Grace to You Resources
Grace to You - Resource

سوفَ نَبتدئ في هذا الصَّباح دراسةً لِسفرٍ جديدٍ مِن أسفارِ العهدِ الجديد وهو الرِّسالة إلى فِلِيمون. وأرجو أن تفتحوا عليها. وهي رسالة قصيرة جِدًّا تَحوي أصحاحًا واحدًا فقط يَتألَّفُ مِن خمسٍ وعشرينَ آية. وهي دَرْسٌ في الغُفران. والرِّسالة القصيرة إلى فِلِيمون (لِمَنْ يَبحثونَ مِنكُم عنها في فَهرسِ الكتابِ المقدَّس) تأتي بينَ الرِّسالة إلى تِيطُس والرِّسالة إلى العِبرانِيِّين.

مِن بين جميع الصِّفاتِ الَّتي تَجعلُ البشرَ (في أيِّ شَكْلٍ مِنَ الأشكال) يُشبهونَ اللهَ، لا توجد صِفة إلهيَّة أعظم مِنَ الغُفران. فاللهُ هو إلَهُ الغُفران. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر الخُروج والأصحاح 34 أنَّ اللهَ يُعَرِّف نَفسَهُ بتلك الطريقة إذْ نَقرأ في العدد 6: "فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى [وهذا هو الرَّبُّ يَتحدَّثُ عن ذَاتِهِ]: «الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ". فهو يقول: "أنا إلَهُ الغُفران. فهذه هي طَبيعَتي". وقد قالَ سُليمان: "فَخْرُ [الإنسانِ] الصَّفْحُ عَنْ مَعْصِيَةٍ" (في سِفْر الأمثال 19: 11). فأكثرُ شيءٍ يَجعلُ الإنسانَ على صُورةِ اللهِ ومِثالِه هو أن يَغفِر.

والآن، إنَّ فِكرةَ الغُفرانَ، كما هو واضحٌ، هي فِكرة يَتِمُّ التَّركيزُ عليها في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. ولكن توجد حالات مُعيَّنة نَرى فيها غُفرانَ اللهِ بصورة واضحة جدًّا. وواحدة منها، أو ربَّما كانت الصُّورة الأكثر شُيوعًا هي قصَّة الابْن الضَّالّ المذكورة في إنجيل لوقا والأصحاح 15. وسوفَ أَكتفي فقط بالإشارة إليها لأنِّي أَعلمُ أنَّكم تَعرِفونَ القصَّة جيِّدًا. فقد كانَ لأبٍ ابْنان. وقد ضَجِرَ واحدٌ منهما مِنَ الوُجودِ في بيتِ أبيه فأرادَ أنْ يَمضي ليعيشَ بمُفردِه وأن يأخذَ كُلِّ مِيراثِه. وقد فَعلَ ذلك فتركَ المنزلَ وَبَذَّرَ مَالَهُ على حياةِ الخطيَّة. وعندما بَلَغَ أحَطَّ مُستوى في الحياة، أرادَ أن يَرجِعَ حَتَّى لو اقتَضى ذلكَ أن يكونَ خَادِمًا في بيتِ أبيه لأنَّ عَمَلَهُ كخادِمٍ في بيتِ أبيه أفضلَ مِنَ المستوى المُنحَطِّ الَّذي وَصَلَ إليه. ولم يكن ذلك الابن مُختلفًا كثيرًا عن أبناء كثيرين. فقد كانَ جَشِعًا، ويرغبُ في وَضْعِ يَديه على ثَروةٍ لم يَكسبها هو، وكانَ غَبِيًّا بالمفهومِ البَشَرِيِّ مِن جهةِ طريقةِ تَبذيرِهِ لِمالِهِ بسُرعة على أُناسٍ استَغَلُّوه وَتَركوهُ في حالٍ يائسة عندما بَذَّرَ كُلَّ مَالِه. ولكِنَّهُ عادَ تدريجيًّا إلى رُشْدِهِ لأنَّهُ كانَ يَتَضَوَّرُ جُوعًا في حَظيرةِ خنازير تَعكِسُ حَياتَهُ حَقًّا. ثُمَّ إنَّهُ أَفاقَ مِن سُباتِه فقال: "كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي".

ويبدو في قِصَّةِ الابن الضَّال أنَّ الشَّابَّ لم يَكُن يتوقَّعُ الغُفران. فقد تَوقَّعَ فقط مُسامَحَةً طَفيفَة. وكُلُّ ما أرادَهُ هو أنْ يَحظى بِالفُرصة كي يَقولَ لأبيه: "لقد كُنتُ غَبِيًّا. وأنا لَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. ولكِنْ أَلا جَعَلْتَنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ؟ أنا أَعلمُ أنِّي تَخَلَّيْتُ حَتَّى عن بُنُوَّتي، ولكِنْ هل يُمكنُني وَحَسْب أنْ أَكونَ أَجيرًا؟ فَكُلُّ ما أُريدُهُ حَقًّا هو سَقفٌ فوقَ رأسي. وكُلُّ ما أُريدُهُ هو طَعامٌ أفضل قليلاً مِن خُرْنُوبِ الخَنازير". لِذا فقد انطلقَ في رِحلةِ العودة. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يُعَلِّمُنا كيفَ نَغفِر.

وَلكِنَّ الأبَ لم يَنتظِر حَتَّى وُصولَ ابْنِهِ إليه، بل إنَّهُ رَكَضَ إلى الابْنِ عندما رآهُ مِن مَسافة بَعيدة. وهو لم يَقُل لَهُ أيَّ كلمة قاسية، بل إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول إنَّهُ "وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ" مِرارًا. لِذا فإنَّ يسوعَ يُخبرُنا عنِ السِّمَة الجَوهريَّة للغُفران. فهو شَغوفٌ وليسَ مُتَرَدِّدًا. وهو لا يَنتظِر حَتَّى وُصولَ الخاطئ. والحقيقة هي أنَّكَ عندما تَرى الخاطئ قادمًا مِن بَعيد، فإنَّكَ تَركُض لاستقبالِه. وأنتَ تُعانِقُهُ وتُقَبِّلُه. وعندما يَبتدئُ في الاعتذار فإنَّكَ لا تُصغي إلى ما يَقول، ولا تُعطيهِ الفُرصةَ لإنهاءِ حَديثِه، بل أنتَ تُعانِقُهُ وَحَسب، وتُحِبُّهُ، وتُلبِسُهُ أفضلَ حُلَّة لَديك، وتَضَعُ خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وتُخْرِجُ لَهُ أفضلَ لَحْمٍ لَديكَ، وتَطهو لَهُ أفضلَ وَجبة، وتَجعلُ المُوسيقا تَصْدَح، وتَبتَهِجُ معَ أصدقائِكَ، وتَدعو الجميعَ بِفَخْرٍ للمجيءِ والاحتفالِ بابنِكَ الَّذي عَاد. فهكذا يَغفِرُ اللهُ. وهكذا يُريدُ مِنَّا أن نَغفِر.

والرَّبُّ يُحَذِّرُنا أيضًا في قصَّةِ الابنِ الضَّالِّ تلك مِن أنَّ مِثْلَ هذا الغُفران لن يُقابَلَ بالتَّقدير، وَمِن أنَّ مِثْلَ هذا الغُفران سَيُساءُ فَهمُه. وقد تقول: "وكيفَ ذلك؟" لا بُدَّ أنَّكُم تَذكُرونَ أنَّ الابنَ الَّذي لم يَذهب إلى أيِّ مكان لم يُقَدِّر هذا على الإطلاق، بل إنَّهُ غَضِبَ مِن أبيه لأنَّهُ أَظْهَرَ غُفرانًا كثيرًا. وهناكَ أبناء كثيرون في المنزِل سَيَعْبِسونَ، ويَقولونَ إنَّكَ أحمَق بسببِ هذا الغُفرانِ الغَبِيِّ، ويَقولونَ لكَ إنَّهُ يجب عليكَ أنْ تُعيدَ ابنَكَ ذاكَ إلى حَظيرةِ الخنازيرِ الَّتي يَنتمي إليها. ولكِنَّ الأبَ الغَفورَ لن يَقولَ سِوى إنَّهُ يُحِبُّ، وإنَّهُ سيستمرُّ في إظهارِ المَحبَّةِ حَتَّى لابنِهِ الَّذي لا يَستحقُّ أيَّ قَدْرٍ مِنَ الغُفران.

ومِن تلكَ القصَّة نَتعلَّم كيفَ يَغفِرُ اللهُ. فهو يَغفِرُ بِشَغَفٍ، وغُفرانًا كاملاً، وبِسَخاء. وهل نَتَعَجَّبُ بعدَ ذلكَ أنَّهُ عندما عَلَّمَنا يَسوعُ أن نُصَلِّي، فإنَّ أفضلَ الكلماتِ الَّتي فَكَّرَ فيها لنا نحنُ الَّذينَ بحاجة مُلِحَّة إلى الغُفران هي الكلمات التَّالية: "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا"؟ فهذه الكلماتُ تَضَعُنا أمامَ مَسؤوليَّة كبيرة. فهي تُخبرُنا أنَّ غُفرانَ اللهِ لنا يَتوقَّف على غُفرانِنا للآخرين. ويَعقوبُ يُعَبِّر عن ذلك بالكلماتِ التَّالية في الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 13: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً". أو إنْ أَردنا أنْ نَنظُرَ إلى الأمرِ مِنَ الجانِبِ الإيجابيِّ فإنَّ التَّطويباتِ تَقول: "طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُون". فهل تُريدُ رَحمةً؟ قَدِّمها. وهل تُريدُ غُفرانًا؟ قَدِّمهُ. واغفِر كما يَغفِرُ اللهُ لأنَّ أكثر شيءٍ يَجعلُكَ على صُورةِ اللهِ ومِثاله هو أن تَغفِر.

استَمِعوا مَرَّةً أخرى إلى كلماتِ يَسوعَ عندما عَلَّمَ تلاميذَهُ أنْ يُصَلُّوا في إنجيل مَتَّى. وقد وَرَدَتْ هذه الكلمات بالصِّيغة التَّالية في إنجيل مَتَّى: "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: " فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَّتِكُمْ". فإنْ لم تَغفِر، لَن تَحصُل على الغُفران.

والآن، عندما سُجِنَ بولُسُ أوَّلَ مَرَّة في رُوما، كَتَبَ عِدَّة رسائِل، وتَحديدًا: أفسُس، وكولوسي، وفيلبِّي. ونحنُ نُسَمِّي هذه الرَّسائِل: "رَسائِل السِّجْن" لأنَّها كُتِبَتْ مِنْ داخِلِ السِّجن؛ وَهُوَ سِجْنٌ خَرَجَ مِنهُ بُولسُ لاحقًا. ثُمَّ إنَّهُ سُجِنَ مَرَّةً أخرى واستُشهِد. ولكِنْ في أوَّلِ مَرَّة سُجِنَ فيها بولُس في رُوما، كَتَبَ هذه الرَّسائِل المَعروفة جَيِّدًا. ونحنُ نُبْدي اهتِمامًا خاصًّا برسالَتَي أفسُس وكولوسي لأنَّهُما مُرتبطتان برسالة فِلِيمون الصَّغيرة هذه. ففي رِسالَتَيْ أفسُس وكولوسي، هناكَ تَركيز كبير على موضوع الغُفران. وأريدُ أن أُريكُم ذلك. لِذا، افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ قليلاً وانظروا إلى رسالة أفسُس 4: 32. وَهُنا يَقولُ الرَّسولُ بولس إلى المؤمِنينَ في أفسُس - ولا شَكَّ في أنَّ هذه الرِّسالة كانت رِسالَةً دَوَّارَةً وَصَلَتْ إلى جَميعِ أرجاءِ أَسِيَّا الصُّغرى. ولكِنَّهُ يَقولُ لَهُم ولَنا جميعًا: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ..." [وَنَجِدُ هُنا المَبدأَ نَفسَهُ] "...مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح".

وفي رسالة كولوسي والأصحاح الثَّالث (وهي رِسالة كُتِبَت إلى الكنيسة في كولوسي. وقد كانت أيضًا رِسالةً دَوَّارَةً وَصَلَتْ إلى الكنيسةِ في لاوُدِكِيَّة وإلى كنائس أخرى أيضًا). وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعدد 13: "مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا".

والآن، إذا نَظَرتُم إلى هذه الرَّسائِل الثَّلاثة معًا، ستَفهمونَ تمامًا الفِكرةَ بأنَّ اللهَ إلَهٌ غَفور، وبأنَّهُ يجب عليكم أن تكونوا أُناسًا غَفورين. فهذا مَبدأٌ أساسِيّ. فالحَقيقة هي أنَّ اللهَ قد غَفَرَ لكَ. لِذا، يجب عليكَ أن تَغفِر. وهذا مَبدأٌ واحِد. والمبدأُ الآخر هو أنَّ اللهَ سيَغفِر لَكَ إنْ غَفَرتَ للآخرين. لِذا، مِن جِهَة، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ اللهَ قد غَفَرَ لَكَ. لِذا، اغفِر. ومِن جهة أخرى، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول إنَّكَ إنْ لم تَغفِر للآخرين، فإنَّ اللهَ لن يَغفِرَ لَكَ. فأنتَ تكونُ بذلكَ قد انتَهَكْتَ العَلاقةَ والشَّركةَ الَّتي كانَ باستطاعَتِكَ أنْ تَنْعُمَ بها معَ الله. فالرَّبُّ قد غَفَرَ لنا جميعًا كُلَّ خَطايانا. لِذا، فإنَّ بولسَ يقول: يجب علينا أنْ نَغفِرَ بَعضُنا لبعض. وإنْ لم نَفعل، سَنُؤدَّب مِنَ الله. فهذه [بوضوح وبساطة] هي الرِّسالة.

والآن، إنَّ هذا المبدأَ يُقَدمُ مِن زاوية واضحةً جدًّا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. وأودُّ أن أَصحَبَكُم إلى هُناك. وسوفَ نَقومُ بهذه الدِّراسة تَمهيدًا لِفَهْمِ الرِّسالةِ إلى فِلِيمون. وأودُّ أن أُريكُم في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 كيفَ أنَّ هذا المبدأَ مُوَضَّحٌ في شَكْلِ مَثَل. ولا بُدَّ أنَّكُم تَعرِفونَ هذا المَثَل إنْ كُنتُم مَعَنا عندما دَرَسنا إنجيل مَتَّى. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 18، يَقولُ بُطرس للرَّبّ: "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي..." [كما جاءَ في العدد 21] "...وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟" كَمْ مَرَّة أفعل ذلك؟ "هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" فقد كانَ أَحْبارُ اليهودِ يَقولونَ: "ثَلاثَ مَرَّات". لِذا، فقد ظَنَّ بُطرس أنَّهُ سَخِيٌّ جدًّا. قَالَ لَهُ يَسُوعُ في العدد 22 مِنْ إنجيل مَتَّى والأصحاح 18: "لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ". بعبارة أخرى، يجب عليكَ أنْ تَغفِرَ لَهُ بِعَدَدِ المَرَّاتِ الَّتي يُخطئُ فيها إليك. أو: استمرَّ إلى ما لا نِهاية في تَقديمِ الغُفران.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ مَثلاً يُوَضِّحُ القَصْدَ، وهو مَثَلٌ يُصَوِّرُ اللهَ والخاطئ. فالمَلِكُ في المَثَل هو الله. والرَّجُلُ الَّذي يَدينُ بِدَيْنٍ كَبيرٍ هو الخاطئ. "لِذلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ [في العدد 23] إِنْسَانًا مَلِكًا [وَهُوَ يَرمِزُ إلى الله] أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ". وهذا دَيْنٌ غيرُ قَابِلٍ للسَّداد. فهو دَيْنٌ هائلٌ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُوْفيه. "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَى الدَّيْنُ". فقد كانَ الدَّينُ أكبرَ مِنْ أنْ يُوْفَى. ولكِنْ إنْ تَمَّ بَيْعُ جميعِ هؤلاءِ الأشخاص عَبيدًا، قد يَحصُلُ المَلِكُ، على أَقَلِّ تَقديرٍ، على مَبلغٍ مَا. ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ قدِ احْتالَ على المَلِك. وَلعَلَّهُ كانَ واحدًا مِن أولئكَ الخُدَّامِ الَّذينَ يَجْمْعونَ الضَّرائبَ، وأنَّهُ كانَ يَأخُذُ مِنَ النَّاسِ مبالغَ أكبر مِمَّا يجب، وأنَّهُ احْتالَ على المَلِك. وَهُوَ الآنَ قد خَسِرَ كُلَّ شيء ولم تَعُد لديهِ وَسيلة يُوفِي بها الدَّين. لِذا فقد قالَ المَلِك: "حسنًا! إنْ لم يَكُن بإمكاني أنْ أستَرِدَّ مَالي، سأحصُلُ على كُلِّ ما يُمكنُني الحُصولُ عليه. لِذا، بِيعُوا عائِلَتَهُ عَبيدًا وأعْطوني على أَقَلِّ تَقدير ذلكَ المال".

"فَخَرَّ الْعَبْدُ [في العدد 26] وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ". فقد كانَ رَجُلاً صَادقًا وأَبدى الاستعدادَ لِدَفعِ الدَّيْن. فَمَعَ أنَّهُ لم يَكُن بمقدورِهِ أنْ يَرُدَّ الدَّيْن، فإنَّ نَواياهُ كانَتْ حَسَنة. "فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ". وهذا يَرمِزُ إلى اللهِ والخاطئ. فعندما يأتي الخاطئُ أمامَ اللهِ ويَشعُرُ بالتَّبكيتِ على دَيْنِهِ الَّذي لا يُمكِنُهُ الوَفاءُ به، فإنَّهُ يَشعرُ بالتَّبكيت على خَطيئَتِه، واللهُ يَقولُ لَهُ: "أنتَ لا تَملِك أيَّ وَسيلة لِدَفْعِ ما تَدينُ بِهِ لي، ويجب أنْ تَمضي إلى جَهَنَّم، وينبغي أنْ تَدفعَ ما تَقدِرُ أنْ تَدفعَهُ بالرَّغمِ مِن أنَّكَ لن تتمكَّنَ يومًا مِنَ الوَفاءِ بِدَيْنِكَ لي". وبالمُناسَبة، هذهِ هي جَهَنَّم. فهي تَعني أنْ تَسْتَمِرَّ إلى الأبد في دَفْعِ كُلِّ ما تَقدِر أنْ تَدفَعَهُ مَعَ أنَّكَ لن تتمكَّن يومًا مِنَ الوفاءِ بِكُلِّ الدَّينِ الَّذي تَدينُ بِهِ لأنَّكَ أَسَأتَ إلى اللهِ كثيرًا جدًّا بسببِ رَفضِكَ لابنِهِ.

ولكِنَّ هذا المَلِك مُشْفِقٌ. فعندما رأى استعدادَ الرَّجُلِ، سَامَحَهُ بالدَّيْن. وهُنا تأتي النُّقطة الرَّئيسيَّة: "وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ [الَّذي نَالَ الغُفرانَ للتَّوّ] وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ". وهذا يُعادِلُ أَجْرَ عَامِلٍ لِمِئَةِ يَوم. فهو ليسَ دَيْنًا كَبيرًا جدًّا. "فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنـِــي مَا لِــي عَلَيْكَ". ولا بُدَّ أنَّ النَّاسَ الَّذينَ كانوا يَستمعونَ إلى يسوعَ وَهُوَ يَروي القِصَّةَ استَشاطُوا غَضَبًا في هذه اللَّحظة. "فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِـيَ الدَّيْنَ".

وهذا أمرٌ فَظيعٌ جدًّا. فنحنُ نَرى هُنا رَجُلاً سَامَحَهُ المَلِكُ بِدَيْنٍ هَائلٍ جدًّا، ولكِنَّهُ يَخرُجُ مِنْ حَضْرَةِ المَلِك ويَرفُضُ أنْ يَغفرَ لشخصٍ آخر دَيْنًا صَغيرًا. "فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى. فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" وَنَجِدُ هُنا ذلكَ المَبدأ. فإنْ أردتَ رَحمةً مِنَ اللهِ، يجب أنْ تُظهِرَ رَحمةً. وإنْ أردتَ غُفرانًا مِنَ اللهِ، يجب عليكَ أنْ تَغفِر. "وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِـيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِهِ".

ويا لَها مِن قِصَّة! يا لَها مِن قِصَّة! فذلك المَثَلُ صَارِخٌ جدًّا حَتَّى إنَّ أُناسًا كثيرينَ قالوا إنَّ المَبدأَ الَّذي يُعَلِّمُهُ يَسوعُ لا يُمكِن أنْ يَصِحَّ على المَسيحيّ. ولكِنَّهُ يَصِحُّ لأنَّ الرَّجُلَ الَّذي رَفَضَ أنْ يَغفِرَ للعَبْد كانَ رَجُلاً نَالَ الغُفران. فاللهُ غَفَرَ لَهُ أصلاً. وهذا يَعني أنَّهُ وَلَدٌ مِن أولادِ الله. ولكِنَّ ما يُعَلِّمُنا إيَّاهُ المَثَل هو أنَّ الرَّبَّ يَتعامَل أحيانًا بقسوة شديدة معَ أولادِهِ الَّذينَ لا يَغفرونَ لشخصٍ آخر. "لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ" (كما جاءَ في عِبرانِيِّين 12). وواحِدٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي تَدْفَعُهُ إلى تَأديبِنا وَجَلْدِنا، وإلى جَعلِ الحياةِ قاسية وصَعبة جدًّا، هو أنَّنا لا نُظْهِرُ استعدادًا لمُسامحةِ الآخرين. لِذا، يجب على المسيحيِّينَ أنْ يَغفِروا. فهذا هو المَبدأُ الَّذي يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ. وهذا هو المَبدأُ الَّذي يُبَيِّنُ طَبيعةَ اللهِ في مَثَلِ الابْنِ الضَّالّ. وهذا هو المَبدأُ الَّذي يَظْهَرُ في هذا المَثَل أنَّهُ يَصِحُّ على كُلِّ مُؤمِن.

وهذا أَمْرٌ أعتقدُ أنَّهُ مُرتبطٌ لا فقط بالبَرَكةِ والشَّركةِ معَ اللهِ، بل إنَّهُ أيضًا أمرٌ مُرتبطٌ بِيَقينِ الخَلاص. وقد كَتَبَ "توماس واطسن" (Thomas Watson) قبلَ سنوات طويلة جُملةً مُدهشةً جِدًّا إذْ قالَ الآتي: "نحنُ لسنا في حاجة إلى الصُّعودِ إلى السَّماء كي نَرى إنْ كانت خطايانا قد غُفِرَت، بل لِننظُر إلى قُلوبِنا ونَرى إنْ كُنَّا نَقدِرُ أنْ نَغفِرَ للآخرين. فإنْ كان ذلكَ بمقدورِنا، لا مُبَرِّرَ للشَّكِّ في أنَّ اللهَ قد غَفَرَ لنا". وقد كَتَبَ "توماس آدمز" (Thomas Adams): "مَن يَطلُبُ الرَّحمة ولا يُظهِرُها يَهْدِمُ الجِسْرَ الَّذي يَنبغي لَهُ هُوَ أنْ يَعْبُرَهُ".

لِذا، هناكَ مَبدأٌ في الكتابِ المقدَّسِ وهو الآتي: أكثر شيءٍ يَجعلُكَ على صُورةِ اللهِ ومِثالِه هو أن تَغفِر. ويجب أنْ تُقَدِّمَ هذا الغُفرانَ بسهولة لأنَّكَ قد نِلتَ الغُفران. أمَّا إنْ لم تَغفِر، فإنَّكَ تَضَعُ نَفسكَ في مَوقفٍ تُؤدَّبُ فيهِ مِنَ الله...تأديبًا شَديدًا. والآن، إنَّ أولويَّةَ الغُفرانَ لا تُذكَر في الكتابِ المقدَّسِ كَمَبدأ فقط، ولا تُذكَر في الكتابِ المقدَّسِ كَمَثَلٍ فقط، بل إنَّها تُذكَرُ في الكتابِ المقدَّسِ بألفاظٍ شَخصيَّة. وهي مَذكورة في الرِّسالة إلى فِلِيمون. لِنَنظُر إليها.

هنا، في أقصر رسالة كَتبَها بولسُ بالوَحْي، نَجِد موضوعَ الغُفرانِ المُهمّ مُبَيَّنًا لا في صيغة مَبدأ، ولا في صيغة مَثَل، بل في حالة شخصيَّة. فقصَّةُ الابْنِ الضَّالّ ليست قصَّة حقيقيَّة. وقِصَّةُ المَلِكِ والعَبْد ليست قِصَّة حقيقيَّة. بل هُما [ببساطة] مَثَلان قالَهُما المسيح لِمُجَرَّدِ تَوضيحِ قَصدِه. أمَّا هذه فهي قصَّة حقيقيَّة. والآن، سوفَ نَرى المبدأَ مُشَخَّصًا. لِنَقرأ الأعداد الثَّلاثة الأولى:

"بُولُسُ، أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَتِيمُوثَاوُسُ الأَخُ، إِلَى فِلِيمُونَ الْمَحْبُوبِ وَالْعَامِلِ مَعَنَا، وَإِلَى أَبْفِيَّةَ الْمَحْبُوبَةِ، وَأَرْخِبُّسَ الْمُتَجَنِّدِ مَعَنَا، وَإِلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". والآن، إنَّ هذه مُقدِّمة نَموذجيَّة جدًّا مِثل غَيرِها مِن مُقَدِّماتِ بولُس. فهي تَبتدئ بالكلمة "بولُس". فالرَّسائلُ في القَديم كانت تَبتدئ دائمًا باسمِ الكِاتِب؛ وهذا أمرٌ مَنطِقِيٌّ جدًّا. فأنتَ تَتَسَلَّم أحيانًا رسالةً طويلةً وتَبحثَ في كُلِّ صَفَحاتِ الرِّسالة عن اسمِ كاتِبِها. ولكِنَّ هذا لم يَكُن يحدُث قَطّ في الأزمنة القديمة لأنَّهم كانوا يَبتدئونَ دائمًا بكتابةِ اسمِ الكاتِبِ، رَجُلًا كَانَ أَمِ امرأةً. لِذا، فإنَّ هذه الرِّسالة تُبَيِّن أنَّها مِنَ الرَّسول بولس. ويمكنكم أن تتخيَّلوا أنَّهُ عندما تَسَلَّمَ فِليمون هذه الرِّسالة ورأى اسم "بولس"، فإنَّ الأدرينالين ابتدأَ بالتَّدَفُّقِ في جِسمِه. وقد ابتدأ قَلبُهُ بالخَفَقانِ بسُرعة لأنَّ بولس لم يَكُن رَسولاً عَظيمًا فقط يَعرِفُهُ الجَميع، ولم يَكُن بولسُ فقط الرَّجُلَ الَّذي أَسَّسَ الكنيسةَ في مدينة كولوسي الَّتي يَعيشُ فيها فِليمون، بل إنَّ بولسَ كانَ هُوَ مَنِ اقْتادَ شَخصيًّا هذا الرَّجُلَ إلى المسيح. لِذا فإنَّ بولسَ يُعَرِّفُ بِنَفسِهِ. ولا شَكَّ في أنَّ نَبْضاتِ قَلبِ فِليمون قد تَسارَعَت.

ويُعَرِّفُ بولسُ بنفسِهِ قائلاً إنَّهُ "أَسِيرُ يَسُوعَ المَسِيح". وهذه مُجَرَّد مُلاحظة لكي نَعلم أنَّهُ في السِّجْن. وَهُوَ نَفسُ المكانِ الَّذي كَتَبَ مِنه رسالَتَهُ إلى أهلِ فيلبِّي، وأهل كولوسي، وأهل أفسُس. وهذه هي الرِّسالة الرَّابعة مِن رَسائِلِ السِّجن. وهذه الرِّسالة القصيرة مَكتوبة إلى فَرْد. وهي الرِّسالة الوحيدة مِن بينِ هذه الرَّسائلِ الأربعِ كُتِبَتْ إلى فَرْد. وبولس يقول: "أنا أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهو لا يُعَرِّفُ بِنَفسِهِ البَتَّة بتلك الطَّريقة في البداية في أيٍّ مِن رسائِلِهِ الأخرى. فعادَةً، كانَ يَرغَبُ في أنْ يُعَرِّفَ بنفسِهِ بأنَّهُ رَسولٌ دَعاهُ اللهُ ليكونَ خادمًا ليسوعَ المسيح لكي يُضْفي بعضَ السُّلطانِ على تلك الرَّسائل، ولتأكيدِ دَعوَتِه، ولتأكيدِ سُلطانِه. وحَتَّى إنَّهُ فَعَلَ ذلكَ، بالمُناسَبة، في رِسالَتَيْهِ إلى تيموثاوس. فمعَ أنَّهُما كانتا رِسالَتَيْن شَخصيَّتَيْن كَتَبَهُما إلى شَخصٍ واحد، وكذلكَ الحال في رسالَتِهِ إلى تِيطُس، في تلكَ الحالاتِ...مَعَ أنَّها كانت رسائلَ شخصيَّة (على غِرارِ هذه الرِّسالة)، فإنَّهُ ما يَزالُ يَذكُرُ رَسوليَّتَهُ لأنَّهُ كان ينبغي لهؤلاء أنْ يَأخُذوا سُلطانَهُ ويُمارِسوه في حَياةِ كَنيسة كانت بحاجة إلى التَّقويمِ والتَّوجيهِ. لِذا، كانَ ينبغي أنْ تَصِلَ مِن خِلالِهم كرسائل ذاتِ سُلطان مِن بُولُس.

ولكِنَّ هذه الرِّسالة لا تَقْتَضي ضَرورةً كهذه. فهو لا يَكتُبُ رِسالةً ذاتِ سُلطانٍ إلى الكنيسة، بل إنَّهُ يُوَجِّهُ حَديثًا لطيفًا وشخصيًّا ودافئًا ومُتعاطِفًا إلى صَديق. وهي طِلْبَة يُخاطِب بها قَلبَهُ، ويُخاطِب بها عاطِفَتَهُ ومَحَبَّتَهُ. لِذا، لا حاجةَ إلى الإشارةِ إلى رَسولِيَّتِهِ أو دَعوَتِهِ أو سُلطانِه. فهو يقول: "أنا أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيح". وهي مُلاحظة رائعة لأنَّها الطَّريقة الَّتي نَتوقَّعُ أنْ يَرُدَّ بها بولسُ على الرُّومان. فقد كانَ الرُّومانُ يَعتقدونَ أنَّهُ كانَ سَجينًا في رُوما. فقد قَبضوا عليهِ. وقد حَبَسوه. وقد كانَ تَحتَ سُلطَتِهم. ولكِنْ مِن وُجهةِ نَظَرِهِ هُوَ، كانَ أَسيرَ يَسوعَ المسيح. فقد كانَ مَسجونًا لأنَّ المَسيحَ وَضَعَهُ هُناك، لا لأنَّ رُوما سَجَنَتْهُ. وإن كُنتُم تَشُكُّونَ في ذلك، كُلُّ ما ينبغي أن تَفعلوه هو أن تَتذكَّروا بعضَ الأشياءِ الَّتي قالَها عندما كانَ في السِّجن، ولا سِيَّما هذه الكلماتِ المذكورة في نِهايةِ رسالة فيلبِّي: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ...يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَر". فقد سَمَحَ اللهُ أنْ يُسجَنَ. وبينما كانَ مَسجونًا، كانَ يُبَشِّرُ أَهْلَ بَيْتِ قَيصَر.

وفي مُناسبات عديدة في الرِّسالة إلى أفسُس (مِثل الأصحاح 4 والعدد 1، والأصحاح 6 والعددين 19 و 20)، وأيضًا في رسالة كولوسي والأصحاح 4، فإنَّهُ يُشيرُ إلى نَفسِهِ بأنَّهُ أسير. ولكِنَّهُ كانَ أسيرًا مِن أجلِ الكِرازةِ بالمسيح، ومِن أجلِ المسيح، وقد كانَ بمشيئةِ المسيحِ أسيرًا. وَهُوَ يَقولُ هذا الشَّيءَ لفليمون. وأعتقد أنَّ هذه حِكمة مُتناهِيَة لأنَّ ما يَقولهُ لفليمون بِكُلِّ ذَكاءٍ هُوَ الآتي: "اسمَع يا فِليمون! إنْ كانَ بمقدوري أنْ أفعلَ هذا مِن أجلِ المسيح، هل يُمكنُكَ أنْ تَفعلَ مِن أجلِهِ ما أَطلُبُهُ مِنك؟ فإنْ كانَ بمقدوري أنْ أَحتملَ المَهَمَّةَ الأصعبَ المُتَمَثِّلة في الوُجودِ في هذا السِّجْن، هل يُمكنُكَ أنْ تَفعلَ المَهَمَّةَ الأسهلَ الَّتي سأطلُبُها مِنك وهي أنْ تَغفِر؟" فهو حَكيمٌ جدًّا؛ أيْ بولُس. وَهُوَ لَبِقٌ جِدًّا. فما أنْ يَسمعَ فِليمون اسمَ "بولس" حَتَّى تَبتدئ مَحَبَّتُهُ في التَّدَفُّق. وما أنْ يَقرأ الكلمات: "أَسِير يَسُوعَ المَسِيح" حَتَّى تَمتلئُ عَيناهُ بالدُّموعِ وَهُوَ يُفَكِّرُ في هذا الرَّجُلِ الحَبيبِ الَّذي اقْتَادَهُ إلى المسيح، وفي هذا الرَّسولِ العَظيمِ الَّذي يَحْتَمِلُ ألمَ وَكَرْبَ السِّجْن، ويُفَكِّرُ في كُلِّ ما احْتَمَلَهُ بولسُ مِن أجلِ تَوصيلِ الإنجيلِ إلى أشخاصٍ مِثلهُ. وسوفَ يَكونُ لذلكَ تأثيرٌ على مَدى استعدادِهِ للقيامِ بما يَطلُبُ بولسُ مِنهُ أنْ يَفعلَهُ.

ثُمَّ إنَّ بُولسَ يَقول: "بُولُسُ، أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَتِيمُوثَاوُسُ الأَخُ". ولم يكن تيموثاوس مُشتركًا في كِتابةِ الرِّسالة، بل إنَّ تيموثاوسَ هو مُجَرَّدُ رَفيقٍ حَاضِرٍ وأخٍ في المسيح. فقد كانَ تيموثاوس معَ بولس في رِحلَتِهِ التَّبشيريَّة الثَّالثة في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 19. وقد كانَ يَعرِفُ المؤمنينَ في كولوسي، ورُبَّما كانَ قدِ التَقى فِليمون. لِذا، فإنَّ هذه تَحِيَّة مِن شخصٍ يَعرِفُهُ فليمون. ولكِنْ يوجد أشخاصٌ آخرونَ رُبَّما كانَ فليمون يَعرِفُهم. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ يوجد (مِنْ خِلالِ النَّظرِ إلى الرَّسائلِ المُختلفة) كان يوجد في رُوما تِيخِيكُس، وَأَبَفْرُودِتُس، وَأَرِسْتَرْخُسُ (المأسور مَعي). وهُناكَ مَرقُس، وَيَسُوع الْمَدْعُوُّ يُسْطُس. وكانَ هُناكَ أَبَفْرَاس، ولوقا، وَدِيمَاس. ولكِنْ لماذا لا يَتحدَّث عن هؤلاءِ الأشخاص؟ ولماذا لا يُشيرُ إليهم؟ إنَّهُ يَفعل ذلك في نِهايةِ الرِّسالة. ولكِنَّهُ يَكتفي في مُسْتَهَلِّ الرِّسالة بِذِكْرِ تيموثاوس. أمَّا البقيَّة جَميعًا فيَذكُرهم في نهاية الرِّسالة. لماذا؟ أعتقد أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ وَذَكَرَ اسمَ تيموثاوس تَحديدًا في الجُزءِ الافتتاحِيِّ مِنَ الرِّسالة لأنَّ بولسَ كانَ يَعلمُ أنَّهُ سَيَعملُ ذاتَ يومٍ على تَسليمِ رَّايَةِ القيادةِ الرُّوحيَّةِ بصورة رئيسيَّة إلى تيموثاوس. وقد أرادَ أنْ يُبْرِزَ اسمَ تيموثاوس بوصفِهِ شخصًا في مَوقِعِ القِيادة. لِذا فإنَّهُ يَذكُرُ اسمَ تيموثاوس تَحديدًا بِمُحاذاةِ اسْمِهِ هُوَ.

لِذا، فهي رسالة مِن بولس، وَتَحمِلُ أيضًا تَحِيَّاتِ تيموثاوس، إلى فِليمون. وهذا هو الرَّجُلُ الَّذي كانَ رَبَّ أُسْرَةٍ في كولوسي. وقد كانت كولوسي مَدينةً صغيرة. وَمِنَ المُرَجِّحِ أنَّ الكنيسةَ هناكَ كانت صغيرة جدًّا. وقد كانتِ الكنيسةُ تَجتمعُ في بَيتِه. لِذا، نَحنُ نَعلمُ أنَّهُ كانَ رَجُلاً غَنِيًّا. أمَّا أغلبيَّةُ النَّاسِ في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة مِمَّنْ صاروا مَسيحيِّينَ فكانوا عَبيدًا. ولكِنَّ بعضًا منهم كانوا أحرارًا؛ أي أنَّهُم كانوا عَبيدًا في السَّابق ولكِنَّهم صاروا الآنَ أحرارًا. وكان عَدَدٌ قليلٌ منهم أغنياء: "لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاء، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاء". وعندما تَجدونَ شخصًا غَنِيًّا آمَنَ بالمسيح، كانَ هذا يعني أنَّهُ يَمْتَلِكُ مَنزِلاً. فالعبيدُ والأحرارُ لم يكونوا يَملِكونَ أشياءَ كهذه. فقد كانَ أغلبيَّةُ الأحرارِ يَعيشونَ في شُقَق، أو غُرَف مُنفَرِدَة، ويَدفعونَ إيجارًا مُتواضِعًا. أمَّا الأشخاصُ الأغنياءُ فكانوا يَملِكونَ مَنازل. لِذا فإنَّنا نَقرأُ هُنا عن رَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْقِدُ اجتماعًا للكنيسة في بَيتِه. وبولسُ يَدعوهُ: "فِلِيمُون المَحْبُوب وَالعَامِل مَعَنَا". وهذا يعني: "الأخ المَحبوب"، وَهُوَ لَقَبٌ يُطلِقُهُ بولسُ على الأشخاصِ والجماعات ("أغابيتوس" – “agapetos”) – المَحبوب. وَهُوَ "العامِلُ مَعَنا". وهذا أيضًا لَفظٌ يَستخدِمُهُ بولسُ مَرَّاتٍ عديدة للإشارة إلى الأشخاصِ الَّذينَ كانوا يَخدِمونَ مَعَهُ. لِذا فإنَّنا هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ بولسُ يُحِبُّهُ، وكانَ قد خَدَمَ مَعَهُ.

والآن، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هذه الصَّداقة كانت قد نَشأتْ في أفسُس (وهي مُجَرَّد مُلاحظة) لأنَّ بولسَ لم يَذهب يومًا إلى كولوسي. وعندما قُلتُ إنَّهُ كانَ مَسؤولاً عن تأسيسِ الكَنيسةِ هُناك، فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو أنَّهُ أَسَّسَ الكنيسةَ في أفسُس، وأقامَ فيها ثلاث سنوات. وَمِنْ خِلالِ أفسُس، تأسَّسَتْ كُلُّ الكنائسِ الأخرى في أَسِيَّا الصُّغرى. فلا شَكَّ في أنَّهُ في أثناءِ إقامةِ بولس في أفسُس، اهْتـَدى هذا الرَّجُلُ إلى المسيح، وتَعَرَّفَ إلى بولس مَعرفة شخصيَّة، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعيشُ بالقُربِ مِن هُناكَ في تلكَ المدينة الصَّغيرة المعروفة باسم "كولوسي". لِذا، مِن ذلكَ الوقت فَصاعِدًا نَشأت صَداقة بينَهُما. والآن، سوفَ يَضَعُ بولس صَداقَتَهُ على المِحَكِّ، يا أحبَّائي. أجل، إنَّهُ يَفعل ذلكَ حَقًّا. فهذه رسالة مُباشِرة. وَهُوَ سيَطلُب مِن فِليمون أن يَفعلَ شيئًا يَختصُّ بالغُفران...شيئًا مُهِمًّا جدًّا.

كذلك، فإنَّ العددَ الثَّاني يُوَجِّه الرِّسالة إلى "أَبْفِيَّة" أُختِنا. وهي، بدونِ شَكٍّ، زَوجَتُه. وأعتقد أنَّ تَرجمةَ المَلِك جيمس (King James) تَقول: "أَبْفِيَّة الْمَحْبُوبَة"، ولكِنَّ القِراءةَ المُفَضَّلَةَ هي: "أَبْفِيَّة أُختِنا"؛ أيْ: أُختِنا في المَسيح. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ هذه هي، بِكُلِّ تأكيد، زَوجة فِليمون الَّتي تَربُطُها أيضًا علاقة مَتينة بِبُولس. ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "وَأَرْخِبُّسَ الْمُتَجَنِّدِ مَعَنَا". ومِنَ المُرَجَّح أنَّ هذا الشَّخصَ هُوَ ابنُهُما. وقد كانَ ابنُهُما "أَرْخِبُّس" راشِدًا ومَسيحيًّا شَريفًا وَقَفَ إلى جانبِ بُولُس في المَعركة الرُّوحيَّة في مكانٍ ما، وجاهَدَ بِبَسالَة في تلكَ الحَرب. وَهُوَ يُمْدَحُ بسببِ حَياتِه الرُّوحيَّة.

وفي رسالة كولوسي 4: 17، يُذكَرُ "أَرْخِبُّس" مَرَّة أخرى. ولكِنَّ فِليمون لا يُذكَر مَرَّة أخرى في أيِّ مكانٍ آخر، ولا أَبْفِيَّة". ولكِنَّ "أَرْخِبُّس" ذُكِرَ هُناكَ عندما كَتَبَ بولسُ إلى كنيسة كولوسي. وَهُوَ يَقولُ لأَرْخِبُّس: "انْظُرْ إِلَى الْخِدْمَةِ الَّتِي قَبِلْتَهَا فِي الرَّبِّ لِكَيْ تُتَمِّمَهَا". لِذا فقد كانَ هذا الشَّابُّ في الخِدمة. ونحن لا نَعلمُ إلى أيِّ مَدى أو بأيِّ صِفَة، ولكِنَّنا نَقرأُ هُنا عن أبٍ وأُمٍّ يَعقدانِ اجتماعًا للكنيسةِ في بيتِهِما، ولَهُما ابْنٌ يَخدِم. وقد خَدَمَ، دُونَ شَكٍّ، في كولوسي، وخَدَمَ أيضًا في لاوُدِكِيَّة (كَما تُشيرُ المُلاحظةُ في نهايةِ الرِّسالة إلى أهلِ كولوسي). لِذا فإنَّ هذه العائلة الصَّغيرة مُهمَّة جدًّا في حياةِ بولس. وبوجودِ مَسألةِ غُفرانٍ على المِحَكّ، انتَهَزَ بولسُ الفُرصةَ لتوضيحِ نُقطة مُهمَّة جدًّا يُريدُ الرُّوحُ القُدُسُ مِنْهُ أنْ يُوَضِّحَها.

ونَقرأ في نهاية العدد الثَّاني: "وَإِلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ". والآن، لقد أرادَ بولس أن تُقرأَ الرِّسالة هُناك. صَحيحٌ أنَّها كانت رسالة شخصيَّة، ولكنَّهُ أرادَ أن تُقرأَ على مَسامِعِهم جميعًا لكي تَقوم الكنيسة كُلُّها بِمُساءَلة فِليمون بخصوصِ هذهِ المَسألة، ولكي يَتعلَّموا جميعًا دَرْسَ الغُفران، ولكي يَعرِفوا جميعًا كيفَ يتعاملونَ معَ الشَّخصِ الَّذي نَالَ الغُفران.

والآن، أَوَدُّ أن أقولَ لكم إنَّهُ عندما تَرجعونَ إلى الأزمنةِ القديمة، ستَجدونَ أنَّ أغلبيَّةَ الكنائسِ كانت تَجتمعُ في بيت إنْ لم يكونوا يَجتمعونَ في مَكانٍ مَفتوح. فالمباني الكَنسيَّة لم تَبتدئ إلَّا في القرنِ الثَّالث بعدَ الميلاد. فقد كانوا يَجتمعونَ في البُيوت. وقد كانَ هذا الأمرُ هو السَّائد. وما تزالُ هناك أماكِن في العالم حَتَّى اليوم يَجتمعُ فيهِ المُؤمِنونَ في البُيوت. ولا يوجد شيء مُقَدَّس بالضَّرورة في هذا الأمر، ولكِنَّ المباني الكنسيَّة لم تَبتدئ حَقًّا إلَّا في نحوِ القرنِ الثَّالثِ بعدَ الميلاد. وأَقْدَمُ كنيسة مَعروفة تَمَّ العُثورُ عليها في شَرقِ سُورِيًّا في مَكانٍ يُدعى "دورا-يوروبوس" (Dura-Europos). والاعتقادُ السَّائدُ هو أنَّها تَعودُ إلى سنة 232 بعدَ الميلاد. وهذا يعني في القَرن الثَّالث. لِذا، في هذا الوقت، قبلَ أنْ يَتِمَّ بِناءُ أبنية خاصَّة بالكنائس، كانَ المؤمنونَ يَجتمعونَ في البُيوت. وهذا اجتماعٌ كَنَسِيٌّ كانَ يُعقَدُ في بَيتِه.

وفي العدد الثالث، نَجِدُ التَّحِيَّةَ المُعتادَة. ولن أَصرِفَ وقتًا طويلاً عليها. فهو يقول: "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهذه هي التَّحيَّة المسيحيَّة المألوفَة والمُعتادَة. فالنِّعمة هي وَسيلةُ الخلاص. والسَّلامُ هو نَتيجةُ الخلاص. وأودُّ أن أقولَ أيضًا (فلا يَسَعُني إلَّا أن أقول) إنَّهُ عندما نَقرأ العِبارة "مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح" فإنَّ الوَحدةَ بينَ الاثنين ستكونُ تَجديفًا لو كانَ يَسوعُ مُجَرَّدَ إنسانٍ أو مَلاك. هل تَفهمونَ ذلك؟ فيجب أنْ نَفْهَمَ أنَّ هذه العِبارة تُؤكِّدُ لاهوتَ يسوعَ المسيح. فلو أنَّ يسوعَ كانَ رَجُلاً وَحَسْب، فإنَّ ذِكْرَهُ وَذِكْرَ اللهِ معًا سيكونُ تَجديفًا. ولو كانَ يَسوعُ مُلاكًا، فإنَّ ذِكْرَهُ وَذِكْرَ اللهِ معًا سيكونُ تَجديفًا لأنَّ الآيةَ تَقولُ إنَّ النِّعمةَ (الَّتي تُخَلِّص) والسَّلامَ (النَّاجِمَ عنهُ) يأتيان مِنَ اللهِ والرَّبِّ يسوعَ المسيح. لِذا، لا بُدَّ أنَّهُما الله...كِلاهُما. وبهذه الطَّريقة فإنَّ بولسَ يُقَدِّمُ رِسالَتَهُ؛ وهي الرِّسالة الوحيدة مِن رسائلِ السِّجْن المُوَجَّهة إلى فَرْد.

وقد كُتِبَ الكثيرُ عنِ القَصدِ مِن هذه الرِّسالة. وأنا لا أُريدُ أنْ أَصرِفَ وَقتًا طويلاً على هذه النُّقطة، ولكنِّي أريدُ أن أُقَدِّمَ لكم فِكرة بسيطة عَمَّا قيلَ عن هذه الرِّسالة. فهناكَ مَن يَرى أنَّ القصدَ مِن هذه الرسالة هو توضيحُ طبيعة المحبَّة المسيحيَّة. ولا شَكَّ في أنَّ هذا العُنصُرَ مَوجودٌ هُنا. وهناكَ مَن يَرى أنَّ القصدَ مِنها هو إظْهارُ عَمَلِ العِناية الإلهيَّة. ولا شَكَّ في أنَّ هذا العُنصُرَ مَوجودٌ هُنا. وهُناكَ مَن يَرى أنَّها نَموذجٌ على التَّهذيبِ واللِّياقة المسيحيَّة. فلا توجد فيها أوامِر، ولا يُوجد فيها كَلِمات قويَّة مُباشِرَة، بل هي تَحوي فقط طِلْباتٍ أساسُها المحبَّة. وهذا صَحيحٌ بِكُلِّ تأكيد. وهناكَ مَن يَرى أنَّ القَصدَ مِنها هو توضيح المبادئ الكَفيلة بالحِفاظ على علاقات مسيحيَّة طَيِّبة. والحقيقة، لقد كُنتُ أتحدَّثُ إلى شخصٍ مؤخَّرًا يَكتُبُ كِتابًا عنِ الرِّسالة إلى فِليمون. وهذا هو النَّهجُ الَّذي يَنْتَهِجُهُ. وهناكَ مَن يَرى أنَّ القَصدَ مِنَ الرِّسالة هو الكَشفُ عن فاعليَّة الاهتداء إلى المَسيح على الثَّقافة والمُجتمع. وهناكَ مَن يَعتقد (وهُم كُثُر) أنَّها هُجومٌ على الرِّقِّ، وأنَّ القَصدَ مِنَ الرِّسالة إلى فليمون هو إلغاءُ الرِّقِّ. ولا شَكَّ في أنَّ المبادئَ المذكورةَ في الرسالة إلى فليمون ستَترُكُ تأثيرًا في علاقَةِ السَّادةِ بالعَبيد. فهذا أمرٌ لا شَكَّ فيه.

ولكِن يجب أن نَقولَ (ولا سَيَّما أنَّ الرَّأيَ الأخيرَ هو السَّائد على ما يَبدو) إنَّنا لا نَجِدُ في أيِّ مَوضِعٍ في الكتابِ المُقدَّس أيَّ مُحاولة لإلغاءِ الرِّقّ. ولم يأتِ وَقتٌ قامَ فيهِ أيُّ نَبِيٍّ أو واعظٍ أو مُعلِّمٍ أو رَسولٍ في العهدِ الجديد بمُهاجمةِ الرِّقِّ. ولكِنَّ أيَّ دَعوة إلى الحياةِ البَارَّة، وأيَّ دَعوة إلى المحبَّة المُقدَّسة، سَتَقضي على سُوءِ المُعاملةِ في أيِّ نِظامٍ اجتماعِيٍّ. والحقيقة هي أنَّ العَكسَ هُوَ الصَّحيح إذْ إنَّهُ توجدُ في كُلِّ العهدِ الجديد نُصوص كثيرة جدًّا صارَت فيهِ العُبوديَّة رَمزًا لِمبدأ مَسيحيّ. فقد صارت العُبوديَّة صُورة، في الحقيقة، لكيفيَّة ارتباطِنا باللهِ بوصفِنا عَبيدًا لَهُ وَخُدَّامًا لَهُ. ونَقرأُ المَرَّة تِلو الأخرى (سواءٌ في أفسُس 6، أو كولوسي 4، أو رسالة تيموثاوس الأولى 6: 1 و 2، أو رسالة بُطرس الأولى 2: 18) أنَّهُ يجب على العَبيدِ أن يكونوا مُطيعينَ وخَاضِعينَ وأوفياء وأُمناء لِسادَتِهم في أيِّ شيءٍ يَفعلونَهُ. ونَقرأُ أنَّهُ يجب على السَّادة أن يُعامِلوا عَبيدَهُم بمحبَّة ومُساواة ولُطف وإنصاف في كُلِّ شيءٍ يَفعلونَهُ. لِذا، في حين أنَّنا لا نَجِدُ أيَّة آية تُهاجِمُ الرِّقَّ، فإنَّ كُلّ شيءٍ في المبادئ المسيحيَّة يَتَصَدَّى لإساءةِ استعمالِ أيِّ نِظامٍ اجتماعيٍّ بما في ذلكَ الرِّقّ. وقد كانَ الرِّقُّ جُزءًا لا يَتجزَّأ مِنَ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. وكانَ المُجتمعُ كُلُّهُ مَبنِيًّا عليه. وفي زَمنِ المسيح، لم يَكُن الرِّقُّ بالضَّرورة مِثلَ العُبودِيَّةِ في وقتِنا الحاليّ. فقد تَمَّ تَعديلُه. وقد سُنَّتْ قوانين عديدة بشأنِه. وفي حالات كثيرة، كانَ العَبيدُ يُلاقونَ مُعاملة حَسَنة جِدًّا. والحقيقة هي أنَّهُ إذا قَرأتُم أيَّ مَرجِعٍ قديم في زَمَنِ المسيح، ستجدونَ أنَّ أغلبيَّةَ الكُتَّابِ يقولونَ إنَّهُ كانَ مِنَ الأفضل أن يكونَ الإنسانُ عَبْدًا على أن يكونَ عَبْدًا هارِبًا، وأنَّهُ مِنَ الأفضل جِدًّا أن يكونَ عَبدًا على أن يكونَ حَتَّى حُرًّا لأنَّ العَبْدَ كانَ يَضْمَنُ الحُصول على الرِّعاية والطَّعامِ والمَأوى. وإنْ كانَ عَبدًا عندَ سَيِّدٍ لَطيف فإنَّهُ سَيَعيشُ حَياةً مُتْرَفَةً جِدًّا.

وفي حالاتٍ عديدة، كانَ العبيدُ في زَمنِ المسيحِ مُتَعَلِّمينَ وَمُثَقَّفينَ جِدًّا. والحقيقةُ هي أنَّ كثيرينَ منهم كانوا يُمارسونَ مِهنةَ الطِّبِّ. وكانَ باستطاعةِ العَبيدِ أن يَستفيدوا مِن حَقِّهِم في شِراءِ مَنزلٍ خاصٍّ بهم وأنْ يُدَبِّروا شُؤونَهُم الشَّخصيَّة وأعمالَهُم الشَّخصيَّة. وكانَ بمقدورِ العبيدِ أن يَترُكوا إرْثَهُم لأبنائهم. لِذا، في زمنِ المسيح، كانَ الرِّقُّ مُختلفاً جِدًّا عنِ الكثيرِ مِنَ الإساءاتِ السَّابقة، مَعَ أنَّ تلكَ الإساءات كانت تَحدُث في بعضِ الحالات. وسوفَ نَرى حَتَّى في رِسالة يعقوب أنَّهُ كانَ يوجد مَسيحيُّونَ مِنْ فِئَةِ العَبيدِ أوِ الخُدَّامِ يَلْقَوْنَ مُعاملةً غير لَطيفة وأنَّهم كانوا يُعاملونَ بطريقة جسديَّة قاسية. ولكِنَّ الرِّقَّ كانَ يَمُرُّ بمرحلة تَغيير، وكانَتْ هُناكَ كِرازة بالإنجيل في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالَم. ولم يَكُن الوُعَّاظُ المَسيحيُّونَ يَرغبونَ في تَركيزِ الأنظارِ على قَضيَّة اجتماعيَّة على حِسابِ الحياةِ الرُّوحيَّة. ويُمكنُكم أن تَتخيَّلوا لو أنَّ يسوعَ والرُّسُلَ ابتدأوا في مُهاجمةِ الرِّقِّ، ما الَّذي كانَ سيحدثُ في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. فسَوفَ يُشعِلُ سِتَّةُ مَلايينِ عَبْدٍ ثَورةً فيكونُ الأمرُ كَارِثيًّا. فقد كانَت تلك الثَّورة كَفيلة بإشاعَةِ الفَوضى والاضطرابِ في المُجتمَع. ويمكنكم أن تَتخيَّلوا أنَّهُ عندما يَحدث تَمَرُّدٌ كهذا فإنَّ العَبيدَ يُسْحَقونَ ويُقتَلونَ بوحشيَّة.

لِذا، كانَت هُناكَ أسبابٌ (في الوَسَطِ المُتَغَيِّرِ للإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة) تَدعو إلى الرَّجاءِ في زَوالِ الرِّقّ. وكانَ هذا الرَّجاءٌ قائمًا على تَغيير القُلوب. فقد تَمَّتْ زِراعةُ بُذورِ إنهاءِ الرِّقِّ في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة مِن قِبَلِ الإنجيل. وقد زَالَ الرِّقُّ في النِّهاية كَما زَالَ الرِّقُّ في كُلِّ مَكانٍ في العالَم عندما جاءَ الإنجيل. وقد حَدَثَ ذلكَ بِكُلِّ تأكيد في أمريكا في نِهايةِ المَطاف. فالمسيحيَّة، كَما تَرَوْنَ، تُقَدِّمُ علاقةً جديدةً بينَ الإنسانِ والإنسان؛ وهي علاقة لا تَهُمُّ فيها الاختلافاتُ الخارجيَّة. فنحنُ واحدٌ في المسيح يَهودًا كُنَّا أَمْ أُمَمِيِّين، عَبيدًا كُنَّا أَمْ أَحرارًا. فليسَ يونانِيٌّ وَيَهودِيٌّ (كما يَقولُ بولس)، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ وَسِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ وَحُرٌّ. وهذا ليسَ هُجومًا على مُؤسَّسَةِ الرِّقِّ. بل إنَّهُ، في الحقيقة، يَفعلُ العَكسَ تَمامًا. فهو يَقولُ للعَبْدِ أنْ يَرجِعَ إلى سَيِّدِه وأنْ يكونَ عَبْدًا كَما يَليقُ بالعَبْدِ أنْ يَكونَ مِنْ جِهَةِ أمانَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِسَيِّدِه. ولكِنَّ الفِكرة هي الغُفران. فهذهِ هي الغَاية مِنْ هذه الرِّسالة، وهذا هو القَصدُ مِنها. والقصَّةُ مِنْ وَراءَ الرِّسالة تُوَضِّح ذلكَ تَمامًا. واسمَحوا لي أنْ أقرأَ لَكُم القِصَّة. وسوفَ أُعَلِّقُ قليلاً عليها.

العَدد 4: أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي، سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ، وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَلِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ لَنَا فَرَحًا كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ، لأَنَّ أَحْشَاءَ الْقِدِّيسِينَ قَدِ اسْتَرَاحَتْ بِكَ أَيُّهَا الأَخُ. لِذلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِي بِالْمَسِيحِ ثِقَةٌ كَثِيرَةٌ أَنْ آمُرَكَ بِمَا يَلِيقُ، مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ بِالْحَرِيِّ إِذْ أَنَا إِنْسَانٌ هكَذَا نَظِيرُ بُولُسَ الشَّيْخِ، وَالآنَ أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَيْضًا أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي، الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي. الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيلِ، وَلكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا، لِكَيْ لاَ يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِيَارِ. لأَنَّهُ رُبَّمَا لأَجْلِ هذَا افْتَرَقَ عَنْكَ إِلَى سَاعَةٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الأَبَدِ، لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا! فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا، فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي. ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ". وسوفَ نَتوقَّفُ هُنا.

إنَّها قِصَّة مُدهشة جدًّا. فقد جاءَ فليمون إلى المَسيح مِن خِلالِ بولس (رُبَّما في أثناءِ إقامَة بولس ثلاثَةَ أعوامٍ في أفسُس). وكما قُلتُ، معَ أنَّهُ كانَ يَعيشُ في كولوسي، فقد التَقى بولُس. وقد كانَ لَديهِ عَبْدٌ اسمُهُ "أُنِسِيمُس". والعَلاقةُ بينَ هَذَيْنِ الشَّخصين (أيْ فِليمون وأُنِسِيمُس) هي سِياقُ هذه الدَّعوة إلى الغُفران. والقِصَّةُ مُدهشة.

فقد مَرَّتْ سَنواتٌ على اهتِداءِ فِليمون. وبولسُ الآنَ سَجين في رُوما. وكانَ فِليمون خادِمًا فاعِلاً في الخِدمةِ في كَنيسَتِه. وكانَ يَعقِدُ اجتماعاتِ الكنيسةِ في بَيتِه. وكانَ مُنْهَمِكًا في الخِدمة ويُنْعِشُ الإخوةَ بِفاعلِيَّتِه. ورُبَّما كانَ عَبْدُهُ "أُنِسِيمُس" غير المُؤمِن يَشعُر بحَرارةِ العائلةِ المُؤمِنَةِ ولا سِيَّما بعدَ إيمانِ "أَبْفِيَّة" (زَوجة فِليمون) وَ "أَرْخِبُّسَ" (ابنِهِما). وقد قَرَّرَ أُنِسِيمُس أنَّهُ مِنَ الأفضل أنْ يَهرُب بالرَّغمِ مِن أنَّ العائلةَ الَّتي يَخْدِمُها كانت عائلة طَيِّبة. لِذا فقد هَرَب. والنَّصُّ يُشيرُ أنَّهُ عندما هَرَب، سَرَقَ بعضَ المَال. فقد سَرَقَ سَيِّدَهُ.

والآن، معَ أنَّ الرِّقَّ كانَ يَشْهَدُ تَغييرًا، فإنَّهُ لم يَكُن يَتغيَّرُ بالقَدْرِ الَّذي يَسمَحُ للعَبْدِ أنْ يَسرِق، ولم يَكُن يَتَغَيَّر بالقَدرِ الَّذي يَسمَحُ للعَبدِ أنْ يَهرُب. بل هُناكَ مَن يَقولُ لنا إنَّهُ في أماكِن مُعَيَّنة كانت عُقوبةُ الإعدامِ على فِعْلٍ كهذا ما تَزالُ مُطَبَّقَةً، وإنَّ العَبدَ قد يَفقِد حَياتَهُ. وهُناكَ مَن يَقولُ إنَّ العُقوبةَ كانت تَنُصُّ على السِّجنِ القاسي، أوْ حَتَّى على العِقابِ البَدَنِيِّ أيضًا. وكانَ أُنِسِيمُس قدِ اقترَفَ (في نَظَرِ كُلِّ القوانينِ الرُّومانيَّة) جَريمةً، أو جِنايةً، أو جَريمةً كُبرى، وَهَرَبَ، وَحاولَ الاختباء. وأحيانًا، عندما يَهرُبُ واحِدٌ مِنَ العَبيد ويُقبَض عليه، كانوا يَضَعونَ الحَرف "هاء" أو يَدْمَغونَ الحَرفَ "هاء" على جَبْهَتِه. وَالحَرْفُ "هاء" هو اختصارٌ للكلمة "هَارِب"...هَارِب. وهُناكَ بعضُ العَبيدِ المَعروفينَ في التَّاريخ تَمَّ صَلبُهُم. وهُناكَ مَنْ عُذِّبوا. فقد كانَ الهَرَبُ جريمةً خَطيرة. وقد هَرَبَ إلى المَكانِ الَّذي قد تُفَكِّرونَ في أنَّهُ قد يَهَرُبَ إليه. فقد هَرَبَ إلى رُوما لأنَّها كانت أكبر مَدينة. ويُقَدَّر عَدَدُ السُّكَّانِ فيها بنحوِ 870 ألفًا في ذلك الوقت. وقد ظَنَّ أنَّهُ يَستطيعُ الاختباءَ في العالَمِ السُّفليِّ في رُوما والنَّجاة بِفِعلَتِهِ. وهذا يُشبِهُ الحَديثَ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ في الشَّوارِعِ اليوم، أو عنِ الأشخاصِ المُشَرَّدين. فقد فَكَّرَ في أنْ يَكونَ واحِدًا مِن هؤلاء. وقد أرادَ أنْ يَعيشَ في الخَفاء، وأنْ يَنامَ في الأَزِقَّةِ الخَلفيَّة أوْ في حُفَرٍ في الأرض.

وهناكَ دراسة عنِ الخَزنة المُقَدَّسة لدى الرُّومان في السَّنوات مِن 81 إلى 49 قبلَ الميلاد شَمَلت الضَّرائبَ على الإعتاق. والكلمة "إعتاق" تَعني تَحرير العَبيد. فقد كانَ الرِّقُّ يَتغيَّر بسرعة كبيرة حَتَّى إنَّ النَّاسَ كانوا يُعتِقونَ عَبيدَهُم. وفي كُلِّ مَرَّة كانوا يُعتِقونَ فيها عَبْدًا، كانَ يَنبغي أنْ يَدفعوا خَمسة بالمئة مِن قيمةِ ذلكَ العَبد إلى الحُكومة. وبالعُثورِ على هذه الدِّراسة القديمة المُختصَّة بالسَّنوات مِن 81 إلى 49 قبلَ الميلاد، واستخدامِ مَبلغِ المالِ المُدَوَّن في السِّجلَّات، نَستنتِجُ أنَّهُ في تلك السَّنواتِ الثَّلاثين، تَمَّ تَحرير 500 ألف عَبْد...فقط في تلك السَّنواتِ الثَّلاثين. وتُبَيِّنُ سِجِلَّات أغسطُس قيصر أنَّهُ عندما كانَ السَّادة يَموتون، كانَ العَبيدُ يُحَرَّرونَ بالجُملة. فإنْ ماتَ أحدُ السَّادَة، فإنَّ جَميعَ عَبيدِهِ يُطْلَقونَ أَحرارًا. وقد صارت هذه مُشكلة كبيرة. فهناكَ 500 ألف عَبْدٍ يَذهبونَ جميعًا باتِّجاهِ المُدُنِ الَّتي تَحَرَّروا فيها. وقد كانَ النَّاسُ يَموتونَ ويُحَرِّرونَ كُلَّ عَبيدِهم. وكانَ العَدَدُ ضَخمًا جِدًّا حَتَّى إنَّ الحُكومةَ سَنَّتْ قانونًا. وفي زَمَنِ أغسطُس قيصر، كانَ القانونُ يَنُصُّ على أنَّهُ عندما يَموتُ شخصٌ فإنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يُحَرِّرَ أكثرَ مِن نِسبة مِئويَّة مُعَيَّنة مِن عَبيدِه. فإنْ كانَ لديهِ خَمسة عَبيد، يُمكِنُه أنْ يُحَرِّرَ واحدًا. وإنْ كانَ لديهِ عَشْرَة، يُمكنُهُ أنْ يُحَرِّرَ اثنين. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ هُناكَ عَدَدٌ هائلٌ مِنَ الأشخاصِ المُشَرَّدينَ العاطِلينَ عنِ العمل في جَميعِ أرجاءِ الإمبراطوريَّة الرُّومانِيَّة.

ومعَ أنَّ العَبيدَ كانوا يَحصُلونَ على أغلبيَّةِ حُقوقِ الأحرار، ومعَ أنَّهُ كانَ باستطاعتهم أن يَحصلوا على التَّعليمِ في جميعِ المجالات، ومعَ أنَّهُم كانوا يَعيشونَ في ظُروفٍ أفضلَ مِنَ الأحرار عندما يَبقونَ في المكانٍ الَّذي يُعَيِّنُهُم فيهِ سَيِّدُهم، ويَحصُلونَ على طَعامٍ أفضل، وملابسَ أفضل، ومُعاملةٍ أفضل، ويَصيرونَ جُزءًا مِنَ العائلة، ويُعَلِّمونَ أبناءَهُم، ويُوفِّرونَ الرِّعايةَ الصِّحيَّةَ لأبنائهم، ويَهتمُّونَ بالأمورِ الماليَّة، ويُسمَحُ لهم أن يَتزوَّجوا، ويُسمحُ لهم أن يَمْلِكوا مَنازلهم الخاصَّة بهم، وأنْ يُنَمُّوا حَياتَهُم الشَّخصيَّة، ويُسمَحُ لهم أنْ يَعتَنِقوا أيَّ دِيانة، فإنَّ كثيرينَ مِنهُم كانوا يَهرُبون. إنَّهُ حُلْمُ الحُريَّة. وقد كانَ المَطافُ يَنْتَهي بِهِم في حالٍ أسوأ.

وَمَنْ يَدري ما الوَرطة الَّتي كانَ فيها أُنِسِيمُس! وبِنِعمةِ اللهِ العَجيبة... فَكِّروا في ذلك: ففي مَدينة يَقطُنُها نحو 870 ألف شخص، أو نحو مِليون شخص، هَرَبَ أُنِسِيمُس فالتقى بولُسَ! ويمكنكم أن تَتخيَّلوا أنَّهُ كانت لديهِ بعض الحاجات الشَّخصيَّة. أليسَ كذلك؟ ورُبَّما كانَ يَعلمُ أنَّ بولسَ كانَ يَكْرِزُ هُناكَ وأرادَ أنْ يَسمعَ ذلكَ الرَّجُلَ يَعِظ. ومعَ أنَّ بولسَ كانَ سَجينًا، لا بُدَّ أنَّهُ كانَ يَملِكُ بعضَ الامتيازات في ذلك السِّجن. ورُبَّما كانت تلكَ الامتيازاتُ تأخُذُ أشكالاً مُختلفة جَعَلَتْهُ قادرًا على رُؤيةِ أصدقائِهِ. وَيَتَّضِحُ هذا مِن خلالِ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ إنشاءِ عَلاقَةٍ بِهِ، بل وَحَتَّى بغير المؤمنين. وقد أَقنَعَ بولسُ أُنِسِيمُس بأنْ يَصيرَ مَسيحيًّا فاهْتَدى إلى المَسيح. وقد تَغَيَّرت حَياتُه. وليسَ هذا فحسب، بل إنَّهُ صَارَ مُعاوِنًا لبولس. فالآياتُ تُخبِرُنا (كَما لاحَظْنا في النَّصّ) أنَّهُ صارَ خَادِمًا مُشَجِّعًا جدًّا لبولس في سِجنِه. فرُبَّما كانَ يَطهو الطَّعامَ ويُحضِرُهُ إليهِ مُوَفِّرًا لَهُ طعامًا مُغَذِّيًا. أو رُبَّما كانَ يُقَدِّمُ المعلوماتِ إليه. لا نَدري! وبالرَّغمِ مِنْ شِدَّةِ مَحَبَّةِ بولس لَهُ، وَبالرَّغمِ مِنْ شِدَّةِ رَغبَتِهِ في الاحتفاظِ بِهِ، كانَ بولسُ يَعلم أنَّ هناكَ مسألة ينبغي أنْ تُحْسَم. فقد كانَ أُنِسِيمُس مُجرِمًا. وكانتِ العلاقةُ بينَ أُنِسِيمُس وفِليمون غير سَليمة. وأنتُم تَعلمونَ أنَّ فليمون كانَ ما يَزالُ يَشعرُ بتلك المَرارة تُجاهَ هذا الصَّديقِ المُقَرَّب جدًّا. فمعَ أنَّ أُنِسِيمُس كانَ عَبْدًا، فإنَّهُ كانَ عَبْدًا مُقيمًا في مَنزِلِهِ ورَفيقًا مُقَرَّبًا جدًّا. فقد كانَ أُنِسِيمُس على خطأ. وكانَ فليمون سَيِّدًا مَسيحيًّا صَالِحًا. وقد شَعَرَ فليمون بِجرْحٍ كبيرٍ بسبب أُنِسِيمُس. فَمِن جِهة ماليَّة، لقد سَرَقَهُ. كذلك فإنَّ فُقدانَ مُوَظَّفٍ لديكَ بهذه الصُّورة يَعني أنَّهُ يجب عليكَ أنْ تُوَظِّفَ شخصًا آخرَ وأنْ تَدفعَ ثَمَنَ شَخصٍ آخر.

لِذا، كانَ بولسُ يَعلم أنَّهُ يجب على أُنِسِيمُس أن يَعود. فقد كانَ ينبغي لَهُ أن يَعودَ بِتوبةٍ. ويجب عليهِ أن يعودَ ويَطلُبَ مِن فليمون الغُفران. وقد سَنَحَتِ الفُرصةُ لإرسالِهِ إليه. لماذا؟ كانَ بولسُ قد أَنهى رِسالَتَهُ إلى أهلِ كولوسي ورسالتَهُ إلى أهلِ أفسُس ويَرغبُ في إرسالِهِما إلى هَاتينِ الكنيسَتيْن معَ رَجُلٍ يُدعى "تِيخِيكُس". لِذا فقد كانَتِ الفُرصةُ سانِحَةً جدًّا لإعادةِ أُنِسِيمُس...عَبْدهُ الهَارِب.

وفي رسالة كولوسي والأصحاحِ الرَّابع...لاحِظُوا وَحَسْب الكلماتِ التَّالية إذْ يَقول: "جَمِيعُ أَحْوَالِي سَيُعَرِّفُكُمْ بِهَا تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ، وَالْخَادِمُ الأَمِينُ، وَالْعَبْدُ مَعَنَا فِي الرَّبِّ، الَّذِي أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ لِهذَا عَيْنِهِ، لِيَعْرِفَ أَحْوَالَكُمْ" – ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 9: "مَعَ أُنِسِيمُس". لِذا فإنَّهُ يُرسِل تيخيكُس حَامِلاً هَاتينِ الرِّسالَتَيْن وَمَعَهُ أُنِسِيمُس. ولم يَكُن هذا الأمرُ يَخلو مِنَ المُخاطَرة لأنَّ فِليمون كانَ يَملِكُ الحَقَّ في مُعاقبةِ أُنِسِيمُس. ولكِنَّ بولسَ قَرَّرَ أن يُعيدَهُ بأيِّ حال، ولكِنْ ليسَ مِن دونِ رِسالة. لِذا فقد أرسلَ هذه الرِّسالة. وما تَقولُهُ هذه الرِّسالة بصورة رئيسيَّة هو: يجب عليكَ أنْ تَغفِرَ لهذا الشَّخص. يجب أن تُبدي الاستعدادَ لأن تكونَ رَحيمًا. ويجب أن تُعامِلَ هذا العَبْدَ بالطَّريقةِ الَّتي عَامَلَكَ بها المسيح. وهو نفسُ المبدأ الَّذي ذَكَرَهُ في رسالة فيلبِّي 4: 32 ورسالة كولوسي 3: 13: "اغفِر كَما غُفِرَ لَكَ". وهذه هي، بصورة أساسيَّة، خَلفيَّة هذه القصَّة.

وما الَّذي سيحدُث عندما يَعود؟ إنَّ بَقِيَّةَ الرِّسالة (مِنَ العدد 4 فَصاعِدًا) تَنقسمُ إلى ثلاثة أجزاء. وسوفَ أَكْتَفي بِذِكْرِها لكم. فهي تَنقسمُ إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأوَّل يَضُمُّ الأعداد مِن 4 إلى 7، وهو يَتحدَّث بصورة رئيسيَّة عنِ الصِّفاتِ الرُّوحيَّة للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. وهذه رسالة مُشَوِّقة. وهذا هو ما سَنتحدَّثُ عنهُ في المَرَّة القادمة: الصِّفات الرُّوحيَّة للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. فما هي صِفاتُ الشَّخصِ الغَفور؟ سوفَ نَرى ذلكَ في الأعداد مِن 4 إلى 7. ثُمَّ إنَّ الجُزءَ الثَّاني مِنَ الرِّسالة يَتحدَّث عنِ الأفعالِ الرُّوحيَّة للشَّخصِ الَّذي يَغفِر. فأوَّلاً، سوفَ نَنظُر إلى صِفاتِ الشَّخصِ الغَفور، ثُمَّ إنَّنا سننظُرُ إلى أفعالِ الشَّخصِ الغَفور في الأعداد مِن 8 إلى 18. ثُمَّ إنَّنا سَنَنظُرُ في الأعداد مِن 19 إلى 25 إلى الدَّافِعِ الرُّوحِيِّ للشَّخصِ الَّذي يَغفِر.

وعندما نُنهي هذه الرِّسالة (وسوفَ نَحتاجُ فقط إلى ثلاثة عِظات أخرى لإتمامِها) ستكونونَ قد عَرَفتُم كيفَ يكونُ الشَّخصُ الغَفورُ مِن جهةِ الصِّفاتِ، والأفعالِ، والدَّوافِع. وهذا أمرٌ جَوهريّ. وأَوَدُّ أنْ نَعودُ إلى النُّقطةِ الَّتي ابتدأنا مِنها، يا أحبَّائي، عندما ابتدأتُ في هذا الصَّباح لأقولَ الآتي: أنتَ لا تَكونُ على صُورةِ اللهِ وَمِثالِه أكثرَ مِمَّا تَكونُ عليه حينَ تَغفِر. فقد نِلْتُم الغُفرانَ. وبسببِ غُفرانِ اللهِ لَكم في المسيح، يجب عليكم أنْ تَغفِروا بعضُكم لبعض. وإنْ لم تَغفروا بَعضُكم لبعض، فإنَّ اللهَ سَيَبقى بعيدًا عنكَ مِن جِهةِ العَلاقة، ويَضَعُ يَدَ التَّأديبِ عليكَ عِوَضًا عن يَدِ البَرَكة.

وقد تَسألُ نَفسكَ السُّؤالَ التَّالي: مِن بينِ جَميعِ المواضيعِ الَّتي كانَ بمقدورِ بولس أنْ يَكتُبَ عنها، لماذا اختارَ موضوعَ الغُفران؟ إنَّ هذا السِّفْرَ هُوَ مُجَرَّد رِسالة صغيرة مُستقلَّة، ومُنفرِدَة، ومُختلفة عنِ الرَّسائلِ الأخرى مَحشورة في وَسطِ هذه الرَّسائل العظيمة مُخاطِبَةً شخصًا واحدًا عن مُسامَحَةِ عَبْدٍ واحد. فلماذا كُلُّ هذه الجَلَبَة؟ وأقولُ مَرَّةً أخرى: لأنَّ المؤمِنَ لا يَكونُ على صُورةِ اللهِ ومِثالِه، ولا على مِثالِ المَسيحِ، أكثرَ مِمَّا يَفعل عندما يَغفِر لأنَّ هذه هي طبيعةُ اللهِ وطبيعةُ المسيح الَّتي طُبِّقَتْ علينا تَطبيقًا رائعًا جِدًّا في الخَلاص. فنحنُ نَقرأُ هذا في كُلِّ العهدِ الجديد؟ أليسَ كذلك؟ تَمَثَّلوا بالمسيح! تَمَثَّلوا بالمسيح! اسلُكوا كما سَلَك! تَذَكَّروا يسوعَ المسيح! تَمَثَّلوا بي كما أنا بالمسيح! فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي المَسِيح! وما مَعنى ذلك؟ يجب علينا أن نَتَمَثَّلَ بالمسيح. وما مَعنى أنْ نَتَمَثَّلَ بالمسيح؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ يَعني أن نكونَ ماذا؟ غَفورين. فهكذا نَعرِفُهُ نحنُ: المَسيح الَّذي غَفَرَ لنا كُلَّ خَطايانا.

وَصِفَةُ غُفرانِ اللهِ تُرى في مَثَل الابن الضَّال. وهو غُفرانٌ مُتَحَمِّسٌ، وسَخِيٌّ، ومُحِبّ. ويُمكنُنا أن نَرى شِدَّةَ تَأديبِ الشَّخصِ الَّذي لا يَغفِر مِن خلالِ مَثَل المَلِك والعَبْد. فهذه فِكرة رئيسيَّة في كُلِّ الكتابِ المقدَّس.

يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا الصَّباح لأنَّنا تَمَكَّنَّا مِنْ تَقديمِ هذا السِّفرِ الصَّغيرِ الرَّائع. ونحنُ نُؤمِنُ أنَّهُ في الأسابيعِ القليلة القادمة الَّتي نَدرُسُ فيها الحَقائِقَ المذكورةَ فيه، فإنَّكَ ستُغَيِّرُنا لنصيرَ أكثر شَبَهًا بيسوعَ المسيح الَّذي غَفَرَ لنا كُلَّ خَطايانا، والَّذي صَارَ قُدوةً لنا في الغُفرانِ بِعضُنا لبعض. ويا رَبّ، أنا على يَقينٍ بأنَّهُ حَتَّى في هذا الوقتِ الَّذي نَجتمعُ فيهِ هُنا في هذا الصَّباح في هذه اللَّحظة كي نُصَلِّي فاحِصينَ قُلوبَنا، يُمكِنُنا أنْ نَجِدَ شخصًا ينبغي أنْ نَغفِرَ لَهُ، شخصًا أَساءَ إلينا، أو شخصًا لم يَكُن لَطيفًا مَعَنا، أو لم يَكُن عادِلاً، أو شخصًا جَعَلَ حَياتَنا صَعبة أو مُؤلمة، أو شخصًا غَشَّنا أو سَرَقَ مِنَّا شيئًا عَزيزًا (مَلموسًا كانَ أَمْ غيرَ مَلموس)، أو شخصًا أَسَاءَ تَمثيلَنا. ولكِنْ يا رَبّ، يجب علينا أنْ نَغفِر لأنَّهُ كيفَ نَتَمَثَّلُ بِكَ إنْ لم نَغفِر لأولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ تَحامَقوا وأخطأوا إلينا كَما أَخطأَ الابنُ إلى أبيه؟ وكيفَ نَتَمَثَّلُ بِكَ إنْ خَرَجْنا وَخَنَقْنا شخصًا ما لأنَّهُ لا يَغفِر لنا في حين أنَّنا نَطلُبُ الغُفرانَ مِنك؟

يا أبانا، اجعلنا غَفورين. وإذْ نَدرُسُ هذا السِّفْرَ الصَّغير، يا لَيتَنا نَنْمو في شَخصيَّتِنا وأعمالِنا ودوافِعِنا لِنَصيرَ أشخاصًا غَفورين. نُصَلِّي هذا باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize