لِنَنظُر إلى رسالة بُطرس الأولى 1: 3-5. واسمَحوا لي أن أقرأَ هذه الآياتِ على مَسامِعِكُم: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير".
نحنُ هُنا أمامَ كلماتٍ عظيمةٍ ورائعةٍ كَتَبَها الرَّسولُ بُطرس عن الخلاصِ العَجيب. والكلمةُ الرَّئيسيَّةُ في هذا المَقطعِ الكِتابيِّ وَردت في العددِ الرَّابع وهي الكلمة "مِيراث". ويُوصَفُ المِيراثُ في العددِ الخامسِ بأنَّهُ: "خَلاَصٌ مُسْتَعَدٌّ أَنْ يُعْلَنَ". لِذا فإنَّ هذا المَقطعَ يَدعونا إلى أن نَحْمَدَ اللهَ على خلاصِنا الأبديّ. وهذا الحَمْدُ هو شيءٌ في صَميمِ العبادة: بارِكوا اللهَ واحمَدوهُ على مِيراثِنا الأبديّ. وهذا هو في الحقيقة السَّببُ الَّذي يَجعلُنا نَجتمعُ معًا. وهذا هو ما يَجعلُنا نأتي إلى هُنا في يومِ الرَّبّ. وهذا هو ما يَجعلُنا نَعبُدُ اللهَ. فنحنُ نَحمَدُ اللهَ ونَشكُرُهُ على خلاصِنا الأبديّ.
وكانَ مِنَ المُهمِّ أن يَبتدئَ بُطرسُ بهذه الطَّريقةِ في كِتابةِ هذه الرِّسالةِ لأنَّهُ يَكتُبُ إلى مؤمنينَ مُشَتَّتينَ ومُضطَهَدينَ بعدَ أنِ اتُّهِموا زُورًا بإحراقِ رُوما. فهناكَ رَفضٌ كبيرٌ جدًّا للمسيحيَّة، وعَداوة هائلة تُجاهَ المؤمنينَ الأفراد. فقد اتُّهِموا زُورًا بإضرامٍ حَريقٍ هائلٍ في مدينةِ رُوما. وكانَ ذلكَ الوقتُ عَصيبًا جدًّا بالنِّسبةِ إليهم. وبالرَّغمِ مِن ذلك، في وسطِ ذلك، يَقولُ لهم بُطرسُ: يجب عليكم أن تُبعِدوا أنظارَكُم عنِ المُشكلةِ وأن تُثَبِّتوها على الله. تَوقَّفوا عنِ النَّظرِ إلى ما يَدورُ مِن حولِكُم، وابتدِئوا في النَّظرِ إلى الشَّخصِ المَسؤولِ فَوقَكُم؛ أي إلى الله.
لِذا، فيما يَكتُبُ إلى هؤلاءِ المؤمنينَ المُضطَهدينَ الَّذينَ يَتَلَقَّونَ مُعاملةً سَيِّئةً ومُريعةً، فإنَّهُ يَدعوهُم إلى تَسبيحِ اللهِ، ويَدعوهُم إلى تَقديمِ الحَمدِ لله. فعِوَضًا عن أن يَبتدئَ بالقول: "أَوَدُّ أن أُعَبِّرَ عن تَعاطُفي مَعَكُم وأن أقولَ لكم إنِّي أَتفهَّمُ بَلِيَّتَكُم"، أو عِوَضًا عن أن يَكونَ لِسانُ حَالِهِ هُوَ: "وَيْلٌ لي"، فإنَّهُ يَبتدئُ حالاً بدعوةِ المؤمنينَ إلى تَسبيحِ الله. ويا لهُ مِن أمرٌ مُهمٍّ جدًّا! ففي وَسْطِ البَلايا، وفي وسطِ التَّجاربِ، وفي وسطِ الضِّيقِ، والمَتاعبِ، والاضطهادِ، والعَداوةِ، وخيبةِ الأملِ، والقلقِ، يجب علينا أن نَتعلَّمَ أن نُسَبِّحَ اللهَ وأن نَحمَدَهُ.
فإن كانتِ الأمورُ على الأرضِ سَيِّئةً جدًّا، يجب علينا أن نَثِقَ بأنَّها في السَّماءِ رائعة جدًّا. لِذا، مع أنَّكُم لا تَتمتَّعونَ بالصَّداقةِ معَ العالَم، فإنَّكُم أولادُ الله. ومعَ أنَّ العالَمَ يَرفُضُكم فإنَّ اللهَ لن يَفعلَ ذلك. ومعَ أنَّكم قد تَخسرونَ مِيراثَكُم الأرضيَّ فإنَّ مِيراثَكُم الأبديَّ مَضمونٌ تمامًا. لِذا، ثَبِّتوا أنظارَكُم على الشَّيءِ الَّذي ينبغي أن تُرَكِّزوا أنظارَكُم عليه. هذه هي رِسالتُه. فالفكرةُ بأسرِها مِن نَشيدِ التَّسبيحِ هذا هي إبعادُ أنظارِهم عن ضِيقِ الزَّمانِ الحاضرِ وتَثبيتُها على تَسبيحِ عَظَمةِ إلهِهم.
وما يُرَكِّزُ أنظارهم عليه هو خلاصُهم الأبديُّ الَّذي يَدعوهُ "مِيراثَهُم". فهو ذلكَ الخَلاصُ [كما يَقولُ في العددِ الخامسِ] المُستَعَدُّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير. بعبارة أخرى: مِلْءُ الخلاصِ النِّهائيِّ للجسدِ والنَّفسِ في حَضرةِ يسوعَ المسيح. وهذا يَعني أنَّ الخلاصَ الَّذي يَتمتَّعونَ بهِ ونَتمتَّعُ بهِ الآنَ هُو مُجرَّدُ عَيِّنة. فهو يقول: ثَبِّتوا أنظارَكُم على المجدِ الأبديِّ الَّذي يَنتظرُنا عندما نَرى يسوع. فهذا هو سَبَبُ حَمْدِه. وهذا هو ما يَدفعُهُ إلى القَول: "مُبَارَكٌ اللهُ الآبُ". فهذه دَعوة إلى التَّسبيح، ودَعوة إلى العِبادة، ودعوة إلى حَمْدِ اللهِ الَّذي وَهَبَنا خَلاصًا.
والآن يا أحبَّائي، في كنيسةِ يسوعَ المسيح، يجب أن يكونَ هذا الموقفُ هو نَمَطُ حَياتِنا الدَّائم. ولا بُدَّ أن أَعترفَ لكم بأنَّهُ في أثناءِ تَأمُّلي في هذا الأمرِ في قلبي بِروحِ الصَّلاةِ في هذا الصَّباحِ في الخدمةِ الأولى، شَعرتُ بالتَّبكيتِ عندما نَظرتُ إلى قَلبي وقلوبِ شعبِ اللهِ وأدركتُ حَجْمَ عدمِ مُبالاتِنا بهذهِ الحقيقةِ المُختصَّةِ بالخلاصِ وكيفَ أنَّهُ قد يَصيرُ أمرًا مُمِلاًّ. فهل تُدركونَ أنَّكم ستَصرِفونَ كُلَّ الأبديَّةِ إلى دَهْرِ الدُّهورِ وإلى ما لا نِهاية، وأنَّ شُغلَكم الشَّاغِلَ في كُلِّ تلك الأبديَّةِ سيكونُ مُنصبًّا على تَسبيحِ اللهِ على خلاصِكُم الأبديّ؟ فسوفَ تَفعلونَ ذلكَ. والملائكةُ ستَفعلُ ذلكَ تَعبيرًا عمَّا فَعلهُ اللهُ لأجلكم. فكُلُّ المَفديِّينَ على مَرِ جَميعِ العُصورِ سيَستمرُّونَ إلى أبدِ الآبدينَ ودَهْرِ الدُّهورِ في التَّعبيرِ عن بَهجتِهم وفَرَحِهم وسُرورِهم، وفي تَسبيحِ اللهِ الحيِّ على أمجادِ الخلاصِ وعَجائبِهِ حتَّى إنَّكم ستَنهمكونَ في القيامِ بذلكَ إلى أبدِ الآبدينَ ودهرِ الدُّهور. ولن تَشعروا بالتَّعبِ مِن ذلك، ولن يَتضاءَل فَرَحُكم. أمَّا هُنا على الأرض، عندما نُفَكِّرُ في ذلك فإنَّنا نَشعُرُ بالمَلَل لأنَّنا مُعتادونَ جدًّا عليه.
ويا لهُ مِن أمرٍ مُؤسِفٍ يَكشِفُ لنا بَشاعَةَ سُقوطِنا. أليسَ كذلك؟ ويا لَهُ مِن أمرٍ مُؤسِفٍ يَكشِف لنا عن خَطيَّتِنا إذْ إنَّنا بحاجة إلى مَن يَحُضُّنا على تَمجيدِ اللهِ على خلاصِنا، وبحاجة إلى مَن يَحُضُّنا على مُباركةِ اللهِ على مِيراثِنا الأبديّ. فهذا يُرينا بَشاعةَ حالتِنا السَّاقطةِ لأنَّ حَمْدَ اللهِ ليسَ الشُّغلَ الشَّاغِلَ لقُلوبِنا طَوالَ الوقت.
وكيفَ وَصَلنا إلى نُقطةٍ صِرنا نَنظُرُ فيها إلى خَلاصِنا كما لو كانَ أمرًا مُسَلَّمًا بِهِ؟ وكيفَ وَصَلنا إلى نُقطةٍ لم نَعُد فيها مُنْهَمِكينَ دائمًا وبصورةٍ مُستمرَّةٍ في تَسبيحِ اللهِ على فِدائِنا كما فَعلنا يَومًا في السَّاعاتِ الأولى مِنَ اهتدائِنا؟ وكيفَ صِرنا عَديمَ المُبالاةِ تُجاهَ شيءٍ سنَفعلُهُ إلى أبدِ الآبدينَ دُونَ أن نَمَلَّ منَ القيامِ بهِ في حالتِنا الكاملة؟ والجوابُ هو: لأنَّنا ما زِلنا في حالتِنا غير المُكتملة، ولأنَّ حالتَنا السَّاقطةَ تَجعلُنا نَتعاملُ مع هذه الحقيقةِ الرَّائعةِ بعدمِ اكتراثٍ أو مُبالاة. لِذا، رُبَّما يَدعونا بُطرسُ في هذا الصَّباحِ، في ساعةِ العبادةِ هذهِ، إلى تَذَوُّقِ طَعْمِ هذا الشَّيءِ الَّذي سنَصرِفُ الأبديَّةَ في القيامِ بهِ؛ أي في مُباركةِ اللهِ على خَلاصِهِ الأبديِّ الَّذي وَهَبَهُ لَنا [بصِفَتِنا أولادِهًا لَهُ] مِيراثًا.
والآن في أثناءِ تَفكيرِنا في عبادةِ اللهِ على مِيراثِنا الأبديِّ، يُقدِّمُ لنا بُطرسُ في نَشيدِ الحَمدِ هذا عَناصِرَ ذلكَ الميراثِ الَّتي تَحْفِزُنا على التَّسبيح: أولاً، مَصدر مِيراثِنا، والدَّافِع إلى مِيراثِنا، ووسيلة الحُصولِ على مِيراثِنا، وطبيعة مِيراثِنا، وضَمان مِيراثِنا. فَكُلُّ عُنصرٍ مِن هذه العناصرِ، وكُلُّها مُجتمعةً، ينبغي أن تَقودَ قُلوبَنا إلى التَّسبيح.
أوَّلاً، لنُلاحِظ مَصدرَ خلاصِنا: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فحقيقةُ أنَّنا نُباركُ اللهَ الَّذي هو أبو رَبِّنا يسوعَ المسيحِ، وحقيقةُ أنَّنا نَحْمَدُهُ ونُسَبِّحُهُ تُطلِعُنا على أنَّهُ هو المَصدَر. فهو أبو رَبِّنا يسوعَ المسيح، واللهُ الواحدُ الحقيقيُّ، واللهُ القَديرُ، وإلَهُ العهدِ القديمِ، واللهُ الحقيقيُّ الحيُّ، واللهُ الوحيدُ، واللهُ الَّذي قالَ: "أنا هُوَ"، واللهُ الَّذي قالَ: "لا إلهَ غيري"، واللهُ الواحدُ الحقيقيُّ الَّذي جاءَ إلى العالَمِ في هَيئةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ، والَّذي هو واحدٌ معَ ابنِهِ. فهذا هو الإلهُ الحَقيقيُّ الَّذي هو مَصدرُ مِيراثِنا.
وتَكْمُنُ رَوعةُ ذلكَ الاسمِ (الربّ يَسوعَ المسيح) في أنَّهُ يُلخِّصُ كُلَّ الحقِّ المُختصِّ بالفِداء؛ أيِ الفِداءِ بِكُلِّ مِلئِه. فاللهُ الَّذي هو مَصدرُ خَلاصِنا لَهُ نَفسُ جَوهرِ الربِّ المُهيمِنِ يَسوعَ الإنسانِ المُتجسِّدِ، والمَسيحِ (المَلِكِ المَمسوحِ) الَّذي جاءَ لكي يَفدينا.
لِذا فإنَّ مَصدرَ مِيراثِنا هو اللهُ الحقيقيُّ، اللهُ المُعلَنُ في ابنِهِ الربِّ يسوعَ المسيح. فهو المَصدَر. وهذا يعني أنَّ الخلاصَ الَّذي حَصلنا عليهِ إنَّما حَصلنا عليهِ مِنه. ألا لاحَظتُم مِن فَضلِكُم في العددِ الأوَّلِ أنَّ بُطرسَ يَقولُ لهؤلاءِ الَّذينَ يَعيشونَ في بِلادٍ مُختلفةٍ كغُرباء إنَّهم "مُختارونَ..." [في العددِ الثَّاني] "...بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِق"؟ فبُطرسُ يُذَكِّرُ قُرَّاءَهُ ويُذكِّرُنا بأنَّنا ما نحنُ عليهِ في المسيحِ لأنَّ اللهَ الَّذي هو مَصدَرُ خَلاصِنا قدِ اختارَنا.
وقد قَدَّمنا سِلسلةً رائعةً في أُمسياتِ أيَّامِ الأحدِ عن اختيارِ اللهِ لَنا. فهو مَصدرُ خلاصِنا. فاللهُ عَمِلَ مِن خلالِ نِعمَتِهِ وصَلاحِهِ ومَحبَّتِهِ وسِيادَتِهِ على اختيارِكُم واختياري للحُصولِ على الخلاصِ الأبديّ. لِذا، ألا يَجدُرُ بي أن أُقدِّمَ لَهُ حَياةً مُفعمةً بالتَّسبيحِ صَدىً لذلك؟
وماذا كانَ الدَّافِع؟ لماذا فَعلَ اللهُ ذلك؟ الشَّيءُ الثَّاني الَّذي أريدُ منكم أن تَرَوْه هو ذلك الدَّافِع. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً" ...إلخ... "لِمِيرَاثٍ..." وَ "...لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". فقد كانتِ الرَّحمةُ هي الَّتي فَعلت ذلك. فقد نَبَعَ ذلكَ مِن قلبِ اللهِ لأنَّ هُناكَ صِفة مِن صِفاتِ اللهَ تُسَمَّى "رَحْمَة".
والآيةُ تِيطُس 3: 5 تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ تَقريبًا إذْ نَقرأُ أنَّهُ "بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ" فَدانا، وغَسَلَنا، وجَدَّدَنا. ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني الشَّيءَ نَفسَهُ. فاللهُ، الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، جاءَ بالرَّغمِ مِن أنَّنا كُنَّا أمواتًا بالذُّنوبِ والخَطايا لكي يُخَلِّصَنا. ويُمكنُنا أن نَكونَ شَاكِرينَ لأنَّ اللهَ الأبديَّ رَحيمٌ.
وما الرَّحمة؟ الرَّحمةُ هي كلمة تُشيرُ إلى حالةِ الإنسان – إلى حالةِ الإنسانِ البائسِ المُثيرِ للشَّفقة. فهي تُشيرُ إلى حالةِ الإنسان. لِذا فإنَّنا نَقرأُ على سبيلِ المِثالِ في الأصحاحِ العاشرِ مِن إنجيل مَرقُس أنَّ شخصًا جاءَ إلى يسوعَ وقالَ ببؤسٍ بسببِ حالَتِهِ الجسديَّةِ المُزرية: "يا رَبُّ..." ماذا؟ "ارحَمني" لأنَّ الرَّحمةَ كانت تَعكِسُ حالةً مُزريةً وبائسةً ومُثيرةً للشَّفقة.
وهذه هي تمامًا حالةُ الخُطاة. فنحنُ بحاجة إلى الرَّحمة. ونحنُ بحاجة إلى شخصٍ يُظهِرُ رَحمةً تُجاهَ حالتِنا المُثيرةِ للشَّفقة، واليائسة، والبائسة، والمُريعة بوصفِنا خُطاةً. والإنجيلُ كُلُّهُ يَتحدَّثُ عنِ الرَّحمة. فهو يَتحدَّثُ عن تُعاطُفِ اللهِ معَ النَّاسِ بسببِ حالتِهم المُزرية. وما هي تلكَ الحالةُ المُزرية؟ أنَّهُم أمواتٌ بالذُّنوبِ والخطايا، وأنَّهُم تحتَ اللَّعنة، وأنَّهُم ساقِطون، وأنَّهُم مَحرومونَ مِن حياةِ اللهِ في النَّفس، وأنَّهُم عُراةٌ مِن أيِّ صَلاح. فهي تلك الحالة المُزرية للخاطئِ الَّذي هو في طَريقِهِ إلى جَهنَّم، والَّذي لا يَستطيعُ أن يَفعلَ أيَّ صَلاحٍ البتَّة، ولا يَستطيعُ أن يُغيِّرَ مَسارَ حَياتِهِ بنفسه. وهي بَرَصٌ أخطر بكثير مِن أيِّ مَرَضٍ جَسديٍّ أو بَرَصٍ جَسديّ.
فنحنُ هُنا في حالة مُزرية لأنَّنا ضَالُّونَ بسببِ الخطيَّة، ومَحكومٌ علينا بالذَّهابِ إلى جَهنَّم، وأسرى للخطيَّة، وعَبيدٌ للخطيَّة. فأذهانُنا فاسدة، وقُلوبُنا فاسدة وخادِعة، ورَغباتُنا شِرِّيرة وأثيمة. وفي حالتِنا البائسةِ تلكَ، نحنُ بحاجة إلى الرَّحمة؛ أي إلى أن يُعامِلَنا اللهُ بِلُطفٍ، وتَعاطُفٍ، وصَبر.
ويُمكنكم أن تَفهموا الرَّحمةَ بأنَّها نَقيض النِّعمة. فالرَّحمةُ تَنظُرُ بعينِ العَطفِ إلى بُؤسِ الإنسانِ وحالتِه المُزرية. أمَّا النِّعمةُ فتَنظُرُ بعينِ العَطفِ إلى ذَنْبِ الإنسانِ الَّذي أدَّى إلى جَعلِهِ في تلك الحالة. عندما يُسبِغُ اللهُ رَحمَتَهُ علينا فإنَّهُ يَفعلُ ذلكَ لكي يُغيِّرَ حالتَنا. وعندما يُسبِغُ اللهُ نِعمَتَهُ علينا فإنَّهُ يَفعلُ ذلكَ لكي يُغيِّرَ مَقامَنا. فواحدةٌ تَنقِلُنا مِن الذَّنبِ إلى البَراءة، والأخرى تَنقِلُنا مِنَ البُؤسِ إلى المَجد.
وهذا هو ما يَجري في كَواليسِ خَلاصِنا. فقد نَظَرَ اللهُ إليكَ وتَحَنَّنَ عليكَ. أليسَ هذا الأمرُ رائعًا؟ فلم يَكُن يوجدُ فيكَ شيءٌ صَالحٌ في ذاتِه. ولكنَّ اللهَ تَحنَّنَ وحَسْب. فاللهُ رَحيم. وقلبُ اللهِ يَحزَنُ على بُؤسِ البَشر. لِذا عندما جاءَ يَسوعُ إلى العالَم، شَفى النَّاسَ المَرضى تَعبيرًا عن شَفَقَةِ الله. فقد كانَ بمقدورِ يَسوعَ أن يُبَرهِنَ على لاهوتِهِ بطَرائقَ أخرى كثيرة جدًّا. وكانت هناكَ مُعجزاتٌ كثيرة جدًّا يُمكنهُ أن يَصنَعَها؛ ولكنَّ تلكَ الطَّريقة أَظهرَت تحَنُّنَ قلبِ الله. فاللهُ رَحيم.
فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الخروج 34: 6: "الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ". فكأنَّ الرَّحمةَ هي اسمُهُ. والمَزمور 108: 4 يَقولُ إنَّ رَحمةَ اللهِ "قَدْ عَظُمَتْ فَوْقَ السَّمَاوَات". بعبارة أخرى، إنَّها واسعةٌ جدًّا. فهُناكَ رَحمة تَكفي لكُلِّ الظُّروف. وهُناكَ كلماتٌ وَرَدت في سِفْر مِيخا 7: 18 أُحبُّها جدًّا إذْ إنَّهُ يَقولُ إنَّ اللهَ: "يُسَرُّ بِالرَّأفَة". ونَقرأُ في مَراثي إرْميا 3: 22: "إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ". فحقيقةُ أنَّنا ما زِلنا أحياءَ هي رَحمة مِنهُ لحالتِنا المُزرية. ثُمَّ نَقرأُ إنَّهُ بالنِّسبة إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَعرفونَهُ ويُحبُّونَهُ فإنَّ مَراحِمَهُ "جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاح".
وقد قالَ "توماس واطسون" (Thomas Watson): "رَحمةُ اللهِ هي الَّتي تُحَلِّي كُلَّ الصِّفاتِ الأخرى". وقد كَتَبَ: "قَداسةُ اللهِ مِن دونِ رَحمتِه، وعدالَتُهُ مِن دونِ رَحمتِه هُما أمرانِ مُرعِبان. فعندما كانَ الماءُ مُرًّا ولم يَتمكَّن بنو إسرائيلَ مِن شُربِهِ، طَرَحَ مُوسَى الشَّجرةَ في الماءِ فصارَ الماءُ عَذبًا. ويا لِمَرارةِ وَهَولِ صِفاتِ اللهِ الأخرى لولا أنَّ الرَّحمةَ تَجعلُها حُلوة".
واللهُ يُسبِغُ رَحمَتَهُ على مَن يَشاء. فقد قالَ في رسالة رُومية 9: "إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ". وبِسببِ عَطفِهِ، اختارَ أن يَرحَمَكَ ويَرحمَني، وأن يُعطينا خَلاصًا أبديًّا. فهو المَصدرُ. وقد فَعلَ ذلكَ بسببِ رَحمتِه، لا بسببِ أيِّ شيءٍ فَعلناهُ أو نَستحقُّه. لِذا، هل نَتعجَّبُ لأنَّ بولسَ، في رِسالتِه الثانية إلى أهلِ كورِنثوس 1: 3، يَقولُ عنِ اللهِ إنَّهُ "أبو الرَّأفة"؟
وهذه الرَّحمةُ المُخلِّصةُ العظيمةُ الَّتي يُسبِغُها اللهُ هي مَجَّانيَّة. وهي وَفيرة. وهي أبديَّة. فرحمةُ الرَّبِّ هي مِنَ الأزل إلى الأبد. ورَحمتُهُ هي الَّتي جَعَلَتْهُ يُعطيكَ مِيراثًا. فهل تَشكُرُهُ على ذلك؟ هل تَشكُرُهُ على ذلكَ بأن تَعيشَ حَياةً تُمَجِّدُ اسمَهُ المُبارَك العَزيز؟
وعَظَمَةُ تلك الرَّحمةِ تُرَى مِن خلالِ التَّبايُنِ بينَ ما كُنَّا عليهِ وما آلَتْ إليهِ حَالُنا في المسيح. فمَصدرُ مِيراثِنا الأبديِّ هو اللهُ. والدَّافِعُ هو الرَّحمة. وما هي الوَسيلة؟ هذه هي النُّقطةُ الثَّالثة. كيف نَحصُلُ عليها؟ قد تقول: "اللهُ هو المَصدر. والرَّحمةُ هي الدَّافع. ولكن كيفَ نَحصُل عليها؟ كيفَ نَأخُذُها؟ وكيفَ نَجعلُها مِن نَصيبِنا؟ كيفَ تَلْمَسُنا تلك الرَّحمة؟"
نَقرأُ أنَّهُ "حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ [في العددِ الثَّالثِ] وَلَدَنَا ثَانِيَةً". ولا بُدَّ أن تكونَ لدى الرَّحمة وَسيلة للقيامِ بما تَتوقُ إلى القيامِ به. فقد كانَ لا بُدَّ مِن وُجودِ وَسيلة لدى الرَّحمة لِطَردِ بُؤسِ الخطيَّة. وكانَ لا بُدَّ مِن وُجودِ وسيلةٍ لدى الرَّحمة للتَّخلُّصِ مِنَ الشَّقاء. والوسيلةُ الَّتي اختارَتها الرَّحمةُ هي الولادةُ الثَّانية.
لِذا، بسببِ رَحمةِ اللهِ الكثيرة، وَلَدَنا ثانيةً. فلكي يُغيِّرَ حالَتَنا، كانَ لا بُدَّ أن يَجعلَنا نُولدُ وِلادةً جديدةً لأنَّنا وُلِدنا في الخطيَّة. فقد وُلِدنا أمواتًا في الخطيَّة. وقد وُلِدنا أمواتًا بالذُّنوبِ والخطايا. ولم تَكُن هناكَ حياةٌ فينا. وقد كُنَّا مُتَجَنِّبينَ عن حياةِ الله. ولم يَكُن يُمكِنُ إصلاحُ تلكَ الحالةِ البائسةِ وَحَسْب، بل كانَ ينبغي أن نُولَدَ ثانيةً – أي أن نُولدَ وِلادةً جديدةً تمامًا. لِذا فقد وَلَدَنا ثانيةً.
وقد قالَ النبيُّ إرْميا: "هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ!" لِذا، لا بُدَّ مِن حُدوثِ تَغييرٍ في طَبيعتِكَ. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّكُم إذا كُنتم في المسيح فإنَّكم خَليقة جَديدة. فأنتُم تَصيرونَ وَرَثةً للهِ مِن خلالِ الولادةِ؛ أيِ الولادةِ الجديدةِ أوِ الولادةِ الروحيَّة.
وقد كُنتَ وَارِثًا [بالمُناسبة] حتَّى قبلَ أن تَصيرَ مُؤمِنًا. فقد كُنتَ وَارِثًا للغَضب (كما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 3). وَارِثًا للعذابِ الأبديّ. فهذا مِيراثٌ. وَهُوَ مِيراثٌ أبديٌّ. وَهُوَ أيضًا مِيراثٌ أبديٌّ لا مَفَرَّ مِنه. ولكنَّهُ ليسَ مِيراثًا مَرغوبًا فيه.
وعندما جِئتَ إلى المَسيحِ، وآمنتَ بِهِ، حَدَثَ تَغييرٌ كامِل. فقد حَدَثَت ولادة جديدة، ولادة جديدة خارقة للطَّبيعة. وقد صارت هُناكَ حياةٌ جديدة عِوَضًا عنِ الحياةِ القديمة. وصارت هُناكَ طَبيعة جديدة، ومُحبَّة جديدة، وشَوقٌ جَديد، ورَغبة جديدة. فاللهُ يُعيدُ الخَلْقَ، ويُجَدِّد، ويُعطي ولادةً ثانيةً. وهذا حَقٌّ عظيم!
وفي العدد 23 مِن نَفسِ الأصحاح، يَكتُبُ بُطرس: "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى". فهي ليست مِثلَ الولادةِ البَشريَّة. فهي ليست مِثلَ الولادةِ البشريَّةِ الَّتي تَنطوي على المَوت. "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَد". والعدد 25 يَقول: "وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا". فبنعمةِ اللهِ بُشِّرتُم بالكلمة، وسَمِعتُم الكلمة، وقامَ اللهُ بتفعيلِ الإيمانِ في حياتِكُم فآمنتُم، ووُلِدتُم ثانيةً مِن زَرعٍ لا يَفنَى ولن يَموت. هذه هي الولادةُ الثَّانية. فقد حَصلتُم على حياةٍ جديدة.
ونَجِدُ كَلامًا واضحًا جدًّا عن ذلك في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّالث. أَلاَ فَتحتُم عليهِ قليلاً؟ فعندما التقى يسوعُ نيقوديموس، وهو واحدٌ مِن قادةِ اليهود، وفَرِّيسيٌّ، وعُضوٌ رَفيعُ المُستوى في مَجْمَعِ اليهود، وحَبْرٌ لَهُ احترامُهُ، ومُعَلِّمٌ بارِزٌ، ونَاموسيٌّ فِرِّيسيٌّ يُمارِسُ بِلا شَكٍّ دِيانةً خارجيَّةً ويَعيشُ وَفقًا لتَقليدٍ خَارجيّ، كانَ قد تَوَغَّلَ كَثيرًا جدًّا في النِّظامِ اليَهوديِّ. وكانَ قد تَوَغَّلَ جدًّا في التَّقاليدِ الدِّينيَّة. وكانَ رَجُلاً مُتديِّنًا جدًّا، ومُعلِّمًا بارزًا جدًّا لتلكَ الدِّيانة، وناضجًا، وقادرًا على تَوضيحِ حَقائقِها وتَقاليدِها للآخرين.
وقد جاءَ إلى يَسوعَ فقالَ لهُ يَسوعُ في العددِ الثَّالث: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ". هل تَعلمونَ ماذا قالَ لنيقوديموس؟ "يا نيقوديموس، بالرَّغمِ مِن مَكانَتِكَ، وبالرَّغمِ مِن سِنِّكَ، وبالرَّغمِ مِن كُلِّ مَعرِفَتِكَ، يجب عليكَ أن تَبتدئَ مِن جَديد". وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ نيقوديموس كانَ يُفَكِّرُ في عَقلِهِ قائلاً: "أنا أعرفُ الكثيرَ جدًّا، وقد اختبرتُ أمورًا كثيرةً جدًّا، وأنا مُتعمِّقٌ جدًّا في الدِّين، وفَهْمي عَميقٌ جدًّا، ولكن يوجد شيءٌ مَفقود! أتساءلُ ما الَّذي سيَقولُ لي أن أُضيفَهُ إلى حياتي!" وقد قالَ لهُ يَسوعُ في الحقيقة: "لا تُضِف أيَّ شيء، بل تَخَلَّص من كُلِّ شيءٍ وابدأ مِن جديد!" وهذا مُدهشٌ جدًّا! تَخلَّص مِن كُلِّ شيء. اطرَح كُلَّ شيء.
والحقيقةُ هي أنَّ يسوعَ قالَ إنَّ الزُّناةَ الَّذينَ كانوا عَديمي التَّديُّنِ والأخلاقِ كانوا أقربَ إلى مَلكوتِ اللهِ مِنَ الفَريسيِّين. وهذا مُذهِل! فالزُّناةُ لم تَكُن لديهم دِيانة ينبغي أن يَتخلَّصوا مِنها. أمَّا نيقوديموس فكانَ مُتديِّنًا. فقد كانَ يَنتمي إلى مَجموعةٍ تُؤمِنُ بأنَّكَ تَخلُصُ بالأعمال. وهذه لَعنة. وقد قالَ يسوعُ لهُ في الحقيقة: ابدأ مِن جديد. ينبغي أن تُولَدَ ثانيةً". وهذا هو ما يُريدُ اللهُ أن يَفعلَهُ في حياةِ الخاطئِ عندما يُسبِغُ رَحمَتَهُ على ذلك الخاطِئ. وهذا هو مَعنى الخَلاص. فهو وِلادة جديدة. وأنتَ تَحصُل على طَبيعة جديدة، وقلبٍ جديد، ورُوحٍ جَديد، ومحبَّة جديدة، وقُدرة جديدة تُؤدِّي إلى سُلوكِ جَديدٍ وطاعةٍ جديدة. هذا هو ما تَعنيه.
ولكِن كيف؟ كيفَ سَمِعَ نيقوديموس أنَّهُ ينبغي لهُ أن يَحصُلَ على ذلك؟ كيفَ تَحدُثُ تلك الولادة الجديدة؟ مِن الواضحِ أنَّ القِصَّةَ المذكورةَ في الإنجيلِ لا تَذكُرُ كُلَّ التَّفاصيلِ الَّتي أُعطيت لنيقوديموس، ولكنَّها تَذكُرُ ما يَكفي. انظروا إلى العدد 14. فيسوعُ يَرجِعُ إلى ما جاءَ في سِفْرِ العَدد والأصحاح 21، ويَستخدِمُ مَثلاً إيضاحيًّا يَعرِفُهُ نيقوديموس جيِّدًا جدًّا:
"وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ".
فقد قال: "يا نيقوديموس! سأُخبركَ كيفَ تَقبل هذه الولادةَ الجديدة. انظر إلى ابنِ اللهِ الَّذي رُفِعَ، وآمِن به. فمِن خلالِ الإيمانِ بهِ تَحدثُ الولادةُ الجديدة". وقد استَخدمَ مِثالاً إيضاحيًّا يَفهمُهُ نيقوديموس. فقد حَدَثَ ذلكَ في البَرِّيَّةِ في سِفْر العدد والأصحاح 21. هل تَذكرونَ أنَّهُ بسببِ تَمرُّدِ بني إسرائيلَ، وبسببِ آثامِهم، وبسببِ عدمِ أمانَتِهم فإنَّ اللهَ أرسلَ حَيَّاتٍ لِتَلدَغهم – حَيَّاتٍ سَامَّة؟ وقد كانتِ الحيَّاتُ السَّامَّةُ تَلدَغُهم.
وهل تَذكرونَ أنَّهُم ابتدأوا في سِفْرِ العَدد 21: 7 يَصرخونَ قائِلينَ: "قَدْ أَخْطَأنَا... قَدْ أَخْطَأنَا... قَدْ أَخْطَأنَا". فقد تَذَلَّلوا جدًّا وأَقَرُّوا بأنَّ ما حدثَ كانَ دَينونةً مِنَ اللهِ. وهي دينونة مُبَرَّرة بسببِ خَطيَّتهم. ثُمَّ إنَّ اللهَ قالَ لِمُوسَى: "اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا". فَمِن خلالِ النَّظرِ إلى تلكَ الحيَّة كانوا يُقِرُّونَ بخطيئتِهم، ويُقِرُّونَ ببؤسِ حالتِهم، ويُقِرُّونَ بأنَّ اللهَ وَفَّرَ الوسيلةَ لتخليصِهم مِنَ الحيَّات. وعندما تَركوا الخطيَّةَ واعترفوا بذلك، رَفَعَ اللهُ وَسيلةَ خَلاص.
ويسوعُ يَقولُ لنيقوديموس: "إن أردتُم الولادةَ الجديدةً، اترُكوا خَطاياكُم، وقولوا في قُلوبِكُم: ’لقد أخطأنا، لقد أخطأنا، لقد أخطأنا‘. وانظروا إلى الوسيلةِ الَّتي رَفَعها اللهُ لتخليصِكُم". وفي هذه المَرَّة، لم تَكُن تلكَ الوسيلةُ عَمودًا خَشبيًّا أو عَمودًا مِن أيِّ نَوعٍ، بل كانَ صَليبًا. ولم تَكُن حَيَّةً، بل كانَ ابنَ الله.
فقد كانَ الأمرُ يَتطلَّبُ تَركَ الخطيَّةِ ورؤيةَ المُخلِّص. ولم يَكُنِ الخلاصُ خَلاصًا جَسديًّا مِنَ الحيَّاتِ، بل خَلاصًا رُوحيًّا مِنَ الحيَّةِ: الشَّيطان – الحيَّة. فقد كانَ ينبغي لنيقوديموس أن يُقِرَّ بأنَّ الدِّيانةَ الَّتي كانَ يَدينُ بها في حياتِهِ لم تَكُن سِوى عَضَّة حَيَّةٍ ينبغي أن يُشفَى مِنها.
وكيفَ يَختبرُ الإنسانُ الولادةَ الجديدة؟ بأن يَنظُرَ إلى ابنِ اللهِ المَرفوع على الصَّليب ويُؤمِنَ به. لِذا فقد أصابَ يَسوعُ نيقوديموس في صَميمِ بِرِّهِ الذَّاتيِّ وقالَ لهُ في الحقيقةِ ما نَحنُ بحاجةٍ إلى سَماعِهِ وهو أنَّنا وُلِدنا ثانيةً مِن خلالِ الإيمانِ بالمسيح. فهذه هي الولادةُ الجديدة.
والآن، لِنرجِع إلى رسالة بُطرس الأولى. فبُطرسُ يَقولُ إنَّ الوسيلةَ الَّتي نَحصُلُ مِن خلالِها على رَحمَةِ اللهِ الَّذي يُعطينا المِيراثَ الأبديَّ هي الولادة الجديدة. والولادةُ الجديدةُ تَحدُثُ مِن خلالِ الإيمانِ بالمسيح. فهو يَقولُ ذلك. فقد "وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَات".
وكم كنتُ أرجو، يا أحبَّائي، لو أنَّنا نَملِكُ الوقتَ الكافي للتحدُّثِ عنِ الولادةِ الجديدةِ بتفصيلٍ أكبر. فالكتابُ المُقدَّسُ يَتحدَّثُ كثيرًا عنها. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 13 أنَّنا نُولَدُ مِن مَشيئةِ اللهِ، لا مِن مَشيئةِ إنسان. فالولادةُ الجديدةُ تَحْدُثُ بمشيئةِ اللهِ وقُدرتِه. وكما رأينا في الأصحاحِ الثالثِ مِن إنجيل يوحنَّا، فإنَّها عَملُ الرُّوحِ القُدُس. فنحنُ نُولَدُ مِنَ الرُّوح. وهي أيضًا عَملُ الكلمة، وَغَسْلُ تَجديدِ الكلمة. فهي تُغَيِّرُ الإنسانَ مِن خلالِ إعطائِهِ طَبيعةً جَديدة فتَجعلُهُ خَليقةً جديدةً تمامًا.
ويَعقوبُ يَقولُ إنَّنا نَصيرُ باكورةَ كُلِّ خَلائِقِ اللهِ – خَليقةً جَديدة. والولادةُ الجديدةُ شَيءٌ لا يُمكِنُ إبطالُه. فالولادةُ الجديدةُ هي انتصارٌ أبديٌّ ومَجيدٌ لا يَتغيَّر. وهي الشَّيءُ الَّذي يُريدُ اللهُ أن يَصنَعَهُ في حياةِ الإنسانِ الَّذي يُسبِغُ رَحمَتَهُ عليه.
وقد كَتَبَ "ستيفن تشارنوك" (Stephen Charnik) في كِتابِهِ الكَلاسيكيِّ بعُنوان: "وُجودُ اللهِ وصِفاتُه" (The Existence and Attributes of God): "التَّجديدُ هو تَغييرٌ شاملٌ لكُلِّ الإنسان. فهو هائلٌ في تَجديدِنا بِقَدرِ ما كانتِ الخطيَّةُ هائلةً في مَسْخِنا". التَّجديد. وما هي نَتائجُهُ؟ انظروا مَرَّةً أخرى إلى ذلك العدد الثَّالث.
نَتيجةُ ذلكَ هي أنَّهُ "وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ". لِرَجاءٍ حَيٍّ. وما الَّذي يَعنيهِ بذلك؟ أي أنَّهُ رَجاءٌ يَبقى حيًّا دائمًا، أو رَجاءٌ بحياةٍ أفضل. وقد تقول: "ولماذا يَقولُ ذلك؟" لأنَّهُ مُخالِفٌ لرجاءِ البَشَرِ الَّذي هو دائمًا رجاءٌ زائلٌ أو مَيِّت.
وأنتُم تُدركونَ أنَّ كُلَّ رَجاءٍ لدى البشرِ جميعًا (رِجالاً ونساءً) بغيرِ يسوعَ المسيحِ هو رَجاءٌ مَيِّت أو زائِل. فالعالَمُ لا يَعرِفُ سِوى الرَّجاء الزَّائل. وفي أفضلِ الأحوالِ فإنَّ كُلَّ رجاءٍ أو حُلْمٍ لدى البشرِ سيَموتُ بموتهم إن لم يَكُن قد ماتَ قبلَ ذلكَ بوقتٍ طويل. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا [ماذا؟] أَشْقَى جَمِيعِ النَّاس". فسوفَ نَكونُ أُناسًا أشقياءَ إن كانَ رجاؤنا يَقتصِرُ على هذا العالَمِ فقط لأنَّهُ كُلُّهُ سيَموت. فسوفَ يَموتُ كُلُّهُ. فالموتُ يَقطَعُ عَصَبَ كُلِّ رجاء.
ولكنَّنا نَملِكُ رَجاءً لا يَموت. فنحنُ لدينا رَجاءٌ حَيٌّ. رَجاءٌ لا يَموتُ البتَّة، ورجاءٌ يأتي لتحقيقِ عَملِهِ الأبديِّ الكاملِ والتَّامِّ والنِّهائيِّ والمَجيد. هذا هو رجاؤنا. فهو رَجاءٌ يُطابِقُ ما قالَهُ بطرسُ في رسالتِه الثانية 3: 13 إذْ إنَّهُ رَجاءٌ في سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةٍ وَأَرْضٍ جَدِيدَةٍ يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. هذا هو رجاؤنا: رجاءٌ أبديٌّ. وهذا هو الرَّجاءُ الَّذي يَحفَظُنا. وهذا هو الرَّجاءُ الَّذي سيَعملُ اللهُ مِن خلالِ نِعمتِهِ الفائقةِ وَوَعدِهِ الرَّائعِ على تَحقيقِه.
وهذا هو ما جَعَلَ بولسَ يَقول: "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ [ماذا؟] رِبْحٌ". ولكن كيفَ يكونُ الموتُ رِبحًا؟ كيفَ يُعقَلُ أن يكونَ هذا صَحيحًا؟ لأنَّ رَجاءَكَ يَصيرُ حينئذٍ حَقيقةً. فالموتُ رِبحٌ لأنَّكَ تَربحُ الرُّؤيةَ المَجيدةَ للهِ، وتَربَحُ الحُضورَ المَجيدَ ليسوعَ المسيح، وتَربَحُ الشَّركةَ والبَهجةَ الَّتي لا تَنقطِع ولا يُعَرقِلُها شَيءٌ معَ اللهِ والمسيحِ والرُّوحِ القُدُسِ، والملائكةِ، والقِدِّيسين. والموتُ رِبحٌ لأنَّنا نَربَحُ مَنزلاً في السَّماءِ المَجيدةِ البَهيَّة.
والموتُ رِبحٌ لأنَّنا نَربحُ الشَّركةَ والخِدمةَ الكاملةَ وغيرَ المُتَحَفِّظَةِ الَّتي خَلَقَنا اللهُ للقيامِ بها. والمَوتُ رِبحٌ لأنَّنا نَربَحُ كَمالَ القَداسةِ الأبديَّة، والكَمالَ الأبديَّ، والبِرَّ الأبديَّ، والتَّحرُّرَ مِنَ الخطيَّة. والموتُ رِبحٌ لأنَّنا نَربحُ كُلَّ مَا في السَّماءِ مِنَ امتيازاتٍ مَلَكيَّةٍ، وشَرَفٍ، وَمَجد. ونحنُ نَربَحُ النِّعَمَ الَّتي في يَمينِكَ إلى الأبد.
لِذا فإنَّ "ويليام غارنال" (William Garnal) يَقولُ: "الموتُ – الموتُ ليسَ شيئًا يَخشاهُ المؤمن. بلِ الحقيقةُ [كما يَقولُ] هي أنَّ الرَّجاءَ هو كَفَنُ القِدِّيسِ حيثُ إنَّهُ يَلُفُّ نَفسَهُ عندما يَضَعُ جَسَدَهُ لينامَ نَومَ المَوت". الرَّجاء. الرَّجاءُ في قيامةِ الرُّوحِ، والرَّجاءُ في قيامةِ الجسد.
وما الَّذي أعطانا ذلك الرَّجاء؟ عَودة إلى العددِ الثَّالث: "بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَات". فالوسيلةُ [إذًا] لحصولِنا على هذا الميراثِ هي الولادةُ الجديدةُ الَّتي تُعطينا هذا الرَّجاءَ الحيَّ بأنَّنا سنَحصُلُ على ذلك المِيراث؛ وهو رَجاءٌ قائمٌ على قيامةِ يسوعَ المسيحِ مِنَ الأموات.
ففي إنجيل يوحنَّا 14: 19، قالَ يسوع: "إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ". وقد قالَ يَسوعُ: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاة". ويا لَهُ مِن شيءٍ رائعٍ! ثُمَّ إنَّهُ بَرهَنَ على ذلكَ بأن أقامَ لِعازر مِنَ الأمواتِ لكي يُبرهِنَ على أنَّهُ هُوَ كذلك حَقًّا. وقد قال: "وَكُلُّ مَنْ...آمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوت".
وفي رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 15، في ذلكَ الأصحاحِ العظيم عنِ القيامة، نَقرأُ في العدد 17: "وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُم". هذه هي الخُلاصة. وحتَّى لو كانَ لَكُم رجاءٌ في المسيحِ في هذهِ الحياةِ فقط، فإنَّكُم أَشقى جميعِ النَّاس. ولكنَّ المسيحَ قامَ مِنَ القَبر حامِلاً المِفتاحَ الَّذي فَتَحَ بهِ بابَ مَنزِلِ الرَّجاءِ الثَّمين. لِذا فإنَّ قِيامةَ المسيحِ هي تاجُ عَمَلِهِ الكَفَّاريِّ. وَهُوَ يُرينا أنَّهُ قد كَفَّرَ مِن خلالِ مَوتِهِ عن خَطايا العالَم، واستَوفَى مَطاليبَ بِرِّ اللهِ، وغَلَبَ الموتَ. لِذا فإنَّ رَجاءَنا هو رَجاءٌ حَيٌّ.
فقد قامَ مِن بينِ الأمواتِ لكي يُعطينا نَفسَ الحياةِ الَّتي لا تَضْمَحِلّ لكي يكونَ لنا رَجاءٌ حَيٌّ؛ أي رَجاءٌ لا يَموت. ونحنُ نَحصُلُ على كُلِّ ذلكَ مِن خلالِ الولادةِ الجديدةِ؛ أي مِن خلالِ التَّجديدِ الَّذي هو قُوَّةُ اللهِ المُغَيِّرَة.
لِذا فإنَّ مَصدَرَ الميراثِ هُوَ الله، ودافِعَهُ هو الرَّحمة، ووسيلَتَهُ هي الولادةُ الجديدة. فلننظُر إلى طَبيعَتِه. وهذا شيءٌ رائعٌ جدًّا. فالعدد 4 يَقولُ إنَّنا سنَحصُل مِن خلالِ الولادةِ الجديدةِ على مِيراثٍ يَتَّسِمُ بِثلاثِ سِماتٍ: "لاَ يَفْنَى، وَلاَ يَتَدَنَّس، وَلاَ يَضْمَحِلّ".
وهذا يَجعلُنا نَفرحُ فَرَحًا عَظيمًا عندما نَعلمُ أنَّنا قد حَصلنا على مِيراثٍ يَتَّسِمُ أوَّلاً بأنَّهُ: "لا يَفنَى" – لا يَفنَى. فالكلمة "أفثارتوس" (aphthartos) تَعني بصورة رئيسيَّة: "لا يَزول"، أو "غير قابلٍ للزَّوال"، أو "غير قابلٍ للفَسادِ أوِ الزَّوال". ولكن فَضلاً عن ذلكَ، كانت هذه الكلمة تُستخدَمُ في اللُّغةِ غيرِ الدِّينيَّةِ، أي في الأدبِ اليونانيِّ، للإشارةِ إلى فِكرةٍ مُدهشةٍ جدًّا وهي للإشارة إلى شيءٍ نَجَا مِن تَخريبِ جَيْشٍ غَازٍ – إلى شَيءٍ نَجا مِن تَخريبِ جَيْشٍ غَازٍ.
وهذه فِكرة مُدهشة. وإن نَظرتُم إلى تلكَ الفِكرةِ مِن مَنظورِ العهدِ القديم، ستَذكرونَ أنَّهُ عندما أعطَى اللهُ إسرائيلَ مِيراثَهُم، كانَ مِيراثُهم هوَ أرض كَنعان. هل تَذكرونَ ذلك؟ فأرضُ كَنعان كانت مِيراثَ بني إسرائيل. "سوفَ أُعطيكُم هذهِ الأرضَ، أرضًا تَفيضُ لَبَنًا وعَسَلاً"، وهَلُمَّ جَرَّا. فقد حَصلوا إذًا على مِيراثٍ أرضيٍّ. ولكن في مَرَّاتٍ كثيرةٍ جدًّا جدًّا جدًّا، تَعرَّضَ ذلكَ الميراثُ الأرضيُّ (أي: كَنعان) إلى السَّلْبِ مِنْ قِبَلِ الجُيوشِ الغازِيَة، وإلى السَّلْبِ مِنْ قِبَلِ الأعداء، وإلى اجتياحِ الأعداء. والمدينةُ المُقدَّسةُ وَحدُها (أي: أورُشليمُ) تَعرَّضت للهُجومِ والهَدمِ ما لا يَقِلُّ عن 17 مَرَّة مُختلفة على مَرِّ التَّاريخ.
لِذا، قد يَزدادُ غِنى هذه الكلمة بالنِّسبةِ إلينا إن فَهِمناها بذلك المَعنى؛ أي أنَّ مِيراثَ العهدِ القديمِ المُتَمَثِّلِ في أرضِ كَنعان (أيِ ذلكَ الميراثَ الأرضيَّ الَّذي أُعطِيَ لبني إسرائيلَ) قد تَعرَّضَ للسَّلْبِ، والنَّهبِ، والتَّحطيمِ، والدَّمارِ، والتَّخريب؛ ولكنَّكم نِلتُم مِيراثًا لن يَتعرَّضَ يَومًا للنَّهبِ أوِ السَّلبِ أوِ الدَّمار. فهو لا يَفنَى. فهو ثَروة لا يَسَعُكُم أن تُنفقوها. لِذا فإنَّهُ لا يَزول، وهو كَنْزٌ لا يُمكِنُ أن يُنزَعَ مِنكُم أو أن يُسرَقَ أو يُسلَبَ أو يُنهَب.
وكما تَرَوْنَ، هذا هو تمامًا ما كانَ يَدورُ في ذِهنِ يسوعَ في الأصحاحِ السَّادس مِن إنجيل مَتَّى عندما قال: "اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُون". ضَعوا الكَنزَ في مَكانٍ آمِنٍ لا يُمكِنُ أن يَفنى فيه. ولكن اسمعوني: لا يوجدُ مكانٌ على الأرضِ يُمكِنُكم فيهِ أن تَفعلوا ذلك. فأنتَ تَظُنُّ أنَّكَ مَحْمِيٌّ لأنَّكَ وَضعتَ كَنْزَكَ هُنا أو هُناك، وجَمَعْتَ أَملاكَكَ، وفَتَحْتَ حِساباتٍ مَصرِفيَّة، واشتريتَ سَنداتٍ مَاليَّة، وأسهُمًا مَاليَّة، وشَهادات استثماريَّة، وهَلُمَّ جَرَّا.
ولكنَّها كُلَّها قابلة للفَناء. وإن نَجَحْتَ في الحِفاظِ عليها حتَّى مَماتِك، سوفَ تَفنَى بعدَ أن تَموتَ لأنَّكَ لن تَتمكَّنَ مِنَ المُطالبةِ بأيٍّ منها. فكُلُّ الأشخاصِ الَّذينَ تُحبُّهم سيتخاصمونَ عليها. وعندما يَموتونَ سيتركونَها لِمَن بَعدَهُم.
ولكنَّ الكَنْزَ الَّذي أعطاهُ اللهُ لنا مِن خلالِ مِيراثِ الخلاصِ الأبديِّ الَّذي سيُعلَنُ في الزَّمانِ الأخير بوصفِهِ خلاصَنا المَجيدَ الكاملَ والنِّهائيَّ هو كَنْزٌ لن يَتمكَّنَ أيُّ جَيشٍ مِن تَخريبِه، ولن يُلْمَسَ مِن أيِّ جَيشٍ غَازٍ، ولن يُسلَبَ مِن أيِّ لُصوص، ولن يأكُلُهُ العُثُّ ولن يَصدأ. فلا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أن يَمَسَّهُ.
والعبارةُ الثَّانية هي: "وَلاَ يَتَدَنَّسُ". والكلمة "أميانتوس" (Amiantos) تَعني: "غير مُلَطَّخ" أو "غير مُلَوَّث". فهو غير مُلَطَّخ بالخطيَّةِ أوِ الشَّرِّ أوِ العَفَن. فكُلُّ شيءٍ في هذا العالَمِ مُدَنَّس. وكُلُّ شيءٍ في هذا العالمِ مُلَطَّخ. وكُلُّ شيءٍ في هذا العالمِ قد مَسَّتْهُ الخَطيَّة. وكُلُّ شيءٍ في هذا العالمِ فاسدٌ. كُلُّ شيء.
وكُلُّ شيءٍ ساقطٌ. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّامن مِن رسالة رومية إنَّ كُلَّ الخَلِيقَةِ تَئِنٌّ بانتظارِ التَّبَنِّي، وبانتظارِ الاستعلانِ المجيدِ لأَوْلاَدِ الله. فالخَليقةُ مُلَطَّخة ودَنِسَة. فهناكَ بَرَصٌ أخلاقيٌّ أَفسَدَ كُلَّ شيءٍ في هذا العالَم. وأنا أعني: كُلَّ شيء.
فنحنُ نَعيشُ في عالَمٍ مُلَوَّث. ونحنُ نَتنفَّسُ هَواءً مُلَوَّثًا وَمُنَجَّسًا ونَنقِلُهُ إلى كُلِّ شيءٍ نَتلامَسُ مَعَهُ. والتَّلوُّثُ هو ليسَ دُخانًا، والعَدوى هي ليست مَرَضَ الإيدز؛ بل هي الخطيَّة. إنَّها الخطيَّة. فكُلُّ مِيراثٍ أرضيٍّ قد دُنِّس.
ولكن يوجدُ مِيراثٌ ليسَ كذلك. فأفضلُ شَيءٍ على هذه الأرضِ هو نُفاية، وقُمامة، ورَوْث في نَظَرِ بولس. ولكنَّ ذلكَ لا يَسري على ذلك الكَنْزِ الَّذي هو بِرُّ يسوعَ المسيح (كما يَقولُ في رسالتهِ إلى أهل فيلبِّي 3: 7-9). فهو مِيراثٌ لا يَفنَى ولا يَتدنَّسُ بأيَّة طريقة.
وما أروعَ ذلك! فكُلُّ ما تَملِكونَهُ في هذه الحياةِ فاسِد. فسيَّارتُكَ الجديدةُ ستَصدأ. وبيتُكَ الجديدُ سيَصيرُ قديمًا ويَبلى. وحتَّى إنَّ الأموالَ الَّتي تُكَدِّسُها في مَكانٍ مَا سَتَتَعرَّضُ للأزماتِ الاقتصاديَّة. وحَتَّى إنَّ أكبرَ كَنزٍ لديكَ قد يُسرَق مِنكَ. فكُلُّ ذلكَ مُعرَّضٌ للضَّياع، وكُلُّ ذلكَ مُعرَّضٌ للفَساد، وكُلُّ ذلكَ مُعرَّضٌ للصَّدأ، وكُلُّ ذلكَ مُعرَّضٌ للتَّلف. ولكنَّ هذا لن يَحدُثُ لكَنزِكَ الَّذي تَكنِزُهُ في السَّماء.
ما الشَّيءُ الَّذي تُرَكِّزُ عليه؟ وأينَ هو كَنزُك؟ هل تُخَزِّنُهُ هُناكَ كي تُضفي بَهجةً على فَرَحِ ذلكَ الخلاصِ الأبديِّ؟ أم أنَّكَ غَبِيٌّ جدًّا لأنَّكَ تَكْنِزُ كَنزًا يَتَدَنَّس؟
أمَّا العِبارةُ الثَالثةُ الَّتي يَستخدِمُها فهي: "لا يَضْمَحِلّ". والطَّبعةُ الأمريكيَّةُ الجديدةُ تُتَرجِمُ هذه العبارةَ: "لا يَتَلاشى"؛ وهي كلمة تَعني: "لا يَضمَحِلّ". وهي تَصِفُ بصورةٍ رئيسيَّةٍ الأزهارَ الَّتي تَذوي وتَذبُل وتَموت. وهي تُخبرُنا هنا أنَّنا قد حَصلنا على مِيراثٍ لن يَفقِدَ يومًا جَمالَهُ الخارقَ للطَّبيعة. فهو لن يَضمَحِلَّ، ولن يَهرَمَ.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ مَلكوتَ السَّماءِ لا يَحوي أيَّةَ عَناصِرَ يُمكنُ أن تَتحلَّل. فلا يوجد فيه خَطيَّة. ولا يوجد فيه شيءٌ يَفنى. ولا يوجد فيه شيءٌ دَنِسٌ أو شَيءٌ قابِلٌ للاضمحلال. فكُلُّ عَوامِلِ الزَّمن لا تَستطيعُ أن تَمَسَّهُ لأنَّهُ موجودٌ في مَكانٍ لا يَخضَعُ للزَّمن. وكُلُّ تأثيرِ الخطيَّةِ لا يُمكنُ أن يَمَسَّهُ لأنَّهُ مَحفوظٌ في مَكانٍ لا توجد فيه خَطيَّة.
وبُطرسُ يَقولُ إنَّهُ عندما يَظهَرُ رَئيسُ الرُّعاةِ سَنَنالُ "إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" – الَّذي لا يَبْلَى. وما أروعَ ذلك! ما أروعَ ذلك! وبسببِ ميراثِنا الَّذي لا يَفنَى، ولا يَتدنَّسُ، ولا يَضمَحِلُّ، يَقولُ بُطرسُ إنَّهُ يجب علينا أن نَفرحَ، ويجب علينا أن نُباركَ اللهَ، ويجب علينا أن نَحمَدَ الله.
والنُّقطةُ الأخيرةُ الَّتي يَذكُرُها بُطرس، وهي نُقطة غَنيَّة، هي ضَمانُ مِيراثِنا. فكما تَعلمون، قد تَقولُون: "مِنَ الرَّائعِ أن نَتمتَّعَ بهذا المِيراث، وأن نَبتهجَ ونُباركَ اللهَ؛ ولكنِّي أخشى مِن فُقدانِه. كيفَ نَعلمُ أنَّنا لن نَفقِدَهُ؟ كيفَ نَعلمُ أنَّهُ لن يأتِ شخصٌ ويأخُذُهُ مِنَّا؟ كيفَ نَعلمُ أنَّهُ لن يَتعرَّضَ للسَّلبِ أوِ السَّرقة؟"
وبُطرسُ يُريدُ أن يُجيبَ عن ذلك. فهو يُريدُ مِنَّا أن نَتمتَّعَ بالميراثِ مِن دُونِ ذلك الخوف. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العددِ الرَّابعِ، في نهايةِ العدد: "مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". هل فَهمتُم ذلك؟ فقد يَقولُ قائلٌ: "أتدري ماذا؟ قد يَحصلُ شخصٌ آخرَ عليه! فما الَّذي سيحدثُ إن قُمتُ بسببِ تَعَرُّضي لهذا الاضطهادِ، أو بسببِ تَعرُّضي لهذه العَداوةِ، وهذا الرَّفضِ، وبسببِ صُعوباتِ الزَّمنِ الَّذي أَعيشُ فيه، ماذا سيحدثُ إن وَقعتُ في الخطيَّةِ وخَسِرتُ هذا الميراثَ فحصلَ عليهِ شخصٌ آخر؟" لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ إنَّهُ "مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". وهذا رائع!
والكلمة "يَحفَظ" تَعني: "يَحرُس". فهو مَحروسٌ في السَّماء. والفِكرةُ مِن هذا الفعلِ (الَّذي يَرِدُ في الحقيقةِ بصيغةِ المَجهولِ التَّامِّ هُنا) هي أنَّهُ مِيراثٌ موجودٌ الآنَ وفي الحاضرِ تحتَ الحِمايةِ في السَّماء، وأنَّهُ مَحفوظٌ حاليًّا ودائمًا لأجلكم. وهذا رائع!
وأينَ هُوَ مَحفوظ؟ في السَّماء. وهل ذلك المكانُ مكانٌ آمِنٌ؟ إنَّهُ أكثرُ مكانٍ آمنٍ في الكَون. فهو أكثرُ مكانٍ آمنٍ في الكَون. فهو المكانُ "حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ" (كما قالَ يسوع). فهو أكثرُ مكانٍ آمِنٍ في الكَون.
ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ سِفْر الرُّؤيا 21: 27 يَقولُ عنِ السَّماء: "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوف". فلن يَذهبَ أحدٌ إلى هناكَ ويَسرِق كَنزَك. لا الشَّيطان، ولا الأرواح الشرِّيرة، ولا أيُّ شخص. ونَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 22: 14: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَدْخُلُوا مِنَ الأَبْوَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ" [وهذه هي السَّماء. إنَّها أورُشَليم الجديدة]. "لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ كَذِبًا". فَهُم ليسوا هُناكَ، بل هُم خارجَ ذلك الملكوت وذلك النِّطاق.
فالسَّماءُ لن تَتعرَّضَ يومًا لأيِّ غَزو. والسَّماءُ لن تَتعرَّضَ يومًا لأيِّ نَهْبٍ لكُنوزِها. والسَّماءُ لن تَتعرَّضَ يومًا لأيِّ شيءٍ يُلَطِّخُها أو يُفسِدُ جَمالَها. والسَّماءُ لن تَتعرَّضَ يومًا لأيِّ جُيوشٍ غازيةٍ تَقتَحِمُها وتُهاجِمُ سُكَّانَها. والسَّماءُ لن تَقَعَ يومًا بأيدي أشخاصٍ يأتونَ ويَأخذونَ أمجادَها غَنيمةً. فهذا لن يَحدُثُ للسَّماء. فكَنزُها في مَأمَن.
ويا أحبَّائي، هل يُمكنني أن أقولَ لكم إنَّهُ بِفَضْلِ رَحمةِ اللهِ فإنَّ اللهَ، إلهَنا المُنعِمَ، الَّذي خَلَّصَكم وخَلَّصَني بالرَّغمِ مِن عدمِ استحقاقِنا لذلك، أعطانا مِن خلالِ الولادةِ الجديدةِ خَلاصًا أبديًّا مَحفوظًا في السَّماءِ ولا يُمكن تحتَ أيِّ ظَرفٍ مِنَ الظُّروفِ أن يُنهَب؟ فهو مَضمون. وبينما تَخدِمونَ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ هُنا، وبينما تَعيشونَ حياةَ الحَمدِ والتَّسبيحِ والعبادةِ، ستَستمرُّونَ في تَثبيتِ حقيقةِ ذلك الكَنْز وفرحِ الخلاصِ الأبديِّ مِن خلالِ استثمارِكُم في الأبديَّة. فالكَنزُ مَضمون.
وقد يَقولُ قائلٌ: أجل، أنا أعلمُ أنَّ الكَنزَ مَضمون؛ ولكن ما مَدى ضَماني أنا؟ فقد أُفسِدُ أنا ذلك!" فهناكَ أشخاصٌ [كما تَعلمونَ] يُعَلِّمونَ أنَّكَ قد تَفقِد خلاصَكَ وأنَّ شخصًا آخرَ قد يَحصُل عليه. "قد أفقِدُهُ". لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُون". فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على أنَّ الكَنزَ مَحفوظٌ، بل إنَّكُم مَحروسونَ أيضًا. أليسَ هذا الوعدُ رائعًا. فأنتُم مَحروسون.
هل أنا مَحروسٌ؟ أجل! وما الَّذي يَحرُسُني؟ قُوَّةُ اللهِ. القُوَّةُ المُطلقةُ للهِ. والقُدرةُ الإلهيَّةُ والسِّيادةُ الإلهيَّة. فهي حِماية عَسكريَّة إلهيَّة مُستمرَّة. فأنتَ مَحروسٌ بالقوَّةِ الإلهيَّةِ بحسبِ النَّصّ. والشَّيطانُ لا يَقدِرُ أن يَقتَحِمَ السَّماء. والشَّيطانُ لا يَقدرُ أن يأتي إلى هناكَ ويَدينَك. فاللهُ هو الَّذي بَرَّرَكَ. فكيفَ يَقدرُ الشَّيطانُ أن يَدينَكَ (كما جاءَ في الأصحاحِ الثَّامنِ مِن رسالة رُومية)؟
فإن كانَ اللهُ مَعَنا، فَمَن عَلينا؟ وإن كانَ اللهُ القُدُّوسُ والبَّارُّ تَمامًا قد قالَ إنَّ كُلَّ شيءٍ يَختصُّ بنا هو على ما يُرام، وإنَّنا نَنتمي إليه، مَن هي المَحكمةُ الأعلى مِن هذه؟ فالَّذي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيح. وَهُوَ "الْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ" (كما جاءَ في رسالة يهوذا والعدد 24). إنَّها قوَّة خارقة، وَهُوَ عِلْمٌ فائقٌ بِكُلِّ شيء، وقُدرة فائقة، وسِيادة فائقة قادرة أن تَحفظَ لا الكَنزَ فقط، بل أن تَحفظَ المؤمن. وهذه فكرةٌ رائعة!
فلا مُبرِّرَ للخوف، بل يُمكنُنا يا أحبَّائي أن نَفرح. هل تَفهمونَ ذلك؟ يُمكنكم أن تَفرحوا. فلا أحدَ يَستطيعُ أن يَسلِبَكُم كَنزَكُم. ولا أحدَ يَستطيعُ أن يَمنعَكُم مِنَ الحُصولِ عليه. وقد تقول: "أَلاَ أقومُ بأيِّ دَورٍ في هذا الأمر البتَّة؟ ماذا لو أَدَرتُ ظَهري، ولَعنتُ اللهَ، وسِرتُ في طَريقي؟" لننظُر إلى ما يَقولُهُ العددُ الَّذي يَليه:
"أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ...". هذا هو دَورُك. فاللهُ يَعملُ عَمَلَهُ فيكَ. فإيمانُكَ المُستمرُّ باللهِ والمسيحِ هو البُرهانُ على استمرارِ اللهِ في العمل. فاللهُ لم يُخَلِّصكَ بمعزِلٍ عنِ الإيمانِ، واللهُ لا يَحفظكَ بمعزِلٍ عنِ الإيمان. فعندما خَلَّصَكَ اللهُ، أَلهَبَ ذلكَ الإيمانَ فيكَ. وَفي أثناءِ حِفظِهِ لكَ فإنَّهُ يُلهِبُ ذلكَ الإيمان. لِذا فإنَّنا مَحروسونَ بقوَّةِ اللهِ. وقوَّةُ اللهِ تَعملُ مِن خلالِ إيمانِنا. وهذه فكرة رائعة.
"الإيمانُ يُضْرَمُ..." [كما يَقولُ ’لينسكي‘ (Lenski)، المُفَسِّرُ اللُّوثريُّ] "الإيمانُ يُضرَمُ، ويُحفَظُ، ويَتقوَّى مِن خلالِ النِّعمةِ وحدِها". فحتَّى الإيمانُ بالنِّعمة. "والنِّعمةُ [كما يَقولُ] تَصِلُ إلى القلبِ والنَّفسِ وتَتركُ تأثيراتٍ رُوحيَّة". وهذا كلامٌ رائع. لِذا، في الوقتِ الَّذي تَرَوْنَ فيهِ [مِن جِهة] أنَّ اللهُ قد سَدَّ بِقُدرَتِهِ أفواهَ الأسودِ وحَمى دانيال، كانَ إيمانُ دانيال في ذُروتِه. فالجانبانِ يَسيرانِ دائمًا جنبًا إلى جَنب. فَهُما يَسيرانِ دائمًا جنبًا إلى جنب: حِمايةُ القُدرةِ الإلهيَّةِ والمُثابرةُ في الإيمان.
فهي ليسَت حِماية بمعزِلٍ عنِ الإيمان، بل بالإيمان. لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَقتصِرُ على أنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ مَحميٌّ مِنَ اللهِ، بل إنَّهُ يُعطَى إيمانًا ثابتًا ومُثابِرًا. وكما قلتُ مِن قَبل، أنتَ لم تَخلُص بمعزلٍ عنِ الإيمان، وأنتَ لا تُحفَظ بمعزلٍ عنِ الإيمان؛ بل إنَّكَ خَلَصْتَ مِن خلالِ الإيمان، وتُحفظُ مِن خلالِ الإيمان. لِذا، مِنَ السُّخْفِ أن يقولَ النَّاسُ إنَّهُ يُمكنكَ أن تكونَ مَسيحيًّا مِن دونِ حتَّى أن تُؤمِن. فهذا غيرُ صحيح. فاللهُ لا يَحفظُكَ بعملِهِ الإلهيِّ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تَفعلُه؛ بل إنَّهُ يَحفظُكَ بسيادتِهِ الإلهيَّةِ مِن خلالِ تَفعيلِ إيمانِكَ بالنِّعمة حَتَّى تَستمرَّ في الإيمان.
إذًا يا أحبَّائي، ما الَّذي أعطانا اللهُ إيَّاه وينبغي أن نَحْمَدَهُ عليه؟ يَقولُ بُطرسُ إنَّهُ أعطانا مِيراثًا أبديًّا. فقد أعطانا خَلاصًا مُستَعَدًّا أن يُعلَنَ في الزَّمان الأخير. وما يَعنيه بذلك هو أنَّنا لم نَدخُل بعد إلى مِلْءِ ذلك الخلاص، وأنَّنا لم نَختبِر بعد كُلَّ ما يَختصُّ به. فذلكَ ما يزالُ يَنتظرُ الاستعلان. ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا الاستعلانَ يُشيرُ إلى استعلانِ المسيحِ بكُلِّ مَجدِهِ في الزَّمانِ الأخير. فنحنُ نَتَذَوَّقُهُ الآنَ، ولكنَّنا لم نَحصُل عليهِ كاملاً.
ولكنَّ اللهَ أعطانا إيَّاه. وهو الآنَ مِيراثٌ. فهو مِيراثٌ نَملِكُهُ إلى حَدٍّ مَا، ولكن ليسَ بكُلِّ مِلئِه؛ ولكنَّهُ مَضمونٌ لنا. واللهُ هو المَصدر. والرَّحمةُ هي الدَّافع. وهذا رائعٌ جدًّا لأنَّهُ أعطانا إيَّاه لا لأنَّنا نَستحقُّهُ. لِذا، لا حاجةَ إلى الاستمرارِ في استحقاقِه مِن أجلِ الحفاظِ عليه. بل إنَّهُ أعطانا إيَّاه لأنَّنا كُنَّا في حالةٍ مُزريةٍ جدًّا حتَّى إنَّهُ أَشفَقَ علينا. لِذا، أيًّا كانَ بُؤسُنا بعدَ ذلك، لن نكونَ بذلكَ البؤسِ الَّذي كُنَّا عليهِ قبلَ ذلك. لِذا، سوفَ نَستمرُّ في الحصولِ على تلك الشَّفَقة. وسوفَ تكونُ رَحمَتُهُ جَديدةً في كُلِّ صَباح.
والوسيلةُ الَّتي حَصلنا فيها على الميراثِ هي الولادةُ الجديدة الَّتي أعطتنا هذا الرَّجاءَ الحَيَّ "بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَات". وهذا الميراثُ لا يَفنَى، ولا يَتَدَنَّسُ، وَلاَ يَضْمَحِلُّ. وهو مَضمونٌ لنا، ونحنُ لَهُ. وبُطرسُ يَقول: "أنا لا أبالي بأحوالِكُم الجسديَّة، ولا أبالي بأحوالِكُم على الأرض. فيجب عليكم أن تَحمَدوا اللهَ على ذلك. ويجب عليكم أن تُباركوا اللهَ على ذلك". وليتَ قُلوبَنا تَفعلُ ذلكَ الشَّيءَ ذاتَهُ. دَعونا نُصلِّي معًا:
اغفر لنا، يا رَبُّ، لأنَّنا نَنظرُ إلى الخلاصِ كأمرٍ بَديهيٍّ معَ أنَّنا سنَقضي الأبديَّةَ في تَسبيِحٍ مُستمرّ. وكم يُشيرُ هذا إلى سُقوطِنا، وبشاعةِ قُلوبنا الخاطئةِ حتَّى إنَّنا قد لا نُبالي البتَّة بذلك الخلاصِ العظيمِ الَّذي وَهبتَنا إيَّاه، وقد نَنشغلُ جدًّا بأمورٍ سطحيَّةٍ وتافهةٍ لا نَفعَ لها، وقد نَفقِدُ فَرَحَنا، وقد نُبعِدَ أنظارَنا عنكَ وعنِ الأبديَّةِ والسَّماءِ، ونُركِّز فقط على هذه الأرضِ الزَّائلةِ والفانيةِ والهالكةِ والدَّنِسَة.
ساعِدنا يا رَبّ! ساعِدنا حَتَّى نَسمو ونَعيشَ في السَّماويَّات. فما أكثرَ ما يُنَبِّهُنا ذلكَ إلى بشاعةِ خطايانا. فنحنُ [مِن جِهَة] نُبَرِّرُ أنفسَنا ونقولُ إنَّنا لم نَقترِف هذه الخطيَّة، وإنَّنا لم نَقترف تلك الخطيَّة، وإنَّنا لم نَفعل الخطيَّةَ الفُلانيَّة، ولم نَفعل الخطيَّةَ الفُلانيَّة، ونَقولُ إنَّنا شُرَفاء. ثُمَّ إنَّنا نَنظرُ إلى عدمِ مُبالاةِ قُلوبِنا بالخلاصِ الأبديِّ، وبِجُحودِنا المُريع، وبتركيزِنا على أنفسِنا، وببشاعةِ انهماكِنا في مشيئتِنا وطريقِنا الَّذي نَسلُكُ فيهِ بكُلِّ هِمَّةٍ، ونَهدُرُ وَقتَنا ومالَنا وموارِدَنا في هذا العالَمِ الفاسدِ الَّذي يُشبِهُ أميرةً مُحَنَّطَةً. وعندما يُفتَحُ التَّابوتُ أخيرًا في آخرِ الدَّهر فإنَّها تَصيرُ رَمادًا.
أيُّها الرَّبُّ الإله، كم يُرينا هذا الأمرُ بَشاعةَ الخطيَّةِ في قُلوبِنا! نَشكُرُكَ لأنَّكَ كَشفتَ لنا عن ذلك. أعطِنا رَغبةً جديدةً في أن نَعيشَ في السَّماويَّاتِ، وفي أن نَستثمرَ في الأبديَّة، وفي أن نَتوقَ إلى أن نكونَ مَعَكَ، وفي أن نَحتملَ أيَّ شيءٍ في هذه الحياةِ لأنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بالمَجْدِ العَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا في ذلك اليومِ الَّذي سنَرى فيهِ المسيحَ وَجهًا لوجه. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
