Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دِراسَتِنا لكلمةِ اللهِ معًا، نحنُ نَدرسُ النَّصَّ العظيمَ لرسالة بُطرس الأولى. لذا، فإنَّني أدعوكم إلى أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّس معي على رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الرَّابع. ونحنُ نَتأمَّل مَرَّةً أخرى في الأعداد 7-11، وفي فِكرةِ "واجبِ المؤمنِ في عالَمٍ مُعادٍ". وفي يومِ الرَّبِّ الماضي، ابتدأنا في التَّأمُّلِ في هذا النَّصّ. وسوفَ نَستمرُّ في مُحاولةِ اكتشافِ ما فيهِ مِن حَقٍّ كِتابِيٍّ يومَ الرَّبِّ القادِم. لِذا فإنَّنا نَجِدُ أنفسَنا تَقريبًا في مُنتصفِ هذا المقطعِ الرَّائعِ مِنَ الكتابِ المقدَّس. وقبلَ أنْ نَغُوصَ عَميقًا في النَّصِّ الَّذي بينَ أيدينا، اسمَحوا لي أن أحاولَ تَعريفِكُم بالفِكرة مِن خلالِ الإشارةِ إلى نَصٍّ آخر مأخوذ مِن إنجيل لوقا يُدَوِّنُ كلماتِ يسوعَ في الأصحاح 14 والعدد 26: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ. فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا".

وَمِنْ دُوْنِ أن نَغوصَ عَميقًا في ذلكَ النَّصِّ تَحديدًا (لأنَّنا نُريدُ أنْ نُخَصِّصَ هذا العُمْقَ لمُناسبةٍ أخرى)، يُمْكِنُنا أنْ نُدركَ، على أقَلِّ تَقدير، أنَّهُ لا أحدَ يستطيعُ أنْ يَصيرَ تابعًا ليسوعَ المسيح مِن دونِ أنْ يَحسِبَ النَّفَقة. وَمِنَ الواضحِ مِن خلالِ ذلكَ النَّصِّ أنَّ المَعنى الضِّمنيَّ المَقصودَ هو أنَّ الثَّمَنَ باهِظٌ جدًّا. فلكي تكونَ مَسيحيًّا بِحَقّ، فإنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ الاستعدادَ لِدِفْعِ الثَّمَن. وعندما نَتحدَّثُ عن أهميَّةِ أنْ تكونَ تِلميذًا ليسوعَ المسيح، يجب علينا أنْ نَأخُذَ هذا الأمرَ بعينِ الاعتبار. ويجب علينا أنْ نُشجِّعَ النَّاسَ على حِساب النَّفَقة، وعلى حِسابِ الثَّمَن، وعلى التَّفكيرِ في ما يَطلُبُهُ المسيحُ مِنَّا. فالثَّمَنُ باهِظٌ لاتِّباعِ المسيح. ونحنُ نَذكُرُ في مَثَلِ الكَنْز المُخَبَّأ في الحَقْل وفي مَثَل اللُّؤلؤة الكثيرة الثَّمَن أنَّهُ في كِلْتا الحَالَتَيْن، باعَ الرَّجُلُ كُلَّ شيءٍ لديه ليشتري الكَنْزَ أوِ اللُّؤلؤة. وفي حالةِ الشَّابِّ الحَاكِم، طَلَبَ مِنْهُ يسوعُ أنْ يأخُذَ كُلَّ ما يَملِك، وأنْ يَبيعَهُ، وأنْ يأخُذَ مَالَهُ ويُعطيهِ للفُقراء، ثُمَّ أنْ يأتي وَيَتْبَعَهُ. وقد قالَ يسوعُ لمجموعةٍ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ أرادوا أنْ يكونوا تَلاميذَ لَهُ إنَّهُ يَتوقَّعُ منهم أنْ يَتخلَّوْا عن كُلِّ شيءٍ وأنْ يَتبعوهُ حالاً على حِسابِ أيِّ مَصلحة شخصيَّة أخرى لديهم. وقد تَرَدَّدَ هؤلاءِ الأشخاصُ وقالوا إنَّهُمْ يُريدونَ أن يَفعلوا أمورًا أخرى مِثلَ الاهتمامٍ ببعضِ الشُّؤونِ العائليَّة، أوْ أنْ أَدْفِنَ أبي، أو مَا شَابَهَ ذلك. وقد وَاجَهَ يَسوعُ أيضًا أولئكَ الأشخاصَ الَّذينَ صَاروا تَلاميذَ لَهُ إذْ قالَ لَهُمْ ببساطة: "اترُكوا شِباكَكُم واتَبعوني. تَخَلَّوْا عن طَريقَتِكُم في الحَياة وأُسلوبِكُم في الحياة في سَبيلِ اتِّباعي". ونحنُ لن نَتحدَّثَ عنِ الثَّمَنِ الباهِظِ للخلاصِ أكثرَ مِن ذلك، ولكنَّ ما أُريدُ أن أُذَكِّرَكُم به هو تلك الحقيقة الَّتي صَاغَها مَرَّةً على الأقل رَجُلٌ يُدعى "سورين كيركيغارد" (Soren Kierkegaard)، وهو فَيلسوفٌ، إذْ قالَ ما يَلي: "إنَّ الإنسانَ يَدفعُ ثَمَنًا أكبر للذَّهابِ إلى جَهَنَّم".

وقد عَبَّرَتِ الآية أمثال 13: 15 عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: "أَمَّا طَرِيقُ الْغَادِرِينَ فَأَوْعَرُ". فقد يكونُ طَريقُ التَّلمذة مُكْلِفًا، ولكِنَّ طَريقَ التَّلمذة ليسَ وَعْرًا لأنَّ يَسوعَ قال: "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي...لأَنَّ نِيرِي [ماذا؟] هَيِّنٌ وَحِمْلِــي خَفِيفٌ". فالثَّمَنُ الحقيقيُّ يُدْفَعُ مِنْ قِبَلِ الشَّخصِ الَّذي لا يُبْدي استِعدادًا لِدَفْعِ ثَمَنِ التَّلمذة. والوُعورةُ هي سِمَةُ طَريقِ الغَادِرين. وكُلُّ الكتابِ المقدَّسِ، وكُلُّ الخِبرةِ البشريَّة تُؤكِّدُ هذه الحقيقةَ وَحَسْب. فَإنْ رَفَضْتَ البِرَّ، وَرَفضْتَ الخَلاصَ، ورَفضْتَ أنْ تكون تِلميذًا ليسوعَ المسيح يَعني أنَّكَ اخترتَ الطَّريقَ الأَوْعَر؛ أيِ الحياةَ التي يَكثُرُ فيها الشُّعورُ السَّاحِقُ بالذَّنب، والحياةَ الَّتي تَكثُرُ فيها الأسئلةُ الَّتي ليست لها إجابات، والحياةَ التي تَعِجُّ بِخيباتِ الأملِ المؤلِمَة، والحياةَ الَّتي تَعِجُّ بالمشاكلِ الَّتي لا نِهايةَ ولا حَلَّ لها. وبعدَ ذلكَ كُلِّه: أنْ تَقضي الأبديَّة في جَهنَّم. لِذا، يجب علينا أنْ نَستنتِجَ وأنْ نَتذكَّرَ دائمًا (في اعتقادي) أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ ثَمَنَ التَّلمذةِ بَاهِظٌ، وبالرَّغمِ مِن أنَّها تَتطلَّبُ استعدادًا للتَّخَلِّي عن كُلِّ ما لَدينا في سَبيلِ اتِّباعِ المسيح، فإنَّ الثَّمَنَ ضَئيلٌ عندما نُقارِنْهُ بالثَّمَنِ البَاهِظِ لِرَفْضِ اتِّباعِ يسوعَ المسيح.

صَحيحٌ أنَّ اتِّباعَ يسوعَ المسيحِ مُكْلِفٌ، ولكِنَّهُ سَهْل. وهذهِ هي المُفارَقة العَجيبة للتَّلمذة. والحقيقة هي أنَّهُ في رسالة يوحنَّا الأولى 5: 3، فإنَّ يُوحَنَّا يُذَكِّرُنا حَتَّى بأنَّ وَصايا الرَّبِّ ليست ثَقيلة. فنحنُ قد دُعينا إلى اتِّباعِ المسيح. وقد دُعينا إلى أنْ نَكونَ تَلاميذَ لَهُ. وقد دُعينا أيضًا إلى أنْ نُطيعَ وَصاياه. وقد حَصَلْنا على تَعليماتٍ واضحةٍ في الكتابِ المقدَّس. وقد حَصَلْنا أيضًا على القُوَّةِ المُباشِرَةِ مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُسِ لكي نَتمكَّنَ مِنْ تَنفيذِ تلكَ الوَصايا. والنَّتيجةُ هي الفَرَح. وإنْ كُنَّا مُستعدِّينَ لإطاعةِ العقائدِ الأساسيَّة المُختصَّة بالحياةِ المسيحيَّة بقوَّةِ الحياةِ المُمتلئة بالرُّوح، سوفَ نَجِدُ أنَّ النِّيْرَ هَيِّنٌ وأنَّ الحِمْلَ خَفيف. لِذا، معَ أنَّهُ يجب علينا أنْ نَتحدَّثَ عن كُلْفَةِ التَّلمذة، يجب علينا أيضًا أنْ نتحدَّثَ عن سُهولةِ التَّلمذة بسببِ نِعمةِ المَسيحِ العظيمةِ المُعطاة في الرُّوح.

نحنُ نَعيشُ في عَالمٍ مُعَقَّد. ولا أَحَدَ يُجادِلُ في ذلك. ولكِنْ يبدو أنَّ المسيحيَّةَ المُعاصِرَة تَميلُ إلى افتراضِ أنَّهُ حيثُ إنَّ العَالَمَ مُعَقَّدٌ، فإنَّ حُلولَ مشاكلِ المؤمنِ مُعَقَّدة أيضًا. ولكِنَّ الأمرَ ليسَ كذلك. فالنِّيْرُ هَيِّنٌ والحِمْلُ خَفيف. "مَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى الْجُهَّالُ، لاَ يَضِلُّ". فالحُكماءُ والمُتَعَقِّلونَ لا يَعلمونَ ذلك. ولكِنَّ الأشخاصَ العادِيِّينَ والمُتواضِعينَ، والأدنياءَ، والضُّعفاءَ، والأطفالَ يَعرفونَ الأمورَ المُختصَّةَ بالله. فأُسُسُ الحياةِ المسيحيَّة (في اعتقادي) ليست مُعَقَّدة، بل هي بسيطة ومُباشِرَة. وأعتقد أنَّ ما يُشارِكَنا بِهِ بُطرسُ في هذا النَّصِّ يُطلِعُنا على العناصرِ الأساسيَّة البسيطة لعيشِ الحياةِ المسيحيَّة. فهو واحدٌ مِن تلكَ النُّصوصِ التَّلخيصيَّة العظيمة الَّتي تَقولُ الكثيرَ جِدًّا في كلماتٍ قليلة جِدًّا.

تَابِعوني في أثناءِ قِراءتي: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ. وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا. كُونُوا مُضِيفِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلاَ دَمْدَمَةٍ. لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً، يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ. إِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فَكَأَقْوَالِ اللهِ. وَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ فَكَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةٍ يَمْنَحُهَا اللهُ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِين".

لِذا، إذْ نأتي إلى هذا النَّصِّ وَنَرى، في الحقيقة، سُهولةَ التَّلمذةِ، والنِّيْرَ الخَفيفَ، والحِمْلَ الهَيِّنَ الَّذي يَصيرُ كذلكَ بِنعمةِ المسيحِ مِنْ خِلالِ رُوحِهِ وَمِن خِلالِ إعلانِ حَقِّه، فإنَّنا نأتي إلى أُسُسِ الحياةِ المسيحيَّةِ في مَقطَعٍ مُوْجَزٍ رائع. ولكِنْ قبلَ أنْ نَنظُرَ مَرَّةً أخرى نَظرةً مُحَدَّدَةً إلى هذه الخُلاصة، اسمحوا لي أنْ أُشَجِّعَكُم بِفكرة تَمهيديَّة أخرى. فأنا أعتقدُ أنَّ واحدةً مِن سِماتِ الحياةِ المسيحيَّة، وواحدةً مِن سِماتِ الطَّبيعةِ الجَديدة، وواحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي تُغرَسُ في قلبِ المؤمنِ هو التَّوقُ إلى أنْ تَكونوا على الصُّورةِ الَّتي يُريدُ اللهُ مِنكُم أنْ تَكونوا عليها. ونحنُ نَجِدُ هذا التَّعبيرَ في رسالة رُومية والأصحاحِ السَّابعِ إذْ إنَّ بولسَ يَرى الخطيَّة كشيءٍ لا يُريدُ أنْ يَفعلَهُ، أو كشيء يَفعلُهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ لا يَجْدُرُ بِهِ أنْ يَفعلَهُ، أو كشيءٍ لا يَفعلُهُ بالرَّغْمِ مِن أنَّهُ يَجْدُرُ بهِ أنْ يَفعلَهُ. بعبارة أخرى، عندما نَقرأُ ما جاءَ في رُومية 7 وَنَتأمَّلُ في وَصَفِ بُولسَ لِتَجربَتِهِ الرُّوحيَّة، يُمكِنُنا أنْ نَرى بوضوحٍ أنَّهُ يُريدُ أن يُطيعَ ناموسَ اللهِ المُقدَّس والعادِل والصَّالِح. وعندما لا يَفعل ذلك، فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هي تلكَ الطَّبيعة القديمة المُلتصِقَة بطبيعَتِهِ المَفْدِيَّة والتي تَجْعَلُهُ لا يَفعلُ الأشياءَ الَّتي يُريدُ أن يَفعلَها، وأنْ يَفعلَ الأشياءَ الَّتي لا يُريدُ أنْ يَفعلَها.

وما أَستخلِصُهُ مِن ذلكَ، مِنْ بينِ أمورٍ كثيرةٍ أخرى، هو حقيقةُ أنَّهُ توجد في داخلِ المؤمنِ رَغبة في فِعْلِ الصَّواب، وَتَوْقٌ إلى ما هُوَ صَواب، وتَوْقٌ إلى ما هو الأفضل. ويُمكنُنا أنْ نُلَخِّصَ ذلكَ بالقولِ إنَّهُ بسببِ امتلاكِ المُؤمِنينَ للطَّبيعةِ الجديدة فإنَّهُم يُبغِضونَ الخطيَّة ويُحِبُّونَ البِرّ. وقد تَصيرُ تلكَ الصُّورةُ ضَبابيَّةً بسببِ طَبيعَتِنا السَّاقطة؛ ولكِنَّ هذا هو المُحَرِّكُ الرَّئيسيُّ للخليقةِ الجديدة. فنحنُ نَرغبُ في عَمَلِ الصَّواب. ولكِنْ، يا أحبَّائي، هذا لا يَكفي. فهذهِ الرَّغبةُ لا تَكفي لِتَحقيقِ ما يُريدُهُ اللهُ مِنَّا. وإنِ افْتَرَضْنا أنَّ ذلكَ يَكفي فإنَّ الأمرَ يُشبِهُ طِفلاً يُقَرِّرُ أنَّهُ يُريدُ أنْ يَكونَ مِثلَ شخصٍ آخر.

فقد يَحلُمُ بأنْ يكونَ لاعِبًا رَئيسيًّا في فَريقٍ كبير في كُرَةِ القَاعِدة. لِذا فإنَّهُ يُحْضِرُ مِضْرَبَهُ الصَّغير ويَقِفُ في السَّاحَةِ الخَلفيَّةِ لِمَنزِلِهِ، ويَنظُرُ إلى صُورةِ بَطَلِهِ في كُرَةِ القاعِدَة، ويُحاولُ أنْ يَقِفَ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي يَقِفُ بها ذلكَ البَطَل، ويُحاولُ أنْ يُمسِكَ المِضْرَبَ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي يُمْسِكُهُ بها ذلكَ البَطَل، ويُحاولُ أنْ يُلَوِّحَ بِمِضْرَبِهِ الصَّغيرِ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي يُلَوِّحُ بها ذلكَ البَطَلُ بِمِضْرَبِهِ الكَبير. أو رُبَّما كانَ لَديهِ عَمٌّ صَارَ طَبيبًا عظيمًا يُسَاعِدُ في شِفاءِ مِئاتِ النَّاس. وهذا الطِّفلُ الصَّغيرُ مَفْتونٌ جِدًّا بِمَهارَةِ عَمِّهِ وَيَتوقُ إلى أنْ يَصيرَ ذاتَ يَومٍ مِثْلَ عَمِّهِ. لِذا فإنَّهُ يُحْضِرُ سَمَّاعَتَهُ الصَّغيرةَ، وهي رُبَّما كانت سَمَّاعَةً قَديمةً تَوَقَّفَ عَمُّهُ عنِ استخدامِها، وَيضَعُها حَوْلَ عُنُقِهِ وَهُوَ يَجُوْلُ في أَرجاءِ مَنْزِلِهِ ويَتَظاهَرُ بأنَّهُ طَبيب. أو رُبَّما أرادَ ذلكَ الطِّفلُ الصَّغيرُ أنْ يَكونَ مُوسيقيًّا عَظيمًا فَيُمسِكُ آلَةَ الكَمانِ وَيَعْزِفُ عليها بطريقةٍ مُزعجةٍ جِدًّا حَتَّى إنَّكَ تَتَمَنَّى لو أنَّ تلكَ الآلة تَتَحَطَّمُ بطريقةٍ مَا.

ولكنِّي أقولُ لكم إنَّ الرَّغبةَ في تحقيقِ ذلك لا تَعني أنَّهُ سيتحقَّق. فالرَّغبةُ في ذلك لا تَكفي. فبطريقةٍ ما، يجب على ذلك الطِّفل أنْ يَبتدئَ بتلكَ الرَّغبةِ أوِ المَوهبةِ وأنْ يَصْقُلَها مِنْ خِلالِ حَياةٍ كَامِلَةٍ يَصْرِفُها في التَّدريب. وخلالَ تلكَ الحياة، يجب عليهِ أنْ يَصرِفَ وقتَهُ وطاقَتَهُ في بِناءِ أُسُسِ العاداتِ السَّليمة، وَرُدودِ الأفعالِ، والقُوَّة، والتَّوقيت، وحَتَّى الذَّاكرة الَّتي سَتُمَكِّنُهُ مِنَ القيامِ بذلكَ الشَّيءِ العظيمِ الَّذي يَرغبُ فيه. ولكِنَّ الرَّغبةَ وَحدَها لا تَكفي. صَحيحٌ أنَّ ذلكَ الحُلُمْ قد يَبتدئُ بِرَغبة، ولكِنَّهُ لن يَتحقَّقَ بالرَّغبة فقط. فنحنُ جَميعًا نَعلم أنَّ اللَّحظةَ المُناسبةَ في ضَرْبِ الكُرَة في الوقتِ الحَرِجِ مِنْ مُباراةٍ عَالميَّة يُمْكِنُ أنْ تَقْلِبَ المَوازينَ وأنْ تَجعلَ الفَريقَ يَربَحُ الكَأس. ولكِنَّ تلكَ القُدرةَ على الأداءِ العَالي في الأوقاتِ الحَرِجَةِ أوْ أوقاتِ الأزمةِ عندما يَكونُ كُلُّ شيءٍ على المِحَكِّ لا تُبْنَى على الرَّغبةِ القويَّة فقط، بل على الاستعدادِ الجَيِّد. أليسَ كذلك؟ والقُدرةُ على الأداءِ الجَيِّدِ في وَقْتِ الأزْمَةِ في غُرفةِ العَمليَّاتِ (عندما تَكونُ حَياةُ إنسانٍ في خَطَر وعندما تَكونُ حَياةُ ذلكَ الإنسانِ تتوقَّفُ عليكَ) لا تُبْنَى على الرَّغبةِ وَحَسْب، بل تُبْنى على الاستعدادِ الجَيِّدِ الَّذي جَعَلَكَ مُستعدًّا لتلكَ اللَّحظةِ الحَرِجَة. والقُدرةُ على الوُقوفِ أمامِ جُمهورٍ نَاقِدٍ يَمْتَلِكُ قُدرةً على تَمييزِ الأخطاءِ لا تأتي بِمُجَرَّدِ الرَّغبة في القيامِ بذلك، بل تُبْنى على الاستعدادِ الجَيِّد. أجل، على حَياةٍ كُلُّها استعداد.

وأنا أقولُ لكم، يا أحبَّائي، إنَّ هُناكَ مُؤمِنينَ كثيرينَ، بل إنَّ أغلبَ المؤمنينَ لَديهم رُؤية لأنَّهُم يَستطيعونَ أنْ يَرَوْا صُورةَ المسيحِ في كَلِمَةِ اللهِ، ولَديهم الرَّغبة في النُّمُوِّ الرُّوحِيِّ؛ ولكِنَّهُم [اسمعوني جَيِّدًا] لا يَمْلِكونَ الانْضِباطَ اليَوميَّ المَطلوبَ لتحقيقِ ذلك. والرَّغبةُ وَحْدُها لا تُمَكِّنُهُمْ مِن تَحقيقِ رُؤيَتِهِم في الأوقاتِ الحَرِجَة. وَهذا هو السَّبَبُ في أنَّ مُؤمِنينَ كَثيرينَ لَدَيهم رُؤية ولكنَّهُم يُخفِقونَ في تَحقيقِها عندما تَدعو الحاجةُ إلى ذلك. فعندما يَقتربونَ مِنَ الأزمة، فإنَّهُمْ يُحِبُّونَ أنْ يَبحثوا عن طُرُقٍ مُختَصَرة. وَهُمْ يُحِبُّونَ أنْ يأخُذوا دَورةً سَريعةً في القُوَّةِ الرُّوحيَّةِ عندما تَقتربُ لَحظةُ الأزمة. ولكِنَّ ذلكَ لا يَحدُث. فالطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يَصيرُ فيها النِّيْرُ هَيِّنًا، والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يَصيرُ فيها الحِمْلُ خَفيفًا، والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي تَصيرُ فيها مُستعدًّا لِمُواجهةِ الأزمة هي عندما تَستعدُّ مِنْ خِلالِ التَّدريبِ الرُّوحيِّ المُتَمَثِّلِ في إطاعَةِ مَبادئِ الحياةِ المسيحيَّةِ المُعلَنَة. فلا توجد طُرُق مُختَصَرة. ولا تُوجَد حُلول سَريعة. فالمَبادئُ الرُّوحيَّةُ المُطَبَّقَةُ يومًا تِلْوَ الآخَر هي الَّتي تَعمَلُ على بِناءِ القوَّةِ والشَّجاعةِ والجُرأةِ والعُمقِ الَّذي يَجعَلُنا نُحْسِنُ الأداءَ في وقتِ الأزمَة.

فيبدو أنَّ المؤمنينَ يَجِدونَ صُعوبةً بالغةً في فَهْمِ أنَّكَ لا تستطيعُ أنْ تَعيشَ حَياةً خَارجةً عنِ السَّيطرة، ثُمَّ أنْ تُحاوِلَ...عندما تأتي اللَّحظةُ الحَرِجَة...أنْ تُحاولَ السَّيطرةَ عليها وأنْ تَعيشَ وتَتصرَّفَ للوَقْتِ مِثْلَ المَسيح. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَفعلَ ذلك إنْ لم تَكُنْ تَعيشُ بَقِيَّةَ حَياتِكَ كَما يُريدُ مِنْكَ المسيحُ أنْ تَعيش. ولكِنَّ هذا النَّوعَ مِنَ المَسيحيَّةِ السَّطحيَّةِ هُوَ الَّذي يُغَذِّي السَّطحيَّةَ السَّائِدَةَ في وَقتنِا الحاضِر.

وقد كَتَبَ "دالاس ويلارد" (Dallas Willard) كِتابًا بعُنوان: "رُوحُ الانْضِباط" (The Spirit of the Disciplines) قالَ فيه (وأنا أَقتَبِسُ ما كَتَبَهُ): "إنَّ الأحداثَ الَّتي تَحدُثُ فَجأةً ليست المَكانَ الَّذي يُمكِنُنا فيهِ، حَتَّى بِنِعمةِ اللهِ، أنْ نُعيدَ فيهِ تَشكيلَ مُيولِنا وأفعالِنا البَعيدة كُلَّ البُعْدِ عنِ المسيحِ لِتَصيرَ فَجأةً مُشابهةً للمسيح. فِجُهودُنا للسَّيطرةِ على تلكَ اللَّحظةِ سَتَفشَلُ فَشَلاً ذَريعًا غَيرَ مُشَرِّفٍ حَتَّى إنَّ كُلَّ مَشروعِ اتِّباعِ المسيحِ سيبدو سَخيفًا في نَظَرِ العَالَمِ الَّذي يُراقِبُ ما يَجري" (نِهايةُ الاقتباس). وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "قبلَ عُقودِ خَلَتْ، نُشِرَتْ رِواية مَسيحيَّة ناجحة جِدًّا بِعُنوان: ’في خُطَى المَسيح‘ (In His Steps)"، وهي رِواية قَرأناها مؤخَّرًا. "وَالحَبْكَةُ تَدورُ حَولَ سِلسلةٍ مِنَ الأحداثِ المأساويَّةِ الَّتي تَجْعَلُ خَادِمَ إحدى الكَنائسِ الَّتي تُنادي بإنجيلِ الرَّخاءِ يُدرك كَمْ أنَّ حَياتَهُ الشَّخصيَّةَ صَارَتْ بَعيدةً كُلَّ البُعْدِ عنِ التَّمَثُّلِ بالمَسيح. ثُمَّ إنَّ الخَادِمَ يَقودُ رَعِيَّتَهُ في تَعَهُّدٍ جَماعِيٍّ بأنْ لا يَفعلوا أيَّ شَيءٍ مِنْ دونِ أنْ يَطرحوا أوَّلاً السُّؤالَ التَّالي: ’ماذا كانَ يَسوعُ سَيَفعلُ في هذه الحالة؟‘ وَالآن، كَما يُوَضِّحُ مُحتوى الكِتاب، فإنَّ الكَاتِبَ فَهِمَ أنَّ هذا التَّعَهُّدَ يَعني عَقْدَ العَزْمِ على اتِّباعِ يَسوعَ، وعلى السَّيْرِ بِدِقَّة في خُطَاه. وهي، بِكُلِّ تأكيد، رِواية. ولكِنْ حَتَّى في الحياةِ الواقعيَّة، يُمْكِنُنا أنْ نَعتَمِدَ على التَّغييراتِ المُهِمَّةِ في حياةِ أَكْثَرِ المُؤمِنينَ شَوْقًا مِمَّنْ قَطَعُوا عَهْدًا كَهَذا كَما يَحْدُثُ في ذلكَ الكِتاب". ثُمَّ إنَّهُ يَكْتُبُ ما يَلي: "ولكِنْ يوجد خَلَلٌ في هذا التَّفكير. فإنْ سَألنا أنفسُنا: ’ماذا كانَ يَسوعُ سَيَفعل؟‘ عندَما نُواجِهُ فَجأةً مَوقِفًا خَطيرًا، فإنَّ هذا لن يكونَ تَدريبًا أوِ استعدادًا كَافِيًا يُمَكِّنُ المَرءَ مِنَ التَّمَثُّلِ بالمسيحِ في حَياتِه. فَمَعَ أنَّهُ لا شَكَّ في أنَّ ذلكَ سَيَكونُ مُفيدًا بعضَ الشَّيء، وأنَّهُ بلا أَدنى شَكٍّ أفضل مِنْ أَلَّا نَفعلَ شيئًا البَتَّة، ولكِنَّ ذلكَ وَحْدَهُ ليسَ كَافيًا لِجَعلِنا نَعْبُرُ بجُرأةٍ وثِقَةٍ أيَّ أزمَة. وقد نَجِدُ أنَّنا قد وَقَعْنا بسهولةٍ فَريسةَ اليأسِ بسببِ الضَّغْطِ والضُّعفِ النَّاجِمِ عن ذلك" (نِهايةُ الاقتباس).

إنَّ السِّرَّ في الاستعدادِ للأزمة، وَفي أنْ يَكونَ النِّيْرُ هَيِّنًا والحِمْلُ خَفيفًا هو أنْ نَتعلَّمَ كيفَ نَعيشُ الحياةَ المسيحيَّةَ طَوالَ الوقتِ كي نُنَمِّي العاداتِ، والمَصادِرَ، وَرُدودَ الأفعالِ، والتَّوقيتَ، والقُوى، والذَّاكرة، والإيمانَ، والشَّجاعةَ الرُّوحيَّةَ اللَّازمة لِمُعالجةِ الأزمَة. فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فالتَّمَثُّلُ بالمسيحِ هُوَ هَدَفُنا، ولكِنْ لكي نَتمكَّنَ مِنَ القيامِ بذلك، لا يَكفي أنْ نَتَمَنَّى وَحَسْب. بل إنَّ ذلكَ يَنْجُمُ عنِ التَّدريبِ الرُّوحيِّ اليوميّ. وقد قالَ يَسوعُ في إنجيل لوقا 6: 40: "لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَارَ كَامِلاً يَكُونُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ".

وقد كَتَبَ الرِّوائِيُّ "ليو تولستوي" (Leo Tolstoy) ذاتَ مَرَّة: "حَياةُ الإنسانِ بأسرِها هي تَناقُضُ مُستمرٌّ لما يَعرِفُ بأنَّهُ وَاجِبُه. فَهُوَ يَتصرَّفُ في كُلِّ شيءٍ في الحَياةِ بِما يُناقِضُ تَمامًا ما يُمليهِ عليهِ ضَميرُهُ وَما تُمليهِ عليهِ فِطرَتُه" (نِهايةُ الاقتباس). والآن، هُناكَ تَعليقٌ على مَأساةِ الإنسانِ السَّاقِط: فهو غَيرُ قادِرٍ حَتَّى على القيامِ بِما يَعتقِدُ [بالرَّغْمِ مِنْ سُقوطِهِ] أنَّهُ صَحيح. فَجُزْءٌ مِنْ طَبيعةِ الإنسانِ السَّاقطة هي أنْ يَكونَ ضَعيفًا. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يَستطيعُ مِنْ خِلالها المُؤمِنُ، بالرَّغْمِ مِنْ حَياتِهِ المُتَجَدِّدَة، أنْ يَتَغَلَّبَ على ذلكَ التَّأثيرِ النَّاجِمِ عنِ السُّقوط هُوَ أنْ يَحْصُدَ عَاداتٍ تَقِيَّة.

لِذا، يا أحبَّائي، فإنَّ الهَدَفَ مِنْ هذا كُلِّه هو أنْ أقولَ الآتي: إنَّ ما يَقولُهُ بُطرسُ هُنا يُعطينا أَنْماطًا للحياةِ اليوميَّة إذْ إنَّهُ يُلَخِّصُ كيفَ ينبغي لنا أنْ نَعيشَ بِصِفَتِنا مُؤمِنين.

وهُناكَ ثَلاثُ نِقاطٍ في النَّصِّ أُريدُ أنْ أَلْفِتَ أنظارَكُم إليها. وفي الأسبوعِ الماضي، تَحَدَّثنا عنِ النُّقطةِ الأولى وهي: "الحِافِز". والحَافِزُ مَذكورٌ في العددِ السَّابع: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ". وعندما يَقولُ "نِهاية" ("تيلوس" – “telos”)، فإنَّهُ لا يَعني التَّوَقُّف. فهي ليست فِكرةً زَمَنِيَّة. فهو لا يَعني انتهاءَ شيءٍ ما، بل يَعني اكتمالَ شَيءٍ مَا، أوْ بُلوغَ الهَدَف، أوْ إنجازَ شَيءٍ، أو تَحقيقَ غَايَة، أوْ تَحقيقَ المَصير. وأعتقدُ أنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ في عَودةِ يسوعَ المسيح. فالحَافِزُ إلى الحياةِ المُقَدَّسَةِ هو أنْ نَعيشَ حَياةَ تَرَقُّبٍ دائمٍ لعودةِ المسيحِ المُفاجئة. وقد صَرَفْنا كُلَّ وقتِنا مَساءَ الأحدِ الماضي في الحَديثِ عن هذه النُّقطةِ فقط.

ولننتَقِل إلى النُّقطةِ الثَّانية إذْ سَنَنْتَقِلُ مِنَ الحَافِزِ إلى التَّعليمات...التَّعليمات. فالأعدادُ مِنْ (7ب) إلى الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ العَدَد (11) تُعطينا تَعليماتٍ عنِ الحياةِ التَّقيَّة؛ أيْ كَيفَ تَسْلُكُ في حَياتِكَ اليوميَّةِ بطريقةٍ تَبْني مِنْ خِلالِها تلكَ العَاداتِ الَّتي سَتَجْعَلُكَ تَثْبُتُ قَوِيًّا في الأزمَة. وكيفَ تَعيشُ تلكَ الحَياةِ الَّتي سَتَجْعَلُكَ بالرَّغْمِ مِنَ الكُلْفَةِ العَاليةِ للتَّلمذةِ تَقولُ إنَّ النِّيْرَ هَيِّنٌ وإنَّ الحِمْلَ خَفيف، والتي سَتَجْعَلُكَ تَقولُ إنَّ وَصايا اللهِ ليست ثَقيلة. فإليكُم الأنماطَ الحَياتيَّةَ الَّتي ينبغي أنْ تَتَرَسَّخَ لَديكُم:

وَهِيَ تَنْدَرِجُ تَحْتَ ثَلاثِ فِئات: القَداسةُ الشَّخصيَّة، والمحبَّة، والخِدمة. فهذه هي الأبعادُ الثَّلاثةُ الَّتي نُرَكِّزُ عليها في حَياتِنا المسيحيَّة. والبُعْدُ الأوَّلُ (وَهُو "القَداسة الشَّخصيَّة") يَختصُّ بعلاقَتِنا باللهِ وكَلِمَتِهِ المُعلَنة. والبُعدُ الثَّاني (وَهُوَ: "المحبَّة") يَختصُّ بعلاقتِنا بالآخرين. والبُعدُ الثَّالثُ (وَهُوَ: "الخِدمة") يُعَبِّرُ مَرَّةً أخرى عنْ مَسؤوليَّتِنا في تَحقيقِ خُطَّةِ اللهِ لنا مِنْ جِهَةِ الخِدمةِ في جَسَدِ المسيح. القَداسةُ، والمَحَبَّةُ، والخِدمة.

ولنتحدَّثُ عنِ القَداسة. لاحِظوا العدد 7 إذْ يَقول: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَات". وهذا يُلَخِّصُ حَقًّا القَداسَة. فالتَّعَقُّلُ وَالصَّحْوُ للصَّلواتِ يَعني أنْ تكونَ حياتي طَاهرة جدًّا ومُستقيمة جدًّا حَتَّى تكونُ شَرِكَتي معَ اللهِ الحَيِّ القُدُّوسِ مِنْ دُوْنِ مُعَوِّقات. وماذا عنْ تلكَ الكلمة: "تَعَقَّلوا"؟ إنَّ هذا اللَّفْظَ هُوَ تَرجمة لِكَلمتَيْن: الأولى تُشيرُ إلى "الحِفْظ"، والثَّانية تُشيرُ إلى "العَقْل". وأعتقدُ أنَّنا نَستطيعُ أنْ نَستخلِصَ مِنْ ذلكَ أنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ هي: "أنْ تَحْفَظَ عَقْلَكَ". احْفَظْ عَقلَكَ، واحْمِهِ، وَصُنْهُ، وحَافِظ على صَفائِه. وهُناكَ طَريقة أخرى للتَّعبيرِ عن ذلكَ وهي أنْ تُثَبِّتُ عَقْلَكَ على الأولويَّاتِ الرُّوحيَّة، وأنْ تُثَبِّتَهُ على الأشياءِ المُقَدَّسة. وإنْ أَردنا أنْ نَستَعيرَ مَا قالَهُ بُولسُ إلى أهلِ كُولوسي: "اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض". وهي قد تُشيرُ أيضًا هُنا إلى عَدَمِ الانجرافِ وَراءَ المَشاعِر، وعدمِ الانجرافِ وَراءَ الأهواء. فقد يَكونُ هَذا المَفهومُ جُزءًا مِنَ المَعنى. وهي نَفسُ الكلمة المُستخدَمة في إنجيل مَرقُس 5: 15 عندَ التَّحَدُّثِ عنِ المَجنونِ الَّذي أَخْرَجَ يَسوعُ مِنْهُ عَدَدًا كبيرًا مِنَ الأرواحِ النَّجِسَة إذْ نَقرأُ أنَّهُمْ نَظَروا فَرَأوا ذلكَ المَجنونَ لابِسًا وَعاقِلاً. فهي نفسُ الكلمة. وهي تُستخدَمُ في رِسالة رُومية 12: 3: "أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ"؛ أيْ أنْ نُفَكِّرَ تَفكيرًا سَليمًا وأنْ نَسْتَأسِرَ فِكْرَنا للحَقِّ الإلهيِّ.

فَكُلُّ شَيءٍ يَنبُعُ مِنَ العَقل. فالكِتابُ المُقدَّسُ يَقول: "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ [أوِ افْتَكَرَ] فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ". فالعَقلُ السَّليمُ والتَّفكيرُ السَّليمُ يَعكِسُ تَوَجُّهًا مُقَدَّسًا. فالعالَمُ الخاطئُ الَّذي نَعيشُ فيه، والمُنغَمِسُ في الذَّاتِ، والمُخادِعُ، والمُستعبَدُ لإبليس هُوَ مَكانٌ مِنَ السَّهلِ جِدًّا فيه أنْ تَفقِدَ تَمييزَكَ الرُّوحيَّ. أليسَ كذلك؟ فهو مَكانٌ كَبيرٌ قد تَفقِدُ فيهِ تَوازُنَكَ العَقليَّ والأخلاقيَّ. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ: "كُونوا مُتَعَقِّلينَ رُوحيًّا". وما الَّذي يَعنيهِ بذلك؟ فَكِّروا في اللهِ، وفَكِّروا في الأشياءِ الرُّوحيَّة، وفَكِّروا في الأشياءِ المُقَدَّسة، وفَكِّروا في الأفكارِ الإلهيَّة. وهذا يُذَكِّرُني بآيةٍ تَعَلَّمتُها عندما كُنتُ طِفلاً صَغيرًا وهي يَشوع 1: 8: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ". فَمُنذُ البداية، أيْ مُنذُ اللَّحظةِ الأولى، قالَ اللهُ: "يجبُ عليكم أنْ تُفَكِّروا في كلمَتي".

وفي رسالة فيلبِّي (كَما دَرَسنا في تلكَ الرَّسالةِ الرَّائعةِ الَّتي أَنْهَيْناها في هذا الصَّباح، والتي أَعلمُ أنَّنا نَتَذَكَّرُها جَيِّدًا)، نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الثَّامِن: "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". فَالتَّعَقُّلُ، وَالحِفاظُ على صِحَّتِكَ العَقليَّة، والتَّمَسُّكُ بذلك هُوَ أمرٌ مُهِمٌّ جِدًّا للقداسةِ المسيحيَّة. والآية كُولوسي 3: 16 تُعطينا نَظرة أخرى إلى ذلك إذْ نَقرأ: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ [كيف؟] بِغِنىً". فهذا يَحفظُ العَقل، ويَحمي العَقل، ويُبْقي العَقلَ مُرَكِّزًا على الأشياءِ الطَّاهرة. وبولُس يَكتُبُ إلى تيطُس قائلاً: "لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِر".

لِذا، يا أحبَّائي، يجب عليكم أنْ تَستأسِروا فِكْرَكُم إلى طَاعةِ المسيحِ وَطاعَةِ كلمةِ اللهِ. فالسِّمَةُ العَظيمةُ للتَّعَقُّلِ، أوِ السِّمةُ العَظيمةُ للتَّعَقُّلِ الرُّوحِيِّ، هي أنَّهُ يَرى الأشياءَ مِنْ مَنظورِها الصَّحيح، وَوَفْقًا لأولويَّاتِها الصَّحيحة، وَوَفْقًا لأبعادِها الصَّحيحة. فهو يَرى ما هُوَ مُهِمٌّ. وَهُوَ يَرى ما هُوَ ليسَ مُهِمًّا. فهو لا يَتِيْهُ بِسببِ عَاطِفَةٍ مُفاجِئَة. وَهُوَ لا يَتَشَوَّشُ بأوهامٍ مُتَقَلِّبَة. فَهُوَ ليسَ خَيالاتٍ غير مُتوازِنَة. وَهُوَ ليسَ عَدَمَ مُبالاةٍ حَمْقاء. ويا أحبَّائي، إنَّ الأشخاصَ الوَحيدينَ الَّذينَ يَمْتَلِكونَ هذا النَّوعَ مِنَ التَّعَقُّلِ هُمْ أولئكَ الَّذينَ تَبقى أذهانُهُمْ (كَما قَالَ كَاتِبُ التَّرنيمة): "شَاخِصَة إليكَ". فهذا هو المؤمنُ المُتَعَقِّلُ وَالمُتوازِن.

وهُناكَ صِيَغٌ أُخرى لهذه الكلمة مَذكورة في العهدِ الجديد. وواحِدة مِنها مَذكورة في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 3: 2، وهي تُتَرْجَمُ: "عَاقِلاً" أو "مُتَعَقِّلاً". وهي تَرِدُ أيضًا في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 1: 7، وهي تُترجَمُ: "النُّصْح" أو "ضَبْط النَّفس". وهي تَرِدُ أيضًا في الرِّسالة إلى تِيطُس 2: 2، وَتُتَرجم أيضًا: "مُتَعَقِّلين". وهي تُستخدَمُ ثلاثَ أو أربعَ مَرَّاتٍ (كَما أَذْكُر) في ذلكَ الأصحاحِ وَحْدَهُ. فيجب أنْ تَكونَ شخصًا عَاقِلاً، ومُنضَبِطًا، ومُتَعَقِّلاً، وصَاحِبَ عَقْلٍ مُنْضَبِطٍ. وَكُلُّ هذه الاستعمالاتِ لهذا المُصطلحِ وَمُرادِفاتِهِ العَديدة تَحْمِلُ مَعنى الانضباطِ المُتَّزِن. وَهِيَ تأتي هُنا بِمَعنى التَّفكيرِ الخَاضِعِ للانضباطِ الذَّاتِيِّ، أوْ بالحَرِيِّ بِمَعنى التَّفكيرِ الخَاضِعِ للانضباطِ الإلهيِّ. فهذا يَحْمي المُؤمِنَ مِنْ أنْ يَكونَ ضَحِيَّةً للتَّجربةِ، وَيَقودُهُ إلى القَداسةِ الشَّخصيَّة. وعندما يَصيرُ ذلكَ هُوَ نَمَطُ الحياةِ اليوميَّةِ في لَحظةِ الأزمَة، نَصيرُ مُتَمَثِّلينَ بالمسيح. فالذِّهْنُ هُوَ المِفْتاح.

ولكِنَّ بُطرسَ لم يُكْمِلْ حَديثَهُ عَنْ هذه النُّقطة. انظروا مَرَّةً أخرى إلى العدد 7. فهو يَقول: "فَتَعَقَّلُوا"، ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قائلاً: "وَاصْحُوا". وهذه الكلمة مُرادفة للأولى أوْ شَبيهة جِدًّا بِها. وهي تَعني بصورة أساسيَّة أنْ تُبْقي ذِهْنَكَ صَاحِيًا، أوْ أنْ تَنْظُرَ إلى الأُمورِ الجَادَّةِ نَظرةً جَادَّة، أوْ أنْ تَكونَ حَذِرًا أوْ مُتَيَقِّظًا. وهي تُتَرْجَمُ في إنجيل مَتَّى 24: 42: "اِسْهَرُوا". وفي إنجيل مَتَّى 26: 40 و 41: "اِسْهَرُوا". ويُمكِنُكُم أنْ تَدمُجوا هَذينِ المُصطَلَحَيْنِ معًا على النَّحوِ التَّالي: إنَّ التَّفكيرَ السَّليمَ، والجَلِيَّ، والطَّاهرَ، والكِتابِيّ يَقودُ إلى التَّعَقُّلِ الرُّوحِيِّ واليَقَظَة الرُّوحيَّة. فهو يَجعلُ المَرءَ قادرًا على رُؤيةِ الأشياءِ مِنْ مَنظورِها الأبديِّ، وَمِنْ مَنظورِها الإلهيِّ، ويَقودُ إلى رُدودِ فِعْلٍ سَليمة.

وهذا أمرٌ لا غِنَى عنهُ. فهو أمرٌ لا غِنَى عنهُ في جانبٍ مُهمٍّ جِدًّا جِدًّا في الحياةِ المسيحيَّة وهو ذلكَ المَذكور في العدد 7. أرجو أنْ تَلتفِتوا إلى ذُروةِ هذه الفِكرة. فالتَّعَقُّلُ والصَّحْوُ مَطلوبانِ في الصَّلاة. لماذا؟ لأنَّ القَداسةَ تَنبُعُ مِنَ الشَّرِكَة المُباشِرَة معَ اللهِ القُدُّوس. وعندما تُعاقُ تلكَ الشَّرِكَة بسببِ الذِّهنِ المُشَوَّش، والذِّهنِ غيرِ المُتَّزِن، فإنَّ أَهَمَّ شيءٍ في الحياةِ المَسيحيَّة يُفْقَد. فالذِّهنُ المُشَوَّش، والذِّهنُ المَتَقَوقِع حولَ نَفسِه، والذِّهنُ غيرُ المُتَّزِن بسببِ الشَّهواتِ والأمورِ الدُّنيويَّة، والذِّهن المُستعبَدُ للعواطفِ والمشاعرِ الخارجةِ عنِ السَّيطرة، والذِّهنُ الَّذي يَجهلُ الحَقَّ الإلهيَّ، والذِّهنُ الَّذي لا يُبالي بالمقاصِدِ الإلهيَّةِ هو ذِهنٌ لا يَستطيعُ أنْ يَختبرَ مِلْءَ الشَّرِكَة المُقدَّسة عندَ الصَّلاةِ إلى الله. ففي نِهايةِ المَطافِ، فإنَّكَ تَأتي بِذِهنِكَ إلى تلكَ الشَّرِكَة. أليسَ كذلك؟ لِذا، فإنَّ علاقَتَكَ باللهِ، بالمَعنى الحَقيقيِّ جِدًّا للكلمة (والَّتي يُعَبَّرُ عنها مِن خلالِ الصَّلاةِ) تَتوقَّفُ على مَواقِفِكَ الشَّخصيَّة؛ وهي مَواقِفُ تَنْجُمُ عن تَفكيرِك. وإنْ أردتَ أنْ تُصَلِّي صلواتٍ فَاعِلَة، وإنْ أردتَ أنْ تَكونَ في شَرِكَةٍ معَ اللهِ تَتَّسِمُ بالعُمْقِ والرُّوحيَّة، يجب عليكَ أنْ تُفَكِّرَ تَفكيرًا كِتابيًّا ورُوحيًّا أيضًا.

وهذا، يا أحبَّائي، أمرٌ جَوهريٌّ بالنِّسبةِ إلينا. لِذا، فإنَّ مُؤمِنينَ كثيرينَ اليومَ (وأنتُم تَعلمونَ ذلكَ جَيِّدًا كما أَعلَمُهُ أنا) مُنْهَمِكونَ في أوهامِ العَالَمِ، ومُرتبِكونَ وَغَارِقونَ في كُلِّ أفكارِهِ. فَتفكيرُهُم غيرُ سَليم. وَهُمْ ضَحايا لِضَلالاتِ الشَّيطانِ الَّتي لا نِهايةَ لها. وبسببِ ذلك، فإنَّ شَرِكَتَهُم معَ اللهِ مُشَوَّشَة، أوْ تَعْتَرِضُها عَقباتٌ كثيرة، أو مَفقودة. وكذلكَ هي أيضًا حَالُ قُوَّةِ الصَّلاةِ والحياةِ الفَاعِلَة. وبُطرسُ يُبالي كثيرًا بموضوعِ الصَّلاةِ هذا. ليسَ هُنا فقط، بل هل تَذكرونَ الأصحاحَ الثَّالثَ والعددَ السَّابعَ إذْ يَقولُ إنَّهُ يجبُ عليكم أنْ تَهْتَمُّوا بحياتِكُم الزَّوجيَّة "لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ"؟ فبالنَّسبةِ إلى بُطرس، إنَّ هذهِ الشَّرِكَة معَ اللهِ مُهمَّة جدًّا. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "صَلاة" تَرِدُ بِصيغةِ الجَمْعِ في اللُّغةِ اليونانيَّة إشارةً إلى أنَّها نَهْجُ حَياة.

وقد كانَ بُطرسُ نَموذجًا جَيِّدًا على الشَّخصِ الَّذي اخْتَبَرَ حَياةَ صَلاةٍ أقَلّ مِنَ المَقبولة. فإنْ قَرأتُم إنجيل مَرقُس 14: 37-40، ستَقرأونَ عن ذلك. فقد كانَ يَميلُ إلى تَفضيلِ النَّومِ على الصَّلاة (إنْ كُنتُم تَذكرونَ ذلك). ولكِنَّ الصَّلاةَ هي جَوهَرُ حَياتِنا، وأساسُ قُوَّتِنا. وأنا لا أَعني بذلكَ الصَّلاة الرَّسميَّة، بل أعني بذلكَ الشَّرِكَة الحيَّة الَّتي لا تَنقَطِع بالله والتي تَنْجُمُ عنِ التَّفكيرِ بِذاتِ أفكارِ الله. وكما تَعلمونَ، فإنَّني أَجِدُ مِنْ خِلالِ حَياتي الشَّخصيَّة أنَّني عندما أنْهَمِكُ بِعُمْقٍ في دراسةِ كلمةِ اللهِ، ويكونُ ذِهني مُنْهَمِكًا بِعُمْقٍ في البحثِ والتَّنقيبِ في الحقائقِ العَظيمةِ المُختصَّةِ باللهِ في أوقاتِ الدِّراسةِ، أَجِدُ أنَّ هُناكَ شَرِكَة مُستمرَّة يَصْعُبُ تَفسيرُها لأنَّني أُلامِسُ فِكْرَ اللهِ وَلَوْ قَليلاً جدًّا. وأنا أُلامِسُ قَلبَ اللهِ. وَحَتَّى مِنْ دُونِ تَخاطُبٍ بالكلامِ، هُناكَ شُعورٌ بِحُضورِ اللهِ القويِّ جدًّا. وهذا لا يَتأتَّى إلَّا في تلكَ اللَّحظاتِ الَّتي تكونُ فيها أذهانُنا مُتَعَقِّلَةً وتَتعامَلُ معَ الحَقِّ الإلهيِّ بِصَحْوٍ وَيَقَظة. فحينئذٍ فقط فإنَّ الشَّرِكَة الحَقيقيَّة تَتدفَّق.

وأُريدُ أن أقولَ لكم إنَّ النَّاسَ يَقولونَ لي ذلكَ طَوالَ الوقتِ عندما أذهبُ إلى مُؤتمراتِ الرُّعاةِ. ففي كُلِّ مَرَّةٍ نُقيمُ فيها مُؤتمرًا ... أو رُبَّما كانت هُناكَ بعضُ الاستثناءاتِ. فلا يُمكنُني أنْ أقولَ إنَّ هذا يَحدُث في كُلِّ مَرَّة. ولكِنْ نَادِرًا ما لا يَسألني أحَدُ الرُّعاةِ قائلاً: "حَدِّثْني عن حَياةِ الصَّلاةِ لديكَ، أو صِفْ لَنا حَياةَ الصَّلاةِ لَديكَ". وأنا أُجيبُ قائلاً: "إنَّ أَعظمَ أوقاتِ الشَّرِكَة بيني وبينَ اللهِ هي تلكَ الأوقاتُ الَّتي أَفْتَكِرُ فيها بأكبرِ عُمقٍ مُمْكِنٍ بأفكارِ الله". فأنا أتَّصِلُ بِهِ. لِذا، كُلَّما زادَ تَفكيري بأفكارِ المسيح، زادَتِ الحَلاوةُ، وَزادتِ احتماليَّةُ أنْ تكونَ أفكاري هي ذات أفكارِ الله، وزادت أوقاتُ شَرِكَتي مَعَهُ.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ إنَّ الحياةَ المسيحيَّةَ تَتَلَخَّصُ ببساطةٍ في الآتي: افْتَكِروا بأفكارِ الله. وما مَعنى ذلك؟ هذا يعني أنْ تَقرأَ كُلَّ يومٍ كلمةَ اللهِ، وأنْ تَتأمَّلَ كُلَّ يومٍ بأفكارِ اللهِ، وتُفَكِّرَ فيها، وتَستوعِبَها، وتَستخلِصَ مِنها الدُّروسَ، وتَتعلَّمَ أنْ نَفتَكِرَ بِأفكارِ الله. وكما أقولُ غالبًا، يجب أنْ تَحْرِصُوا على الامتلاءِ العَميقِ لكلمةِ اللهِ بحيث تَكون رُدودُ أفعالِكَ اللَّاإراديَّة مُتَّفِقَة مَعَ مَشيئةِ اللهِ لأنَّ فِكْرَكَ تحتَ السَّيطرة. ثُمَّ بعدَ ذلكَ تأتي حَلاوةُ الشَّركة. ثُمَّ تأتي الصَّلاةُ الفَعَّالة. ثُمَّ تأتي القُوَّة. فهذا هو البُعْدُ العَموديُّ في الحياةِ المسيحيَّة.

ثُمَّ نأتي، مَرَّةً أخرى (بسببِ عَبقريَّةِ الرُّوح القُدُس) نأتي إلى البُعْدِ الأُفُقِيِّ. فالجانبُ الثَّاني الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ بُطرسُ في مَسألةِ التَّعليماتِ يَختصُّ بالمحبَّة. ولا أعتقدُ أنَّهُ يُمكنُنا أنْ نَقولَ ما هو أكثر مِن ذلكَ بخصوصِ المحبَّة لأنَّ ذلكَ أقوى مِنْهُ ألفَ ضِعْفٍ. وأنا لا أريدُ أنْ أُضيفَ أيَّ شيءٍ إلى ما قالَهُ بُطرس، ولكنِّي أُريدُ أنْ أُؤكِّدَ عليه. انظروا إلى العدد 8: "وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا". وَهُنا، يَنتقلُ بُطرسُ مِنَ البُعْدِ العَموديِّ لِعَيْشِ حَياةٍ مُقدَّسةٍ أمامَ اللهِ إلى البُعْدِ الأُفُقِيِّ المُختصِّ بمحبَّةِ النَّاسِ الآخرين. وَهُوَ يُرَكِّزُ تَركيزًا رئيسيًّا على العلاقاتِ بالمؤمنينَ الآخرين. وقد تقول: "أَلا يُبالي بالكِرازة؟" بَلى، ولكِنْ لَعَلَّكُم تَذكرونَ كلماتِ يسوعَ بأنَّنا إنْ أَحْبَبْنا بعضُنا بَعْضًا فإنَّ هذا هو ما سَيَجعلُ النَّاسَ يَعلمونَ أنَّنا ماذا؟ تَلاميذُهُ. فهذا هو جَوهرُ شَهادَتِنا.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَتحدَّثُ إلينا مَرَّةً أخرى عن موضوعِ المحبَّة هذا. وهي كلمة أساسيَّة بالنِّسبةِ إلينا. ولاحِظوا الأهميَّةَ الَّتي يُوْليها لها. فهو يَقولُ في العدد 8: "وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ". فأوَّلُ شيءٍ مِنْ حيث الأهميَّة في العلاقاتِ هو المحبَّة. فبعدَ أنْ تُقَوِّي عَلاقَتَكَ بالرَّبِّ مِن خلالِ الاهتمامِ بوقتِ دراسةِ كلمةِ اللهِ، والشَّركةِ معَ الرَّبِّ، والتَّفكيرِ بطريقة كِتابيَّة، واتِّخاذِ المواقِفِ الرُّوحيَّةِ، والاهتمامِ بحياةِ الصَّلاةِ الدَّائمة إلى اللهِ بطريقةٍ تَجعَلُكَ مُستعدًّا لأيِّة أزمة، يجب أنْ يَنْصَبَّ تَركيزُكُمْ الأوَّل على الاهتمامِ بالأشخاصِ المُحيطينَ بِكُمْ وعلى أنْ تَكونَ مَحَبَّتُكُمْ شَديدةً بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.

وهناكَ غِنى رائع في هذهِ الكلمات. وهي تَبدو شَبيهة جِدًّا بكلماتِ بولُس المذكورة في رسالة كولوسي 3: 14: "وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَال". وبولسُ يُوصينا في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني بأنْ نُحِبَّ الجَميعَ بذاتِ المحبَّة. وبالمُناسَبَة، فإنَّ الفِعْلَ المُستخدَمَ هُنا يَأتي بِصيغةٍ مَعَيَّنَةٍ تُحَدِّدُ الأفعالَ المذكورة في العدد 7. فكأنَّهُ يَقولُ: "إنْ تَعَقَّلتُم وكُنتُم صَاحِين، وكانت لديكُم شَرِكَة حُلوة معَ اللهِ، انظروا ما الَّذي سَيَنْجُمُ عن ذلك: فأوَّلُ شيءٍ ينبغي أنْ تَفعلوه هو أنْ تَكونَ مَحَبَّتُكُم شَديدة. فهذهِ المحبَّة مُرتبطة جدًّا بالتَّوازُنِ الكِتابيِّ بينَ العَقلِ والرُّوح. وأنا أُحِبُّ الكلمة "شديدة" ("إيكتينيس" – “ektenes”) لأنَّها كلمة تَشريحيَّة. وهي تَعني: "مَمدودة" أو "مَشدودة". وهي تُستخدَمُ لِوَصْفِ العَدَّاءِ الَّذي يَركُضُ ويَنطلِقُ بأقصى جُهدِهِ إذْ إنَّ عَضلاتِهِ تكونُ مَشدودة وَمَمدودة إلى أقصى حَدٍّ مُمكن. وهي تُستخدَمُ في الأدبِ غيرِ الكِتابِيِّ للإشارةِ إلى حِصانٍ يَمُدُّ عَضلاتِهِ القويَّة حينَ يَركُضُ بأقصى سُرعةٍ مُمكِنَة. وهي تَعني: "مَشدودة" أو "مَمدودة" مِن أجلِ القيامِ بأقصى جُهدٍ لديك.

وبالمُناسبة، إنَّ هذه ليست أوَّلَ مَرَّة يَستخدِمُ فيها بُطرسُ هذه الكلمة. ففي الأصحاحِ الأوَّل، هل تَذكرونَ العدد 22؟ "طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ". بِعبارة أخرى، حيثُ إنَّكُم قد صِرتُم مَسيحيِّين، وحيثُ إنَّ إيمانَكُم المَسيحيَّ يَعني أنَّكُم تُحِبُّونَ الإخوة، "أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ" لأنَّكُم اختبرتُم الولادةَ الجديدة. فكأنَّهُ يَقول: "والآن، بعدَ أنْ صِرتُم مُؤمِنين، وبعدَ أنِ اختبرتُم الولادة الجديدة، فإنَّ رَدَّ الفِعْلِ الواضحِ هو أنْ تُحِبُّوا بعضُكُم بعضًا. وهذا يعني أنْ تُحِبُّوا بعضُكم بعضًا لا بِتَذَمُّرٍ، ولا هَامِشِيًّا، ولا بالحَدِّ الأدنى؛ بل أنْ تَبذُلوا أقصى جُهدٍ وطاقة لديكُم، وأنْ تُحِبُّوا بِشِدَّة. وهذا حَقٌّ مَسيحيُّ جَوهرِيّ. فهو لا يَدعو إلى عَاطِفَةٍ سَطحيَّةٍ اعتادَ البعضُ أنْ يُسَمِّيها "مَحَبَّة مُهْمِلَة". بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عن مَحَبَّة حَقيقيَّة. وهو يَتحدَّثُ عن محبَّة قويَّة. وهو يَتحدَّثُ عن محبَّة مُضَحِّيَة.

وقد تَقول: "حسنًا! وكيفَ أُحِبُّ بقوَّة؟ وكيفَ أُحِبُّ بعُمق؟ وكيفَ أُحِبُّ بِشِدَّة؟ والجوابُ هو: بأنْ تَتَخَطَّى حَواجِزَ العَاطفةِ البشريَّة. وهذا يعني أنْ تُحِبَّ الأشخاصَ الَّذينَ لا تَستَلطِفُهُم، والأشخاصَ الَّذينَ ليسَ مِنَ السَّهْلِ أنْ يُحَبُّوا، وأنْ تُحِبَّ أعداءَكَ، وأنْ تُحِبَّ أولئكَ الَّذينَ يُعامِلونَكَ بِخُشونة، وأنْ تُحِبَّ عندما لا يَبدو ذلكَ عَقلانِيًّا، وعندما لا يَبدو ذلكَ مَنطقيًّا، وأنْ تُحِبَّ إلى دَرجةِ التَّضحيةِ الَّتي تُكَلِّفُكَ ثَمَنًا مَا، والتي قد تُكَلِّفُكَ الكثير، والتي قد تُكَلِّفُكَ كُلَّ شيء. وهذه محبَّة تَتطلَّبُ مِنْكَ أنْ تَستخدِمَ كُلَّ عَضَلاتِكَ الرُّوحيَّة، وأنْ تَسْعى إلى أنْ تُحِبَّ الأشخاصَ غير اللُّطَفاء بالرَّغمِ مِن إهاناتِهِم، وبالرَّغمِ مِنْ إيذائِهِم لكَ، وبالرَّغمِ مِن رَفضِهم لكَ، وبالرَّغمِ مِن أنَّهُم يُعامِلوكَ مُعاملةً قاسية وخَشِنَة، وبالرَّغمِ مِن أنَّهُم يُعامِلونَكَ بِعدائيَّة، وبالرَّغمِ مِنْ أنَّهُم يُسيئونَ الحُكْمَ عليكَ ويُسيئونَ مُعامَلَتَكَ ويُسيئونَ تَمثيلَك.

فهذه هي المَحبَّة الشَّديدة. وهي نَوعٌ مِنَ المَحبَّة الَّتي أعتقدُ أنَّها مُعَرَّفة تَعريفًا رائعًا في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13. ونحنُ جَميعًا نَعرفُ ذلكَ النَّصَّ العَظيم، ولكِنِ اسمَحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُمْ بِهِ: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوء، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا". فهي قد تَتطلَّبُ أيَّ شَيءٍ مِن أيِّ شخصٍ في أيِّ وقتٍ. وهي تُصَدِّقُ الأفضل، وتَرجو في الأفضل، وتَحتَمِلُ الأسوأ.

ولماذا يجب علينا أنْ نُحِبَّ بَعضُنا بعضًا بهذه الطَّريقة؟ سوفَ أُخبرُكم السَّبب. استمعوا بِعناية شَديدة إلى العدد 8: "لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا". وأنا أقولُ لكم، يا أحبَّائي، إنَّنا إنْ صِرْنا، كَكَنيسة، في نُقطةٍ مَا نَهزَأُ فيها بَعضُنا مِنْ بَعض بسببِ خَطايانا، نَكونُ قدِ انْتَهَيْنا. فنحنُ لسنا كامِلين. وَطَالَما أنَّنا نَعيشُ في هذا الجَسَدِ السَّاقط، فإنَّنا سَنُخطِئ. والشَّيءُ الوحيدُ الَّذي سَيَجعَلُنا نَتغلَّبُ على ذلكَ ويَحفَظُنا معًا هو المحبَّة. فالمحبَّة تَستُرُ دائمًا "كالوبتو" (kalupto) ... فهي تَستُرُ دائمًا كَثْرَةً مِنَ الخَطايا. فهذه هي سِمَتُها. بِعبارة أخرى، فإنَّ المحبَّة تَغفِر، وتَغفِر، وتَغفِر، وتَغفِر، وتَغفِر. وإنْ لم تَكُن هناكَ مَحَبَّة في الكنيسة فإنَّنا في وَرطة حَقيقيَّة.

فعندما ظَنَّ بُطرُسُ أنَّهُ بَلَغَ نُقطةً مِنَ النُّضجِ الرُّوحِيِّ جَعَلَتْهُ أَشْرَفَ مِنْ أيِّ شخصٍ آخرَ يُمكِنُ أنْ يَتَخَيَّلَهُ، قالَ للرَّبِّ: "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" وَلا شَكَّ أنَّهُ أُعْجِبَ بِنَفسِهِ إعجابًا شَديدًا بسببِ سَخائِهِ لأنَّ التَّلمودَ (Talmud) كانَ يَقولُ: "ثَلاثَ مَرَّات". لِذا، فَكِّروا إلى أيِّ مَدىً مَضَى هُوَ. فقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "ما رأيُكَ يا بُطرُس في سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْع مَرَّات؟" لأنَّ المحبَّةَ تَستُرُ كَثْرَةً مِنَ الخَطايا. ويا أحبَّائي، نحنُ خُطاةً. ويجب علينا أنْ نَمْتَلِكَ شَيئًا نَسْتُرُ بِهِ هذا. أليسَ كذلك؟ وبالمُناسبة، فإنَّ بُطرسَ اسْتَعارَ تلكَ الجُملة ... لقد استَعارَها مِنْ سِفْرِ الأمثال 10: 12: "اَلْبُغْضَةُ تُهَيِّجُ خُصُومَاتٍ، وَالْمَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ الذُّنُوبِ". وهي تَرِدُ بصيغةِ المُضارعِ هُنا مُشيرَةً بذلكَ، في اعتقادي، إلى أنَّ هذا المَبدأَ صَحيحٌ دائمًا. فهو شَيءٌ بَديهيٌّ. وَهي حَقيقَة وَاضِحَة للعِيان. فالمحبَّةُ، بِطَبيعَتِها، تَستُرُ كَثْرَةً مِنَ الخَطايا. فهي تَغفِر، وتَغفِر، وتَغفِر، وتَغفِر. وأعظمُ وأروعُ نَموذَجٍ على ذلكَ هو الله. فلماذا أَظْهَرَ اللهُ رَحْمَةً لنا؟ ولماذا غَفَرَ اللهُ خَطايانا؟ نَقرأُ في رسالة أفسُس 2: 4 و 5: "مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا". فهذا يَصِحُّ على اللهِ، وَيَصِحُّ علينا.

وقد خَاضَ الشُّرَّاحُ على مَرِّ العُصورِ صِراعًا معَ هذه الجُملة: "الْمَحَبَّة تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا". فقد قالَ شُرَّاحٌ مِنهُم إنَّها تُشيرُ إلى الله، وإنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تَستُرُ خَطايانا. وقد قالَ شُرَّاحٌ آخرونَ: لا، بل إنَّها تُشيرُ إلينا ... إلينا نَحْنُ إذْ يَسْتُرُ كُلٌّ مِنَّا خَطايا الآخَر لأنَّنا نُحِبُّ بعضُنا بَعضًا". وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الجَوابَ بَسيطٌ جدًّا. فهي قاعِدَة بَديهيَّة. فهي تُشيرُ وَحَسْب إلى المحبَّة...إلى المحبَّة الحقيقيَّة...إلى المحبَّة الطَّوعيَّة الرُّوحيَّة. فَسَواءٌ كانت مُقَدَّمَةً مِنَ اللهِ إلى الإنسان، أوْ مِنَ المُؤمِنَ إلى المُؤمِن، فإنَّها تَستُرُ الخطيَّة. فهي قاعِدَة بَديهيَّة. وهو مَبدأٌ وَاضِح. فهذه هي طَبيعةُ تلكَ المَحَبَّة. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي خَلَصْنا بِها هي لأنَّهُ: "هَكَذا أَحَبَّ اللهُ العَالَمَ". والمحبَّة هي الوحيدة الَّتي كانَ بِمقدورِها أنْ تَستُرَ خَطايانا. "لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ [كَما يَقولُ بُولُس إلى أهلِ رُومية] مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا". لماذا؟ لأنَّهُ أَحَبَّنا. وفَقَطْ مِنْ خِلالِ حُبِّنا بَعضنا لبعض، يُمكِنُنا أنْ نَسْتُرَ الخَطايا.

وهذا، يا أحبَّائي، هو قَلبُ الكَنيسة. وبصراحة، إنْ رَاعَيْنا هذا الأمر نَكونُ قد كَمَّلْنا النَّاموسَ كُلَّهُ. أليسَ كذلك؟ النَّاموسَ كُلَّهُ. ويُمكِنُكم أنْ تَرَوا، مَرَّةً أُخرى، عَبقريَّةَ رُوحِ اللهِ، وكيفَ أنَّهُ استخدَمَ كَلماتٍ قليلة جدًّا ليقولَ الكثيرَ جدًّا. فهل تُريدونَ أنْ تَهتمُّوا بِكُلِّ أبعادِ الحياةِ أمامَ اللهِ؟ تَعَقَّلوا بالمَعنى الكِتابِيِّ، واصْحُوا بالمَعنى الكِتابِيِّ، وتَمَتَّعُوا بِشَرِكَةٍ عميقة معَ المسيح فتَحْيَوْنَ حياةً رُوحيَّةً قويَّة. وهل تُريدونَ أنْ تَعلَموا كيفَ تَحْيَوْنَ في وَسْطِ تَعْقيدِ الكنيسة؟ كونوا وَحَسْب مُمتَلِئينَ بالمحبَّة المُتدفِّقة الَّتي تَسْتُرُ الخَطيَّة. وهذا لا يَعني، بالمُناسبة، أنْ نَتَغاضَى عن تَأديبِ العُضْوِ غيرِ التَّائب. وهذه نُقطة يُعالِجُها نَصٌّ آخر. ولكِنْ حَتَّى في الكنيسة، فإنَّنا نَتوقُ، في اعتقادي، إلى الإشارةِ إلى الخَطيَّة أكثر بِكَثير مِمَّا نَتوقُ إلى سَتْرِها. ولكِنَّ "اَلْبُغْضَةَ تُهَيِّجُ خُصُومَاتٍ". والأنانِيَّةَ تُهَيِّجُ الخُصومات. والتَّمَرْكُزُ حولَ الذَّاتِ يُهَيِّجُ الخُصومات. أمَّا المحبَّة فَتَستُرُ الخطيَّة. والمحبَّةُ تُخفيها. والمحبَّةُ تَعْبُرُ عَنْها بِصَمْت. ويا للتَّغييرِ الَّذي يُحْدِثُهُ ذلكَ في الكنيسة! فهو أمرٌ يَختصُّ بأهَمِّ علاقاتِنا الرُّوحيَّة. فهو عَالَمٌ مُعَقَّد. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ لا تُوجَد حُلولٌ مُعَقَّدة، بل حُلولٌ بسيطة. وهي لا تُنَفَّذُ بسهولة، بل تُقالُ بِسُهولة وتُنَفَّذُ فقط بقوَّةِ الرُّوح.

ويَتَقَدَّمُ بُطرسُ خُطوةً أخرى في هذا الموضوعِ المُختصِّ بالمحبَّة. فهو يَقول في العدد 9: "كُونُوا مُضِيفِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلاَ دَمْدَمَة". والكلمة المُستخدَمة هُنا تَعني أنْ نُحِبَّ الغُرَباء. وقد اضْطُرَّ إلى إضَافَةِ ذلكَ لأنَّنا نَميلُ إلى إظهارِ الحُبِّ لأصدقائِنا فقط، ونَميلُ إلى الإسراعِ في سَتْرِ خَطايا أصدقائِنا فقط. وَهُوَ يَقول: "أَلاَ أَظْهَرْتُمْ مِنْ فَضْلِكُمْ نَفسَ تلكَ المحبَّة للغُرباء؟ أَلا أَظْهَرْتُمْ تلكَ العَاطفةَ للغُرباء؟" وَهُوَ يَتحدَّثُ هنا، بِكُلِّ تأكيدٍ، عن مَحبَّةٍ مِنَ النَّوعِ الَّذي يَسْتُر. كذلكَ، فإنَّهُ يُشيرُ إلى أنْ نَفتَحَ قُلوبَنا وبُيوتَنا لِمَنْ هُمْ في حَاجَة لأنَّ المحبَّة عَمليَّة جدًّا. ولو كانَ كُلُّ ما لدينا هو العَدد 8 فقط، لَرُبَّما افَتَرضْنا أنَّ هذه مَشاعِر عاطفيَّة وَحَسْب. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنها على المُستوى العَمَلِيِّ جدًّا.

وعندما يَستخدِمُ الكلمة "ضِيافَة" فإنَّهُ يَقولُ ببساطة: أَحِبُّوا الغُرباءَ بطريقة عَمليَّة. وقد قَرَنَ الأغلبيَّةُ هذه الكلمة بِفَتْحِ البَيت. فَكُلُّ شخصٍ يَدرُسُ خَلفيَّةَ العهدِ الجديد يَعلمُ أنَّهُ لم يَكُنْ بِمَقدورِ المُسافِرينَ المَسيحيِّينَ، والخُدَّامَ المَسيحيِّينَ، والوُعَّاظَ المَسيحيِّينَ أنْ يُقيموا في فَنادِقَ في تلكَ الأيَّام لأنَّها كانت أَماكِنَ صَغيرةً سَيِّئَةَ السُّمْعَة. وَرُبَّما لم يَتَمَكَّن المَسيحيُّونَ الأوائلُ مِنَ الاستمرارِ في الوُجودِ مِنْ دُونِ حُسْنِ الضِّيافةِ الَّتي كانت تُقَدِّمُها الكَنيسة. ولكِنْ هُناكَ ما هو أكثرُ مِن ذلك. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ هذا الأمرَ هُوَ جُزءٌ مِن ذلك. افتَحوا بُيوتَكُم واستَضيفوا شخصًا ما. وأنا أُحِبُّ ما جَاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين: "لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ". وهذا يُذَكِّرُنا بما جاءَ في سِفْر التَّكوين عندما جاءَ اللهُ ومَلاكانِ لِزيارةِ إبراهيم وسَارَة. وهُناكَ وَصِيَّة بِحُسْنِ الضِّيافةِ في سِفْر الخُروج 22: 21، وفي سِفْر التَّثنية 14: 28 و 29. ولا شَكَّ أنَّ يَسوعَ شَدَّدَ على أهميَّةِ تَقديمِ كَأسِ ماءٍ بارِدٍ لأحدِ هؤلاءِ الصِّغارِ باسْمِهِ. ولا شَكَّ أنَّنا نَقرأُ في إنجيل لوقا والأصحاح 14 أنَّ المَسيحَ يَدعونا إلى الذَّهابِ إلى الشَّوارِعِ العَامَّةِ وإلى دَعوةِ الفُقراءِ والعُمْيِ والعُرْجِ، وإلى استضافَتِهم في بُيوتِنا وإطعامِهم. ولا شَكَّ أنَّ اللهَ يُكْرِمُ هذهِ الأنواعَ مِنَ التَّضْحيات.

ولكِنَّ الفِكرةَ الجَوهريَّةَ مِن هذهِ الاستضافَةِ هي ليست مُجَرَّدَ تَقديمِ وَجبةِ طَعامٍ وَبابٍ مَفتوح، بل إنَّها تُشَدِّدُ على حقيقيةِ أنْ نُحِبَّ الآخرينَ الموجودينَ خارِجَ دائرةِ علاقاتِنا المُعتادَة، وأنْ نَفعلَ ذلكَ بِلا دَمدَمة، وبِلا تَذَمُّر، وبِلا شَكوى، وَبِلا ما أُسَمِّيهِ "عَقليَّةَ بُور ريتشاردز أَلماناك". فقد جاءَ في صحيفة "بور ريتشاردز ألماناك": "رائحةُ السَّمَكِ والزُّوَّارِ تُنْتِنُ بعدَ ثلاثةِ أيَّام". ولكِنَّ الكِتابَ المُقدَّسَ يُوصينا بأنْ نُحْسِنَ ضِيافَةَ الأشخاصِ الَّذينَ لا نَعرِفُهم، وأنْ نَفتَحَ قُلوبَنا لَهُم.

ما هو، إذًا، واجبُ المؤمنِ المسيحيِّ في عَالَمٍ مُعادٍ؟ أنْ نَسْلُكَ في القَداسَةِ معَ اللهِ، وأنْ نَسلُكَ في المحبَّةِ معَ الآخرينَ حَتَّى نَسْتُرَ خَطاياهُم، وَحَتَّى نَسُدَّ حاجاتِهم سَواءَ كَانوا أصدقاءَ أَم غُرباء. وسوفَ نَتحدَّثُ عنِ الواجبِ الأخيرِ في المَرَّة القادِمة. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى في هذا المساء على هذه الكلمة الرَّائعة لنا. ويا رَبّ، نحنُ لا نُريدُ أنْ نَكونَ مِثلَ الولدِ الصَّغيرِ الَّذي يَتَمَنَّى أن يكونَ شخصًا مَا، ويَفترِضُ أنَّ مُجَرَّدَ تَمَنِّي ذلكَ سَيُحَقِّقُ لَهُ تلكَ الأُمنية. بل يا لَيتَنا نَفتَكِرُ بأفكارٍ أكثرَ نُضْجًا مِنْ ذلك، وأنْ نَعلمَ أنَّ الأمرَ يَبتدئُ بأُمنية، ولكِنَّهُ لا يَتحقَّقُ إلَّا بالإطاعةِ اليوميَّةِ للوَصَايا الَّتي أعطَيتَنا إيَّاها. فَيا لَيتَنا نَعلمُ أنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ الَّتي نَصيرُ فيها مُستعِدِّينَ لمواجهةِ الأزمة، وأنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ الَّتي يَصيرُ فيها النِّيْرُ هَيِّنًا والحِمْلُ خَفيفًا، وأنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ الَّتي يُمكنُ لِكُلفةِ التَّلمذةِ الباهِظَة أنْ تَصيرَ مُبْهِجَةً هي عندما نَكونُ مُستعِدِّينَ لمواجهةِ ساعةِ التَّجربةِ العَتيدةِ الَّتي تَمْتَحِنُ إيمانَنا. لِذا ساعِدنا، يا رَبّ، على أنْ نَسلُكَ في القَداسةِ، وأنْ نَسلُكَ في المحبَّةِ (كما تَعَلَّمنا) حَتَّى نُتَمِّمَ بأمانَةٍ وَحَقٍّ تلكَ الدَّعْوَةَ الَّتِي دُعِينا بِهَا. ونحنُ نُسَبِّحُكَ على نِعْمَةِ رُوحِ اللهِ الَّتي تُمَكِّنُنا مِنَ القِيامِ بذلك. باسمِ ابْنِكَ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize