِيراثٍ مَحفوظ. فهذه هي الحقيقةُ العظيمةُ الأولى الَّتي تُؤدِّي إلى اختبارِ فَرَحِ الخلاص. لاحظوا العددَ السَّادس: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُون". بماذا؟ إنَّ الكلمة "بِهِ" تُشيرُ إلى ما جاءَ في الأعداد 3-5. "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُون". والكلمة "تَبتَهِجون" هي كلمة مُعَبِّرة جدًّا جدًّا. فيسوعُ يَستخدِمُها في إنجيل مَتَّى 5: 12 في التَّطويباتِ، وقد تُرْجِمَت في التَّرجمةِ المُعتَمَدَة: "افرحوا فَرَحًا عَظيمًا".

وبُطرسُ يَستخدِمُها ثلاثَ مَرَّاتٍ. وبولسُ لم يَستخدمَها قَطّ. وهي كلمة أقوى بكثير مِنَ الكلمة "افرَحوا". "كايرو" (chairo). فهي أقوى بكثير. وهي تَعني: أن تَفرحَ فَرحًا عَظيمًا، وأن تَفرحَ فَرَحًا فائقًا" بالمَعنىَ العَميق، لا بالمَعنى الظَّرفيِّ. لِذا فإنَّهُ يَدعو إلى فرحٍ عَظيم.

وهي كلمة تُستخدمُ دائمًا للإشارةِ إلى الفرحِ الرُّوحيِّ، لا إلى الفرحِ الزَّمنيِّ. وهي تُستخدَمُ دائمًا للإشارةِ إلى الفرحِ النَّابعِ مِنَ العلاقةِ باللهِ، ولا تُستخدَمُ البتَّة للإشارةِ إلى الفرحِ النَّابعِ مِنَ العلاقةِ بأيِّ شخصٍ آخر. وحيثُ إنَّها تَرِدُ بهذه الصِّيغةِ المُضارعةِ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ فإنَّها تَنطوي على فِكرةِ الفرحِ والابتهاجِ العظيمَيْنِ المُستمرَّيْن. ويُمكنكم أن تُترجموها: "افرحوا فَرَحًا عظيمًا"، أو "ابتهجوا ابتهاجًا عظيمًا".

لِذا فإنَّهُ يَدعو إلى فَرَحٍ عَظيم. بماذا؟ "الَّذِي بِهِ [كما يَقولُ] تَبْتَهِجُون". وما الَّذي تُشيرُ إليهِ الكلمة "بِهِ" يجب علينا أن نَرجِعَ إلى الأعداد 3-5.

"مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ [ها هُوَ] بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير".

وقد دَرسنا ذلكَ في المرَّة السَّابقة. وقد قُلنا إنَّ بطرسَ يَتحدَّثُ هنا عن مِيراثٍ مَحفوظٍ يَملِكُهُ كُلُّ شخصٍ مِنَّا في المسيحِ معَ الله. فقد أَسبغَ اللهُ عَلينا نِعمَتَهُ فَوَلَدَنا ثانيةً لرجاءٍ حَيٍّ. وهو رَجاءٌ يَبقى حَيًّا إلى الأبد، ورجاءٌ يَقولُ إنَّنا سنَحصُلُ على مِيراثٍ أبديٍّ. وهو مِيراثُ لا يَفنى، ومِيراثٌ لا يَتَدَنَّسُ، ومِيراثٌ لا يَضمَحِلُّ. ونحنُ لَن نُحرَمَ مِنهُ يَومًا لأنَّنا مَحروسونَ بقوَّةِ الله. لِذا فإنَّنا أصحابُ مِيراثٍ أبديٍّ مَحفوظٍ. وهو يَقولُ: "بهذا تَبْتَهِجُون".

أينَ تَبحثونَ عن فَرَحِكُم؟ هذا هو السُّؤال. هل تَبحثُ عن فَرَحِكَ في الظُّروف؟ إنَّهُ ليسَ هُناكَ. فالظُّروفُ ستَخونُكَ. أمَّا إن أدركتَ أنَّ فَرَحَكَ موجودٌ في مِيراثِكَ المَحفوظ، لا يُمكنُ لأيِّ شَيءٍ أن يَمَسَّ ذلكَ الفَرح. فالوعدُ الرَّائعُ الَّذي قَطَعَهُ اللهُ لكُلِّ مؤمنٍ هو أنَّنا قد حَصلنا على مِيراثٍ مُدهشٍ أبديٍّ، ولا يَفنى، ولا يَتدنَّسُ، ولا يَضمَحِلُّ هُوَ تَمجيدُنا النِّهائيُّ في الخلاصِ النِّهائيّ. فهو مَحفوظٌ الآنَ لأجلِنا إذْ إنَّهُ مَحفوظٌ في السَّماءِ إلى الزَّمانِ الأخيرِ الَّذي سنَرى فيهِ يسوعَ وَجهًا لوجه. فتلكَ الأبديَّةُ المجيدةُ الَّتي وَهَبَنا اللهُ الآبُ إيَّاها برحمتِهِ مِن خلالِ الولادةِ الجديدةِ هي الرَّجاءُ الَّذي يَملأُ قُلوبَنا: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُون".

لِذا يا أحبَّائي، أبعِدوا أعيُنَكُم عن هذا العالَم. وتوقَّفوا عنِ البحثِ عن رِضاكُم هُنا. فمَجدُكُم الأبديُّ في السَّماءِ هو الشَّيءُ الَّذي ينبغي أن تُرَكِّزوا أنظارَكُم عليه. وقد قالَ بولس ذلك: "اهْتَمُّوا [بماذا؟] بِمَا فَوْقُ [في رسالة كولوسي والأصحاح الثالث] لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض". فقد حَصلتُم على الوعدِ بالخلاصِ الكاملِ والأبديِّ. وهو خَلاصٌ مَحفوظٌ لأجلِكُم في أكثرِ مَكانٍ آمِنٍ في الكَون: سَماءُ اللهِ المُقدَّسة. فلا يُمكنُ أن يَحدُثَ شيءٌ له، ولا يُمكنُ أن يَحدُثَ شَيءٌ لكم. ويا لهُ مِن مَصدَرِ فَرَحٍ أن نُدركَ أنَّ مِيراثَنا الكاملَ يَنتظرُنا، وأنَّنا مَضمونونَ، وأنَّهُ لا يوجد شيء يَستطيعُ أن يُغيِّرَ ذلك، وأنَّنا نَنتظرُ تلكَ اللَّحظةَ المَحتومةَ الَّتي سنَحصُلُ فيها على الميراث. فذلك يَدعو إلى الفَرح... يَدعو إلى الفَرح.

وقد كانت هناكَ لحظة في العهدِ الجديد بَدا فيها أنَّ ذلكَ الفَرَحَ هُوَ وَهْمٌ؛ أي ذلكَ الفرحَ بوجودِ مِيراثٍ مَحفوظ. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 16، هل تَذكرونَ أنَّ يسوعَ كانَ يَتحدَّثُ إلى التَّلاميذ؟ وقد قالَ لَهُم: "بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي.... اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ". لماذا؟ لأنِّي سأموت. فسوفَ أمضي: "إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ... وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ"، ثُمَّ قالَ: "وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى [ماذا؟] فَرَح. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ، وَلكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ، لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذلِكَ، عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ".

فقد جاءت ساعَةٌ حالِكَةُ الظَّلام، وهي عندما كانَ يَسوعُ في القَبر. وقد بَدا أنَّ الفرحَ قد زَالَ لأنَّ المِيراثَ الَّذي وَعَدَهُم بهِ لم يَتحقَّق بعد. صَحيحٌ أنَّ يسوعَ قالَ: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا"؛ ولكن عندما ماتَ ودُفِنَ في الأرضِ، كانَ مِنَ الصَّعبِ عيهم أن يُصدِّقوا ذلك. وقد كانت هناكَ لَحظةُ حُزن.

ولكن عندما خَرَجَ يسوعُ مِنَ القبرِ ورأى هؤلاءِ التَّلاميذ، تَحَوَّلَ حُزنُهُم إلى فَرح لأنَّ الوعدَ بالحياةِ بعدَ الموتِ بَدا لَهُم أكثرَ جَدارةٍ بالتَّصديق حيثُ إنَّ المسيحَ قد غَلَبَ الموتَ بنفسِه. وهناكَ مَعنىً آخرَ مُتَضَمَّن في ذلك النَّصِّ في يوحنَّا 16. فأنا أعتقدُ أنَّ يسوعَ كانَ يَتحدَّثُ لا فقط عن قِيامَتِهِ هو، بل يَتحدَّثُ أيضًا عن حُلولِ الرُّوح. فقد كانَ ما يزالُ هناكَ وقتٌ عَصيبٌ حتَّى عندما قامَ يسوعُ مِنَ الأموات عندما كانَ التَّلاميذُ يَخوضونَ صِراعًا في قُلوبِهم بشأنِ كُلِّ ما كانَ يَجري لأنَّهم لم يكونوا قد حَصلوا بعد على سُكنَى الرُّوحِ القُدُس. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ قال: "سوفَ أذهبُ وأُرسلُ لكمُ الرُّوحَ. وسوفَ يَسكُنُ الرُّوحُ في حياتِكُم". والرُّوحُ هو مَصدرُ الفَرحِ لأنَّنا نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة والأصحاحِ الخامس أنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هو مَحبَّة، فَرَح".

وقد كانَ يَسوعُ يُفَكِّرُ في كِلا الأمرَيْنِ بِلا أدنى شَكٍّ حين قال: "أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ، وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. وسوفَ تَبكونَ إلى حِين، ولكنَّ بُكاءَكُم سيَتحوَّلُ إلى فَرَحٍ، ولن يَتمكَّنَ أحدٌ مِن نَزْعِهِ مِنكُم لأنَّهُ فَرحٌ قائمٌ على القيامة، وفَرحٌ قائمٌ على حُلولِ الرُّوح".

في لحظةٍ قصيرةٍ مِنَ الزَّمن، بَدا وعدُ اللهِ في المسيحِ لخاصَّتِهِ وَهْمًا، وبدا أنَّ الفَرَحَ غائبٌ. ولكن عندما حَدثت القيامة، وبعدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُس بوقتٍ قَصير، عادَ فَرَحُ الميراثِ المُستقبليِّ إلى الحياة. ولن يتمكَّنَ أحدٌ مِن نَزعِهِ مرةً أخرى... البتَّة! لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في رسالتهِ إلى أهلِ رُومية 5: 2 إنَّنا نَفرحُ "عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ الله". وَلِذا فإنَّهُ يُقولُ في رسالتهِ إلى أهلِ رُومية 12: 12: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاء" لأنَّ رَجاءَهُ موجودٌ في القيامة، ورجاؤُهُ يَعملُ مِن خلالِ سُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي [لاحظوا ما سأقول] هو عُربونُ مِيراثِنا المَحفوظ.

ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الأوَّلِ، في ذلك الجُزءِ الرَّائعِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، في العدد 12 أنَّ رجاءَنا هو "في المَسيح". ثُمَّ إنَّ العددَ 13 يَقول: "إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ"، ثُمَّ اسمَعوا هذا: "الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا".

فروحُ اللهِ هو عُربونُ مِيراثِكُم المَحفوظ. فهو "العُربون". وبولسُ يَستخدِمُ تلك الكلمة. وهي تَعني: "خاتَمُ الخِطبَة" الَّذي يُؤكِّدُ أنَّ الزَّفافَ سيَحدثُ حقًّا. لِذا، يُمكنكم أن تَفرحوا يا أحبَّائي بميراثِكُم المَجيدِ المَحفوظِ لأجلِكُم والَّذي أنتُم مَحروسونَ لَهُ. ولا يَستطيعُ أيُّ شَيءٍ أن يَنزِعَ فَرَحَكُم لأنَّ ذلكَ الفرحَ قائمٌ على حقيقةٍ تاريخيَّةٍ هي قِيامةُ المسيح. وَهُوَ قائمٌ على اختبارٍ حاضِرٍ هو سُكنَى قُوَّةِ وحُضورِ رُوحِ الله. هذا هو الفَرح. فهو فَرَحٌ بميراثٍ مَحفوظ.

والآن إن كُنتَ تَمُرُّ في تَجربةٍ في حياتِك، عِوَضًا عنِ النَّظرِ إلى هذا العالمِ المؤقَّتِ الزَّائلِ بكُلِّ مَشاكِلِهِ، يجب عليكَ أن تَنظرَ إلى ميراثِكَ الأبديِّ المَحفوظ. وإن كنتَ غيرَ قادرٍ على القيامِ بذلك، احصُل على السِّلسلةِ الَّتي تَحدَّثنا فيها عنِ السَّماءِ واستمِع إليها مَرَّةً أخرى. والآن، أنا لا أتحدَّثُ عن إثارةِ العَواطِف. هل تَفهمونَ ذلك؟ أنا لا أتحدَّثُ عن شيءٍ سَطحيٍّ أو مُبْتَذَلٍ أو غير صَادِق. وأنا لا أطلبُ مِنكَ أن تَتظاهرَ بفرحٍ ليسَ حَقيقيًّا. فأنا لا أعتقدُ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَتظاهرَ بالفرح. وأنا لا أريدُ منكَ أن تُنكِرَ الألمَ، ولا أطلبُ مِنكَ أن تُنكِرَ المُعاناة. وأنا لا أطلبُ مِنكَ أن تُنكِرَ الحُزنَ أو أن تُنكِرَ المَتاعِبَ. فهذهِ الأشياء لن تَزول. ولكنِّي أقول: قَرِّر إلى أينَ ستنظُر.

فأنتَ تَنظُرُ في الحياةِ خارجَ النَّافذة. فالأمرُ يُشبِهُ قِطارًا. تَخَيَّل قِطارًا يَمُرُّ عَبْرَ الجِبال. وقد اختبرنا جميعًا ذلك، أوِ الأغلبيَّةُ مِنَّا. ففي هذا الجانبِ مِنَ القِطار (وَهُوَ قِطارٌ ذُو نوافِذَ كثيرة يُمكِنُكَ أن تَنظُرَ مِنها. ورُبَّما تَكونُ في مَقطورةِ المُراقبة). في هذا الجانبِ، هُناكَ جَبَلٌ عَالٍ، وأنتَ تَمُرُّ على مَقرُبةٍ شديدةٍ منهُ. وكُلُّ ما يُمكنُكَ أن تَراهُ هو ظِلٌّ دَاكِن. أمَّا في الجانبِ الآخر، هناكَ وُديانٌ جَميلةٌ، وحُقولٌ، وجَداولُ، وبُحيراتٌ في نِطاقِ رُؤيَتِكَ ويُمكِنُكَ أن تَراها على امتِدادِ بَصَرِك. ما الَّذي ستنظُرُ إليه؟

هناكَ أشخاصٌ في الحياةِ يَختارونَ وَحَسْب أن يُحَدِّقوا في الجَبلِ المُظلِم. فهذه هي نَظرتُهم. مِن جهةٍ أخرى، إن أردتَ أن تَبتهِج، انظر إلى حياتِكَ الجديدة، وإلى رَجائِكَ الجديد، وإلى كَنزِكَ الجديد، وإلى ضَمانِكَ في المسيح. فيا لِغَباوةِ أن تَجلسَ مُعَذَّبًا بسببِ الظَّلامِ لأنَّكَ اخترتَ أن تَنظُرَ مِنَ النَّافذةِ الخطأ. ولا شَكَّ في أنَّ السَّببَ في أنَّ عددًا كبيرًا جدًّا مِنَ المؤمنينَ يَعيشونَ حياةً بائسةً، وفي أنَّهُم مُثَقَّلونَ بالأحمالِ، والذُّنوبِ، والآمالِ الَّتي لم تَتحقَّق بعد، والقراراتِ الَّتي يَعجزونَ عنِ الالتزامِ بها هو أنَّهم لا يَنظرونَ إلى مِيراثِهمِ الأبديِّ المجيدِ والمَحميّ.

فَفَرَحُكَ [والآن اسمعوني بعناية] ينبغي أن يكونَ في الجُزءِ الأكبرِ منه هو فَرَحُ التَّرَقُّب. فَرَحُ التَّرَقُّب. وهذا صَحيح. فأنتَ تَعيشُ بِفرحِ التَّرَقُّبِ بالمَعنى الزَّمنيّ. فأنتَ تَتَهَيَّأُ شُهورًا وشُهورًا وشُهورًا قبلَ أن تَذهبَ في إجازة. وعادةً ما يكونُ ما تَتَرَقَّبُهُ أفضلَ مِنَ الواقع. ففي اليومِ الثَّالثِ مِن إجازَتِكَ، قد تقول: "لماذا أُنفِقُ كُلَّ هذا المَال؟"

ولكن أريدُ أن أقولَ لكم شيئًا واحدًا: هذه هي الحياة. فأنتَ تَترقَّبُ شِراءَ سيَّارةٍ جديدة؛ ولكنَّكَ سُرْعانَ ما تَكتشفُ أنَّها ليست كما كنتَ تَتوقَّعُها. وأنتَ تَترقَّبُ شِراءَ مَنزلٍ جديد؛ ولكنَّكَ سُرْعانَ ما تَكتشفُ أنَّهُ ليسَ كما كنتَ تَتوقَّعُهُ. ولكن في هذه الحالة، سوفَ يَكونُ الواقعُ أفضلَ بكثير مِمَّا كنتَ تَتوقَّعُهُ. ولكنَّ التَّرقُّبَ يَكفي لِجَعلِكَ فَرِحًا. لِذا، رَكِّز نَظَرَكَ على مِيراثِكَ المَحفوظ.

ثانيًا، المَصدرُ الثَّاني لفرحِ الخلاصِ هو ليسَ فقط الميراث المَحفوظ، بل الإيمانُ المُزَكَّى. الإيمانُ المُزَكَّى. وهذه نُقطة عمليَّة جدًّا. "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". وهذه فكرة غَنيَّة جدًّا. وقد لا أتمكَّنُ مِن إنهاءِ تَعليقي عليها في هذا المساء على الأرجَح. ولكنَّكم ستَسمَعونَ دَرسًا رائعًا هنا.

والآن اسمَعوني جيِّدًا: لقد أخبرتُكم للتَّوّ أن تُركِّزوا أنظارَكُم على فَرحِ التَّرقُّب. ونَجِدُ هُنا التَّوازُن. فهذا نَوعٌ آخر مِن الفرح. فيجب أن تَفرحوا بالرَّغمِ مِن أنَّكُم تَمُرُّونَ بتجاربَ مُتنوِّعة. وهذا يُعيدُنا إلى هذا العالَمِ كي تَتعلَّموا [اسمَعوا ما سأقول] كي تَتعلَّموا كيفَ تَنظرونَ لا فقط إلى مُستقبلِكُم، بل كي تَتعلَّموا أيضًا كيفَ تَنظرونَ إلى حَاضِرِكُم.

فالفرحُ يأتي [والآن، اسمَعوا جيِّدًا ما سأقول] لا بالرَّغمِ مِنَ التَّجارب، بل بسببِ التَّجارب. فهو يأتي مِن خلالِ التَّجارب. كيف؟ لأنَّ التَّجارب [بحسب العدد 7] هي "تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ" الَّذي هو أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي". فاللهُ يَسمَحُ بالتَّجاربِ في حياتِكُم لكي يُزَكِّي إيمانَكُم.

فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ الاضطهادَ الشَّديدَ والتَّجاربَ الشَّديدةَ الَّتي يَتعرَّضُ لها المؤمنونَ تَسلِبُ فَرَحَ التَّرَقُّب. لا، بل إنَّها تَزيدُ فَرَحَ التَّرقُّب. فهي تُزيدُ عليه. لماذا؟ لأنَّ الشَّيءَ الَّذي يَسلِبُ فَرحَ التَّرقُّب بصورة رئيسيَّة هو الشَّكُّ في ماذا؟ الخلاص. فإن كنتُ قَلِقًا بشأنِ ما إذا كُنتُ مُخَلَّصًا أم لا، مِنَ الصَّعبِ جدًّا عليَّ أن أتمتَّعَ بما أترقَّبُ حُدوثهُ في مُستقبلي. لِذا فإنَّ هذه النُّقطة مُهمَّة جدًّا. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَنتقلُ مِنَ التَّحدُّثِ عنِ المستقبلِ إلى التَّحدُّثِ عنِ الحاضرِ، ومِن ما يبدو لنا بأنَّهُ تَرَقُّب إلى الواقع.

وكما أخبرتُكم على مَرِّ السِّنين فإنَّ اللهَ قادرٌ على قَوْلِ الأشياءِ بأقلِّ عددٍ مُمكنٍ مِنَ الكلماتِ بطريقةٍ تَفوقُ قُدرةَ العقلِ البشريِّ على الاستيعاب. وفي تلك الآيةِ السَّادسةِ القصيرة، نَجِدُ وَصفًا للتَّجاربِ يَتَّسِمُ بالعُمقِ الشَّديد. والحقيقةُ هي أنَّني لم أُدرك ذلك إلاَّ حينَ قرأتُهُ مِرارًا وتَكرارًا. وأخيرًا أدركتُ عُمقَ هذه الجُملة. فكُلُّ ما تَحتاجونَ إلى مَعرفتِهِ عنِ التَّجارب موجودٌ في تلك الآية. والآن، اسمَحوا لي أن أُريكم ذلك. واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكم بِضعةَ مَبادئ. حسنًا؟

المبدأُ الأوَّل: الضِّيقُ لا يَدوم. أليسَ مِنَ الجيِّدِ أن نَعلمَ ذلك؟ فهو لا يَدوم. فنحنُ نَقرأُ في العددِ السَّادس: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ... تُحْزَنُونَ يَسِيرًا" أو "إلى حِيْن". فهو مؤقَّت. وهو عابِر. وهو سيَزولُ مع هذه الحياة.

وهناكَ مَبدأٌ آخر هنا: الضِّيقُ لا يَدوم، بل إنَّهُ يَخدِمُ غايةً مُحَدَّدةً. انظروا إلى الآيةِ مَرَّةً أخرى: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ... تُحْزَنُونَ يَسِيرًا". لاحِظوا العِبارةَ: "إن كانَ [ماذا؟] يَجِبُ". هل تَعلمونَ سببَ وجودِ تَجاربَ في حياتِك؟ لأنَّها ماذا؟ ضَروريَّة. فالتَّجاربُ تَخدِمُ غايةً مُحَدَّدةً.

وقد تقول: "وما هي الغاية؟ أنا لا أفهمُ الغاية مِنها!" حسنًا، اسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم: أن تَجعَلَنا مُتواضِعينَ. هل هذا واضح؟ ولكي تَفْطِمَنا عن الأشياءِ الدُّنيويَّة. ولكي تُساعِدَنا على النَّظرِ إلى السَّماء. ولكي تَكشِفَ لنا ما نُحبُّهُ حَقًّا. ولكي تُعلِّمَنا قيمةَ بَرَكَةِ اللهِ في وسطِ آلامِ الحياة. والتَّجاربُ تأتي لكي تُمَكِّنَنا مِن مُساعدةِ الآخرين. والتَّجاربُ تأتي لكي تُقوِّي شخصيَّاتِنا. والتَّجاربُ تأتي أحيانًا لكي تُؤدِّبَنا على خطايانا. فهي تَخدِمُ غايةً مُحَدَّدةً.

وقد قالَ بُطرس في الأصحاحِ الخامسِ والعددِ العاشر: "وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ". فهناكَ غاية إلهيَّة مِن ذلك وهي أن يَجعَلَكَ أفضل.

وهناكَ مبدأٌ ثالثٌ في هذه الآية الصَّغيرة: فالتَّجاربُ تَجلِبُ الكَرْبَ. ولا يَستطيعُ أحدٌ أن يُنكِرَ ذلك. "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا". فاللهُ يَعلَمُ عن ذلك. وهو يَسمَحُ بها لهذا السَّبب. وهو يَتحدَّثُ هُنا عنِ الكَرْبِ الذِّهنيِّ، لا فقط الجسديّ. عنِ الكَربِ الذِّهنيِّ: الحُزنِ، والأسَى، وخَيبةِ الأمل، والقلق. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ التَّجاربَ مُؤلمة.

لِذا فإنَّنا أمامَ مُعضِلَةٍ لاهوتيَّةٍ صَغيرةٍ هُنا. فالضِّيقُ لا يَدوم. والضِّيقُ يَخدِمُ غايةً مُحدَّدةً. والضِّيقُ يَجلِبُ الكَرْبَ. فهو مُصَمَّمٌ بحيث يكونُ مُؤلمًا. هل فَهمتُم ذلك؟ فهذا هو القصدُ مِنه. فينبغي أن يَجعلَكَ تَحزَن، وأن يَجعلكَ تَترُك العالمَ وتَلتجئُ إلى الرَّبّ، وأن يُطَهِّرَ خَطاياكَ، وأن يُنَقِّيكَ ويَجعلكَ أكثرَ نَفعًا.

وهناكَ مَبدأٌ رابعٌ. الضِّيقُ يأتي بأشكالٍ مُتنوِّعة. هل لاحظتُم ذلك؟ فالعدد 6 يقول: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". فالكلمة "بيراسموس" (peirasmos) تَعني "ضِيقات" أو "تَجارب". فهي تأتي بأشكالٍ مُتنوِّعة. والكلمة المُستخدمة هنا هي "بويكيلوس" (poikilos) ومَعناها: "ألوان مُتعدِّدة". فالتَّجاربُ تأتي بألوانٍ مُتعدِّدة.

وبالمُناسبة، يَستخدِمُ بُطرسُ نفسَ تلك الكلمة مَرَّةً أخرى عندما يَصِفُ نِعمةَ اللهِ المُتعدِّدةِ الألوان. وهذه فِكرة رائعة. فالتَّجاربُ مُتعدِّدةُ الألوان، ونِعمةُ اللهِ "بويكيلوس" (poikilos): "مُتعدِّدة الألوان". وكأنَّهُ يقولُ إنَّهُ لا توجد تَجربة مِن أيِّ لَونٍ لا يَستطيعُ اللهُ أن يَجِدَ مَنفَذًا لها بنعمَةٍ مِن نَفسِ اللَّون. وهذه فكرةٌ جميلة. فالنِّعمةُ تَستطيعُ أن تَتفوَّقَ على أيَّة تَجربة. وهي تأتي بأشكالٍ عديدة. فأنتَ تَظُنُّ أنَّكَ تَغلَّبتَ على واحدة فتَجِدُ أنَّ واحدةً أخرى قد جاءت.

ولكنَّ المبدأَ الأخيرَ هو: لا يَجوزُ ولا يَنبغي أن تَقضي التَّجاربُ على الفَرح. لاحظوا العددَ السَّادس: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ، إِنْ كَانَ يَجِبُ، تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". فيجب عليكم أن تَبتهجوا جدًّا بالرَّغمِ مِنَ التَّجاربِ الَّتي تَتعرَّضونَ إليها. فتَعرُّضُكَ إلى تَجربة لا يَعني أنَّ فَرَحَكَ قد زَال. فلا يَنبغي للتَّجاربِ أن تَقضي على الفرح.

لماذا؟ لماذا لا يَجوزُ أن تَقضي على الفرح؟ سوفَ أُخبركم لماذا. نَقرأُ في العددِ السَّابع: "لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح".

والآن، استَمِعوا جيِّدًا إلى ما سأقولُه: هذا حَقٌّ عظيم. فبُطرسُ يَقول: لهذا لا يَجوزُ أن تَسلِبَكُم التَّجاربُ فَرَحَكُم. ولهذا ينبغي أن تَجعلَكُم التَّجاربُ تَفرحون: لأنَّهُ إنِ اجتزتُم التَّجربةَ، سيَتَزَكَّى إيمانُكُم". ولا أدري كيفَ تَنظرونَ إلى ذلك، ولكنِّي أرى أنَّها فكرة رائعة. فالتَّجاربُ تُبرهِنُ على صِدقِ إيمانِنا وصِحَّتِه. وهذه فائدة كبيرة.

فإن عِشتَ حَياتَكَ دُونَ أن تَمُرَّ بأيِّ تَجربة، ودونَ أن تَمُرَّ بأيِّ ضِيق، لن يُمتَحَنَ إيمانُكَ، ولن تَعرِفَ إن كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا. هذا هو ما يَقولُهُ بصورةٍ رئيسيَّة. "لِكَي" – أي: "مِن أجلِ أن". فهي تُشيرُ إلى القَصد. فالتَّجاربُ تأتي، أيِ التَّجاربُ المُتنوِّعةُ تأتي، وتُتعِبُكُم، وهي ضَروريَّة، ومؤقَّتة، ولا ينبغي أن تَسلِبَكُم فَرَحَكُم، بل تأتي "لكي تَكونَ تَزكيةُ إيمانِكُم"؛ أو ينبغي أن تُتَرجَمَ هذه العِبارة بصيغةٍ نَعْتِيَّةٍ كالتَّالي: "لكي يَكونَ مَعدَنُ إيمانِكُم المُمْتَحَن". فالتَّجاربُ تَأتي كالنَّارِ لتَحرقَ شَوائبَ المَعادنِ وتُظهِرَ إن كانَ قد تَبقَّى شيءٌ حَقيقيٌّ مِنها. فالإيمانُ يَظهَرُ على حَقيقتِه في التَّجارب. فهو يكونُ حَقيقيًّا إن بَقِيَ شَيءٌ مِنهُ بعدَ أن تَقومَ النَّارُ بعملِها.

فقصدُ اللهِ مِنَ التَّجاربِ [والآن اسمعوني جيِّدًا] هو أن يَمتحِنَ إيمانَكُم. مِن أجلِ مَن؟ مِن أجلِهِ هُوَ؟ هل هو بحاجة إلى امتحانِ إيمانِكُم؟ هل يَحتاجُ اللهُ إلى القيامِ بأيِّ شيءٍ لِكي يَعلمَ إن كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا؟ لا! فهو يَعلمُ ما في قَلبِك. أليسَ كذلك؟ لِذا، مَنِ الَّذي سيَستفيدُ مِنَ الامتحان؟ أنتَ... أنتَ.

والكلمة "تَزكية" هُنا (في العددِ السَّابعِ) تُستخدَمُ لأنَّها مأخوذة عن عمليَّةِ فَحصِ المعادن. وكان ذلك النَّوع مِن فَحصِ المَعادنِ يُستخدَمُ لمعرفةِ خَواصِّها الحقيقيَّة، واكتشافِ نَقاوتِها حيثُ كانت تُوضَعُ في النَّارِ فيَحترقُ أيُّ شيءٍ آخر ولا يَبقى سِوى المَعدِن الحقيقيّ. وبالمُناسبة، إن وَضعوا شيئًا في النَّارِ ولم يَتَبَقَّ شيئًا مِنهُ، كانوا يَعلمونَ أنَّهُ لا يوجدُ مَعدِنٌ حَقيقيٌّ، وأنَّهُ لا يوجدُ ذَهبٌ حَقيقيٌّ. وقد حَدَثَ ذلكَ ليهوذا. أليسَ كذلك؟ فعندما خَضَعَ للامتحانِ، أوِ النَّارِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ صِفْر.

فاللهُ يَمتَحِنُ المؤمنَ لكي يَكشِفَ إن كانَ إيمانُهُ [أو إيمانُها] حَقيقيًّا؛ تَمامًا كما يَمتَحِنُ الذَّهبَ. والنَّصُّ يَذكُرُ الذَّهبَ (في العدد 7) الَّذي يُمتَحَنُ بالنَّار. فالنَّارُ مُرادفة للتَّجارب. والذَّهبُ هو إيمانُكَ الحقيقيُّ. وعندما تأتي النَّارُ وتُحرَقُ كُلُّ الشَّوائب، سيَظهَرُ الإيمانُ الحقيقيُّ.

والآن، إنَّ الأمرَ يَحدُثُ بالطَّريقةِ التَّالية. فَكِّروا في الأمرِ بهذه الطَّريقة. حسنًا؟ إنَّ قَلبَكَ يَحزَن. حسنًا؟ فأنتَ تَمُرُّ في ضيقٍ، أو تَجربةٍ، أو مِحنةٍ، أو ألم. وأنتَ تَمُرُّ في ضِيقٍ وما إلى ذلك. فالأشياءُ مِن حولِكَ تَنهار. ولا شَيءَ يَحدُثُ كما تُريدُ لهُ أن يَحدُث. فأنتَ تَختبرُ كُلَّ أنواعِ الألمِ والقلق. وأنتَ تَبتدئُ بالنَّظرِ مِن حَولِكَ بَحثًا عن مَكانٍ يُمكِنُكَ أن تَجِدَ فيهِ راحَتَك. وأغلبيَّةُ النَّاسِ في العالَمِ يَلتجئونَ إلى المالِ، أوِ الأصدقاءِ، أوِ المَشروباتِ الكُحوليَّةِ، أوِ المُخَدِّراتِ، أوِ الجِنسِ، أوِ الانتقام، أو ما إلى ذلك. والتَّجاربُ تَحرِقُ كُلَّ شيءٍ لأنَّ كُلَّ شيءٍ يَثِقونَ بِهِ سَيَحتَرِقُ أيضًا. فلا يوجد شيء سَيَبقى، بل إنَّ كُلَّ شيءٍ سيَحترِقُ بالنَّار.

ولكنَّ المؤمنَ يَرتفعُ فَوقَ ذلك. فهو يَرتفعُ فوقَ كلِّ شيءٍ يَخضعُ للتَّغييرِ والفسادِ، ويُلقي المِرساةَ (كما جاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين) داخِلَ الحِجابِ في السَّماويَّاتِ حيثُ لا يَعتري الفَرحُ أيُّ تَغيير. فمَصدرُ الفرحِ ثابت.

وهذا هو تَمامًا ما يَقولُهُ بُطرسُ هُنا. فعندما تَمُرُّ في امتحانٍ، إن كنتَ تُحاولُ حَلَّ ذلك مِن خلالِ المَزيدِ مِن نُفايةِ العالَم، ستَطفو تلك النُّفاية معَ البقيَّة. أمَّا إذا ارتفعتَ فوقَ الامتحانِ مِن خلالِ الإيمانِ والتَّمسُّكِ باللهِ والمسيحِ فإنَّ إيمانَكَ سيَتَزَكَّى. والنُّقطةُ هي أنَّكَ إن خَرجتَ مِنَ الجانبِ الآخرِ للامتحانِ وأنتَ تُؤمِنُ باللهِ، وتَثِقُ باللهِ، وتُؤمِنُ بالمسيحِ، وتَتَّكِلُ على المسيحِ، ستَعلمُ أنَّ إيمانَكَ ماذا؟ حَقيقيٌّ... أنَّهُ حَقيقيٌّ.

والآن، هذا هو بالضَّبط ما يَقولُهُ رَبُّنا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13. فهناكَ حُبوبٌ تَقَعُ في الأرض، وقد نَبَتَ الزَّرعُ. ولَمَّا أَشرقتِ الشَّمسُ احترقَ الزَّرعُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ، ولا توجد لهُ جُذورٌ راسخة. لِذا، عندما يأتي الاضطهادُ والضِّيقُ فإنَّ ذلكَ الزَّرعَ يَجِفُّ ويموت ولا يُعطي أيَّ ثَمر. وصَدِّقوني أنَّ الضِّيقَ والاختبارَ والاضطهادَ والتَّجاربَ تَكشِفُ عن حقيقةِ الإيمان. فالضِّيقاتُ تأتي لكي تُظهِرَ ما إذا كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا.

لِنَنظُر إلى ذلك قليلاً. ففي سِفْر التَّكوين والأصحاح 22، لَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ اللهَ قالَ لإبراهيم: "يا إبراهيم! اذهب واذبح ابنَكَ على جَبَلِ المُرِيَّا". ويا لهَا مِن تَجربةٍ قاسية. ابنُ المَوعدِ... ابنُ العهدِ... اذهب واذبحهُ. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ إبراهيمَ أطاعَ طاعةً كاملةً وصَعِدَ إلى هناكَ، ورَفَعَ السِّكِّينَ، وكانَ مُستعدًّ للقيامِ بذلك. ففي نِهايةِ المَطافِ، لقد قالَ اللهُ لهُ أن يَفعلَ ذلكَ، وهو سيُصَدِّقُ اللهَ على رَجاءِ أن يُقيمَ اللهُ ابنَهُ مِنَ الأموات.

ويُخبرُنا كاتبُ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين أنَّ السَّببَ في أنَّهُ كانَ مُستعدًّا لقتلِ ابنِهِ هو أنَّهُ كانَ يُؤمِنُ باللهِ القادرِ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ؛ معَ أنَّهُ لم يَرَ يومًا قِيامَةً. فوَفقًا لمعرفتِهِ، لم تَحدُث قيامة آنذاك. ولكنَّهُ آمَنَ بأنَّ اللهَ سيَفعلُ ذلك لأنَّهُ آمنَ بأنَّهُ ينبغي للهِ أن يَفعلَ ذلكَ للحفاظِ على عَهدِهِ في حالِ مَوتِ إسحاق.

لِذا فقد صَعِدَ إلى هُناكَ وكانَ مُستعدًّا لذبحِ ابنِهِ. ولكنَّ مَلاكَ الرَّبِّ (في العدد 11) نَادَاهُ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: "إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!" فَقَال: "هأَنَذَا". فَقَال: "لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا" (في العدد 12)، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ". كانَ هذا هو الامتحان. كانَ هذا هو الامتحان. "لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ". ولا أعتقدُ أنَّ إبراهيمَ شَكَّ في ذلكَ ثانيةً طَوالَ حياتِه.

وقد خَضَعَ أيُّوبُ للامتحان. وقد تَبَيَّنَ أنَّ إيمانَ أيُّوب حَقيقيٌّ. فقد تَبيَّنَ أنَّهُ حَقيقيٌّ لأنَّهُ بالرَّغمِ مِن كُلِّ الأمورِ الَّتي فَعَلَها الشَّيطانُ لإيذاءِ أيُّوب، لم يَتوقَّف أيُّوب عنِ الثِّقةِ بالله. وعندما جاءَ إليهُ أصدقاؤُهُ باقتراحاتِهم الغَبيَّة، استمرَّ في ثِقتِهِ بالله. وعندما قالت لهُ زَوجَتُهُ أن يَلعَنَ اللهَ ويَموت، استمرَّ في ثِقتِهِ بالله. فاللهُ يَسمَحُ بالتَّجاربِ لكي يَمتحنَ الإيمان، ولكي يُبَرهِنَ حَقيقةَ الإيمانِ للشَّخصِ الَّذي يُؤمِنُ لكي يَعيشَ ذلك الشَّخصُ بثقة.

ونَقرأُ في سِفْر الخروج 16: 4: "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: هَا أَنَا أُمْطِرُ لَكُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ. فَيَخْرُجُ الشَّعْبُ وَيَلْتَقِطُونَ حَاجَةَ الْيَوْمِ بِيَوْمِهَا. لِكَيْ أَمْتَحِنَهُمْ، أَيَسْلُكُونَ فِي نَامُوسِي أَمْ لاَ". فاللهُ يَعملُ على امتحانِ البشرِ لا لكي يَعلمَ هو، بل لكي يَعلمَ البشرُ حالةَ قُلوبِهم.

"وَتَتَذَكَّرُ [في سِفْر التَّثنية 8: 2] كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟" لكي يُريكَ حالُ قَلبِكَ. لا أجلِهِ، بل لأجلِكَ أنت.

والآن، انظروا إلى ما يَقولُهُ في رسالة بُطرس الأولى. فهذا رائعٌ جدًّا. فالإيمانُ المُزَكَّى أو المُثبَت هو: "أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّار". فمعَ أنَّ الذَّهبَ يَجتازُ امتحانَ النَّارِ فإنَّ الذَّهبَ قابِلٌ للفَناء. فالإيمانُ المُزَكَّى أثمنُ بكثير مِن الذَّهب. ويا لها مِن فِكرةٍ رائعة! ولماذا هو أثمنُ مِنَ الذَّهب؟ لأنَّ الإيمانَ المُزَكَّى أبديٌّ. فهو أبديٌّ. فمعَ أنَّ الذَّهبَ يُنَقَّى، ويَخضعَ لامتحانِ النَّارِ، فإنَّهُ لا يَخضعُ لامتحانِ الأبديَّة. لِذا فإنَّ الإيمانَ المُزَكَّى هو أثمنُ مِنَ الذَّهب.

والآن، لماذا يَستخدِمُ بُطرسُ الذَّهبَ كتشبيه؟ لِعِدَّةِ أسباب. فقد كانَ الذَّهبُ هو السِّلعةُ المِعياريَّة. وقد كُنَّا نَستخدِمُ الذَّهبَ مِعيارًا، ولكنَّنا توقَّفنا عن ذلك. ولكن في الأزمنةِ القديمة، كانَ الذَّهبُ السِّلعةَ المِعياريَّةَ الَّتي تَدعَمُ الصَّفقاتِ الماليَّة. فقد كانَ أغلى المَعادِن، وأثمنَ مِن جميعِ المَعادن، والمِعيارَ لكُلِّ الصَّفقاتِ الماليَّة. فقد كانَ أثمنَ سِلعةٍ مَوجودة.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ إنَّ الذَّهبَ الثَّمينَ جدًّا يَجتازُ امتحانَ النَّارِ، ولكنَّهُ لا يَجتازُ امتحانَ الأبديَّة. لذا فإنَّ الإيمانَ المُزَكَّى هو أثمنُ مِنَ الذَّهبِ الخالِص. فكما أنَّ النَّارَ تَفصِلُ الذَّهبَ الحقيقيَّ عنِ الأشياءِ الزَّائفة، فإنَّ اللهَ يَستخدِمُ التَّجاربَ لفصلِ الإيمانِ الحقيقيِّ عنِ الادِّعاءِ الزَّائف. فهو أثمنُ مِنَ الذَّهب.

هل يَستطيعُ أحدٌ أن يُقدِّرَ قيمةَ الإيمانِ المُزَكَّى؟ هل تَعيشُ في شَكٍّ في حياتِك؟ إذًا، اللهُ يَعلمُ أنَّكَ بحاجةٍ إلى مزيدٍ مِنَ التَّجارب لأنَّ ذلكَ سيُثبِتُ إيمانَكَ لك. فأنا لا أشُكَّ في إيماني. هناكَ وقتٌ في شَبابي شَكَكتُ فيه، ولكنِّي لم أَعُد أَشُكُّ في إيماني بعدَ ذلك. أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّ إيماني اجتازَ فَحصَ التَّجارب. وهذا ليسَ مَدْحًا لي. ولكنِّي خَضعتُ للكثيرِ مِنَ التَّجاربِ لأنَّ اللهَ أرادَ أن يُعَلِّمَني أمورًا كثيرةً كي أفهمَ ذلك. فإيماني حَقيقيٌّ. ولا يُمكنني أن أُخبركم عن قيمةِ مَعرفتي بأنَّ إيماني حَقيقيّ. هل تَفهمونَ ذلك؟ يا لها مِن ثِقة! فَمَن يُريدُ أن يَعيشَ في شَكٍّ؟ فالإيمانُ الحَقيقيٌّ يَتَزَكَّى لأنَّهُ يُمتَحَن.

يا أحبَّائي، رَحِّبوا بالتَّجارب، ورَحِّبوا بالامتحانات. فقصدُ اللهِ مِنها هو أن تَصيرَ تَزكيةُ إيمانِكم أثمنَ لديكم مِن أغلى السِّلعِ الَّتي يُوفِّرُها العالَم. وهذه فكرةٌ رائعة... رائعة جدًّا.

لقد ذَهَبَ الرُّسُلُ فَرِحينَ (كما جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل) لأنَّهُم حُسِبوا مُستأهلينَ أن يَتألَّموا مِن أجلِ المسيح. وإن أردتُ أن أكونَ جَريئًا جدًّا، قد أُضيفُ قائلاً إنَّهُم ذَهبوا واثقينَ أيضًا. فقد كانوا واثِقينَ مِن خلاصِهم لأنَّهم سَمِعوا مِن يسوعَ مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا الكلماتِ التَّالية: "يا [ماذا؟] قَليلي الإيمان!"

وعندما حانَ وَقتُ الصَّلب، تَرَكوهُ وهَربوا. ثُمَّ إنَّ بُطرسَ أَنكَرَهُ ثلاثَ مَرَّات. وكم كانَ ضَعفُهم مُزعِجًا! ومع ذلك فقد وَصَلوا إلى نُقطةٍ في آلامِهم وَقفوا فيها بثباتٍ ولم يَتأرجَحوا. وقد ذَهبوا فَرِحينَ، لا بسببِ شيءٍ مُفرِحٍ في الألم، بل بسببِ ثِقَتِهم بأنَّهُم اجتازوا الامتحان.

يا أحبَّائي، نحنُ لدينا رَجاء. والرَّجاءُ يَجلِبُ لنا الفَرح. ورجاؤنا قائمٌ على مِيراثٍ مَحفوظٍ في المستقبلِ وعلى إيمانٍ مُزَكَّى في الحاضِر. ففي كِلا هَذينِ الأمرينِ يَكمُنُ رَجاؤنا. ولا يوجد سَببٌ يَدعوكم إلى عدمِ العيشِ في ضَوْءِ ذلك الفَرح. لا يوجد أيُّ سَببٍ البتَّة. فذلك الفرحُ مِن نَصيبِكُم. وقد قالَ يَسوعُ إنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَنزِعَهُ منكم.

وسأختمُ بما يَلي: إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمونَ مِنكُم إلى أُصولٍ إسكُتلنديَّة يَحتملونَ الكثيرَ مِنَ السُّخرية مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّ الإسكُتلنديِّينَ بَخيلون. وهناكَ قِصصٌ كثيرةٌ جدًّا عن مِثلِ هؤلاءِ الإسكُتلنديِّين. وإحدى القِصصِ المشهورةِ على مَرِّ السِّنين هي قصَّةُ الإسكُتلنديِّ الَّذي وَصَلَ إلى ليفربول استعدادً للإبحارِ في سَفينةٍ مُتَّجهةٍ إلى أمريكا. وكانَ قدِ اشترى تَذكرةَ سَفَرٍ على مَتْنِ سَفينة. وقد عَدَّ القِطَعَ النَّقديَّةَ القليلةَ الَّتي يَملِكُها في هذه الحياةِ ورأى أنَّ الرِّحلةَ ستَستغرِقُ بِضعةَ أسابيع. ولكي يَتمكَّنَ مِنَ السَّفرِ ويَحصل على طَعامٍ يَكفيه، كانَ لا بُدَّ أن يَقتَصِدَ في نَفقاتِهِ على أملِ أن يَبقى مَعَهُ مَبلغٌ صغيرٌ بعدَ وُصولِهِ إلى نيويورك يَبتدئُ بهِ حَياتَهُ. لِذا فقد ذهبَ إلى مَتجرٍ صَغيرٍ ومَلأَ حقيبَتَهُ بكميَّةٍ مِنَ البسكويتِ والجُبن تَكفيهِ لرحلتِه.

وعندما أَبحرتِ السَّفينة، جَعَلَهُ هَواءُ البحرِ يَشعُرُ بجوعٍ شديد. وما زادَ الطِّينَ بِلَّةً هو أنَّ رُطوبةَ الجَوِّ جَعلتِ البَسكويتَ طَريًّا والجُبنَ قاسيًا. ويا أحبَّائي، إنَّ وَضعَ جُبْنٍ قَاسٍ على بَسكويتٍ طَريٍّ ليسَ شيئًا مُمتعًا. وكانَ ما يأكُلُهُ عادةً هو الفُتات. وقد اعتَراهُ اليأسُ بسببِ الجُوعِ في نهايةِ الأسبوعِ الأوَّل. والشَّيءُ الَّذي كانَ يَزيدُ الأمرَ سُوءًا هو أنَّهُ كانَ يَشُمُّ دائمًا رائحةَ الطَّعامِ مِنَ الصَّواني الَّتي يَحمِلُها الخَدَمُ إلى المُسافرينَ مِن حَولِه. وقد قَرَّرَ يَومًا أن يَحصُلَ على وَجبةٍ جَيِّدة. لِذا فقد ذهبَ إلى صَالةِ الطَّعامِ وأكلَ وَجبةً. وفي النِّهاية، طَلَبَ الفاتورة. قالَ لهُ النَّادِلُ: "سَيِّدي! لا توجد فاتورة. فالطَّعامُ مَشمولٌ في تَذكرتِك".

يا لَهُ مِن رَجُلٍ مِسكين! فقد كانَ بمقدورِهِ أن يُوفِّرَ كُلَّ مالِهِ الَّذي أَنفقَهُ على شِراءِ البَسكويتِ والجُبن. وكانَ بمقدورِهِ أن يَذهبَ إلى صالةِ الطَّعامِ وأن يأكُلَ قَدرَ ما يَشاء. وأودُّ أن أقولَ إنَّني التقيتُ مُؤمِنينَ كثيرينَ يَعيشونَ على البَسكويتِ والجُبن. لا تَحرِم نَفسكَ مِنَ الفَرَحِ الَّذي وَهَبَكَ اللهُ إيَّاه. دَعونا نُصَلِّي معًا:

نَشكُرُكَ يا أبانا على هذه الكلمة الَّتي كَلَّمتنا بها في هذا المساء. نَشكُرُكَ على الشَّهادةِ الغَنيَّةِ لبُطرسَ الَّذي مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يُمكنُ أن يُتَّهَمَ بأنَّهُ مُؤمِنٌ يَعيشُ على البَسكويتِ والجُبنِ هو شخصيًّا، وبأنَّهُ غيرُ قادرٍ على التَّمتُّعُ بالبَرَكاتِ الَّتي هي مِن نَصيبِهِ بسببِ إيمانِهِ الضَّعيف.

ونَشكُرُكَ على الشَّهادةِ النَّابعةِ مِن قَلبِهِ شخصيًّا عن كيفَ أنَّ إيمانَهُ قد تَقَوَّى بالقيامةِ وحُلولِ الرُّوح. يا رَبُّ، ساعِدنا نحنُ الَّذينَ نَشعُرُ بالضَّعفِ الشَّديد، ونحنُ الَّذينَ نَشعُرُ بالصِّغَرِ الرُّوحيِّ الشَّديد، ونحنُ الَّذينَ نَميلُ جدًّا إلى عدمِ الاستفادةِ مِنَ الفَرحِ الَّذي وَهبتَهُ لنا.

ساعِدنا على أن نَعيشَ في ضَوْءِ مِيراثِنا المَحفوظِ وإيمانِنا المُزَكَّى. وساعِدنا على أن نَبتَهِجَ بالحياةِ الآخِرَةِ لأنَّها مَنفَذٌ مِنَ التَّجاربِ إلى المجدِ الأبديِّ. وساعِدنا على أن نَفرحَ في وسطِ التَّجاربِ لأنَّها تُزَكِّي إيمانَنا حَتَّى نَذهبَ بفرحٍ عالِمينَ ومُتيقِّنينَ أنَّ إيمانَنا ثابتٌ.

ويا لَيتَنا نَختبرُ الفرحَ بكُلِّ مِلئِهِ حَتَّى نَكونَ شَهادةً على نِعمةِ المسيحِ الَّذي حَصلنا على فَرَحِهِ لأنَّهُ قالَ: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ". شُكرًا لكَ أيُّها الآبُ على فَرَحِ الرَّبِّ الَّذي هو حَقًّا قُوَّتُنا. نُصَلِّي هذا باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize