رِسالةُ بُطرسَ الأولى والأصحاح الرَّابع هي نَصُّنا في رِسالةِ هذا المَساء. رسالة بُطرس الأولى 4: 7-11. واسمَحوا لي أن أقرأَ هذه الآياتِ لَكُم لتهيئةِ قُلوبِنا لما سيُعَلِّمُنا رُوحُ اللهُ إيَّاه في هذا المساء: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ. وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا. كُونُوا مُضِيفِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلاَ دَمْدَمَةٍ. لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً، يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ. إِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فَكَأَقْوَالِ اللهِ. وَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ فَكَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةٍ يَمْنَحُهَا اللهُ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ".
أودُّ أن أتحدَّثَ إليكم مِن هذا النَّصِّ على مَدى الأسبوعَيْنِ المُقْبِلَيْن عن موضوع: واجِبُ المُؤمِنِ في عَالَمٍ مُعادٍ". ورُبَّما أبتدئُ بالإشارةِ قليلاً إلى الزَّمَنِ الَّذي نَعيشُ فيه؛ ولا سِيَّما في ما يَختصُّ بالكنيسة. فالكنيسةُ اليوم هي في حاجَّة مُلِحَّة إلى نَهضة رُوحيَّة. ولا يُمكنُ لهذه النَّهضة الرُّوحيَّة أنْ تَحدُث إلَّا إذا ابتدأنا (نحنُ المؤمنونَ) بالقيامِ بواجِبِنا الرُّوحيّ. لِذا، فإنَّ ما يَقولَهُ بُطرسُ هُنا وَثيقُ الصِّلَةِ بموضوعِ الحياةِ المسيحيَّةِ بأسْرِه. فإنْ أردنا أنْ نكونَ ما ينبغي أنْ نَكونَ بحسبِ خُطَّةِ اللهِ وقَصْدِه في هذا العالم، يجب علينا أنْ نَسْلُكَ في طَاعَةٍ للحقائقِ المَذكورةِ في هذه الآياتِ الرَّائعة. فالكنيسةُ في حاجة إلى نَهضة. والنَّهضةُ ستأتي عندما يَصيرُ المسيحيُّونَ جَادِّينَ بخصوصِ حَياتِهم المسيحيَّة. وعندما تَنْهَض الكنيسة وتَعودُ إلى حَالَتِها المُعافاة، سَيَبتدئُ العالَمُ في مُلاحَظَتِنا.
وَمِنَ المُدهشِ أنْ نقولَ إنَّ الكنيسةَ بحاجة إلى نَهضة في وَقتِنا لأنَّهُ يبدو أنَّهُ لم يَمْضِ وَقْتٌ طَويلٌ على اختبارِنا نَهضةً مِنْ نَوعٍ مَا. والحقيقة هي أنَّ هذه الحالة اليائِسَة للكنيسة تَبدو جَديدةً نَوعًا مَا. فإنْ رَجعتُم إلى الوَراء، لِغَرَضِ التَّوضيح، أيْ إلى السَّبعينيَّاتِ، رُبَّما تَتَذَكَّرونَ شيئًا يُدعى "حَرَكَة يَسوع" (Jesus Movement). والحقيقةُ هي أنَّ حَركَة يَسوع شَهِدَتْ ظُهورًا غيرَ مَسْبوقٍ للحركة الإنجيليَّة الكِتابيَّة المُحافِظَة. وقد كانَتْ هذه الحَرَكة، في فَتْرَةِ حَياتي، انتعاشًا عَظيمًا رَكَّزَ على الاهتمامِ بالكِتابِ المُقدَّسِ، وأَظهرَ أعظمَ اهتمامٍ بالكِرازةِ، ودراسةِ الكتابِ المقدَّس، والتَّلمذةِ، وكُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي هي القَلبُ النَّابِضُ للحركة الإنجيليَّة المُحافِظَة. وقد حَدَثَتْ ثَورة في تَرجمةِ الكتابِ المقدَّسِ ابتداءً بالتَّرجمة الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة، ثُمَّ تَرجمة كِتاب الحَياة (وهي ليست تَرْجَمة بالمَعنى الحَقيقيِّ للكلمة، بل هي إعادَةُ صِياغَة). وقد صَارَ هُناكَ اهتمامٌ كبيرٌ جِدًّا بدراسةِ الكتابِ المُقدَّسِ بطريقة شخصيَّة نَتيجةَ ذلك. وقد ابتدأتْ المَحَطَّاتُ المسيحيَّةُ بالتَّكاثُرِ بطريقة كبيرة جِدًّا تَفوقُ أكبرَ تَصَوُّرٍ لدى أغلبيَّةِ مَن وَضَعوا تَوَقُّعاتٍ لمُستقبَلِ الكنيسة. وكذلكَ الحالُ بالنِّسبة إلى دُوْرِ النَّشْرِ المسيحيَّة. وفي كُلِّ مَرَّة نَلتَفِتُ فيها حَولَنا، نَرى نَاشِرًا جَديدًا يَنشُرُ مَادَّةً جديدةً عنِ الحياةِ المسيحيَّة.
ثُمَّ جاءتِ أَشْرِطَةُ التَّسجيل، ثُمَّ جاءَ فَيْضٌ هَائلٌ لا يُصَدَّق مِنَ الموسيقا المسيحيَّة المُنتشِرَة على نِطاقٍ واسعٍ جدًّا حَتَّى إنَّنا لم نَعُدْ مُضطرِّينَ إلى سَماعِ أيِ شيءٍ غير مَسيحيّ، بل إنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نُواكِبَ كُلَّ ما هُوَ مُتاح. وقد حَدَثَ انتشارٌ هائلٌ في الكنائسِ الَّتي تُؤمِنُ بالكِتابِ المُقدَّس. وأنا أَذكُرُ عندما كانت أكبرُ كنيسة أعرِفُها شخصيًّا تَضُمُّ 1500 شخصٍ؛ في حين أنَّهُ إنْ كانت هُناكَ كَنيسة اليوم تَضُمُّ 1500 شخصٍ فإنَّها تُعَدُّ كَنيسةً مُتوسِّطَةَ الحَجْم. فالكنائسُ الآن لَديها صَالات تَستوعِب خمسة آلاف، أو سِتَّة آلاف، أو سبعة آلاف، أو عَشْرة آلافِ شخص. وهذا كُلُّهُ حَدَثَ نَتيجةَ هذا الانفجارِ الانتعاشيِّ الَّذي سُمِّيَ "حَرَكَة يَسوع". وقد شَكَرْنا جَميعًا اللهَ على ما يَبدو أنَّهُ نَهضة حقيقيَّة. وإنِ اسْتَذْكَرْنا الماضي وَأَلقَيْنا نَظرةً إلى الوَراءِ لِتَقييمِ مَا حَدَث، رُبَّما سنقولُ إنَّ هذا هو ما جَرى.
ولكِنْ، بصراحة، عندما نَنتقلُ إلى العَقْدِ التَّاسِعِ مِنَ القَرْنِ العِشرين، يَبدو جَلِيًّا أكثرَ فأكثر أنَّ النَّمَطَ السَّائدَ في الكنيسة قد هَجَرَ زَمَنَ النَّهضة ذاك. فلم تَعُدْ هُناكَ ما يُمكنُني أنْ أُسَمِّيها "حَرَكَة نَهضة" في الكنيسة، أو حَركة انتعاشيَّة تُقادُ بالرُّوحِ القُدُس. فما يَحدُثُ الآنَ هو أنَّ الكَنائسَ قد تَحَوَّلَتْ إلى مُؤسَّساتٍ تَسْعى إلى تَحقيقِ أكبرِ قَدْرٍ مِنَ الشَّعبيَّة.
وفي مَقالَةٍ افتتاحِيَّةٍ نُشِرَتْ مُؤخَّرًا في مَجَلَّة "ماستربيس" (Masterpiece magazine)، الَّتي آمُلُ أنْ تَحصُلوا على نُسخة مِنها، كَتَبْتُ عن ما يُسَمَّى "المسيحيُّونَ الشَّعبيُّون" (Pop Christians) أو "المَسيحيَّة الشَّعبيَّة" (Pop Christianity)؛ وهو الشَّيءُ الموجود لدينا اليوم. فقد صارت لدينا مَسيحيَّة مُؤسَّسيَّة تَبحثُ عنْ تَحقيقِ الشَّعبيَّة. فهي شَكلٌ مِنْ أشكالِ المَسيحيَّةِ المَقبولَة اجتماعيًّا. والحقيقةُ هي أنَّ الكنيسةِ تَصيرُ مَقبولة اجتماعيًّا أكثرَ فأكثر كُلَّما حَرَصَتْ على عَدَمِ تَقديمِ أيِّ رسالةٍ قد تَجْرَحُ مَشاعرَ النَّاس. وَمِنَ المُدهشِ أنْ نَرى السُّرعةَ الرَّهيبةَ الَّتي انطلقَتْ بها هذه الحَرَكة. ولكِنْ بِصراحة، بوجودِ هذه السُّرعة العالية، ووسائلِ الاتِّصالاتِ التِّكنولوجيَّة المُتقدِّمة، فإنَّني أتساءلُ إنْ كانت أيُّ حَرَكَة ستستمرُّ وقتًا طويلاً. فَهُم يَتحرَّكونَ بسُرعة عالية جِدًّا لأنَّ وسائلَ الاتِّصالاتِ تَتقدَّم بسُرعة عالية جِدًّا. لِذا فقد خَرَجْنا مِنَ العَقْدِ السَّابعِ وبدايةِ العَقْدِ الثَّامِنِ (الَّذي كانَ وَقْتَ نَهْضَة) إلى عَقليَّة مُختلفة تمامًا في الكنيسة لِنَجِدَ أنَّ النَّاسَ يَعيشونَ حَياةً تَتَرَكَّزُ حَوْلَ الذَّاتِ في الكنيسة، وأنَّ هُناكَ عِلْمَ نَفْسٍ يُمارَسُ في الكنيسة، وأنَّ هُناكَ مَسيحيَّة تَبحثُ عنِ الشُّهرة، وأنَّ هُناكَ مَسيحيَّة نَفعيَّة حيثُ أنَّ الأسئلةَ الَّتي تُطرَح هي: هل هي ناجحة؟ ما الَّذي ستَفعلُهُ مِن أجلي؟ ما النَّجاحُ الَّذي ستُحَقِّقُه؟ كَمْ مِنَ المالِ سَتَدرُّ علينا؟ عِوَضًا عنِ الأشياءِ الَّتي تُكْرِمُ قَلبَ اللهِ.
والكنيسةُ الشَّعبيَّة موجودة، بصراحة، في كُلِّ مكان ... في كُلِّ مَكان. وهي موجودة بِصورة رَئيسيَّة (في اعتقادي) على شاشاتِ التِّلفزيون، وبِصورة ثانويَّة على البَرامِجِ الإذاعيَّة المسيحيَّة، وعلى بَرامِجِ عُروضِ المُنَوَّعاتِ الَّتي يُقَدِّمُها المَشاهير إذْ إنَّ البَرامِجَ التِّرفيهيَّةَ الَّتي يُقَدِّمُها المَشاهير حَلَّتْ مَحَلَّ العِبادة. وَمَعَها، حَلَّتِ الكِبرياءُ مَحَلَّ التَّواضُع، وَحَلَّ النَّجاحُ مَحَلَّ الجَوْدَة، وَحَلَّ الذَّكاءُ مَحَلَّ الشَّخصيَّة، وَهَكذا دَوالَيْك. وبرامِجُ المُكالمات الهاتفيَّة على الإذاعة تَستَضيفُ أيَّ ضَيْفٍ يَخْطُرُ بِبالِكُم مِن دونِ أيِّ تَعليقٍ على ما إذا كانَ ما يَقولُهُ الضَّيفُ صَحيحًا أَمْ خاطئًا أمْ مُحايِدًا. والبَرامجُ المسيحيَّة الحِواريَّة تَستضيفُ ضُيوفًا يَجلسونَ هُناكَ في صَفٍّ طَويلٍ إذْ نَرى أشخاصًا كثيرينَ يَظهرونَ على الشَّاشةِ ويُنادونَ بِكُلِّ شيءٍ يَخطُرُ على البالِ بِدَعوى أنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ. والمُضيفُ لا يُبْدي أيَّ مُلاحظة على أيِّ شيءٍ يُقال سِوى أنَّهُ يُتيحُ لَهُم أنْ يَقولوا ما يَشاءون. والمَحَطَّاتُ الإذاعيَّةُ المسيحيَّةُ صَارَتْ تُقَدِّمُ عِلاجاتٍ نَفسيَّةً للنَّاسِ عِوَضًا عنْ تَعليمِ الكِتابِ المُقدَّس. والكنائسُ المَحليَّةُ سَارَعَتْ إلى تَبَنِّي الشَّكْلِ الَّذي تَجِدُهُ مُريحًا فَصارَتْ شَبيهةً بالأَنْدِيَةِ الرّيفيَّةِ المَسيحيَّة أوِ المَراكِزِ الاجتماعيَّةِ المَسيحيَّةِ الَّتي لا تَقومُ بأيِّ دَوْرٍ يُذْكَر في تَقديمِ الخلاصِ للنَّاسِ، ولا تُشَكِّلُ أيَّ تَهديدٍ حَقيقيٍّ للخطيَّة.
وهذهِ التَّيَّاراتُ المُتَمَثِّلة في هذا النَّوعِ مِنَ المسيحيَّة الشَّعبيَّة هي، في نَظري، أكثر دَهاءً مِنَ اللَّاهوتِ المُتحرِّر. فاللَّاهوتُ المُتحرِّر يُهاجِمُ الكنيسةَ مُباشرةً. لِذا فإنَّهُ مِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ نَراه، وَمِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ نَتعامَلَ مَعَهُ. أمَّا الكنيسةُ الشَعبيَّة فإنَّها تَتظاهَرُ بتَقديمِ الحَقِّ في حين أنَّها تَهْدِمُهُ في الخَفاء. والمسيحيَّة الشَّعبيَّة تَميلُ إلى جَعلِ أساسِ الإيمانِ شيئًا آخرَ لا صِلَةَ لَهُ بكلمةِ اللهِ. فأساسُ الإيمانِ الآنَ هُوَ التَّجربة الشَّخصيَّة. وأساسُ الإيمانِ هو العاطفة. وأساسُ الإيمانِ هُوَ حَلُّ المُشكلات. إنَّهُ لاهوتُ الحَاجَةِ مَرَّةً أخرى. وقد كانتِ الحَركة الكارزماتيَّة هي الرَّائدة في تَبَنِّي أساسٍ جَديدٍ للإيمان وَهُوَ الإعلانُ الخاصُّ، والكلماتُ الخاصَّةُ مِنَ اللهِ، والبَصيرةُ الخاصَّة، والنُّبوءاتُ الخاصَّة، والرُّؤى الخاصَّة، وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد صارَ عِلْمُ النَّفسِ العِلمانيّ شيئًا شِبْه مُقَدَّسٍ، وَهُوَ يَدَّعي أنَّ النَّاسَ يَستطيعونَ أنْ يُعالجوا أنفُسَهُم بأنفُسِهم. وهذا يَعكِسُ أيضًا الابتعادَ عَنْ كلمةِ اللهِ الَّتي هي الأساسُ المَتينُ لِعَيشِ الحَياةِ المسيحيَّة. وقد صارتِ الخِدمة المسيحيَّة تَتَّسِمُ مِنْ قِمَّةِ رأسِها إلى أَخْمَصِ قَدَمَيها بالذَّرائعيَّة، والتَّحايُل، والمِهَنِيَّة، والنَّزعة الاستهلاكِيَّة. وهذه الأشياءُ كُلُّها تُشيرُ إلى الابتعادِ عنِ الأساسِ الكِتابيِّ لإيمانِنا.
وعلى طُولِ ذلكَ الخَطِّ فإنَّ تَركيزَ المسيحيَّة الشَّعبيَّة والكنيسة الشَّعبيَّة ابتعدَ لا فقط عنِ الأساسِ الكِتابيِّ للإيمان، بل إنَّهُ ابتعدَ أيضًا عنْ شخصِ يسوعَ المسيح. ويجب علينا أنْ نُرَكِّزَ على هذا الأمر. فهُناكَ شيءٌ مَا أو شخصٌ مَا يَحْتَلُّ مَكانَ الصَّدارة؛ غيرَ المسيح. فهو الشُّهرة، أوِ الواعِظ، أوِ المَشروع، أوْ حَمْلَةُ جَمْعِ التَّبَرُّعات، أوِ المَبنى الجديد، أوِ المُعجزاتُ المَزعومة، أوْ ما يُسَمَّى بالشِّفاءات، أو أيُّ شيءٍ وكُلُّ شيءٍ عَدا عن يسوعَ المسيح. فقد صارت لدينا مسيحيَّة شَعبيَّة لا تَستَنِدُ إلى المسيح ولا إلى الكتابِ المقدَّس. بل إنَّها تُرَوِّجُ لأساسٍ آخرَ للإيمان. وهو شَيءٌ جَديدٌ يَختصُّ بالعواطِف. فَهُمْ يُحِبُّونَ الشُّهرة، ويُحِبُّونَ النِّظامَ، ويُحِبُّونَ المَبنى، ويُحِبُّونَ المَرافِقَ، والبرامِجَ وأيَّ شيءٍ آخر. فهناكَ إيمانٌ قائمٌ على الأوهام، لا على شخصِ المسيح. بل إنَّهُ إيمانٌ ضَبابِيٌّ يُريدُ أنْ يَتَشَبَّثَ بالمُعجِزاتِ، والشِّفاءاتِ، والصِّحَّة، والثَّروة، والرَّخاء، والرَّاحة، والمَكسبِ الشَّخصيِّ.
ولا شَكَّ أنَّهُ في تلكَ البيئة، فإنَّ الإيمانَ السَّهْلَ والإنجيلَ الرَّخيصَ يَزدَهِران...يَزدَهِران. ويجب علينا أنْ نَسألَ أنفُسَنا: أينَ هُوَ ذلكَ الإيمانُ القَوِيُّ؟ أينَ هو ذلكَ الإيمانُ الَّذي يَستَنِدُ إلى شخصِ المسيحِ، والَّذي هُوَ إيمانٌ راسخٌ يَصْمُدُ في وَسْطِ التَّجاربِ القاسيةِ؛ عِوَضًا عن تلكَ العَاطفةِ الهَشَّة الَّتي تُسَمَّى إيمانًا ولكِنَّها ليست سِوى هُروبًا أنانيًّا؟ فالمسيحُ لم يَعُدْ هُوَ الرِّسالة الآن. فَمَعَ أنَّهُمْ يَذكرونَ اسمَهُ بينَ الحينِ والآخر، فإنَّ التَّركيزَ مُنْصَبٌّ على الإنسان. فالإنسانُ هو الرِّسالة. والطَّريقةُ الَّتي يَستطيعُ الإنسانُ أنْ يَحُلَّ بها مَشاكِلَهُ وأنْ يَعيشَ حَياةً مُريحةً أكثر هي المسألة الجوهريَّة. وَأَقَلُّ شَيءٍ تُرَكِّزُ عليهِ المسيحيَّةُ الشَّعبيَّةُ في الكنيسة هو المجيءُ الثَّاني ليسوعَ المسيح لأنَّ ذلكَ يَعني نِهايةَ رِحلَتِهِم المُمتعة على مَتْنِ هذا القِطارِ الشَّعبيِّ تَحديدًا.
والحقيقةُ هي أنَّني أُريدُ أنْ أُضيفَ مُلاحظةً ثالثةً وهي أنَّ تَركيزَ الكنيسةِ الشَّعبيَّة يَنْصَبُّ على شيءٍ غير القَداسة. فهو يَنْصَبُّ على السَّعادة. وهو يَنْصَبُّ على الاكتفاء. فَهَدَفُ الكَنيسةِ اليوم، والأساسُ الَّذي تَقومُ عليهِ، هو ليسَ كلمة الله. فَتَركيزُها لا يَنْصَبُّ على المسيح. لِذا فإنَّ هَدَفَها هو ليسَ القَداسة، بل إنَّ هَدَفَها هو السَّعادة. فأيُّ شيءٍ يَجعَلُكَ سَعيدًا، وأيُّ شيءٍ يُشْعِرُكَ بالرِّضا ينبغي أنْ يكونَ هَدَفًا لَكَ. وأعتقد حَقًّا أنَّ كُلَّ ما يَجري يَهْدِمُ الكنيسةَ مِنَ الدَّاخِل.
فَكِّروا في ذلك. فما الطَّريقةُ الأكثر فَعاليَّةً الَّتي قد يَستخدِمُها الشَّيطانُ لِمُحاولةِ تَدميرِ الكنيسةِ أكثرَ مِنْ أنْ يُزَعْزِعَ أساسَ الإيمانِ (أيْ: كلمةَ اللهِ)، وموضوعَ الإيمانِ (أيِ: المسيحَ)، وَهَدَفَ الإيمانِ (أي: القَداسة)؟ فَالكنيسةُ ما تَزالُ تتحدَّث عنِ الإيمان، وما تَزالُ تَتحدَّث عنِ المسيح، وما تَزالُ تَتحدَّث عن الفضيلة؛ ولكِنَّها في الحَقيقةِ تُزَعْزِعُ هَذا كُلَّهُ. فَهُناكَ أساسٌ جَديدٌ لإيماني هُوَ: تَجربتي الشَّخصيَّة. وهُناكَ مَوضوعٌ جَديدٌ لإيماني هُوَ: بَطلي، أو بَرنامَجي، أو مَملكتي الرُّوحيَّة، أو أيَّ شيءٍ آخر. وهُناكَ هَدَفٌ جَديدٌ في حياتي وَهُوَ: السَّعادة وليسَ القَداسة. فلا توجد استراتيجيَّة أفضل مِن هذه. فهذه هي استراتيجيَّةُ الشَّيطان.
ولكِنْ ما الَّذي يَتطلَّبُهُ الأمرُ لإحداثِ نَهضة في الكنيسة؟ وأينَ يَنبغي أنْ يَكونَ التَّركيز؟ وكيفَ ينبغي أنْ نَعيشَ بطريقةٍ لا نَفقِدُ مَعَها قُوَّتَنا، بل بطريقةٍ تَجْعَلُنا نَافِعينَ لله؟ يُقَدِّمُ لنا بُطرسُ الإجابةَ هُنا في هذا النَّصِّ. وأعتقدُ أنَّ ما تَجدونَهُ في هذهِ الآياتِ القَليلة (أيِ الآيات مِن 7 إلى 11) هو نَظرة فَاحِصَة حَقًّا لِعَبقريَّةِ رُوحِ اللهِ القُدُّوسِ الَّتي لا تُستَقصَى. فالرُّوحُ القُدُسُ هو الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَستخدِمَ كلماتٍ قَليلة كهذه للتَّعبيرِ عَنْ حَقٍّ أبديٍّ كَهذا. وهذا هو ما لَدينا هُنا. فَكُلُّ شيءٍ في حياتِنا المسيحيَّة يُمكنُ أنْ يَتَلَخَّصَ في هذه الجُمَلِ المذكورة في الأعداد مِن 7 إلى 11. وأنا أَعتَرِف لَكُم بأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أنْ أَعِظَ مِنْ هذا المَقطعِ مِنْ دونِ أنْ تَبْقوا جَالِسينَ هُنا طَوالَ حَياتِكُم لأنَّ كُلَّ كلمة في هذا المَقطعِ تَحديدًا تُقَدِّمُ لي عَدَدًا لا مُتناهِيًا مِنْ ظِلالِ المَعاني الَّتي سأحاولُ جاهِدًا أنْ أَتجنَّبَ الحَديثَ عَنْها رأفَةً بِكُمْ لأنَّكُمْ رَعِيَّتي الأعِزَّاء والأُمَناء.
ولكِنَّ هذا الجُزءَ هُوَ جُزْءٌ غَنِيٌّ جِدًّا مِنَ الكتابِ المقدَّس. والحقيقةُ هي أنَّني صَرَفْتُ في دراستي الشَّخصيَّة لهذا المَقطعِ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَوَعْظي مِنْهُ نَحْوَ خَمسٍ وعِشرينَ سَنة؛ ليسَ هُنا في كنيسة "النعمة" (Grace Church) لأنَّنا لم نَدْرُس يومًا رسالةَ بُطرسَ الأولى سِوى مَرَّةً واحدةً أخرى عندما جِئتَ إلى هُنا قبلَ واحدٍ وعِشرينَ سنة. ولكِنِّي فَعلتُ ذلكَ في أماكنَ أخرى عديدة إذْ كُنْتُ أَعودُ باستمرار إلى هذا النَّصِّ بسببِ تَعليمِهِ المُهِمِّ والجوهريّ. فهو يُقَدِّمُ لنا خُلاصَةَ كُلِّ شيءٍ يُريدُ بُطرسُ أنْ يَقولَهُ عَنْ واجِبِ المؤمِنِ المَسيحيِّ في عَالَمٍ مُعادٍ.
والآن، اسمحوا لي أنْ أُعطيكُم خَلفيَّةً صَغيرةً عنِ النَّصِّ فيما نَنتقلُ إلى العدد 7. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ في كُلَّ أصحاحٍ في هذه الرِّسالةِ حَتَّى هذه اللَّحظة، فإنَّ الرَّسولَ الحَبيبَ بُطرسَ يُشَجِّعُ المؤمنينَ الَّذينَ كَتَبَ إليهم هذه الرِّسالة. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُمْ كانوا مُشَتَّتينَ، وأنَّهُم كانوا يَتعرَّضونَ للاضطهادِ، وَالمُعاملةِ الشِّرِّيرة، والتَّعنيف، وَسوءِ المُعاملة، وأنَّهم كانوا مَسيحيِّينَ تَحْتَ الآلام. فقد كانوا يعيشونَ في عَالَمٍ صَعبٍ وَمُعادٍ جِدًّا. وفي كُلِّ أصحاحٍ، دَعاهُم إلى التَّركيزِ على الحَقِّ، والتَّركيزِ على الرَّبِّ يسوعَ المسيح، والتَّركيزِ على الحياةِ المُقدَّسة. بعبارة أخرى، لقد قالَ لهم: "احْرِصُوا على الحِفاظِ على أساسِ إيمانِكُمْ (أيْ على كلمةِ اللهِ)، واحرِصوا على الحِفاظِ على جَوهرِ إيمانِكُم (أيْ على شخصِ يسوعَ المسيح)، واحرِصوا على الحِفاظِ على هَدَفِ إيمانِكُم (أيِ القَداسة). كُونوا أَتْقياء، وَعِيشوا تلكَ الحَياة النَّموذجيَّة الطَّاهرة الَّتي تَتَّسِمُ بالبَهجةِ والفَرَح؛ بالرَّغمِ مِنْ أنَّكُمْ ستتألَّمونَ في أثناءِ ذلك. والحقيقةُ هي أنَّنا إذا نَظرنا إلى هذه الرِّسالة مِن وُجْهَةِ النَّظَرِ تلك، فإنَّنا سَنَجِدُ هُنا دَوافِعَ عَديدة لحياتهم المسيحيَّة المُتألِّمة.
فهو يَبتدئُ، على سَبيلِ المِثالِ، بالقولِ إنَّهُ يجب عليكم أنْ تَعيشوا الحياةَ المسيحيَّةَ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّكُم تَتألَّمونَ: أوَّلاً، بسببِ خَلاصِنا الثَّمين. فَابتداءً بالأصحاحِ الأوَّلِ والعددِ الأوَّل وانتهاءً بالأصحاحِ الثَّاني والعدد 10، يَتحدَّثُ بُطرسُ عن خَلاصِنا الثَّمين. فخلاصُنا ثَمينٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ يَتطلَّبُ أفضلَ مَا لَديكُم. ثانيًا، ابتداءً بالأصحاحِ الثَّاني والعدد 11 وانتهاءً بالأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 6، يَقولُ بُطرسُ إنَّهُ ينبغي لكُم أنْ تَعيشوا حياةً مُقَدَّسَةً في وَسْطِ الألم؛ لا فقط بسببِ خَلاصِكُم الثَّمين، بل أيضًا بسببِ وَضْعِكُم الحَاليّ. وَوَضْعُكُمُ الحَالِيُّ هو أنَّكُمْ قد دُعيتُم إلى أنْ تَكونوا مَجموعةً شَاهِدَةً أيًّا كانتْ صُعوبَةُ ذلك. والآن، فإنَّهُ يأتي إلى المَقطعِ الثَّالثِ مِنَ الرِّسالةِ فيقول: "يجب عليكم أنْ تَستمرُّوا في حياتِكُم المسيحيَّة بِتَركيزٍ شَديدٍ على الكلمة، وعلى المسيح، وعلى القَداسة لا فقط بسببِ خَلاصِكُم الثَّمين، ولا فقط بسببِ مَوقِفِكُم الحاليِّ، بل ثالثًا: بسببِ مَجيئِهِ الثَّاني شَخصِيًّا". فيجب أنْ تَعيشوا في ضَوْءِ مَجيءِ يسوعَ المسيح. وهذه هي فِكرَتُهُ الرَّئيسيَّة ابتداءً بالأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 7 وانتهاءً بالأصحاحِ الخامسِ والعدد 11. فذلكَ المقطعُ بأسرِه مَكْتوبٌ في ضَوْءِ المَجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيح. والحقيقةُ هي أنَّهُ يَذكرُ المجيءَ الثَّاني (تَلْميحًا) في العدد 7، ويَذكُرُهُ (تَصْريحًا) في العدد 13 قَائِلًا: "في استِعلانِ مَجْدِهِ"، ويُشيرُ إليهِ مَرَّةً أخرى في العدد 4 مِنَ الأصحاحِ الخامِس قَائِلاً: "وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى".
لِذا، فإنَّهُ يأخُذُ هُنا كَنيسَتَهُ المُضطَهَدة وَيَصْحَبُهُمْ في رِحْلَةٍ يَرَوْنَ فيها خَلاصَهُمْ، وَيَرَوْنَ فيها وَضْعَهُم، وَيَرْونَ فيها المَجيءَ الثَّاني. لِذا فإنَّ هذه المقاطِعَ الثَّلاثة تُبَيِّنُ الدَّوافعَ الرَّئيسيَّة الَّتي ينبغي لنا أنْ نَعيشَ بها الحياةَ المسيحيَّة: بسببِ الخلاصِ الثَّمينِ الَّذي أعطاهُ اللهُ لنا، وبسببِ الموقفِ الحاليِّ الَّذي ينبغي فيهِ أنْ نَكونَ شُهودًا، وبسببِ المجيءِ الثَّاني الشَّخصيِّ للمسيح إذْ ينبغي لنا أنْ نُقَدِّمَ لَهُ حِسابًا عَنِ الحياةِ الَّتي عِشْناها. لِذا، في هذا المساء، سوفَ نَتحدَّثُ عَنْ ذلكَ المَقطعِ الثَّالث.
والآن، أَرجو منكم أنْ تُلاحِظوا أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّنا قُلنا إنَّ المجيءَ الثَّاني هو قَلبُ وَجَوهرُ المقطعِ الثَّالثِ، فإنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ لم تَكُنْ هُناكَ آياتٌ سابقة عنْ مَجيءِ المسيح. فالحالُ ليست كذلك. فهناك شَواهِد سابقة عنِ المجيءِ الثَّاني للمسيح. والحقيقةُ هي أنَّ بُطْرُسَ تَحَدَّثَ في الأصحاحِ الأوَّل عن حقيقةِ أنَّ هُناكَ مِيراثًا يَنْتَظِرُنا، وَأنَّهُ مِيراثٌ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ. والمَعنى المَقصودُ هُنا هو أنَّهُ سيأتي ذاتَ يومٍ ليأخُذَنا إلى هُناكَ لكي نَحصُلَ على ذلكَ الميراث الرَّائع. ونَقرأُ في العَدَد 13 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل أنَّهُ يَقول: "لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ الـ ’أبوكالوبسيس‘ [apokalupsis]؛ أيْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وفي الأصحاحِ الثَّاني والعدد 12، يَتحدَّثُ بُطرسُ عنْ يَوْمِ الافْتِقاد؛ أيْ عنِ اليومِ الَّذي يُلاقي فيهِ النَّاسُ اللهَ. لِذا، هُناكَ وقتٌ سيأتي فيهِ يسوع. وبُطرسُ قد لَمَّحَ للتَّوّ إلى ذلك. وَهُنا أيضًا، فإنَّهُ يَجعلُ تلكَ الفِكرة الرَّئيسيَّة لهذا المَقطعِ الأخير. وهو يَدعونا إلى حياةٍ مُقَدَّسَةٍ قائمة على حَتميَّةِ المجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيح.
لِذا، في هذا المَقطعِ، هُناكَ شَيئانِ مُرتبطان معًا: فيجب علينا أنْ نَعيشَ حَياةً بَارَّةً في أثناءِ الاضطهادِ في ضَوْءِ المجيءِ الثَّاني. فهذانِ الشَّيئانِ مُرتبطان معًا. فإنْ أردنا أنْ نَقومَ بواجِبِنا المسيحيِّ، يجب علينا أنْ نَعلمَ أنَّ خَلاصَنا ثَمينٌ جِدًّا، وأنْ نَعلمَ الواجباتِ الَّتي سَتُظْهِرُ امْتِنانَنا لَهُ. ويجب علينا أنْ نَعلمَ أنَّهُ قد تَرَكَنا في هذا الموقفِ الحاليِّ بوصفِنا غُرَباء ونُزلاء لكي نَقودَ الرِّجالَ والنِّساءَ إلى مَعرفةِ يسوعَ المسيح. ويجب علينا أنْ نَعيشَ في ضَوْءِ الأبديَّة، وفي ضَوْءِ السَّماءِ، وفي ضَوْءِ مَجيئِهِ الثَّاني الوَشيك.
والآن، كيفَ ينبغي لنا أنْ نَعيش؟ وما هو واجِبُنا المسيحيُّ ونحنُ نَتألَّمُ في هذا العالَمِ في أثناءِ سَعْيِنا إلى حَياةِ القَداسةِ في ضَوءِ المَجيءِ الثَّاني للمسيح؟ النُّقطةُ الأولى تَرِدُ في العدد 7. وسوفَ نُسَمِّيها: "الحَافِز"...الحَافِز. ثُمَّ إنَّنا سننظرُ إلى "التَّعليمات". وأخيرًا فإنَّنا سَنتحدَّثُ عنِ "الغَايَة" في الأسبوعِ القادِم. ولكِنَّنا سنتحدَّثُ الآنَ عنِ الحَافِز إذْ نَقرأ في العدد 7: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ". تَوَقَّفوا هُنا. فهذا هو الحَافِز: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ". وإنْ لم تَفهموا شيئًا آخرَ، أريدُ منكم أنْ تَفهموا هذه الجُملة. فالكلمة "نِهاية" هي تَرجمة للكلمة اليونايَّة: "تيلوس" (telos)؛ وهي كلمة مألوفة جِدًّا لأيِّ تِلميذٍ للكِتابِ المُقدَّس. وعندما تُتَرْجَم "نِهاية"، قد تَنقلُ فِكرةً مَغلوطَةً. فهي قد تَنقلُ فِكرةَ التَّوقُّف. وهي قد تَنقلُ فِكرةَ الانتهاء. ولكِنَّها لا تَعني لا هَذا وَلا ذاك. فهي لم تُستخدَم قَطّ بِمَعنى النِّهاية الزَّمنيَّة في كُلِّ العهدِ الجديد. وهي لم تُستخدَم قَطّ بمعنى النِّهاية الوَقتيَّة كما لو أنَّها تَعني أنَّ شيئًا قد تَوقَّفَ عنِ الوُجود. بل إنَّها تُشيرُ دائمًا إلى فِكرةِ التَّحقيق.
بِعبارة أخرى، إنَّها تُشيرُ إلى فِكرةِ تَحقيقِ هَدَفٍ، أوْ تَحقيقِ نَتيجة، أو اكتِمالِ قَصْدٍ مَا. فهي تُشيرُ إلى فِكرةِ بُلوغِ غَايَةٍ مَا أو بُلوغِ مَصيرٍ نِهائيّ. فهي لا تُشيرُ وَحَسْب إلى نِهايةِ شيءٍ ما، بل إلى تَحقيقِه، واكتِمالِه، ونَجاحِه، وبُلوغِ هَدَفٍ، وتَحقيقِ غَايةٍ، وتَحقيقِ نَتيجةٍ، وبُلوغِ المَرَام. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ اكتمالَ كُلِّ الأشياءِ قد بَاتَ وَشيكًا.
والآن، يا أحبَّائي، لا بُدَّ أنَّ هذا يُشيرُ إلى المَجيءِ الثَّاني للمسيح. فلو أنَّهُ قَالَ إنَّ نِهايَةَ مَتاعِبِكُم قدِ اقتربَتْ، لَرُبَّما قُلنا إنَّهُ كانَ يُشيرُ إلى شيءٍ زَمَنِيّ. أو لو أنَّهُ قالَ إنَّ نِهايةَ اضطهادِكُم قد اقتربت، لَرُبَّما قُلنا إنَّهُ كانَ يُشيرُ إلى أنَّ حُكومةً أخرى ستأتي على السَّاحةِ في حَياتِهِم وتُعامِلُهم بِلُطف. ولكِنَّهُ لا يَقولُ ذلك. فهو لا يَقولُ إنَّ نِهايةَ مَشاكِلِكُم قد اقتربت، أو مَتاعِبِكُم أو مَوقِفِكُم؛ بل إنَّهُ يَقولُ إنَّ نِهايةَ كُلَّ شيءٍ قدِ اقتربت. والعِبارة "نِهايةُ كُلِّ شيءٍ" تُشيرُ مُباشرةً إلى المجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيح. فلا بُدَّ أنَّها تُشيرُ إلى ذلك. فلا يُمكن أنْ تُشيرَ إلى أيِّ شيءٍ أقَلّ مِن ذلك لأنَّ ذلكَ الحَدَثَ (بل إنَّ ذلكَ الحَدَثَ وَحْدَهُ) هُوَ الَّذي سَيَجْعَلُ كُلَّ شَيءٍ يَصِلُ إلى الذُّروة. وهذا يُعيدُنا إلى رسالة بُطرس الأولى 1: 5 مَرَّةً أخرى إذْ يَقول إنَّنا "مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 7 "لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ...تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح".
لِذا، فإنَّهُ يُشيرُ إلى استعلانِ المِسيح؛ وهي طريقة أخرى للتَّحدُّثِ عن مَجيئهِ الثَّاني لأنَّ هذا مُرتبطٌ بالزَّمانِ الأخير هُناكَ في الأصحاحِ الأوَّل. وهذا هو ما يُشيرُ إليهِ هُنا. فعندما يَقولُ إنَّ نِهايةَ كُلِّ شيءٍ قدِ اقتربَت، فإنَّهُ يُشيرُ إلى اكتمالِها، وإلى وَقْتِ إعطاءِ المُكافأةِ العَظيمةِ عندَ مَجيءِ يسوعَ المسيح.
والآن، لاحِظوا الكلمة المُستخدمة هُنا؛ فهي كلمة بسيطة جدًّا. ولكِنَّها تَتَطَلَّبُ أنْ نَفْهَمَها: "قدِ اقتربت". وهذه كلمة واحدة في اللُّغة اليونانيَّة. وهي كلمة تُشيرُ إلى الاقتراب. وهي يُمكِن أنْ تُقرأ هكذا: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قد باتَتْ وَشيكَةً" أو "قد أَزِفَتْ". وهي تأتي بصيغةِ المُضارعِ التَّامّ لِتُعطي مَعنى اكتمالِ عَمليَّةٍ مَا في وقتٍ قَريب. وأنا أَعتقدُ أنَّها تُشيرُ إلى القُرْبِ الشَّديد بِمَعنى أنَّ مَجيءَ المسيحِ قد باتَ قَريبًا جدًّا. فَهي الحَدَثُ التَّالي الَّذي قد يَحدُثُ في أيِّ وقت. فهو قَريب. لِذا فإنَّ بُطرسَ يُذَكِّرُهم بأنَّهُ ينبغي لهم أن يعيشوا في حالةِ تَرَقُّبٍ بسببِ القُرْبِ الشَّديدِ لعودةِ يسوعَ المسيح. ويُمكنُنا أنْ نَقولَ إنَّهُ ينبغي لهم أنْ يَعيشوا في حَالةِ تَرَقُّب...في حَالةِ تَرَقُّب. ويجب أنْ تَعلموا أنَّ كُلَّ جيلٍ بعدَ ذلكَ عَاشَ في نَفسِ حَالةِ التَّرَقُّبِ تلك. وَنَحنُ جميعًا نَعيشُ اليومَ، أو ينبغي أن نَعيشَ، في حالةِ تَرَقُّبٍ لمجيءِ يسوعَ المسيح. وَعَدَمُ القيامِ بذلكَ يَعني عَدَمَ أمانَةِ الكنيسة.
فقد كُتِبَتْ الرِّسالةُ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي إلى كنيسة أمينة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ مَا أَوصاهُم بِهِ لأنَّهُم كانوا يَنتظرونَ مَجيءَ يسوعَ المسيحِ مِنَ السَّماء. رسالة تسالونيكي الأولى 1: 10. فقد عاشَ هؤلاءِ قبلَ نَحْوِ أَلْفَي سَنَة، وكانوا آنذاكَ يَنتظرونَ عَودةَ يسوعَ المسيح. وذلكَ الانتظارُ يُوْجِدُ عَقليَّةً النُّزلاءِ، ويُوْجِدُ عَقليَّةَ الغُرباءِ، ويُوْجِدُ لَديَّ شُعورًا بِغُربَتي، ويُذَكِّرُني بأنَّني مُواطِنٌ سَماويٌّ. فأنا أَنتظرُ وَحَسْب أنْ يأخُذَني إلى هُناك. وأنا أنتظرُ وَحَسْب أنْ يَظهرَ المَسيحُ وأنْ يَأتي.
وقد تَقول: "حسنًا! ولكِنْ كيفَ كانوا يَترقَّبونَ ذلكَ آنذاك، ونحنُ نَترقَّبُ ذلكَ الآن؟ فَمَتى سيأتي ثانيةً؟" حسنًا! نَجِدُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 7 كَلِماتِ يَسوع: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ". والخُلاصةُ هي أنَّ اللهَ لم يَشَأ أنْ يُخبرَنا متى سيأتي يَسوع. وَهُوَ لم يَشَأ أنْ يَفعلَ ذلكَ لأسبابٍ وَجيهَة. فلو أنَّنا عَرَفنا متى سيأتي يسوع فإنَّ ذلكَ سَيُزيلُ واحدًا مِنَ الدَّوافعِ الرَّئيسيَّةِ في حياةِ الكنيسة. بعبارة أخرى، فإنَّنا سَنَصيرُ كَسَالى جدًّا لو عَرَفنا أنَّهُ لن يأتي قَريبًا. ولو أنَّنا عَرَفنا أنَّهُ سيأتي قَريبًا لارتَعَبْنا جدًّا. لِذا فقد أَزالَ اللهُ هَذَيْنِ العُنْصُرَيْنِ لكي يَجْعَلَنا جَميعًا نَعيشُ في حَالة تَرَقُّب. ولكي أُريكُم مَدى سِرِّيَّةِ هذا الأمر، أُريدُ أنْ أُذَكِّرَكُم بما جاءَ في إنجيل مَتَّى 24: 36 إذْ قالَ يَسوع: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ". فاللهُ يَعْلَم. وَحَتَّى إنَّ يَسوعَ (في حُدودِ نَاسوتِهِ) لم يَكُن يَعلم. وبُطرسُ يَقولُ لِقُرَّائِهِ: "يجب عليكم أنْ تَعيشوا في تَرَقُّبٍ دائمٍ كما لو أنَّ يَسوعَ يُمكنُ أنْ يأتي في أيِّ لَحظة".
وأودُّ أنْ أُذَكِّرَكُم مَرَّةً أخرى، يا أحبَّائي، بأنَّ هذه عَقيدة لا تَحْظى بالقَبولِ اليوم. فأغلبيَّةُ النَّاسِ لا يَرغبونَ في سَماعِ ذلك. والحقيقةُ هي أنَّني أعتقدُ مِنْ كُلِّ قَلبي أنَّ واحدً مِنَ الأسبابِ القويَّةِ الَّتي تَجعلُ النَّاسَ يَرغبونَ في التَّعليمِ عنْ أنَّ الاختطافَ سَيَحدُثُ بعدَ الضِّيقةِ العَظيمة هو أنَّ ذلكَ يُعطيهم (على أقَلِّ تَقدير) تَحذيرًا كَافِيًا قبلَ مَجيءِ المسيح. وَهُمْ يُحِبُّونَ أنْ يُفَكِّروا بأنَّهُم سَيَعيشونَ طَوالَ كُلِّ ذلكَ الوقت. فهذا يُزيلُ ضَغْطَ مَجيئِهِ الوَشيك، وَضَغْطَ التَّرَقُّبِ الَّذي يَتطلَّبُ مِنَّا دَرجةً عَاليةً مِنَ المُساءَلةِ إذْ يَقولون: "في نهايةِ المَطاف، إنْ كُنتُ سأعيشُ في فَترةِ الضِّيقةِ العَظيمة، يُمكنُني أنْ أَعيشَ بأيِّ طَريقةٍ أَشاء لأنَّني سَأُمَيِّزُ رِجْسَةَ الخَرابِ في مُنتَصَفِ الضِّيقةِ عندما يُقَدِّمونَ ذَبيحةً على المَذبحِ في هَيْكَلِ أُورُشَليم. فسوفَ يُنْشَرُ الخَبَرُ في الصُّحُف. وسوفَ أَعلَمُ مَتى يَحْدُثُ ذلك. وسوفَ أَعلمُ عندما تُفتَحُ الخُتومُ وَتَحْدُثُ كُلَّ تلكَ الأمور، وعندما تَحِلُّ كُلُّ تلكَ الضَّرَباتِ المُريعةِ على العَالَم. فسوفَ نَعلَمُ ذلك. وسوفَ أَرى ذلك. وعندما يَصيرُ البَحْرُ دَمًا، سأرى ذلك. وسوفَ أتمكَّنُ مِن رُؤيةِ كُلِّ ذلك. لِذا، سوفَ أَعلمُ تَمامًا أينَ أنا وأتمكَّنُ مِنَ التَّعامُلِ مَعَ المَوقفِ عندما تَحينُ اللَّحظةُ المُناسبة". فَهذا التَّفكيرُ يُزيلُ أيَّ مَسؤوليَّة ينبغي أنْ أَضْطَلِعَ بها الآن.
وكما تَرَوْن، إنْ أَزَلْتُم التَّرَقُّب، فإنَّكُم تُزيلونَ القُرْبَ الوَشيكَ وَتُغَذُّونَ الأفكارَ الخاطئةَ (إنْ جَازَ القَول). وهذا هو ما يَمنَعُكُم مِنَ اتِّخاذِ قَرارٍ الآن. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ هذا الأمرَ جُزءٌ مِنَ الدَّافِعِ في هذه المَوجةِ الجَديدةِ مِنَ الانهماكِ بِفكرةِ مَجيءِ المَسيحِ بَعدَ الضِّيقةِ العظيمة لأنَّ هذا يعني أنَّ يَسوعَ لن يأتِ إلَّا في نهايةِ سَنواتِ الضِّيقةِ السَّبْع. وهكذا، يُمكِنُنا أنْ نَشُقَّ طَريقَنا في تلكَ الضِّيقة بسهولة بَالِغَة لأنَّنا نَعلمُ مَتى سيأتي يَسوعُ أوْ على الأقَلّ مَتى سيأتي تَقريبًا.
ولكِنَّ هذه ليست رِسالة بُطرس. فرسالةُ بُطرس هي: "إنَّ مَجيئَهُ قَريب". وإنْ رَجعتُم إلى العددِ الخامِسِ مِنْ رسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاح الرَّابع (وَهي آيَة دَرَسناها في دَرْسِنا الأخيرِ مَساءَ يومِ الأحدِ المَاضي)، لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ يَقولُ في ذلكَ العَدَد إنَّهُمْ "سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا لِلَّذِي هُوَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ". واللهُ أَعطى كُلَّ الدَّينونةِ للمسيح. والمسيحُ، عندما يأتي، سَيَدينُ الأحياءَ والأمواتَ في مَجيئِهِ الثَّاني العَظيم. لِذا، فإنَّ بُطرسَ يَتحدَّثُ عن ذلك. وَهُوَ يَقولُ في العددِ الخامِسِ إنَّهُ مُستعدٌّ أنْ يأتي. وَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ السَّابعِ إنَّ نِهايةَ كُلّ شيءٍ قدِ اقتربت، وإنَّها بَاتَتْ وَشيكَةً، وإنَّها الحَدَثُ التَّالي في تَقويمِ الله. لِذا، يجب علينا أنْ نَعيشَ في حَالَةِ تَرَقُّبٍ لأنَّ الآتي سيأتي بِوَصْفِهِ دَيَّانَ الأحياءِ والأمواتِ، وأنَّ ذلكَ الحَدَثَ وَشيكٌ جِدًّا.
والعهدُ الجديدُ يَزْخُرُ بالآياتِ الَّتي تَتحدَّثُ عن هذا التَّرَقُّب. واسمَحوا لي أنْ أُريكُم بعضًا مِنها. افتَحوا كتابَكُم المُقدَّسَ الآنَ وَتابِعوني قليلاً ابتداءً بِرسالة رُومية والأصحاح 13. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 13: 12 مَا يَلي: "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ". وَمَرَّةً أخرى، فإنَّنا نَجِدُ هُنا فِكرةَ القُرْبِ أوِ المَجيءِ الوَشيك. فاللَّيلُ قد تَناهى، والنَّهارُ قد تَقارَب. والعددُ الحادي عَشَر يُخبرُنا مَا المَقصودُ بذلك إذْ نَقرأُ أنَّ "خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا". لِذا، مِنَ الأفضلِ أنْ تَستيقِظوا. فَخلاصُكُم التَّامُّ الَّذي سيكونُ مِنْ نَصيبِكُم في السَّماءِ أقربُ الآنَ مِمَّا كَانَ حينَ آمَنْتُم. "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ" (كما جاءَ في العدد 13). "لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ". لماذا؟ لأنَّهُ قد يأتي في أيِّ لَحظة.
ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 7: 29: "فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: الْوَقْتُ مُنْذُ الآنَ مُقَصَّرٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ، وَالَّذِينَ يَبْكُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَبْكُونَ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَفْرَحُونَ، وَالَّذِينَ يَشْتَرُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ، وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ. فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ". فنحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ زَائلٍ. ونحنُ نَقتربُ بِسرعة مِنْ مَجيءِ المسيح (كما يَقولُ بولُس). لِذا، مِنَ الأفضلِ أنْ لا تَتَمَسَّكوا بأيِّ شيءٍ في هذه الحياة. هل تَفهمونَ ذلك؟ لا تَتَمَسَّكوا بأيِّ شيء. ولا تَتَشَبَّثوا بهذه الحياةِ: لا بِمَشاعِرِها، ولا بِمُمتلكاتِها، ولا بعلاقاتِها، ولا بِاقتصادِها. لا تَنْشَغِلوا بِها أكثرَ مِمَّا يَنبغي. فَكُلُّ شيءٍ يَقتربُ بِسُرعة كبيرة مِنَ النِّهاية.
فالوَقْتُ مُقَصَّرٌ. والكلمة "وقت" هُنا هي ليست "كرونوس" (chronos)، بل هي: "كايروس" (Kairos). فالذُّروةُ، والمَوسِمُ، والوقتُ المُحَدَّدُ يَتضاءَلُ أكثرَ فأكثر فيما نَحنُ نَنتظرُ مَجيءَ يسوعَ المسيح.
والآن، قَد يقولُ قائِلٌ: "حسنًا، اسمَعني: إنَّ الجَميعَ يَنتظرونَ، ولكِنَّهُ لا يأتِ! وما أعنيه هو: كيفَ يُمكنُنا جميعًا أنْ نُؤمِنَ بأنَّهُ سيأتي ولكِنَّهُ لا يأتي في أثناءِ حَياتِنا؟" هذه هي الفِكرة بِأسرِها. فالرَّبُّ لم يَقُلْ يومًا مَتى سيأتي. لِذا فقد تَرَكَ الجَميعَ في حَالةِ تَرَقُّبٍ دائم. وقد كانَ أولئكَ المؤمِنونَ الأوائل يُؤمنونَ بأنَّ يسوعَ سيأتي في أيِّ وقتٍ. ولا شَكَّ أنَّهُم سيؤمنونَ بذلكَ لأنَّ الرَّبَّ لم يَقُل لهم مَتى سيأتي، ولأنَّهُ قالَ لَهُمْ إنَّ مَجيئَهُ سيكونُ وَشيكًا. وإنْ كانَ مَجيئُهُ الثَّاني سيكونُ قَريبًا جِدًّا مِنْ زَمَنِ مَجيئِهِ الأوَّل، لا بُدَّ أنَّهُ كانَ مِنَ السَّهلِ عليهم أن يتوقَّعوا أنَّهُ سيأتي حَالاً. ولكِنَّ اللهَ لم يَكُن يَخْدَعهم، ولم يَكُنْ يَتحايَل عليهم؛ بل إنَّهُ كانَ يَقولُ لَهُمْ وَحَسْب: "يجب أنْ تَعيشوا كُلَّ لَحظةٍ في تَرَقُّبٍ لِمَجيءِ المسيحِ، وأنْ تَتَمَسَّكوا بالأشياءِ الَّتي في هذه الحياةِ تَمَسُّكًا سَطحيًّا جِدًّا". فيسوعُ قد يأتي في أيِّ لحظة. وما يبدو أنَّهُ وقتٌ طَويلٌ بالنِّسبةِ إلينا (بعدَ ألفَيْ سَنَة) لا يُعَدُّ وقتًا طويلاً. فنحنُ جَميعًا نَعرِفُ تلكَ الجُملة الَّتي تَقولُ إنَّ "يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ".
انظُروا إلى رسالة كورِنثوس الأولى 15: 51. ونَجِدُ هُنا، مَرَّةً أخرى نَفسَ هذا التَّرَقُّب وهذا التَّوَقُّع بِقُربِ مَجيءِ المسيح. فهو يقول: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ". بِعبارة أخرى، فإنَّ كُلَّ شيءٍ سَيتغيَّر. فسوفَ يَتغيَّرُ في طَرْفَةِ عَيْن. وما هي طَرْفَةُ العَيْن؟ إنَّها ليسَت أنْ نَرْمُشَ، بل إنَّهُ الوقتُ اللَّازِمُ لانكِسارِ الضَّوْءِ على بُؤبؤِ العَيْن. فبهذهِ السُّرعةِ سنتغيَّر. والفِكرةُ هُنا هي أنَّهُ سِرٌّ، وَأنَّهُ أمرٌ لم يُعلَن في الماضي، وأنَّهُ سيحدُثُ فَجأةً. فسوفَ يُبَوَّقُ. وفي الحالِ، عندما يُبَوَّقُ، نَكونُ قدِ اخْتُطِفْنا. وقد يَحدُثُ ذلكَ في أيِّ وقت.
وفي رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الرَّابعِ، نَجِدُ مَقطعًا آخرَ عنِ التَّرَقُّبِ والانتظارِ الَّذي يَنبغي أنْ نَعيشَ فيه. فنحنُ نَقرأُ في رسالة تسالونيكي الأولى 4: 15 عَنْ حَدَثٍ عَظيمٍ في المُستقبَل إذْ يَقول: "فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ". بعبارة أخرى، فإنَّ هذا الكَلامَ هُوَ إعلانٌ مِنَ الرَّبِّ نَفسِهِ: "إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ". وَنَبْرَةُ صَوْتِ لُغَةِ بُولس إلى أهلِ تَسالونيكي تُشيرُ إلى قُرْبِ حُدوثِ ذلك. فهو لا يَتَحَدَّثُ عَنِ النَّاسِ الَّذينَ كانوا أحياءَ آنذاك، ولا عَنْ أولئكَ الَّذينَ كانوا يَعيشونَ في وقتٍ مُعَيَّن. بل إنَّهُ يَقولُ: "نحنُ .. نَحنُ .. نَحنُ .. نَحنُ .. نَحنُ". فمسؤوليَّةُ الكنيسةِ دائمًا هي أنْ تَعيشَ في تَرَقُّبٍ دائمٍ لمجيءِ المسيح.
وفي رسالة يَعقوب 5: 8، نَقرأُ ذلكَ مَرَّةً أخرى. فيعقوبُ يَكتُبُ إلى المؤمنينَ المُضطَهَدينَ الَّذينَ كانوا يَمُرُّونَ بأوقاتٍ عَصيبةٍ جدًّا جدًّا ويقولُ لهم في العددِ السَّابع: "فَتَأَنَّوْا أَيُّهَا الإِخْوَةُ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ". وهل كانَ الرَّبُّ سيأتي في أثناءِ حَياتِهم؟ مِنَ الواضِحِ أنَّهُ لم يأتِ. ولكِنَّهُم، بالرَّغمِ مِن ذلك، عاشوا في تَرَقُّبٍ دائم. وَهُوَ يَقولُ في العدد 8: "فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأَنَّ مَجِيءَ الرَّبِّ..." [وَنَجِدُ هُنا الفِكرةَ نَفسَها] "قَدِ اقْتَرَبَ". فقد اقتربَ أو دَنا أو أَزِفَ.
فهذا الأمرُ موجودٌ دائمًا في قلبِ المؤمِنِ الحقيقيّ. فيسوعُ آتٍ، وَهُوَ قد يأتي في أيِّ لحظة. وفي الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ العاشِر، يَقولُ الكاتِبُ في العدد 25: "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا"؛ أيْ أنَّهُ يجبُ علينا أنْ نَجتمعَ معًا كما فَعَلْنا في هذا المَساء. فلا يَجوزُ أنْ نَتْرُكَ اجتماعَنا، بل أنْ نَبقى مُلْتَزِمينَ بذلك. "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ". فَهُناكَ أشخاصٌ لا يَأتونَ عَادَةً. ولكِنْ لا يَجوزُ لنا أنْ نَفعلَ ذلك. بَلْ يجبُ علينا أنْ نَجتمعَ "وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا" ... والآن، استَمِعوا إلى الآتي: "وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ".
والآن، إنْ كانَ بِمَقدورِهم أنْ يَرَوْا اليَومَ يَقْرُب، كَمْ صِرْنا (بعدَ مُرورِ نَحْوِ أَلْفَيْ سَنَةٍ) أَقرب إلى ذلك؟ فيجب عليكم أنْ تَجتمعوا بشعبِ اللهِ على قَدْرِ مَا تَرَوْنَ اليومَ يَقْرُب. وفي الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 12، أَوَدُّ أنْ أَلفِتَ أنظارَكُم إلى آيةٍ واحدة إذْ نَقرأُ في العدد 27: "فَقَوْلُهُ «مَرَّةً أَيْضًا» يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْيَاءِ الْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى الَّتِي لاَ تَتَزَعْزَع". ونَقرأُ في العَدَدِ الَّذي يَسْبِقُ ذلك: "إِنِّي مَرَّةً أَيْضًا أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضًا". فقد وَعَدَ اللهُ مِنْ خلالِ النَّبيِّ حَجَّي أنَّهُ سَيُزلزِلُ هذا العالَم. وَهُنا، يُذَكِّرُنا كاتِبُ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين بأنَّ هُناكَ زَلْزَلَة ستأتي إذْ إنَّ اللهَ سَيُزيلُ الأشياءَ المُتَزَعزِعَة (أيْ هذا العالَمَ المادِّيَّ) ويُبْقِي الأشياءَ الَّتي لا تَتَزَعْزَع (أيِ المَملكة الأبديَّة والمَجد).
فيجب علينا أنْ نَعيشَ في ضَوْءِ ذلكَ على غِرارِ أولئكَ الَّذينَ عاشوا في زَمَنِ العهدِ الجديد. انظروا إلى سِفْر الرُّؤيا إذْ أَوَدُّ أنْ أَلفِتَ أنظارَكُم إلى آيَتَيْن. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّل والعددِ الثَّالث: "طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّة". بِعبارة أخرى، هل تُريدونَ بَرَكَةً؟ إليكُم واحدةً: اقرأوا سِفْرَ الرُّؤيا. فالنَّاسُ يَقولون: "أنا أُريدُ أنْ أَتَبارَك. أنا أُريدُ حَقًّا أنْ أَتَبارَك". حَسَنًا! إليكَ هذه البَرَكة: اقرأ سِفْرَ الرُّؤيا. "طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا". لماذا؟ "لأَنَّ الْوَقْتَ..." ماذا؟ "...قَرِيبٌ". ومَرَّةً أخرى، لقد كانوا يَعيشونَ دائمًا في ضَوْءِ هذا الحَقِّ القائلِ إنَّ يَسوعَ قد يأتي في أيِّ لَحظة.
وماذا نَقرأُ في نهايةِ سِفْر الرُّؤيا؟ نحنُ نَقرأُ الكلماتِ التَّالية في الأصحاح 22 والعدد 20: "يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا: «نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا»". وَما هُوَ رَدُّ فِعْلِ يُوحَنَّا؟ "آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ". فقد كانَ يُوحَنَّا أيضًا يَعيشُ مُتَرَقِّبًا الرُّجوعَ الوَشيكَ ليسوعَ المسيح.
وقد تَقول: "حسنًا! أَلا يُفْتَرَضُ أنَّ يَسوعَ سيعودُ في الأيَّامِ الأخيرة؟" هذا صحيح. ولكِنْ هل تَعلمونَ مَتى ابتدأتِ الأيَّامُ الأخيرة؟ اسمَحوا لي أنْ أُساعِدَكُم. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 18 ... في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 18: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. [هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ]. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ". فالسَّاعةُ الأخيرةُ كانتْ قدِ ابتدأتْ أصلاً عندما كَتَبَ يُوحنَّا رسالَتَهُ الأولى. فالسَّاعةُ الأخيرةُ ابتدأت ... اسمَعوني جَيِّدًا ... لقدِ ابتدأتْ بالمجيءِ الأوَّلِ ليسوعَ المسيح. فقد كَانَ ذلكَ إشارة إلى ابتداءِ الأيَّامِ الأخيرة. لِذا، عندما كَتَبَ الرَّسولُ بولسُ إلى تيموثاوس فإنَّهُ يَكْتُبُ بوضوحٍ تَامٍّ عنِ الأيَّامِ الأخيرة قائلاً: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَان" (في رسالَتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 4: 1). وتلكَ الأزمنة الأخيرة كانت قد جاءت أصلاً. وكانَ ذلكَ الارتدادُ يَحْدُثُ أصلاً. وهُناكَ آية أخرى وهي الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 3: 1 (الَّتي قُرِئتْ على مَسامِعِنا في هذا الصَّباح): "وَلكِنِ اعْلَمْ هذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ". وقد كانت تلكَ الأيَّامُ الأخيرة والأزمنة الصَّعبة قد جاءت أصلاً على تيموثاوُس.
وكما تَرَوْن، فإنَّ الأيَّامَ الأخيرةَ قد جاءت عندما جاءَ المَسِيَّا. وقد تَقول: "بِأيِّ مَعنى؟" اسمَعوني بِعنايةٍ شديدة إذْ سأُقَدِّمُ لَكُم هذه الصُّورة الصَّغيرة. فقد رَأَوْا في فَترةِ حَياتِهم (أيِ اليهودُ والنَّاسُ الَّذينَ كانوا أحياءَ في زَمَنِ مَجيءِ المسيح) لقد رَأَوْا نِهايةَ عَصْرٍ بأسرِه. فقد رَأَوْا نِهايةَ تَدبيرِ العهدِ القديم. وقد رَأَوْا نِهايةَ المِيثاقِ القَديم. فالمسيَّا جاءَ إلى العالَمِ لكي يَخْتِمَ كُلَّ ذلكَ العَهْد ولكي يُدَشِّنَ العَهْدَ الجَديد. وقد كانتِ الأيَّامُ الأخيرةُ هي أيَّامُ المَسِيَّا. وقد قالَ أنبياءُ العهدِ القَديم إنَّ المَسِيَّا سيأتي في الأيَّامِ الأخيرة، وإنَّهُ سيأتي في نِهايَةِ الدَّهْر، وإنَّهُ سيأتي في السَّاعةِ الأخيرة.
لِذا، عندما جاءَ، كانَتْ تلكَ هي السَّاعةُ الأخيرة. فقد كانَ مَجيئُهُ إعلانًا بانتهاءِ كُلِّ الأوقاتِ والمَواسِمِ والعُصورِ السَّابقة. فقد رَأَوْا كُلَّ نِظامِ الطُّقوسِ والشَّعائرِ والذَّبائحِ والهَياكِلِ والكَهَنةِ والتَّقدِماتِ يَنْهار عندما انْشَقَّ حِجابُ الهَيكلِ مِن فَوْق إلى أسفل، وَعندما فَتَحَ اللهُ قُدْسَ الأقداسِ للجَميع مُعلِنًا بذلكَ أنَّ هذه هي نهايةُ ذلكَ النِّظام. ثُمَّ في سنة 70 ميلاديَّة، عندما أَرسَلَ اللهُ دَينونَتَهُ مِن خلالِ الرُّومان، دَمَّرَ الهيكل، ودَمَّرَ أورُشليم، وَأَنْهَى حَتَّى يَومِنا هذا نِظامَ الذَّبائحِ الطَّقسيِّ بأسرِه. وقد حَدَثَ ذلكَ في أثناءِ حَياتِهم.
وقد قالَ يَسوعُ على الصَّليب: "قد أُكْمِل". وما أَكْمَلَهُ هو أنَّهُ دَشَّنَ العهدَ الجديد. فقد انشَقَّ حِجابُ الهَيكل. وبعدَ بِضعِ سَنوات، دُمِّرَ الهيكل. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل مَتَّى 24: 2: "إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!" لماذا؟ لأنَّ دَمارَ الهَيكلِ كانَ يَرمِزُ إلى زَوالِ تَدبيرِ العهدِ القديمِ بِأسْرِه. فالنِّظامُ القَديمُ قد زَالَ، والنِّظامُ الجديدُ قدِ ابتدأ: نِظامُ المَسِيَّا، ونِظامُ الأيَّامِ الأخيرة.
وتُعَبِّرُ الآية عِبرانِيِّين 9: 26 عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "فَإِذْ ذَاكَ [والإشارةُ هُنا هي إلى المَسيح] كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ". ويا لها مِن جُملة مُدهشة! فيسوعُ جاءَ، وَأَبْطَلَ الخطيَّةَ بذبيحةِ نَفسِهِ عندَ انقضاءِ الدُّهور؛ أيْ عندَ انتهاءِ الدُّهور. "هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ..." [استمعوا إلى ما يَقولُ هُنا] "...سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ". هل فَهِمتُم ذلك؟ فقد جاءَ أَوَّلَ مَرَّة عندَ انقضاءِ الدُّهور. فقد أُظْهِرَ لِيُبطِلَ الخطيَّة. وَهُوَ سيأتي ثانيةً لا لِيُبطلَ الخطيَّة، بل إنَّهُ سيأتي لِيُؤسِّسَ مَلكوتَهُ الخَلاصِيَّ.
ولكِنَّ الأيَّامَ الأخيرةَ ابتدأتْ عندَ انقضاءِ الدُّهورِ بِمَجيءِ المسيَّا. فعندما جاءَ المَسيَّا، وعندما ماتَ المسيَّا، وعندما قامَ مِنَ الأمواتِ أَنْهى نِظامَ العهدِ القديم وَأَسَّسَ مَلكوتَهُ. وقد قالَ: "لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ". وَمِنْ خِلالِ إنجيلِ يسوعَ المسيح: "أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ، الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (كَما يَقولُ بولس إلى أهلِ كُولوسي). فالمسيحُ انتصرَ على الخطيَّة. والمسيحُ انتصرَ على الموت. والمسيحُ انتصرَ على جَهَنَّم. والمسيحُ انتصرَ على عُقوبةِ النَّاموس. والمسيحُ انتصرَ على الشَّيطان. والمسيحُ انتصرَ على الشَّياطين. والمسيحُ أَسَّسَ سُلطانَهُ. والمسيحُ ابتدأَ في تأسيسِ مَلكوتِه. ونحنُ نَعيشُ الآنَ في مَلكوتِ الأيَّامِ الأخيرة. والمملكةُ الآنَ رُوحيَّة وداخليَّة. وذاتَ يومٍ، سوفَ تكونُ خارجيَّة وَكَوْنِيَّة عندما يُقيمُ عَرْشَهُ على الأرضِ وفي الكَوْن.
لِذا، هُناكَ مَجيءٌ ثَانٍ. ولكِنَّ الأيَّامَ الأخيرةَ ابتدأتْ في المَرَّةِ الأولى الَّتي جاءَ فيها. لِذا، نحنُ نَعيشُ في الأيَّامِ الأخيرة، وفي الأزمنةِ الأخيرة؛ بل في الأيَّامِ الأخيرةِ مِنَ الأيَّامِ الأخيرة. بِعبارة أخرى: لقد جاءَ المَلكوتُ في حَالةِ نِعْمَة، وسوفَ يأتي في حالةِ مَجْد. فَمَوْتُ يسوعَ المسيح، وقيامَتُهُ، وصُعودُهُ وجُلوسُهُ عن يَمينِ اللهِ الآبِ أَدَّى إلى انطلاقةٍ جديدةٍ في مَسارِ التَّاريخ. وقد حَدَثَ ذلكَ مَرَّةً واحدةٍ إلى الأبد في نِهايةِ الدُّهور. وقد أَدَّى ذلكَ إلى بُزوغِ فَجْرِ يَومٍ جَديد. ومَلكوتُ المسيَّا هُنا بالمَعنى الرُّوحيِّ. وسوف يَكونُ هُنا قريبًا بِالمَعنى المَنظور.
لِذا، عندما يَقولُ بُطرسُ إنَّ نِهايةَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، هل يَتحدَّثُ عنِ النِّهاية؟ أجل، بِمَعنى أنَّ الأزمنةَ القديمةَ قدِ انتهَت. ولكِنَّهُ يَتحدَّثُ أيضًا عنِ اكتمالِها. فالنِّهايةُ الكاملةُ قد باتَتْ قَريبةً جدًّا جدًّا.
وأَوَدُّ، يا أحبَّائي، أنْ أَخْتِمَ بإعطائِكُم فِكرة عن كيفَ ينبغي أنْ نَعيشَ في ضَوْءِ ذلك. ففي الكتابِ المقدَّسِ، نَرى أنَّهُ في ضَوْءِ أنَّ مَجيءَ يسوعَ المسيحِ قد باتَ وَشيكًا، وأنَّهُ قد يَحدُثُ في أيِّ جُزءٍ مِنَ الثَّانية، وفي أيِّ لحظة، فإنَّهُ يَقودُنا إلى المَوقفِ الصَّحيح. فَموقفُ التَّرَقُّبِ لا يَجوزُ أنْ يَجْعَلَنا أشخاصًا مُتَخَلِّفينَ وَمُنْغَلِقي الذِّهْنِ كَأنْ نَرْتَدي مَلابسَ النَّومِ وَنَجلسَ على السَّطْح. فلا يَجوزُ أنْ يَدفَعَنا ذلكَ إلى أنْ نَصيرَ حَالِمينَ كَسَالَى لا نَفعلُ شيئًا سِوى الجُلوسِ في انتظارِ حُدوثِ ذلك. بل يجب أنْ يَدفعنا ذلكَ إلى أنْ نَكونَ أشخاصًا سَاهِرينَ يَسْعَوْنَ إلى حَياةِ القَداسة ... أشخاصًا سَاهِرينَ يَسْعَوْنَ إلى حَياةِ القَداسة.
واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لَكُم السَّبب. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثانية 5: 9: "لِذلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضًا مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ". فإنْ كُنتَ مَسيحيًّا، فإنَّ هذا يَصِحُّ على حَياتِك. هل تَسمعونَ ذلك؟ "لِذلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضًا مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ". ويجب أنْ تَضَعوا خَطًّا تحتَ هذه الآية لأنَّها تَصِفُ المُؤمنِ الحقيقيّ: فأنتَ تَتوقُ إلى إرْضاءِ المسيح. فإنْ لم تَكُن رَغِبًا في إرضاءِ المسيح، فإنَّ هذا يَدُلُّ على أنَّ الحياةَ الجديدةَ ليست فيك. لِذا، يجب علينا أنْ نُرضي المسيح. ونَنتقلُ الآنَ إلى العدد 10. لماذا؟ "لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيح". بعبارة أخرى، يجب علينا أنْ نُقَدِّمَ حِسابًا عن حياتِنا. "لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا". فالرَّسولُ بولسُ يَقول: "انظروا! أنا أعيشُ في ضَوْءِ حَقيقةِ أنَّني سأقفُ يومًا أمامَ يسوعَ المسيحِ وأنَّني سأَعْلمُ في حَضْرَتِهِ إنْ كانت أعمالي صَالحة أَمْ عَديمَةَ النَّفْع". فهو لن يأتي للانتصارِ على الخطيَّة. فقد فَعَلَ ذلكَ أصلاً. فقد فَعَلَ ذلكَ أصلاً على الصَّليب. ولكِنَّهُ سَيُظْهِرُ إنْ كُنْتُ قد عِشْتُ حياتي بطريقة فَعَّالة، ومُكَرَّسة، ومُخَصَّصة، وخَادِمَة، ونافِعَة. وحيثُ إنَّ شَوقَ قَلبِ المؤمنِ الحقيقيِّ هو أنْ يُرْضي المسيح، يجب عليهِ أنْ يَعيشَ في ضَوءِ حقيقةِ أنَّهُ ذاتَ يَومٍ سَيَعلمُ إنْ كانَ قد أَرْضَى المسيحَ حَقًّا وإلى أيِّ مُستوى.
وفي رسالة بُطرس الثَّانية (إنْ سَمَحْتُم لي أنْ أَستَعيرَ جُزءًا مِن دراسَتِنا المُستقبليَّة لتلك الرِّسالة العظيمة)، وتَحديدًا ما جاءَ في الأصحاحِ الثَّالثِ، فإنَّ بُطرسَ يَتحدَّثُ عن مَجيءِ المسيح. فهو يتحدَّثُ عن ذلكَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ العاشِر فيقولُ إنَّ يومَ الرَّبِّ سَيَأتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ. وحينئذٍ فإنَّ السَّمَاوَاتِ سَتَزولُ. وسُيرافِقُ ذلكَ أُمورٌ كثيرة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ إنَّنا مُنْتَظِرِينَ [في العدد 12] وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ. فنحنُ المُؤمِنونَ نَتوقُ إلى ذلك. ونحنُ نُريدُ أنْ يَأتي ذلكَ اليوم بِسُرعة لكي نَعيشَ حَياةً كَامِلَةً مَعَهُ. ونحنُ نَنتَظِرُ [بِحَسَب العدد 13] سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ". فإنْ كُنَّا مُؤمِنينَ حَقيقيِّين، يجب علينا أنْ نُبْغِضَ الخطيَّةَ في هذا العَالَمِ وأنْ نَتوقَ إلى البِرّ. ثُمَّ إنَّهُ يُلَخِّصُ الأمرَ في العدد 14 بطريقة عَمليَّة فيقول: "لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ". فعندما يأتي المَسيحُ إلى هُنا، ينبغي أنْ نَكونَ في سَلامٍ، وَبِلا دَنَسٍ، ولا عَيْبٍ. ولكي نَفعلَ ذلك، نَقرأ في العدد 18: "وَلكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح".
افتَحوا على رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّالث (وهي الرِّسالة الَّتي تَلي رسالة بُطرس الثَّانية)، وانظروا إلى العددِ الثَّاني: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ". فهذا هو شَوْقُ قُلوبِنا: أنْ نَكونَ مِثلَهُ...أنْ نَكونَ مِثلَهُ. هل تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالث؟ "أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". وما هي تلكَ الجَعالة؟ أنْ نَكونَ مِثلَهُ. ونَقرأ في العدد الثَّالث: "وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ". فإنْ أَردتَ أنْ تَكونَ مِثلَهُ، وكُنتَ تَعلمُ أنَّكَ ستكونُ مِثلَهُ، وكُنتَ تَعلمُ أنَّكُ ستَقِفُ أمامَهُ، يجب عليكَ أنْ تَكونَ طَاهِرًا. يجب عليكَ أنْ تكونَ طَاهِرًا.
وفي رسالة يوحنَّا الأولى 2: 28، يَقولُ يُوحَنَّا: "حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ". فيجب علينا أنْ نَعيشَ بطريقة تَجعَلُنا نَقِفُ أمامَ المَسيحِ بقلبٍ فَرِحٍ وواثقٍ، لا كَغيرِ المؤمنينَ الَّذينَ سَيَقِفونَ أمامَهُ بِخِزْي. وإنْ كُنَّا نُحِبُّ حَقًّا ظُهورَهُ (كما كَتَبَ بولسُ إلى تيموثاوس)، إنْ كُنَّا نُحِبُّ ظُهورَهُ، يجب علينا أنْ نَسعى إلى أنْ نكونَ طَاهِرينَ لكي تكونَ حَياتُنا مُستقيمةً إنْ جاءَ في اللَّحظةِ القادمة.
وسوفَ أَخْتِمُ بما جاءَ في إنجيل لوقا والأصحاح 12. فبعدَ أنْ يُقَدِّمَ يَسوعُ تَعليمًا كثيرًا هُنا، فإنَّهُ يُوَجِّهُ انتباهَنا إلى هذه الفِكرةِ نَفسِها فيقولُ في العدد 35: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ". أليسَت هذه الفِكرة مُدهشة! فإنْ كُنتَ مُستعدًّا حينَ يأتي، فإنَّهُ سَيَخْدِمُكَ. فسواءٌ جاءَ في الهَزيعِ الثَّاني، أوْ حَتَّى في الهَزيعِ الثَّالثِ، وَوَجَدَهُم كذلك، طُوبى لهؤلاءِ العَبيد. "وَاعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأتِي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأتِي ابْنُ الإِنْسَان".
وهذا تَحذيرٌ للعالَمِ الَّذي لم يَختبِر التَّجديد. وهذا تَحذيرٌ للمُتَدَيِّنينَ الزَّائفين. ولكنِّي أعتقد أنَّهُ يَتحدَّث مُباشرةً أيضًا عنَّا نحنُ المؤمنين إذْ ينبغي لنا أنْ نَكونَ مُستعِدِّينَ لأنَّنا لا نَعلمُ اللَّحظةَ الَّتي سيأتي فيها مَسيحُنا. فنهايةُ كُلِّ شيءٍ وَشيكة جدًّا، بل أَقربُ مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى. وهذا حَافِزٌ لَنا لكي نَعيشَ حَياةً مُقَدَّسَةً. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى على هذا التَّذكير. ويا ليتَ قُلوبَنا تَكونُ مُكَرَّسَةً لِحُبِّ ظُهورِكَ، ولذلكَ الوقتِ العَظيمِ الَّذي سَنَتَسَلَّمُ فيهِ مُكافأتَنا بأنْ نَصيرَ مِثْلَ المسيح. ويا رَبّ، أَعْطِنا نِعْمَةً كي نَعيشَ حَياتَنا في ضَوءِ ذلكَ وأنْ نَقولَ مَعَ يُوحَنَّا: "آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ". فَنَحْنُ نَتوقُ جِدًّا إلى ذلك. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
