Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنَّ واحِدًا مِن مُخَلَّفاتِ الحَربِ العالَميَّةِ الثَّانيةِ غيرِ العاديَّة هو ما يُعرَفُ بعِبادة السِّلَع (cargo cults) كما تُعرَفُ في جَنوبِ المُحيطِ الهَادِئ. فالكثيرُ مِنَ سُكَّانِ الجُزُرِ الأصليِّينَ في المَنطقةِ المُمتدَّةِ مِن أستراليا إلى أقصى الشَّمالِ (كإندونيسيا) انفَتَحوا على الحَضارةِ الحديثةِ مِن خلالِ قُوَّاتِ الحُلَفاءِ المُسَلَّحةِ خلالَ الحربِ العالَميَّةِ الثَّانية. فقد كانَ الجيشُ الأمريكيُّ تَحديدًا يَستخدِمُ غالبًا جُزُرًا نائيةً يَقطُنُها فقط في أغلبِ الأحيانِ السُّكَّانُ الأصليُّونَ المَحليُّون. وكانوا يَستخدمونَ تلكَ الجُزُرَ مَناطِقَ هُبوطٍ مُؤقَّتة ومُستودعاتِ تَموين. فقد جاءَ النَّاسُ البيض إلى تلكَ الجُزرِ وَهُم يَحمِلونَ سِلَعًا. وقد غادَروها بسُرعة كما جاؤوا إليها. ولم تَتَهَيَّأ الفُرصةُ للسُّكَّانِ الأصليِّينَ أن يَعرفوا شيئًا عنِ الحَضارة.

فقد نَزَلَتِ الحضارةُ عليهم فُجأةً وفَرَضَت نَفسَها عليهم. فقد رأَوْا تِكنولوجيا مُتقدِّمة عن قُرب. فقد كانت تلكَ الطَّائراتُ تأتي فجأةً مِنَ السَّماءِ، وتَهبِطُ في الأدغالِ، وتَترِكُ وَراءَها حُمولَتَها قبلَ أن تُقلِع. وقد رأى سُكَّانُ تلكَ الجُزرِ الأصليُّونَ وَلاَّعاتِ سَجائر، ورأَوْا أنَّها تُشعِلُ النَّارَ بطريقة سِحريَّة فَظَنُّوا أنَّها خَارقة للطَّبيعة. وقد رأَوْا آلاتٍ كبيرة تَقطَعُ الغاباتِ لبناءِ مَهابِط لِهُبوطِ تلكَ الطَّائراتِ الكبيرة. وقد رأَوْا أوَّلَ مَرَّة سَيَّاراتِ الجيب، والأسلحة الحديثة، والثَّلاَّجات، وأجهزةَ الصَّوت، والأدواتِ الكهربائيَّة، وأنواعًا لا تُحصَى ولا تُعَدّ مِنَ المَلابسِ والأطعمة.

وقد ذُهِلوا حقًا بكُلِّ تلكَ الأشياء واستَنتَجوا أنَّ الأشخاصَ البِيض آلِهَة طَارت في السَّماءِ وجَلَبَت كُلَّ تلكَ الأشياء. وقد كانَ استِنتاجُهُم يَقول إنَّ تلكَ الآلِهَة تَجلِبُ إليكَ أشياء كثيرة. وعندما انتهتِ الحَربُ وغادَرتِ الجُيوشُ، بَنَتْ تلكَ القَبائِلُ أَضْرِحَةً لآلِهَةِ السِّلَع. وكانت هَياكِلُهُم صُورةً طِبْقَ الأصل عنِ الطَّائراتِ أو أبراجِ المُراقبةِ أوِ المُستودَعات. وقد صَنَعوا تلكَ الهَياكِل مِنَ الخَيزَرانِ أوِ الموادِّ الطَّبيعيَّةِ الخَام. وقد بَدَتْ كالنَّماذِجِ الأصليَّة؛ ولكنَّها لم تَكُن سِوى أماكِنَ عِبادَة.

وفي عَدَدٍ مِن تلكَ الجُزُرِ النَّائية، ما تَزالُ عِبادَةُ السِّلَع مُستمرَّة حَتَّى الآن؛ أي حَتَّى وَقتِنا هذا. وإن ذَهبتَ إلى تلكَ الأماكِن ستَجِدُ أنَّ بعضًا مِنهُم قد جَعَلوا جَميعَ الأمريكيِّينَ إلهًا واحِدًا. واسمُ ذلكَ الإلَه هُوَ "توم نيفي" (Tom Navy). وَهُم يُصَلُّونَ لأجلِ هُبوطِ السِّلَع المُقَدَّسَة. وقد قَدَّسوا أشياءَ مِثلَ الوَلاَّعات، والكاميرات، والنَّظَّارات، وأقلامِ الحِبْر، والبَراغي، والمَساميرِ، وغيرِها.

وعندما ابتدأتِ المَدَنِيَّةُ تَصِلُ إلى تلكَ الجُزُرِ النَّائيةِ الَّتي تُوجَدُ فيها تلكَ العِبادات، لم يَتراجَع إعجابُهُم بالسِّلَع. وقد وَجَدَ المُرْسَلونَ الَّذينَ تَمَّ إرسالُهُم إلى تلكَ المَناطِقِ للكِرازةِ بالإنجيل أنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَعبدونَ السِّلَع قدِ استَقبلوهُم استِقبالاً حَافِلاً ظَنًّا مِنهُم أنَّهُ المَجيءُ الثَّاني لآلِهَةِ السِّلَع. والمُشكلةُ هي أنَّهُم كانوا يَنتظرونَ سِلَعًا جديدةً؛ لا الإنجيل. وقد وَجَدَ المُرْسَلونَ أنَّ تلكَ القَبائِلِ غَارِقَة جدًّا في الأشياءِ الماديَّةِ حَتَّى إنَّهُم لا يُدركونَ أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَقبَلوا الإنجيلَ بسهولة. وقد وَجَدوا صُعوبةً بالغةً جدًّا في اختراقِ تلكَ الشُّعوبِ الَّتي تَعبُدُ السِّلَع لتوصيلِ الحَقِّ المُخَلِّصِ لهم.

والحقيقةُ هي أنِّي أنظُرُ إلى تلكَ الظَّاهرةِ الدِّينيَّةِ الغَريبةِ والعَجيبةِ وأرى في المَسيحيَّةِ المُعاصِرَةِ مَثيلاً مُدهشًا لها. وهي قد تُسَمَّى "حَرَكَة الكلمة والإيمان" (Word-Faith Movement)، أو "حَرَكَة الإيمان" (Faith Movement)، أو "صِيغة الإيمان" (The Faith Formula)، أو "كَلمة الإيمان" (The Word of Faith)، أو "الإيمان الأعلى" (Hyper Faith)، أو "الاعترافُ الإيجابيّ" (Positive Confession)، أو "اطلُبوا تأخُذوا" (Name It and Claim It)، أو "ازدهارُ الصِّحَّةِ والمَال" (Health and Wealth Prosperity)، أو تَسَمَّى بأيِّ اسمٍ آخر؛ ولكنَّها تُشيرُ إلى الحَرَكَةِ نَفسِها. وهي نَوعٌ جَديدٌ مِن عِبادَةِ السِّلَع إذْ إنَّ اللهَ هو هذا الإلَهُ الَّذي يأتي مُحَمَّلاً بالسِّلَعِ والأشياءِ الماديَّةِ الخارجيَّةِ، والأشياءِ الاستهلاكيَّةِ المَلموسَةِ ويُعطيهم إيَّاها.

وهؤلاءِ المُعَلِّمونَ المُعاصِرونَ يُعَلِّمونَ بصراحة أنَّ الصَّلاةَ هي وَسيلة لإشباعِ الذَّات. فالصَّلاةُ في نَظَرِهم هي أداةٌ يُمكِنُكَ مِن خلالِها أن تَحصُلَ على ما تُريد. وما تُريدُهُ بصورة رئيسيَّة هو أشياء مَاديَّة، واستهلاكيَّة، وأشياء يُمكنكَ أن تُمسِكَها بيديك كالمال، والملابس، والسيَّارات، والمَنازل، والأشياء الماديَّة الأخرى. ولا فَرقَ عِندي بينَ عِبادةِ السِّلَع الغريبةِ والعَجيبةِ تلكَ في جَنوبِ المُحيطِ الهادئ وبينَ إنجيلِ الرَّخاءِ المُعاصِرِ الَّذي حَطَّ مِن شأنِ اللهِ وجَعَلَهُ مُجَرَّدَ خَادِمٍ يَعمَلُ بإيماءَةٍ مِن أيِّ شَخصٍ مُرْتَبِطٍ بِهِ يُريدُ أن يُشبِعَ رَغْباتِهِ على تَوصيلِ تلكَ الأشياء. وهذا فِكْرٌ مُنتشرٌ جدًّا اليوم. فهناكَ سُوءُ فَهْمٍ مُريع بسببِ ذلك لِماهيَّةِ الصَّلاة. لِذا فإنَّ الأمرَ بحاجة إلى تَصحيح.

وهذا يَقودُني إلى النَّصِّ الَّذي سنتأمَّلُ فيه. افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على رسالة تسالونيكي الثَّانية والأصحاحِ الأوَّل. فالآيتان 2تسالونيكي 1: 11 و 12 تَنقِلانا إلى حَياةِ الصَّلاةِ عندَ بولُس. وحياةُ الصَّلاةِ لديهِ هي، بِلا أدنَى شَكٍّ، مُختلفة عن طَريقةِ التَّعامُلِ معَ اللهِ الَّتي تَحدَّثتُ عنها للتَّوّ. فبولُس لا يُصَلِّي مِن أجلِ أشياء مَاديَّة، ولا يُصَلِّي لأجلِ أشياء استِهلاكيَّة؛ بل إنَّ صَلواتِهِ أعمَقُ بكثير مِن ذلك. استَمِعوا إليهِ كيفَ يُصَلِّي في رسالة تسالونيكي الثَّانية 1: 11: "الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ: أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح".

لا يوجد شيءٌ مادِّيٌّ في تلك الصَّلاة. ولا يوجد شيءٌ استِهلاكِيٌّ في تلك الصَّلاة. ولا يوجد شيءٌ لإشباعِ الشَّهَواتِ الذَّاتيَّة في تلك الصَّلاة. فاللهُ الَّذي يُصَلِّي إليهِ بولُس ليسَ إلَهَ سِلَع. فهو لا يأتي بأجهزةِ المِذياعِ والكاميراتِ والتِّلفزيوناتِ والنَّواظيرِ والوَلاَّعات. فهذا ليسَ ما يُصَلِّي بولُس لأجلِه. فقد كانَ بولُسُ يَفهمُ الصَّلاةَ على حَقيقتِها على أعمَقِ مُستوى قَصَدَهُ اللهُ لها. لِذا، عندما نَظَرنا إلى هَاتينِ الآيتين أَسْمينا هذه الدِّراسةِ الَّتي تَستغرِقُ أُسبوعَيْن: "الصَّلاة لأجلِ الأشياء الصَّحيحَة".

والصَّلاةُ الصَّحيحة تَعني أن نَتعلَّمَ أن نَفتَكِرَ بأفكارِ اللهِ، وأن نَتعلَّمَ أن نَرغبَ في الأشياءِ الَّتي يَرغَبُ فيها اللهُ، وأن نَتعلَّمَ أن نُحِبَّ ما يُحِبّ، وأن نَكرَهَ ما يَكرَه. وكُلَّما زادَ عُمْقُ حَياةِ الصَّلاةِ لديكُم، زادَ قُربُكُم مِن مَشيئةِ اللهِ، ومِنَ الأشياءِ الَّتي يَتوقُ إليها، والأشياءِ الَّتي يَرغَبُ فيها، والأشياءِ الَّتي يُحِبُّها، والأشياءِ الَّتي يُبغِضُها، وقَلَّ تَركيزُكُم على طَلَبِ الأشياءِ السَّخيفةِ والاستهلاكيَّةِ، وزَادَ استيعابُكُم وتأكيدُكُم للحقائقِ الرُّوحيَّةِ الَّتي تَعلَمونَ أنَّها قَريبة مِن قلبِ الله. وحينئذٍ ستُصَلُّونَ هَكذا: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ".

فالصَّلاةُ تَجعلُنا نَقترِبُ جدًّا إلى الله. وهي تَرفَعُنا إليه. وهي تَضَعُنا في مَوضِعٍ يَجعلُنا في شَرِكَةٍ دائمةٍ مَعَهُ. وعندما نَتمتَّعُ بتلكَ الشَّركةِ معَهُ ويكونُ كِتابُنا المُقدَّسُ مَفتوحًا وقَلبُنا مَفتوحًا، سنَتعلَّمُ أن نُصغي قبلَ أن نَتكلَّم.

وأنا أرى في حَياتي الشَّخصيَّة أنَّ أغنَى وأطهَرَ وأصدَقَ الصَّلواتِ الَّتي أُصَلِّيها وأكثرها تَركيزًا هي تلكَ الَّتي أُصَلِّيها فيما يَكونُ كِتابِيَ المُقَدَّسَ مَفتوحًا لأنَّ مَشيئةَ اللهِ مُعلَنة، وقَلبَ اللهِ مُعلَن، وأشواقَ اللهِ مَعلومَة لَديَّ، وما يُحِبُّهُ مُعلَن، وما يُبغِضُهُ مُعلَن. وهذا كُلُّهُ يُتَرْجَمُ مِن خلالِ تأكيدي وصَلاتي. وحينئذٍ يَصيرُ هذا الأمرُ نَهْجَ حَياة.

فنحنُ نَعيشُ على مُستوَيَيْن. فقد تَنْهَمِك في أيَّة أشياء تَستنفِذُ وَقتكَ. وقد تُضْطَرُّ إلى تَخصيصِ جُزءٍ مِن عَقلِكَ الواعي لتلكَ الأشياء. ولكنَّ واحدًا مِن أعظمِ الحقائقِ المُختصَّةِ بالعقلِ البَشريِّ الَّذي خَلَقَهُ اللهُ هو أنَّهُ يَستطيعُ القيامَ بأكثر مِن شَيءٍ واحدٍ في الوقتِ نفسِه. فهو قادرٌ على تَوزيعِ تَركيزِه. ففي الوقتِ الَّذي نَتعامَلُ فيهِ جَميعًا على المُستوى الحِسِّيِّ والزَّمَنِيِّ مِنَ الحياةِ الخارجيَّةِ الَّتي نَحنُ مُنهَمِكونَ فيها، في الوقتِ نَفسِه هُناكَ وَعْيٌ يَعمَلُ في مُستوىً أعمق بكثير مِن ذلك.

وقد كانَ هذا الأمرُ يَصِحُّ على بولُس. فقد كانَ بمقدورِ بولُس أن يُعَلِّم، ويَعِظ، ويُخَطِّط، ويَكتُب، ويَعمَل، ويُوَبِّخ، ويُتَلمِذ، ويُسافِر، ويَتألَّم؛ ولكنَّهُ كانَ في الوقتِ نفسِه مُنْهَمِكًا في مُستوىً آخر بالصَّلاةِ على مُستوىً يُظْهِرُ فَهْمَهُ العَميقَ لفِكرِ الله. لِذا، إن كانت حياةُ الصَّلاةِ لديكَ تَقتَصِرُ على تَخصيصِ وَقتٍ مُحَدَّد تَقولُ فيهِ بِضعَ كلماتٍ للهِ، أو على فَترةٍ تَتوقَّفُ فيها عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ آخر وتَجلِسُ فيها بوضعيَّة مُعيَّنة وتُرَكِّزُ فيها عَقلَكَ على اللهِ وتَرفَعُ فيها صَلواتِكَ حَتَّى بِصَمْتٍ فإنَّ تلكَ الصَّلواتِ، رُغْمَ أهميَّتِها، هي ليست كُلَّ حياةِ الصَّلاةِ لديك. فحياةُ الصَّلاةِ لديكَ هي ببساطة نَهْجُ حَياةٍ يَستمرُّ طَوالَ الوقت. فنشاطاتُكَ العَلَنِيَّة والخارجيَّة الظَّاهرة تَتطلَّب مِقدارًا مِنَ الانتباه؛ ولكن يوجد مُستوىً أعمق مِنَ الفَهْمِ يَحدثُ طَوالَ الوقتِ في حَياتِكَ، وهذه شَرِكَة مُستمرَّة معَ اللهِ الحَيّ.

ولا نُجانِبُ الصَّوابَ إن قُلنا بخصوصِ حياةِ بولُس إنَّهُ في أثناءِ قراءَتِنا في رسائِلِهِ فإنَّ المُستوى المُنخَفِضَ يَظهرُ فَجأةً. ويُمكِنُ القولُ إنَّهُ يُشبِهُ البُركان. فهناكَ طَبَقة رَقيقة أو هَشَّة على سَطحِ الأرض. ولكن يوجد في باطِنِ الأرضِ مِرْجَلٌ يَغلي مِنَ الغازِ والنَّار. وبينَ الحينِ والآخر فإنَّهُ يَنفجِرُ مِن خلالِ القِشرةِ السَّطحيَّةِ فتَتدفَّقُ الحُمَمُ البُركانيَّةُ السَّاخنة. وكذلكَ هي الحالُ في قلبِ بولُس. فهناكَ قَلبٌ مُلتَهِبٌ لأجلِ الله. وهُناكَ عَلاقة مُتَفِّجرَة معَ الله. وفي أثناءِ كِتابتِهِ، أو وَعظِهِ، أو تَعليمِهِ، أو تَلمذتِهِ، أو تَرحالِهِ، أو تَخطيطِهِ، أوِ استعدادِهِ، نَرى بينَ الحينِ والآخر أنَّ ما كانَ يَجري طَوالَ الوقتِ في الأعماقِ نَتيجةَ دِفْءِ الشَّركةِ بينَهُ وبينَ اللهِ يَنفَجِرُ ويَتدفَّقُ خَارجًا. لِذا فإنَّنا نَجِدُ في أثناءِ قِراءتِنا لرسائِلِهِ أنَّهُ بينَ الحينِ والآخر فإنَّ واحدةً مِن تلكَ الصَّلواتِ تَطفو على السَّطحِ في هَيئةِ بُرْكانٍ يُعَبِّرُ عن حَرارةِ قَلبِه. وهكذا هيَ الحالُ في العَدَدَيْن 11 و 12.

فنحنُ نَصِلُ هنا إلى أعماقِ بولُس. فهو لا يُقَدِّمُ لنا وَحَسْب تَفسيرًا لاهوتيًّا، ولا يَسيرُ بنا خُطوةً خُطوةً في اللاَّهوت، ولا يُقَدِّمُ لنا مَجموعةً مِنَ الأسبابِ الَّتي تُعَلِّلُ ما يَقول، ولا يُعَرِّفُنا بمُشكلةٍ موجودةٍ في الكنيسة يُريدُ أن يُقَدِّمَ لها حَلاًّ. وهو لا يَتَصَدَّى لقضيَّة مُعيَّنة، ولا يَتصدَّى لعقيدة زائفة أو تَعليمٍ زائف؛ بل إنَّنا نَنزلُ فجأةً إلى مُستوىً أعمق مِن هذا كُلِّه فتَخرُجُ حُمَمٌ ساخِنَةٌ مِن حياةِ الصَّلاةِ لديه. ونحنُ نُلاحِظُ دائمًا أنَّهُ يَستخدِمُ العِبارة "كُلَّ حِين" لأنَّهُ يبدو أنَّهُ يَستخدِمُها دائمًا. فعندما يَقولُ "نحنُ نُصَلِّي لأجلكم"، فإنَّهُ يَقولُ دائمًا: "كُلَّ حِين". ويجبُ علينا أن نَطرحَ السُّؤالَ التَّالي: كيفَ تَفعلُ ذلك؟ والجوابُ عن هذا السُّؤالِ هو: لأنَّهُ يوجدُ هذا المستوى الآخر الَّذي يَعيشُ فيهِ في شَرِكَة معَ الله.

فقد كانَ بولسُ في ذلكَ المستوى العَميقِ الَّذي توجَدُ فيهِ الصَّلاةُ حَقًّا، والَّذي يَنهَمِكُ فيهِ في الصَّلاةِ مِن دونِ تَوقُّف، كانَ يَعرِفُ اللهَ مَعرفةً وَطيدةً جدًّا، ويَفهمُ مَشيئةَ اللهِ لأنَّها أُعلِنَت لَهُ في الكتابِ المقدَّس. وهو يَشعُرُ بما يَشعُرُ بهِ اللهُ. وهو يَتألَّمُ عندما يَتألَّمُ اللهُ. وهو يَفرحُ عندما يَفرَحُ اللهُ. وهو يَفهمُ ما يُريدُهُ اللهُ، وما يَتوقُ اللهُ إليهِ، وما يُحبُّهُ اللهُ، وما يُبغِضُهُ اللهُ. فجُزءٌ مِنَ النُّضجِ الرُّوحيِّ هو أن تَعرِفَ ذلك. لِذا فإنَّ صَلواتِهِ لم تَكُن يومًا ضَحلة، ولم تَكُن يومًا أنانيَّة، ولم تَكُن يومًا قَصيرةَ النَّظَر؛ بل إنَّها دائمًا عَميقة جدًّا، ومُتَبَحِّرة جدًّا، ورُوحيَّة جدًّا. وهي تَطلُبُ دائمًا أشياءً ليست استهلاكيَّةً البتَّة، بل إنَّها أشياءٌ لا يُمكِنُنا أن نَلْمَسَها أو نَحُسَّها. فهو لا يُصَلِّي لأجلِ أشياءٍ ماديَّة.

لِذا، أودُّ أن أقولَ لكم إنَّ هذه نُقطة جَيِّدة في دراستنا لكلمةِ اللهِ لتذكيرِنا بأنَّ كثيرينَ مِنَّا يُصَلُّونَ في أغلبِ الأحيانِ لأجلِ أمورٍ ليست صَحيحة، ولتذكيرنا بأنَّ بولسَ كانَ يُصَلِّي لأجلِ الأشياءِ الصَّحيحة. وأعتقدُ أنَّ الصَّلاةَ لدى بَعضٍ مِنَّا هي فترة قصيرة مُتقطِّعة نتوقَّفُ فيها عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ آخر ونُرَكِّزُ فيها على تَعدادِ طِلباتِنا؛ ولكنَّها ليست نَهْجَ حَياةٍ لا يتوقَّف. لِذا فإنَّ النُّضجَ الرُّوحيَّ يَتَّسِم بِهَذَيْنِ الشَّيئَيْن: فهو يَتَّسِم بحياةِ صَلاةٍ لا تَتوقَّف تُوجَدُ في مُستوىً عميقٍ تحتَ سَطحِ الأشياءِ العاديَّة، وأنَّ الصَّلواتِ فيهِ تَطلُبُ الأشياءَ الصَّحيحة لأنَّها تَعرِفُ فِكرَ اللهِ وقَلبَهُ ومَشيئتَهُ.

والآن، إذْ نَتأمَّلُ في هذهِ الآياتِ مَرَّةً أخرى، أُذَكِّرُكم بأنَّنا تَحَدَّثنا في المرَّة السَّابقة عنِ النُّقطةِ الأولى وهي: المَصدَر. فعندما كانَ بولسُ يُريدُ شيئًا لنفسِه، وعندما كانَ يُريدُ شيئًا لأحبَّائِهِ الَّذينَ كانَ يَخدِمُهم فإنَّ المَصدرَ هو الصَّلاة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 11: "الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ". فهذا المُستوى العميقُ مِنَ الشَّركة الواعية معَ اللهِ كُلَّ حين يَحوي في صَميمِهِ صَلواتٍ لأجلِ كَنائِسِه. فقد كانَ يَرى أنَّ الصَّلاةَ هي الوسيلة لتحقيقِ تلكَ الغاياتِ الرُّوحيَّة. فبالنِّسبة إلى بولُس وأيِّ مُؤمِنٍ ناضِجٍ، الصَّلاةُ هي حَالة. فالصَّلاةُ حَالَة. فهي حالَة ذِهنيَّة. إنَّها حَالة دائمة أو حَالة ذِهنيَّة مُستمرَّة تَكونُ فيها وُعودُ اللهِ وَمقاصِدُهُ، والصِّحَّةُ الروحيَّةُ لشَعبِهِ، وتَقَدُّمُ الإنجيلِ، ونُمُوُّ كَنيستِهِ هي شَغَفُ المُؤمِن. فهي تلكَ الحالَة. فهي تَعني أن تَعيشَ في حَالةٍ تَكونُ فيها مُنهَمِكًا بوعودِ اللهِ ومَقاصِدِهِ، وبخَيرِ شَعبِهِ، وبتَقَدُّمِ إنجيلِه، وبصحَّةِ كَنيستِه. والأشياءُ المُهمَّة لديكَ هي الأشياءُ المُهمَّة لديه. وهي تَعني أن تَجعلَ قَلبَكَ مُنسجِمًا معَ اللهِ. وقد تَحدَّثنا قليلاً عن مَصدرِ الصَّلاةِ في المَرَّة السَّابقة، وعن كيفَ أنَّها تَنسجِمُ معَ السِّيادةِ الإلهيَّة.

لِنَنتقل إلى الطِّلبات؛ وهي النُّقطةُ الثَّانية في هذا النَّصّ. فما الَّذي يُصَلِّي لأجلِه؟ فحيثُ إنَّ بولسَ كانَ مُتوافقًا معَ اللهِ ويَعرِفُ فِكرَ اللهِ وقلبَهُ، ما الَّذي يُصَلِّي لأجلِه؟ نَقرأُ في العدد 11: "أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّة". فهو يُصَلِّي لأجلِ هذهِ الأشياءِ الثَّلاثة. فلا يوجدُ شيءٌ أنانِيّ، ولا يوجدُ شيءٌ ضَحْل، ولا يوجدُ شيءٌ خارجيٌّ، ولا زائِل، ولا بائِد. فما يُصَلِّي لأجلِهِ هو كَنْزٌ رُوحِيٌّ عظيمٌ جدًّا.

أولاً، التَّأهيل. التَّأهيل: "أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَة". وهذهِ طِلبة عَريضة تَختصُّ في الحَقيقة بالشَّخصيَّةِ المسيحيَّة. "[أنا أُصَلِّي] أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَة". بعبارة أخرى: أن يُجعلَكُمُ اللهُ جَديرينَ بِحَمْلِ الاسْمِ الَّذي تَحمِلونَهُ. فإن كُنتَ ستَعيشُ وتقولُ إنَّكَ للمَسيحِ وإنَّ المَسيحَ لَكَ، يجب عليكَ أن تَكونَ جَديرًا بذلكَ اللَّقَب. وهو يَستخدِمُ ضَميرَ المِلكيَّة "إلَهُنا" لتذكيرِ قُرَّائِه وإيَّانا بأنَّ اللهَ ليسَ بُعْبُعًا بَعيدًا، وليسَ إلهًا نَخافُ منه، وليسَ إلهًا لا يُمكِنُنا أن نَتلامَسَ معَهُ بسببِ شُعورِنا بالنَّقص، بل إنَّهُ إلَهٌ أَظهَرَ لنا مِن خلالِ المسيحِ أنَّهُ إلَهٌ مُحبٌّ ويَهتمُّ بنا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ بالمَعنى الحَميمِ إنَّ اللهَ هُوَ إلهُنا. وهو يَقولُ إنَّ إلهَنا يُريدُ أن "يَجعَلَكُم" أو "يَحسَبَكُم" – فالفِعْلُ المُستخدَمُ هُنا يَحتَمِلُ كِلا المَعْنَيَيْن. فإن جَعَلَكُم مُؤهَّلينَ فإنَّهُ سيَحسَبُكُم مُؤهَّلين. وإن حَسِبَكُم مُؤهَّلينَ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو أنَّهُ جَعَلَكُم مُؤهَّلين. ولكنَّ إلهَنا يُريدُ أن يَجعلَكُم مُؤهَّلينَ لكي يَحسَبَكُم مُؤهَّلينَ لدعوتِكُم.

ولننظُر إلى الكلمة "دَعوة". واسمَحوا لي أن أُساعِدَكُم على رُؤيةِ ما تَعنيه. فعندما تَرَوْنَ الكلمة "دَعوة" أو "دَعوتَكُم" في رسائلِ العهدِ الجديد، فإنَّها تُشيرُ إلى الخَلاص. فهي ليست الكلمة "دَعوة" الَّتي يَستخدِمُها يسوعُ في الأناجيلِ إذْ يَقول: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ". فهذه تُشيرُ إلى دَعوةِ الإنجيلِ حيثُ يَدعى الخُطاةُ إلى التَّوبة، ويُدعى غيرُ المؤمنينَ إلى الإيمان، ويُدعَى غيرُ المُخَلَّصينَ إلى الخَلاص. ولكنَّ هذه الكلمة لا تُستخدَمُ بهذهِ الطَّريقة في الرَّسائل، بل إنَّها تُستخدَمُ للإشارةِ إلى ما يُسَمِّيهَ اللاَّهوتيُّونَ "الدَّعوةَ الفاعِلَةَ" أوِ "الدَّعوةَ الفَعَّالَةَ" إلى الخلاص. فهي تُستخدَمُ للإشارةِ إلى تلك المَرَّةِ الَّتي خَلَّصَكَ اللهُ فيها. فدَعوتُكَ هي الوقتُ الَّذي دَعاكَ اللهُ فيهِ؛ وهي تُشيرُ إلى حَقيقةِ خَلاصِك. فقد دُعيتَ إلى المسيحِ مِن قِبَلِ الله. وقد تَمَّ اقتيادُكَ إلى الخلاص.

فهي تُستَخدمُ بهذا المَعنى. فهي تَرِدُ بهذا المعنى في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّامن إذْ نَقرأُ: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا". إذًا، نَرى هُنا التَّعيينَ السَّابِقَ، والدَّعوة، والتَّبرير، والتَّمجيد. فهذا هو تَسلسُلُ الخَلاص. فالَّذين تَمَّ تَعيينُهم في السَّابقِ يُدْعَوْنَ إلى الخَلاصِ حيثُ يُعلَنُ بِرُّهُم وتَمجيدُهم. ويُمكنكُم أن تَرَوْا الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالة رُومية 11: 29. فدَعواتُ اللهِ هذهِ هي بِلا نَدامَة. دَعَواتُ اللهِ هذهِ هي بِلا نَدامَة. فهي دائمة. وفي رسالة غلاطيَّة 1: 15، يَتحدَّثُ بولُسُ عن خَلاصِهِ ويُسَمِّيهِ الوقتَ الَّذي دُعِيَ فيه. وفي رسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس 1: 26، يَتحدَّثُ بولسُ عنِ الخلاصِ بأنَّهُ دَعوة. لِذا فإنَّها لَفظة تَعني: "دَعوة فَاعِلة [أو فَعَّالة] إلى الخلاص".

ويُمكنُكم أن تَرَوْا الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 12: "وَنُشْهِدُكُمْ لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ للهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ". فهي دَعوة إلى المَلكوت. وهي دَعوة إلى المَجد. فهي دَعوة مُخَلِّصَة. ورُبَّما استَخدَمَها يَسوعُ بهذا المَعنى عندما تَحدَّثَ عن جَذْبِ الآبِ لَنا: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". فهذا هو جَوهَرُ تلكَ الدَّعوة. لِذا فإنَّهُ يَقول: "انظُروا! لقد دُعيتُم إلى الخَلاص. وقد دُعيتُم إلى اللهِ، ودُعيتُم إلى المَسيح، ودُعيتُم إلى أن تَحمِلوا الاسمَ: ’مَسيحيِّين‘. وقد دُعيتُم إلى أن تُعرَفوا بشعبِ اللهِ وأولادِ الله". وهو يَقولُ الآن: أنا أُصَلِّي أن يُوهِّلَكُمُ اللهُ لتلكَ الدَّعوةِ لكي تَكونوا جَديرينَ بأن تَحمِلوا ذلكَ الاسم". فهو يُريدُ مِنكُم أن تَكونوا جَديرينَ بهذا الاسم.

وهذهِ الكلمة تَجلِبُ إلى الذِّهنِ عَددًا مِنَ الأشياء. ففي رسالة رُومية 1: 32، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ غيرَ المُؤمِنينَ يَستوجِبونَ المَوت. فَهُم يَستوجِبونَ المَوت. فَهُم ليسوا جَديرينَ بالخَلاص. وهذا يَشْمَلُنا جميعًا. فلا أحدَ مِنَّا جَديرٌ بالخلاص. لِذا، يُمكِنُنا أن نَستنتِجَ ببساطَة ما يَلي: أنَّ اللهَ يُخَلِّصُ غيرَ المُستَحِقِّين. فاللهُ يُخَلِّصُ بِنَعمَتِهِ غيرَ المُستَحِقِّين. ويُمكِنُنا أن نُضيفَ إلى ذلكَ ما يلي: أنَّ اللهَ يَجعَلُ غيرَ المُستحقِّينَ مُستَحِقِّين. فقد قالَ الرَّبُّ لمَلاكِ كَنيسةِ سَارْدِس في سِفْر الرُّؤيا 4: 3: "لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ". فاللهُ يُخَلِّصُ غيرَ المُستحقِّينَ ويَجعلُ غيرَ المُستَحِقِّينَ مُستحقِّين. ولكن فَضلاً عن ذلكَ فإنَّ اللهَ يُريدُ مِنهُم أن يَصيروا أكثرَ استِحقاقًا. فهو يُريدُ أن يَزيدَ ذلكَ بالمَعنى العَمَلِيِّ.

وكيفَ يُمكنُني أن أفهَمَ ذلك؟ قبلَ أن تَصيرَ مَسيحيًّا، كُنتَ غَيرَ مُستَحِقٍّ. وعندما صِرتَ مَسيحيًّا، صِرتَ مُستَحِقًّا مِن جِهَةِ مَقامِكَ. وهذا يَعني أنَّهُ كما أنَّكَ صِرْتَ بارًّا بِبِرِّ المسيح، فإنَّكَ صِرتَ مِن خلالِ ذلكَ البِرِّ مُستَحِقًّا. بعبارة أخرى، لقد جَعَلَكَ اللهُ مُستحِقًّا معَ أنَّكَ لم تَكُن مُستحِقًّا. وقد فَعَلَ ذلكَ بالنِّعمة. فأنتَ لم تَكسَبَ ذلك بِجدارَتِك، ولم يَكُن بمَقدورِكَ أن تَكسَبَ ذلك، ولم يَكُن بمقدورِكَ أن تَفعلَ أيَّ شيءٍ يَجعلُكَ جَديرًا بالخَلاص. فلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ أيَّ شيءٍ يَجعلُكَ جَديرًا بالحُصولِ عليه. ولا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ أيَّ شيءٍ يَجعلُكَ جَديرًا بالاحتفاظِ بهِ. ولكنَّ اللهَ يُعطيكَ استِحقاقًا في المسيح. فعندما يُعلِنُ أنَّكَ بارٌّ ويُلبِسُكَ ثَوبَ بِرِّ المسيحِ فإنَّ ذلكَ يَجعَلُكَ مُستحقًّا.

لِذا مِن جِهَةِ مَقامِكَ أمامَ اللهِ، أنتَ مُستَحِقٌّ. ولكن بالمَعنى العَمليِّ فإنَّ بولسَ يَقول: "أنا أُصَلِّي أن يَجعَلَكُمُ اللهُ مُستَحِقِّين". بعبارة أخرى، أن يَزيدَ ذلكَ الاستحقاق. ويُمكنُكم أن تَرَوْا شيئًا مُشابهًا في العددِ الخامِسِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل؛ أي كيفَ أنَّ اللهَ يَجعَلُكَ مِن خِلالِ تأديبِهِ مُستَحِقًّا للملكوتِ الَّذي تَتألَّمُ لأجله. فاللهُ يُريدُ مِنكَ أن تَكونَ أكثرَ استِحقاقًا. وهو يُريدُ مِنكَ أن تَكونَ أكثرَ جَدارةً بِحَمْلِ اسمِه. وهو لا يُريدُ منكَ أن تَستَحي باسمِهِ أو أن تَستَحي بكنيستِه.

لِذا فإنَّهُ يُريدُ أن يَجعلَكُم أكثرَ استحقاقًا، وأن يَزيدَ استحقاقَكُم. وهو يَفعلُ ذلكَ مِن خلالِ الألم (كما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعددِ الخامِس). فهو يَسمَحُ بالألمِ في حَياتِكَ لكي يُزيلَ الجَسَدَ مِنَ الطَّريقِ ويَجذِبَكَ إليهِ ويَجعلَكَ ناضِجًا رُوحيًّا. وهُنا، بالمَعنى الإيجابِيِّ، يُصَلِّي بولسُ أن يَستمرَّ اللهُ في تلكَ العمليَّةِ قَدرَ الحاجَة، وأن يَجعلَكُمُ اللهُ مُستحقِّينَ لدعوتِهِ. صَحيحٌ أنَّكُم مُستحقُّونَ مِن جِهَةِ مَقامِكُم، ولكنَّكُم بحاجة إلى أن تَكونوا مُستحقِّينَ أكثرَ فأكثرَ مِن جِهَةِ التَّطبيق. وفي يَومٍ ما في المُستقبل، سَتَصيرونَ مُستحقِّينَ تَمامًا لأنَّكُم ستَصيرونَ قِدِّيسينَ تَمامًا. ولكن إلى أن يَحدُث ذلك، يجب علينا أن نَصيرَ أكثرَ فأكثرَ استحقاقًا في حَمْلِ اسمِ المسيح.

والمُؤمِنونَ يَصيرونَ مُستحقِّينَ بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَتَبَرَّرونَ بها. ولكن يجب عليهم أن يَصيروا أكثر بِرًّا، ويجب عليهم أن يَصيروا أكثرَ استحقاقًا. وما يَحْفِزُنا على العَيشِ وَفقًا لذلكَ الاستحقاقِ الإلهيِّ الدَّاخليِّ هو يَدُ التَّأديبِ الإلهيَّة، ورُوحُ اللهِ الَّذي يَعملُ في حَياتِنا مِن خلالِ الكلمةِ وتَطبيقِها.

لِذا فإنَّهُ يَقول: أنا أريدُ منكم أن تَكونوا أكثرَ استحقاقًا. وأعتقدُ أنَّ هذه صَلاةً ينبغي لكُلِّ راعي كنيسة أن يُصَلِّيها، وأن تَكونَ صَلاةً يُصَلِّيها كُلُّ راعي كنيسة. فأنا أريدُ لرعيَّتي أن تَكونَ أكثرَ استحقاقًا في حَمْلِ اسمِ المسيح. وأنا لا أريدُ أن تَجلِبَ رَعيَّتي العَارَ على المسيح، ولا أريدُ أن تَجلِبَ رَعيَّتي الخِزْيَ على اسمِه، ولا أريدُ مِنهم أن يَكونوا سَبَبًا [كاليهودِ] في إهانَةِ الله. فهل تَذكُرونَ أنَّهُ قالَ إنَّ اسمَ اللهِ يُجَدَّفُ عليهِ بسببِ سُلوكِهم (في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني)؟ وقد كانَ يوجدُ أشخاصٌ في كنيسةِ تسالونيكي لا يَتصرَّفونَ باستحقاقٍ، ولم يكونوا حَقًّا يَستحقُّونَ أن يَحمِلوا ذلكَ الاسم. انظروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ السَّادس: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا".

فهُناكَ إخوة في الكنيسة يَسلُكونَ بِلا تَرتيب، ويَسلُكونَ ليسَ حَسَبَ التَّعليم؛ أي ليسَ حسبَ الكتابِ المقدَّسِ أو كلمةِ اللهِ أوِ التَّعليمِ الَّذي أَخذوهُ مِنَّا. وفي العدد 11: "لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّونَ". لِذا، تَجَنَّبوا مِثلَ هؤلاءِ الأشخاص. فَهُم أشخاصٌ غيرُ مُستحقِّين. صَحيحٌ أنَّهُم مُستحقُّونَ مِن جِهَةِ مَقامِهم لأنَّهُم اكْتَسَوْا بِبِرِّ المسيح؛ ولكنَّهُم في حَياتِهم العَمليَّةِ ليسوا جَديرينَ بأن يُدْعَوْا مَسيحيِّين.

وكما تَعلمونَ، أنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يَعمَلُ أحيانًا على إماتَةِ هؤلاءِ الأشخاص ويأخُذُهم إلى السَّماء. فَهُم لا يَستأهلونَ أن يَحمِلوا اسمَهُ على الأرض. فَهُم يُعَيِّرونَ اسمَهُ. لِذا فإنَّ بولسَ يُصَلِّي أن يَسلُكَ هؤلاءِ سُلوكًا جَديرًا بالاسمِ الَّذي يَحمِلونَهُ. فأنتُم تَحمِلونَ مسؤوليَّةً جَسيمة. وأنتُم قد حَصلتُم على امتيازٍ عَظيم. وكذلكَ هي حالي أنا أيضًا. لِذا، إن كُنَّا نُسَمَّى "مَسيحيِّينَ"، يجبُ علينا أن نَكونَ جَديرينَ بالاسمِ الَّذي نَحمِلُه.

انظروا إلى رسالة أفسُس إذْ سأُريكُم كيفَ أنَّ هذهِ الفِكرةَ نَفسَها هي فِكرة مُهمَّة وتَتكرَّرُ في رسائِلِ بولُس. رسالة أفسُس 4: 1: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا". فيجبُ عليكم أن تَسلُكوا بِجدارة. وهو يُعَرِّفُ ذلكَ فيقول: "بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم". فهكذا ينبغي لكُم أن تَسلُكوا. فهذا هو مَا يَفعلُهُ المُؤمِنُ المُستحقُّ. فالمؤمنُ المُستحقُّ هو إنسانٌ مُتواضعٌ، ووَديعٌ، وطَويلُ الأناةِ، ويَحتَمِلُ الآخرينَ، ومُحِبٌّ، ويَسعى إلى الوَحدة".

انظُروا إلى رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الأوَّل. فنحنُ نَقرأُ في رسالة فيلبِّي 1: 27: "فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيح". وكيفَ نَفعلُ ذلك؟ بأن تَثْبُتوا "فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ"، وبأن تَتألَّموا طَوعًا. فهكذا تَصيرونَ مُستحقِّين. فأنتُم تَسلُكونَ بجدارة عندما تَسْعَوْنَ إلى الوَحدة، وعندما تَثبُتونَ، وعندما تَتَّكِلونَ على اللهِ في وَسْطِ الصِّعاب، وعندما تَحتَمِلونَ الألمَ لأجلِهِ. وهو يَقولُ في رسالتِهِ إلى أهلِ كولوسي 1: 10 الشَّيءَ نَفسَهُ. فهذا هو ما نُصَلِّي لأجلِه: أن "تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ". كيف؟ "فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ، مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ... شَاكِرِينَ..." [في العدد 12].

إذًا، ما هي الحياةُ كما يَحِقُّ؟ إنَّها حياةٌ تُرضي اللهَ مِن كُلِّ الجَوانِب. وهي حَياة مُثمِرَة في كُلِّ عَملٍ صَالحٍ. وهي تَعني أن نَنموا في مَعرفةِ اللهِ، وأن نَتقوَّى بكُلِّ قُوَّة. وهي حَياة شَكورة. فهذه هي الحياةُ كما يَحِقُّ. وكما ذَكرتُ سابقًا فإنَّ الآيةَ 1تسالونيكي 2: 12 تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "[اسلُكوا] كَمَا يَحِقُّ للهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ". إذًا، كيفَ يَنبغي أن تَسلُكوا؟ لقد قالَ بولُس إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَسلُكَ هكذا في العدد 10: "بِطَهَارَةٍ، وَبِبِرٍّ، وَبِلاَ لَوْمٍ".

لِذا، يُمكنُكم أن تَرَوْا أنَّ هذهِ هي الفِكرة الَّتي يُحِبُّ بولسُ أن يَرجِعَ إليها؛ أيْ فِكرةَ الاستِحقاق. وهو يَقول: "أُصَلِّي أن يَزيدَ اللهُ جَدارَتَكُم بأن تَحمِلوا اسمَ ابنِهِ". وإذا نَظرتُم إلى العهدِ الجديدِ ولَخَّصتُموه، ستكونُ الخُلاصَةُ شيئًا كهذا: السُّلوكُ بِجَدارة – سوفَ أَذكُرُ لكُم لائحةً. لا تُدَوِّنوها، بلِ استَمِعوا وَحَسْب. وهي لائحةٌ مِنَ آياتٍ كِتابيَّةٍ قَرأتُها. وهُناكَ الكثيرُ غيرُها. وهي كالتَّالي: السُّلوكُ بجدارة هو سُلوكٌ في التَّواضُع، وسُلوكٌ في الطَّهارة، وسُلوكٌ في القَناعة، وسُلوكٌ بالإيمان، وسُلوكٌ في البِرّ، وسُلوكٌ في الوَحدة، وسُلوكٌ في اللُّطف، وسُلوكٌ في القوَّة، وسُلوكٌ في الصَّبر، وسُلوكٌ في المحبَّة، وسُلوكٌ في الفَرَح، وسُلوكٌ في الشُّكر، وسُلوكٌ في النُّور، وسُلوكٌ في المَعرفة، وسُلوكٌ في الحِكمَة، وسُلوكٌ في الحَقِّ، وسُلوكٌ في الثَّمر. ولتلخيصِ ذلك، إن كنتَ تُسَمِّي اسمَ المسيحِ وتَقولُ إنَّكَ لَهُ (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 6)، يجب عليكَ أن تَسلُكَ كما سَلَكَ هُوَ.

إذًا، هذهِ طِلبة شَامِلَة. فهو يُصَلِّي أن يُؤهِّلَ اللهُ المؤمنينَ لكي يَعيشوا حَسَبَ جَدارَتِهم الرُّوحيَّة. فَهُم مُستَحِقُّونَ بمُقتَضى بِرِّ المسيحِ المَحسوبِ لَهُم. فَهُم سيكونونَ ذاتَ يومٍ مُستحقِّينَ أن يَسلُكوا مَعَهُ في ثِيابِهم البيضاء لأنَّ كُلَّ الخطايا قد غُفِرت. وإلى أن تَحينَ تلكَ اللَّحظة فإنَّهُ يريدُ أن تَزيدَ جَدارَتُهم في جَميعِ مَجالاتِ الحياة. فهي صَلاة لأجلِ شخصيَّةِ المؤمن، ولأجلِ فَضيلةِ المؤمن.

الطِّلبةُ الثَّانيةُ: الطِّلبةُ الثَّانيةُ هي حَقًّا لأجلِ الصَّلاح... لأجلِ الصَّلاح. فهو يُعَبِّرُ عنِ الطِّلبةِ الثَّانيةِ ببساطة بهذهِ الكلمات: "وَيُكَمِّلَ [اللهُ] كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَح". وأودُّ أن أُسَمِّي هذهِ النُّقطة: "الاكتفاء". فهو يُصَلِّي إلى اللهِ ويَطلُبُ مِنهُ أن يُعطيهم اكتفاءً. فالكلمة المُستخدمة هُنا وهي: "بليروسي" (plerose) تَعني: "يُكَمِّل". أي: "يا رَبّ، أرجوكَ أن تُكَمِّل في حَياتِهم كُلَّ شيءٍ يَرغبونَ فيه إن كانَ ما يَرغبونَ فيهِ صَالِحٌ حَسَبَ تَعريفِكَ أنت". هذهِ هي صَلاتُه: أن يُلَبِّي اللهُ كُلَّ رَغبةٍ لديهم في الأشياءِ الصَّالحة.

وأينَ تَجِدونَ الأشياءَ الصَّالحة؟ لقد قالَ يسوعُ إنَّ هُناكَ واحدٌ صالحٌ فقط وهو: الله. والوحيدُ الَّذي أكمَلَ كُلَّ صَلاحٍ هوَ الله. وبولُس يَقولُ ببساطة: "يا رَبّ، أرجو منكَ أن تُعطيهم كُلَّ شيءٍ يَرغبونَ فيهِ ما دامَ هذا الشَّيءُ حَسَبَ تَعريفِكَ صالِحًا". وهذه نُقطةٌ رائعة. "أريدُ مِنهُم أن يَختبروا الشِّبَع. وأريدُ أن تُجابَ صَلواتُهم. وأريدُ أن تَتحقَّقَ أحلامُهم، وأن تُلَبَّى رَغَباتُهم، وأن تَتحقَّقَ أشواقُ قَلبِهم؛ ولكن فقط إن كانت صَالحةً حَسَبَ تَعريفِكَ أنتَ".

وإن عُدنا إلى سِفْرِ المَزامير نَجِدُ فِكرةً صغيرةً عن هذا النَّوعِ مِنَ الصَّلاة في المَزمورِ الحادي والعِشرين. وسوفَ أقرأُ على مَسامِعِكُم العَدَدَيْن الثَّاني والثَّالث: "شَهْوَةَ قَلْبِهِ أَعْطَيْتَهُ، وَمُلْتَمَسَ شَفَتَيْهِ لَمْ تَمْنَعْهُ. لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُهُ بِبَرَكَاتِ خَيْرٍ". هذا هو المِفتاح. "لقد أعطيتَهُ ما يُريد، وأعطيتَهُ ما طَلَبَهُ لأنَّ طِلبَتَهُ كانَت صَالحةً، ولأنَّكَ رأيتَ أنَّ ما طَلَبَهُ كانَ صَالحًا". ونَقرأُ في المزمور 37 كلماتٍ أعلَمُ أنَّكُم تَذكرونَها لأنَّها نَصٌّ مَألوفٌ جدًّا ومُفيد. استَمِعوا إلى العدد الرَّابع: "تَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ". مَهلاً! هل سيُعطيكَ اللهُ كُلَّ سُؤْلِ قَلبِكَ؟ أجل، إن كُنتَ تَتَلَذَّذُ بِهِ. فالمَعنى المَقصودُ هو أنَّكَ إن كُنتَ تَتَلَذَّذُ بِهِ فإنَّ سُؤْلَ قَلبِكَ هو سُؤْلُ قَلبِهِ. فهو سُؤْلُ قَلبِهِ هو أوَّلاً. لِذا عندما تُصَلِّي، سيُعطيكَ اللهُ ما تُصَلِّي لأجلِهِ لأنَّهُ سيكونُ مَتوافقًا معَ سُؤْلِ قَلبِه. وعندما تَتَلَذَّذُ بالرَّبِّ، ستَتوقُ إلى الصَّلاحِ، وسيُشبِعُ اللهُ شَوقَ قَلبِك.

وهُناكَ مُلاحظة أخرى في سِفْر المَزامير، وتَحديدًا في المَزمور 138: 8: "الرَّبُّ يُنْجِزُ مَقاصِدَهُ لي". الرَّبُّ سيُحَقِّقُ قَصْدَهُ لي. ولماذا كانَ المُرَنِّمُ يَملِكُ كُلَّ هذهِ الجُرأةَ حَتَّى إنَّهُ قالَ: "الرَّبُّ سيُحَقِّقُ مَقاصِدَهُ لي"؟ والجوابُ هُوَ أنَّهُ مِنَ الواضحِ في ذلكَ المَزمور أنَّ مَقاصِدَهُ هي مَقاصِدُ الرَّبِّ. ويَعقوب يَقول: "تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأخُذُونَ" لماذا؟ "لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ". فأنتُم تَطلُبونَ ما هو لأنفسِكُم. وبولُس يَقول: "يا رَبّ، أَعطِهِم كُلَّ سُؤْلِ قَلبِهِم إن كانَ ما يَطلبونَهُ [ماذا؟] صالِحٌ حَسَبَ تَعريفِكَ أنت". فهذه هي الحَياةُ المُشبَعَة.

وأنا أعلَمُ أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ رُبَّما يَفتَرِضونَ أنَّ اللهَ لا يُريدُ حَقًّا أن يَجعلَ أيَّ شخصٍ سَعيدًا، وأنَّ اللهَ يُسَرُّ بأن يَكونَ مُفْسِدَ البَهجةِ في الكَون، وأنَّ اللهَ يَشعُرُ بأنَّهُ ينبغي أن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ يُنَغِّصُ حَياةَ النَّاسِ جَميعًا كوسيلةٍ لتذكيرِهم بأنَّهُ المُهيمِن، وأنَّ اللهَ يُريدُ أن يَترُكَ النَّاسَ في حَالةٍ مِنَ البُؤسِ الدَّائمِ لتذكيرِهم بأنَّهُ صَارِمٌ ومُتَطَلِّب. ولكنَّ هذا غير صَحيح. فاللهُ يُريدُ أن يُعطيكَ سُؤْلَ قَلبِكَ. فعندما تَلتجِئُ إليهِ في الصَّلاةِ فإنَّهُ يُريدُ أن يُعطيكَ سُؤْلَ قَلبِكَ ما دامَ سُؤْلُ قَلبِكَ الَّذي تَطلُبُهُ مِنهُ هو سُؤْلٌ تَعَلَّمتَهُ مِن خلالِ الاستماعِ إليهِ، وأنَّكَ تَعرِفُ فِكرَهُ ومشيئتَهُ. فالمَزمور 145: 16 يَقولُ إنَّ اللهَ يَفتَحُ يَدَهُ فيُشبِعُ كُلَّ حَيٍّ رِضًى. هذا هُوَ الله. فاللهُ سَخِيٌّ ومُنعِمٌ. وَهُوَ يَتوقُ إلى أن يُعطي أولادَهُ ما يَتوقونَ إليهِ؛ ولكنَّهُ يَتوقُ إلى أن يَتوقوا إلى ما ينبغي لَهُم أن يَتوقوا إليه. وَهُوَ يَعلمُ أنَّهُ عندما يَحصُلونَ على ذلكَ الشَّيء فإنَّ ذلكَ سيَؤولُ إلى تَسبيحِه. والمَزمور 90: 14 يَقولُ إنَّهُ عندما أُعطيكُم سُؤْلَ قُلوبِكُم فإنَّكُم سَتُسَبِّحونَني.

إذًا، ما الَّذي يُصَلِّي بولسُ لأجلِه؟ وما الأشياءُ الصَّحيحة الَّتي يَنبغي أن نُصَلِّي لأجلِها؟ وما الأشياءُ الَّتي ينبغي أن تُصَلُّوا لأجلِها في حَياتِكُم الشخصيَّة، وفي حَياةِ مَن تُحِبُّون، وفي حَياةِ النَّاسِ في الكنيسة؟ ينبغي أن تُصَلُّوا لأجلِ استِحقاقِهم. صَلُّوا أن تَنمو فَضيلَتُهم المسيحيَّة. وصَلُّوا أن تَنمو شَخصيَّتُهم المسيحيَّة. ثُمَّ صَلُّوا لأجلِ شَبَعِهم؛ أي أن يُكَمِّلَ اللهُ في حَياتِهم كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ في كُلِّ شيءٍ صَالِحٍ يَتوقونَ إليهِ لأنَّهُم يَعرفونَ أنَّ اللهَ يَتوقُ إليهِ أيضًا. فإن أردتَ أن تُصَلِّي صَلواتٍ مُستَجابَة، استَمِع جيِّدًا واعرِف فِكرَ اللهِ وقَلبَهُ، وصَلِّ لأجلِ الأشياءِ الصَّالِحَةِ حَسَبَ تَعريفِهِ هُوَ. وحينئذٍ سيُعطيهِ لَك.

الطِّلبَة الثَّالثة: إنَّهُ يُصَلِّي لأجلِ قُوَّتِهم. فهو يُريُدهُم أن يَكونوا أشخاصًا مُستحقِّينَ، وأشخاصًا مُشْبَعينَ، وأشخاصًا أقوياء. "نُصَلِّي أن يُكَمِّلَ إلهُنا..." وسوفَ نَستَعيرُ الفِعْلَ "يُكَمِّل" هُنا لأنِّي أعتقدُ أنَّ هذا هو المَعنى المَقصودُ هُنا: "[أن يُكَمِّلَ إلهُنا عَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ"؛ أي أن يُتَمِّمَ اللهُ جُهودَكُم بقوَّة. فقد كانوا مُنهَمِكينَ في عَملِ الإيمانِ في رسالة تسالونيكي الأولى 1: 3. فقد قال: "أن أشكُرُ اللهَ لأجلِ عَمَلِ إيمانِكُم". اسمعوني: لا يوجد شيء يُدعَى "إيمانًا غيرَ عَامِل". أليسَ كذلك؟ فالإيمانُ بِدُونِ أعمالٍ ماذا؟ مَيِّت.

والآيات يَعقوب 2: 17-26 واضِحَة تَمامَ الوُضوحِ في قَولِ ذلك: "هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ. لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: «أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ، وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ» أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي". بعبارة أخرى: "كيفَ ستُريني إيمانَكَ؟ فلا يُمكنُني أن أراه". إنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ الَّتي يُمكِنُكَ مِن خلالِها أن تُريني إيمانِكَ هي مِن خلالِ أعمالِك. وَهُوَ يَمْضي في وَصْفِ ذلكَ فيقولُ إنَّ الإيمانَ يَعمل. فكما أنَّ الجَسَدَ بِدونِ الرُّوحِ مَيِّت، فإنَّ الإِيمَانَ أيضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّت. لِذا فقد كانَ إيمانُهُم مُخَلِّصًا حقًّا، ومَنظورًا. فقد كانَ إيمانًا عامِلاً ومُثمِرًا. فهو يَقول: "أشكُرُ اللهَ لأجلِ عَمَلِ إيمانِكُم". ولكنَّ ما يُصَلِّي لأجلِهِ الآن هو: "أنا أطلُبُ مِنَ اللهِ أن يَجعلَ عَمَلَ الإيمانِ ذاكَ يَعمَل بقوَّة". ليسَ بالحَدِّ الأدنى مِنَ القُوَّة، بل بأقصى قُوَّةٍ مُمكِنَة.

فقد كانَ يَفهمُ الخَلاصَ بالنِّعمةِ مِن خلالِ الإيمان وَحدَهُ؛ ولكنَّهُ كانَ يَفهمُ أيضًا أنَّ الخلاصَ بالنِّعمةِ مِن خلالِ الإيمانِ وَحدَهُ يُنشِئُ أعمالاً: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ [في رسالة أفسُس 2: 10]، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا". فقد كانَ يَفهَمُ ذلك. فالإيمانُ المُخَلِّصُ الصَّحيحُ يُنشِئُ أعمالاً. ولكنَّهُ قال: "أريدُ أن تكونَ تلكَ الأعمالُ قويَّة". هذه هي الطِّلباتُ الصَّحيحة. إنَّها حَقًّا الطِّلباتُ الصَّحيحة.

وقد تَقول: "ولكن كيفَ يُمكِنُ لهذا أن يَحدُث؟ كيفَ يُمكِنُ لهذا أن يَحدُث، أي تلكَ القوَّة؟" يُمكنُكم أن تَرجِعوا إلى الأصحاح ِالثَّالثِ مِن رسالة أفسُس لتَجِدوا تَلميحًا. ففي الأصحاح الثَّالثِ والعدد 15 نَقرأُ أنَّ بولسَ يُصَلِّي. وهو يُعَرِّفُ اللهَ في العَددَين 14 و 15. ثُمَّ في العدد 16 إليكُم ما يَطلُبُهُ: "لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِن". هذا هو المِفتاح. فقُوَّةُ اللهِ تَعمَلُ [وَفقًا لما قَرأتُهُ لَكُم] بِروحِ اللهِ في الإنسانِ الباطِن. وقد تقول: "وكيفَ يَحدُثُ ذلك؟" بأن تَسمَحوا لكلمةِ المسيحِ أن تَسكُنَ فيكُم بِغِنىً إلى أن تُهيمِنَ كلمةُ اللهِ على قُلوبِكُم. فهو يَقول: "أنا أريدُ أن يَكونَ عَمَلُ إيمانِكُم قويًّا، وأريدُ أن يَتَحَقَّقَ شَوقُكُم إلى الصَّلاحِ، وأريدُ أن تَكونَ حَياتُكُم جَديرةً بأن تَحمِلوا اسمَ المسيح". هذه هي الأشياءُ الصَّحيحةُ الَّتي ينبغي أن تُصَلُّوا لأجلِها. هذا هو ما ينبغي أن تُصَلُّوا لأجلِه لشريكِ حَياتِك، ولأبنائِك، ولأصدقائك، وللنَّاسِ الَّذينَ تُحِبُّهم، ولكنيستِك. فنحنُ عَالِقونَ في فَخِّ طَلَبِ الأشياءِ الزَّائلة.

وأخيرًا: السَّبب. فمَصدَرُ أشواقِهِ لهذهِ الكنيسةِ هو: الصَّلاة. والطِّلباتُ هي: الاستحقاقُ، والشِّبَعُ، والقوَّة. والآن: السَّبب. وهذا أمرٌ بسيطٌ جدًّا ومُهمٌّ جدًّا. العدد 12: "لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". هذا هو السَّبب: فالهدفُ هو ليسَ لأجلكم أنتُم، بل إنَّ الهدفَ هو لأجلِ الله: "لكي [أو "بِغرضِ أن] يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". ونَجِدُ هُنا ضَميرُ المِلكيَّة في الكلمة "رَبِّنا" مَرَّةً أخرى. وهو يُشيرُ إلى العلاقةِ الحَميمةِ الَّتي تَربِطُنا بالمسيحِ كما تَربِطُنا بالله. وهذا هو أَسمَى قَصْد، وأَسمَى دَافِع، وأعظمُ سَبَبٍ يَدعوكُم إلى أن تَكونوا هكذا: "لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ". فالهَدَفُ في ذلكَ هو مَجدُه.

واسمَحوا لي أن أَشرَحَ هذهِ الآية قليلاً. هل تَرَوْنَ تلكَ العبارة: "اسمُ رَبِّنا"؟ - "اسمُ رَبِّنا"؟ هذا هو لَقَبُ اللهِ في العهدِ القديم. ويُمكنكُم أن تَرَوْهُ في سِفْر التَّكوين 4: 26، وسِفْر الخُروج 33: 19، وسِفْر التَّثنية 5: 11، وسِفْر إشعياء 42: 8، وسِفْر إشعياء 56: 6. فهو لَقَبٌ مِن ألقابِ الله. وهو يَقولُ هنا: "اسمُ رَبِّنا يَسوع". ومِنَ الواضحِ تَمامًا أنَّهُ يَقولُ إنَّ يَسوعَ هُوَ الله، الإلَه يَهْوَه، إلَهُ العهدِ القديم. واللَّفظة "اسْم" تَعني كُلَّ صِفاتِه، وكُلَّ كِيانِ الله. "كُلُّ صِفاتِ الرَّبِّ"؛ فهذه طريقة أخرى في قولِ ذلكَ بأسلوبٍ مُختلِف. لِذا فإنَّهُ يَقول: "أريدُ أن تَحصُلوا على هذا كُلِّه لكي يَنالَ كُلُّ كِيانِ الرَّبِّ يَسوعَ المَجدَ والكَرامَةَ والرِّفْعَة".

هل تَذكرونَ ما جاءَ في سِفْر دانيال والأصحاحِ التَّاسعِ عندما كانَ دانيال يُصَلِّي لأجلِ شَعبِه؟ فقد صَلَّى وصَلَّى وصَلَّى في كُلِّ ذلكَ الأصحاحِ الرَّائعِ لأجلِ حاجاتِ شَعبِهِ، ثُمَّ إنَّهُ في نِهايةِ ذلكَ المَقطعِ يُطلِعُنا على السَّبب: "يَا سَيِّدُ اسْمَعْ. يَا سَيِّدُ اغْفِرْ. يَا سَيِّدُ أَصْغِ وَاصْنَعْ... مِنْ أَجْلِ نَفْسِكَ". لماذا؟ "لأَنَّ اسْمَكَ دُعِيَ عَلَى مَدِينَتِكَ وَعَلَى شَعْبِكَ". أي: "إنَّ سُمعَتَكَ، يا رَبُّ، هي على المِحَكِّ. لِذا، أرجوكَ أن تَفعل هذا. فاسمُكَ هو المُهِمُّ هُنا، وسُمعَتُكَ على المِحَكّ". وأنتُم تَعلمونَ كما أَعلمُ أنا، يا أصدقائي، أنَّ العُذْرَ الوحيدَ الَّذي يُقَدِّمُهُ النَّاسُ لعدمِ الرَّغبةِ في أن يكونوا مَسيحيِّينَ هو أنَّهُم يَقولون: "أنا أَعرِفُ مَسيحيِّينَ وَهُم... [املأوا الفَراغ] مُراؤون". فهذا هو دائمًا العُذرُ الَّذي يُقَدِّمُهُ النَّاس.

وقد كانَ هذا هو ما يَقولُهُ دانيال. "يا رَبُّ انظُر! يجب عليكَ أن تَفعلَ شيئًا هُنا لأنَّ اسمَكَ على المِحَكِّ، وسُمعَتُكَ على المِحَكِّ في حَياةِ شَعبِك. فَهُم يَحمِلونَ اسمَكَ". وهذا هو ما يَقولُهُ بولُس: "يا رَبّ، أنا أسألُكَ أن تَفعلَ هذا لأنَّ اسمَكَ على المِحَكِّ ومَجدَ اسمِكَ على المِحَكّ". "أريدُ أنَّ الَّذينَ يَحمِلونَ اسمَ الرَّبِّ يسوعَ يُمَجِّدونَهُ". وهذا شَيءٌ رائعٌ يَقولُهُ. "لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ". ويا لها مِن فِكرةٍ رائعة في أنَّ اللهَ أوِ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ يُمكِنُ أن يَتَمَجَّدَ فِيَّ، أيْ في هذا الوعاءِ الأرضِيِّ، وفي هذا الوِعاءِ الخَزَفِيِّ الوَضيعِ، وفي هذا الجَسدِ الخاطِئ! ولكنَّ هذه هي الحقيقة. فكما أنَّ مَجدَهُ سَطَعَ على وَجهِ مُوسَى، فإنَّهُ يُمكِنُ أن يَسطَعَ مِن خِلالي. لِذا فقد قالَ يَسوعُ: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات".

وكما تَرَوْنَ، يجب علينا أن نَحيا بطريقة تُمَجِّدُ اللهَ. فهو يُريدُ أن يَتَمَجَّدَ فيكُم (كما يَقولُ بولُس). "يا رَبُّ افعَل هذا لكي يَتَمَجَّدَ رَبُّنا يسوعُ في هؤلاءِ الأشخاصِ ويَتَمَجَّدوا فيه". ما مَعنى ذلك؟ إنَّها عَمليَّة مُتبادَلَة. بعبارة أخرى، إن تَمَجَّدَ مِن خِلالِكُم، أو أُكْرِمَ مِن خِلالِكُم، سوفَ يُكرِمُكُم، ويَرفَعُكُم، ويُمَجِّدُكم. وقد تَقول: "هل هذا العَدَدُ يتحدَّثُ عنِ المَجدِ الأبديّ؟" بكُلِّ تأكيد. "وهل يَتحدَّثُ أيضًا عنِ المَجدِ في هذهِ الحياة؟" رُبَّما! فاللهُ مُنعِمٌ جدًّا، وَهُوَ يُعطينا امتيازَ تَمجيدِ المسيحِ فينا، ثُمَّ يَقول: "سوفَ يُمَجِّدُكم هُوَ ويُكرِمُكم". ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ سيَعملُ في المُستقبلِ على تَمجيدِنا. ولكن حتَّى في وقتنا الحاضرِ، أعتقدُ أنَّ رَبَّنا سيَرفَعُ الأشخاصَ الَّذينَ يُمَجِّدونَ اسمَهُ. فهو سيَرفَعُهم مِن خلالِ مُبارَكَتِهم. ويا لَهُ مِن شيءٍ رائع!

أنا أُصَلِّي – وهذا هو السَّبب – أنَّ الرَّبَّ يسوعَ، بِمِلْءِ شَخصِهِ، سَيَتَمَجَّد فيكم، وأنَّهُ عندما يَتَمَجَّد فيكم فإنَّهُ [بالمُقابِلِ] سيَرفَعُكُم، ويُكرِمُكم، ويُمَجِّدُكم. إنَّهُ مَبدأٌ رُوحيٌّ بسيطٌ جدًّا: أكرِموا المسيحَ فيُكرِمُكم.

وشَوقُ قَلبِ بولُس هُنا مُعَبَّرٌ عنه أفضلَ تَعبيرٍ في رسالة كورِنثوس الثانية 8: 23 بكلماتِ بولُس شَخصيًّا. استمعوا وَحَسْب إلى هذا. فهو يقول: "أَمَّا مِنْ جِهَةِ تِيطُسَ فَهُوَ شَرِيكٌ لِي وَعَامِلٌ مَعِي لأَجْلِكُمْ. وَأَمَّا أَخَوَانَا..." - فَهُوَ يَقولُ ما يَلي بخصوصِ الشَّركةِ المَسيحيَّة: " وَأَمَّا أَخَوَانَا فَهُمَا رَسُولاَ الْكَنَائِسِ، وَمَجْدُ الْمَسِيح". يا للعَجَب! فأَخَوانا اللَّذانِ هُما رَسُولا الكنائس. وهذانِ الخادِمانِ هُما مَجْدُ المَسيح. فَهُما مَجْدُهُ. أليسَ هَدَفُكَ هو أن تُمَجِّدَ المسيحَ وأن يُمَجِّدَكَ هُوَ بالمُقابل؟ سوفَ يَفعل ذلك.

وقد عَبَّرَ "وليام باركليه" عن ذلكَ في اعتقادي حينَ قال: "مَجْدُ المُعَلِّم يَكمُن في العُلماءِ الَّذينَ يُنْشِئُهُم. ومَجْدُ الأبَوَيْنِ يَكْمُنُ في الأبناءِ الَّذينَ يُرَبُّونَهُم. ومَجْدُ السَّيِّدِ يَكْمُنُ في تَلاميذِه". والأمرُ سِيَّان معَ المسيح. فمَجدُهُ يَكْمُنُ في أولئكَ الَّذينَ يَنتمونَ إليه. فهل يُعْقَلُ أن يوجدَ امتيازٌ أعظم مِن هذا، وأن تُوجدَ مسؤوليَّة أعظم مِن هذه؟ فهو يُمَجِّدُنا لأنَّنا نُمَجِّدُهُ. وفي يومٍ مَا، سيَحدُثُ ذلك. ولكنِّي أعتقد أنَّهُ يَرفَعُ الآنَ أولئكَ الَّذينَ يَرفَعونَ اسمَهُ عاليًا.

ثُمَّ إنَّهُ يَختِمُ كَلامَهُ بالقول: "[أُصَلِّي هذا كُلَّهُ] بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". "هذا هو سَبَبُ صَلاتي، يا رَبّ: لأنَّكَ الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلكَ، ولأنَّكَ تَفعلُ ذلكَ بالنِّعمة لأنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ لا يَستحقُّونَ ذلك. فَهُم لا يَستحقُّونَ أن يَصيروا مُستحِقِّين، ولا يَستحقُّونَ أن تُلَبِّي رَغَباتِهم، ولا يَستحقُّونَ بكُلِّ تأكيد أن يَخدِموا بقوَّة. ولكنِّي أرجوكَ أن تَفعلَ ذلك. أرجوكَ أن تَفعلَ ذلكَ بالنِّعمةِ بالرَّغمِ مِن أنَّهُم لا يَستحقُّونَ ذلكَ لكي تَنالَ أنتَ المَجد". هذا هو ما يَقولُه: "افعل ذلكَ بالنِّعمة". اسمعوني: إنَّ كُلَّ شيءٍ تَناولونَهُ في حَياتِكُم المسيحيَّة إنَّما تَنالونَهُ بالنِّعمة عَلى غِرارِ خَلاصِكُم".

ثُمَّ نَقرأُ العِبارةَ التَّاليةَ في الخِتام: "بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". وعندما تَنظرونَ إلى النَّصِّ الأصليِّ هُنا وتُحاولونَ أن تَعرفوا ما الَّذي يُحاولُ الكاتِبُ حَقًّا أن يَقولَهُ مِن خلالِ هَاتينِ الكَلمتين: "الله" و "الربّ يَسوعَ المسيح"، يُمكنكم أن تَخرُجوا بتَفسيرَيْنِ مُحْتَمَلَيْن: الأوَّلُ هو أنَّهُ يَتحدَّثُ عن شخصٍ واحد: اللهُ والرَّبُّ يسوعُ المسيح. فهو يَدعو اللهَ حقًّا الربَّ يسوعَ المَسيح، أو يَدعو الرَّبَّ يسوعَ المسيح الله. فهو يَتحدَّثُ عن شخصٍ واحد. ويُمكنكم أيضًا أن تَنظروا إليهما كاثنين: اللهُ والربُّ يسوعُ المسيح. وفي كِلتا الحَالتين، إنَّهُ يُؤكِّدُ لاهوتَ المسيحِ لأنَّهُ في الحالةِ الأولى يَتحدَّثُ عن شخصٍ واحدٍ: اللهُ الَّذي هو الرَّبُّ يسوعُ المسيح. وفي الحالةِ الثَّانية، إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ اللهِ والرِّبِّ يسوعَ المسيح. ففي الحالةِ الأولى، إنَّهُما شخصٌ واحد. وفي الحالةِ الثَّانيةِ إنَّهُما شخصانِ مُتساويان. لِذا، في كِلتا الحَالتَين فإنَّهُ يؤكِّدُ مَرَّةً أخرى لاهوتَ المسيح. وَهُوَ يَتَّكِلُ كُليًّا على اللهِ صَاحِبِ السِّيادة والمسيحِ صَاحِبِ السِّيادة في استِجابةِ صَلواتِهِ بالنِّعمةِ لأنَّنا لا نَستحِقُّها.

لِذا، ما الَّذي تَطلُبُهُ في صَلواتِك؟ ما الَّذي تَطلُبُه؟ آمُلُ أنَّكَ لا تَنتمي إلى مَن يَعبُدونَ السِّلَع. ما الَّذي تَرغَبُ فيه؟ وما الَّذي تَطلُبُه؟ وما الَّذي تُريدُهُ لنفسِك؟ ولأيِّ شخصٍ آخر؟ أرجو أنَّكَ تَطلُبُ الأشياءَ الصَّحيحة! وإن لم تَتكلَّم كثيرًا؛ بل استَمعتَ أكثر، رُبَّما ستتَعلَّم ما هو الشَّيء الصَّحيح.

نَشكُرُكَ يا أبانا على هذا النَّصِّ العَظيمِ الَّذي يُوَجِّهُنا إلى الفَهمِ الصَّحيحِ للصَّلاة. لَيتَهُ يَجِد طَريقَهُ إلى صَميمِ حَياتِنا حَتَّى نَعيشَ مِثلَ بولُس حياةً مُلتَهِبَةً بالشَّركةِ الحَميمةِ معكَ تحتَ السَّطحِ في ذلكَ المُستوى العَميقِ حَتَّى عندما تَنْفَجِرُ نُصَلِّي دائمًا حَسَبَ مَشيئتِك. فنحنُ نُريدُ أن نُصَلِّي بالرُّوح. ونحنُ نَعلمُ أنَّ الرُّوحَ يُصَلِّي دائمًا حَسَبَ مَشيئتِك. ويا أبانا، نحنُ نُصَلِّي لأجلِ كنيستِنا أن تَجعَلَهُم وتَحسَبَهُم مُستحقِّينَ لدعوتِهم، وأن تُحَقِّقَ كُلِّ طِلبَة صَالحة، وأن تُكَمِّلَ عَملَ الإيمانِ بقوَّة عَظيمة لكي يَتمجَّدَ يَسوعُ المَسيحُ فيهم ويَتَمَجَّدونَ بعدَ ذلكَ فيه. ونحنُ نَسألُ هذا لا لأنَّنا نَستحِقُّهُ، بل لأنَّكَ إلَهٌ مُنعِمٌ ولأنَّنا نُريدُ أن نُمَجِّدَكَ. باسمِ ابنِكَ الحبيب. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize