Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المساء، نأتي بِفَرَحٍ مَرَّةً أخرى إلى دراسةِ كلمةِ الله. بينما كنتُ أُفَكِّرُ في عِظَةِ هذا المساء مِن رسالة بُطرس الأولى 1: 3-5، أَدركتُ أنَّهُ بالنِّسبةِ إلى الأغلبيَّةِ مِنَّا فإنَّ ما سنتَعلَّمُهُ في هذا المساء هو شيءٌ قد لا يَكونُ مُفيدًا مُباشرةً، ولكنَّهُ قد يُخَزَّنُ في قُلوبِنا وأذهانِنا ويُستخدَمُ في تلكَ الأوقاتِ الأكثر مُلاءمةً عندما نُواجِهُ ضيقًا في الحياة، أو عَداوةً واضطهادًا ورَفضًا لأنَّ هذه هي المسألةُ المُحَدَّدةُ الَّتي يَكتُبُ عنها بُطرسُ رسالتَهُ الأولى العَظيمةَ هذه. فهو يَكتُبُ إلى كنيسةٍ تُكابِدُ اضطهادًا، وعَداوةً، ورَفضًا، وحِقدًا، وكَراهِيَة. وما إن يَبتدئَ بكتابةِ هذه الرِّسالةِ الرائعةِ مِن أجلِ تَشجيعِهم وحَضِّهم حَتَّى تَتَدَفَّقَ الكلماتُ منهُ في الأعداد 3-5 في نَشيدِ حَمْدٍ رائعٍ جدًّا. ومِن جِهة، فإنَّهُ يُعلِّمُهم أنَّ الحَمْدَ طريقةٌ مُلائمةٌ جدًّا للخُروجِ مِن وَرطةِ التَّعامُلِ معَ الضِّيقِ، والاضطهادِ، والكَراهِيَةِ، والعَداوة.

لِذا، إن سَألنا أنفسَنا عنِ السَّببِ الَّذي دَفَعَ بُطرسَ إلى البَدءِ بتلك الطَّريقة في العددِ الثَّالثِ بعدَ تَحيَّتِهِ الافتتاحيَّة، ينبغي أن نتذكَّرَ أنَّهُ يَكتُبُ إلى مؤمنينَ مُشَتَّتينَ غُرباءَ في العالَم. فقد كانَ المؤمنونَ المُشَتَّتونَ في أرجاءِ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ قد اتُّهِموا بإحراقِ رُوما؛ وهو أمرٌ كانَ قد حَدثَ قبلَ كِتابةِ هذه الرِّسالة. لِذا فقد كانوا يَتعرَّضونَ لاضطهادٍ هائلٍ كانَ قدِ ابتدأَ بالتَّصاعُد. وهو يُذَكِّرُهم في هذه الرِّسالة أنَّ هذا الأمرَ مُتوقَّعٌ لأنَّهُم مُتَغَرِّبونَ في الأرض. فَهُم مُواطنونَ سَماويُّونَ في الحقيقة. وَهُم طَبَقةٌ أرستُقراطيَّة مُلوكيَّة. فَهُم أولادُ اللهِ. وَهُم مُواطنو مَملكةٍ ليست أرضيَّة. وَهُم حِجارة حَيَّة. وَهُم كَهنوتٌ مُقَدَّسٌ. وَهُم شَعبٌ اقتَناهُ اللهُ.

لهذهِ الأسبابِ فإنَّ العالَمَ لا يُطيقُهم. ولهذهِ الأسبابِ فإنَّهم يَتعرَّضونَ لعَداوةِ العالَم. ولكن بالرَّغمِ مِن ذلك، لا يَجوزُ أن يَخافوا التَّهديدَ بالاضطهاد، ولا يَجوزُ أن يَرتعبوا، ولا يَجوزُ أن يَضطربوا بسببِ عَداوةِ العالَم، ولا يَجوزُ أن يَخافوا عندما يَتألَّمون، ولا يَجوزُ أن يَخجَلوا عندما يَتعرَّضونَ للسُّخريةِ والهُجوم.

ولكي يُحاولَ أن يَرفعَ مَعنويَّاتِهم، ولكي يُحاولَ أن يَرفَعَ رُوحَهُم المَعنويَّةَ ويُشَجِّعَ قُلوبَهُم فإنَّهُ يَبتدئُ بعباراتِ حَمْدٍ فَرِحَة يُمكِنُنا أن نُسَمِّيها بِحَقّ "صَلاةَ شُكر". لاحِظوا العددَ الثَّالث: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير".

ومِنَ المُدهشِ أنَّ الفِعلَ الرَّئيسيَّ الَّذي يَصِفُ العَملَ الرَّئيسيَّ في هذا المَقطعِ مُضْمَرٌ فَقط ولا وُجودَ لَهُ هُنا. إنَّهُ فِعْلُ الكَينونَة في العددِ الثَّالث والَّذي لا يَظهَرُ في اللُّغةِ اليونانيَّة. فالآيةُ تَقول: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وفِعْلُ الكَينونةِ هُنا مُضْمَرٌ فقط. وَهُوَ الفِعلُ الرئيسيّ. وما يَقولُهُ هنا هو: "بارِكوا اللهَ". فهي مِنْ جِهَة صَلاةُ شُكْرٍ مِنهُ شخصيًّا. وهو أيضًا فِعْلُ أَمْرٍ للآخرينَ كي يُباركوا اللهَ هُم أيضًا. وقد قَصَدَ [كما قُلتُ] أن يَرفَعَ قُلوبَهُم عاليًا مِن خلالِ تَقديمِ الحَمْدِ للهِ، وأن يَرفَعَ قُلوبَهُم عاليًا مِن خلالِ فَرَحِ الشُّكرِ، وفَرَحِ تَرَقُّبِ الميراثِ الَّذي يَنتظرُهم. لِذا فإنَّها مِن جِهة [على أقلِّ تَقدير] أُنشودةُ تَسبيحٍ لتشجيعِ المؤمنينَ الَّذينَ يعيشونَ حياةً صَعبةً في هذا العالَمِ المُعادي.

ثُمَّ إنَّ بُطرسَ يَدعوهُم إلى العبادةِ المُتَهَلِّلَة والفَرحِ المُتَدَفِّقِ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا يحدثُ مِن حَولِهم. وذلكَ الفَرحُ يَنبُعُ مِن حقيقةِ أنَّهُم يَعرفونَ إلَهَهُم ويَعرفونَ أنَّهُ يُعطيهم بِسَخاء. صَحيحٌ أنَّهم رُبَّما يكونونَ مُتغرِّبينَ في العالَم، وغُرَباء، ونُزَلاء، ومَنبوذينَ لا يَنتمونَ إلى العالَمِ ولا يَحْظَوْنَ بالتَّقديرِ فيه، ولكن يوجد مَكانٌ يَنتمونَ إليه، ويوجد عَالَمٌ يَليقُ بِهم، وهناكَ مِيراثٌ سيَحصُلونَ عليه. وفي ذلكَ العالَم سيَحصلونَ على كُلِّ ما وَعَدَهُمُ اللهُ به ووَهَبَهُم إيَّاه في المَسيح.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يُقدِّمُ لنا حقًّا نَظرةً عمليَّةً ومُفيدةً جدًّا في تَعَلُّمِ العَيشِ والنَّظرِ إلى ما وَراءِ المَشاكِلِ الأرضيَّةِ إلى الميراثِ الأبديّ. والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمكننا أن نُعَنْوِنَ هذه العِظَة: "كيفَ تَتَخَطَّى مَشاكِلَكَ وتُركِّز على مِيراثِكَ الأبديّ" لأنَّ هذا هو حقًّا ما في قَلبِه.

ولكي نُدرِكَ الجَمالَ الكُليَّ لهذا النَّصِّ، دَعونا نُلقي نَظرةً على تلك الكلمة "مِيراث" في العددِ الرَّابع. والفِكرةُ هي تَقديمُ الشُّكرِ للهِ، وتَقديمُ التَّسبيحِ للهِ، وتَقديمُ الحَمْدِ للهِ على الميراثِ الَّذي وَعَدنا به. والكلمة الرَّئيسيَّة هي: "مِيراث". وأنتُم تَعلمونَ مَعنى تلك الكلمة. فهي تُشيرُ إلى الأشياءِ الَّتي تَنتقلُ إليكَ مِن أبيكَ، والَّتي تَحصُلُ عليها في شكلِ هِبَةٍ أو إرْثٍ يُعطَى لَكَ لأنَّكَ فَرْدٌ في عائلةٍ مَا. فهو ليس شيئًا تَكسَبُهُ، ولا شيئًا تَشتريه، بل هو شيءٌ تَحصُلُ عليهِ كهبةٍ بسببِ العائلةِ الَّتي وُلِدتَ فيها. والكلمة هنا "كليرونوميا" (kleronomia) لا تَعني وَحَسْب صَكَّ مِلكيَّةِ مِيراثٍ وُعِدْتَ بِهِ، بل إرثًا حَقيقيًّا. فهي لا تَعني وَحَسْب صَكَّ مِلكيَّةِ شَيءٍ في المستقبل، بل تَعني امتلاكَ شيءٍ في الحاضِر.

ولهذه الكلمة أصلٌ يَهوديٌّ في الفِكر. فبُطرس يقولُ لهؤلاءِ المَسيحيِّينَ المُشَتَّتين: "يجب عليكم أن تَحمَدوا اللهَ، وتَشكُروا اللهَ، وتُسَبِّحوا اللهَ، وتُعَلُّوا اسمَ اللهِ، وتَعبُدوا اللهَ، وتَفرَحوا في اللهِ بسببِ مِيراثِكُم". وكانَ قَولُ ذلكَ لهم يُنَبِّهُ أذهانَهُم لحقيقةِ أنَّهُ كانَ لليهودِ في العهدِ القديمِ أيضًا مِيراث. والحقيقةُ هي أنَّ نَفسَ هذه الكلمة تُستخدَمُ في التَّرجمةِ اليونانيَّةِ للعهدِ القديمِ والَّتي تُعرَفُ باسمِ التَّرجمةِ السَّبعينيَّة، وأنَّها كانتَ تَصِفُ الحُصَّةَ المُعَيَّنَةَ الَّتي كانت سَتُعطى مِن أرضِ كَنعان لكُلِّ واحدٍ مِن شعبِ اللهِ المُختار.

والحقيقةُ هي أنَّ العهدَ القديمَ يُشيرُ مِرارًا وتَكرارًا إلى أرضِ إسرائيلَ الَّتي فَرَزها اللهُ لكُلِّ سِبْطٍ وكُلِّ عَشيرةٍ؛ وبالتَّالي لكُلِّ يَهوديِّ، وأعطاها لَهُم "مِيراثًا". ويُمكنكم أن تَقرأوا ما جاءَ في سفرِ التَّثنية 15: 4، وسِفْر التَّثنية 19: 10، والعديدِ مِنَ المواضعِ الأخرى حيثُ ستجدونَ أنَّهُ بموجبِ الميثاقِ القديمِ فإنَّ شعبَ اللهِ [أي: إسرائيل] قد أُعطيَ مِيراثًا أرضيًّا. حسنًا؟ فالمِفتاحُ هو أنَّهُ مِيراثٌ أرضيٌّ؛ وتَحديدًا: نَصيبٌ مِن أرضِ كَنعان. فقد حَصلَ كُلُّ سِبْطٍ على قِطعةٍ مِنَ الأرض، وحَصلت كُلُّ عَشيرةٍ في السِّبْطِ على قِطعةِ أرض؛ وهذا يَعني أنَّ كُلَّ فَردٍ في العائلةِ قد حَصَلَ على قِطعةِ أرض.

إذًا فإنَّ مِيراثَ أُمَّةٍ أرضيَّةٍ هو أرضٌ أرضيَّة. فمِيراثُ إسرائيلَ الأرضيَّة كانَ كَنعان الأرضيَّة. فقد وُعِدوا بها في الأصلِ مِن خلالِ إبراهيم. وقد انتظروا وانتظروا وانتظروا سَنواتٍ طويلةً مِنَ العبوديَّةِ، وسنواتٍ طَويلةً مِنَ التِّيهِ في البَريَّة إلى أن دَخلوا أخيرًا أرضَ الموعدِ الَّتي وُعِدوا بها قبلَ سنواتٍ طويلةٍ جدًّا مِن خلالِ إبراهيمَ والآباء.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يُعَوِّلُ على فَهمِ قُرَّائِهِ الَّذينَ كانوا يَهودًا ويقول: "بِصفتكم شعبَ اللهِ، أي شَعبَهُ بالمَفهومِ الرُّوحيِّ، فإنَّكم ستحصلونَ أيضًا على مِيراثٍ – مِيراثٍ رُوحيٍّ". فكما أنَّ الشَّعبَ الأرضيَّ [إسرائيل] قد حَصلَ على ميراثٍ أرضيٍّ [أي: كَنعان]، فإنَّكم بِوصفِكُم شَعبًا روحيًّا [أي: الكنيسة] قد حَصلتُم على مِيراثٍ رُوحيٍّ [أي: السَّماء... السَّماء]: "مَحفوظٌ لكم في السَّماء". وبالرَّغمِ مِن أنَّكُم تُكابدونَ الاضطهادَ والضِّيق، يُمكنكم أن تنتظروا بصبر. وفي أثناءِ الانتظار، يُمكنكم أن تَحمَدوا اللهَ على الميراثِ الَّذي وَعَدَكُم بِه. وهو يَعتَزِمُ القيامَ بما قامَ بهِ المُرنِّمُ إذْ إنَّهُ يَعتَزِمُ أن يُقدِّمَ لَهُم أناشيدَ حُلوة في مَرارةِ اليأسِ لأنَّهم كانوا يَتعرَّضونَ لاضطهادٍ عَنيف.

والآن، إنَّهُ يُريدُ أن يُذكِّرَهُم بميراثِهم. وقد كانوا بحاجةٍ إلى ذلك التَّذكير. وكذلكَ هي حالُنا نحنُ أيضًا يا أحبَّائي. فلا بُدَّ أن تأتي التَّجارب. ونحنُ نَمُرُّ بها طَوالَ الوقت. ومِنَ المُهمِّ جدًّا أن نُركِّزَ على مِيراثِنا. وهذا هو سببُ دِراستِنا الأخيرةِ عنِ السَّماءِ؛ وهي دراسة تَبارَكنا بها جميعًا. ولكِن فَكِّروا في هذا الأمرِ مِن خلالِ التَّشبيهِ التالي. حسنًا؟ في هذه الحياةِ، نحنُ أولادُ الله. فنحنُ دائمًا أولاد. ونحنُ لن نتوقَّفَ عن كَونِنا أولادًا. فسوفَ نَبقى أولادًا طالَما أنَّنا نَعيشُ هُنا. وهذه الاستعارةُ غَنيَّة. وواحدٌ مِن مَعانيها هو أنَّنا لن نَفهمَ كُلَّ شيءٍ في هذه الحياةِ فَهمًا تامًّا، ولن نَنضُجَ نُضجًا تامًّا، ولن نَصيرَ راشِدينَ تَمامًا؛ بل سنبقى دائمًا أولادًا.

ولكن بِصفَتِنا أولادَ اللهِ، نحنُ وَرَثة للهِ ووارثونَ معَ المسيح. ولكن كما يقولُ يوحنَّا، فإنَّهُ لم يُظْهَر بعد ماذا سنَكون. فلا يُمكنُنا في هذه الحياةِ أن نَستوعبَ تمامًا مِيراثَنا. وهذا يُشبِهُ مَثلاً أميرًا صَغيرًا. تخَيَّلوا طِفلاً أميرًا. فهو مُجرَّدُ طِفل. فقبلَ أن يَبلُغَ سِنَّ النُّضجِ والرُّشد سَيَبقى مَحدودًا في فَهمِه. فهذا الطِّفلُ الأميرُ لا يَستطيعُ أن يَستوعبَ حَقًّا ما سَيَرِثُهُ لِكونِهِ ابنَ المَلِك. وهو لا يَفهمُ ضَخامةَ المِيراث. وهو لا يَستوعبُ حَقًّا ما سَيَصيرُ عليهِ وما سيَصيرُ مِن نَصيبِه. لِذا فإنَّهُ لا يُفَكِّرُ كَمَلِك، ولا يَتصرَّفُ كَمَلِك، ولا يَسلُكُ كشخصٍ يَملِكُ مِيراثًا ضَخمًا. وهو سَيَتَبَوَّأُ يَومًا مَكانةً نَبيلةً، ولكنَّهُ لا يَعيشُ وَفقًا لتلكَ المَكانةِ النَّبيلة. فهو لا يَتصرَّفُ حَقًّا كَمَلِك. فمعَ أنَّ مِيراثَهُ سيكونُ غَنِيًّا، ومعَ أنَّهُ يَزخُرُ بشَرَفٍ عَظيم، ومع أنَّهُ مِيراثٌ هَائلٌ في حَجمِه، فإنَّ الطِّفلَ الأميرَ لا يَفهمُه. وحتَّى إنَّهُ قد يَهتاجُ ويَغضَبُ بسببِ أمورٍ أرضيَّةٍ سَخيفةٍ لا تَعني شيئًا إذا ما قُورِنَت بالميراثِ غيرِ المَحدودِ الَّذي سيَحصُلُ عليهِ ذاتَ يوم.

لِذا فإنَّ الطِّفلَ الأميرَ يَخضعُ لتربيةٍ صَارمةٍ جدًّا. فأبواهُ يَهتمَّان بتربيتِه بصرامة، بل رُبَّما بصرامةٍ أكثر مِن تلكَ الَّتي يُعاملانِ بها الخَدَمَ لأنَّهُما يُريدان منهُ أن يَرتَقي إلى سُدَّةِ الحُكْمِ ويَصيرَ مَلِكًا مُنضَبِطًا يُحسِنُ التَّصرُّفَ في المِيراثِ الهائلِ الَّذي لَهُ دونَ أن يَتعاملَ معهُ بعدمِ مَسؤوليَّة. لِذا، قد يَتِمُّ تأديبُ الطِّفلِ الأميرِ وتَقويمُهُ بصرامةٍ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخرَ في سَبيلِ تَأهيلِهِ للسُّلوكِ الَّذي يُلائمُ مِيراثَهُ ومَقامَهُ كَمَلِك. وعندما يَنمو الطِّفلُ سيَبتدئُ شَيئًا فشيئًا في فَهمِ مَعنى الميراثِ، ويَبتدئُ في استيعابِ كُلِّ ما يَختصُّ بذلك.

وهو يُشبِهُنا وَحَسْب. فنحنُ نُشبِهُ الطِّفلَ الأمير. فنحنُ وَرَثة للهِ معَ أنَّهُ لم يُظْهَر بعد ما سنكون. ونحنُ وَرَثة للهِ معَ أنَّنا لا نَستوعبُ تمامًا ما الَّذي سنَرِثُهُ، ولا نَفهمُ الأشياءَ الَّتي أَعَدَّها اللهُ للَّذينَ يُحبُّونَهُ إذْ إنَّها مَا تَزالُ في الوقتِ الحاضرِ مَخفيَّة عن أعيُنِنا. وكما هي حالُ الأطفال فإنَّنا نَغضبُ ونَنزعجُ في أغلبِ الأحيانِ لأنَّنا لم نَتمكَّن مِنَ الحصولِ على أُمورٍ سَخيفةٍ في هذا العالَمِ نَظُنُّ أنَّنا نُريدُها. ونحنُ نَصيحُ ونَصرُخُ كَطفلٍ صغيرٍ عندما لا نَحصُلُ على ما نُريد. ونحنُ نُرَكِّزُ كثيرًا على أمورٍ سَخيفةٍ لأنَّنا لا نَفهمُ مِيراثَنا. والربُّ يُؤدِّبُنا أكثرَ مِمَّا يُؤدِّبُ أولئكَ الَّذينَ هُم ليسوا أولادَهُ. أليسَ هذا هو ما يَحدُث؟ فهو يَعمَلُ على تأهيلِنا لشَرَفِ مِيراثِنا حتَّى نكونَ أولادًا ناضِجينَ نَسلُكُ بطَريقةٍ تَليقُ بميراثِنا.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يُقدِّمُ لنا يَدَ المُساعدةِ هنا لكي يَنقلَنا مِن مَرحلةِ الطُّفولةِ هذهِ مِن وُجودِنا إلى الفَهمِ الأشملِ للميراثِ الَّذي هو لنا أصلاً. وهذا يُشبِهُ في اعتقادي دَعوةَ بولُس إلى أهلِ كولوسي بأن يَهتمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض. وهذا يُشبِهُ أيضًا ما قالَهُ يَسوع: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ"، ولا تَهتمُّوا بكُلِّ الأمورِ الأخرى. وهو يُشبِهُ أيضًا دَعوةَ يوحنَّا: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم"، ويَدعونا أيضًا إلى مُستوى أعلى مِنَ الحَمْد. وبُطرس يَقولُ هنا: "أريدُ منكم أن تُبارِكوا اللهَ على مِيراثِكُم الأبديَّ وأن تُبعدوا أعيُنَكُم عنِ العالمِ الَّذي أنتُم فيه". وهذه مسألة مُهمَّة جدًّا جدًّا.

والآن، مِنَ الواضحِ أنَّ السُّؤالَ الَّذي يُطرحُ هو: ما هو المِيراث؟ ما هو؟ إنَّهُ مَوصوفٌ لنا في نهايةِ العددِ الخامس. فميراثُنا هو: "خَلاَصٌ مُسْتَعَدٌّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". فهو يقولُ إنَّ ميراثَنا هو مِلْءُ الخلاصِ الأبديِّ بشكلِهِ المُكتمِل. إنَّهُ مِلْءُ الخلاصِ الأبديِّ بكُلِّ ما يَنطوي عليهِ مِن مِلْءٍ. فهذا هو المِيراثُ الَّذي يَنتظرُ المؤمن.

لِذا فإنَّ بطرسَ يَقول: "اسمعوني! لِمَ لا تُزيحوا أعيُنَكُم عن ضِيقاتِكُم وتُباركوا اللهَ وَحَسْب على الخلاصِ الأبديِّ الَّذي وَعَدَكُم به؟" وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "خلاص" تَعني: "إنقاذ". وهي تَعني: "تَحرير". وهي تُشيرُ هنا إلى التَّحريرِ والإنقاذِ الكاملِ والنِّهائيِّ والأبديِّ الَّذي لم يُعلَن بعد. وهذا واضحٌ جدًّا مِن خلالِ العددِ الخامس. فهو سيُعلنُ في الزَّمانِ الأخير. فهو يَقولُ إنَّ ميراثَكُم هو ذلك الخلاصُ الكاملُ والنِّهائيُّ مِن لَعنةِ النَّاموس، ومِن سُلطانِ الخطيَّة، ومِن حُضورِ الخطيَّة، ومِن كُلِّ فَسادٍ، ومِن كُلِّ شَكلٍ مِن أشكالِ الإثْم، ومِن كُلِّ تَجربة، ومِن كُلِّ حُزن، وكُلِّ ألم، وكُلِّ مَوت، وكُلِّ عِقاب، وكُلِّ دينونة، وكُلِّ غضب. إنَّهُ الخلاصُ الأبديُّ الكامل.

والآن مِن جِهَة، قد نَتحدَّثُ عنِ الخلاصِ بصفتِهِ شيئًا حَدَثَ في الماضي. فقد نِلنا الخلاصَ عندما آمَنَّا بالمسيح. ومِن جِهةٍ أخرى، قد نَتحدَّثُ عنِ الخلاصِ بصفتِهِ شيئًا يَحدُثُ في الحاضِر. فنحنُ نَتطهَّرُ باستمرار مِن كُلِّ خطيَّة (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 9). لِذا فإنَّنا نَتمتَّعُ بالخلاص. فقد خَلُصنا في الزَّمنِ الماضي، وغُفِرَت خطايانا، وحَصلنا على الحياةِ الأبديَّة. ونحنُ نَتمتَّعُ دائمًا بالخلاصِ والإنقاذِ والتَّحريرِ في أثناءِ عَيشِنا في هذا العالَمِ الَّذي تَسودُهُ الخطيَّة، وَهُوَ يَستمرُّ في تَطهيرِنا. لِذا فإنَّ الآيةَ أفسُس 2: 8 تقول: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ". والنَّصُّ اليونانيُّ يَقول: "لأنَّكُم بالنِّعمةِ تَستمرُّونَ في البَقاءِ مُخَلَّصين". فهو شيءٌ حَدَثَ في الماضي ولَهُ نَتيجَة مُستمرَّة.

ولكنَّ الخلاصَ مُستقبليٌّ أيضًا. فسوفَ نَخلُص تمامًا وبالكاملِ وإلى الأبد مِنَ الخطيَّةِ والدَّينونةِ بكُلِّ ما في الكلمةِ مِن مَعنى في المستقبل – في المستقبل. وهذا هو مِيراثُنا الأبديُّ النِّهائيّ. وقد قالَ بولسُ في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 1: 10 إنَّنا سَنُنقَذُ "مِنَ الْغَضَبِ الآتِي". فنحنُ نَنتظرُ ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، يَسُوعَ، الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي". ونَقرأُ في رسالة رُومية 13: 11 (وهي آية رُبَّما تَعرفونَها جيِّدًا) أنَّ "خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا". أيُّ خَلاص؟ لقد كُنَّا نَظُنُّ أنَّنا حَصلنا عليه! إنَّ شَكلَهُ الأبديَّ الكاملَ والنِّهائيَّ أقربُ الآنَ مِمَّا كانَ عندما آمَنَّا. وهذا كلامٌ مَعقول. أليسَ كذلك؟ فنحنُ أقربُ الآنَ إلى ذلكَ مِمَّا كانَ حينَ آمَنَّا في الماضي.

ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 1: 14 عنِ الملائكةِ أنَّهُم: "أَرْوَاحٌ خَادِمَةٌ مُرْسَلَةٌ لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ [اسمَعوا ما يَقول] يَرِثُوا الْخَلاَص". فقد حَصلنا على الخلاصِ في الماضي. ونحنُ نَتمتَّعُ بهِ في الحاضِر. وسوفَ نَرِثُهُ في المُستقبَل.

كذلكَ، نَقرأُ عنِ الخلاصِ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ التَّاسِعِ بِصِفَتِهِ مِيراثًا مُستقبليًّا. فالعدد 28 يَقول: "هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ". إذًا، هناكَ بُعْدٌ مُستقبليٌّ لخلاصِنا ما زالَ سيأتي – ما زالَ سيأتي. وَهُوَ مُستَعِدٌّ أن يُعلَنَ. وهذا يعني أنَّهُ لم يُعلَن بعد، ولكنَّهُ مُستعدٌّ لإعلانِه. ومَتى سيَحدثُ ذلك؟ لاحظوا مَرَّةً أخرى في العددِ الخامسِ: "فِي الزَّمَانِ الأَخِير"، أو "في الحِقبةِ الأخيرة"، أو "في الفترةِ الأخيرةِ مِن تاريخِ الفِداء". وهذا يُشيرُ إلى عودةِ المسيح – إلى عودةِ المسيح.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ لهؤلاءِ المؤمنين: "انظروا إلى المستقبل. انظروا إلى الوقتِ الَّذي سيعودُ فيهِ المسيحُ، إلى الزَّمانِ الأخيرِ، أو [إن شِئتُم] إلى الوقتِ الَّذي ستَقِفونَ فيهِ في حَضرتِه". رَكِّزوا على مِلْءِ خَلاصِكُم النِّهائيِّ الَّذي لن يُعلَنَ إلاَّ في الحِقبةِ الفِدائيَّةِ الأخيرة؛ أي عندَ عودةِ المسيح. فبُطرس يَقول: "بارِكوا اللهَ. بارِكوا اللهَ على ذلك المِيراثِ الأبديّ". صَحيحٌ أنَّ العالَمَ قد لا يَقبلكُم، وأنَّ العالَمَ قد لا يُقَدِّركُم، وأنَّ العالَمَ قد يكونُ مُعاديًا لكم ويَضطهدُكم، وأنَّ العالَمَ قد لا يَحسَبُكم مِن خاصَّتِه، وأنَّ العالَمَ قد لا يَمنَحُكم حُقوقَكُم وامتيازاتِكُم؛ ولكنَّكم ستحصلونَ على مِيراثٍ أبديٍّ يُعلَنُ في الحِقبةِ الأخيرةِ كما وَعَدَكُم اللهُ؛ وَهُوَ مِيراثٌ سَماويٌّ وليسَ أرضيًّا، وميراثٌ مَجيدٌ وليسَ عَاديًّا، ومِيراثٌ طاهرٌ وليسَ دَنِسًا، وميراثٌ مُقدَّسٌ وليسَ مُلوَّثًا بالخطيَّة. هذا هو الوعد.

وهذا يُذَكِّرُنا بتعليمِ المسيحِ في إنجيل مَتَّى إذ نَقرأُ على سبيلِ المِثالِ في الأصحاح 25 والعدد 34: "ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَم". فهناكَ مَلَكوتٌ مُعَدٌّ لنا وسوفَ نَرِثُهُ. فهو مِيراثُنا.

وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 26: 18، يَقولُ بولُس إنَّهُ قد أُرسِلَ مِنَ اللهِ "لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ". هذهِ هي كلماتُ المسيحِ إلى بولُس في وقتِ اهتِدائِه. فيسوعُ يقولُ إنَّ هناكَ مِيراثًا سيَحصلونَ عليه.

وفي رسالة أفسُس، هل تَذكرونَ ذلكَ المَقطعَ الرَّائع؟ ففي الأصحاحِ الأوَّلِ الَّذي يَحوي غِنَىً عظيمًا، ونحنُ نَعودُ إليهِ طَوالَ الوقتِ، فإنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد 11 إنَّنا "نِلْنا نَصيبًا". ونَقرأُ في العدد 14 أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ "هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا". ونَقرأُ في العدد 18: "وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِين". فنحنُ لدينا مِيراثٌ مَجيدٌ. ونَقرأُ في رسالة كولوسي 1: 12 أنَّهُ يجب علينا أن نَشكُرَ الآبَ "الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِين". وهي آية تَقولُ بصورة أساسيَّة نَفسَ ما قالَهُ بُطرس. فيجب علينا أن نَشكُرَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِين. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 9: 15 أنَّنا نِلنا "وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ".

وأنتُم تَعرفونَ ذلك. فهذهِ الآياتُ تَتحدَّثُ عنِ الخلاصِ النِّهائيِّ الكامِل. ولكِن اسمَحوا لي أن أتعمَّقَ قَليلاً. حسنًا؟ وأن أُريكُم شيئًا أعتقدُ أنَّهُ مُدهشٌ. انظروا في كِتابِكُم المُقدَّس إلى سِفْرِ يَشوعَ والأصحاح 13. وهذه فِكرة قد... قد تَفوتُكُم رُؤيَتُها إن لم تُمعنوا النَّظر. سِفْر يَشوع 13: 33. ونحنُ نَقرأُ هنا عن وَعدِ اللهِ في القديم. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ وَعدٌ يُمكنُنا أن نُطالبَ به.

عندما دَخَلَ الشَّعبُ إلى الأرض، نَقرأُ في العدد 32: "فَهذِهِ هِيَ الَّتِي قَسَمَهَا مُوسَى فِي عَرَبَاتِ مُوآبَ فِي عَبْرِ أُرْدُنِّ أَرِيحَا نَحْوَ الشُّرُوقِ. وَأَمَّا سِبْطُ لاَوِي [كَما جاءَ هُنا، وَهُوَ السِّبطُ الكَهَنوتيُّ] فَلَمْ يُعْطِهِ مُوسَى نَصِيبًا". فلم تُقْسَم أيُّ أرضٍ لِسِبْطِ لاوي. "الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ هُوَ نَصِيبُهُمْ".

فلأنَّهُم كانوا – ماذا؟ ماذا كانوا؟ كَهَنة، كانَ الرَّبُّ نَفسُهُ هو مِيراثُهُم. فَهُم يَرِثونَ حَرفيًّا الله. وإن قرأتُم ما جاءَ في رسالة بُطرس الأولى مَرَّةً أخرى، وتَذكَّرتُم أنَّنا مَملكةٌ مِنَ الكَهَنة، أو أنَّنا نحنُ أيضًا كَهَنوتٌ مُلوكيٌّ (كما جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني والعددِ التَّاسع)، سنَعرِفُ حينئذٍ أنَّ اللهَ الَّذي كانَ نَصيبَ الكَهَنَةِ اللاَّويِّينَ هو نَصيبُ الكَهنوتِ المُلوكيِّ في المسيحِ أيضًا. فنحنُ نَرِثُ اللهَ. فاللهُ هو مِيراثُنا. ويا لها مِن فِكرةٍ رائعة!

وفي المَزمور 16، أعتقدُ أنَّ دَاوُدَ قَصَدَ ذلك حينَ قال: "الرَّبُّ نَصِيبُ قِسْمَتِي" (في المَزمور 16: 5). فقد كانَ سَيَرِثُ اللهَ قبلَ أن يَرِثَ أيَّ شيءٍ آخر. فلا يُوجد شَيءٌ يُضاهي غِنى تلك الحقيقة. ونَقرأُ في المَزمور 73: 23: "وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى. بِرَأيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأخُذُنِي. مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْض". وفي العدد 26: "صَخْرَةُ قَلْبِي وَنَصِيبِي اللهُ إِلَى الدَّهْر". فهو نَصيبي إلى الأبد. لِذا، نَرى مَرَّةً أخرى أنَّ المُرَنِّمَ كانَ يَعرفُ أنَّهُ سَيَرِثُ اللهَ.

وقد استوعبَ إرْميا تلك الفكرةَ وَعَكَسَها في سِفْرِ المَراثي 3: 24: "نَصِيبِي هُوَ الرَّبُّ، قَالَتْ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَرْجُوهُ". يا لها مِن فِكرةٍ رائعة! ويا أحبَّائي، عندما نَذهبُ لنكونَ معَ الرَّبِّ ونَرِثَ خَلاصَنا الأبديَّ، في الوقتِ نَفسِهِ سَنَرِثُ اللهَ. فاللهُ سيأتي ويَنْصِب خَيمَتَهُ بينَنا، ويَسكُن بينَنا. فنحنُ نَرِثُهُ بِقدرِ مَا يَرِثُنا. فنحنُ نَسكُنُ في مَنزِلِهِ [مِن جِهَة]. وهو يَسكُنُ في مَنزِلِنا [مِن جِهةٍ أخرى].

ونحنُ أيضًا نَرِثُ المَسيح. فنحنُ أيضًا نَرِثُ المسيح. فرسالةُ يوحنَّا الأولى تقول إنَّهُ عندما نَراهُ سنكونُ مِثلَهُ لأنَّنا سنَراهُ كما هُوَ. ونَقرأُ أنَّنا وَرَثَة معَ المسيح، وأنَّ المسيحَ يَصيرُ نَصيبَنا. ونحنُ نَدخُلُ في وَحدةٍ أبديَّةٍ معه. فنحنُ نَمْلِكُهُ حَرفيًّا كما هو يَملِكُنا. ونحنُ مِثلُهُ مِن جِهَةِ جَوهرِ وُجودِنا. فنحنُ نَصيرُ هُوَ، وَهُوَ يَصيرُ نَحنُ بالمعنى الحقيقيِّ مِن دونِ أن يَفقدَ أيٌّ مِنَّا هُويَّتَهُ.

ثالثًا، لا بُدَّ لنا أن نَقولَ إنَّهُ عندما نَقرأُ رسالة أفسُس 1: 14 فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هو الَّذي يَضمَنُ مِيراثَنا إذْ إنَّهُ "العُرْبون" ((arrabon؛ وهي كلمة تَعني: "خَاتَم الخِطبة" أو "الدُّفعة الأولى". فالرُّوحُ القُدُسُ هو "خَاتَمَ الخِطبة" أو "الدُّفعة الأولى" أو "الدُّفعة المُقَدَّمَة". وسُكناهُ فينا هو الضَّمانةُ لِدُفعتِنا الأولى الأبديَّة. لِذا فقد وَرَثنا الرُّوح. وسوفَ نَرِثُ الشَّبَهَ بالابنِ، ونَرِثُ اللهَ نَفسَهُ في مِيراثِنا الأبديّ. ويبدو لي أنَّهُ بِغَضِّ النَّظَرِ عنِ قِلَّةِ أو كَثرةِ الأشياءِ الجيِّدةِ الَّتي نَحصُل عليها في هذا العالَمِ فإنَّها ليست شَيئًا.

ويجب علينا أن نُدركَ أيضًا أنَّنا سنُغادرُ هذا العالَمَ عُريانينَ. ولكن إن كُنَّا نُحبُّ المسيحَ فإنَّنا سنَكتَسي بكُلِّ ما يُمكنُ أن يُعطينا اللهُ إيَّاه؛ وهو أكثر جدًّا مِمَّا نَفتَكِر. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّ ذلكَ لم يَظهر بعد. فهي أمورٌ لم تَرَها عين ولم تَسمع بها أُذُن تلكَ الَّتي ستُعلَن لنا. وهذا يَدفَعُنا إلى التَّسبيح. هذا يَدفعُنا إلى التَّسبيح. فبسببِ ذلك المِيراث، أو ذلك الخلاص الَّذي لم يُعلَن بعد، بل يَنتظرُ المَوسمَ الأخيرَ أوِ الدَّهرَ الأخيرَ عندما نَرى اللهَ في المسيحِ في المَجد، فإنَّ بُطرسَ يَدعونا إلى الحَمْد.

عَودة إلى العددِ الثَّالث: "مُبارَكٌ اللهُ". يُمكنُنا أن نَتوقَّفُ عندَ تلك النُّقطة. "مُبارَكٌ اللهُ" الَّذي يُعطي مِيراثًا كهذا. وبالمُناسبة، بالنِّسبة إلى اليَهوديِّ، كانت أكثرُ طَريقةٍ شَائعة للبدءِ في أيَّة صَلاةٍ هي أن يَقول: "مُبارَكٌ أنتَ يا الله". والحقيقةُ هي أنَّهم كانوا يَقولونَ ذلكَ إن كانوا أُمناءَ في أنماطِ صَلاتِهم المُتكرِّرة مِرارًا وتَكرارًا مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا في اليوم: "مُبارَكٌ أنتَ يا الله". لِذا، يَليقُ بنا أن نَقولَ الشَّيءَ نَفسَهُ.

ولكن يجب علينا أن نقولَ إنَّ اليهودَ كانوا يَصِفونَ اللهَ عادةً بالقَول: "مُبارَكٌ اللهُ، الَّذي خَلَقَنا وفَدانا مِن مِصر". فقد كانت هاتانِ هُما الطَّريقتانِ الأكثر شُيوعًا في وَصفِ الله: الله الَّذي خَلَقَ شَعبَهُ وفَداهُ مِن مِصر. وهُنا، يُوصَفُ اللهُ بأنَّهُ أبو رَبِّنا يسوعَ المسيح. وهذه هي هُويَّتُهُ الفَريدةُ في العهدِ الجديد.

وفيما يَخْتَصُّ بالكلمة "مُبارَكٌ"، لا حاجةَ إلى أن نَصرِفَ وقتًا طويلاً في التَّحدُّثِ عنها. فهي تَعني ببساطة: يَستحقُّ البَرَكة، ويَستحقُّ الحَمْدَ، ويَستحقُّ التَّسبيحَ، ويَستحقُّ العِبادةَ. فلأنَّ اللهَ مُستحقٌّ جدًّا، يجب علينا أن نَحمَدَهُ. وبسببِ صَلاحِهِ المُنعِم، يجب علينا أن نَحمَدَهُ. وحتَّى عندما نَحمَدُهُ، لا بُدَّ أنَّنا سَنُقَصِّرُ جدًّا في إعطائِهِ مَا يَستَحِقُّهُ.

وقد كَتَبَ "روبرت لايتون" (Robert Leighton) في سنة 1853: "هذا كُلُّهُ أقَلُّ بكثير مِنهُ ومِن مَراحِمِهِ. فيا للفَجوةِ السَّحيقةِ بينَ تَسبيحاتِنا الوَاهِنَةِ ومحبَّتِه! إنَّها لا شَيء؛ بل أقلّ مِن لا شَيء. ولكنْ مِنَ الأفضلِ أن تَتَلَعْثَمَ المحبَّةُ على أن تَبقى صَامتةً". وأنا أُحبُّ هذه الكلمات. فمعَ أنَّ تَسبيحاتِنا تَعجَزُ عن إيفائِهِ حَقَّهُ، فإنَّهُ مِنَ الأفضل أن تَتَلَعْثَمَ المحبَّةُ على أن تَبقى صامتةً.

وكما ذَكرتُ سابقًا، فإنَّ فِعلَ الكَينونة المُضْمَر هُنا هو الفِعلُ الرئيسيُّ في كُلِّ هذا النَّصّ. وهو يَفتَرِضُ مِنَ الجَميعِ أن يُبارِكوا اللهَ. فهو ليسَ مُجرَّدَ شيءٍ يَفعلُهُ بُطرس، بل هو شيءٌ يُوصِي الآخرينَ أن يَفعلوه. فهو دَعوة إلى الحَمْد، ودَعوة إلى التَّسبيح.

والآن، سوفَ نَنظُرُ إلى نُقطةٍ مِن خَمْسِ نِقاطٍ في هذا المساء. وسوفَ نَترُكُ البقيَّةَ لما بعدَ أُسبوعَيْن مِن هذا المساء لأنَّ الأسبوعَ القادِمَ هو وقتُ عِظَتِنا الخاصَّة. ولكنِّي أريدُ منكم أن تُلاحِظوا أنَّ هناكَ عناصرَ في هذه الصَّلاةِ تَشرَحُ مِيراثَنا بالتَّفصيل. فنحنُ نُريدُ أن نَحْمَدَ اللهَ بأذهانِنا، ونُريدُ أن نَعبُدَ اللهَ بِفَهمٍ. لِذا، كُلَّما زادَ فَهمُنا لميراثِنا، زادَت قُدرتُنا ورغبتُنا في تَسبيحِه. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَذكُر لنا مَصدرَ مِيراثِنا، والدَّافعَ إلى مِيراثِنا، ووسيلةَ الحُصولِ على مِيراثِنا، وطبيعةَ مِيراثِنا [أي سِماتِهِ]، وضَمانَ مِيراثِنا في الخِتام.

وفي هذا المساء، سَنَنظُر وَحَسْب إلى مَصدرِ مِيراثِنا – المَصدر. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً..." وَهَلُمَّ جَرَّا. والآن، لِنَتعمَّق في هذه الآية قليلاً. مَصدرُ مِيراثِنا هو الله. المَصدرُ هو الله. وما هوَ لَقَبُ اللهِ؟ اللهُ، أبو رَبِّنا يسوعَ المسيح. ونحنُ نَعرِفُ هذا كُلَّهُ. فنحنُ لا نَجهَلُ ذلك. ولكِن اسمَحوا لي أن أُذكِّرَكُم وَحَسْب بمعنى ذلك.

فحينَ نقولُ إنَّ اللهَ هو أبو رَبِّنا يسوعَ المسيحِ فإنَّنا نُعطي اللهَ هُويَّةً جَديدةً تَختلفُ عنِ الفِكرِ اليهوديِّ لأنَّ اللهَ كانَ يُعرَفُ دائمًا بأنَّهُ مَنْ خَلَقَهُم وَفَداهُم مِن مِصر. فهو الَّذي خَلَقَ شَعبَهُ وفَداهُم مِن مِصر. فخَلْقُهُ لَهُم يُؤكِّدُ قُدرَتَهُ وَسيادَتَهُ. وفِداؤُهُ لشعبِه يُؤكِّدُ قُدرَتَهُ المُخَلِّصَة أو عَمَلَهُ الخَلاصيَّ. لِذا فقد كانَ اليهودُ يُباركونَ اللهَ بصفتِهِ خَالِقَهُم وفَادِيَهُم مِن مِصر. ولكنَّنا نُبارِكُ اللهَ بِصِفَتِهِ أَبَا رَبِّنا يسوعَ المسيح. وقد تَعَلَّمنا ذلكَ في الحقيقةِ مِن يَسوع.

ارجِعوا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح الرَّابع... إنجيل يوحنَّا 4: 21. فعندما كانَ يَسوعُ يَتحدَّثُ إلى المرأةِ عندَ البِئرِ في السَّامرةِ قال: "يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". لِذا، في العدد 21، يَذكُرُ عِبادةَ الآب. وهو يَذكُرُ ذلكَ مَرَّتين في العدد 23.

والآن، ما الَّذي يَقصِدُهُ بقولِهِ "الآب". هل يَعني: أَبُ البَشَر؟ لا. بل يَعني "الآبَ"؛ لا مِن جِهَةِ علاقَتِهِ بالبشر، ولا مِن جِهَةِ علاقَتِهِ بالمؤمنينَ [رَكِّزوا معي]، بل مِن جِهةِ علاقتِهِ بالثَّالوث. وهذه نُقطةٌ مُهمَّةٌ جدًّا. ففي كُلِّ مَرَّةٍ خاطَبَ فيها يسوعُ اللهَ في كُلِّ الأناجيل فإنَّهُ يُخاطِبُهُ قائلاً: "يا أبتاه"؛ إلاَّ في حالةٍ واحدةٍ فقط وهي عندما تَرَكَهُ على الصَّليب. فَحينئذٍ قال: "إلَهي، إلَهي، لماذا تَرَكتني؟" ولكِن في كُلِّ مَرَّةٍ أخرى خَاطَبَ اللهَ فيها في الصَّلاةِ كانَ يَقول: "يا أَبتاه". فهو لا يَعني هنا أنَّ اللهَ هو أبوكُم وأبي، بل إنَّهُ أبو الرَّبِّ يسوعَ المسيح.

والحقيقةُ هي أنَّهُ في أثناءِ حياةِ يَسوع، لم يَكُن أيُّ يَهوديٍّ يُخاطبُ اللهَ "يا أبتاه". ومِنَ النَّادرِ جدًّا أن نَجِدَ شخصًا خاطَبَ اللهَ قائلاً "أبي" في العهدِ القديم، بل كانَ يُخاطبُ بالمَعنى العامِّ بأنَّهُ أبو الأُمَّة؛ ولكنَّهُ ليسَ أبًا شَخصيًّا، ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهم لم يُخاطبوهُ قائلين "يا آبا الآب" الَّتي تَعني "بابا"؛ وهي لَفظةٌ تَدُلُّ على الحَميميَّة.

لِذا، عندما يَستخدِمُ يَسوعُ الكلمة "أبتاه" شَخصيًّا ويَدعو اللهَ "أبي" كما يَفعلُ عادةً، فإنَّهُ يَكسِرُ التَّقليدَ ويُعَرِّفُ اللهَ بأنَّه أبوه. ففي إنجيل يوحنَّا 5: 17 على سبيلِ المِثال، قالَ يَسوع: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ". وقد قالَ يسوعُ: "أنا والآبُ واحدٌ". وقد قالَ يسوعُ عندما قالَ لهُ فيلُبُّس: "أَرِنا الآبَ": "لقد رأيتَني ولم تَعرف أنَّكَ قد رأيتَ الآب!"

والمَعنى المقصودُ هو التَّالي: عندما دَعا يسوعُ اللهَ أَبًا لَهُ، كانَ يَقول: "أنا مِن نَفسِ جَوهرِ الآب" لأنَّ الأشياءَ تُنتِجُ كَجِنسِها. فإن كانَ اللهُ أباهُ، لا بُدَّ أنَّهُ يَملِكُ نَفسَ طَبيعةِ الله. وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ العاشِر، كانَ اليهودُ بِكُلِّ تأكيد يَعلَمونَ ذلك. وهذا هو ما دَفَعُهم إلى اتِّهامِهِ بالتَّجديف. ففي إنجيل يوحنَّا 10: 29 قالَ يسوع: "أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي". ثُمَّ إنَّهُ قال: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ. فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" لماذا؟ "لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ [في العدد 33]، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا". لماذا؟ كيفَ جَعَلَ نَفسَهُ إلهًا؟ بأن قالَ إنَّ اللهَ أبوه. فقد كانَ يَقول: "أنا مِن نَفسِ جَوهرِ الآب". واليهودُ لم يكونوا يَقولوا ذلك. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ مِن خلالِها أن تقولَ إنَّ اللهَ أبوكَ هي أنَّهُ زَرَعَ حَياتَهُ فيكَ.

وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17، يُشيرُ يسوعُ مَرَّةً أخرى إلى حقيقةِ أنَّ اللهَ أبوه. فيسوعُ يَقولُ في الصَّلاةِ الَّتي تَبتدئُ بالعددِ الأوَّل: "أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا". بعبارةٍ أخرى: "أنتَ أبي، وأنا ابنُكَ". وقد قالَ في العددِ الخامِس: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَم". بعبارة أخرى، أَعِدني إلى المُساواةِ الَّتي كُنَّا عليها قبلَ مَجيئي إلى هذا العالَم. ويسوعُ يُؤكِّدُ مَرَّةً أخرى أنَّهُ الله. وفي كُلِّ مَرَّةً يَدعو فيها اللهَ أبًا فإنَّهُ يُؤكِّدُ أنَّهُ يَملِكُ نَفسَ طبيعةِ اللهِ الأزليِّ. وهذا هو ما أثارَ غَضَبَ اليهودِ لأنَّهُ كانَ يَدَّعي أنَّهُ اللهُ. وقد رأوا ذلكَ تَجديفًا.

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 11: 27: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ". بعبارة أخرى، إنَّهُما يَشتركان معًا في نفسِ الحياة. والواحدُ مُرتبطٌ بالآخر. فلا يُمكنكَ أن تَعرفَ الابنَ مِن دونِ الآب. ولا يُمكنكَ أن تَعرفَ الآبَ مِن دونِ الابن. فَهُما يَعرفانِ الواحدُ الآخرَ مَعرفةً حَميمةً لا يَفهمُها شخصٌ آخر.

ويُمكنُنا أن نَرى هذه الفكرة في هذه الرِّسالة وفي مَواضِعَ أخرى كثيرة. فنحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 1: 3: "مُبَارَكٌ اللهُ". أيُّ إلَهٍ؟ مَنِ اللهُ الَّذي نَتحدَّثُ عنهُ؟ "اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". ذلك الإلَه. اللهُ الَّذي هو أبو المَسيح. وفي العدد 17: "إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ" (رسالة أفسُس 1: 17). ونَجِدُ ذلكَ في رسالة كورِنثوس الثانية 1: 3: "مُبَارَكٌ اللهُ". أيُّ إِلَهٍ؟ "اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". ويَكتُبُ يُوحنَّا في رسالتِهِ الثانيةِ والعددِ الثَّالث: "تَكُونُ مَعَكُمْ نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ وَمِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ابْنِ الآبِ".

والآن، يجب أن تَفهموا هذا الأمرَ لأنَّهُ يجب أن يُخَزَّنَ في مَكانٍ مَا في مَلَفِّ فَهمِكُم للكتابِ المُقدَّس. فعندما تَرَونَ آيةً تَقولُ إنَّ اللهَ يُدعى أبًا، فإنَّهُ بصورة أساسيَّة ليسَ أبًا لكَ أنتَ أو أبًا لي أنا، بل هو بصورةٍ رئيسيَّة أبو الرَّبِّ يَسوعَ المسيحِ بِمَعنى أنَّ المسيحَ هو الله. لِذا فقد قالَ يسوعُ: "لا أحدَ يأتي إلى الآبِ إلاَّ بي".

لِذا، أيُّ إلَهٍ هُوَ مَصدرُ كُلِّ مِيراثِنا؟ اللهُ الَّذي هو أبو الرَّبِّ يسوعَ المسيح، واللهُ الَّذي هو ويسوعُ المسيحُ واحدٌ، واللهُ الَّذي لا يُعرَفُ إلاَّ مِن خلالِ يسوعَ المسيح. وبالمُناسبة، فإنَّ بطرسَ يَختارُ أن يَستخدِمَ الاسمَ الفِدائيَّ الكاملَ للمسيح في العددِ الثَّالث: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح"؛ أي جَميعَ الأسماءِ الثَّلاثة. ويَدعو "لينسكي" (Lenski) ذلكَ: "اعتِرافًا مُرَكَّزًا" – اعتِرافًا مُرَكَّزًا. فكُلُّ ما يُعلِنُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ اللهِ مُخَلِّصِنا مُتَضَمَّنٌ في ذلك الاسم. فالكلمة "رَبّ" تَعني "سَيِّد". والكلمة "يَسوع" تَعني "مُتَجَسِّد". والكلمة "المسيح" تَعني "المَلِك المَمسوح" أو "المَسِيَّا". وهذا اعترافٌ – اعترافٌ مُرَكَّز. فيكفي أن تقولَ "الربَّ يَسوعَ المسيح". وأنا أُحبُّ أن أقولَ كُلَّ هذه الأسماءِ الثَّلاثة. ويجب علينا أن نَقولَ الأسماءَ الثَّلاثةَ كُلَّها. فهوَ الاسمُ الكاملُ الَّذي يُعَبِّرُ عَن خلاصِنا.

ولكن ألا لاحظتُم مِن فَضلِكُم الضَّميرَ الصَّغيرَ في الكلمة "رَبِّنا" في العددِ الثَّالث؟ "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو..." ليسَ "الربِّ يسوعَ المسيح"، بل: "رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". لِذا فإنَّ بُطرسَ يَعْمَدُ مِن خلالِ هذا الضَّميرِ إلى جَعلِ كُلِّ شيءٍ شَخصيًّا. فاللهُ رَبُّ الكَونِ هُو رَبُّنا. فيسوعُ في تَجَسُّدِهِ ومَوتِهِ وقيامَتِهِ هو رَبُّنا. والمسيحُ (أيِ المَلِكُ المَمسوحُ والمَسِيَّا) هو رَبُّنا. فهو ليسَ مُجرَّدَ إلَهٍ بَعيدٍ ينبغي إرضاؤُه، بل هو رَبٌّ ومُخَلِّصٌ شَخصيٌّ. فهو رَبُّنا الآنَ، وكُلُّ ما هُوَ عليهِ سيكونُ مِن نَصيبِنا في المستقبل عندما نَصيرُ مِثلهُ.

وحقيقةُ أنَّ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ هو لنا تَربِطُنا باللهِ لأنَّهُ إن كُنَّا مُتَّحِدينَ بهِ فإنَّنا مُتَّحِدونَ بالله. والآية 1كورنثوسَ 6: 17 تَقول: "وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ". فنحنُ واحدٌ معَ المسيح. ونحنُ واحدٌ معَ الله. لِذا فإنَّ يسوعَ يَقول: "تَعالوا واجلِسوا مَعِي فِي عَرْشِي كما أَجلِسُ أنا في عَرشِ الآب". ففي الأبديَّةِ، سوفَ يكونُ المسيحُ جَالِسًا في عَرشِ الآبِ، وسنَجلِسُ نحنُ في عَرشِ المسيح؛ وعليهِ في عرشِ الله. فسوفَ نُسْبَى حقًّا في علاقةٍ أبديَّةٍ حَميمةٍ معَ اللهِ الآبِ، واللهِ الابنِ، واللهِ الرُّوحِ القُدُس.

إذًا مَن هو مَصدرُ مِيراثِنا؟ مَن هو المَصدر؟ ذاكَ الَّذي نُقدِّمُ لهُ الحَمدَ. فنحنُ لن نُبارِكَ اللهَ لو لم يُعطِنا ذلكَ المِيراث. فلو أنَّكَ حَصلتَ على مِيراثَكَ بأعمالِك، لِمَ ستُبارِك اللهَ؟ ولو أنَّكَ حَصلتَ على مِيراثِكَ مِن خلالِ واعِظٍ، لِمَ ستُبارِك الله؟ ولو أنَّكَ حَصلتَ على مِيراثِكَ مِن خلالِ شخصٍ شَهِدَ لكَ، لِمَ ستُبارِك الله؟ ولو أنَّكَ حَصلتَ على مِيراثِكَ مِن خلالِ قُدرتِكَ على فَهمِ الكتابِ المقدَّسِ، لِمَ ستُبارِك الله؟ ولكنَّنا نُبارِكُ اللهَ لأنَّهُ المَصدر. وَهُوَ المَصدرُ الَّذي هو اللهُ أبو رَبِّنا يسوعَ المسيح. وبِمَعزِلٍ عن عملِ المسيحِ، لم يَكُن بمقدورِ اللهِ أن يكونَ المَصدرَ لأنَّنا لن نَتمكَّنَ مِنَ الحُصولِ على المِيراث.

لِذا، لقد حَصلنا على عَطيَّةٍ: مِيراثٍ مُعطَى لنا هِبَةً مَجَّانيَّةً لأنَّنا صِرنا أولادًا لله. كيفَ ذلك؟ نَقرأُ في نهايةِ العددِ الأوَّل: "الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ". فقدِ اختارَ اللهُ أن يَجعلَنا أولادًا لَهُ. وعندما اختارَنا لنكونَ أولادًا لَهُ، اختارَ أن يُعطينا مِيراثًا أبديًّا. فهو المَصدَر.

وكما تَرَوْنَ، هذا هو ما جَعَلَ بُطرسَ يُوصينا بأن نُبارِكَ اللهَ: باركوا اللهَ الَّذي هو مَصدرُ مِيراثِكُم الأبديّ. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم شَيئًا. مِن غيرِ الصَّوابِ، بل إنَّها في اعتقادي خَطيَّةٌ جَسيمةٌ أن نَعيشَ حَياةً جَاحِدَةً. فَهي خَطيَّة ألاَّ نَقومَ دائمًا وأبدًا بتسبيحِ اللهِ، ومُباركةِ اللهِ، وحَمْدِ اللهِ، وإكرامِ اللهِ، وتَعظيمِ اللهِ، وعبادةِ اللهِ على مِيراثِكُم الأبديِّ الَّذي هو مَصدَرُهُ الوحيدُ مِن خلالِ المسيح.

هل تَملِكُ قَلبًا شَكورًا؟ وما أعنيهِ هو: هل تَملِكُ قَلبًا شَكورًا دائمًا؟ أرجو ذلك. دَعونا نَشترك معًا في كلمةِ صَلاة:

يا أبانا، نَشكُرُكَ على الطَّريقةِ الَّتي أَعلنتَ لنا مِن خلالِها سَخاءَكَ وصَلاحَك. ونَشكُرُكَ على المَراحِمِ الأبديَّةِ الَّتي لا تَنتهي والَّتي أسْبَغْتَها علينا مِن دونِ حَتَّى أن نَفعلَ أيَّ شيء. نُريدُ أن نأتي إليكَ بالتَّسبيح، ونُريدُ أن نأتي إليكَ بالحَمد، ونُريدُ أن نَشكُرَكَ على الهِبَةِ الَّتي وهَبتَها لنا. فنحنُ نُسَبِّحُكَ يا رَبُّ على مِيراثِنا الأبديّ.

ويا رَبّ، نُصَلِّي ألاَّ يكونَ تَسبيحُنا مُجَرَّدَ لَحظةٍ عابرة، بل أن يَستمرَّ أكثرَ مِن لَحظةٍ أو لَحظتينِ بعدَ مُغادرتِنا هذه الخِدمة. ونحنُ نُصلِّي، يا رَبّ، أن يَبقى هذا التَّسبيحُ مُلازِمًا لنا حَتَّى نَتذكَّرَ يَومًا بعدَ يَومٍ أن نُقَدِّمَ لكَ تَسبيحَنا. ويا رَبّ، إن كانَ يوجدُ في قلبِ أيِّ شَخصٍ مِنا رُوحُ عدمِ امتِنان، أو رُوحُ عدمِ رِضا، أو رُوحٌ يَرفُضُ التَّسبيحَ، اغفِر لنا، وطَهِّرنا، واملأ قُلوبَنا بالفَرح.

يا رَبّ، ساعِدنا على أن نكونَ أُمناءَ حَتَّى نُقَدِّمَ لكَ ما تَستحقّ. وَبِغَضِّ النَّظرِ عن مَشاكِلِنا العَويصةِ، وبِغَضِّ النَّظرِ عن اضطرابِ قُلوبِنا، لَيتَنا نَمتلئُ بالحَمْد. نُصَلِّي هذا باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize