في هَذا الصَّباح، أريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على الرِّسَالةِ الأولى إلى تِيموثاوُسَ 1: 18-20. الرِّسَالَة الأولى إلى تِيموثاوُس 1: 18-20. إنَّهُ مَقطعٌ قَصيرٌ جِدًّا مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، ومَقطَعٌ واضِحٌ جدًّا (كَما رأينا مِن خِلالِ دَرْسَيْنا السَّابِقَيْنِ معًا). ولكِن على الرَّغمِ مِن قِصَرِ هَذا المَقطعِ وَوُضوحِهِ فإنَّهُ قَدَّمَ لَنا ثَلاثَ رَسائِلَ حَتَّى اليوم. وَالحقيقةُ هي أنَّني لن أتمكَّنَ مِن إنهاءِ هَذا المَقطعِ اليومَ. لِذا، سوفَ تَكونُ هُناكَ رِسالةٌ رابعَةٌ يَومَ الرَّبِّ القَادِم عَن هذا المَقطعِ القَصير. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّهُ يَفتَحُ أذهانَنا لِحَقٍّ مُهِمٍّ جدًّا وَعَميقٍ جدًّا. اسمَحوا لي أن أقرأَ هذهِ الآياتِ الثَّلاث على مَسامِعِكُم، ثُمَّ سَنَرى مَا يُريدُ اللهُ أن يَقولَهُ لَنا في هذا اليَوم.
الرِّسَالَةُ الأولى إلى تِيموثاوُسَ 1: 18: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ، لِكَيْ تُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ، وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ، الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ، انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ، اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا".
كانَ هَدَفي في يَومِ الرَّبِّ هَذا هُوَ أن أُنهي النُّقطةَ الثَّالثةَ في المُخَطَّطِ، وأنْ أنتَقِلَ يَومَ الرَّبِّ القَادِمِ إلى الأصحاحِ الثَّاني؛ ولكِنْ عِندما ابتدأتُ في النَّظَرِ إلى العَدد 20 (وَهِيَ النُّقطةُ الأخيرةِ في هَذا المُخَطَّطِ المُوْجَز)، وَتَأمَّلتُ في هَذا النَّصِّ، صُدِمْتُ بِسَببِ العِبارَةِ الَّتي تَقول: "اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَان". وَقد وَجَدتُ نَفسي أَبحثُ بِجِدٍّ عَن مَعنى تِلكَ الفِكرة. فَما مَعنى التَّسليم للشَّيطان؟ لِذا، إنْ أردنا أن نَفهمَ أهميَّةَ العَدد 20، يَجِب علينا أن نَفهمَ السِّياقَ الأشمَلَ للتَّسليمِ للشَّيطان. فَحينئذٍ فقط، سَيَصيرُ هَذا النَّصُّ مَفهومًا أكثر بالنِّسبةِ إلينا.
لِذا، أريدُ في هَذا الصَّباحِ (وفي يَومِ الرَّبِّ القادِمِ) أن أتوسَّعَ في فِكرةِ التَّسليمِ للشَّيطان. وَحَتَّى إنِّي أريدُ أن أُوَضِّحَها بِأمثلةٍ مُحَدَّدَةٍ جدًّا وَمُحَدَّدَةٍ جدًّا مِن رَعِيَّتِنا لكي نَفهَمَ تَمامًا مَا تَعنيهِ تِلكَ العِبارَة. فَهِيَ عِبارَةٌ مُرعِبَة: "اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَان". فَيا لَها مِن فِكرةٍ مُرعِبَةٍ أن يُسَلَّمَ شَخصٌ للشَّيطان؛ ولكِنَّ هَذا هُوَ تَمامًا ما يَقولُهُ النَّصُّ. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا فَعَلَهُ بُولُسُ بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْن. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يَدعو تيموثاوسَ إلى فِعْلِهِ بالأشخاصِ الَّذينَ يَستَحِقُّونَ نَفسَ المَصير. فَجُزءٌ مِن خِدمةِ الكَنيسةِ، وَجُزءٌ مِن خِدمةِ اللهِ نَفسِهِ أنْ يَتِمَّ تَسليمُ أُناسٍ مُعَيَّنينَ للشَّيطان.
والكلمة "أَسْلَمْتُهُمَا" في العَدد 20 هي تَرجمةٌ للكلمةِ اليُونانِيَّةِ "باراديدومِي" (paradidomi) ومَعناها: "يُسَلِّم" أو: "يُقَدِّم إلى" أو: "يُحِيْل إلى". وَقد تَكونُ أفضلُ تَرجَمَةٍ تُعَبِّرُ عَنِ المَعنى هُنا هِيَ: "يَتْرُك"... "يَتْرُك". والمَعنى المَقصودُ هُوَ "رَفْعُ اليَدِ عَن شَخصٍ مَا"، أو "رَفْعُ الحِمايَةِ عَنهُ"، أو "تَرْكُهُ للشَّيطان". وَهِيَ نَفسُ الكلمة المُستخدَمَة في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 15: 26 والَّتي تُرْجِمَتْ في التَّرجَمَةِ المُعْتَمَدة: "خَاطَرا بِنَفسيهِما" لأنَّها تَحمِلُ فِكرةَ التَّعَرُّضِ لخَطَرٍ شَديد، أو أن يَكونَ المَرءُ مَكشوفًا تَمامًا، وَبِلا أيَّة حِمايَة، وبِلا أيِّ مَلاذٍ؛ بل أن يُسَلَّمَ تَمامًا للشَّيطان.
وَقد فَعَلَ بولُس ذلكَ في كنيسةِ أفسُس (كَما يَقولُ). وَهُوَ يَدعو تيموثاوسَ إلى القِيامِ بنفسِ العَمَل. وَهَذا يَعني أنَّهُ عَمَلٌ مُهِمٌّ، وأنَّهُ عَمَلُ اللهِ. وهُناكَ مَقطَعٌ مُشابِهٌ لِهذا، وَهُوَ مَقطعٌ يَستخدِمُ نَفسَ الكلمات. وأريدُ أن تَفتَحوا عَليهِ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الخامِس. فالأصحاحُ الخَامِسُ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ يَتحدَّثُ عن شَخصٍ مُذنِبٍ بِأحدِ أشكالِ سِفَاحِ القُرْبَى في الكَنيسَة. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الخَامِسِ عَن هذا الشَّخصِ الَّذي كانَ يَعيشُ مَعَ زَوجَةِ أبيهِ عَلاقَةَ زِنَى: "أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَد". فَفي هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ (أيْ في 1تيموثاوس 1: 20 وَ 1كورنثوس 5: 5)، في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ مِنَ العهدِ الجديدِ، نَجِدُ أنَّ فِكرةَ تَرْكِ شَخصٍ للشَّيطانِ تُذْكَرُ صَراحَةً بتلكَ الطَّريقة.
والآن، اسمَعوا جيِّدًا مَا سَأقول لأنَّهُ مُهِمٌّ لكي تَفهَموا هَذا النَّصَّ. هُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ اليومَ إنَّهُ لا يَجوزُ بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوالِ تَسليمُ أيِّ مُؤمِنٍ للشَّيطان. وأنا أَسمَعُ ذلكَ مِنَ الأشخاصِ الكَارِزماتِيِّينَ دائمًا. ولكِنَّ هَذا يُعارِضُ مَا يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يُعَلِّمُ بوضوحٍ لا فقط أنَّهُ يُمكِنُ تَسليمُ هَؤلاءِ للشَّيطانِ، بل إنَّهُ يُعَلِّمُ أيضًا أنَّ وَاحِدَةً مِنْ خَدَمَاتٍ الكَنيسةِ هِيَ أن تَفعلَ ذلك. فهُناكَ أوقاتٌ وأماكِنُ وأحوالٌ في خُطَّةِ اللهِ يَنبغي فيها تَسليمُ أفرادٍ مُعَيَّنينَ للشَّيطان. وهُناكَ أوقاتٌ وأحوالٌ يَفعلُ فيها اللهُ الشَّيءَ نَفسَهُ.
والآن، اسمَعوني جَيِّدًا فيما نُحَلِّلُ هَذا الأمرَ تَحليلاً كِتابِيًّا. إنَّ التَّسليمَ للشَّيطانِ في كِلتا هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكرتُهُما لَكُم للتَّوِّ يُشيرُ إلى فِكرةِ الطَّرْدِ مِنَ الكَنيسةِ، أوِ الحِرْمانِ مِنَ الشَّرِكَة، أوْ إنْ أرَدْنا أنْ نَسْتَخْدِمَ التَّعبيرَ القَديمَ فإنَّهُ يُشيرُ إلى "الحِرْمانِ الكَنَسِيِّ". فَهُوَ يُشيرُ إلى فِكرةِ قَطْعِ أيَّة عَلاقَة تَربُطُ ذلكَ الشَّخصَ بقِدِّيسي اللهِ وَمائدةِ الرَّبّ. وَهَذا يَعني (بِمُفرداتِ الأصحاحِ الثَّامن عَشَر مِن إنجيلِ مَتَّى) أنْ يُؤخَذَ الشَّخصُ الَّذي يَستَمِرُّ في فِعْلِ الخَطِيَّةِ، ويُطرَدَ مِنَ الكنيسةِ، ويُعامَلَ كَغيرِ المُؤمِن. لِذا، فإنَّ تَسليمَ أشخاصٍ للشَّيطانِ يَعني أنَّهُ قَبلَ ذلك، لم يَكُن هؤلاءِ الأشخاصُ تَحتَ سُلْطَتِهِ تَمامًا؛ وَإلاَّ لَما كانَ يُمكِنُ تَسليمُهُم (أو إحَالَتُهُم أو تَرْكُهُم) للشَّيطانِ لو كانوا تَحتُ سُلطانِهِ الكَامِل.
والآن، نَقرأُ في رِسَالَةِ يوحنَّا الأولى 5: 19 أنَّ العَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّير. فَالعالَمُ كُلُّهُ قَد وُضِعَ بينَ يَديهِ. والعَالَمُ كُلُّهُ قد سُلِّمَ إليهِ بسببِ الخَطيَّة. والوَصِيَّةُ المُوَجَّهَةُ إلى الكنيسةِ بأن تُسَلِّمَ شَخصًا للشَّيطانِ تَعني أنَّ ذلكَ الشَّخصَ لم يَكُن في ذلكَ الوقتِ تَحتَ سَيطرةِ الشَّيطانِ الكَامِلَة. لِذا، لا بُدَّ أنَّنا نَتحدَّثُ عَن أشخاصٍ يَعيشونَ بطريقةٍ أو بأخرى تَحْتَ مِظَلَّةِ الحِمايَةِ الَّتي تُوَفِّرُها الكَنيسَةُ إذْ إنَّ الكَنيسةَ تُوَفِّرُ تلكَ الحِمايَةَ والرِّعايَةَ والمَحَبَّةَ والبَرَكَةَ الإلهيَّة. لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ هُنا عَن أشخاصٍ كَانُوا يَعيشونَ تَحتَ رِعايَةِ الكَنيسةِ في نِطاقِ شَعبِ اللهِ المَفْدِيِّ، وكَانُوا يَتمتَّعونَ بالحِمايَةِ الإلهيَّةِ، وكانُوا يَتمتَّعونَ بِبَرَكَتِهِ؛ ولكِنَّهُم في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ تَخَلَّوْا عن تلكَ الحِمايَةِ وصَاروا مَكشوفينَ تَمامًا للشَّيطان.
وهذا قَد يَسري على المُؤمِنينَ وغيرِ المُؤمِنين. وقد تَقول: "وكيفَ ذلك؟" لأنَّهُ يُوجَدُ أشخاصٌ غيرُ مُؤمِنينَ في الكنيسةِ، كما كَانَ يُوجَدُ أشخاصٌ غيرُ مُؤمِنينَ في جَماعَةِ المَفدِيِّينَ في إسرائيلَ، يَتَمَتَّعونَ مِن خِلالِ الاختِلاطِ بِشَعبِ اللهِ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الحِمايَة. ومِن خِلالِ الرَّذاذِ المُتَطايِرِ هُنا وَهُناكَ فإنَّ الأشخاصَ المُحيطينَ بالمُؤمِنينَ يَحصُلونَ على زَخَّاتٍ مِنَ البَرَكاتِ ويَبْتَلُّونَ هُمْ أيضًا. لِذا فإنَّ اللهَ يُعطي الأشخاصَ غيرَ المُؤمِنينَ المُلْتَصِقينَ بِشَعبِهِ المَفدِيِّ مِقدارًا مُعَيَّنًا مِنَ الحِمايَةِ ومِقدارًا مُعَيَّنًا مِنَ البَرَكَة.
لِنَنظُر إلى بِضعَةِ أمثلةٍ على ذلك. والمِثالُ الأوَّلُ هُوَ مِن سِفْر التَّكوين والأصحاح 18. سِفْر التَّكوين والأصحاح 18. وأعتقدُ أنَّكُم سَتَرَوْنَ أمورًا مُدهشةً جدًّا فيما نَتَفَحَّصُ هذهِ الأمثلة. ففي سِفْر التَّكوين 18: 26، قَالَ اللهُ إنَّهُ سَيُدَمِّرُ مَدينةَ سَدوم، تلكَ المَدينة المُمتلئة بالشَّرِّ، والمَعروفَة بإثْمِها وَمُمارَسَتِها لِخَطِيَّةِ المِثليَّةِ الجِنسيَّة. وَفي العَدد 26، يَقولُ الرَّبُّ في أثناءِ حَديثِهِ مَعَ إبراهيم: "إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ". أليس هذا الأمرُ مُدهشًا؟ فهُناكَ مَدينةُ بأسرِها. وَقَد وَصَلَتْ رَائِحَةُ شَرِّها إلى أنفِ اللهِ إذْ إنَّ خَطِيَّتَهُمْ عَظُمَتْ جِدًّا. فقد كانتِ المَدينَةُ بأسرِها تَستَحِقُّ أنْ يُسْكَبَ غَضَبُ اللهِ عليها؛ ولكِنَّ الرَّبَّ يَقولُ: "إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ". إذًا، هَذِهِ هِيَ الحِمايَةُ الَّتي حَصَلوا عَليها لِمُجَرَّدِ قُرْبِهِم مِنَ الأبرار.
ثُمَّ قالَ إبراهيم: "مَاذا إنْ وَجَدْتَ فيها خَمسةً وأربَعينَ بَارًّا؟ (في العَدد 28). فقالَ الرَّبُّ: "لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ". ثُمَّ إنَّ إبراهيمَ قَال: "ماذا إنْ وَجَدْتَ فيها أربَعينَ بَارًّا؟" فقالَ الرَّبُّ: "لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِين". "وَمَاذا إن وَجَدْتَ فيها ثَلاثين؟" "لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الثَّلاثين". ثُمَّ انظُروا إلى العَدد 32 إذْ إنَّ الرَّقْمَ وَصَلَ إلى عَشرَة؟" فقد قالَ إبراهيم: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ". فقالَ الرَّبُّ: "لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَة". وَهذا مُدهِش! فالمَدينَةُ الَّتي يُوجَدُ بها آلافٌ وَآلافٌ مِنَ النَّاسِ سَيَنْجُونَ بِسَببِ رَغبةِ اللهِ في سَكْبِ نِعْمَتِهِ على عَشَرَةِ أشخاصٍ يَنْتَمونَ إليه. وبالمُناسَبة، لم يَكُن يُوجَدُ فيها عَشَرَةُ أبرار. لِذا فَقد أَهلَكَ اللهُ المَدينَة.
ولكِنَّ النُّقطَةَ الجَوهريَّةَ هِيَ التَّالية: القُرْبُ مِنْ شَعبِ اللهِ المَفدِيِّ والالتصاقِ بِهِ يُوَفِّرُ الحِمايَةَ والحِفْظَ حَتَّى لِغيرِ المُؤمِنين. ويُمكِنُنا أن نَرى ذلكَ في تَاريخِ بَني إسرائيل. فقد كانَ يُوجَدُ في أُمَّةِ إسرائيل الكَثيرُ مِنَ اليَهودِ غيرِ المُؤمِنين، أو كَما قالَ بولُس فإنَّ الكَثيرَ مِنَ اليهودِ لم يَكونوا يَهودًا حَقيقيِّين. فقد كَانُوا يَهودًا بالهُوِيَّةِ فقط، ولكِن ليسَ بالإيمان. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ كُلَّ بَرَكَاتِ اللهِ الغَنِيَّة للأُمَّة، وَوَعْدَهُ لَهُم بأنَّهُ سَيُعطيهم الأرضَ المَوعودَةَ بِكُلِّ مَا فيها مِن غِنَى، وبأنَّهُ سَيَسكُبُ بَرَكَتَهُ العَجيبةَ المُتَمَثِّلَةَ في نِظامِ الذَّبائِحِ والكَهَنوتِ، وكُلَّ حِمايَةِ اللهِ وَرِعايَتِهِ وَدِفاعِهِ عَنهُم ضِدَّ أعدائِهم هِيَ بَرَكاتٌ غَمَرَتِ اليَهودَ غيرَ المُؤمِنينَ في تلكَ الأُمَّةِ بِقَدْرِ مَا غَمَرَتِ اليَهودَ المُؤمِنينَ لأنَّها وَفَّرَتِ الحِمايَةَ والحِفْظَ لِغَيرِ المُؤمِنينَ أيضًا.
والشَّيءُ نَفسُهُ يَسري أيضًا في الكنيسة. فالكنيسةُ تَحوي غيرَ مُؤمِنينَ يَحصُلونَ مِن خِلالِ وُجودِهِمْ في الكَنيسةِ بِصُورَةٍ مَنظورةٍ، ومِن خِلالِ حُضورِهِم واختِلاطِهم بالمُؤمِنينَ على البَرَكَةِ الَّتي يَسكُبُها الرَّبُّ على كَنيسَتِهِ. فَهُم يَحصُلونَ عليها بالمَعِيَّة. وإن أردتُم أن تَرَوْا مَثَلاً على ذلك، افتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على الرسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ السَّابعِ إذْ إنَّ ذلكَ المَبدأَ يَظهَرُ بوُضوحٍ تَامٍّ هُنا. فَهُنا، يَتحدَّثُ بولسُ عَنِ الزَّواجِ وَمسألةِ مَا إذا كانَ يَنبغي للشَّريكِ غيرِ المُؤمِنِ... أو بالحَرِيِّ: مَا إذا كَانَ يَنبغي للشَّريكِ المُؤمِنِ أنْ يَبقى مَعَ الشَّريكِ غيرِ المُؤمِن. فمثلاً إن كُنتِ زَوجَةً مَسيحيَّةً، هَل يَنبغي لَكِ أن تَبقَيْ مَعَ زَوجٍ غيرِ مُؤمِن. وإن كُنتَ زَوجًا مَسيحيًّا، هَل يَنبغي لكَ أن تَبقى مَعَ زَوجةٍ غيرِ مُؤمِنَة؟ وفي العَدد 14، يُجيبُ بولسُ عن هذا السُّؤالِ فيقولُ إنَّ: "الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ". ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ كَلامَهُ فَيَقول: "وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ، وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُون".
بِعبارةٍ أخرى، الزَّوجُ غيرُ المُؤمِنُ، والأولادُ الَّذينَ يَعيشونَ في عَائلةٍ يُوجَدُ فيها شخصٌ غيرُ مُؤمِنٍ يَستَفيدونَ جَميعًا مِن بَرَكَةِ اللهِ. والتَّقديسُ لا يَعني أنَّهُم يَخْلُصونَ، ولا يَعني أنَّهُم يَحصُلونُ على الفِداءِ بسببِ عَلاقاتِهم العَائليَّة؛ بَل إنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ أنَّهُم يَسْتَفيدونَ بالمَعِيَّة لأنَّهُم يَكونونَ حَاضِرينَ عندما تَنْهَمِرُ أمطارُ البَرَكَةِ فَيَبْتَلُّونَ هُم أيضًا. لِذا فإنَّ النُّقطَةَ الَّتي يُبَيِّنُها بُولُسُ هِيَ: لا تُفارِق شَريكَ حَياتِكَ غيرَ المُؤمِنِ لأنَّ هُناكَ بَرَكَةً تَنْتَظِرُهُ (أو تَنتَظِرُها) لِمُجَرَّدِ وُجودِهِ (أو وُجودَها) حَوْلَكَ عندما يَسكُبُ اللهُ نِعمَتَهُ. كَما أنَّ الأبناءَ يَتبارَكونَ وَغالبًا مَا يَخْلُصون.
لِذا فإنَّ الفِكرةَ هي التَّالية: أنَّ المَلاذَ المُتوفِّرَ لِشَعبِ اللهِ يُوَفِّرُ الحِمايَةَ مِنَ الهَجَماتِ الشَّرِسَةِ والشِّرِّيرةِ الَّتي يَشُنُّها الشَّيطانُ. ويُمكِنُنا أن نَستخلِصَ مِن خِلالِ العهدِ القَديمِ أنَّ اليَهودَ غيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ كَانوا يَعيشونَ في أُمَّةِ إسرائيلَ كَانوا في حَالٍ أفضلَ مِنَ اليهودِ غيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ كانُوا يَعيشونَ خَارِجَ أُمَّةِ إسرائيل حيثُ لم يَكُن يُوجَدُ وَعْدٌ بِحِمايَةِ العَهد. ويُمكِنُنا أن نَستخلِصَ أيضًا في العهدِ الجديدِ أنَّ غيرَ المُؤمِنِ الَّذي يَأتي إلى الكنيسةِ ويَنخرِط مَعَ الكنيسةِ هُوَ في حَالٍ أفضل مِن غيرِ المُؤمِنِ الَّذي يَعيشُ بَعيدًا عَنِ الكنيسةِ ويَتعرَّضُ لِهَجماتِ الشَّيطانِ الشَّرِسَةِ ويَقَعُ بينَ ذِراعَيِّ الشِّرِّير لأنَّهُ كَما أنَّ اللهَ يُنْعِمُ على خَاصَّتِهِ فإنَّ الأشخاصَ القَريبينَ مِن خَاصَّتِهِ يَستفيدونَ بطريقةٍ مَا مِن ذلكَ الصَّلاح. وَهَذا يُفَسِّرُ سَبَبَ رَغْبَةِ أشخاصٍ كَثيرينَ في التَّسَكُّعِ في الكَنيسةِ على الرَّغمِ مِن أنَّهُم لا يَرغَبونَ في قَبولِ المَسيحِ الَّذي هُوَ رأسُ الكَنيسة.
والآن، مِنَ المُهِمِّ أن تُلاحِظُوا إذًا أنَّ تَسليمَ أشخاصٍ مُعَيَّنينَ للشَّيطانِ يَعني أنْ يُحْرَمُوا مِنَ الحِفْظِ والحِمايَةِ الَّتي يَحصُلُ عليها المُؤمِنونَ إذْ إنَّهُم يُسَلَّمونَ تَمامًا للشَّيطانِ لأنَّ اللهَ يَرفَعُ تَمامًا يَدَهُ الحَامِيَةَ الَّتي كَانُوا يَتَمَتَّعونَ بها إلى حَدٍّ مَا. والآن، أريدُ مِنكُم أن تَفهَموا كيفَ يَتِمُّ هَذا الأمر. لِذا، أريدُ أن نَرجِعَ إلى العهدِ القديمِ وإلى العهدِ الجديدِ في هذا الصَّباحِ وأن نَرى أنَّ اللهَ... اسمَعوني جيِّدًا... يَعملُ لأسبابِهِ الشَّخصيَّةِ الخَاصَّةِ على حِرْمانِ أشخاصٍ مِنَ الحِمايَةِ الَّتي تَتمتَّعُ بها الجَماعَةُ المُؤمِنَةُ ويُسَلِّمُ هَؤلاءِ للشَّيطان. فَاللهُ نَفسُهُ يَفعلُ ذلك. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا ذلكَ مِن خِلالِ العَديدِ مِنَ الأمثلةِ الكِتابيَّة.
لِنَفتَح على سِفْرِ أيُّوب. وسوفَ تَكونُ هذهِ نُقطةُ البِداية. سِفْر أيُّوب. ففي سِفْرِ أيُّوب والأصحاحِ الأوَّل، نَقرأُ عَن هذا الرَّجُلِ الَّذي كانَ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. ونَقرأُ عَنهُ مَا يَلي: "وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا. فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ". فَقد كانَ هَذا الرَّجُلُ حَيَّ الضَّميرِ رُوحِيًّا حَتَّى إنَّهُ كانَ يَحفَظُ قَلبَهُ طَاهِرًا أمامَ اللهِ وَيُقَدِّمُ الذَّبائِحَ عَن جَميعِ أبنائِهِ وَبَناتِهِ خَشْيَةَ أن يَكونوا قَد أَخطَأوا في قُلوبِهم لأنَّهُ أرادَ أن يَتَيَقَّنَ مِن أنَّ تلكَ الخَطِيَّة قد كُفِّرَ عَنها. فقد كانَ هَذا الرَّجُلُ بَارًّا، بل إنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَكثرِ النَّاسِ صَلاحًا. وَكَانَ أعظمَ كُلِّ بَنِي المَشرِق.
والآن، نَقرأُ في العَددِ السَّادِس: "وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ [أيِ المَلائِكَةُ] لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ". وَنَحنُ لا نَعلَمُ مَتى حَدَثَ ذلك، ولا نَعلَمُ مَا هِيَ المُناسَبَة، ولا نَعلَمُ مَا هِيَ الظُّروفُ آنذاك. فَهذا هُوَ كُلُّ ما نَعلَمُهُ: أنَّ المَلائِكَةَ جَاءَتْ لِتَمْثُلَ أمامَ الرَّبِّ. "وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ". وَهُوَ ذلكَ المَلاكُ السَّاقِطُ الَّذي يُدعَى "لوسيفَر". فَقد جَاءَ أيضًا. "فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا»". وَهَذا يُخبِرُنا كَيفَ يَصرِفُ الشَّيطانُ وَقتَهُ. "فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ»". هَل جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟
وَكما تَرَوْنَ فإنَّ الشَّيطانَ يُريدُ دَائِمًا أن يُضْعِفَ عَمَلَ اللهِ، ويُريدُ دَائِمًا أن يَهْدِمَ عَمَلَ اللهِ، ويُريدُ دَائِمًا أن يُزَعزِعَ مَكانَةَ الله. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّهُ كانَ هُناكَ لكي يَتَّهِمَ اللهَ أمامَ بَقِيَّةِ المَلائكةِ المَاثِلينَ هُناك. فقد أرادَ أن يُظْهِرَ اللهَ بِمَظهَرٍ سَيِّءٍ. فَهَذا هُوَ مَا يُريدُه. لِذا فقد قالَ لَهُ اللهُ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ لأنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ؟" "فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟" هَل تَظُنُّ أنَّهُ يُحبُّكَ وَيَتَّكِلُ عليكَ ويُؤمِنُ بِكَ بالطَّريقةِ الَّتي يَفعلُهُا مَجَّانًا؟ هل تَظُنُّ أنَّهُ يَفعلُ ذلكَ لِمُجَرَّدِ أنَّ قَلبَهُ الطَّاهِرَ يُمْلي عَليهِ ذلك؟ "أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ". لِمَ تَظُنُّ أنَّهُ يَعبُدُكَ؟ لأنَّهُ شَخْصٌ نَفْعِيٌّ. فَهُوَ يَعلَمُ مَنِ الَّذي يُعطيهِ كُلَّ هذهِ الخَيرات. مَا أعنيهِ هُوَ أنَّ الأمرَ بَسيطٌ. فَهُوَ يَعرِفُ كَيفَ يَفتَحُ بَابَ البَرَكَة. فَهُوَ يَعْبُدُكَ فَتُحْسِنُ إليهِ وَتُغدِقُ كُلَّ البَرَكَاتِ عليه. لا شَكَّ في أنَّهُ تَقِيٌّ، ولكِنَّهُ لا يَتَّقيكَ بِلا مُقابِل. "وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ..." [وَهَذا هُوَ كَلامُ الشَّيطانِ في العَددِ الحَادي عَشَر] "...وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ". أيْ: "إنْ حَرَمْتَهُ مِن تلكَ الأشياءِ فإنَّهُ سَيُجَدِّفُ عَليكَ في وَجهِكَ".
"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ [رَكِّزوا في هَذا]: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ". ضَعُوا خَطًّا تَحتَ تلكَ الجُملة. "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ". لَقد سَلَّمَ اللهُ أيُّوبَ للشَّيطان. فَلا جِدالَ في ذلك. فاللهُ سَلَّمَ أيُّوبَ للشَّيطان. وَقد كانَ ذلكَ العَمَلُ عَمَلاً إلهيًّا تَمَّ بِسيادَةِ الله. "وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ". أيْ: يُمكِنُكَ أن تَفعلَ مَا تَشاء بالأشياءِ الَّتي لَهُ، ولكِنْ لا تَمُدَّ يَدَكَ إليهِ. "ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ". فَقَدْ تَمَّ تَسليمُ أيُّوب للشَّيطان. "وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: «الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ»".
لَقد فَعَلَ الشَّيطانُ أمورًا عَديدة. فقد عَمِلَ مِنَ الدَّاخِلِ وَبَثَّ رُوحَ الكَراهِيَةِ في قَلبِ السَّبَئِيِّينَ فَجَاءُوا وَأخذُوا جُزءًا مِن مَاشِيَتِه. وَقَدْ جَعَلَ الشَّيطانُ أشخاصًا يُوْقِدونَ نَارًا أَحْرَقَتْ كُلَّ مَحاصيلِهِ وَماشِيَتِه. وَقد جَاءَ الكَلْدانِيُّونَ. فقد بَثَّ رُوحَ العَداوَةِ في قُلوبِ الكَلْدانِيِّين. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الشَّيطانَ يُحَرِّكُ كُلَّ القُوَى البَشريَّة. "فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ". وبذلكَ خَسِرَ أيُّوبُ كُلَّ الجِمالِ والغِلمان. ونَقرأُ في العَدد 19: "وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ". فَقَدْ قَضَى على كُلِّ شَيءٍ لَديهِ. لَقد قَضَى على كُلِّ شَيءٍ لَديه: على كُلِّ مَحاصيلِهِ، وكُلِّ مَواشِيه، وكُلِّ أبنائِهِ وَبناتِهِ. "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ..." وَلَعَنَ اللهَ. هَل هَذا هُوَ ما يَقولُهُ النَّصُّ؟ لا، بل إنَّهُ "خَرَّ عَلَى الأَرْضِ..." [وَفَعَلَ مَاذا؟] "...وَسَجَدَ، وَقَالَ: عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ..." ثُمَّ استَمِعوا إلى ما قَالَهُ. فَماذا قال؟ "فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا".
"فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً". وَقَد تَقول: "ومَا المَغزَى مِن ذلك؟" المَغزَى هُوَ التَّالي: لَقد بَيَّنَ اللهُ نُقطةً مُعَيَّنَةً لإبليسَ ولِجميعِ الأشخاصِ الَّذينَ قَرأوا تلكَ القِصَّة. والنُّقطَةُ هِيَ كَالتَّالي: أنَّ الإيمانَ الحَقيقيَّ المُخَلِّصَ لا يَتوقَّفُ على الظُّروفِ الإيجابيَّة. هذهِ هي النُّقطَة. ويا لَها مِن نُقطَة! فقد ظَنَّ الشَّيطانُ قَائِلاً: "إنَّ هَؤلاءِ النَّاسَ يَتبعونَكَ لأنَّكَ تُعطيهم تلكَ الأشياء". وما يَقولُهُ الرَّبُّ هُوَ: "سوفَ أُخبِرُكَ شَيئًا وَهُوَ أنَّهُ عِندما أَفدي حَياةً، وأُغَيِّرُ حَياةً، وعِندما تَتغيَّرُ تلكَ الحَياةُ ويُحِبُّني ذلكَ الإنسانُ مَحَبَّةً حَقيقيَّةً فإنَّ تلكَ المَحَبَّةَ ليست قَائمةً على الظُّروف". ومِن جِهَة فإنَّ أيُّوبَ هُوَ مُجَرَّدُ تَأكيدٍ إضافِيٍّ وَحَسْب لتلكَ النُّقطة. فاللهُ يُوَضِّحُ هذهِ النُّقطَةَ للشَّيطان. ولكي يُوَضِّحَ هذهِ النُّقطةَ فإنَّهُ يَستخدِمُ أيُّوبَ. والنُّقطَةُ هِيَ أنْ يُبَيِّنَ قُوَّةَ واستِمرارَ وَثَباتَ الإيمانِ الحَقيقيِّ المُخَلِّصِ، والمَحَبَّةِ الحَقيقيَّةِ لله. وَهذهِ نُقطةٌ رائعة!
فأنا أَسمَعُ طَوالَ الوقتِ عَن سِفْرِ أيُّوبَ أنَّ الغَايَةَ مِن سِفْرِ أيُّوب هِيَ أن يُعَلِّمَنا كيفَ نَتعامَلُ مَعَ الألَم. ولكِنَّ النُّقطةَ الرَّئيسيَّةَ مِن سِفْرِ أيُّوب هِيَ أن يُرينا شَخصيَّةَ الإنسانِ التَّقِيِّ. فَشخصيَّةُ الإنسانِ التَّقِيِّ تَتَمَثَّلُ في أنَّهُ يُحِبُّ اللهَ ويَعبُدُهُ لا بِسببِ الأشياءِ الَّتي يُعطيها اللهُ إيَّاها، بَل بِسببِ التَّكريسِ الطَّاهِرِ وَحَسْب. فَقد كَانَ شَخصًا يَثِقُ بالله.
وَقد عَادَ الشَّيطانُ. وفي هذهِ المَرَّةِ أيضًا كانَ هُناكَ اجتماعٌ في الأصحاحِ الثَّاني، فَقالَ الشَّيطانُ الكَلامَ نَفسَهُ. "فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟" فَقالَ الشَّيطانُ: "سَلِّمْهُ لي مَرَّةً أخرى". لِذا، نَقرأُ في العَدَدِ السَّادسِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني أنَّ الرَّبَّ قَالَ للشَّيطان: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ". في هَذِهِ المَرَّة، يُمكِنُكَ أن تَضْرِبَهُ، وَلكِنْ لا يُمكِنُكَ أن تَقتُلَهُ. لا يُمكِنُكَ أن تَقتُلَهُ. "فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ". لاحِظُوا هَذا يا أحبَّائي: الشَّيطانُ يَستطيعُ أن يَجلِبَ المَرَضَ. الشَّيطانُ يَستطيعُ أن يَجلِبَ المَرَضَ. "فَأَخَذَ [أيُّوبُ] لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ". وَهَذا رَمْزٌ لِحِدادِهِ وَحُزْنِهِ. ثُمَّ إنَّ امْرَأَتَهُ (الَّتي لم تَكُنْ مُعيْنًا لَهُ، ولم تَكُن تُشبِهُ المَرأةَ المَذكورَ في الأصحاحِ الحَادي والثَّلاثين مِن سِفْرِ الأمثالِ) جَاءت وَقالَتْ لَهُ: "الْعَنِ الله وَمُتْ!" "فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ".
وَهَذا مُدهِشٌ جدًّا! فاللهُ يُوَضِّحُ نُقطةً مُهِمَّةً جدًّا بشأنِ طَبيعةِ الخَلاصِ الحَقيقيِّ، وبشأنِ طَبيعةِ الصَّلاحِ الحَقيقيِّ، وبشأنِ طَبيعةِ القَلبِ المُستقيمِ حَقًّا. فالشَّخصُ الَّذي يُحِبُّ اللهَ حَقًّا هُوَ ليسَ شَخصًا يُحِبُّ اللهَ بسببِ الخَيراتِ الَّتي يَحصُلُ عليها، بَل هُوَ شَخصٌ يُحِبُّ اللهَ لِشَخصِهِ وَحَسْب. هذهِ هي النُّقطَة. وَقد تَقول: "حسنًا، ولكِن لم يَكُن مِنَ الإنْصافِ في شَيءٍ أنْ يَتعرَّضَ أيُّوبُ لِكُلِّ هذا الألمِ لِمُجَرَّدِ تَوضيحِ هذهِ النُّقطة". حَقًّا؟ إذًا، يَنبغي لكَ أن تَنظُرَ إلى مَا وَراءِ حَياةِ شَخصٍ وَاحِدٍ وأن تَرى حَقيقةَ أنَّ اللهَ كَانَ يُبَيِّنُ تلكَ النُّقطَةَ إلى انقِضاءِ الدَّهر. وَقد كَانَ لَهُ مُطْلَقُ الحَقِّ في القِيامِ بذلك.
وَهَل تَعلَمونَ كَيفَ تَسيرُ بَقِيَّةُ القِصَّة؟ لقد كانَ هُناكَ بِضعَةُ أصدقاءٍ لأيُّوب جَاءُوا إليهِ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ وقَدَّمُوا إليهِ الكَثيرَ مِنَ الآراءِ الشَّخصيَّةِ في الأصحاحاتِ المُمتدَّةِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ إلى الأصحاحِ السَّابِعِ والثَّلاثين. وَكما تَعلمونَ، فإنَّنا نَسمَعُ طَوالَ ثَلاثةٍ وثلاثينَ أو أربعةٍ وثَلاثينَ أصحاحًا كَلامًا مُزعِجًا. وفي مُنتَصَفِ ذلكَ الكَلامِ، نَرى أنَّ أيُّوبَ كَانَ حَزينًا وَمُنسَحِقَ القَلب. فالأصحاحاتُ 3-10 تُرينا حُزْنَ أيُّوب. فقد كانَ يَتألَّمُ حَقًّا. فقد كانَ مُتَألِّمًا: "لَيْتَ كَرْبِي وُزِنَ، وَمَصِيبَتِي رُفِعَتْ فِي الْمَوَازِينِ جَمِيعَهَا" (في الأصحاحِ السَّادسِ والعَددِ الثَّاني). وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ العَاشِر: "قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي". وَهُوَ يَقولُ للهِ في العَددِ الثَّاني مِنَ الأصحاحِ العَاشِر: "لاَ تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي!". "مَا هَذا الَّذي تَفعَلُهُ بي؟ أريدُ أن أَعلَمَ وَحَسْب مَا الَّذي يَجري. لا يُمكِنُني أن أفهمَ ذلك، ولا يُمكنُني أن أُفَسِّرَ ذلك. فقد خَسِرتُ مَحاصيلي، ومَاشِيَتي، وأبنائي، وبَيتي. وَقد خَسِرتُ صِحَّتي. وكُلُّ مَا تَبَقَّى لَديَّ هُوَ زَوجَةٌ أتمنَّى لو كانَ بِمَقدوري أن أُقايِضَها بِعَدَدٍ مِن تلكَ الأشياءِ الَّتي خَسِرتُها. وفي هَذا كُلِّه، ليسَت لَديَّ أَدنى فِكرة عَمَّا يَجري. لِماذا تَفعلُ هَذا؟"
ولكِنَّ أيُّوبَ لَم يَحْظَ بِجَواب. فقد كانتِ السَّماواتُ صَامِتَةً. لقد كانت صَامِتَةً تَمامًا. وفي أثناءِ ذلكَ الصَّمتِ المُطْبِقِ مِنْ جَانِبِ اللهِ، جَاءَ كُلُّ هؤلاءِ الأشخاصِ وقَدَّمُوا إجاباتِهِم المَغلوطَة. وأخيرًا، وبِصورةٍ رَائعةٍ، نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامِنِ والثَّلاثينَ أنَّ اللهَ تَكَلَّمَ إذْ نَقرأُ: "فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَة". وهَل تَعلمونَ مَاذا قالَ الرَّبُّ؟ لم يَقُلِ الرَّبُّ: "حسنًا، انظُر يا أيُّوب، أريدُ أن أَقولَ لكَ شَيئًا عَمَّا حَدَث. سأُخبِرُكَ عن سَبَبِ قِيامي بذلك. في البداية، لقد جاءَ الشَّيطانُ ذاتَ يَومٍ وَقالَ كَذا". اسمعوني: لم يَعرِف أيُّوبُ سَبَبَ مَا جَرى إلاَّ عندما قَرأَ هَذا السِّفْرَ في وَقتٍ لاحِقٍ؛ وَهُوَ شَيءٌ لا أَظُنُّ أنَّهُ فَعَلَهُ. فهو لم يَعرِف ذلك. فهو لم يَعرِف مَاذا حَدَثَ في الأصحاحَيْنِ الأوَّل والثَّاني. فقد حَدَثَ ذلكَ في السَّماء. وَهُوَ لم يَعرِف ذلك.
وعندما كَلَّمَهُ اللهَ فإنَّهُ لم يُخْبِرْهُ بذلك، بَل إنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ في الحَقيقة: "لماذا تَطرَحُ هَذا النَّوعَ مِنَ الأسئلة؟ أينَ كُنتَ عِندَما خَلقتُ أنا العَالَم؟ أينَ كُنتَ عِندما وَضَعْتُ الأساساتِ؟ أينَ كُنتَ عِندَما خَلَقْتُ الجِبالَ والبِحار؟ أينَ كُنتَ عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ عندَ الخَلْقِ؟ مَا الَّذي تَعرِفُهُ عنِ الحَياة؟ مَا الَّذي تَعرِفُهُ عَنِ المَوت؟" بِعبارةٍ أخرى، إنَّ مَا قَالَهُ لَهُ هُوَ: "سَوفَ أفعلُ ما أشاء. وَمَنْ أنتَ حَتَّى تَسْتَجْوِبَني؟" فقدِ اكتَفى الرَّبُّ بإظهارِ نَفسِهِ، وقُدرَتِهِ الفَائِقَةِ، وشَخصِه.
وَأخيرًا، فَهِمَ أيُّوبُ الرِّسالةَ في الأصحاحِ الثَّاني والأربَعين. "فَأَجَابَ أَيُّوبُ الرَّبَّ فَقَالَ: «آه، أنا أفهَمُ الآنَ مَا حَدَث وأُدرِكُ ما حَدَث. فأنتَ تَستطيعُ أن تَفعلَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ. فَمَنْ ذَا الَّذِي يُخْفِي الْقَضَاءَ بِلاَ مَعْرِفَةٍ؟ وَلكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا". أتَعلَمونَ مَاذا يَقول؟ "يا رَبُّ، أنا أفهَم. أنتَ هُوَ اللهُ، وأنتَ هُوَ صَاحِبُ السُّلطان، ويُمكِنُكَ أن تَفعلَ أيَّ شَيءٍ، وأنتَ تَعرِفُ كُلَّ شَيءٍ، وأنتَ لَديكَ كُلُّ الامتيازات. لَقد كُنتُ أحمقَ لأنِّي فَتَحْتُ فَمِي. أنا آسِف. "قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا. اِسْمَعِ الآنَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ. أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِي. بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي". وَما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ "لَقد كُنتُ أعرِفُ عَنكَ فقط مِن خِلالِ السَّمْعِ، ولكنِّي أعرِفُ الآنَ عَنكَ مِن خِلالِ اختباري الشَّخصيّ. فَقد رَأيتُكَ تَعمَل. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ".
لَقَدْ أَظهَرَ هَذا الرَّجُلُ المَحبوبُ تَقْواه. فقد أجابَ الجَوابَ الصَّحيح. فقد قال: "نَعم يا رَبّ، إنَّ الخَطأَ في هذا كُلِّهِ هُوَ خَطأي أنا لأنِّي لم أُدرِك سِيادَتَكَ في أن تُعطي وأن تَأخُذ. فَما قُلتُهُ في البِدايَةِ كَانَ صَائِبًا: ’الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا‘. فَمَنْ أنا لأَشُكَّ فيكَ؟ يا رَبُّ، أنتَ تَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أن تَفعلَ مَا تَشاء".
اسمَعوني: إنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ مِن هَذا السِّفْرِ هِيَ أن يُبَيِّنَ طَبيعَةَ التَّقوى الحَقيقيَّة، وأن يُبَيِّنَ الحَقيقةَ الرَّاسِخَةَ في حَياةِ الإنسانِ المَفديِّ وهي أنَّهُ لا يُمكِنُهُ في أيِّ حَالٍ مِنَ الأحوالِ أن يَتَخَلَّى عَنْ إلهِهِ، ولا يُمكِنُ لأيِّ ضَغطٍ أن يَجعلَهُ يُنكِر إلهَهُ بسببِ أيَّة خَسارة أو أيِّ شَيءٍ. فَهُوَ يَظَلُّ أمينًا. وقد جَاءَني شَخصٌ في هذا الصَّباحِ بعدَ العِظَةِ الأولى وقال: "أعتقدُ أنَّ هَذهِ هِيَ أوَّلَ مَرَّةٍ في حَياتي أَفهَمُ فيها سَبَبَ سَماحِ اللهِ بِكُلِّ هذا الألمِ في حَياتي. فأنا لم أفهَم ذلكَ مِن قَبل. فَقد فَكَّرْتُ في كُلِّ سَبَبٍ. وكانَ النَّاسُ يَقولونَ لي: ’لا نُصَدِّقُ أنَّكَ مَا زِلتَ تُؤمِنُ باللهِ كُلَّ هذا الإيمانِ على الرَّغمِ مِن كُلِّ هذهِ المَصائِب‘. ولكنِّي أَفهَمُ الآنَ أنَّ هَذهِ هي النُّقطة الرَّئيسيَّة".
فإن كانَ يُوجَدُ سَبَبٌ لذلكَ فإنَّهُ أنْ يُظْهِرَ طَبيعَةَ الاهتِداءِ الحَقيقيِّ. أَتَرَوْن؟ وَأنْ يُظْهِرَ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لله. وَقد غَيَّرَ ذلكَ فَهْمَ أيُّوبَ المَحدودَ وَجَعَلَهُ فَهْمًا أعظَمَ للهِ. وَلا شَكَّ في أنَّ اللهَ سَكَبَ بَركاتٍ عَظيمةً على أيُّوبَ في العَددِ السَّابِعِ إذْ إنَّهُ رَدَّ إليهِ أكثرَ مِمَّا كَانَ لَديهِ في السَّابِق. فقد بَارَكَهُ اللهُ بَرَكَةً عَظيمةً جدًّا. وقد مَاتَ في النِّهايةِ، ولكِن ليسَ قَبلَ أنْ يَكونَ شَيْخًا وَشَبْعَانَ الأَيَّامِ (كَما يَقولُ العَدد 17). فَقد بَارَكَهُ اللهُ بأجمَلِ بَناتٍ في الأرض، وَبَارَكَهُ بأكثرِ الصِّبْيانِ وَسَامَةً في الأرض، وَبارَكَهُ بأفضلِ المَحاصيل. أجل، هُناكَ أوقاتٌ يُكافِئُ اللهُ فيها الشَّخصَ الأمين. ولكِنْ أحيانًا... لاحِظوا مَا سَأقول: قَد يَختارُ الرَّبُّ بِسِيادَتِهِ وَلِقَصْدٍ لَديهِ أن يُسَلِّمَ واحِدًا مِن خَاصَّتِهِ للشَّيطانِ لمَقاصِدِهِ الخَاصَّةِ، وَرُبَّما ليسَ لِقَصْدٍ آخرَ سِوى أنْ يُبَيِّنَ للعَالَمِ المُراقِبِ قُوَّةَ وَطَبيعَةَ الاهتداءِ الحَقيقيِّ حَتَّى يَرى العَالَمُ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُحِبُّونَ اللهَ لا يُحِبُّونَهُ لأجلِ عَطاياه، بَل يُحِبُّونَهُ لِشَخصِه. ولكِنَّ لاهُوتَنا الضَّعيفَ والمُبْتَذَلَ والضَّحْلَ اليومَ يَجهَلُ ذلك. ولكِنَّ اللهَ استَخدَمَ أيُّوبَ لكي يُبَرْهِنَ على طَبيعَةِ المَحبَّةِ الحَقيقيَّةِ للهِ والتَّكريسِ الحَقيقيِّ لله. يَا لَها مِن فِكرةٍ رائعة!
وَقد كانَ ذلكَ الاختبارُ مُفيدًا جدًّا لأيُّوب لأنَّهُ تَعَلَّمَ عن سِيادَةِ اللهِ، وتَعَلَّمَ أنْ يُحِبَّ اللهَ بِعُمْقٍ أكبر. فقد وَجَدَ في ذَاتِهِ خَطايا لم يَكُن يَعلَمُ أنَّها مَوجودة. وقد فَهِمَ فَهمًا أعمقَ الحَاجَةَ المُلِحَّةَ لإخضاعِ نَفسِهِ للسِّيادَةِ الإلهيَّةِ أيًّا كانَ الثَّمَن. لِذا فإنَّ المُؤمِنَ الحَقيقيَّ قَد يُسَلَّم للشَّيطان كي يُعطي مَجدًا أعظمَ لله. ولكِنَّ الشَّيطانَ يَبقى مَحدودًا في قُدرَتِهِ. أليسَ كذلك. فأوَّلاً، لقد قالَ اللهُ لَهُ: "لا يُمْكِنُكَ أنْ تَمَسَّهُ". وَقَد قَالَ لَهُ في المَرَّةِ الثَّانية: "يُمكِنُكَ أنْ تَمَسَّهُ ولكن لا يُمكِنُكَ..." ماذا؟ "...لا يُمكِنُكَ أنْ تَقتُلَهُ". فهُناكَ دائمًا قُيودٌ مُعَيَّنة حَتَّى عندما يُسَلَّمُ المَرءُ للشَّيطان.
لا تُدْهَشُوا، يا أحبَّائي، إنْ وَجَدْتُم في كَنيسةِ يَسوعَ المَسيحِ أشخاصًا لا يَجِدونَ أيَّ سَبَبٍ قَد يَجعلُ اللهَ يَرفَعُ يَدَ الحِمايَةِ والبَرَكَةِ عَنهُم تَمامًا حَتَّى إنَّهُم يَتعرَّضونَ لِنَفسِ التَّشويشِ الَّذي لا يُحسَدونَ عليهِ كَما حَدَثَ مَعَ أيُّوب. فَهُم لا يَفهمونَ سَبَبَ حُدوثِ ذلك، ولا يَجِدونَ أيَّ تَفسيرٍ بَشَرِيٍّ لِحدوثِ ذلك. والجَوابُ قَدْ يُوْجَدُ فقط عِندَ اللهِ. وَقد يُتاحُ لَنا أو لا يُتاحُ لَنا أن نَعرِفَهُ. ولكِنَّ اللهَ لَديهِ مَقاصِد مُقَدَّسَة. وَبِنِعمَتِهِ، سَيَأتي وَقْتُ الرَّدِّ وَوَقْتُ البَرَكَةِ العَظيمَة.
والآن، لِنَنظُر مَعًا إلى مَثَلٍ آخَرَ على ذلكَ مِن إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ الرَّابع. وأريدُ أن أُريكُم شَيئًا مُدهشًا أيضًا. إنجيل مَتَّى والأصحاح الرَّابع. والآن، نَجِدُ هُنا عَملاً آخرَ إذْ إنَّ اللهَ يُسَلِّمَ شَخصًا آخرَ للشَّيطان. وَهُوَ في هذهِ المَرَّةِ شَخصًا أكثرَ بِرًّا مِن أيُّوب، وشَخصًا أكثَرَ كَمالاً مِن أيُّوب، وشَخصًا خَالِيًا تَمامًا وكُلِيًّا مِنَ الخَطِيَّة. إنَّهُ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ شَخصيًّا. لاحِظُوا مَا جَاءَ في إنجيلِ مَتَّى 4: 1: "ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوح". فَقَدْ أُصْعِدَ مِنَ الرُّوح. ونَقرأُ في إنجيل مَرقُس 1: 12: "وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ". وَما القَصْدُ مِن ذلك؟ لاحِظوا: " لِيُجَرَّبَ [أوْ يُمْتَحَنَ] مِنْ إِبْلِيسَ".
والآن، استَمِعوا إلى مَا سَأقول: لَقد سَلَّمَ اللهُ لا أيُّوبَ فقط إلى إبليس، بَل سَلَّمَ المَسيحَ إليهِ أيضًا. هَذا هُوَ تَمامًا مَا يَقولُهُ النَّصُّ. فقد سَلَّمَ المَسيحَ إلى الشَّيطان. فَكما أنَّ اللهَ وَضَعَ أيُّوبَ في يَدَيِّ الشَّيطانِ وَبَرْهَنَ على طَبيعَةِ الخَلاصِ الحَقيقيِّ، وَبَرْهَنَ على إيمانِ أيُّوبَ الحَقيقيِّ، فإنَّهُ وَضَعَ ابنَهُ الحَبيبَ أيضًا في يَدَيِّ الشَّيطانِ لكي يُبَرهِنَ على طَبيعَتِهِ ويُظْهِرَ أنَّهُ لن يَنْكَسِرَ، وَأنَّهُ لن يَهْتَزَّ، وَأنَّهُ سَيُبَرهِنُ على أنَّهُ اللهُ-الإنسانُ الكَامِل. وسوفَ تُلاحِظونَ في العَددِ الثَّاني أنَّ هذهِ التَّجربةَ استَمرَّت أربَعينَ نَهارًا وأربَعينَ لَيلةً. وأعتقدُ أنَّ التَّجربةَ حَدَثَتْ لا في النِّهايةِ فقط، بل أعتقدُ أنَّنا إذا نَظَرْنا إلى كُلِّ مَا ذُكرَ في جَميعِ الأناجيلِ سَنَجِدُ أنَّهُ كَانت هُناكَ تَجرِبَة طَوالَ ذلكَ الوقت.
ولا شَكَّ في أنَّ الصِّيامَ أربَعينَ نَهارًا وأربَعينَ لَيلةً هُوَ أمرٌ شَاقٌّ جدًّا. لِذا، كانَ يَسوعُ ضَعيفًا جدًّا. وفي نِهايةِ تلكَ الفَترةِ الَّتي استَمرَّت أربَعينَ نَهارًا وأربَعينَ لَيلةً، نَقرأُ عَن ذُروةِ تلكَ التَّجربة. ولكِنَّ هَذا لا يَعني أنَّ التَّجربةَ لم تَحدُث إلاَّ في النِّهاية. فأنا أعتقدُ أنَّهُ جُرِّبَ طَوالَ تلكَ الفترةِ، وَأنَّ تلكَ التِّجربةَ انْتَهَتْ بتلكَ الذُّروة في النِّهاية. وَقد كانت فَترةً مِنَ الضَّعفِ الشَّديدِ على الصَّعيدِ الجَسَدِيِّ لأنَّهُ لم يَأكُل وَلم يَشرَب. وَقد كانت فَترةً مِنَ الوَحدَةِ الشَّديدة. وَقد قَرأتُ كِتابًا لواحِدٍ مِنَ الطُّهورِيِّينَ في هذا الأسبوعِ قَالَ فيهِ إنَّ الشَّيطانَ قُرْصانٌ يَبحثُ عَن سَفينةٍ تُبْحِرُ وَحْدَها مِن دُونِ أُسطُولٍ.
فالشَّيطانُ قُرْصانٌ يَبحَثُ عن سَفينَةٍ تُبْحِرُ وَحْدَها مِن دُونِ أُسطولٍ؛ أيْ يَبحَثُ عن مُؤمِنٍ مُنعَزِلٍ وَوَحيدٍ، ومِن دُونِ حِمايةِ الآخرين. وَها هُوَ المَسيحُ وَحيدًا طَوالَ أربَعينَ نَهارًا وأربَعينَ لَيلة. وَهُوَ ضَعيفٌ، وَيَسيرُ في مَكانٍ وَصَفَهُ "جورج آدم سميث" (George Adam Smith) بأنَّهُ الأرضُ الخِرْبَةُ ذي الصُّخورِ الجِيريَّةِ الصَّفراء، والمَكانُ القَاحِلُ عندَ تلكَ المُنحَدَراتِ المُطِلَّةِ على البَحرِ المَيِّتِ مِنَ الجِهَةِ الخَلفيَّةِ لِجَبَلِ أورُشَليم. حِينئذٍ جَاءَ الشَّيطانُ إليهِ بِسَماحٍ مِنَ اللهِ الَّذي أَصْعَدَ يَسوعَ إلى هُناكَ مِنَ الرُّوح. وَقَدْ جَرَّبَهُ الشَّيطانُ. وَقد جَرَّبَهُ في الأمورِ الَّتي سُمِحَ لَهُ أنْ يُجَرِّبَهُ فيها.
فأوَّلاً، لَقد جَرَّبَهُ في الخُبْز. أَلَمْ يَكُن يَسوعُ ابنَ اللهِ؟ أَلَمْ يَكُن لَهُ مُطْلَقُ الحَقِّ في أن يَأكُلَ؟ أَلَمْ يَخلِق كُلَّ الأشياءِ الَّتي خُلِقَت؟ وإن كانَ قَد صَنَعَ خُبْزًا للجُموعِ، أَلاَ يَقدِرُ أنْ يَصْنَعَ خُبزًا لِنَفسِه؟ ثُمَّ إنَّهُ جَرَّبَهُ بأنْ تَحَدَّاهُ بأنْ يَقفِزَ مِن فَوقِ جَناحِ الهَيكَلِ حَتَّى يُبَرْهِنَ على أنَّهُ المَسِيَّا وَيَحصُل على الحَقِّ الَّذي كَانَ لَهُ؟ أليسَ هُوَ لَهُ في الأصل؟ ثُمَّ إنَّهُ جُرِّبَ في أنْ يَأخُذَ مَمالِكَ العَالَم. أليسَتْ هِيَ لَهُ مِن خِلالِ الوَعْد؟ فقد جَرَّبَهُ في الأشياءِ الَّتي هِيَ مِنْ حَقِّهِ، ولكِنَّ المَسيحَ قَاوَمَ على الرَّغمِ مِن ضَعفِهِ وَوَحدَتِهِ كُلَّ تِلكَ التَّجارِب. ونَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ".
لَقد وَضَعَ اللهُ ابنَهُ بينَ يَدَيِّ الشَّيطانِ ثُمَّ بَارَكَهُ في النِّهايةِ بِخِدمَةِ المَلائِكَةِ لَهُ لأنَّهُ اجتازَ الاختبارَ؛ تَمامًا كَما بَارَكَ أيُّوبَ لأنَّهُ اجتازَ الاختبار. أَجل، فَقَدْ يَختارُ اللهُ بِمُقتَضَى سِيادَتِهِ أنْ يَضَعَ واحِدًا مِنْ خَاصَّتِهِ، بل وَحَتَّى ابنَهُ، بَينَ يَديِّ الشَّيطانِ كي يُمَجِّدَ نَفسَهُ أكثر.
الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح 12. الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الثَّاني عَشر. يَقولُ بولُس: "إِنَّهُ لاَ يُوافِقُنِي [أوْ لا يَجوزُ لي] أَنْ أَفْتَخِرَ [أوْ أَتَباهَى]". فَهُوَ يَقولُ: "إِنَّهُ لاَ يُوافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ. فَإِنِّي آتِي إِلَى مَنَاظِرِ الرَّبِّ وَإِعْلاَنَاتِهِ". فَقَدْ رَأى رُؤى كثيرة. فَكما تَعلَمونَ، لَقد رَأى يَسوعَ المَسيحَ المُقامَ مِنَ الأموات. وَقَد حَصَلَ على إعلاناتٍ. وَهُوَ يَقولُ (مُشيرًا إلى نَفسِهِ): "أَعْرِفُ إِنْسَانًا". إنَّهُ يَتَحَدَّثُ بِصيغَةِ الغَائِبِ هُنا لأنَّهُ لا يُريدُ أيضًا أن يَفْتَخِر. وَهُوَ يَقولُ عَن هَذا الإنسانِ: "أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ". فَهُوَ لا يَعلَمُ حَقًّا مَا حَدَثَ. "اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ"؛ أيْ إلى مَسْكَنِ اللهِ. "أَنَّهُ اخْتُطِفَ [كَما جَاءَ في العَددِ الرَّابِعِ] إِلَى الْفِرْدَوْسِ". فَهُوَ يَقولُ في العَددِ الثَّالِثِ إنَّهُ لا يَعلَمُ إنْ كَانَ قَدِ اخْتُطِفَ في الجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الجَسَد. فَهُوَ لا يَعلَمُ الدِّيناميكيَّةَ الرُّوحِيَّةَ الحَقيقيَّةَ لِما حَدَث. فَكُلُّ ما يَعلَمُهُ هُوَ أنَّهُ ذَهَبَ إلى هُناكَ، وَأنَّهُ "سَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا. مِنْ جِهَةِ هذَا أَفْتَخِرُ. وَلكِنْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِي لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ بِضَعَفَاتِي".
وَمَا أَعنيه هُوَ أنَّهُ كانَت هُناكَ تَجرِبَة عَظيمَة في حَياةِ بولُس بسببِ نَجاحاتِهِ الكَثيرةِ والرُّؤى والإعلاناتِ الَّتي كانَ بِمَقدورِها أنْ تَجْعَلَهُ مُفْتَخِرًا. "ولكِنِّي لن أفعلَ ذلك". "فَإِنِّي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَفْتَخِرَ [في العَددِ السَّادِسِ] لاَ أَكُونُ غَبِيًّا، لأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ. وَلكِنِّي أَتَحَاشَى [فأنا أَتَجَنَّبُ ذلكَ] لِئَلاَّ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنْ جِهَتِي فَوْقَ مَا يَرَانِي أَوْ يَسْمَعُ مِنِّي". أيْ: "لِئَلاَّ يَظُنَّ بي أَحَدٌ فَوقَ مَا يَراني عَليهِ أو مَا يَسْمَعُهُ مِنِّي. لِذا فإنِّي لا أفتَخِرُ مَعَ أنِّي رَأيتُ تلكَ الأشياء". "ولكِن لا بُدَّ لي مِنَ الاعترافِ [كَما يُشيرُ في العَددِ السَّابعِ] بأنَّ هَذا الامتِناعِ ليسَ نَابِعًا مِنِّي أنا فقط". فَهُوَ يَقولُ في العَددِ السَّابع: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ...".
بِعبارةٍ أخرى: "مَا يَمْنَعُني مِنَ القِيامَ بذلك..." لاحِظُوا مَا يَقول: "...هُوَ أنِّي أُعْطِيتُ...". وأعتقدُ أنَّهُ يُلَمِّحُ هُنا إلى أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي فَعَلَ ذلك. فاللهُ هُوَ الَّذي سَمَحَ بذلك. ونَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ بَارٍّ، وَقِدِّيسٍ، وَتَقِيٍّ كَما أنَّ أيُّوبَ كانَ رَجُلاً تَقِيًّا. فَهُوَ رَجُلُ اختبرَ الحَياةَ المَسيحيَّةَ كَما لم يَختبرها أيُّ شخصٍ آخر، عَدا عَنِ اللهِ المُتَجَسِّدِ شَخصيًّا. لِذا فإنَّهُ ليسَ رَجُلاً يَعيشُ في الخَطيَّة، بل إنَّهُ يَعتَرِفُ بتلكَ الخَطايا في حَياتِهِ أمامَ الله. "أُعْطِيْتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ". وأريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوا أنَّ الرَّبَّ هُوَ الَّذي أَعطاهُ هَذا الشَّيءَ؛ ولكِنَّهُ يَصِفُهُ في العَددِ السَّادِسِ قَائِلاً: " شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ".
اسمَعوا مَا سَأقول: أعتقدُ أنَّ هذا النَّصَّ يُخبرُنا أنَّ الرَّبَّ سَلَّمَ بُولسَ إلى الشَّيطانِ (على الأَقَلِّ في هذا المَوقِف). فقد أَعطَى الرَّبُّ الشَّيطانَ الحَقَّ في أنْ يَلْطِمَهُ. وأنا لا أُوْمِنُ بأنَّ هَذا العَمَلَ هُوَ عَمَلُ اللهِ، بَل أُوْمِنُ بأنَّهُ عَمَلُ الشَّيطان. ولكنِّي أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ سَمَحَ للشَّيطانِ أن يَفعلَ ذلكَ لكي يُبقي بُولسَ ضَعيفًا حَتَّى يَبقى مُتَّكِلاً على الله. فالأشخاصُ الَّذينَ يَمتَلِكونَ مَواهِبَ عَظيمة يَحتاجونَ إلى ذلك لأنَّهُم يَميلونَ إلى عَدَمِ الاتِّكالِ على الله. لِذا فقد أَرسلَ اللهُ بولسَ إلى حَلْبَةِ المُصارَعَةِ مَعَ الشَّيطانِ كي يَلْطِمَهُ الشَّيطانُ. والكلمة "لِيَلْطِمَني" تُستخدَمُ أيضًا في إنجيل مَتَّى 26: 67 لِوَصفِ يَسوعَ في مُحاكَمَتِهِ عندما لَطَمُوهُ. فَجَذْرُ الكلمةِ يُشيرُ إلى بَرَاجِمِ اليَدِ، وتُشيرُ إلى اللَّكَماتِ الَّتي تُوَجَّهُ بِقَبْضَةِ اليَدِ وَتُمَزِّقُ الأنسجةَ وَتُحَطِّمُ العِظام. وَهُوَ يَقولُ: "لقد أُعطيتُ هذهِ الشَّوكَة في جَسدي، وَهِيَ تُكيلُ اللَّكَماتِ إلى جَسَدي. إنَّهُ مَلاكُ الشَّيطان".
وَهَل تَعتقدونَ أنَّهُ كَانَ بِمَقدورِ اللهِ أن يَمنَعَ ذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. ولكِنَّ اللهَ أَعطاهُ تلكَ الشَّوكَةَ كَيْلا يَفتَخِرَ، بَل كَيْ يَبقى مُتواضِعًا. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي". فَقَدْ طَلبتُ مِنهُ ذلك. وَقد يَقولُ قَائِلٌ: "هُناكَ أشخاصٌ كَارِزماتِيُّونَ يَقولونَ لَنا: ’لَمْ يَكُن إيمانُهُ قَوِيًّا‘". لا تَقولوا لي هَذا الكَلام. فَهَذا كَلامٌ يُناقِضُ النَّصَّ. وَلا تَقولوا: "إنَّهُ لم يُطالِب بِتَحريرِه". فأنا لا أَقبَلُ هَذا الكَلامَ أيضًا لأنَّ النَّصَّ يُخبِرُكُم مَاذا كَانَ رَدُّ اللهِ. فَقد قالَ للرَّبِّ: "ارْفَعْ هذهِ الشَّوكَةَ عَنِّي"، فقالَ الرَّبُّ: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ". لَنْ أرفَعَها لأنَّ ضَعْفَكَ هَذا سَيُظْهِرُ قُوَّتي". لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "فَبِكُلِّ سُرُورٍ [أوْ فَرَحٍ] أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي". لِماذا؟ "لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا [ماذا؟] قَوِيٌّ".
والآن، يا أحبَّائي، لقد أَعطَى اللهُ أيُّوبَ تَجربةً إذْ سَلَّمَهُ للشَّيطان. لماذا؟ لكي يَكونَ أيُّوبُ دَليلاً حَيًّا على شَخصيَّةِ الإنسانِ التَّقِيِّ، ولكي يَتعلَّمَ أيُّوبُ أنَّ اللهَ هُوَ المُهَيمِن، ولكي يَعرِفَ أيُّوبُ اللهَ مَعرفةً حَميمةً أكثرَ وأفضلَ مِن أيِّ وَقْتٍ مَضَى لأنَّهُ تَقَرَّبَ إلى اللهِ في صِراعاتِهِ بطَرائِقَ لم يَكُن بِمَقدورِ حَياةِ الرَّفاهِيَةِ أنْ تُوَفِّرَها لَهُ. لِذا فقد سَلَّمَ اللهُ أيُّوبَ للشَّيطانِ لأسبابٍ رائعة. وقد مَنَعَ الشَّيطانَ في المُحَصِّلَةِ النِّهائِيَّةِ مِنْ إهلاكِ أيُّوب.
وَقَد سَلَّمَ اللهُ المَسيحَ إلى الشَّيطانِ لكي يُثْبِتَ طَهارَتَهُ. وَقد سَلَّمَ اللهُ بولسَ إلى الشَّيطانِ (على الأقَلِّ في هَذا الأمرِ) لكي يَكونَ الشَّيطانُ أداةً بِيَدِ اللهِ لإبقاءِ بُولسَ مُتَّضِعًا حَتَّى يَعرِفَ أينَ تَكمُنُ قُوَّتُهُ وحَتَّى يَكونَ خَادِمًا أكثرَ فَعالِيَّةً. لِذا فَقَد سَلَّمَ الرَّبُّ أيُّوبَ للشَّيطانِ لكي يُبَرهِنَ على أنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ. وَقَد سَلَّمَ الرَّبُّ بولسَ للشَّيطانِ لكي يَكونَ بولسُ خَادِمًا أفضلَ وأكثرَ فاعِليَّةً، ولكي يَتعلَّمَ الاتِّضاعَ ويَتعلَّمَ الاتِّكالَ على الرَّبّ.
والآن، أريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا على إنجيل لوقا والأصحاحِ الثَّاني والعِشرين. إنجيل لوقا 22: 31. ففي إنجيل لوقا 22: 31، اسمَعوا: "وَقَالَ الرَّبُّ: «سِمْعَانُ، سِمْعَانُ...". فَهُوَ يَتحدَّثُ إلى بُطرُس: "سِمْعان، سِمْعان". فَهُوَ يَدعو بُطرسَ باسْمِهِ القَديمِ لأنَّهُ يَرَى صِفاتٍ مِن شَخصيَّتِهِ القَديمة. فَهُوَ يَرى خَطِيَّةً. لِذا فقدِ اختارَ اسمَهُ القَديمَ لكي يُؤكِّدَ على القِدَمِ الَّذي يَراهُ في سُلوكِه. وَهُوَ يَذكُرُ اسْمَهُ مَرَّتَيْنِ بِسَببِ شَغَفِه: "سِمْعان، سِمْعان". فَهُوَ يَقولُ ذلكَ بِألَم. "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ". وأعتقدُ أنَّ هَذا صَحيح. فَهذا يَصِحُّ على كُلِّ مُؤمِن. فالشَّيطانُ يُحِبُّ أن يَجولَ كَأسَدٍ زَائِرٍ مُلْتَمِسًا أنْ يَبْتَلِعَ كُلَّ مُؤمِنٍ أمامَ اللهِ والمَلائِكَة. وأعتقدُ أنَّ الشَّيطانَ يَتَمَنَّى أنْ تَتَمَرَّدَ بَقيَّةُ المَلائكة. وأعتقدُ أنَّ الشيطانَ يُريدُ أن يُثْبِتَ وُجْهَةَ نَظَرِه. فَإنِ استَطاعَ أنْ يَفْتَرِسَ المُخَلَّصينَ، وإنِ استَطاعَ أن يَجعلَهُم يَتَخَلُّونَ عَنْ خَلاصِهِم، وإنِ استَطاعَ أنْ يَبْتَلِعَهُم ويَجتَذِبَهُم إلى مَملكتِهِ الشِّرِّيرَةِ فإنَّهُ سَيُحْرِزُ النَّصْرَ على اللهِ وَيَتغلَّبُ عَليهِ – على الأقَلِّ بِنُقْطةٍ واحِدَة.
لِذا فإنَّ الشَّيطانَ يَرغَبُ في اقتِناصِكُم. وَقد أرادَ الشَّيطانُ أنْ يَقْتَنِصَ بِصورةٍ خَاصَّةٍ بُطرسَ لأنَّ بُطرسَ كانَ مُهِمًّا جدًّا في نُمُوِّ الكنيسة. فَهُوَ الكَارِزُ العَظيمُ الَّذي استَخدَمَهُ اللهُ في تلكَ السَّنواتِ التَّأسيسيَّة. الشَّيطانُ يُريدُكُم. وَهُوَ يُريدُ أن "يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يُريدُ أن يَقضي عَليكَ. فَهُوَ يُريدُ أن تَتَطايَرَ شَخصيَّتُكَ كَما تَفعلُ الحِنْطَةُ عندما تُطْرَحُ في الهَواءِ فَتَتَطايَرُ مِنها العُصَافَة. فَهُوَ يُريدُ أنْ يُزَعزِعَ ثِقَتَكَ وَأنْ يُلغِي نَفْعَكَ، وأنْ يَهْدِمَ ثِقَتَكَ باللهِ، وأنْ يُزَعزِعَ ضَمانَكَ، ويَقضي على فَاعِلِيَّتِكَ. إنَّهُ يُريدُكَ.
وَهل تَعتقدونَ أنَّهُ كانَ بمقدورِ الرَّبِّ أن يَمنَعَ ذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. فَالرَّبُّ نَفسُهُ الَّذي سَيُقَيِّدُ الشَّيطانَ ألفَ سَنَةٍ في الهَاوِيَةِ (كَما جَاءَ في سِفْرِ الرُّؤيا) يَستطيعُ بِكُلِّ تأكيدٍ يُقَيِّدَهُ هُنا ويَمنَعُهُ مِنَ لَمْسِ بُطرس؛ ولكِنَّهُ لم يَفعل. انظروا إلى العَدد 32: "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". لَقَد صَلَّيْتَ لأجلِكَ كَيْ لا تَفقِدَ في النِّهايةِ خَلاصَكَ. فَكما قالَ: "يُمكِنُكَ أن تُجَرِّبَ أيُّوبَ إلى هَذا الحَدِّ؛ ولكِنْ لا تَتجاوَز حَدَّكَ"، أو: "يُمكِنُكَ أن تُجَرِّبَ بُولُسَ إلى هَذا الحَدِّ؛ ولكِنْ لا تَتجاوَز حَدَّكَ"، أو: "يُمكِنُكَ أن تُجَرِّبَ بُطرُسَ إلى هَذا الحَدِّ؛ ولكِنْ لا تَتجاوَز حَدَّكَ". فأنتَ لن تُخْفِقَ في نِهايَةِ المَطافِ في إيمانِكَ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ...". وَهَذا يَعني: "سَوفَ أَدَعُكَ..." مَاذا؟ "سَوفَ أَدَعُكَ... سَوفَ أَدَعُكَ تَمضي. سوفَ أَدَعُكَ تَمضي إلى الشيطان. "وَمَتى رَجَعْتَ"، افعَل مَاذا؟ "ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ".
والآن، مَا الشَّيءُ الَّذي كَانَ يَنبغي لبُطرسَ أنْ يَتَعَلَّمَهُ مِن خِلالِ تَسليمِهِ للشَّيطان؟ كانَ يَنبغي لَهُ أن يَتَعَلَّمَ مَاذا؟ أن يُثَبِّتَ الآخرينَ. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ سُمِحَ لَهُ بالمُرورِ بهذا المَوقِفِ لكي يَرجِعَ ويُثَبِّتَ الآخرين. وفي حَالَةِ أيُّوب، كانَ اللهُ يُبَيِّنُ للشَّيطانِ، ويُبَيِّنُ لِجَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقرأونَ الكتابَ المقدَّسَ في كُلِّ العَالَمِ أنَّ الشَّخصَ الَّذي يُحِبُّ اللهَ حَقًّا لا يُمكِنُ أن يَترُكَ تلكَ المَحَبَّةَ والتَّكريسَ حَتَّى لو خَسِرَ كُلَّ شَيء. وَهَذا دَرْسٌ عَظيمٌ وعَميق. وفي حَالَةِ بولُس، كانَ يُعَلِّمُهُ التَّواضُعَ والاتِّكالَ عليه. وفي حَالَةِ بُطرس، كانَ يُريدُ شَخصًا يُمكِنُهُ أن يُخبِرَ الآخرينَ مَعنى الوقوعِ بينَ بَراثِنِ الشَّيطان. فعندما تَمُرُّ بهذهِ المِحنَةِ وتَعودُ مِنها، يَستطيعُ اللهُ أن يَستخدِمَكَ لتَثبيتِ الآخرين.
فَقد يأخُذُ اللهُ بِمُقتَضَى سِيادَتِهِ مُؤمِنًا غيرَ مُطيعٍ، أو مُؤمِنًا تُوجَدُ خَطيَّةٌ في حَياتِه، أو مُؤمِنًا مُتَفاخِرًا على غِرارِ بُطرُس، ويَقولُ لَهُ: "حسنًا، سوفَ أَدَعُكَ تَذهب. هَل تَظُنُّ أنَّهُ بإمكانِكَ أن تَعتَمِدَ على نَفسِكَ؟" فقد قالَ بُطرس: "لن أترُكَكَ البَتَّة... لن أترُكَكَ البَتَّة. سوفَ أبقى مَعَكَ، وسوفَ أموتُ مَعَكَ. سَوفَ أبقَى مَعَكَ حتَّى النِّهاية". "حسنًا! إن كُنتَ تَظُنُّ أنَّكَ رائِعٌ جدًّا، سَوفَ أمْتَحِنُكَ. لِذا، قَد يَسمَحُ اللهُ لكَ بالذَّهاب. فالمُؤمِنُ المُفْتَخِرُ سَيَجِدُ نَفسَهُ بِلا حِمايَةٍ مِنَ اللهِ، وأنَّهُ قد سُلِّمَ للشَّيطان. وَمَا سَيَتَعَلَّمُهُ هُوَ أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلكَ بِمُفردِه. لِذا، أعتقدُ أنَّ الرَّبَّ سَلَّمَ بُطرسَ حَرفيًّا للشَّيطانِ حَتَّى يَكونَ عندما يَرجِعُ مَصْدَرَ تَثبيتٍ للبَقيَّة. ثُمَّ إنَّ بُطرسَ قَالَ في العَدد 33: "يَا رَبُّ، إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْت". ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي نَعلَمُهُ يَقينًا هُوَ أنَّهُ عندما أُتيحَتْ لَهُ الفُرصةُ للقيامِ بذلكَ أَنكَرَ المَسيحَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. أليسَ كذلك؟ ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 62 أنَّهُ خَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ تَابَ، وأُوْمِنُ بأنَّهُ تَصالَحَ مَعَ الله.
والنُّقطَةُ الجَوهريَّةُ هِيَ التَّالية: الكتابُ المقدَّسُ يُشيرُ إلى أنَّ الأشخاصَ المَوجودينَ في إطارِ مُجْتَمَعِ المُؤمِنينَ (سَواءَ نَظرتُم إلى مَا جَاءَ في الأصحاحِ الأوَّل مِنَ الرسالةِ الأولى إلى تيموثاوس بخصوصِ "هِيمِينَايُس" وَ "الإِسْكَنْدَر" اللَّذيْنِ كانا رَاعِيَيْنِ في الكنيسة، أو نَظرتُم إلى شَخصيَّاتِ العهدِ القديمِ مِثلَ أيُّوب، أو نَظرتُم إلى يَسوعَ المَسيحِ نَفسِهِ، أو نَظرتُم إلى بُولُس، أو نَظرتُم إلى بُطرُس) فإنَّ هَؤلاءِ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى مَلكوتِ الرَّبِّ ويَتمتَّعونَ بطريقةٍ أو بأخرى بالحِمايَةِ الَّتي يُوَفِّرُها لَهُم قَد يُسَلَّمونَ (بِمُقتَضى مَقاصِدِ اللهِ الإصلاحِيَّةِ والتَّقويميَّةِ والتَّأهيليَّةِ والتَّوضيحيَّةِ لِتَعليمِ حَقٍّ عَظيمٍ) قَد يُسَلَّمونَ إلى الشَّيطانِ بَعيدًا عَنْ حِمايَةِ اللهِ الكَامِلَةِ مِن أجلِ تَحقيقِ قَصْدِ اللهِ المُقَدَّسِ وَتَمجيدِه.
فَهُناكَ مَنْ يُسَلَّمونَ للشَّيطانِ مِن أجلِ صَقْلِهِم (كَما حَدَثَ مَعَ بُطرس]. وَهُناكَ مَنْ يُسَلَّمونَ إلى الشَّيطانِ لكي تَزيدَ فَاعِلِيَّتُهُم (كَما حَدَثَ مَعَ بولُس]. وهُناكَ مَنْ يُسَلَّمونَ للشَّيطانِ لكي يُبَرهِنوا على صِحَّةِ إيمانِهِم (كما حَدَثَ مَعَ أيُّوب). ولكِن في جَميعِ هذهِ الحَالاتِ فإنَّ المَجدَ الأعظمَ يَؤولُ إلى اللهِ مِن خِلالِ تَسبيحِهِ على ذلكَ الخَلاصِ الَّذي حَفِظَ أيُّوب، وعلى تلكَ القُوَّةِ الَّتي جَعَلَتْ بُولسَ يَتَّضِع، وعلى تلكَ القُوَّةِ الَّتي رَدَّتْ بُطرُس. لِذا فإنَّ اللهَ يَحصُلُ على المَجدِ في كُلِّ تلكَ الأشياء.
لاحِظُوا مَا يَلي يا أحبَّائي: أنَّ النَّاسَ في إطارِ شَرِكَةِ الكَنيسةِ، سَواءَ كَانوا مُؤمِنينَ أَمْ غيرَ مُؤمِنين (وفي الحَالاتِ الَّتي تَأمَّلْنا فيها اليومَ كَانوا جَميعًا مُؤمِنين) يُمكِنُ أنْ يَخْضَعُوا للاختبارِ أوِ الامتِحانِ لِكَيْ يُثْبِتُوا الشَّيءِ الَّذي يُريدُ اللهُ أنْ يُثْبِتَهُ.
والآن، في يَومِ الرَّبِّ القَادِمِ سَنَرى مَا يَحدُثُ لِغيرِ المُؤمِنينَ وعَدَدٍ مِنَ المُؤمِنينَ أيضًا في إطارِ الكنيسةِ مِمَّنْ سُلِّمُوا للشَّيطانِ... لاحِظوا مَا سَأقول... لا بِقَصْدِ الفَحْصِ أوِ التَّثبيتِ أوِ البُرهانِ، بل بِقَصْدِ التَّأديبِ والدَّينونَة... بِقَصْدِ التَّأديبِ والدَّينونة. وَهذا أمرٌ مُختَلِفُ تَمامًا. وَهَذا سَيُعيدُنا إلى الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوُس 1: 20. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا مَعًا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، عِندَما نُفَكِّرُ في أيُّوب نَتذكَّرُ أنَّهُ سُلِّمَ للشَّيطانِ سَنواتٍ وَسَنواتٍ أو مُدَّةً طَويلةً قبلَ أن يَتمكَّنَ مِنَ استردادِ كُلِّ مَا خَسِرَهُ. وعندما نُفَكِّرُ في الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ نَتذكَّرُ أنَّهُ سُلِّمَ للشَّيطانِ بِضعةَ أسابيع. وبالنِّسبةِ إلى الرَّسولِ بولُس، رُبَّما سُلِّمَ للشَّيطانِ بِضعَ سِنين. وبالنِّسبةِ إلى بُطرس، رُبَّما يَومًا واحِدًا فقط. ويا رَبُّ، نَحنُ نُدركُ أنَّ لَكَ مَقاصِد، وَأنَّ تلكَ المَقاصِدَ كانَتْ هِيَ أنْ تُبَرْهِنَ وَتَصْقُلَ وَتُثَبِّتَ لأجْلِ مَجدِكَ أنتَ حَتَّى يَكونَ أيُّوبُ وَبُولُسُ والمَسيحُ وبُطرسُ خُدَّامًا فَاعِلينَ كَما كَانُوا. لِذا يا رَبّ، نَحنُ نُقِرُّ بأنَّهُ إنْ كَانَ ذلكَ يَجعلُنا خُدَّامًا أفضلَ فإنَّنا مُستعِدُّونَ لاحتمالِ كُلِّ مَا قَد يَأتي بِهِ العَدُوُّ عَالِمينَ أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَأتي بأيِّ شَيءٍ مِن شَأنِهِ أنْ يَجعلَ إيمانَنا في النِّهايةِ يَسقُط لأنَّنا مَحْفوظونَ في نِعْمَتِكَ وَقُوَّتِكَ. وإنْ كانَ ذلكَ يُعَزِّزُ وَيُغني الخِدمَةَ الَّتي دُعينا إليها، اسمَح بأنْ نَحْتَمِلَ أيَّ أَلَمٍ لازِمٍ، وَأنْ نُكَرِّسَ أنفسَنا وَنَبقَى أُمناءَ لِذاكَ الَّذي أَحَبَّنا وَأَسْلَمَ نَفسَهُ لأجلِنا، والَّذي قَالَ: "لا يُمكِنُ لأيِّ إنسانٍ، وَلا للشَّيطانِ، وَلا لأيِّ شَخصٍ أنْ يَخطَفَ خِرافي مِن يَدي". لِذا يا رَبّ، إنْ كانَ القَصْدُ هُوَ تَثبيتُنا، أو صَقْلُنا، أو جَعْلُنا مُتواضِعينَ، أو زِيادَةُ نَفْعِنا، أو إثباتُ صِدْقِ إيمانِنا للعَالَمِ الَّذي يُراقِبُنا، افعَل في حَياتِنا كُلَّ مَا يَلزَم لِتَمجيدِكَ. وَنَحْنُ سَنَحْسَبُ ذلكَ امتِيازًا.
فيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم في هَذا الوقتِ، أنا أَعلَمُ أنَّ رُوحَ اللهِ قَدْ لَمَسَ أذهانَكُم وأنَّكُم رُبَّما تُراجِعونَ أشياءً في حَياتِكُم بِطَرائِقَ لم تُراجِعوها فيها مِن قَبل كَما أفعلُ أنا. وَصَلاتي هِيَ أن تَفهَموا كلمةَ اللهِ وَتَطبيقَها في قَلبِكُم. وصَلاتي أيضًا هِيَ أنَّهُ إن لم تَكُن تَتمتَّعُ بِعلاقَةٍ سَليمَةٍ بالرَّبِّ أنْ تَصْطَلِحَ مَعَهُ لأنَّ هُناكَ أيضًا ذلكَ التَّأديب. فَهُناكَ أشخاصٌ يُسَلَّمُونَ للشَّيطانِ لأنَّ الرَّبَّ يُريدُ أنْ يُؤدِّبَهُم وأنْ يُطَهِّرَهُم مِنَ الخطيَّة. وسَوفَ نَرى ذلكَ في يَومِ الرَّبِّ المُقبِل. ولكِنْ حَتَّى مِن خِلالِ مَا رَأيناهُ اليومَ، يُمكِنُكَ أن تَرى ذلكَ الشَّيءَ يَحدُثُ في الخَلفيَّة. لِذا، إنْ كانَ لا بُدَّ أنْ تُوْضَعَ تَحتَ يَدِ الشَّيطانِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَن أو في جَانِبٍ مِنَ الحَياةِ، تَيَقَّنْ مِن أن يَكونَ ذلكَ لِغَرَضٍ مُقَدَّسٍ كَي تَصيرَ أكثرَ نَفْعًا للهِ وَتُمَجِّدَ اسمَهُ؛ وليسَ لِغَرَضِ التَّأديبِ أوِ الدَّينونَة.
This article is also available and sold as a booklet.
