Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دَرسِنا لهذا الصَّباح، أَوَدُّ أن أَلفِتَ أنظارَكُم مَرَّةً أخرى إلى سِفْرِ فِلِيمون الصَّغير الرَّائع. افتَحوا كِتابَكُم المقدَّس، لو سَمحتُم، على الرِّسالة إلى فِلِيمون. وهي رسالة موجودة بينَ الرِّسالة إلى تِيطُس والرِّسالة إلى العِبرانِيِّين. الرِّسالة إلى فِلِيمون. ونَصُّنا في هذا الصَّباح مِنَ الرِّسالة إلى فِلِيمون هو مِنَ الأعداد 4-7. فنحنُ نَقوم بدراسة مِن أربعة أجزاء بعنوان: "درس في الغُفران". وقد وَصَلنا في هذا الصَّباح إلى الجُزءِ الثَّاني. واسمَحوا لي أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الأعداد مِن 4 إلى 7 تَمهيدًا لرسالَتِنا:

"أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي، سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ، وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَلِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ لَنَا فَرَحًا كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ، لأَنَّ أَحْشَاءَ الْقِدِّيسِينَ قَدِ اسْتَرَاحَتْ بِكَ أَيُّهَا الأَخُ".

مِنَ الواضحِ أنَّنا نَعيشُ في مُجتمعٍ لا يَعرفُ شَيئًا عنِ الغُفران. ونحن نَعيشُ في مجتمعٍ لا يُبالي كثيرًا بالغُفران. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّ واحدًا مِنَ العوامل الرَّئيسيَّة (إنْ لم يكن هو العاملُ الرَّئيسيُّ) في تَحَطُّمِ العلاقات في مُجتمعنا هو عَدَم وجود الغُفران. فمُجتمعُنا يَحُثُّنا على عدم الغُفران. وَهُوَ يَمتدحُ ويُعَظِّمُ الأشخاصَ الَّذينَ لا يُبدونَ أيَّ استعدادٍ للغُفران. ونحنُ نَصنعُ أبطالاً مِن خِلالِ أفلامٍ مِثلَ "ديرتي هاري" (Dirty Harry) وَ "رامبو" (Rambo) تُصَوِّرُ أشخاصًا يَقتلونَ بِدافعِ الانتقام.

وبسبب غَرَقِ مُجتمعنِا في الخطيَّةِ والشَّرِّ، وعدمِ وجودِ أيِّ نوعٍ مِنَ الرَّادِعِ الاجتماعيِّ المسيحيِّ في المُجتمع، صارَ مُجتمعُنا مُمتلئًا بالمَرارة، ومُمتلئًا بالرَّغبةِ في الانتقام، ومُمتلئًا بالغضب، ومُمتلئًا بالكَراهِيَة، ومُمتلئًا بالعَداوةِ نحو الآخرين. ويمكننا أن نَرى ذلكَ مِن خلالِ جرائمِ الانتقامِ الَّتي صارت شائعةً في يومِنا هذا. ويمكننا أن نَرى ذلكَ مِن خلالِ الدَّعاوى...الدَّعاوى القانونيَّةِ الَّتي تُرفَعُ ضِدَّ أيِّ شخصٍ لأيِّ سَبَبٍ يُمكن تَخَيُّلُه ولا يُمكن تَخَيُّلُه. والحقيقة هي أنَّهُ مِنَ المُرعِب أن نُفكِّر في حقيقة أنَّ هناكَ مزيدًا مِن الطَّلبة اليوم في كُلِّيَّاتِ الحُقوق أكثر مِن جميع التخصُّصاتِ المِهَنِيَّة الأخرى مُجتمعةً. فسوفَ نُخَرِّجُ عددًا لا حَصْرَ لَهُ مِنَ المُحامين لكي يَترافَعوا في قضايا قانونيَّة لا حَصْرَ لها بسببِ رُدودِ فِعل النَّاس العَنيفة والمُستمرَّة على كُلِّ مسألة صغيرة أو كبيرة يُواجِهونَها في الحياة.

وَحَتَّى إنَّ المُعالِجينَ النَّفسِيِّينَ يَقولونَ لنا اليوم إنَّ الغُفرانَ ليسَ شيئًا صِحِّيًّا. وهذه مَعلومة جديدة. وهناك كِتاب جديد رائج مِن تأليف: "سوزان فوروارد" (Susan Forward) بعُنوان: "الآباءُ والأمَّهاتُ السَّامُّون" (Toxic Parents). والفِكرة الرَّئيسيَّة مِنَ الكِتاب هي، في الحقيقة، الموقفُ السَّائدُ في مُجتمعِنا المُعاصِر وهو أنَّهُ يأخُذُ موقفًا سَلبيًّا مِنَ الغُفران. وهُناكَ فَصلٌ في الكتاب بعُنوان: "أنتَ لستَ مُلزَمًا بأن تَغفِر". بعبارة أخرى، أنتَ ضَحِيَّة أبٍ وأُمٍّ سَامَّيْن سَمَّما حَياتَكَ. وما لم تُلْقِ اللَّومَ عليهِما كما يَنبغي، لن تكونَ شخصًا مُعافَى. فنحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ اقْتِصاصِيّ، وثأريّ، وعِدائيّ، وغاضب يُريدُ أن يَجعلَ كُلَّ شخصٍ آخر مُتَّهَمًا باقترافِ جَريمةٍ في حَقِّنا، ويُريدُ أن يُقنِعَنا بأنَّنا لسنا مَسؤولينَ عن أيِّ شيءٍ سوى الانتقام. وبلا شَكٍّ، فإنَّ مُجتمعِنا هو أكثرُ مُجتمعٍ عَداوةً، وغَضَبًا، وعَدَمَ تَسامُحٍ، ونَقمةً شَاهَدتُهُ في أثناءِ حياتي القَصيرة.

وبالنِّسبة إلى المؤمِن، فإنَّ عَدَمَ الغُفرانِ هو أمرٌ لا يُمكِن تَصَوُّرُه. وأنا لا أُبالي بالسَّبب، ولا أُبالي بنوعيَّةِ الإساءة. فَعَدمُ الغُفران هو عِصيانٌ سَافِرٌ وَصَارِخٌ. فقد أُعطينا وَصِيَّة واضحة كُلَّ الوضوح بأنَّهُ إنْ أخطأَ إلينا أحدُ الأشخاص، يجب علينا أنْ نَغفِرَ لَهُ. كم مَرَّة؟ إلى سبعينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّات؛ أيْ عَدَدًا لا يُحصَى مِنَ المَرَّات. والسَّببُ الَّذي ينبغي لأجلِهِ أن نَغفِر للآخرين هو أنَّ أبانا السَّماويَّ قد غَفرَ لنا وسيستمرُّ في تَقديمِ الغُفرانِ لنا ما دُمْنا أُمناء في الغُفرانِ للآخرين.

وإن أردنا أن نَنظُرَ إلى هذه المسألة مِن وجهةِ النَّظرِ السَّلبيَّة، ولو قليلاً، وإن أردنا أن نُصغي إلى هذا المُجتمع الَّذي يقولُ لكَ إنّكَ لَستَ مُطالبًا بالغُفران، بل إنَّكَ تَمْلِكُ الحَقَّ في المُطالبةِ بِحَقِّكَ، وبأنَّكَ تستطيعُ أنْ تَرفعَ دَعوى على أيِّ شخصٍ وكُلِّ شخصٍ مِن أجلِ أيِّ شيءٍ وكُلِّ شيء، وإنَّهُ يجب عليكَ أن تَلومَ شخصًا آخرَ على مَسؤوليَّتِك وأنْ تَفعلَ كُلَّ ما في وُسعِك لِجَعلهم يَدفعونَ ثَمَنًا باهظًا لما فَعلوهُ بك...فإنْ أردنا أن نَقبلَ هذه العَقليَّة، إليكُم ما سَيَنجُم عن ذلك. وسوفَ أَكتفي بِذِكرِ أربعة أشياء ستَحدث في حياةِ المؤمِن: أوَّلاً: سوفَ يَجعلُكَ ذلكَ سَجينَ مَاضيكَ. فعدمُ الغُفران سيَجعَلُكَ سَجينَ مَاضيكَ. فما دُمتَ لا تَغفر للشَّخصِ الَّذي أساءَ إليك، ولا تَغفِر الإساءة الَّتي وُجِّهَتْ إليكَ، ستبقى سَجينَ مَاضيك. فعدمُ الغُفرانِ يُبقي الألمَ حَيًّا. وعدمُ الغُفرانِ يُبقي ذلكَ الجُرحَ مَفتوحًا. وعدمُ الغُفرانِ لا يَسمحُ لذلكَ الجُرحِ أن يَنْدَمِل. وأنتَ تَمضي في الحياةِ مُذَكِّرًا نَفسكَ بما حَدَثَ لكَ. لِذا فإنَّكَ تُبقي ذلكَ الجُرحَ مَفتوحًا، وتُبقي ذلكَ الدُّمَّلَ مَفتوحًا، وتُهَيِّجُ ذلكَ الألم، وتُراكِمُ شيئًا فشيئًا غضبًا أكبر فأكبر في داخِلِك. وأنتَ تَمضي في الحياةِ وأنتَ تَشعُرُ بتلكَ المشاعرِ الجريحة.

والآن، فَكِّر في ذلك: ما الهدفُ مِن ذلك؟ وما الفضيلة الَّتي يُقَدِّمُها ذلكَ أو يُظهِرُها؟ فعدمُ الغُفرانِ لا يَفعلُ شيئًا سوى أنَّهُ يَسجِنُكَ في الماضي. وكُلَّما رَجَعْتَ إلى الماضي وَغَذَّيتَ موقفَ عدم الغُفران ذاكَ، فإنَّكَ تُراكِمُ في حياتِكَ مأساةَ الغضبِ. والعَداوةُ ستَتصاعَد، وتَتراكَم، وتَزيد، وتَتَكَدَّسُ؛ وهو أمرٌ سيَسلِبُ الفَرَحَ مِن حياتِك. فسوفَ تَعيشُ حياتَكَ وأنتَ تَشعرُ بمشاعر سَيِّئة كما هي حالُكَ الآن، أو رُبَّما أسوأ، مِن دونِ أيِّ أَمَلٍ بالشُّعورِ بالرَّاحة. بالمُقابِل، فإنَّ الغُفرانَ يَفتحُ البابَ ويُطلِقُ سَراحَ المَسجون. فالغُفرانُ يُحَرِّرُكَ مِنْ ماضيك. فحالما تَغفِر، تَختفي الإساءة وَتتحرَّر. أمَّا إنْ أَصَرَّيتَ على تَذَكُّر الإساءة ولم تَغفرها، فإنَّكَ تَسمح لذلكَ الشَّخص أن يَستمرَّ في الإساءة إليكَ طَوالَ حياتِك. واللَّومُ في ذلكَ يَقَعُ عليكَ أنتَ، لا عَلى الآخرين.

ثانيًا، عَدَمُ الغُفرانِ يَجعلكُ لا فقط سَجينَ مَاضيكَ، بل إنَّ عَدَمَ الغُفرانِ يُنشئُ مَرارةً. فهو يُنشئُ مَرارة. فالتَّأثيرُ التَّراكُمِيُّ لِتذكُّرِ إساءةٍ مَا اقتُرِفَتْ في حَقِّكَ مِن دونِ غُفرانِها (سَواءٌ كانتِ الفترةُ الزَّمنيَّة قصيرة أَم طويلة) يَجعلُكَ شخصًا مُرَّ النَّفس. وكُلَّما أَطَلْتَ التَّفكيرَ في الإساءة، زادت حَصيلةُ المَعلوماتِ المُتراكِمَة لديكَ، وزادت ذِكرياتُكَ عنها، وزادَ انشغالُكَ الفِكريُّ فيها. وكُلَّما زادَ انشغالُكَ الفِكريُّ فيها، زادَ تَشكيلُها لشخصيَّتِك. والمَرارة ليست خطيَّة وحسب، بل إنَّها عَدوى أيضًا. وهي سَتُصيبُ بِعدواها حياتكَ بأسرِها. وإنْ تَتَبَّعْنا أصلَ المَرارة سنَجِدُ أنَّهُ عدم الغُفران. فهو يَجعلُكَ شَخصًا مُتُهَكِّمًا، ويَجعلُكَ شخصًا سَاخِرًا، ويَجعَلُكَ شخصًا دَيَّانًا، ويَجعلُكَ تُفَكِّرُ في أمورٍ سَيِّئة بسببِ الذِّكرياتِ الَّتي تَعجَزُ عن غُفرانِها. وحينئذٍ تَصيرُ أفكارُكَ مَسمومَة تُجاهَ الآخرين، وتَصيرُ لَديكَ نَظرة مُشَوَّهة إلى الحياة، وتُسَمِّمُ حَرفيًّا حَياتَكَ بأسرِها. والغضبُ يَبتدئُ بالاضطِرامِ في داخِلِك. وهو غَضَبٌ قد يَخرُجُ بسهولة عنِ السَّيطرة. وقد تَصيرُ مَشاعِرُكَ جَامِحَةً. وقد يَصيرُ ذِهنُكَ ضَحِيَّةً لذلك. وقد تَرعَى باستمرار مشاعرَ تَتمحورُ حولَ الانتقام. وما الَّذي يَحدُث؟ قد تَصيرُ حَتَّى الأحاديثُ العاديَّةُ فُرصةً للقَدْحِ، وفُرصةً للنَّميمة، وفُرصةً للإساءةِ المُبَطَّنَةِ إلى الشَّخصِ الَّذي أَسَاءَ إليك. وحينئذٍ فإنَّ جَسَدكَ (أيِ الجُزءَ المُريعَ المُتَبَقِّي مِن طبيعَتِكَ القديمة) سيصيرُ هُوَ المُسيطِر.

وأعتقد أنَّ هذا يَحدُث بصورة بارزة وواضحة جِدًّا في العلاقاتِ الزَّوجيَّة. فإنْ تَزَوَّجَ شَخصانِ مُؤمِنان، لا يَجوزُ أن يَتطلَّقا، ولا يَجوزُ أن يَنفصِلا، بل ينبغي أنْ يَتمتَّعا بعلاقة سعيدة. فهذه هي خُطَّةُ الله. ولكِنْ عندما تَزوَّجتُ، تَزَوَّجْتُ مِن امرأة خاطئة. والشَّيءُ الَّذي يَصعُبُ تَخَيُّلُه هو أنَّ زوجَتي تَزَوَّجتْ هي أيضًا مِن رَجُلٍ خاطئ. والحقيقة هي أنَّهُ مِنَ المُستحيل أَلَّا يُسيءَ أَحَدُنا إلى الآخر. وهذا لا يَحدُثُ في فتراتٍ مُتباعِدة فحسب مِنَ السَّنة، بل إنَّهُ يَحدُث كثيرًا. ولكِنْ بوجودِ الغُفران فإنَّ الإساءة لا تَستمرُّ أكثر مِن لحظة إذْ إنَّها تأتي وتَذهب. أمَّا في حالِ عَدَم وجودِ غُفران، فإنَّ المَرارة ستتراكَم. وهذا سيَجعلُكَ تَنقلِب ضِدَّ شَريكِ حَياتِك. وهذا سيَجعلُكَ مُتَهَكِّمًا وَساخِرًا. وأنتَ تُغلِقُ أَحشاءَكَ، وتُغلِقُ بابَ اللُّطفِ لَديكَ، وتبتدئ في البحث عن طُرُقٍ للاقتصاص. وحينئذٍ فإنَّ المَرارةَ سَتَعملُ على هَدْمِ العَلاقة. أمَّا الغُفرانُ، بالمُقابل، فإنَّهُ يُزيلُ المَرارة ويَضَعُ مَحَلَّها مَحَبَّةً، وفَرحًا، وسلامًا، ولُطفًا، وصلاحًا، وإيمانًا، ووداعةً، وتَعَفُّفًا. فما الَّذي يَجعلُ أيَّ شخصٍ يَرغبُ في أن يَعيشَ سَجينًا لِماضيه؟ وما الَّذي يَجعلُ أيَّ شخصٍ يَرغبُ في أن يَعيشَ حَياةً تَراكَمَتْ فيها المَرارةُ حَتَّى نَغَّصَتْ كُلَّ علاقةٍ لديه؟

وهُناكَ شيءٌ ثالثٌ يَفعلُهُ عدمُ الغُفران. فعدمُ الغُفرانِ يَفْتَحُ البابَ لِدُخولِ الشَّيطان. فعدمُ الغُفرانِ يُبْقي النَّاسَ في الخارِج ويَدعو الشَّياطينَ إلى الدُّخول. فحيثُ يوجد غَضَبٌ مَكبوت، وحيثُ توجد مَرارة مَكبوتة، وحيثُ يوجد رُوح عَدَم غُفران، فإنَّ هذا يعني أنَّكَ تُعطي إبليس مَكانًا. ونحنُ نَقرأ في رسالة أفسُس 4: 26 و 27: "اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ، وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا". والنُّقطة الجوهريَّة هي: إذا ذَهبتَ إلى فِراشِكَ كُلَّ ليلة مِن دون أنْ تَغفِر تمامًا، ومِن دون أن يَتلاشى غَضَبُكَ، تكونُ قد أعطيتَ إبليسَ مَكانًا. وفي رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاحِ الثَّاني، نَجِدُ جُملةً مُباشرةً جدًّا قالها الرَّسولُ بولس. فهو يقولُ في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 10: "أنا أُسامِح...أنا أُسامِح". وفي العدد 11: "لِئَلاَّ يَطْمَعَ فِينَا الشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ". فالشَّيطانُ يَدخُلُ القلبَ الَّذي لا يَغفِر، والحياةَ الَّتي لا تَغفِر.

ولا نُبالِغ إن قُلنا...اسمعوني جيِّدًا...لا نُبالِغ إن قُلنا إنَّ أغلبيَّةَ الأراضي الَّتي يَحتَلُّها الشَّيطانُ في حياتِنا إنَّما يَحتَلُّها بسبب عدم الغفران. ونحنُ لا نَجهل مَكائِدَهُ الرَّامية إلى التَّسَلُّلِ إلى القلبِ غيرِ الغَفورِ وهَدْمِ العلاقات. وبصراحة، يُمكنكم أن تَطرُدوا كُلَّ عَمَلٍ شيطانيٍّ مِن خلالِ الغُفران. فما الَّذي يَجعلُ أيَّ شخص يرغب في أن يكونَ سَجينَ ماضيه؟ وما الَّذي يَجعل أيَّ شخص يرغب في أن يُصابَ بمرض المَرارة الَّذي يَهدِمُ حَياتَهُ ويُنَغِّصُها؟ وما الَّذي يَجعل أيَّ شخصٍ يَرغب في أن يَفتحَ البابَ على مِصْراعيهِ وأن يُرَحِّبَ بالشَّياطين؟

رابعًا، عدمُ الغفرانِ يُعيقُ شَرِكَتَكَ بالله. عدمُ الغفرانِ يُعيقُ شركتكَ بالله. فقد قال يسوعُ: "إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ". ففي أثناءِ علاقتِنا المستمرَّة بالله، إن لم نَغفر للآخرين فإنَّهُ لن يَغفر لنا. لِذا، إن لم أكُن أتمتَّع بعلاقة سليمة بِكُم، فإنَّني لا أتمتَّعُ بعلاقةٍ سليمة بِهِ. ولماذا أَحكُمُ على نفسي بالحصول على شيءٍ أقَلّ مِن أعظم بَرَكة مِنَ الله. أليسَ كذلك؟ فما هذه الحَماقة؟ وكم سأكونُ غَبِيًّا إن فَعلتُ ذلك؟ وهل أَجِدُ أيَّ قيمة في جَعلِ اللهِ غاضبًا مِنِّي؟ وهل أَجِدُ أيَّ فضيلة في قَطعِ نَقاوةِ وفَرَحِ شَرِكتي بالله؟

هل تَرَوْنَ غَباوةَ عدمِ الغُفران؟ فهو يَجعلك سَجينَ مَاضيكَ، ويُصيبُكَ بمرضِ المَرارةِ البَغيض، ويَفتحُ البابَ لِدُخولِ الشَّياطين، ويَحرِمُكَ مِنَ الشَّرِكة الكاملة والغنيَّة الَّتي يُريدُ اللهُ أن يَهَبَها لَك. ثُمَّ إنَّ هناكَ أسبابًا كثيرةً إيجابيَّة تَجعلُكَ شخصًا غَفورًا. فإن رَفضتَ أن تَغفرَ للآخرين، تكونُ قد قَطعتَ شَرِكَتَكَ بالله، وتكونُ قد عَرَّضْتَ نَفسكَ لمكائدِ الشَّيطان، وتكونُ قد لَوَّثْتَ حياتَكَ وحَرمتَ نَفسكَ مِنَ الفَرح، وتكونُ قد سَمحتَ لنفسِكَ أن تَكونَ ضَحِيَّةً لِمَاضيك.

إذًا، بسببِ أهميَّةِ وخُطورةِ موضوعِ الغُفرانِ هذا، فإنَّهُ يَلقى كثيرًا مِنَ الاهتمامِ في الكتابِ المقدَّس. فهناكَ، في الحقيقة، ما لا يَقِلُّ عن 75 صُورة كَلاميَّة مُختلفة في الكتابِ المقدَّس عنِ الغُفران. هناكَ ما لا يَقِلُّ عن 75 صُورة كَلاميَّة في الكتابِ المقدَّس عنِ الغُفران. وهي موجودة لمساعدتنا على فَهمِ أهميَّةِ، أو طَبيعةِ، أو سِماتِ، أو تأثيرِ الغُفران. واسمحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم عددًا مِنَ الصُّوَر الكَلاميَّة الكِتابيَّة عنِ الغُفران.

فالغُفران يَعني أن تُديرَ المِفتاحَ، وتَفتحَ بابَ الزِّنزانة، وتُطلِقَ سَراحَ السَّجين. والغُفرانُ يَعني أن تَكتُبَ بحروف كبيرة على صَكِّ دَيْنٍ: "الدَّيْن مَدفوع". والغُفرانُ يَعني أنْ تَستخدِمَ المِطرقةَ في قاعةِ المَحكمة وتقول: "بَريء". والغُفران يَعني أن تُطلِقَ سَهمًا إلى أعلى ارتفاعٍ مُمكِن وإلى أبعَد مسافة مُمكنة بحيث يَتعَذَّر العُثورُ عليه ثانيةً. والغُفران يَعني أن تَجمعَ كُلَّ القُمامةِ والنُّفاياتِ وتَتخلَّص منها فتتركَ المنزلَ نظيفًا وذا رائحة مُنعشة. والغُفرانُ يَعني أن تَرفعَ مَراسي السَّفينة وتَنطلق بها في عُرْضِ البَحر. والغُفرانُ يَعني أن تُصْدِرَ عَفْوًا كاملاً بِحَقِّ مُجرمٍ مُدان. والغُفرانُ يَعني أن تُرخي قَبضَتَكَ عن خَصمِكَ في المُصارعة وتَجعَلَهُ يَنجو بحياتِه. والغُفرانُ يَعني أن تُنَظِّفَ جِدارًا مُتَّسِخًا وتَجعلَهُ يبدو كما لو كانَ جديدًا. والغُفرانُ يَعني أن تُكَسِّرَ وعاءً خَزفيًّا إلى ألفِ قطعة حَتَّى يَتعذَّر تركيبُه مَرَّةً أخرى. فموضوعُ الغفرانِ هذا مُهِمٌّ جِدًّا. وهو يأتي في صَميمِ صِحَّتِكُم وَصِحَّتي الرُّوحيَّة.

ولأنَّهُ موضوعٌ مُهمٌّ جِدًّا، أَفْرَدَ الرُّوحُ القُدُسُ سِفْرًا صغيرًا كاملاً في الكتابِ المقدَّسِ عنِ الغُفران. وهو ليسَ سِفْرًا طويلاً، بل سِفْرًا صغيرًا واحدًا هو: "الرِّسالة إلى فِلِيمون". وفي هذا السِّفر الصَّغير الَّذي يَحوي فقط خمسةً وعشرينَ عَددًا، يَتِمُّ التَّركيزُ على الواجبِ الرُّوحِيِّ المُتَمَثِّل في الغفران؛ لا بصورة نَظريَّة، ولا في صورة مَثَل، ولا في صُورة كَلاميَّة، بل مِن خلالِ قصَّة شخصيَّة حقيقيَّة. والآن، أنتُم تَذكُرونَ القصَّة. أليسَ كذلك؟ فقد كان هناكَ رَجُلٌ يُدعى "فِليمون" يعيشُ في كولوسي. وكانَ مُتزوِّجًا مِن سَيِّدة اسمُها "أَبْفِيَّة" ولديهما ابنٌ يُدعَى "أَرْخِبُّس" كانَ مُنخرطًا في الخدمة المسيحيَّة. وكانوا يَملكونَ بيتًا. ولا شَكَّ في أنَّهُ كانَ رَجُلاً غَنيًّا. وكانتِ الكنيسةُ تَجتمعُ في بَيتِه. وكانَ لديهما عَبْد. وكانَ اسمُ العبدِ هو: "أُنِسِيمُس". ومعَ أنَّ فِليمون كانَ سَيِّدًا صَالحًا، أرادَ أُنِسِيمُس حُرِّيَّتَهُ. لِذا، فقد هَربَ ذاتَ يومٍ. وكانَ سَيِّدُهُ قد دَفعَ مَبلغًا كبيرًا مِن المال لِشرائِه. ولكنَّهُ تَحايَلَ عَليه. وليسَ هذا فقط، بل إنَّهُ سَرَقَ أشياءً مِن سَيِّدِهِ وأخذَها مَعَه. لِذا فقد اقترفَ جُنحةً أو جَريمةً كانَ يُمكنُ أن يُعاقبَ عليها بالسِّجن أو حَتَّى الإعدام.

وكانَ أُنِسِيمُس قد هَربَ مِن مدينة كولوسي الصَّغيرة وقَرَّرَ أن يُحاولَ الاختفاء بينَ الحَشدِ الهائلِ في مدينة روما ظَنًّا مِنهُ بأنَّهُ سيتمكَّن مِنَ الاختفاءِ في العالَمِ السُّفلِيِّ في روما بأن يكونَ واحدًا مِنَ الهارِبينَ المَجهولينَ أوِ المُشَرَّدينَ الَّذينَ يُقيمونَ في الزِّقاقِ الخَلفيَّة مِن تلك المدينة الكبيرة. ولكِنْ سُرعانَ (ونحنُ لا نَدري كم مَضى على فَرارِهِ)، ولكِنْ سُرعانَ ما وَجَدَ هذا العَبْدُ الهاربُ نَفسَهُ يَقِفُ وَجْهًا لوجهٍ أمامَ رَجُلٍ عَظيمٍ جدًّا يُدعَى "بولُس". إذًا، فقد وَجَدَ هذا العبدُ الهارِبُ الَّذي يُدعى "أُنِسِيمُس" نَفسَهُ أمامَ بولس. وقد حَظِيَ بولسُ بامتيازِ اقتيادِهِ إلى يسوعَ المسيح. وهكذا فقد صارَ مَسيحيًّا. ثُمَّ إنَّ بولسَ عَرَفَ، بِلا شَكٍّ، أنَّ أُنِسِيمُس كانَ عَبْدًا عندَ صَديقِهِ فِليمون، وأنَّهُ كانَ يَنتمي إلى ذلكَ المكان، وأنَّهُ هَرَبَ. ومعَ أنَّ أُنِسِيمُسَ صارَ مَسيحيًّا وَنافعًا لبولس، كانَ بولس يَعلم أنَّهُ ينبغي لَهُ أن يَرُدَّهُ. لِذا فقد رَدَّ أُنِسِيمُس إلى فِليمون بعدَ أنْ كَتَبَ إليهِ رسالةً يَشرحُ فيها ما حَدَث. وَهُوَ يَقولُ في الرسالة: "أنا أَطلبُ مِنكَ أن تَغفِرَ لهذا العبدِ الهارِب".

صَحيحٌ أنَّ المجتمعَ يَقولُ لكَ: لا تُسامِحْهُ"، وأنَّ المجتمعَ يقولُ لكَ: "ارفَع دَعوى ضِدَّهُ واسْجِنْهُ"، وأنَّ المجتمعَ يقولُ لكَ: "دَعْهُ يَدفع كُلَّ فِلْسٍ سَرَقَهُ وَبَذَّرَهُ في رُوما"، وأنَّ المجتمعَ يقولُ لكَ: "أَطْلِقْ عليهِ لَقَبَ الهَارِب أوِ العَبد الهَارِب، وَضَعْ على جَبينِهِ الحَرفَ "هاء" بِخَطٍّ كبير لكي يَبقى طَوالَ حَياتِهِ مَعروفًا بأنَّهُ عَبْدٌ هَارِب ولا يَحظَى بِثقةِ أيِّ شخص"، ولكِنَّ بولسَ يقولُ: "اغفِر لَهُ وَحَسْب". اغفِر لَهُ وَحَسْب. مهما كَلَّفَكَ ذلك، اغفِر لَهُ. لِذا فإنَّ المُناشَدة في هذه الرِّسالة هي مُناشَدة مِن أجلِ الغُفران. وإذْ نَتأمَّلُ في هذه الرِّسالة يَتَّضِحُ لنا أنَّ بولس يَطلُب مِن فِليمون أن يَغفِرَ لرَجُلٍ تائب. فقد قامَ أُنسيمُس بدورِهِ إذْ إنَّهُ تَابَ. وها هُوَ يَعودُ إلى سَيِّدِهِ مُعتذِرًا وطالبًا الغُفران. وقد قامَ اللهُ بالعملِ الصَّحيحِ في قلبِه. والآن، حانَ دَوْرُ فليمون.

وفي الأسبوعِ الماضي، تَأمَّلنا في الآياتِ الثَّلاثِ الأولى الَّتي هي مُقَدِّمة. وقد بَيَّنْتُ لَكُم أهميَّةَ القصَّة. وفي هذا الصَّباح، سوفَ نَتأمَّل في الآيات مِن 4 إلى 7. وهذا هو الجزءُ الثَّاني مِنْ أصْلِ أربعة أجزاء. وهذا الجزءُ يَتحدَّث عن جانبٍ واحدٍ مِن ثلاثة جوانِب رئيسيَّة. فالأعداد 4-7 تُبَيِّنُ الصِّفاتِ الرُّوحيَّة للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. والأعداد مِن 8 إلى 18 تُبَيِّنُ الأفعالَ الرُّوحيَّة للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. والأعداد مِن 19 إلى 25 تُبَيِّنُ الدَّافِعَ الرُّوحيَّ للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. لِذا، فإنَّنا نَتعلَّمُ الكثيرَ عنِ الإنسانِ الغَفورِ هُنا. ونحنُ نَتعلَّم كيفَ نَكونُ غَفورين. ونَتعلَّمُ مبادئَ الغُفران. وهذا هو قَصْدُ الرُّوحِ القُدُس مِن كِتابةِ هذه الرسالة الرائعة.

والآن، في هذا الصَّباح، سوفَ نَتأمَّل في الأعداد مِن 4 إلى 7، أي في الصِّفاتِ الرُّوحيَّةِ للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. وأنا لا أريدُ أن تَتَشَوَّشوا. لِذا، أريدُ منكم أن تُصغوا إلى ما أقول. فإن قرأتم الأعداد مِن 4 إلى 7، لن تَجِدوا بالضَّرورة أنَّ بولسَ يَقولُ بوضوح: أوَّلاً، ثانيًا، ثالثًا، رابعًا، خامسًا، سادسًا؛ هذه هي المبادئُ المُختصَّة بالشَّخصِ الغَفور. ولكنَّكُم ستَرَوْنَ أنَّها مَذكورة ضِمنيًّا في ما يَقول. فهي ليست مَذكورة صَراحةً، بل مَذكورة ضِمنيًّا. فهي مُتَضَمَّنَة هُنا – بوضوحٍ شديدٍ جدًّا جدًّا. وفي هذا المقطع، يُشيرُ بولس إلى فِليمون بعباراتٍ رائعة جدًّا جدًّا. وَهُوَ يَمْدَحُهُ في الأعداد 4-7 بسببِ صِفاتِهِ المسيحيَّة. وفي أثناءِ قيامِهِ بذلك فإنَّهُ يَصِفُ الشَّخصَ الغَفور. فهذه هي الصِّفاتُ الرُّوحيَّةُ للإنسانِ الغَفور. لِذا، كأنَّهُ يَقولُ لَهُ: "فِليمون! أنا أَعلمُ أنَّكَ ذلكَ الشَّخص الَّذي يُمكنُني أن أكونَ واثقًا مِن أنَّهُ سيَغفِر لأُنسيمس". فَهُوَ يَمْتَدِحُهُ حَقًّا مِنْ خلالِ تَذكيرِهِ بِصفاتِهِ الشَّخصيَّة. وما أعنيه هو أنَّ بولسَ يَستخدِمُ الحِكمة هُنا مِن خلالِ اللُّجوءِ إلى المَدْحِ في الزَّمانِ والمَكانِ الصَّحيحَيْن. أليسَ كذلك؟ فالمَدحُ نَفسُهُ يَصيرُ طَعامًا مُغَذِّيًا للفَضيلة.

هل فَهِمتُم ذلك؟ فالمَدحُ في حَدِّ ذاتِه، أيِ المَدحُ المَشروع، يَصيرُ طَعامًا مُغَذِّيًا للفضيلة وتِرْيَاقًا قويًّا ضِدَّ الخطيَّة. فإن جاءَ إليكَ شخصٌ وقال: "أريدُ أن أقولَ لكَ شيئًا: أنا أنظر إلى حياتِك وأشكُر اللهَ لأنَّك مسيحيٌّ فاضِلٌ وتَقِيٌّ ومُقَدَّس"، صَدِّقوني أنَّ كلامَهُ هذا سيكونُ طَعامًا يُغَذِّي الفضيلة. وفي الوقتِ نفسِه، هذا تِرْياقٌ ضِدَّ الخطيَّة. أليسَ كذلك؟ لأنَّكَ إذا كُنتَ تَعلمُ أنَّ النَّاسَ يَنظرونَ إليكَ بتلكَ الطَّريقة ويُؤمنونَ بأنَّكَ كذلك، فإنَّ هذا سيَزيدُ مِن رَغبتِك في عملِ الفضيلة ورغبتِكَ في الابتعادِ عنِ الرَّذيلة. لِذا فإنَّ بولسَ يَتحدَّثُ عنِ الفضيلةِ العظيمةِ الَّتي يَتَحَلَّى بها فِليمون لأنَّها الأساسُ الَّذي يَستَنِدُ إليهِ في طَلَبِهِ مِنهُ بأنْ يَغفِر: "أنا أَعلمُ أنَّكَ تَتَحَلَّى بالصِّفاتِ الَّتي تَجعَلُكَ تَغفِر". والآن، ما هي هذه الصِّفات؟ سوفَ نَراها مِن خلالِ الأعداد 4 إلى 7.

وَهُنا، إذْ يَستعرِض بولسُ هذهِ الصِّفات الرَّائعة والدَّافِئة لشخصيَّة فِليمون، فإنَّهُ يُرينا نَوعيَّةَ الشَّخصِ الَّذي يَغفِر. وهو يَقولُ الكثيرَ مِنَ الأشياءِ الجَيِّدة عنه حَتَّى إنَّ المَرءَ يتساءَل: كيفَ عَلِمَ بولُس هذا كُلَّهُ؟ أوَّلاً، لقد كانَ كُلٌّ مِنهُما يَعرف الآخر شَخصيًّا. فقد كانَ كُلٌّ منهما يَعرف الآخر. والحقيقة هي أنَّهُ يَدعو فِليمون في العدد الأوَّل: "المَحْبُوب" ("أغابيتوس" – “agapetos”)..."المَحبوب" وَ "سونيرغوس" (sunergos) أي: "العَامِل مَعَنَا". إذًا، فقد عَمِلا معًا، وكانَ كُلٌّ مِنهُما يُحِبُّ الآخر. وقد قلتُ لكم في الأسبوعِ الماضي إنَّ بولس هو الَّذي اقتادَ فِليمون إلى المسيح. لِذا فقد كانَ يَعرِفُ عنهُ الكثير. كذلك، كانتِ الكنيسة في كولوسي تَجتمعُ في بَيتِه. لِذا، كانَ مُؤمِنونَ كثيرونَ يَعرفونَ عنه. وكان واحِدٌ مِن المسيحيِّين هو قائد الكنيسة في كولوسي؛ وَهُوَ رَجُل اسمُهُ "أَبَفْرَاس". وكانَ أَبَفْرَاسُ (بحسب ما جاءَ في العدد 23 مِن رسالة فِليمون) مَسجونًا معَ بولس في رُوما. لِذا، فإنَّ كُلَّ ما كانَ بولسُ يَعرِفُهُ عن فِليمون كانَ مُؤكَّدًا مِنْ قِبَلِ أَبَفْرَاس لأنَّ أَبَفْرَاس كانَ قائدَ الكنيسة في بيتِ فليمون. ثُمَّ هناكَ أُنسيمُس، العَبد الهارب، الَّذي مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ أكَّدَ كُلَّ هذهِ الصِّفات. فهو لم يَهرُب لأنَّ فليمون كانَ رَجُلاً سَيِّئًا، أو سَيِّدًا شِرِّيرًا، أو سَيِّدًا قاسيًا مُتَجَبِّرًا. فهذا لم يَحدُث قَطّ لهذه الأسباب. وهكذا فقد كانَ الجميعُ يَشهدونَ عن شخصيَّة هذا الرَّجُل. لِذا، فقد كانَ بولس يَعرف جَيِّدًا فَضائلَ هذا الرَّجُل.

والآن، حينَ نَنظُر إلى هذه الآياتِ (أيِ الآيات 4 وما يَليها) سنَرى نوعيَّةَ الشَّخصِ الَّذي يَغفِر. فما هي نوعيَّةُ الشَّخصِ الَّذي يَستطيعُ أن يَغفِر؟ لننظُر إلى العدد 4 ونَبتدئ مِن هُناك: "أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي". والآن، سوفَ نُعَلِّق على هذا العَدَد باختصار شديد. فهو يقولُ في حقيقةِ الأمرِ ما يَلي: "في كُلِّ مَرَّة أُصَلِّي فيها لأجلِك، فإنَّني أشكُرُ الله". فهذا هو ما يَقولُه. "دائمًا، عندما أَذكُرُكَ فِي صَلَوَاتِي، أَشْكُرُ إِلهِي". فهذه طريقة أخرى لصياغةِ هذه الجُملة. "دائمًا، عندما تَخطُر ببالي في صَلواتي، أُعَبِّرُ عن شُكري...دائمًا. فليسَ لديَّ ما أقولُهُ للهِ سوى: ’شُكرًا يا رَبّ على فِليمون‘. فأنا لا أجدُ شيئًا سَلبيًّا عليك. فكُلُّ شيءٍ سَمِعتُهُ عنكَ، وكُلُّ ما أعرِفُهُ عنكَ هو جَيِّد".

كذلك، نَقرأ في العدد الخامِس: "سَامِعًا"...وَحَرفيًّا: "سَامِعًا دائمًا". فأنا أستمرُّ في سَماعِ كَلامٍ عنكَ، يا فِليمون، يَدفَعُني إلى الصَّلاةِ مِن أجلكَ. وأنا أستمرُّ في أثناءِ صَلاتي بِتقديمِ الشُّكر". فبولس يَقول: "أنا أُصَلِّي. وفي صلواتي، تَخطُرُ أنتَ ببالي. وفي كُلِّ مَرَّة تَخطُر فيها ببالي أَشكُرُ اللهَ لأجلكَ لأنَّي في كُلِّ مَرَّة أَسمعُ فيها شيئًا عنكَ فإنَّهُ يكونُ شيئًا إيجابيًّا". ويا لها مِن شَهادة رائعة! "كُلُّ الأخبارِ عنكَ، يا فِليمون، طَيِّبة". فلا يوجد شيء في هذه الرِّسالة لتقويمِ فِليمون. ولا يوجد شيء في هذه الرِّسالة يُوحي بأنَّهُ كانَ خَارِجًا عنِ الخَطّ. ولا يوجد ما يُوحي بأنَّهُ اقترفَ خطأً في لاهوتِهِ، أو أنَّهُ كانَ يوجدُ خَطْبٌ ما في بَيتِهِ، أو أنَّهُ كانَ يُوجدُ خَطبٌ ما في زَواجِه. فَكُلُّ شيءٍ كانَ كما ينبغي أن يكونَ في حياةِ هذا الرَّجُل. لِذا فإنَّهُ يَقول: "كُلُّ شيءٍ أَعرفُهُ عنكَ يَجعَلُني أَشكُرُ اللهَ لأجلِك".

وما الَّذي سَمِعَهُ؟ وما الَّذي عَرَفَهُ عنهُ؟ أمور كثيرة: أوَّلاً، أنَّهُ كانَ يَهتمُّ بالرَّبّ. فقد كانَ مُهْتَمًّا بالرَّبِّ. أرجو أن تُلاحِظوا الصِّفَةَ الأولى في العددِ الخامِس. فهو يَقول: "سَامِعًا..." [رَكِّزوا معي الآن] "...بِمَحَبَّتِكَ، وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ". وهذه هي الجُملة الَّتي أُريدُ منكم أنْ تُلاحِظوها أوَّلاً: "أوَّلُ شيءٍ أَسمَعُهُ عنكَ هو أنَّ إيمانَكَ حَقيقيٌّ بالرَّبِّ يسوعَ المسيح، وأنَّكَ تَهتمُّ بالرَّبِّ. لِذا، أنا أَعلمُ أنَّني أستطيعُ أنْ آتي إليكَ، يا فِليمون، وأن أَطلُبَ مِنكَ أن تَغفِر لأنَّكَ مُهْتَمٌّ بالرَّبِّ، ولديكَ إيمانٌ مُخَلِّصٌ حَقيقيٌّ، وأنتَ مَسيحيٌّ حَقيقيٌّ حَقًّا. لِذا، فإنَّكَ تَمْلِكُ القُدرةَ على أن تَغفِر. فقد غُفِرَ لَكَ. لِذا، يُمكِنُكَ أن تَغفِر. فأنتَ لَديكَ نَبضُ الحياةِ الجديدة. وأنتَ لديكَ سُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ فيكَ. وقدِ اختَبرتَ تَبكيتَ كلمةِ الله. فأنتَ مُؤمِنٌ حقيقيٌّ. والمؤمنُ الحقيقيُّ يَرغبُ في فِعْلِ الصَّوابِ وما يُمَجِّدُ اللهَ. لِذا، أَرى أنَّهُ بإمكاني أن أُناشِدَكَ أن تَغفرَ لأنَّكَ تَهتمُّ بالرَّبِّ".

وبالمُناسبة، إنَّ الفعلَ "الَّذي لَكَ" هُوَ بصيغة المُضارِع بِمَعنى: "أنَّكَ تَمتَلِكُ بِصِفَة دائمة ومُستمرَّة طَبيعَةً تَهتمُّ بالرَّبِّ. وأنتَ تُظْهِرُ بِصِفَة دائمة ثِقَةً دائمةً بالرَّبِّ يسوع. وأنتَ تَمتَلِكُ إيمانًا لا يَتزعزع. وأنتَ مُؤمِنٌ أمينٌ وحقيقيٌّ وصادِقٌ". فهو يقول: "فِليمون، أنتَ تَسلُكُ بالإيمانِ في الرَّبِّ يسوعَ المسيح. وأنتَ تُظهِرُ ثِقَةً بِهِ في كُلِّ شيء. وأنتَ تَطلبُ مَشيئَتَهُ. لِذا، أنا أَعلمُ أنَّكَ تستطيعُ أن تَغفِر". وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا أشخاصٌ غُفِرَتْ خطايانا الكَثيرة. لِذا، يُمكِنُنا أنْ نَغفِرَ كَثيرًا. ونحنُ أولئكَ الَّذينَ لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ بولسَ كَتَبَ عنَّا في رسالة أفسُس 4: 32 ورسالة كولوسي 3: 13 قائلاً إنَّهُ يجب علينا أن يَغفِرَ بَعضُنا لبعض لأنَّ اللهَ لأجلِ المَسيحِ قد غَفَرَ لنا. ونحنُ أولئكَ الَّذينَ نُشبِهُ المَثَلَ المَذكورَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 إذْ إنَّهُ قد غُفِرَ لنا دَينٌ لا يُمكِنُنا أنْ نَرُدَّهُ. لِذا يجب علينا أنْ نَغفِرَ للآخرين. "يا فِليمون، أنتَ لَكَ إيمانٌ حقيقيٌّ. فأنتَ مُؤمنٌ حقيقيّ. وأنتَ تَستطيعُ أن تَغفِر". وما يَقولُهُ حَقًّا هنا هو إنَّ الصِّفةَ الأولى للشَّخصِ الَّذي يَغفِر هي أنَّهُ مُؤمِن. فهو يَهتمُّ بالرَّبِّ.

وَنَقيضُ ذلكَ مَذكورٌ في رُومية 3. وأودُّ أن أَلفِتَ أنظارَكُم بإيجازٍ شَديد إلى رسالة رُومية 3: 10. فهُنا، يَصِفُ الرَّسولُ بولس الشَّخصَ غيرَ المَسيحيِّ أو غيرَ المُؤمِن. وهو يقولُ في العدد 10: إليكُم الوَصفَ الرَّئيسيَّ لِطبيعةِ وشخصيَّةِ وطَبْعِ غيرِ المؤمِن: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ". إذًا، الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي يَقولُه عن غيرِ المؤمِنينَ هو أنَّهم ليسوا صَالِحين. فَهُم سَيِّئونَ، وأشرار، وخُطاة، وغيرُ أبرار، ولا يَستطيعونَ أن يَفعلوا شيئًا صالحًا. فحَتَّى الصَّلاحُ الَّذي يَعملونَهُ هو صَلاحٌ سَيِّئ لأنَّ ما يَفعلونَهُ ويبدو صَالحًا في أعيُنِ البشر يَنبُعُ مِن كِبريائهم، لا مِنَ الرَّغبةِ في تَمجيدِ اللهِ. لِذا فإنَّهُ صَلاحٌ سَيِّئ. لِذا، فقد قُلتُ لكم في الماضي إنَّ غيرَ المؤمنينَ لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا إلَّا الشَّرَّ السَّيِّء أوِ الصَّلاحَ السَّيِّء. فهو كُلُّهُ سَيِّئ.

ثُمَّ إنَّهُ يتحدَّثُ في العدد 13 عنِ العلاقات: "حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ". بِعبارة أخرى، عندما يَفتحونَ أفواهَهُم، يَخرُج مِنها كَلامٌ بَذيءٌ، ورائحة نَتِنَة، وعُفونة. "بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ". وَهُنا نَجِدُ وَصفًا للأشخاصِ الَّذينَ لم يَتجدَّدوا. فَهُم يَفتحونَ أفواهَهُم فَيَخرُج مِنها كَلامٌ بَذيءٌ. وفي ألسِنَتِهم مَكْر. وتحتَ شِفاهِهِم...وَهوَ يَنتقلُ هُنا مِنَ الدَّاخِلِ إلى الخَارِج...وتحتَ شِفاهِهِم سِمُّ الأَصلال. وَفَمُهُم مَملوءٌ لَعنةً ومَرارة. فإنْ أَتَحْتَ لَهُم فُرصةَ القَبضِ عليكَ، سَيَقتلونَكَ. فلا يوجد غُفرانٌ لديهم. وهذهِ هي المَرارة والنَّقمة، وهذا هو الغَضَبُ، وهذه هي الكَراهِيَةُ والعَداوةُ لدى الأشخاصِ غيرِ المُؤمِنين. فَهُم يَتحرَّكونَ بِدافِعِ الكَراهِيَة. وَهُم يتحرَّكونَ بِدافعِ المَرارة. وَهُم يَلعَنونَكَ بسببِ مَرارَتِهم. وهُم سيَقتلونَكَ إنْ سَنَحَت لَهُم الفُرصة. مِن جهة أخرى، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ تَصالَحوا معَ اللهِ، وأولئكَ الَّذينَ (كما يَقولُ بولس في رسالَتِه إلى فِليمون) يُؤمِنونَ بالرَّبِّ يسوعَ، يُبدونَ استعدادًا للغُفران. وَهُمُ الوَحيدونَ الَّذي يَفعلونَ ذلك.

ولا يُفاجئُني أنَّ مُجتمعَنا مُوْلَعٌ جِدًّا بإقامَةِ الدَّعاوَى القَضائيَّة بَعضُنا ضِدَّ بعض. ولا يُفاجئُني أنَّ النَّاسَ يَقتُلونَ بَعضُهم بعضًا. ولا يُفاجئُني أنَّكَ إذا أَقْحَمْتَ سَيَّارَتَكَ أَمامَ أحدِهم دُوْنَ قَصْدٍ فإنَّهُ سَيَمُرُّ بِجانِبِكَ ويُوَجِّهُ إليكَ إشاراتٍ مُهينَة، إنْ لم يَقتُلْكَ. ولا يُفاجئُني أنَّ العُدوانيَّة والغضبَ في مُجتمعِنا هي على هذا النَّحوِ لأنَّ هذِهِ هي حَالُ القلبِ البشريِّ. وقد حِدْنَا كثيرًا عن أيِّ نَوعٍ مِنَ الكَوابِحِ المَسيحيَّةِ أوِ الضَّوابطِ الاجتماعيَّةِ المسيحيَّةِ فباتَتْ تلكَ الضَّغينةُ أمرًا مُباحًا، بل أكثرَ مِنْ مُباحٍ؛ فهو أمرٌ يَدعو إليهِ كَثيرون. والسَّببُ في ذلك هو أنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي يُتوقَّع مِن غيرِ المُؤمِنينَ أن يَتصرَّفوا بها. وهذا ليسَ أمرًا مُفاجِئًا. ولكِنْ ما يُفاجئُني أحيانًا هو أنَّ يَتَجاوَزَني شخصٌ بِسَيَّارَتِهِ ويُوَجِّهَ إليَّ إشاراتٍ مُسيئة، وبعدَ أنْ يَنْطَلِقَ بِسيَّارَتِهِ أمامي أُلاحِظ أنَّهُ يَضَعُ صُورة سَمَكة على الصَّدَّامِ الخَلفِيِّ لسيَّارَتِه. وأنا أعتقد أنَّ السَيَّارة مَسيحيَّة، ولكِنَّ السَّائقَ غير مَسيحيّ!

أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ تَصالَحوا معَ الرَّبِّ يسوعَ المسيح فإنَّهم يَغفِرونَ لأنَّنا نَستطيعُ أن نَغفِر. فهذا العالَمُ مُمَزَّقٌ إرْبًا في كُلِّ مَكانٍ (مِنَ الزِّيجاتِ إلى الأُمَم) لأنَّ النَّاسَ لا يَستطيعونَ أن يَغفِروا. فالمسيحيُّونَ هُمُ الوحيدونَ الَّذينَ يَستطيعونَ حَقًّا أن يَغفِروا مِنَ القلبِ كَما قالَ يَسوع. فالمسيحيُّونَ هُمُ الوحيدونَ الَّذينَ يَستطيعونَ حَقًّا أن يَغفِروا مِنَ القلب. لِذا فإنَّ الشَّخصَ الغَفورَ هو شخصٌ يُبالي بالرَّبِّ. فهو يُبالي جِدًّا بالرَّبِّ. وهو يُحِبُّ الرَّبَّ ويُريدُ أنْ يُكْرِمَ الرَّبَّ، ويَرغبُ في عَمَلِ كُلِّ شيءٍ يُعَبِّرُ عن إيمانِهِ بالرَّبّ. ولأنَّ إيمانَهُ حَقيقيٌّ، فإنَّهُ يَستطيعُ أن يَغفِر. فهو يَمتلِك طبيعة جديدة. وهو خَليقة جديدة. وسُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ فيه يَمْنَحُهُ تلكَ القُدرة.

ثانيًا، الشَّخصُ الغَفورُ يَهتمُّ أيضًا بالنَّاس. يَهتمُّ أيضًا بالنَّاس. ففي العدد الخامِس، يَقولُ بولس: سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ...لِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ". والآن، سوفَ تُلاحظونَ أنَّني قد شَرَحْتُ تلكَ الآية، وأنَّها مُلَخْبَطَة قليلاً. وهذا هو ما نُسَمِّيهِ في اللُّغةِ اليونانيَّة بالتَّرتيبِ المَعكوس. بعبارة أخرى، فإنَّ الكلماتِ والأفكارَ في الآية مُرَتَّبة تَرتيبًا مَعكوسًا. فالعبارةُ الأولى ("سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ") تَتَّفِقُ مَعَ العِبارة الأخيرة. والعِبارة الثَّانية ("والإِيمَانِ الَّذي لَكَ") تَتَّفِقُ مَعَ العِبارةِ الأولى ("نَحْوَ الرَّبِّ يَسوع"). لِذا، يجب عليكم أنْ تَنظروا إليها بترتيبٍ مُتَصالِب. فهذا هُوَ الأُسلوبُ التَّصَالُبِيُّ في اللُّغة اليونانيَّة. لِذا، عندما يَقولُ: "الإيمان" فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ "الإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ". وعندما يَقولُ "بِمَحَبَّتِكَ" فإنَّهُ يُشيرُ إلى "مَحَبَّتِكَ لِجَميعِ القِدِّيسين". وهذه هي الصِّفَة الثَّانية: "أنْ تُحِبَّ القِدِّيسين".

وهذه هي محبَّة الأغابي (agape love). فهي محبَّة نابعة مِنَ الاختيار، ومحبَّة نابعة مِنَ الإرادة، ومحبَّة مُضَحِّية، ومحبَّة مُتواضِعَة. وهي محبَّة لِسانُ حَالِها هُوَ: "أنا لا أُبالي بنفسي، بل أُبالي بِكَ". وهذه محبَّة لِسانُ حَالِها هُوَ: " سوفَ أقومُ بأيِّ تضحية مِن أجلِ سَدِّ حاجاتِك". وهذه محبَّة لِسانُ حَالِها هُوَ: "إنَّ مَحَبَّتي ليست عاطِفَةً وحَسْب، بل هي طاعة. وأنا لستُ مُلزَمًا بأن أَخدِمَكَ بسببِ وُجودِ شيءٍ جَذَّابٍ فيكَ، بل أنا مُلْزَمٌ بأن أخدمِكَ لأنَّ هُناكَ شَيئًا يَختصُّ بقُدرةِ اللهِ فِيَّ يَدفَعُني إلى القيامِ بذلك". وهذا هو ما وَصَفَهُ بولسُ في رسالة غَلاطيَّة 5: 6 بأنَّهُ "الإيمانُ العَامِل بالمحبَّة". وهل تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة تسالونيكي الأولى 4: 9؟ فبولس يقول: "وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". ونَقرأ في رُومية 5: "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا". ونَقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 14: "إنْ كُنتُم قد وُلدتُم ثانيةً، سَتُحِبُّونَ الإخوة. وإن لم تَكونوا تُحِبُّونَ الإخوة فإنَّكُم لم تُولَدوا ثانيةً". بعبارة أخرى، إذا كنتَ مَسيحيًّا، ستمتلكُ القدرة على أن تُحِبَّ. فسوفَ تكونُ مَحبَّةُ اللهِ قدِ انسكبَتْ في قَلبِكَ. وستكونُ قد تَعَلَّمْتَ مِنَ اللهِ أنْ تُحِبَّ. وستكونُ قد وُهِبْتَ تلكَ القُدرة. فهي موجودة. فهي مَحبَّةُ الرُّوحِ السَّاكِنَة فيك.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ لِفليمون: "أنا أَعلمُ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَغفِر". لماذا؟ "لأنَّ إيمانَكَ حقيقيّ، ولأنَّكَ مُهتمٌّ حقًّا بالرَّبِّ. فمحبَّتُكَ حقيقيَّة. فأنتَ تَهتمُّ حقًّا بالنَّاس". فلا يُمكنُكَ أن تَطلُبَ مِن شخصٍ غيرِ مُؤمِن أن يَغفِر. فغيرُ المؤمِنينَ لا يُحِبُّونَ الآخرين. وَهُم لا يَملِكونَ أيَّ عاطفة، أو تَضحيَّة بالذَّات، أو محبَّة أو إرادة لعملِ أيِّ شيءٍ سَليمٍ تُجاهَ الآخرينَ مِن داخِلِهم. فإنْ كانَ الأمرُ يَخدِمُ مَصلحَتَهم، فإنَّهُم يَفعلونَهُ. والمحبَّةُ الَّتي يَعرفونَها هي محبَّة نابعة مِنَ المشاعِر، ومحبَّة نابعة مِنَ العواطِف، ولكنَّها ليست محبَّة نابعة مِنَ الاختيارِ وَمِن حُبِّ الالتزام. لِذا فإنَّهُ يقول: "يا فليمون، أنتَ شخصٌ غَفورٌ لأنَّكَ تَهتمُّ بالرَّبِّ، وتَعرِفُ اللهَ، وتَسلُكُ معَ المسيحِ، وتُؤمِنُ بِهِ إيمانًا مُستمرًّا، ولديكَ محبَّة تُجاهَ النَّاسِ".

ثالثًا، الشَّخصُ الَّذي يَغفِر يَهتمُّ بالشَّرِكَة. يَهتمُّ بالشَّركة. فهو يقول: "سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ، وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَلِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً". والآن، إنَّهُ يُضيفُ فِكرةً أخرى. فهو يَقول: "أنتَ لَديكَ إيمانٌ مُخَلِّصٌ، ولديكَ محبَّة روحيَّة حقيقيَّة، ولديكَ رَغبة في الشَّرِكَة. فإيمانُكَ يَدفَعُكَ إلى الشَّرِكَة". وَهُوَ يُسَمِّيها: "شَرِكَةُ إيمانِكَ". وَهُوَ يَقول: "أرجو أن تكونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً". ويُمكنُنا أن نُترجِمَ هذه الكلمة "قَوِيَّةً"...قَوِيَّةً. "أنا أَعلمُ أنَّكَ تَهتمُّ بالشَّركة". والآن، هذهِ صِفَة مِن صِفاتِ المسيحيِّين. فإنْ كُنتَ مُؤمِنًا سَتَهتمُّ بالشَّركة، وستهتمُّ بجسدِ المسيح. فهذا هو ما يَعنيه. فسوفَ تَهتمُّ بالآخرين. فأنتَ تقول: "اسمعني! أنا أُريدُ أن أَغفرَ لكَ لأنِّي لا أُريدُ تَشويشًا في الشَّركة، بل أُريدُ وِفاقًا، وأُريدُ سلامًا، وأريدُ وَحدةً".

فلا وُجودَ للفَرديَّةِ الَّتي تَقول: "أنا لا أُبالي حقًّا بِكَ، بل أُريدُ أن آخُذَ ما أُريد، وأن أطلُبَ ما أُريد، وأُعطي فقط ما أُريد. وسوفَ أفعلُ الأمورَ بطريقتي لأنِّي أهتمُّ بنفسي وَحَسْب". لا! فالمؤمنُ لا يَقولُ ذلك، بل إنَّ المؤمنَ يَقول: "أنا أهتمُّ بالشَّركة، وأهتمُّ بِكَ، وأهتمُّ بوَحدَتِنا، وأهتمُّ بخدمتِنا، وأهتمُّ بشركَتِنا معًا". والكلمة "شَرِكَة" ("كوينونِيَّا" –“koinonia”) هي كلمة تَصعُبُ تَرجمَتُها حَقًّا. فهي تُترجَم غالبًا "شَرِكَة". ولكِن عندما نَتحدَّثُ عنِ الشَّركة فإنَّنا نَقصِدُ عادةً: "التَّمَتُّعُ بِصُحبةِ شَخصٍ مَا". فنحنُ نَقولُ إنَّنا كُنَّا "في شَرِكَة بعضُنا معَ بعضٍ" ونَعني بذلكَ أنَّنا صَرَفنا وقتًا طَيِّبًا معًا، أو أنَّنا تَبادَلنا أطرافَ الحديثِ، أو أنَّنا صَرفنا وقتًا معًا وأكلنا بعضَ المأكولاتِ أوِ الطَّعامِ أوِ المُرَطِّباتِ، ولكِنَّ ذلكَ يَختَلِفُ عَمَّا نَتحدَّثُ عنهُ هُنا. فما نَتحدَّثُ عنهُ هُنا هو الانتماء. فهذه هي الكلمة الَّتي أُفَضِّلُها: "الانتماء". فأنتَ تَنتمي إلى شخصٍ آخر، والشَّخصُ الآخر يَنتمي إليكَ في شَراكَة مُتبادَلة.

لِذا فإنَّهُ يَقول: "أنا أَعلمُ أنَّ إيمانَكَ يَهتمُّ ويُبالي جدًّا بهذا الانتماءِ المُتبادَل". وما هُوَ المَعنى الضِّمنيُّ هُنا؟ لقد كانَ أُنسيمُس عائدًا. وأنتُم تَعلمونَ الآنَ (مِن خِلالِ قراءةِ هذه الرسالة) أنَّ أُنسيمُس صارَ مَسيحيًّا. وهذا يَجعَلُهُ في شَرِكَة مَعَكَ، ويَجعَلُهُ يَنتمي إليكَ لا بِوَصْفِهِ عَبدًا، بل بِوَصْفِهِ أَخًا لكَ في المسيح. وأنتَ تَنتمي إليهِ لا بوصفِكَ سَيِّدًا، بل بوصفِكَ أَخًا لَهُ في المسيح. وأنا أَعلمُ أنَّكَ تُبالي بهذا الانتماء. فهذه هي الفِكرة هُنا. "أنا أَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ لديك". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "وأنا أُريدُ أن تكونَ شَرِكَتُكَ، أيْ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ، فَعَّالَةً؛ أيْ أن يكونَ لها تأثيرٌ قويٌّ". وما يَعنيه هوَ الآتي: "إنْ غَفرتَ لهذا الشَّخص، سوفَ تكونُ شَرِكَةُ إيمانِكَ ذاتَ تأثيرٍ قَويٍّ". فلأنَّ ما حَدَثَ كانَ جَريمةً خطيرةً قد يَخسَرُ العَبدُ حَياتَهُ بسببِها، إنْ غَفرتَ لهذا الشَّخص، سيُرسِلُ ذلكَ رسالةً قويَّةً إلى الكنيسةِ بخصوصِ أولويَّةِ الانتماء: "هذا الرَّجُلُ يَنتمي الآنَ إلَيَّ لا بِصِفَتِهِ عَبدًا لي، بل بِصِفَتِهِ أَخًا لي. وأخي بحاجة إلى الغُفران". فسوفَ تكونُ هذه رسالة قويَّة عنِ الشَّرِكَة. فلا يَهُمُّ ما يَفعلُهُ بِكَ هذا الرَّجُلُ أو هذهِ المَرأة. فإنْ كُنتَ تَستطيعُ أنْ تَستقبِلَ ذلكَ الشَّخصَ وأنْ تَقبَلَهُ بمحبَّة، تكونُ قد أَرسلتَ رسالةً قويَّةً بخصوصِ اهتمامِكَ بالشَّركة. أليسَ كذلك؟ واهتمامًا قويًّا بالانتماءِ المُشترَك. فأنتَ لا تُبالي بنفسِكَ وعُزلَتِكَ وفَرْدِيَّتِكَ، بل تُبالي بالشَّراكَةِ والاشتراكِ المُتبادَل.

لِذا فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يُؤمِنُ إيمانًا حَقيقيًّا مُخَلِّصًا يَهتمُّ بالرَّبِّ. والشَّخصُ الَّذي يُحِبُّ اللهَ قد انسكَبَ في قَلبِهِ اهتمامٌ حقيقيٌّ بالنَّاسِ. والشَّخصُ الَّذي يَهتمُّ بالشَّركة ويَفتَكِرُ بأولويَّةِ الانتماءِ المُتبادَل بينَ المُؤمِنينَ في ذِهنِهِ سَيَكونُ شخصًا يَتوقُ إلى الغُفران. فإنْ كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ، وكُنتَ تُحِبُّ النَّاسَ، وتُحِبُّ الشَّرِكَة، ستَكونُ غَفُورًا.

وهُناكَ اهتمامٌ رابعٌ وَهُوَ الآتي: أن تَهتمَّ بالمعرفة. فبولسُ يُريدُ مِنهُ أنْ يَتذكَّر هذا. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في العددِ السَّادِس: "أُصَلِّي أنْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ". تَوَقَّفوا هُنا. "فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ". والآن، اسمَح لي أن أسألَكَ سُؤالاً: عندما صِرتَ مَسيحيًّا، هل وَضَعَ اللهُ أمورًا جَيِّدةً فيكَ؟ أجل. فقد بَارَكَكَ بماذا؟ بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ في السَّماويَّاتِ في المسيحِ يَسوع. فهل تَعلم أنَّكَ تَمتلكُ خَليقةً جديدةً فيكَ؟ وهل تَعلمُ أنَّهُ توجد أمور كثيرة صَالحة فيكَ؟ أمور صالحة كثيرة؟ وَهُوَ يَقولُ لفليمون: "يا فليمون، أريدُ أن تَعرِفَ كُلَّ الصَّلاحِ الَّذي فيكَ". إذًا، كيفَ أَعرِفُ ذلك؟ كيفَ أَعرِفُ عنِ الأشياءِ الصَّالحةِ الَّتي تُوجَدُ فِيَّ؟ فهل أقرأُ عنها في كِتابٍ؟ لا. فالكلمة "مَعرفة" هي "إبيغنوسيس" (epignosis). وهي ليست مَعرفة وَحَسْب ("غنوسيس" – “gnosis”)، بل "إبيغنوسيس". فهي مَعرفة عَميقة، ومَعرفة غَنيَّة، ومَعرفة تامَّة، واسمَعوا هذا: إنَّها مَعرفة اختباريَّة. فهي مَعرفة مِن خلالِ مَعرفةِ المَرءِ للحَقّ. فهي مَعرفة تأتي مِن خلالِ الخِبرة.

والآن، استمعوا إلى ما يَقولُهُ لَهُ. فهو يَقول: "يا فِليمون، إنْ غَفرتَ لهذا الشَّخص..." استمعوا الآن: "...إنْ غَفرتَ لهذا الشَّخص، ستَختبر حالاً شيئًا صالحًا فيكَ يُدعى: ’الغُفران‘. فيمكنكَ أن تَقرأَ عنِ الغُفرانِ في كِتاب، ولكنَّكَ لن تَعرِفَهُ حَقًّا لأنَّكَ لم تَختبرهُ. وقد تَسمعُ شخصًا يَعِظُ عنِ الغُفران، وعن رَوعَتِهِ، وعن بَرَكَتِهِ، ولكنَّكَ لن تَعرِفَهُ حقًّا إلَّا إنْ مَارَسْتَهُ. فهل تُريدُ أن تَعلَمَ كيفَ تَعرِفُ الأشياءَ الصَّالحةَ الَّتي فيكَ؟ مَارِسْها. فسوفَ تَكتشفُ الصَّلاحَ المُذهلَ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ فيكَ حينَ تَسلُك في الطَّاعةِ لمشيئةِ اللهِ، وتَفعل تلكَ الأشياء، وتَرى وتَختبر تلكَ الأشياء في حياتِكَ الشَّخصيَّة. فاللهُ وَهَبَكَ القُدرة على الغُفران. اغفِر لشخصٍ ما واختبِر ذلك". فهذا هو ما يَقولُه. "حالَما تَفعل ذلك، يا فِليمون، ستَختبِر الغُفران".

وما أعنيه هو أنَّنا جَميعًا جَلسنا وقرأنا كُتُبًا عن شخصٍ يَتزلَّجُ على سَفْحِ جِبال الألب السّويسريَّة في يومِ أَحَدٍ، وعَنْ تَطايُرِ الثَّلجِ، وعن جَمالِ وروعةِ كُلِّ ذلك، وعنِ الإثارةِ والمُتعة. ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لكم إنَّ هناكَ فَرقًا شاسعًا بينَ النَّظرِ إلى صُوَرٍ في كِتابٍ والتَّزَلُّجِ الحَقيقيِّ على سَفْحِ جَبَل. فهناكَ بُعدٌ واحدٌ فقط ومَعرفة مَحدودة تَحصُل عليهما عندَ قراءةِ كِتاب. وهذا شيءٌ بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَمَّا تَختَبِرُهُ عندما تَطيرُ مِن فوقِ جَبَلٍ وأنتَ تَتزلَّج. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ في النِّطاقِ الرُّوحِيِّ. فقد أقرأُ الكلماتِ المُجَرَّدة على صَفْحاتِ الكتابِ المقدَّسِ فيما يَختصُّ بالغُفران، ولكِنِّي لن أكتسبَ الـ "إبيغنوسيس"، أوِ المَعرفة العميقة للغُفران إلَّا عندما أفعلُ ماذا؟ أَغفر وأختبر ذلك. فهذه هي الطَّريقة الَّتي أَتعلَّمُ بها أن أَعرفَ كُلَّ الصَّلاحِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ فِيَّ.

إذًا، الشَّخصُ الَّذي يَستطيعُ أن يَغفِر هو شخصٌ يَهتمُّ بالرَّبِّ. وَهُوَ يَهتمُّ بالنَّاسِ، وَيَهتمُّ بالشَّرِكة، ويَهتمُّ بالمَعرفة. فهو يُريدُ أن يَعرِفَ مَعرفةً كاملة وغَنِيَّة وعميقة كُلَّ الصَّلاحِ الَّذي فيه. وأرجو مِنكُم أن تُتابِعوا هذه الفِكرة. فأنا أُريدُ أن أفعلَ ما يُريدُ مِنِّي اللهُ أن أَفعلَهُ لأنِّي أريدُ أن أختبرَ قُوَّةَ الصَّلاحِ الَّذي فِيَّ مِن خِلالِه. فهو ليسَ صَلاحي الشَّخصيّ، بل هو الصَّلاحُ الَّذي وَضَعَهُ فِيَّ. أَلا تَفرح بذلك؟ فأحيانًا، عندما تُتاحُ لنا الفُرصةَ أن نُعطي على سَبيلِ المِثالِ، وأنْ نُعطي بسخاء، ونُعطي عَطاءً مُضَحِّيًا، فإنَّنا نَشعُر بهذه الحَماسة، وهذه البَهجة، وهذا الفرح، وهذا الابتهاج لأنَّنا اختبرنا الصَّلاحَ العَميقَ والغَنِيَّ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ فينا والذي يَجعَلُنا قادرينَ على العَطاءِ بتضحية. لِذا فإنَّهُ يُذَكِّرُ فليمون (ويُذَكِّرُنا نحنُ أيضًا) بأولويَّةِ الاهتمامِ بالمعرفة.

وهناكَ عُنصرٌ خامسٌ، في رأيي، فيما يَختصُّ بصِفاتِ الشَّخصِ الَّذي يَقدرُ أن يَغفِر وَهُوَ أنَّهُ يَهتمُّ بالمَجد... يَهتمُّ بالمجد. ففي نهايةِ العدد 6، نَجِدُ هذه العِبارة القصيرة: "لأَجْلِ الْمَسِيح". والحقيقةُ هي أنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يَقول: "لِتَمجيدِ المسيح"...لِتَمجيدِ المسيح. بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقول: "يا فليمون، أنا أَعلمُ أنَّ الشَّرِكَة أولويَّة لديكَ. وأنا أُريدُ أن تكونَ هذه الشَّركة قويَّة. وأنا أَعلمُ أنَّكَ تَهتمُّ بالمعرفة. وأنا أريدُ أن تكونَ هذه المعرفة مَعرفة بِكُلِّ الصَّلاحِ الَّذي فيكَ. وأنا أَعلمُ أنَّكَ تُريدُ كُلَّ هذا لأجلِ المسيح". هذا هُوَ المَعنى الضِّمنيّ. بعبارة أخرى، أنتَ تَهتمُّ بمجدِ المسيح. فأنتَ تَفعلُ ذلكَ لأجلِه...لأجلِه. فحياةُ المؤمِن، بِكُلِّ أفعالِها، وبِكُلِّ أفراحِها، وبِكُلِّ أعمالِها، وبِكُلِّ مَسؤوليَّاتِها، هي لأجلِ مَجدِ المسيح. فهي لأجلِ المسيح. وهي لأجلِ اسمِ المسيح. وهي لأجلِ تَعظيمِ المسيح وَمَجدِ المسيح. وبصراحة، إذا كُنتَ مُكَرَّسًا للقيامِ بذلك، ستَغفِر. أليسَ كذلك؟

فلا يمكنني أن أقولَ في لحظة: "أريدُ أن أفعلَ كُلَّ شيءٍ لمجدِ المسيح، ولكنِّي لا أعتقد أنَّني سأغفِرُ لَك". فلا يمكنكَ أن تقولَ ذلك. كُن صادقًا. فما ينبغي أن تَقولَهُ هو: "لن أَغفرَ لك. لِذا، أيُّها المسيح، أنا لستُ مُهتَمًّا بمجدِك. بل إنَّ كُلَّ هَمِّي هو أن أَنتقِم". فهذا هوَ مَغزى كَلامِكَ. أمَّا إن أردتَ أن تُمَجِّدَ المسيح، يجب عليكَ أن تَغفِر كما غَفَرَ لَكَ. أليسَ كذلك؟ فإن أردتَ أن تُمَجِّدَ المسيح، يجب عليكَ أن تُطيعَ ما أوصاكَ بِهِ. ولا شَكَّ في أنَّ فليمون كانَ مُهتمًّا بتمجيدِ المسيح. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ مُستعدًّا للقيامِ بذلك لأجلِ المسيح أو مِن أجلِ تَمجيدِ المسيح. إذًا، الشَّخصُ الَّذي يَغفِر يَتَّصِف بالاهتمامِ بالرَّبِّ، والاهتمامِ بالنَّاسِ، والاهتمامِ بالشَّركة، والاهتمامِ بالمعرفة الاختباريَّة، والاهتمامِ بمجدِ رَبِّه.

وهناكَ مُلاحظة أخيرة. فالشَّخصُ الَّذي يَغفر يَتَّصِف بالاهتمامِ بأنْ يكونَ بَرَكَة. فهو يَتَّصِفُ بأنَّهُ يَهتمُّ بأن يكونَ بَرَكة. وهذا أمرٌ يُلَمِّحُ إليهِ النَّصُّ تَلميحًا. ففي العدد 7، يَقولُ بولس: "لأَنَّ لَنَا فَرَحًا كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ". توقَّفوا هُنا. فقد كانَ هذا الرَّجُلُ مَعروفًا بمحبَّتِهِ. وبولس يقول: "لقد كانت مَحَبَّتُكَ سَبَبًا في فَرحي وتَعزيتي". فهذا هو ما يَقولُه. وَهُوَ لم يَكُن مُجَرَّدَ فَرحٍ وتَعزية، بل كانَ مَصدرًا كبيرًا للفَرَحِ والتَّعزية. "لقد بَلَغتُ نُقطةً شَعرتُ فيها بسببِكَ بالفَرَح. وقد بَلَغتُ نُقطةً شَعرتُ فيها بالتَّعزيةِ في قلبي بسببِ مَحبَّتِك". وكيفَ حَدَثَ ذلك؟ نَقرأُ في العدد 7 مَرَّةً أخرى، في مُنتصفِ العَدد: "لأَنَّ أَحْشَاءَ الْقِدِّيسِينَ قَدِ اسْتَرَاحَتْ بِكَ أَيُّهَا الأَخُ". ويا لها مِن جُملة! فأحشاءُ...وهو يَستخدِمُ هُنا الكلمة "سبلانكنا" (splanchna)، ومَعناها الحَرفيُّ هو: "أحشاء" أو "مَشاعِر" أو "مَوطِن العواطِف والمَشاعِر". فهو يقولُ إنَّ الأشخاصَ المَكروبينَ، والأشخاصَ المَهمومينَ، والأشخاصَ المُتألِّمينَ والمَجروحينَ والَّذينَ يُصارِعونَ قد وَجَدوا أنَّكَ بَرَكة. فأنتَ تُريحُ نُفوسَهُم". والكلمة "استراحَتْ" هي مُصطلحٌ عَسكريٌّ مُستخدَمٌ في الجيشِ الَّذي يَسيرُ، ثُمَّ يَتوقَّفُ ويَستريح. "أنتَ تُريحُ الآخرين. أنتَ صَانِعُ سَلام. أنتَ تُنعِشُ الآخرين. فاهتمامُكَ، وخِدمَتُكَ، وقَلبُكَ المُنعِش يَجلِبُ الرَّاحةَ للأشخاصِ المُتْعَبين".

ولا شَيءَ يَدُلُّ على أنَّهُ كانَ شَيخًا في الكنيسة. ولا شَيءَ يَدُلُّ على أنَّهُ كانَ شَمَّاسًا في الكنيسة. ولا شَيءَ يَدُلُّ على أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا في الكنيسة. وَمِنَ الواضحِ أنَّهُ كانَ رَجُلَ أعمال. فهو لم يَكُن دبلوماسِيًّا مُحَنَّكًا، بل كانَ رَجُلاً دَمِثَ الخُلُقِ وَحَسْب. وقد كانَ بَرَكَةً للجَميع. وهذا شخصٌ يَغفِر لأنَّهُ يَهتمُّ بأن يكونَ شخصًا مُريحًا للآخرين. "أنا لا أُريدُ أن أُحْدِثَ اضْطِرابًا في حَياتِكَ، ولا أُريدُ أن أُهَيِّجَ خِصامًا، ولا أريدُ أن أُثيرَ المَتاعِب، بل أريدُ أن أكونَ مَصْدَرَ رَاحَة".

اسمعوني: هؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يُدخِلونَ البَهجةَ إلى قَلبي. فهناكَ أشخاصٌ في عالَمي...صَدِّقوني...هناكَ أشخاصٌ، أكثر مِمَّا نَتخيَّل، يَجلبونَ لي المَتاعِب. وهذا يَحدثُ في أغلبِ الأحيان. ولكنَّكَ تَبحثُ جاهدًا ومُطَوَّلاً عن أولئكَ الَّذينَ يُريحونَكَ طَوالَ الوقتِ لأنَّهُم يُعالِجونَ كُلَّ شيءٍ، ولأنَّهم يَصنَعونَ سَلامًا في كُلِّ شيءٍ، ولأنَّهم حُكماء في تَدبيرِ الأمورِ والقيادة، ولأنَّهم يَتعَبونَ ويَهتمُّونَ ويَخدِمونَ ويُباركونَ كُلَّ شخص. وهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَغفرونَ لأنَّ كُلَّ ما يسْعَوْنَ إليهِ هو أن يكونوا بَرَكَة.

وبِلا شَكٍّ، كانَ فليمون في هذا الوقتِ يَقولُ لنفسِهِ: "يا لي مِن شخصٍ رائع! يا للرَّوعة!" وهذا هو تمامًا ما كانَ يَرجو بولسُ أن يَقولَهُ لأنَّهُ في العددِ الثَّامِن سيُوَجِّهُ إليهِ كَلامًا مُباشِرًا حولَ ما ينبغي لَهُ أن يَفعلَهُ. فالآن، بعدَ أنْ شَعَرَ بالفَخْرِ بأنَّهُ شخصٌ رائع، يجب عليهِ أنْ يَعيشَ وَفْقًا لهذه الصِّفاتِ الرَّائعة. فأيُّ شخصٍ يُحِبُّ الرَّبَّ يسوعَ المسيح، وأيُّ شخصٍ يُحِبُّ القِدِّيسينَ، وأيُّ شخصٍ يُحِبُّ الشَّرِكة، وأيُّ شخصٍ يُحِبُّ المعرفة الحقيقيَّة، وأيُّ شخصٍ يُحِبُّ مَجدَ المسيح، وأيُّ شخصٍ يُحِبُّ أن يكونَ بَرَكة لا بُدَّ أن يكونَ غَفورًا. فهذه هي طَبيعةُ الأشخاصِ الَّذينَ يَغفِرون. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّ هذه الصِّفَةَ تَصِحُّ على فِليمون. ثُمَّ إنَّهُ (كما سَنرى يوم الأحدِ المُقبِل) يَطلُبُ مِنهُ أن يَغفِر.

وقد كنتُ أقرأُ في كِتابٍ شِعريٍّ قديم مُفَضَّل لديَّ. وقد قَرأتُ قَصيدةً. ولا أدري إنْ كانت ستُؤثِّرُ فيكُم بالطَّريقةِ الَّتي أَثَّرَتْ فيها فِيَّ، رُبَّما لأنِّي أبٌ لأربعة أبناء، ولأنِّي أحتفظُ بذكرياتٍ رائعةٍ وَمُحَبَّبة إلى قَلبي عن أبنائي. لِذا فقد أَثَّرَتْ فِيَّ وَجَعَلتْ عينايَ تَدمعان. وفي كُلِّ مَرَّة أقرأُ فيها هذه القصيدة، أشعُرُ بذاتِ المَشاعِر. ولكنَّها تُذَكِّرُنا وَحَسْب بالصِّفاتِ البَسيطةِ للغُفران. استَمِعوا إلى ما يَقولُهُ الشَّاعِر:

ابني الصَّغير صَارَ يَنظُرُ إليَّ نَظراتٍ جَسورَة،

وصارَ يَتصرَّفُ ويَتكلَّمُ كما لو كانَ شخصًا راشِدًا حَكيمًا،

ولكِنَّهُ عَصَى سَابِعَ مَرَّةٍ كَلامي.

فَصَفَعْتُهُ وَصَرفتُهُ بكلماتٍ قاسية دونَ أن أُقَبِّلَهُ.

كانت أُمُّهُ الصَّبورةُ قد فَارَقَتِ الحَياة.

وَخَشْيَةَ أنْ يَحُوْلَ حُزْنُهُ دُوْنَ نَومِهِ،

ذَهبتُ إلى سَريرِهِ، ولكنِّي وَجَدْتُهُ غَارِقًا في سُباتٍ عَميق،

وكانَ جَفْناهُ مُسْوَدَّانِ ورُموشُهُ ما تَزالُ...بسببِ بُكائِهِ...مُبْتَلَّة.

وإذْ حَاولتُ أنْ أَمسَحَ دُموعَهُ بِقُبلةٍ، تَرَكْتُ على خَدِّهِ دُموعًا أُخرى هي دُموعي.

وعلى طَاولةٍ بجانبِ رأسِهِ، كانَ قد وَضَعَ في مُتناوَلِ يَدِهِ

عُلبةَ ألوانٍ، وحَجَرًا فيهِ خَطٌّ أحمر، وقطعةَ زُجاجٍ عَثَرَ عليها على رِمالِ الشَّاطئ،

وستَّةَ أو سَبعةَ أصدافٍ، وزجاجةً تَحوي أَزْهارَ الجُرَيْس،

وقِطعَتَيْنِ نَقديَّتَيْنِ نُحاسيَّتَيْنِ...لتهدئةِ قَلبِهِ الحَزين.

وعندما صَلَّيْتُ في تلكَ اللَّيلة إلى اللهِ، بَكيتُ وقُلتُ:

آه! عندما نَرقُدُ أخيرًا على السَّريرِ وتَنتَظِمُ أنفاسُنا، نَرى عَظَمَةَ مَوتِكَ لأجلِنا،

فقد كُنْتَ تُبالي حَتَّى بالألعابِ الَّتي كانت تُدخِلُ البَهجةَ إلى قُلوبِنا،

ولكِنَّنا لم نَكُن نَفهمُ وَصاياكَ الصَّالحة العَظيمة.

مَعَ ذلكَ، كُنتَ تَتَخَلَّى، بعاطفةٍ أَبويَّة لا تَقِلُّ عن عَاطفتي الأبويَّةِ، أنا يا مَنْ خَلقتَني مِنَ الطِّينِ،

كُنتَ تَتخلَّى عن غَضَبِكَ وتقول: "أنا أَغفِرُ لَكَ حَركاتِكَ الصِّبيانيَّة".

فإنْ كانَ باستطاعةِ اللهِ أن يَفعلَ ذلكَ لأجلِنا، ألا نَستطيعُ أن نَفعلَ ذلكَ بَعضُنا لأجلِ بَعض؟

يا أبانا، نَشكُرُكَ على هذا التَّذكيرِ في هذا الصَّباحِ بِصِفاتِ الشَّخصِ الَّذي يَغفِر. نحنُ نُريدُ أن نَتَحَلَّى بهذه الصِّفات. ونحنُ نَتوقُ إلى التَّحَلِّي بهذه الصِّفات. ونحنُ لا نَجِدُ أيَّ فَضيلة في أن نَفعلَ ما هُوَ أَقَلّ مِن ذلك. لِذا فإنَّنا نَتضرَّعُ أن يَجعَلَنا رُوحُكَ مِثلَ فِليمون الحَبيب فَنَمْتَلِكُ صِفاتِ الشَّخصِ الغَفور. وإنْ كانَت هُناكَ أيُّ إساءة لم نَغفرها حَتَّى الآن في حياتِنا، أَطْلِقْها الآنَ وَحَرِّرْنا مِن قُيودِ الماضي، ومِن مَرَضِ المَرارة، وَأغلِقْ بابَ إبليس المَفتوح، وَأَعِد شَرِكَتنا الحُلوة بِكَ لأنَّ الغُفرانَ هو الوحيدُ الَّذي يَقدرُ أن يَفعل ذلك. إكرامًا للمَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize