لقد حان الوقتُ مَرَّةً أخرى للعودة إلى كلمةِ الله، وتحديدًا إلى الرِّسالة الثَّانية إلى أهل تسالونيكي والأصحاح الثَّالث إذْ نتأمَّل في الأعداد مِن 6 إلى 15 تحت عُنوان: "العمل: واجبٌ مَسيحيّ". وما يُدهشُني هو الأسلوبُ العمليُّ للرَّسول بولُس. فهذه الرِّسالةُ هي رسالة قصيرة تحوي ثلاثة أصحاحات فقط. والى أن نَصِلَ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الخامس، نَجِدُ أنَّها رسالةٌ رفيعةٌ تتحدَّثُ عن مَجيءِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحَ في دينونةٍ عادلةٍ وَسَطَ نارٍ مُلتهبةٍ وظُهوره علنًا مِن السَّماءِ ومعَهُ ملائكةُ قُوَّتِه. وهي تتحدَّث عن الدَّينونةِ الأبديَّة والهلاكِ الأبديّ. وهي تتحدَّث عن مجيء المسيح ليتمجَّد في قِدِّيسيه. وهي تتحدَّث عن اختطافِ الكنيسة، وجَمْع المؤمنين. وهي تتحدَّث عن يوم الرَّبِّ، وعن عمل ضِدِّ المسيح، وكيف أنَّ عملَهُ سيُنقَض. وهي تتحدَّث عن الإنجيل، وتتحدَّث عن التَّقديس. فهي تتحدَّث عن الكثير مِن الحقائق اللاَّهوتيَّة السَّامية والعظيمة.
ولكِنَّ مَسارَ الحديثِ يَتغيَّرُ فجأةً إلى مَوضوعٍ أرضيٍّ في الأعداد مِن 6 إلى 15 إذْ نقرأُ عنِ العمل؛ وهو موضوعٌ عَمليٌّ جدًّا! ولكنَّ هذا هو أسلوب بولُس. فمهما سَمَا في لاهوتِه فإنَّه لا يُغادرُ الأرض. وهو لا يَرفعُ البَتَّة مِن شأن الإنسان إلى نُقطةٍ لا يَعود فيها مسؤولاً عن القيام بالأمور الاعتياديَّة في الحياة. وما كان يَحدث في كنيسة تسالونيكي هو أنَّه كان يوجد مسيحيُّونَ في الرَّعيَّة يَرفضون القيام بأعمالهم، ويَرفضون العمل، ويَرفضون أن يَكسبوا رِزقَهُم. وكما قُلنا في الدَّرْسَيْن السَّابقَيْنِ هُنا إذْ إنَّ هذا هو الدَّرس الثَّالث، رُبَّما تأثَّرَ هؤلاءِ بالخلفيَّةِ اليهوديَّةِ للكَتَبَة الَّذينَ كانوا يَظُنُّون أنَّ أيَّ شيءٍ آخر سِوى دراسة النَّاموس هو شيءٌ غير جدير بأن تَصرِف حياتَك في القيام به. ولا شَكَّ في أنَّهم تأثَّروا بالموقفِ اليونانيِّ العامِّ القائل إنَّ العمل يَحُطُّ مِن كرامة الإنسان، وإنَّه شيءٌ بَغيضٌ وحقيرٌ ووضيعٌ، وإنَّه يَنبغي القيام به مِن قِبَل العبيد فقط لا الأحرار.
ورُبَّما تأثَّرت تلك المواقفُ أيضًا بحقيقة أنَّ شخصًا جاء وأخبرهم أنَّهم يعيشون في يوم الرَّبِّ، وأنَّ مجيء المسيح باتَ وشيكًا، وأنَّه لا فائدةَ تُرجَى مِن القيام بأيَّ عملٍ سِوى الكرازة ودراسة كلمة الله. لذا فقد كَرَّسوا أنفسهم للقيام بذلك بفرحٍ بسببِ احتقارهم للعمل في الأصل. ولكنَّ المشكلةَ كانت قَديمةً نَسبيًّا إن كان بمقدورنا أن نقولَ إنَّ بضعةَ أشهُر هي فترةٌ طويلةٌ بالنِّسبة إلى أهل تسالونيكي لأنَّ بولُس كان قد تَحدَّث عن هذه المسألة عندما كان هناك. وبعد بضعة أشهر، عندما كَتَبَ إليهم رسالتَهُ الأولى، تَحدَّث عن هذه المسألة أيضًا. وهو يَكتب هنا رسالةً ثانيةً ويتحدَّث عن هذه المسألةِ مَرَّةً ثالثة. فقد كانوا يَرفُضون العمل. وكانوا يَظُنُّون أنَّ العمل شيءٌ يَحُطُّ مِن كرامتهم.
كان "هوميروس" (Homer)، الكاتبُ اليونانيُّ المَشهور، قد قال إنَّ الآلهةَ تُبغِضُ الإنسان. والطَّريقةُ الَّتي أَظهَرتِ الآلهةُ مِن خلالها بُغضَها للبشرِ هي أنَّها ابتكرَتِ العملَ وعاقبتِ البشرَ بأن جَعلتهم يَعملون. وكانت تِلكَ الفلسفةُ واسعةَ الانتشارِ في تلك الأيَّامِ وتَسَلَّلت إلى حياة هؤلاء النَّاس. لِذا، عندما اهتدَوْا إلى المسيح، تَسلَّلت تلك الفلسفةُ إلى الكنيسة. ولم يكن الاهتداءُ للمسيحِ قادرًا في ذاتِهِ على تغيير هذا الواقع حالاً. فهناك أمورٌ في ماضينا تَبقى عالقةً في حياتنا. ونحنُ نتأثَّر دائمًا، بدرجةٍ أو بأخرى، بثقافتِنا. لذا، على الرَّغم مِن حدوثِ أمورٍ كثيرةٍ حَسَنَة في هذه الكنيسة [مِثل الاهتداءِ الحقيقيِّ، والتَّقوى الحقيقيَّة، وأنَّهم لم يكونوا كَسالَى في الخدمةِ الرُّوحيَّة، وأنَّهم كانوا يَعملون عملَ الإيمانِ وعملَ المحبَّة، وأنَّهم كانوا يَفعلون ذلك بصبرٍ وطُولِ أناةٍ لأنَّهم كانوا يَنتظرون عودةَ المسيح، وأنَّهم كانوا يَتعبون في الخدمة]، فإنَّهم لم يَرغبوا في القيام بتلك الأعمال الَّتي كان ينبغي لهم القيام بها في العالَم؛ أو على أقَلِّ تَقدير لم يَرغب بَعضٌ مِنهُم في القيامِ بها.
لِذا فإنَّ بولُسَ يُخاطبُ كنيسةً كانت لها حياة رُوحيَّة، وتَسيرُ نحو الهدف، وتَفعلُ حسنًا، وتتفوَّقُ رُوحيًّا؛ ولكنَّ المؤمنينَ كانوا في وَرطةٍ بسبب هذه المشكلةِ المُتفشِّيةِ في الكنيسة مِن جهة سُلوكهم وهي أنَّه كان يوجد أشخاصٌ بينهم لا يُريدون أن يَعملوا. ثُمَّ إنَّهم صاروا عِبئًا على كلِّ شخصٍ آخر. والحقيقة هي أنَّهم لم يكونوا عاجزين عن العمل، ولم يكونوا عاجِزين جسديًّا، ولم يكونوا يَبحثون عن عملٍ ولا يَجدونه، بل إنَّهم كانوا يَرفضون العملَ ويظُنُّون أنَّ العمل أدنَى مِن مُستواهم، أو أنَّه ليسَ أولويَّةً في حياةِ الأشخاصِ المُنهمكين في عملِ الملكوت.
وأعتقدُ أنَّه قبل خمسٍ وعشرين سنة، لم تكن هناك مُشكلة كهذه في وقتِنا آنذاك لأنَّ أمريكا كانت بلدًا يَعملُ بِجِدٍّ قبل خمسٍ وعشرين سنة. والحقيقة هي أنَّ أخلاقيَّاتِ العمل في أمريكا كانت تُمدَحُ لكونها أعلى أخلاقيَّاتِ عملٍ في العالمِ الصِّناعِيّ. وكُنَّا دائمًا قُدوةً في سُرعة الإنتاج إلى فترةٍ قريبةٍ جدًّا. وفي السَّنة الماضية، قامَ "تشارلز كولسون" (Charles Colson) و "جاك إيكرد" (Jack Eckerd) اللَّذان يَترأَّسان شركة إيكرد (Eckerd Company) الَّتي تُديرُ العديد مِن الصَّيدليَّات في أجزاءٍ أخرى مِن أمريكا، قامَا بتأليفِ كتابٍ بعنوان: "لماذا لا تَعمل أمريكا" (Why America Doesn't Work). وهذه فكرة جديدة وهذا مفهومٌ جديدٌ في ثقافتنا ومُجتمعنا. أمَّا العُنوانُ الفَرعيُّ للكتاب فهو: "كيف يُؤثِّرُ تراجُع أخلاقيَّات العمل سَلبيًّا في عائلتِك ومُستقبلِك". فمستقبل أمريكا يَتغيَّر تَغييرًا جذريًّا. وهناك أُممٌ أخرى تُخجِلُنا مِن جهةِ عاداتِ العمل وأخلاقيَّاتِ العمل.
وَهُما يُشيران في كتابهما إلى أنَّنا في أمريكا نَشهَدُ تراجُعا في مُعدَّلات الإنتاج، ونَفقدُ مكانَنا التَّنافُسِيَّ في عددٍ مِن الأسواق العالميَّة، وأنَّ هناك تزايُدًا في أعداد الأشخاص الَّذينَ لا يَعملون. وهُما يَخلُصان إلى القول إنَّ هذه الصُّورة قاتمة. وأعتقد أنَّهما يَطرحان السُّؤال الصَّحيح الَّذي ينبغي لنا جميعًا أن نَطرحه في هذا الوقت: ما الَّذي حدثَ للصِّناعةِ والإنتاجيَّة بعدَ أن كانَ هذا البلدُ مَحَطَّ أنظار العالم في وقتٍ مِن الأوقات؟
أعتقد أنَّه منذُ نشأةِ أُمَّتنا، كانت أمريكا دائمًا، مِن وُجهة النَّظر الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، تُشَدِّدُ على حُسْنِ التَّدبيرِ، والجِدِّ، والاجتهادِ، والمُثابرة. وكانت تُلَخِّصُ ذلك كُلَّهُ بأنَّه "العملُ الجَادّ". وكانت هذه هي الصِّفاتُ السَّائدةُ في المجتمع وتَحظى بالاحترام. فإذا نَظرتُم إلى آبائكم، أو إذا نَظرتُم إلى أجدادكم ورأيتُم كيف كانت حياتهم آنذاك، وكيف كانوا يعيشون حياتهم، وما هي أولويَّاتهم، ستَرَوْنَ أنَّ أولويَّاتِهم كانت مُختلفة تمامًا عن أولويَّاتِ النَّاس اليوم. فقد كانوا ينظرون إلى الحياة نَظرةً مُختلفةً تمامًا. فدافعُ أمريكا للعمل الجادِّ، ودافعُ أمريكا للعمل بكفاءةٍ عاليةٍ لم يكن قائمًا على الرِّبْحِ فقط. فهو لم يكن قائمًا على المادَّيَّة، بل كان قائمًا على التَّكريسِ الدِّينيّ. فسواء كُنَّا نتحدَّث عن الأوروبيِّين البروتستنت أوِ الأوروبيِّين الكاثوليك أوِ المُهاجِرين اليهود، كانوا جميعًا يُؤمنون إيمانًا دينيًّا راسِخًا. فقد كانوا جميعًا يُؤمنون إيمانًا راسخًا بالله، وكانوا جميعًا يُؤمنون بأنَّ أعمالَهُم مُهمَّةً في نَظرِ الله، وبأنَّ اللهَ يُراقبُهم، وبأنَّه يُحاسبُهم على ذلك.
وما أتحدَّثُ عنهُ هو أنَّه كان المُجتمع مُتديِّنًا [بِغَضِّ النَّظر عن شكل تلك الدِّيانة]، وإن كان المجتمع يَرى أنَّ الله سيُحاسبُهُ على عمله [أيًّا كان الإله الَّذي يُؤمنون به]، فإنَّ إيمانهم ذاك سَيُحدِّد كيفيَّة عمل النَّاس. ولكنَّ الله لم يَعُد الآن عاملاً في مجتمعِنا وثقافتنا. فقد رَفَضنا اللهَ، ورَفَضنا الرَّبَّ يسوعَ المسيح، ورَفَضنا الكتابَ المقدَّس. ونحن لم نَرفُض فقط رسالةَ الإنجيلِ في الأسفار المُقدَّسة، بل رَفَضنا أيضًا أخلاقيَّاتِ الكتابِ المقدَّس. فقد اختفت الأخلاقيَّاتُ الكِتابيَّةُ العامَّةُ المُختصَّة بالمجتمع. ولم تَعُد القِيَمُ الأخلاقيَّةُ تَعني أيَّ شيءٍ اليوم، بل إنَّ القِيَمَ الأخلاقيَّةَ الكِتابيَّةَ صارت هي العَدُوُّ اليوم. فقد شَهِدنا ثَورةً... ثَورةً أخلاقيَّة، وثورةً جِنسيَّةً تَرَكَتْ تأثيرَها السَّلبيَّ في أخلاقيَّاتِ العمل لدينا.
فهناك مَرضٌ أخلاقِيٌّ مُنتشرٍ في كُلِّ مكان بدءًا بقادةِ المُؤسَّسات الكُبرى وانتهاءً بالشَّخصِ الَّذي يَعمل وراء مكتب. ففكرةُ العمل بمُجملها تَغيَّرتْ تَغييرًا جَذريًّا إذْ إنَّ العمل لم يَعُد الدَّافِعُ مِن القيام به سَاميًا. ولم يَعُد هناك شيءٌ خارجَ نطاقِيَ الشَّخصيِّ يَدفعُني إلى أداءِ عملي بمستوىً مُعيَّن. لذا فقد تَغيَّرتْ النَّظرةُ إلى العمل في نظر الجميع بدءًا مِن رأسِ الهَرَمِ إلى قاعدتِهِ إلى حَدٍّ ما. ومِن الواضح أنَّ هناك أشخاصًا ما زالوا يَعملونَ بِجِدٍّ أكثر مِن غيرهم.
في استطلاعٍ للرَّأي العام أجرتهُ شركة غالوب (Gullup) في سنة 1980 لِصالِحِ غُرفةِ التَّجارة، تَبيَّن أنَّ النَّاسَ ما زالوا يؤمنون بقيم العمل وأخلاقيَّاته. ففي سنة 1980، كانوا ما زالوا يُؤمنون بذلك؛ أيْ قبلَ أكثر مِن عشر سنوات. فقد قال 88 بالمئة إنَّ العملَ الجادَّ وبذلَ أقصى جهدٍ في العمل مُهمٌّ لهم شخصيًّا. ولكِنْ هل كانوا يَفعلون ذلك؟ لقد قالوا إنَّهم يُؤمنون بذلك، وكان ذلك الفِكر ما زال موجودًا في سنة 1980؛ ولكنْ هل كان النَّاس يَعملون بِجِدّ؟ وفي سنة 1982، تَمَّ إجراءُ استطلاعٍ آخر. وفي ذلك الاستطلاع، تَبيَّن أنَّ 16 بالمئة فقط قالوا إنَّهم يَبذلون أقصى جهدٍ لديهم في العمل. وقد أَقَرَّ 84 بالمئة أنَّهم لم يكونوا يَعملونَ بِجِدّ – 84 بالمئة! لذا، يمكنكم أن تَرَوْا أنَّهم كانوا ما زالوا يَتمسَّكون بأهدابِ الأخلاق؛ ولكنَّهم لم يكونوا يُطبِّقونَ ذلك. وهذا يَعني أنَّ تلك الأخلاقيَّاتِ كانت قِيَمًا يُقَدِّسُها آخرون، أو أنَّها كانت قِيَمًا أخلاقيَّةً مَفروضةً عليهم خارجيًّا ولكنَّهم لم يكونوا يُؤمِنون بها حَقًّا.
فقد قالوا إنَّ العملَ الجادَّ مُهِمٌّ؛ ولكنَّهم لم يكونوا يَعملونَ بِجِدّ. لذا، كم كانت أهميَّةُ ذلك؟ وقد قال 84 بالمئة أيضًا إنَّهم مُستعدُّون للعمل بِجِدٍّ أكبر إن كانوا سيَحصُلون على شيءٍ بالمُقابِل. والآن، يُمكنكم أن تَرَوْا أنَّ أخلاقيَّاتِ العمل لم تكن مَبدءًا ساميًا، بل كانت شَيئًا نَفْعِيًّا. فهي تَتوقَّفُ على الفائدةِ الَّتي يُمكنني أن أجنيها مِنها، أو بما يُمكنها أن تُحَقِّقَهُ لي. وهذا جزءٌ مِن سُخرية مُجتمعِنا. وهذا جزءٌ مِن مُخلَّفاتِ الثَّورةِ الأخلاقيَّةِ في السِّتِّينيَّات؛ أيْ رفضِ القِيَم السَّاميَة.
فاللهُ ليسَ جُزءًا مِن أيِّ شيء. فأنا لا أحسِبُ لَهُ حِسابًا في الطَّريقةِ الَّتي أعيشُ بها حياتي الجِنسيَّة، ولا أحسِبُ لَهُ حِسابًا في حياتي الزَّوجيَّة، ولا أحسِبُ لَهُ حِسابًا في عملي، ولا أحسِبُ لَهُ حِسابًا في تَعليمي، ولا أحسِبُ لَهُ حِسابًا في أيِّ شيء. فهو لا صِلَةَ لَهُ بأيِّ شيء. لِذا، لا قيمةَ لأيِّ شيءٍ خارجَ نِطاقي الشَّخصيّ. لِذا، أنا أعملُ فقط مِن أجلِ الحصولِ على الأشياء الَّتي أريدُها. وهذا شَبيهٌ بالاقتصادِ الاشتراكِيِّ في الدُّوَل المُلحِدَة. والحقيقةُ هي أنَّ عالمَ النَّفس "روبرت بيلاه" (Robert Bellah) يُسَمِّي ذلك "فَرديَّةً مُتطرِّفة". فبعد أن أجرى دراسةً استطلاعيَّةً شاركَ فيها مِئتي أمريكيٍّ مِن الطَّبقة المُتوسِّطة، اكتشف هذا البروفيسور الَّذي يُعَلِّمُ في جامعة كاليفورنيا (UCLA) أنَّ النَّاسَ يَسْعَوْنَ إلى التَّقدُّمِ الشَّخصيِّ مِن خلال العمل، ويَسْعَوْنَ إلى تطوير أنفسهم مِن خلال الزَّواج، ويَسْعَوْنَ إلى تَحقيق شُعورهم بالرِّضا مِن خلال الكنيسة. فكُلُّ شيءٍ [بحسب قوله]، بما في ذلك نَظرتهم إلى العائلةِ والكنيسةِ والمُجتمعِ والعمل، هو نَفعِيّ. فهُم يَنظرون إلى كُلِّ شيءٍ في ضَوْءِ ما يُمكنهم الاستفادة مِنه. أمَّا الاهتمام بالآخرين فهو أمرٌ ثانويٌّ وحسب.
وإذا أردنا أن نتحدَّثَ عن التَّفاصيل، هناك شخصٌ يُدعى "جيمس شيهي" (James Sheehy) يَعملُ مُديرًا تَنفيذيًّا في شركةِ حَاسوب في واحدٍ مِن أعلى المناصبِ الوظيفيَّة، رأى مِن واقع خبرته الشَّخصيَّة كيف أنَّ هذه النَّظرةَ النَّفعيَّةَ تُؤثِّرُ سَلبيًّا في العمل. فقد كان يحاول أن يَفهمَ فَهمًا أفضل تَوقُّعات المُوظَّفين الشُّبَّانَ ونفسيَّتهم. وإذْ كان يُفكِّرُ في ما سيحدثُ في المُستقبل، راح يتساءل: ما نوع الأشخاصِ الَّذينَ سيأتون في هذا الجيل كي يَعملوا في شركته؟ كيف سيكونون؟ لذا فقد قَرَّرَ أنَّ أفضل طريقةٍ لمعرفةِ الإجابةِ هي أن يَصرفَ وقتَ إجازتهِ في العمل في مطعمٍ للوجبات السَّريعة. وقد كتبَ قائلاً إنَّ أغلبيَّةَ زُملائه في العمل كانوا يَنتمون إلى عائلاتٍ مِن الطَّبقةِ الاجتماعيَّةِ العُليا، وإنَّهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى العمل؛ ولكنَّهم أرادوا الحصول على دَخلٍ إضافِيّ. وقد راح يُراقبُ زُملاءَهُ ويَستمع إليهم فيما كانوا يُظهرونَ عاداتٍ سَيِّئةً في العمل ويُعَبِّرونَ عنِ ازدرائِهم للزَّبائن. وقد لَخَّصَ ما استنتجهُ قائلاً: "لدينا جيلٌ مِن العاملينَ الَّذينَ ستَترُكُ عاداتُهم وخبرتُهم أثرًا مُدمِّرًا في شركاتِ أصحابِ العملِ على مَدى سنواتٍ طويلة".
وقد كَتَبَ يقول: "عَدا عن موقفهم الَّذي يَتَلَخَّصُ في الحصول على أكبرِ مبلغٍ مِن المال يُمكنهم الحصولُ عليه، وعدم مُبالاتهم بنوعيَّة الأداء، فإنَّ أخلاقيَّاتِ العمل الرَّئيسيَّة لديهم كانت قائمةً على نَوعٍ مِن الخِداع الَّذي يَتمحورُ حول استغلالِ النِّظامِ أو استنزافِ مكان العمل تمامًا. فقد كانتِ السَّرِقاتُ مُتفشِّيةً، وكان الكذبُ على الإدارةِ واستغفالُها مُتفشِّيًا، وكان مُستوى المهاراتِ مُتدنِّيًا بصورةٍ تَدعو للعجب. وكان العاملون ينظرون إلى ساعاتِ العمل الطَّويلةِ والعملِ الجادِّ بأنَّهُا شيءٌ غير مُنتِج. وقد قالَ أحدهم: ’لا تَستنفِذ وقتكَ إلاَّ في الأشياءِ المُهِمَّة‘". وبعدَ أن نَظرَ "شيهي" (Sheehy) إلى تَجربته تلك، لَخَّصَها قائلاً: "استعِدِّي يا أمريكا. فسوفَ تَرَيْنَ المزيدَ مِن هذه الأمور مِن عامِلي الغَدّ!"
إنَّ ذلك لا يبدو جيِّدًا إن كُنتَ صاحبَ عمل. أليسَ كذلك؟ وقد تَبيَّنَ مِن خلالِ استطلاعٍ أجرتهُ شركة "هاريس" (Harris) أنَّ 63 بالمئة مِن العاملين يؤمنون بأنَّ النَّاس لا يَعملون بجِدٍّ كما كانوا في السَّابق. ويقول 78 بالمئة إنَّ العاملين ليسوا فخورين بعملهم. ويَرى 69 بالمئة أنَّ العمل الَّذي يعملونه غير مُشَرِّف، ويَرى 73 بالمئة أنَّ العاملين ليسوا مُندفعين كالسَّابق إلى العمل، وأنَّ الحالةَ العامَّةَ تسوءُ أكثر وأكثر، وأنَّ الأعدادَ تتصاعد. ورُبَّما لا يوجد خِيارٌ لدى مُجتمعِنا سوى أن يَتقبَّلَ ذلك. ولكن لا يُمكننا، نحن المسيحيِّين، أن نَتقبَّلَ ذلك. فالإيمانُ المسيحيُّ لا يَقبَل أخلاقيَّاتِ العمل النَّفعيَّة لأنَّ المسيحيَّةَ تنظرُ إلى العمل نَظرةً سامية. فهي لا تُبالي بنظرتي أنا أو بنظرةِ العالم، بل تُرَكِّزُ في المقامِ الأوَّل على الله.
في الأسبوع الماضي، بَيَّنتُ لكم سُمُوَّ أخلاقيَّاتِ العملِ المسيحيِّ بأن ذَكرتُ لكم بضع نِقاطٍ أريدُ أن أُذَكِّرَكُم بها الآن: أوَّلاً، العملُ هو وَصيَّة مِن الله. "سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَل". فاللهُ يُوصينا بأن نَعمل. ثانيًا، العملُ هو نَموذجٌ وَضعَهُ اللهُ لأنَّ اللهَ هو الَّذي عَمِلَ سِتَّةَ أيَّامٍ ثُمَّ استراحَ في اليوم السَّابع. ولا شَكَّ في أنَّ اللهَ هُو الَّذي يَعملُ باستمرار لحفظ الكون. وحيثُ إنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ على صُورة اللهِ، فإنَّهُ مَخلوقٌ لكي يَعمل. ثالثًا، العملُ جُزءٌ مِن دَور الإنسانِ في الخَليقة. وما أقصِدُهُ بذلك هو أنَّه دور الإنسان. فالنُّجومُ تُنيرُ، والشَّمسُ تُشرِقُ، والقمرُ يُضيءُ، ونباتاتُ الأرضِ تَنمو، والحَيَواناتُ تَقومُ بدورها، والصُّخورُ تقومُ بدورها، والجبالُ تقومُ بدورها، والمياهُ تقومُ بدورها، والسُّحُبُ تقومُ بدورها، ونحنُ نَقوم بدورنا. وكما يقولُ المزمور 104 فإنَّ كُلَّ الخليقةِ تَتحرَّك في مسارها الطَّبيعيِّ. وجُزءٌ مِن ذلك هو أن يَنهضَ الإنسانُ ويذهبُ إلى عمله إلى أن تَغيبَ الشَّمس. فهذا هو تَدبيرُ الخليقة. وهكذا نُسهمُ في دَورةِ الحياةِ في خليقةِ الله الرَّائعة.
إذًا، العملُ وَصيَّة. والعملُ نَموذجٌ وَضعَهُ الله. والعملُ جُزءٌ مِنَ الخليقة الطَّبيعيَّة. رابعًا، العمل عَطِيَّة مِن الله. فهو عَطِيَّة مِن الله. إنَّه عَطِيَّة نُمَجِّدُهُ مِن خلالها، ونُظهرُ مِن خلالها تَقديرَنا لخليقته فيما نُنتِجُ الأشياءَ ونُظهِرُ إبداعَ اللهِ الَّذي خَلَقَنا وأعطانا كُلَّ هذه القُدُرات. إذًا، إنَّهُ وسيلةٌ يُمكننا مِن خلالها أن نُمَجِّدَ خالِقَنا. فكما أنَّ حَيَوانَ الصَّحراءَ يُمجِّدُني (كما جاءَ في سِفْر إشعياء)، وكما أنَّ السَّماواتِ تُعلِنُ مَجدَ اللهِ مِن خلالِ ما تَفعلُه فنَتعجَّب منها، كذلكَ فإنَّ الإنسانَ يُمَجِّدُ اللهَ لكونِهِ تَاجَ خَليقتِهِ مِن خلال القيام بالأشياءِ الَّتي أعطاهُ القُدرةَ على القيامِ بها. والعملُ عَطِيَّة مِن اللهِ لا فقط لتمجيده، بل أيضًا لإعطاءِ مَغزىً للحياة. فالعملُ عَطِيَّة مِن الله لكي يُعطينا شيئًا نَفعلُهُ فنتجنَّبُ الكسلَ الَّذي يَقودُ إلى الخطيَّة.
وأريدُ أن أقولَ لكم الآنَ إنَّ المجتمعَ الَّذي نَعيشُ فيه هو مَثَلٌ إيضاحِيٌّ على ذلك. فكُلَّما زادتْ رَغبةُ النَّاسِ في الحُصولِ على مَزيدٍ مِنْ وسائلِ التَّرفيهِ والكسل، زادَ فَسادُهم. فهذانِ الأمرانِ يَسيرانِ جَنبًا إلى جَنب. فكُلَّما زادَ استعبادُ المُجتمعِ للإباحيَّةِ والخطيَّةِ والشَّرِّ، زادَ انحدارُهُ وقَلَّ تكريسُهُ للعمل. ونحنُ نَملأُ كُلَّ ذلك الوقت بأشياءٍ تُغَذِّي شَهوةَ العُيونِ، وشَهوةَ الجسدِ، وتَعَظُّمَ المَعيشَة.
كذلكَ فإنَّ العملَ عَطِيَّةٌ مِن اللهِ لإشباعِ حاجاتِنا. والعملُ عَطِيَّةٌ مِن اللهِ لكي يَخدِمَ بَعضُنا بَعضًا. وأخيرًا، في نِطاقِ أخلاقياتِ العَملِ المسيحيَّة: يَنبغي لنا أن نَقومَ بعملِنا كما لو أنَّ صَاحبَ العملِ هُوَ الرَّبُّ نَفسُه. فنحنُ نقرأُ في رسالةِ كولوسي والأصحاحِ الثَّالث، وفي رسالةِ أفسُس والأصحاحِ السَّادسِ أنَّهُ ينبغي لنا أن نَعمل كما للرَّبِّ ليسَ للنَّاس.
لِذا فإنَّ الإيمانَ المسيحيَّ لا يُقِرُّ بهذا الموقفِ الَّذي نَراهُ في بَلَدِنا تُجاهَ العمل. والحقيقةُ هي أنَّهُ، كما قُلتُ سابقًا، لو أنِّي قُلتُ هذا الكلامَ قبلَ خمسٍ وعشرينَ سنة لَبَدَتْ هذه العِظَة غريبة لأنَّ أمريكا كانت تَعملُ بإنتاجيَّة عالية. ولكنَّ هذه العِظَةَ مُلائمةٌ في وقتِنا هذا لأنَّنا نُواجِهُ اليومَ مُعضلةً كانَ بولسُ يُواجِهُها في كنيسةِ تسالونيكي. ولكن يجب علينا نحنُ المسيحيِّينَ أن نَلتَزِمَ بالمِعيارِ المطلوب.
إنَّ واحدًا مِن الأشياءِ الرَّائعةِ الَّتي نَتعلَّمُها مِن رابطةِ الدُّوَل المُستقلَّة، أو مِنَ الاتِّحادِ السُّوفييتيِّ سابقًا، هو أنَّ المسيحيِّين هناكَ صَاروا قُدوةً في العمل. فالعَيشُ مُدَّةَ خمسٍ وسبعينَ سنة في الإلحادِ في دُوَلِ السِّتارِ الحَديديِّ أنتَجَ سُكَّانًا لا يَعملون. فَهُم لا يَجدونَ أيَّ سَببٍ للعمل. فلا يوجدُ إلَهٌ ينبغي إرضاؤه، ولا توجد أخلاقيَّاتُ سَامية، ولا يوجد شيءٌ يُمكنهم الاستفادة مِنهُ إن عَمِلوا لأنَّكَ لن تَحصُلَ على أيِّ دَخلٍ إضافِيّ إذْ إنَّ الرَّواتبَ تُوَزَّع مِنَ الحُكومة. لِذا فإنَّ الدَّمجَ بينَ العَقليَّةِ الإلحاديَّةِ وعدم المنفعةِ الشَّخصيَّةِ قد جَرَدَّهُم مِن أيِّ دافعٍ للعمل. أمَّا الآن، بعدَ أن خَرَجَتْ تلكَ الدُّوَلُ مِن وراء القُضبان، أو مِن سِجْنِها، فإنَّهم يُدركون أنَّ النَّاس الَّذينَ يَعملونَ، ويَعرفون كيف يَعملونَ، ويَعملونَ بِجِدٍّ هُم المسيحيُّون. وقد صارتِ الحُكومةُ تقولُ إنَّ المسيحيِّينَ نَموذَجٌ يُحتَذى. وحَتَّى إنَّهُم نَشروا ذلكَ في الصُّحُف وقالوا: "راقبوا المسيحيِّينَ لأنَّهم يَعرفونَ كيف يَشتغلون". فَهُمْ يَتمسَّكونَ بأخلاقيَّاتِ العملِ السَّامية.
والآن، كان بولسُ يُواجِهُ هذه المُعضلةَ في تسالونيكي؛ أو هذه الفئةَ مِنَ الأشخاصِ أيًّا كانوا. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّه كان يَعرفهم بأسمائهم؛ ولكنَّه لا يَذكرُهم بأسمائهم بل يَكتفي بالإشارةِ إلى أنَّهم لم يكونوا يَعملون. وَهُم لا يَكتفونَ بالقيامِ بذلك بأنفسهم فقط، بَل يَكرزونَ بذلكَ في كُلِّ مكان. فَهُم يُرَوِّجونَ لهذه الفكرة. وَهُم مُشكلةٌ حَقيقيَّة. لذا، في نهايةِ هذا الأصحاحِ العظيم، وفي خِتامِ هذه الرِّسالةِ العظيمةِ الَّتي تَتحدَّثُ عن مفاهيمَ لاهوتيَّة عظيمة، يَتوقَّفُ بولسُ قليلاً ويقول: "لنتحدَّث عنِ العمل. فالوقتُ ليسَ وقتَ ارتداءِ ملابسِ النَّومِ والجلوسِ على أسطُحِ البيوتِ بانتظارِ مجيءِ المسيح. والوقتُ ليسَ وقتًا مُلائمًا لعدمِ الاكتراثِ أوِ المُبالاةِ بالمهاراتِ الَّتي وَهبكُم اللهُ إيَّاها لمُمارسةِ أشغالِكُم، بل هو وقتُ الذَّهابِ للعمل". وهو يُعطيهم سِتَّة دوافع أو سِتَّةَ أسباب أو سِتَّةَ حوافِز.
وعلى سَبيلِ مُراجعةِ الدَّافِعَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكرناهُما، فإنَّ الدَّافعَ الأوَّلَ هو: انقطاعُ الشَّركة (في العَددِ السَّادس): "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا". وما يَقصِدُهُ هنا هو أنَّهُ يجبُ عليكم أن تَنفصلوا عنهم. فأوَّلُ شيءٍ سيَدفعُهم إلى العمل هو أن تَحرموهُم مِن الشَّركة. هذا هو ما يَقولُه. وهو يَستخدمُ الكلمة "تَجَنَّبوهُم" هُنا؛ أي ابتعدوا عنهم. ولا أدري ما الَّذي تَقولُهُ التَّرجمةُ الَّتي بين أيديكُم؛ ولكنَّ الفكرةَ هُنا هي فَصلُهم، والابتعادُ عنهم، وجَعلُهم يَعرفونَ أنَّ هناكَ ثَمنًا ينبغي أن يَدفعوه بسببِ تَراخيهِم وكَسلِهم. والثَّمَنُ هُوَ حِرمانُهم مِن الشَّركة.
وكما قُلتُ سابقًا، هذه هي الخُطوةُ الثَّالثةُ في عمليَّةِ التَّأديبِ المذكورة في الأصحاحِ الثَّامن عشر مِن إنجيل مَتَّى. فقد ذهبتم إليهم مَرَّةً، وذهبتم إليهم مَرَّتَيْن، والآن ينبغي لكم أن تقولوا لهم: "لا يُمكنكم الاشتراك معنا. نريدُ أن نقولَ لكم أن تَبقَوْا بعيدينَ عنا إلى أن تَلتفتوا إلى أموركم الرُّوحيَّةِ كما ينبغي". لذا، يجب عليهم أن يَختبروا حُرْقَةَ انقطاعِ الشَّركةِ وألمَ الانفصالِ عنِ المؤمنين. لا يُمكنكم أن تكونوا جُزءًا مِن جماعةِ المؤمنين، ولا يُمكنكم أن تَنضمُّوا إليهم في العبادة، ولا يُمكنكم الاشتراكَ معهم في مائدةِ الرَّبِّ أو وليمةِ المحبَّة، ولا يُمكنكم أن تشتركوا معهم في خدمةٍ مُشتركة، ولا يُمكنكم أن تذهبوا إلى هناكَ لاستخدامِ مواهبكم، أو للتَّعليم، أو للتَّعَلُّم، أو للمشاركة. اقطعوهم، وابقَوْا بعيدينَ عنهم، واجعلوهم يَشعرونَ بألمِ العُزلة إن أصَرُّوا على الاستمرارِ في الخطيَّة.
ثانيًا، الدَّافعُ الثَّاني هو القُدوة. فهو يقول في الأعداد مِن 7 إلى 9: "إِذْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِنَا، لأَنَّنَا لَمْ نَسْلُكْ بِلاَ تَرْتِيبٍ بَيْنَكُمْ". أيْ أنَّنا لم نُهمِل العمل. والعبارة "بلا تَرتيب" تعني أنَّهم لم يَذهبوا قَطّ إلى العمل. فقد كانوا بلا ترتيب، وكانوا يَتسكَّعونَ وحَسْب، ولم يُنَظِّموا حياتَهُم، ولم يَعملوا. وهو يقول: "نحنُ لم نَفعل ذلك". "وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلاً وَنَهَارًا". أتَذكرونَ ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 18: 3 عن أنَّه كان صَانِعَ خِيام. فقد كانَ يَعمل في صِناعة الجُلود. وقد كانَ يَعملُ حتَّى في الأسابيعِ القليلةِ الَّتي أقامَ فيها في تسالونيكي. فقد كان يَصْنَعُ الخِيامَ ويبيعُها لكي يَقُوتَ نَفسَهُ. فقد أَسَّسَ في الحقيقةِ مَشروعًا صَغيرًا.
"...بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلاً وَنَهَارًا، لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا". فقد كانَ مِن حَقِّهِ تمامًا ألاَّ يَعمل. ففي الأصحاحِ التَّاسعِ مِن رسالة كورنثوس الأولى [كما أخبرتُكم في المرَّة السَّابقة]، نَقرأُ أنَّ الَّذينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُون. وما مَعنى ذلك؟ إيْ أنَّكَ إذا كُنتَ تَكرِزُ بالإنجيل، ينبغي أن تَعيشَ مِنه. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الخامسِ مِن الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس أنَّ الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ جَديرونَ بأن يُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَة. ونقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن الرِّسالة إلى أهل غلاطيَّة: "لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَات". فَمِن حَقِّ خادمِ الرَّبِّ أن يَعيشَ مِنَ الإنجيل. ولكنَّهُ يقولُ أيضًا: "نحنُ لم نَستخدِم ذلكَ الحَقَّ "لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا" (في نهايةِ العدد التَّاسع).
فهو يقول: "انظروا! حالما رأينا الحالَ هنا قَرَّرنا أن نَعمل لكي نكونَ قُدوةً لكم". فقد كانَ يَنبغي لبولسَ ومَن معه أن يكونوا قُدوةً كي يُغيِّروا الفكرةَ المغلوطة في المجتمع بأنَّ العملَ شيءٌ وَضيعٌ ويَحُطُّ مِن شأنِ الإنسان، وبأنَّه شيءٌ للعبيد فقط. لذا فإنَّ بولُسَ يقول: "أنا لي كُلُّ الحَقِّ في الحُصولِ على الدَّعمِ الماليّ". والحقيقةُ هي أنَّ الكنيسةَ الَّتي تَمَّ تأسيسُها حديثًا لم يكن لديها الكثير؛ ولكنْ رُبَّما كان بمقدورهم أن يُقدِّموا القليلَ مِنَ الدَّعم. ولكنَّه قال: "لا، بَل أريد أن أُريكم كيف ينبغي أن تَعملوا". وقد كان بولسُ أرفعَ شخصٍ قابَلوهُ يَومًا. فقد كان فَيلسوفًا يَفوقُ كُلَّ الفلاسفة، وكان لاهوتيًّا حقيقيًّا، وكان أعظمَ مُعلِّمٍ عَرَفوه، وكان أتقَى إنسانٍ التَقَوْهُ يَومًا، وكان نَموذَجَ الفضيلةِ المسيحيَّة، وكان أعظمَ مِن كُلِّ العُظماء. إنَّهُ بولُس! ومع ذلك فقد رَاحَ يَشتغلُ بيديه، ويَعملُ، ويُحضِرُ الجُلودَ ويَخيطُها معًا ويَبيعُها بطريقةٍ ما. وقد عَمِلَ بيديه لأنَّه أراد منهم أن يَعرفوا أنَّ العملَ شيءٌ كَريمٌ، وأنَّهُ يُكْرِمُ اللهَ ويُمَجِّدُه؛ وهو درسٌ كانوا في حاجةٍ مُلِحَّةٍ إلى تَعَلُّمِه. وعلى الرَّغم مِن كلِّ تلكَ القُدوةِ الَّتي أظهَرَها لَهُم وكُلِّ ذلك الثَّمنِ الَّذي اضطُرَّ إلى دَفْعِه إذْ كانَ يَعملُ ليلاً ونهارًا، فإنَّهم ما زالوا لا يُطيعونَهُ. فَهُم ما زالوا كَسالَى. لذا فإنَّه يقولُ إنَّ الدَّافعَ الثَّاني الَّذي ينبغي أن يَدفعُهم إلى العمل هو قُدوتُنا.
لِنَنتقل إلى الدَّافعِ الثَّالث. والدَّافعُ الثَّالثُ هو دافعٌ مُباشِرٌ جدًّا ومَذكورٌ في العددِ العاشر: "فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ، أَوْصَيْنَاكُمْ بِهذَا". والآن، اسمحوا لي أن أتوقَّف هنا قليلاً. فهو يَعودُ ثانيةً إلى واحدٍ مِن الأشياء الَّتي كان يُعَلِّمُها لهم. "عندما كُنَّا معكم؛ أيْ عندما مَكَثْنا هناكَ ثلاثة سُبُوت وأسبوعَيْن، وفي الأسابيع الَّتي أعقبَتْ ذلك عندما مَكَثْنا مِن أجل تأسيسِ الكنيسة، رُبَّما لمُدَّةٍ لا تَزيدُ عن بِضعة أشهر كَحَدٍّ أقصى، عندما كُنَّا معكم، كُنَّا نُوصيكُم بهذا". بعبارةٍ أخرى، لقد كَرَّرَ ذلك. نحنُ لم نَذكُر ذلكَ لكم مَرَّةً فقط، بل كَرَّرنا ذلك مِرارًا، وأخبرناكم بذلك طَوال الوقت. وإليكم ما أوصاهُم به: "أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا". هذه هي وَصيَّتُه. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا". وهذه حقيقةٌ بديهيَّة، وواحدةٌ مِنَ المُسَلَّمات. وهذا هو التَّقليدُ الَّذي عَلَّمَهُ بولُس. وهو الحَقُّ الإلهيُّ المُعلَن بسُلطان. إن لم تَعملوا، لَن تأكُلوا.
فالجهلُ لم يكن مشكلتَهم. فقد كانوا يَعرفون ذلك لأنَّه أخبرهم به مِرارًا وتَكرارًا. وقد كَتَبَ عنهُ في رسالتهِ الأولى 4: 11 و 5: 14. فمُشكلتُهم لم تَكُن الجهل. ثانيًا، لم تكن مُشكلتهم ناجمةً عن عدم القُدرة. فقد كان بمقدورهم أن يَعملوا. وهو لا يَتحدَّث عن الأشخاص الَّذينَ لا يَستطيعون أن يَعملوا. كما أنَّهم لم يكونوا يَفتقِرونَ إلى الفُرَص. فقد كانت هُناك فُرَصُ عَملٍ مُتاحة. إذًا، كانت لديهم المعلوماتُ اللاَّزمة، وكانت لديهم القُدرة، وكانت لديهم الفُرصة. وعندما تَتوفَّرُ هذه الأمورُ ولا تَعمل، لا يَجوزُ أن تأكُل. هذه هي الخُلاصَة. وهذه هي النَّظرةُ المسيحيَّة. إن كانَ أحدٌ لا يَعمل، دَعوهُ يَجوع.
وقد تقول: "ولكِنْ إنْ تُرِكَ المرءُ دونَ طعامٍ فإنَّه سيموت". هذا صحيح. وقد كان بولُسُ يَعرف ذلك أكثر منكم. فإن كان المَرءُ جائعًا ووجدَ طَعامًا مُتوفِّرًا فإنَّهُ سيأكُل. وإنْ كان ينبغي لهُ أن يَعملَ فإنَّهُ سيَعمل مِن أجل الحصول على الطَّعام. هَل قَرأتُم يَومًا قِصَصًا عَمَّا يأكُلُهُ النَّاسُ عندما يَتضوَّرونَ جوعًا؟ هل قَرأتُم عن تلكَ الأشياءِ الَّتي يَصعُبُ التَّفكيرُ فيها ويَصعُبُ تَخَيُّلُها؟ لقد قَرأتُ مُؤخَّرًا عن مُنَظَّماتٍ تُقَدِّمُ دُروسًا للمُشَرَّدينَ في منطقتهم المحليَّةِ تُطلِعُهم مِن خلالها على الأوقاتِ الَّتي تُلقي فيها المطاعمُ نُفاياتِها في الحاوياتِ لكي يَتمكَّنَ هؤلاءِ المُشَرَّدونَ مِن الحصول على بقايا الطَّعامِ وهو ما يَزالُ طازَجًا. وَهُم يُعَلِّموهُم أيضًا كيفَ يَفرِزونَ بقايا الطَّعامَ ويختارونَ الأفضل منها! وحتَّى إنَّهم يُقدِّمونَ لهم نصائح حول كيفيَّة النُّزول في حاوياتِ النُّفاياتِ والخُروج منها بأسهل طريقةٍ مُمكنة. وقد تقول: "ولكِنْ مِن السَّيِّء جدًّا أن يُضطَرَّ النَّاسُ إلى الأكل بتلك الطَّريقة!" ولكنِّي أريدُ أن أقولَ هُنا إنَّ الأغلبيَّةَ منهم ليسوا مُضطرِّين إلى الأكل بتلك الطَّريقة، بل إنَّهم يَختارون الأكل بتلك الطَّريقة. ولكنَّهم سيأكلون في نهاية المطافِ لأنَّهم لن يَتركوا أنفسهم يموتون جوعًا. ولكنْ إن كان المجتمعُ يُوفِّر لهم وسيلةً للحصول على الطعام (حتَّى لو بتلكَ الطَّريقة) عوضًا عن العمل، فإنَّهم سيَلتَجئون إليها؛ أو بعضًا منهم على أقَلِّ تقدير.
نحنُ نُظْهِرُ أحيانًا لُطفًا مُبالغًا فيهِ تُجاهَ المُشرَّدين. وأنا لا أعني بذلك أنَّهُ لا يَجوزُ لنا أن نَهتمَّ بالأشخاص الَّذينَ يعيشون في ضِيْقٍ حَقيقيّ لأنَّ هناكَ أشخاصًا مِثل هؤلاء. ولكنِّي أريد أن أُذكِّرَكُم وحسب بأنَّ ما نسبتُه 90-95 بالمِئة مِن هؤلاء هُم مِن المُدمِنين على الكُحول. وقد كُنَّا نُسَمِّي هؤلاء: "صَعاليك". ولكن لا يُمكنُنا أن نُشَجِّعَ نَمطَ الحياةِ هذا. ولا يَجوزُ أن تَستمرُّوا في إطعام الأشخاص الَّذينَ يَرفضون أن يَعمَلوا. فلا بُدَّ مِن وجودِ توازُن. صحيحٌ أنَّه رُبَّما باستطاعتكم أن تُعطوهم أكثرَ مِمَّا يَحصلون عليه مِن أشغالهم، ولكنْ إن كانوا مُستعدِّين للعمل، حينئذٍ يُمكنهم أن يأكُلوا.
ولا شَكَّ في أنَّ هذا يَسري أيضًا على المؤمنين. فأنا أتلهَّفُ لرؤيةِ أوَّل كنيسة للمُشَرَّدين. فلم يَسبِق لي أن رأيتُ شخصًا يُؤسِّسُ تِلك الدِّيانة الجديدة. ولكِن إن فَعلوا ذلك، لا شَكَّ في أنَّهم سيَصطَدِمونَ بما جاءَ في رسالةِ تسالونيكي الثانيةِ والأصحاحِ الثَّالث لأنَّهُ يَسري بكُلِّ تأكيدٍ كمبدأٍ عامٍّ ومبدأٍ إلهيّ. فإن كُنتَ لا تَعمل، لا يُمكنكَ أن تأكُل. والحقيقةُ هي أنَّ الرَّسولَ بولُس قال إنَّه إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فإنَّهُ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ لأنَّ حتَّى غيرَ المؤمنينَ يَعتنونَ بأهلِ بيتهم. وما قَصَدَهُ هو أنَّ حتَّى غيرَ المؤمنين يَعملونَ ويَقوتونَ أنفسَهُم.
فأسوأُ فِئةٍ مِن غيرِ المؤمنينَ هي الَّتي لا تَعمل. ومأساةُ هؤلاءِ الأشخاصِ... مأساتُهم الحقيقيَّةُ هي أنَّهُم غارِقونَ جدًّا في الخطيَّة، وغارقونَ جدًّا بصورةٍ خاصَّةٍ في خطيَّةِ السُّكرِ وعدمِ المسؤوليَّةِ والفسادِ الأخلاقيِّ حتَّى إنَّهم أَوقَعوا أنفسهم في الورطةِ الَّتي هُم فيها. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّي لا أتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ هُم في وضعٍ بائسٍ حَقًّا؛ وقد رأيتُ أُناسًا كهؤلاءِ حول العالم، بَل أتحدَّثُ عن تلكَ الأعدادِ الغفيرةِ مِن الأشخاصِ الَّذينَ لا يَنبغي أن يأكُلوا لأنَّهم يَرفضونَ أن يَعملوا.
ونحنُ نَراهُم هُنا في الكنيسة. فَهُم يأتون ويُريدونَ مالاً، ويُريدونَ طعامًا. وعندما نَقترحُ عليهم أن يَعملوا فإنَّهم يُغادرون. وقد قالَ لي أحدُ الأشخاصِ اليوم في كنيستنا، وهو يَعملُ في قِسم الشُّرطة، إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ يَحملونَ لافتةً. فَقد تَعَقَّبوهُم ووجدوا أنَّهم يَحملونَ لافتةً تقول: "أنا بحاجة إلى عمل. أنا بِلا مَأوى وبحاجة إلى عمل". وفي الآونةِ الأخيرة، في أحدِ مَراكِز التَّسوُّق قبل بِضعة أيَّام، كانتِ الشُّرطةُ تَتعَقَّبُ هؤلاء لتَرى ما الَّذي يَحدُث. ومع أنَّ أحدًا مِن هؤلاءِ المُتسَوِّلينَ لم يَحصُل على عمل فإنَّ دَخْلَ الواحدِ مِنهُم يَصِلُ إلى خمسةَ عشرَ دولارًا في السَّاعة مِنَ الأموال الَّتي يَتصدَّقُ بها النَّاس. وقد أخبرني أحدُ رِجال الشُّرطة إنَّهُ ذهبَ وأعطى سَيِّدةً مُتَسَوِّلةً شَطيرةً اشتراها مِن أحدِ مطاعمِ الوجبات السَّريعة، فقالت لَهُ: "ما هذا؟" قال: "أنتِ تَحملينَ لافتةً تقولُ إنَّكِ مُشَرَّدة وجائعة". لذا فقد أحضرتُ لكِ شَطيرةً لتأكُليها". ولكنَّها وَضعتها في حقيبةٍ تَحمِلُها. قال: "ألستِ جائعة؟" قالت: "سوفَ آكُلُها عندما أذهبُ إلى البيت".
لِذا، يَنبغي أن تَحذروا مِن ذلك. فأحيانًا يُوقِفُ هؤلاءِ المُتسوِّلونَ سَيَّاراتِهم خلفَ بِنايةٍ قريبةٍ ويُخَبِّئونَ أموالَهُم فيها. لِذا، يَنبغي أن تَحذروا لأنَّ هناك أشخاصًا لا يَعملونَ لمُجرَّدِ أنَّهم لا يُريدونَ أن يَعملوا؛ لا لأنَّهم لا يَقدرونَ على العمل. وإن كُنتَ لا تَعملُ وتَرفُضُ أن تَعمل، لا يَجوزُ أن تَأكُل. هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فلا بُدَّ مِن أن تُتاحَ لكَ فُرصةُ كَسْبِ رِزقِك. ويَنبغي لكَ أن تَستغِلَّ تلك الفُرصة. وأريدُ أن أقولَ ما يَلي مَرَّةً أخرى: قد يكونُ هناكَ نَقصٌ في فُرَصِ العمل في مُجتمعاتٍ مُعيَّنة. وقد لا يَجِدُ الإنسانُ عملاً كافيًا لِسَدِّ حَاجتِه. وفي هذه الحالةِ فإنَّنا نَمُدُّ لهُم يَدَ العَونِ والإحسانِ بِكُلِّ مَحبَّة، ونُساعِدُ في سَدِّ النَّقصِ لديهم. ولكِنَّنا لا نُطعِمُ الكَسالَى.
ولَعلَّكُم تَذكرونَ ما فَعلَهُ يسوعُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن إنجيل يوحنَّا عندما أَطعَمَ الجَمْعَ الغَفير. وقد كانَ حَشْدًا غَفيرًا. ونحنُ نُشيرُ إلى تِلكَ الحادثةِ بأنَّها مُعجزةُ إطعامِ خَمسة آلافِ شخص؛ ولكنَّهم كانوا خمسةَ آلافِ رَجُل. وعندما يكونُ هناكَ خمسةُ آلاف رَجُل، قَد تكونُ هُناكَ خمسةُ آلافِ امرأةٍ على الأقَلّ عَدا عَن بِضعةِ آلافٍ مِنَ الحَمَواتِ والجَدَّاتِ والأخَواتِ والعَمَّاتِ والخالات، فَضلاً عن خمسةَ عَشَرَ ألفِ طِفلٍ على أقَلِّ تقدير. لِذا فقد كانَ الحَشدُ يَضُمُّ مِن عشرينَ ألفًا إلى خمسينَ ألفًا. فقد كانَ حشدًا ضَخمًا جدًّا. وقد أَطعَمَهُم يسوعُ جميعًا. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ كان يَحملُ في يَديهِ خمسَ رُقاقاتٍ صَغيرة، أو خمسة أرغفة. وهي في الحقيقة رُقاقاتٌ صغيرةٌ مَصنوعة مِن الشَّعير. وكانَ يَحملُ بيديهِ أيضًا سَمَكَتَيْن. وقد أعَدَّ طعامًا. وأقولُ لكم إنَّهُ كانَ أفضلَ غَداءٍ أَكلوهُ يَومًا لأنَّهُ طَعامٌ مِن خارجِ هذا العالَم.
فرُقاقاتُ الشَّعيرِ لم تَأتِ مِنَ الشَّعيرِ النَّامي في الأرض. لِذا فإنَّها رُقاقاتٌ لم تَتدَنَّس باللَّعنة. ولا أدري كيفَ هُوَ طَعْمُ رُقاقاتِ كهذهِ لم تَتدنَّس بالخطيَّة. فإنْ كانتِ الرُّقاقاتُ المُدَنَّسةُ بِسَببِ الخطيَّةِ لَذيذةَ الطَّعم، ما بالُكُم برُقاقاتٍ سَماويَّة! لا شَكَّ أنَّ طَعمَها يَفوقُ الوَصف! ولا أدري كيفَ هُوَ طَعمُ السَّمَكِ الَّذي لم يَتَدَنَّس بالخطيَّة أيضًا. فطَعمُ السَّمكِ الَّذي لم يَأتِ مِن زَوجَيْنِ مِن السَّمك، بل هُوَ سَمَكٌ خُلِقَ للوقتِ بيديّ يَسوع لا بُدَّ أن يكونَ لَذيذًا جدًّا على غِرارِ السَّمكِ ما قَبلَ السُّقوط! لِذا، لا أدري كيفَ كانَ طَعمُ السَّمكِ قبلَ السُّقوط، ولا طَعمَ رُقاقاتِ الشَّعير قبلَ اللَّعنة؛ ولكن لا شَكَّ في أنَّهم أكلوا وَجبةً رائعةً في ذلك اليوم! والحقيقةُ هي أنَّها كانت وَجبةً رائعةً جدًّا حتَّى إنَّهم جاءوا جميعًا في صباحِ اليوم التَّالي مِن أجلِ وَجبةِ الإفطار! أتَذكرونَ ذلك؟ ففي صَباحِ اليوم التَّالي، اجتمعوا جميعًا على التَّلَّةِ مَرَّةً أخرى وطَلبوا إفطارًا. ولكنَّ يسوعَ رَفضَ ذلكَ وغادرَ المَكان.
والآن، هل تُدركونَ أنَّه عندما رَفَضَ أن يُقدِّمَ لهم طعامَ الإفطارِ أنَّهم غَضِبوا منه لأنَّهُ في مُجتمعٍ زِراعِيٍّ كمُجتمعهم كانَ لا بُدَّ لهم أن يَعمَلوا بِعَرَقِ جَبينِهم لكي يُنتِجوا طَعامَهُم. فَهُم لم يكونوا يَذهبونَ إلى السُّوقِ ويُقدِّموا للبائعِ قَسيمَةَ طَعامٍ أو شيكًا مَصرِفِيًّا أو بِطاقةَ ائتِمانٍ أو مَا شَابَهَ ذلك. كما أنَّهم لم يكونوا يَذهبونَ إلى أحدِ مَطاعمِ الوَجباتِ السَّريعة. فإن لم يَعملوا في ذلك اليوم لن يكون لديهم طعامٌ يأكلونَه. فالمسألةُ لم تَكُن تَتطلَّبُ إعدادَ الطَّعامِ فقط، بَل كانت تَتطلَّبُ تَوفيرَهُ أيضًا. لِذا، عندما رأَوْا أنَّ يسوعَ أَعَدَّ لَهُم طعامًا، ظَنُّوا أنَّهم عَثَروا على مَسيحٍ سيُؤسِّسُ دَولةً تُوَفِّرُ للنَّاسِ مَعوناتٍ أبديَّة. "نحنُ لسنا بحاجةٍ حتَّى إلى قَسائِمِ طَعام، بَل يَكفي أن نَأتي فيُعطينا الطَّعام! وحتَّى إنَّنا لسنا في حاجةٍ إلى الوقوفِ في طَابورٍ طَويل للحُصولِ على الطَّعام، بَل إنَّهُم يُقَدِّمونَهُ لنا!" وعندما حانَ وقتُ الإفطار، جاءوا إلى هُناك؛ ولكنَّ يَسوعَ غَادرَ المَكان. وأعتقدُ أنَّهم غَضِبوا مِنهُ وأظهَروا لَهُ العَداوةَ لأنَّهم عَرَفُوا آنذاكَ ما كانَ قادرًا على القيامِ بهِ ولكنَّهُ رَفَضَ أن يَفعلَ ذلك. وقد كان بمقدورِهِ أن يَفعلَ ذلكَ مَعنا نحنُ أيضًا، ولكنَّهُ يَعرفُ قيمةَ العمل، والفائدةَ مِنه، والغايةَ مِنه.
إذًا، كان بَعضٌ مِن مُؤمِني تَسالونيكي يَرفُضونَ العمل. لِذا فإنَّهُ يقول: إن رَفَضُوا أن يَعملوا، لا تَسمحوا لَهُم أن يأكُلوا. فهذا سيُساعِدُهم في فَهم الرِّسالة. وهذا هو دافعُ "النَّجاة".
وهناكَ مَبدأٌ رابعٌ يَستخدِمُه لحَفْزِهم. وسوفَ نُسَمِّيهِ: "الانسجام". سَنُسَمِّيهِ: الانسجام. وهو يُذكَرُ في العَدَدِ الحادي عَشَر وما يَليه: "لأَنَّنَا نَسْمَعُ...". ولا نَدري كيفَ سَمِعَ. لِذا، لا فائدةَ تُرجَى مِن التَّخمين. فرُبَّما عادَ تيموثاوس وأخبرهُ بذلك. ورُبَّما التقى أُناسًا مُسافرينَ مِن تسالونيكي إلى كورِنثوس. ورُبَّما سَمِعَ ذلكَ في الأوساطِ المسيحيَّةِ مِن خلالِ تَناقُلِ الأخبارِ مِن شخصٍ إلى الآخر. ولكنَّنا لا نَعرفُ كيفَ سَمِعَ بذلك. نحنُ لا نَدري كيفَ سَمِعَ بذلك، ولكنَّهُ سَمِعَ وَحَسْب. وهو يَقول: "لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا..." – وهذا يَعني أنَّ عَددًا كَبيرًا مِنهُم كانَ يَفعلُ ذلك! "أنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ". وهذه هي نفسُ العِبارةِ المُستخدمة في العددِ السَّادس وفي الرِّسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي 5: 14 وتُتَرجَم أيضًا: "بلا تَرتيب". فقد كانوا وَحَسْب غيرَ مُنضَبِطين، ولا يُحْسِنونَ تَدبيرَ شُؤونِ حياتهم. فَهُم لم يكونوا يَعملون. "لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ". وهذا هُوَ تَعريفُ تِلكَ العِبارة: "لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّون". والعبارةُ الحَرفيَّةُ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ فيها تَلاعُبٌ بالكلماتِ في الحقيقة إذْ إنَّها تَقولُ شَيئًا كهذا: "لأنَّنا نَسمعُ أنَّ قَومًا لا عَمَلَ لَهُم سِوى التَّطَفُّل على الآخرين". فَهُم لا يَعمَلون، بَل إنَّ عَملَهُم الوحيد هو التَّطَفُّل على الآخرين.
وهو يَستخدمُ الكلمة "إيرغا" (erga) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "إيرغو" (ergo) المُرتبطة بالطَّاقة وتتحدَّث عن شَيءٍ اسمُهُ "إيرغز" (ergs)؛ وهو عُنصُرٌ مِن عناصر الطَّاقة. فَهُم لم يكونوا "إيرغازومينوس" (ergazomenous)، بل كانوا "بيرييرغازومينوس" (periergazomenous) ومعناها أنَّهم كانوا يَتَسَكَّعونَ في كُلِّ مكان. فالسَّابقة "بيري" (peri) تَعني "حَوْل"، وتُشيرُ إلى مُحيطِ شيءٍ ما. فقد كانوا يَتسكَّعونَ وحَسْب في جميعِ أرجاءِ المكان دونَ أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ مُفيد. فقد كانوا عاطِلينَ عنِ العمل. وكانوا يَتسكَّعونَ وَحسب، ويَتدخَّلونَ في حياةِ الآخرين، ويَتطفَّلونَ عليهم، ورُبَّما يحاولون أن يُقنعوا المسيحيِّين الآخرين بالتَّوقُّف عن العمل، ويُخبروهم أنَّ المسيحَ آتٍ، وأنَّهم في يومِ الرَّبّ، وأنَّ العملَ شيءٌ أَحَطُّ مِن مُستوانا، وهَلُمَ جَرَّا. فقد كانوا هائِجين، وكانُوا يَصْنَعونَ انقسامًا وَشَرْخًا. وكان النَّاسُ قد تَعِبوا مِن هؤلاءِ الأشخاصِ الكَسالَى. فقد كانوا يأتونَ يومَ الأحد ويَقولون: "لنَخرُج مِن هنا! ها قَد جاءَ فُلان. فهو يُريدُ طعامًا، ويُريدُ مالاً". لِذا فقد ابتدأَ ذلك يُؤثِّر في جَوِّ الانسجامِ والمحبَّةِ وفاعليَّةِ خِدمةِ مُجتمعِ الإيمان.
فحيثُ إنَّ هؤلاءِ لم يكونوا يَعملون، كانوا يُثْقِلونَ على الآخرين. وكانوا يَجعلونَ الأشخاصَ الَّذينَ يُساعِدونَهُم يَمتَعِضونَ منهم. وكانوا يَتطفَّلونَ على حَياةِ الآخرين. وهذا يُذكِّرُني بأولئكَ الَّذينَ نَقرأُ عنهم في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 5: 13 إذْ إنَّ بولسَ ذَكَرَهُم، أيْ عن أولئكَ الأرامِلِ الحَدَثات. وهو يقولُ إنَّهُنَّ "يَتَعَلَّمْنَ أَنْ يَكُنَّ بَطَّالاَتٍ، يَطُفْنَ فِي الْبُيُوتِ. وَلَسْنَ بَطَّالاَتٍ فَقَطْ بَلْ مِهْذَارَاتٌ أَيْضًا، وَفُضُولِيَّاتٌ، يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ فَأُرِيدُ أَنَّ الْحَدَثَاتِ يَتَزَوَّجْنَ". فعندما تَصيرُ المرأةُ أرملةً وهي ما تَزالُ صَغيرةَ السِّنِّ فإنَّها لا تَجِدُ شَيئًا يَملأُ وقتها. لِذا، يجب عليها أن تَتزوَّج لأنَّهُ لا يَجوزُ لها أن تَطوفَ وتُثرثِرَ وتُقْحِمَ نَفسَها في أمورٍ لا شأنَ لها بها، ولا أن تَتكلَّم بما لا يجب، ولا أن تَسقُط في الخطايا النَّاجمة عن الحياة البَطَّالَة.
إذًا، هذا هو ما كان هؤلاءِ الأشخاصُ يَفعلونه. وتَعريفُ ما يَحدثُ عندما لا يكونُ لديك ما تَفعلُه (بحسب ما جاءَ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 5: 13) يَصِحُّ تمامًا على هؤلاء النَّاس. فقد كانوا مُجرَّد أشخاصٍ فُضوليِّين. ولا شَكَّ في أنَّكُم تَعرفونَ مَعنى ذلك. فهذه لَفظةٌ تَصويريَّة جدًّا. لِذا فإنَّ بولسَ يقولُ في العددِ الثَّاني عشر: "فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ...". وهذه كلمة قويَّة جدًّا. "...وَنَعِظُهُمْ...". وهذه كلمة مُتعاطفة جدًّا. إنَّها الكلمة "باراكليئو" (parakaleo) المُرتبطة بكلمة المُعَزِّي أو المُشَجِّع. لِذا فإنَّها وَصيَّة وتَعزية. فهي وَصِيَّة تَزخُرُ بالدِّفْء: "نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح"؛ أي أولئكَ الَّذينَ هُم في المسيح، أو في عائلةِ الله. والفكرةُ الَّتي يُرَكِّزُ عليها هنا هي: "في المَسيح". وهُناكَ تَرجَماتٌ تقول: "في اسمِ المَسيح"، ولكنَّ هذا لا يَظهَرُ في المخطوطاتِ القديمة. لِذا، مِنَ الأفضل أن نَرى أنَّ الفِكرةَ هُنا هي التَّركيزُ على وَحدَتِنا فيه بسببِ أهميَّةِ وَحدتِنا لأنَّنا جميعًا نَنتمي إلى المسيح. "فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ [لا فقط في اسمِ المسيح، بل أيضًا في وَحدةِ المسيح] أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ". فهو يقول: "اهدأوا. هذا هو مَعنى العمل بهدوء؛ أي: توقَّفوا عنِ التَّسَكُّعِ، والتَّطَفُّلِ، والتَّحرُّكِ دونَ هَدف. اذهبوا إلى العمل، وانهمكوا في حياةٍ مُرَتَّبةٍ وهادئة، وفي شُغلٍ مُنتظَم.
وهذا مُدهشٌ جدًّا في نظري لأنَّكم قد تُفَكِّرونَ مِن جِهة أنَّه إن كان يسوعُ آتٍ، أيْ إن كُنتُم تُؤمنونَ حَقًّا أنَّهُ آتٍ، وأنَّ نهايةَ العالمِ قدِ اقتربت، وأنَّ النَّاس على حافَّةِ الدَّينونةِ والعِقاب، وحيثُ إنَّنا نُؤمنُ بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو الأولويَّةُ الأولى، وأنَّه أفضلُ شيءٍ يُمكنُكم أن تَملأوا فيه وقتَكُم، رُبَّما تَظُنُّونَ أنَّ الرَّسولَ سيقول: "أريدُ أن أمدَحَكُم لأنَّكُم لا تَعملون. وأريدُ أن أمدَحَكُم لأنَّكُم تَسكُبونَ حَياتَكُم في الخدمة. وأريدُ أن أمدَحَكُم لأنَّكُم تَدرُسونَ الكتابَ المقدَّس. وأريدُ أن أمدَحَكُم لأنَّكُم لا تُهدِرونَ وقتكُم في العمل. وأريدُ أن أمدَحَكُم لأنَّكُم موجودونَ هناك، ولأنَّكم غيورونَ وتَكرِزونَ بالمسيحِ وتَدرُسونَ الكتاب المقدَّس لأنَّ هذا هو ما ينبغي لكم حَقًّا أن تَفعلوهُ بِكُلِّ وقتكم وطاقتِكُم". ولكنَّه لا يقولُ ذلك، بل يَقول: "اذهبوا إلى العمل، واصمُتوا، واعملوا عَملكُم". ولا أعتقدُ حتَّى أنَّه يَرى العملَ حَقلاً كِرازِيًّا تَحديدًا، بل أعتقدُ أنَّ ما تَقولُهُ في عملِكَ مِن خلال أمانَتِكَ في العمل هو المِنَصَّةُ الَّتي تَجعلُ شَهادتكَ الشَّخصيَّةَ جَديرةً بالتَّصديق. لذا فإنَّهُ يقولُ وحسب: "رَتِّبُوا حَياتَكُم بهدوءٍ واذهبوا إلى العمل".
وقد يَقولُ قائِل: "ولكنَّ هذا ليسَ كلامًا رُوحِيًّا". بَلى، إنَّهُ كذلك. فهو وَصيَّة. وهو وَسيلةٌ لتمجيدِ الله. وهذا هو السَّببُ في أنَّكَ في المكانِ الَّتي أنتَ فيه في سِياقِ تَدبيرِ الخَليقة. فكُلُّ هذا هو جُزءٌ مِن خُطَّة الله. وهو سيُؤثِّرُ في شَهادتِكم... صَدِّقوني. كما أنَّهُ أمرٌ يُسهِمُ في وَحدةِ الكنيسة، ويُؤثِّرُ في شَهادةِ الكنيسةِ بمُجملِها. اصمُتوا وحسب واذهبوا إلى عَملِكُم. اهدأوا. استَكينوا. احرصُوا على الانضباطِ في حياتِكم وكونوا مُنتِجين. فلا حاجةَ إلى هَدْرِ الوقتِ في الكسل، ولا حاجةَ إلى القيام بهذه الأمورِ الَّتي تُوحي بأنَّكم لستُم بحاجة إلى العمل. فاللهُ يقول: اعمَلوا. وهذا كُلُّهُ جُزءٌ رئيسيٌّ جدًّا جدًّا مِن وَصيَّةِ الله لنا. لماذا؟ لكي تَأكُلوا خُبزَكُم بعَرقِ جَبينِكُم ولا تَكونوا عِبئًا ثَقيلاً على المُجتمع، ولا عِبئًا ثَقيلاً على الكنيسة.
واسمَحُوا لي أن أُحذِّركُم يا أحبَّائي بأنَّ هناك أشخاصًا ما زالوا يَتسكَّعونَ ويقولون: "أتَعلمونَ أنِّي بحاجةٍ إلى الخِدمةِ ودراسةِ الكتابِ المقدَّسِ طُولَ الوقت"، أو: "يجبُ عليَّ أن أعِظَ أو أكرِزَ طُولَ الوقت"، أو: "أريدُ أن أكونَ مُرْسَلاً"؛ ولكنَّهم قد لا يكونونَ موهوبين، ولا سُلطانَ لَهُم، ولا مَرسومينَ مِن كَنيسةٍ مُعيَّنة، ولا يَنتمونَ إلى كنيسةٍ مُعيَّنة، وليسوا جَديرينَ بالثِّقة؛ ولكنَّهم يَحصلونَ على الدَّعمِ الماليِّ مِن النَّاس. لِذا، احذروا جدًّا مِن ذلك لأنَّهم رُبَّما لا يَرغبونَ في العملِ في حينِ أنَّ أعظمَ خِدمةً يُمكنهم القيام بها هي العمل بفاعليَّة. وقد تقول: "وماذا عن الكِرازة؟" إذا كُنتَ عامِلاً مُجتهدًا في عملك، صَدِّقني أنَّ الرَّبَّ سيَضَعُ النَّاسَ في طريقِكَ إن كانت هذهِ هي مَشيئتُه. وسوفَ تَحظى بفُرصةِ مُشاركةِ سببِ عَيشِكَ للحياةِ الَّتي تَعيشُها بالطَّريقةِ الَّتي تَعيشُ بها.
ثُمَّ نقرأُ في العدد الثَّالث عشر كلمةً لبقيَّةِ الرَّعيَّة. وهي واضحة في اعتقادي إن فَكَّرتُم فيها. فعندما قَرأتُها أوَّلَ مَرَّةً قُلتُ لنفسي: "ما عَلاقةُ هذا الأمرِ بأيِّ شيء؟" ثُمَّ فَكَّرتُ قائلاً: "أنا أرى ذلكَ الآن". "أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ" – وَهُوَ يُكَلِّمُ البَقيَّة؛ أي أولئكَ الَّذينَ يَعملون، وأولئكَ الَّذينَ يُضطرُّونَ إلى الدَّفْعِ لهؤلاء؛ أي إعطائِهم المال والطَّعام: "أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلاَ تَفْشَلُوا فِي عَمَلِ الْخَيْر". فكما تَرَوْن، مِنَ المُرجَّحِ أنَّ المُؤمِنينَ ضَجِروا جدًّا مِن هؤلاءِ الكَسالَى، وأنَّهُم مَلُّوا مِن إعطاءِ المالِ وإظهارِ الإحسانِ لهؤلاءِ الأشخاصِ الكَسالَى حَتَّى إنَّهم يَئِسُوا جدًّا مِنْ موضوعِ العَطاءِ بمُجملِه. ثُمَّ عندما يأتي شخصٌ لديهِ حاجةٌ حَقيقيَّة قَد لا يُبالونَ بِه. لِذا فإنَّهُ يقول: "انظروا، لا تَفشلُوا في عَملِ الخَير". وهو يَفترِضُ هُنا أنَّهُم قَد سَئِمُوا مِن الاعتناءِ بهؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ كانَ ينبغي أن يَعتنوا بأنفسهم. لِذا فإنَّهُ يقول: لا تَسمحوا لخيبةِ أملِكُم أن تَجعلكُم تَفشلونَ في عَمَلِ ما يَنبغي أن تَعملوه حَقًّا؛ أي في عمل الخير. والكلمة "كالوس" (kalos) هي الكلمة المُرتبطة بالفعل هُنا. وهي تَعني "مَا يُرى بأنَّهُ شَيءٌ نَبيل" (كما يقولُ "ميليغان" [Milligan] في مُعجَمِه]. "ما يُرى بأنَّهُ شَيءٌ نَبيل". افعلوا ما هُوَ نَبيل.
وإن رَجعتُم إلى سِفْر المزامير، ستجدونَ مِرارًا وتَكرارًا أنَّهُ ينبغي لنا أن نَهتمَّ بالفُقراء، وأنَّهُ عندما تَهتمُّونَ بالفُقراءِ فإنَّ اللهَ سيُبارِكُكم. وإذا نَظرتُم إلى سِفْر الأمثال، ستجدونَ الشَّيءَ نَفسَه. وإذا رَجعتُم إلى سِفْر إشعياء، أو إلى إنجيل لُوقا 14: 12-14، ما الَّذي يَقولُهُ يَسوع؟ إِذَا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ الأَغْنِيَاءَ الَّذينَ يُمكنُهم أن يَدعوكَ بالمُقابِل، بَل ادْعُ العُمْيَ والعُرْجَ والمُعاقينَ والجُدْعَ والمَسَاكِينَ الَّذينَ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافُوكَ. وحينئذٍ، سوفَ يُكافِئُكَ اللهُ فِي قِيَامَةِ الأَبْرَار. اعتنوا بالفُقراء.
وفي سِفْر أعمال الرُّسُل 20: 35، يقولُ الرَّسول بولُس: "فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذ". وحتَّى إنَّهُ قالَ في الرِّسالة إلى أهل غلاطيَّة 2: 10: "غَيْرَ أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ. وَهذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ". مَن طَلبَ مِنهُ ذلك؟ الكنيسةُ في أورُشليم، أوِ القادةُ هُناك؛ أيْ يوحنَّا وبُطرس ويعقوب وبرنابا. فيجبُ علينا أن نَتذكَّرَ الفُقراء. وقد راحَ بولسُ يَجمعُ التَّقدِماتِ للفُقراء، أيِ للفُقراءِ الحَقيقيِّينَ، وللأشخاصِ الَّذينَ يُعانونَ فَقْرًا مُدْقِعًا ويُريدونَ أن يَعملوا، أو رُبَّما يَعملونَ قليلاً ولكنَّهم لا يَجْنونَ مَا يَكفي مِن المال. فيجبُ عليكم أن تَسُدُّوا النَّقصَ لديهم إنْ كانوا مُستعدِّين للعمل.
فلا شَكَّ في أنَّ هناكَ أشخاصًا لا يَستطيعونَ أنْ يَحصُلوا على مَا يَكفي لِسَدِّ حاجتهم. فهناكَ أشخاصٌ في مُجتمعِنا، وهناكَ أشخاصٌ في كنيستنا يُحاولونَ جاهِدين؛ ولكنَّ مُستوى مَهارتهم يُبقي دَخلَهُم مُتدنِّيًا فلا يَقدرونَ أن يَسُدُّوا حاجاتِ عائلاتهم مِن جميعِ الأوجُه. لِذا فإنَّنا نُساعدُهم. ورُبَّما كانت هناكَ أُمَّهاتٌ يَعتَنينَ بأبنائهنَّ بمُفردهِنَّ ويَفعَلْنَ كُلَّ ما في وُسعِهِنَّ، ويُحاولنَ جَاهِدات، ويَعملنَ بِجِدٍّ قدرَ الإمكان؛ ولكنَّهُنَّ مُقصِّرات. وهناكَ أشخاصٌ لديهم إعاقاتٌ جَسديَّة ولديهم حاجات. ويا حَبَّذا لو أنَّ مُجتمعَنا سَدَّ هذه الحاجات! فهذا شيءٌ مِنَ الجَيِّدِ أن يَفعَلَهُ المُجتمع، ولا شَكَّ في أنَّهُ شَيءٌ مِنَ الجيِّدِ أن يَفعلُهُ المَسيحيُّون. لذا فإنَّه يقول: "لا تَفشَلوا في عملِ الخيرِ للأشخاصِ الَّذينَ هُم في حاجةٍ حَقيقيَّةٍ إلى المساعدة". وهذه نُقطةُ تَوازُنٍ رائعة.
والآن، إنَّ هذه الأشياءَ كَفيلةٌ بالحِفاظِ على الانسجامِ بينَنا، والحفاظِ على الوَحدةِ بينَنا. فَكُلُّ هذهِ الانقساماتُ الَّتي ظَهرت في الكنيسةِ كانت بسببِ أنَّ النَّاسَ ضَجِروا مِن هؤلاءِ الأشخاصِ وسَئِمُوا جدًّا مِنهم حتَّى إنَّهم لم يعودوا راغِبينَ في تقديمِ المساعدةِ للأشخاصِ المُحتاجين حَقًّا. ويمكنكم أن تَرَوْا أنَّ هذا كانَ يُمَزِّقُ الشَّركة ويُحدِثُ انقسامًا وعَداوةً. لذا فإنَّه يقولُ: "يَا قَوْم! اذهبوا إلى العمل". وهو يَقولُ مِن جهةٍ أخرى: "أمَّا البقيَّة مِنكُم مِمَّن يُمكنهم أن يَسُدُّوا حاجةَ الأشخاصِ الَّذينَ هُم في حاجةٍ حَقيقيَّة، افعلوا ذلكَ لأنَّ ذلكَ يَحفظُ الانسجامَ في الكنيسة". حافظوا على الوَحدة. فهذا مُهِمٌّ جدًّا لشهادةِ الكنيسة.
خامسًا: "الخَجَل". فالأمرُ لا يتوقَّفُ على أنَّ انقطاعَ الشَّركةِ، والقُدوةَ، والنَّجاةَ، والانسجامَ هي الدَّوافعُ الوحيدةُ للذَّهابِ إلى العمل، بل هناكَ أيضًا الخَجَل. انظروا إلى العدد 14: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَل". فإن كانَ أحدٌ لا يُطيعُ الوصيَّةَ المذكورةَ في هذه الرِّسالة، أقولُ لكم إنَّهُم عَنيدون. وقد قالَ ذلك مِرارًا وتَكرارًا عندما كان هناك. وقد كَتبَ ذلكَ بِضعَ مَرَّاتٍ في رسالتهِ الأولى. وهو يقولُ ذلكَ هنا أيضًا. إن لم يُطِع أحدٌ مِن هؤلاءِ هذه الوصيَّة مَيِّزوه، ولاحِظوه، وراقِبوهُ جَيِّدًا، واستَمِرُّوا في مُراقبته، وابْقوا أعيُنَكُم مَفتوحةً على ذلك الشَّخص بِهدفِ عَدمِ مُخالطتِه. راقِبوهُ لكي تَتجنَّبوه. ابقَوْا بعيدينَ عنه.
اقطعوا شَرِكَتَكُم بِه. والفعلُ المُستخدَم هنا يَعني: "لا تُخالِطوه". استخدموا ضَغْطَ الانفصال. ولكِنْ في هذه المَرَّة، اضغَطوا عليهِ أكثر. واستمرُّوا في مُمارسةِ تلك الخُطوةِ الثَّالثةِ مِنَ التَّأديبِ بأن تَفصِلوهُ؛ ولكنْ انفصلوا أنتُم أيضًا عنهُ واحرِصوا على إقصائِهِ بَعيدًا. فينبغي أن تَنتبهوا إليه، وأن تُراقبوا أفعالَهُ، وأن تَتجنَّبوه لَعَلَّهُ يَخجَل. فيجبُ عليكم أن تَفعلوا ما هو أكثر مِن عَزلِه إذْ ينبغي أن تُحاولوا أن تَجعلوهُ يَخجَل. وهذه كلمة بَغيضة: "يَخجَل". فهي تَعني في اللُّغة اليونانيَّةِ أن تَنظُرَ إلى نَفسِكَ بازدراء وتَرى نَفسَكَ على حقيقتِها. اجعلوهُ يَرى نَفسَهُ على حَقيقتِها؛ أي أنَّهُ شِرِّيرٌ، وعاصٍ، وخاطئٌ مُتمرِّد. اجعَلوهُ يَشعُر بالخَجل لأنَّه يَرفُضُ أن يَعمل.
وهناكَ دافعٌ أخيرٌ وهو "المَحبَّة". وأنا مَسرورٌ جدًّا لأنَّ بولسَ كَتَبَ هذهِ الجُملةَ الأخيرةَ في العددِ الخامِس عَشر: "وَلكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ". لا تُعاملوه بَعد كما لو كانَ عَشَّارًا أو وَثنيًّا، ولا تُعاملوهُ كما لو كانَ عَدُوًّا لله، أو عَدُوًّا للمسيح، أو عَدُوًّا للكنيسة، أو عَدُوًّا للمُؤمِنين. لا تُعاملوه بتلك الطَّريقة. فأنتُم لم تَطرحوهُ بعد للشَّيطان، ولم تُسَلِّموهُ بعد للشَّيطان لكي يَتَعَلَّمَ ألاَّ يُجَدِّفَ (كما جاءَ في الأصحاحِ الخامسِ مِن الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس بخصوصِ الزَّاني غير التَّائب). فهو لم يَبلُغ هذا الحَدِّ بَعد. وأنتُم ما تَزالونَ في المرحلةِ الثَّالثة، وأنتُم ما تَزالونَ تَنصَحونَهُ وتُحَذِّرونَهُ مِن عواقِبِ سُلوكِهِ وتَدعونَهُ إلى الطَّاعة. وأنتُم لم تُعامِلوهُ بعد كما لو كانَ عَشَّارًا، ولم تُعامِلوهُ كشخصٍ مَنبوذٍ بَعد لأنَّ العشَّارَ كانَ أكثرَ شخصٍ مَنبوذٍ في المُجتمعِ اليهوديّ. وهذا هو سببُ استِخدامِ ذلكَ التَّشبيهِ مِن قِبَلِ رَبِّنا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. فأنتُم لم تَنبُذوهُ بعد، ولم تُقْصُوهُ بعيدًا كما لو كانَ عَدُوًّا؛ بل إنَّكُم ما تَزالونَ تَدعونَهُ أخًا.
فهو ما زالَ فَي عائلةِ الله. لِذا، عامِلوهُ بمحبَّة كما تُعامِلونَ أيَّ أخٍ آخر. وعامِلوهُ برِفْقٍ كما تُعامِلونَ أيَّ أخٍ آخر أو أُختٍ أخرى. فكما جاءَ في سِفْر الأمثال 27: 6: "أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ". أظهِروا لهُ اللُّطفَ، واعلموا أنَّهُ بحاجةٍ إلى التَّشجيع. "نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا" (كما جاءَ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن الرِّسالة إلى أهل غلاطية). رُدُّوا مِثلَ هذا الشَّخصِ بمحبَّة.
وينبغي أن تَعلموا أنَّ الشَّيءَ المُدهشَ بخصوصِ هذهِ اللاَّئحةِ القصيرةِ الَّتي ذَكرتُها لكم [أيِ: انقِطاعُ الشَّرِكَة، والقُدوة، والنَّجاة، والانسجام، والخَجَل، والمَحبَّة]، أو هذهِ المُحَفِّزاتِ للشَّخصِ الَّذي لا يَعملُ هو أنَّها نافعةٌ أيضًا لِحَفْزِ أيِّ شخصٍ يَسلُكُ في أيِّ سُلوكٍ خاطئٍ آخر. فهي مُحَفِّزاتٌ عامَّةٌ جدًّا بهذا المَفهوم. فأيًّا كانتِ الخطيَّةُ يُمكنُنا أن نَستخدِمَ نَفسَ هذهِ الدَّوافِع. فالخوفُ مِن فُقدانِ الشَّركةِ معَ المؤمنينَ الآخرينَ، وحقيقةُ أنَّكَ لم تَتبع النَّموذجَ المُقدَّسَ للأشخاصِ الَّذينَ سَلَكُوا هذا الدَّربَ قَبلَكَ، وحَتَّى مَسألةَ النَّجاةِ (لأنَّكَ قد تَموتُ بسببِ اقترافِ الخطيَّةِ باستمرار كما حدثَ لعددٍ مِن الكورِنثيِّين)، وأيضًا فِكرة الانسجام لأنَّكَ بهذا تُمَزِّقُ وتُفسِدُ وتُحَطِّمُ وَحدةَ الكنيسة، وكذلكَ الخَجَل لأنَّكَ لا بُدَّ أن تَشعُرَ بالذَّنبِ والخَجَل، وأيضًا المحبَّة لأنَّها تَدعوكَ إلى العودة إلى جسدِ المسيحِ فيما يَدعوكَ إخوتُكَ وأخواتُكَ إلى القيامِ بذلك. لِذا، هذه هي الطَّريقةُ الَّتي نَتعاملُ بها معَ أيِّ مُؤمنٍ يَسلُكُ في أيَّة خطيَّة.
أمَّا إذا قاوموا ذلك، يُمكنكم أن تُعامِلوهُم كأعداء. وحينئذٍ، يُمكنكم أن تُسَلِّموهُم للشَّيطان. ثُمَّ إنَّ بولسَ يَقولُ في الأصحاحِ الخامسِ مِن رسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس: لا أريدُ منكم أن تكونوا في شركةٍ معَ هؤلاءِ، ولا حتَّى أن تأكُلوا معهم، بل اطرُدوهُم تمامًا. ولكنَّ بولسَ يَدعو الكنيسةَ مَرَّةً أخرى [وهي المرَّة الثالثة في سِلسلةِ الخُطُواتِ الثَّلاث] إلى أن يُحاولوا رَدَّهُم.
لقد تَدهورتْ أخلاقيَّاتُ العملِ في أمريكا. فقد ابتدأنا بتلكَ النُّقطة. ومِنَ الجَيِّدِ أنْ نَختِمَ بها. ولكنَّ أخلاقيَّاتِ العملِ لدى المُؤمِنينَ لم تَتغيَّر ولو قليلاً. هل تَسمحونَ لي بأن أُذَكِّرَكُم بأنَّكُم نِلتُمُ الخلاصَ ودُعيتُم إلى القيامِ بمِهنةٍ مُعيَّنةٍ لكي تُمَجِّدوا اللهَ في عملِكُم؟ لِذا، عندما تَذهبُ إلى عملِك تَذكَّر أنَّهُ عَملٌ إلهيّ. فقد أعطاكَ اللهُ مهارةً وفُرصةً للقيامِ بما تقومُ به. ويجبُ أن تَعملَ عَملكَ بطريقةٍ تُمَجِّدُه.
يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّ كلمتَكَ هي دائمًا مُباشرة وواضحة. أعْطِنا نِعمةً لكي نكونَ أُمناءَ في أثناءِ قِيامِنا بالمَهامِّ الَّتي أوكلتَها إلينا في البيتِ، وفي أماكِنِ عَملِنا، وفي القيامِ بأيِّ عَملٍ مِن حولِنا فيما نُخضِعُ هذا العالَمَ الواقِعَ تحتَ اللَّعنة. وساعِدنا أن نَعلَمَ أنَّهُ في أثناءِ قيامِنا بذلك فإنَّنا نُرضيكَ ونُكرِمُك. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبُّ، مِن أجلِ الأشخاصِ الحاضرينَ معنا في هذا الصَّباح والَّذين لم يأتوا بعد للمسيح، وما زالوا يعيشونَ في خطاياهم، ولم يَختبروا يومًا الغُفرانَ، ولم يَتوبوا يَومًا، ولم يَرجِعوا عن خطاياهم، ولم يَقبلوا المُخلِّصَ، ولم يَقبلوا الحياةَ الأبديَّة؛ لِذا فإنَّهم لا يَتَمَسَّكونَ بأيَّة أخلاقٍ سَاميةٍ في الحياة، بَل هُمْ ضَحايا للعاداتِ الشَّيطانيَّةِ القائمةِ على النَّظرِ إلى الحياةِ نَظرةً مُهيمِنَةً وأنانيَّةً ونَفعِيَّةٍ مَعَ كُلِّ ما يُرافِقُ ذلكَ مِن خوفٍ، وعدمِ شُعورٍ بالرِّضا، وعدمِ شُعورٍ بالقناعةِ، ومعَ كُلِّ ما يُرافقُ ذلكَ مِن تشويشٍ وظُلمة. يا أبانا، أُصَلِّي أن تَعملَ في قلبِ هؤلاءِ الأشخاصِ وأن تَفتحَ أعيُنَهُم الرُّوحيَّة على حقيقةِ المسيح، وعلى حقيقةِ أنَّهُ جاءَ إلى العالمِ بصفتِهِ الله الظَّاهِر في الجسد لكي يَموتَ على الصَّليبِ ويَقومَ ثانيةً كي يَغفرَ خطاياهُم، وكي يَدفعَ أُجرةَ خطاياهُم ويُعطيَهُم حياةً أبديَّةً إن تَركوا تلكَ الخطايا وقَبلوهُ رَبًّا ومُخلِّصًا. يا أبانا، نَسألُكَ أن تُخَلِّصَ أُناسًا اليومَ، وأن تَضعهُم على دَربِ الصَّلاحِ لكي يَعملوا أعمالهم بتكريسٍ جَديدٍ لأجلِ مَجدِكَ الَّذي لم يَعرِفوهُ مِن قَبل. وبالنِّسبةِ إلى المُؤمِنينَ هُنا، نَسألُكَ يا رَبُّ أن تُعطِينا جميعًا فَرحًا مُنعِشًا وبَهجةً مُتجدِّدةً بخصوصِ عمَلِنا، وأن نَنظُرَ إليهِ كما تَنظُرُ إليهِ أنت. وإن كان هناكَ، يا رَبّ، أشخاصًا في هذهِ الكنيسةِ يُخطِئونَ لأنَّهم لا يُبدونَ أيَّ استعدادٍ للعمل، لَيتَهُم يَسمَعونَ هذه الرِّسالةَ ويَكونونَ أُمناءَ في تَرْكِ تلكَ الخطيَّةِ والعُثورِ على عَملٍ مُنتِج. ويا رَبّ، فيما يَختصُّ بهؤلاءِ الَّذينَ لا يُمكنهم العمل في كنيستِنا، والَّذين هُم بحاجةٍ إلى مُساعدتِنا وأعمالِ الخير، لَيتَنا لا نَفشَلُ في خِدمتِهم وسَدِّ حاجاتِهم. أعطِنا هذا التَّوازُنَ الرَّائعَ الَّذي نَقرأُ عنهُ في هذا المَقطعِ فيما نَحيا بِصِفَتِنا شَعبَكَ في هذا العالمِ لأجلِ مَجدِكَ أنت. باسمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
