لِنَفتح كُتبَنا المقدَّسة في هذا الصَّباح لدراسة كلمة الله على رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل. رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل. ونحن نَدرس الأعداد مِن 9 إلى 11؛ وهي صلاةُ بولس لأجل المؤمنين. فهو يكتب: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ".
والآن في هذه الصَّلاة الَّتي يُصلِّيها بولس لأجل مؤمني فيلبِّي، يُركِّز على مُقوِّمات الصِّحَّة الروحيَّة السَّليمة. فهو يُركِّز على سِمات الرُّوحانيَّة السَّليمة أو على عناصر الحياة الروحيَّة الَّتي ينبغي لكلِّ مؤمنٍ أن يَجِدَّ في طلبِها. هل تذكرون ما هي؟ لقد ذَكرتُها لكم في المَرَّة السابقة: المحبَّة، والتَّمييز، والاستقامة، والأعمال الصَّالحة، والمجد. والحقيقة هي أنَّه يُمكنكم (مِن جوانب مُعيَّنة) أن تُلخِّصوا الحياة المسيحيَّة بهذه الألفاظ الخمس: المحبَّة، والتَّمييز، والاستقامة، والأعمال الصَّالحة، والمجد. والآن، لقد ابتدأنا دراستنا في المَرَّة السَّابقة بالنَّظر إلى العدد 9 والتَّمَعُّن في أولى هذه المُقوِّمات الأساسيَّة الخمسة وهي: المحبَّة. فنحن نقرأ في العدد 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ".
وقد أَشرنا في المَرَّة السَّابقة إلى أنَّ كلَّ الحياة المسيحيَّة تَبتدئ بالمحبَّة. فكلُّ شيءٍ في حياتِنا المسيحيَّة ينبغي أن يُبنَى على أساس المحبَّة. والحقيقة هي أنَّ كلَّ نَصِّ الآيات 9-11 مُتعاقِب. فالمحبَّة تُؤدِّي إلى التَّمييزِ الَّذي يُؤدِّي بدورِه إلى الاستقامة الَّتي تُؤدِّي بدورها إلى الأعمالِ الصَّالحةِ الَّتي تُؤدِّي بدورها إلى حَمْدِ اللهِ وتَمجيده. لذا فإنَّ المحبَّة هي الأساسُ العظيمُ للحياة المسيحيَّة. وهي أَسمى فضيلة في الحياة المسيحيَّة والصِّفة المُمَيِّزَة حقًّا لإيمانِنا. ويَحكي الدُّكتور الرَّاحل "دونالد بارنهاوس" (Dr. Donald Barnhouse) الَّذي كان مُعلِّمًا ومُفسِّرًا عظيمًا للكتاب المُقدَّس في السَّاحِلِ الشَّرقيِّ، يَحكي قصَّة فتاة يابانيَّة كانت تعمل مُوظَّفةً لدى إحدى خُطوط الطَّيران في رَدْهَةِ فندق "إمبريال" (Imperial Hotel) في طوكيو. وفي إحدى المَرَّات الَّتي كان يَقِفُ فيها في ذلك الفُندق عند مكتب خطوط الطَّيران تلك، راح يَتحدَّث إلى هذه الفتاة الَّتي كانت تُتقن الصِّينيَّة واليابانيَّة والإنجليزيَّة بِحُكم عملها. وكان مِن الواضح أنَّها مِن خلفيَّة مُثقَّفة. وقد سألها بأسلوبه المُنفتِح المَعهود إن كانت مَسيحيَّة.
رَدَّت قائلةً: "لا، أنا بُوذيَّة". وبعد أن سألها مزيدًا من الأسئلة قالت إنَّها سمعت عن يسوعَ المسيح، وسمعت عن كتابٍ مُقدَّسٍ يُدعى الكِتاب المُقدَّس، ولكنَّها لم تقرأه يومًا ولا تَعرف أيَّ شيءٍ عن يسوعَ المسيح شخصيًّا. ثُمَّ إنَّ الدُّكتور بارنهاوس سألها سؤالاً مُهمًّا جدًّا إذ قال لها: "هل تُحبِّين بُوذا؟" أجابت بدهشة: "أُحِبُّه؟" لم أُفكِّر يومًا في الحُبِّ في إطارِ الدِّين". وفي ضوء جوابها المُحزِن، بَيَّنَ الدُّكتور بارنهاوس لها الحقيقة الجميلة للمحبَّة المسيحيَّة على النَّقيض مِن الآلهة الوثنيَّة الَّتي يُبغضُها النَّاس ويَرهبونها. وقد أَخبر تلك الفتاة أنَّه لا يوجد إلَهٌ في العالم كُلِّه يُحَبُّ إلاَّ اللهَ الحقيقيَّ والربَّ يسوعَ المسيح.
وقد أخبرها إلى أنَّه توجد في بلدها تَماثيل في كلِّ مكان لتلك الآلهة، وإلى أنَّه توجد وُحوشٌ شَرِسَة تَحرس بَوَّابات الهيكل فيما يحاول النَّاس المُرتعبون أن يُرضوا بطريقةٍ ما إلهًا غاضبًا. وقد ذَكَّرها بأنَّهم يَقومون في ديانتها بحرق البَخورِ وتقديمِ الذَّبائح في محاولة لإرضاء نَزَواتِ تلك الآلهة القاسية والعنيفة والشرِّيرة. فالبوذيُّون لا يُحبُّون بُوذا. وبُوذا لا يُحبُّ البُوذيِّين. والهِندوسيُّون لا يُحبُّون آلهتهم، وآلِهتُهم لا تُحبُّهم. والمُسلمون لا يُحبُّون اللهَ تحديدًا. ولا يوجد ما يؤكِّد حقًّا أنَّ اللهَ يُحبُّهم.
وكما تَرون، هذا هو أعظم ما يُمَيِّز المسيحيَّة: أنَّها في جوهرها وصميمها مَحبَّة. فاللهُ يُحبُّنا، ونحنُ نُحبُّ اللهَ. وفي ذلك السِّياق، نحنُ نُحِبُّ الآخرينَ ونُحَبُّ مِن الآخرين. فهذه هي السِّمة المُمَيِّزَة للمسيحيَّة. ونحنُ نُحبُّه لأنَّه أحَبَّنا أوَّلاً. فالمحبَّة هي أعظم شيء. والمحبَّة هي الحقيقة الفائقة للاختبار المسيحيِّ. والتَّقوى الحقيقيَّة تَبتدئ بالمحبَّة. وفي رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13 (وهو الأصحاح الَّذي أَشرتُ إليه في يوم الرَّبِّ الماضي)، يَكتُبُ بولس: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا".
فالمحبَّة جُزءٌ لا يَتجزَّأ مِن المسيحيَّة. فقد يقوم راهبٌ بوذيٌّ بإضرام النَّار بنفسه. ولكن إن لم تكن له محبَّة، أي تلك المحبَّة الَّتي مِن الله، فإنَّ ما فَعَلَهُ عَديمُ الجَدوى. فلا مَعنى لأيِّ شيء ولا قيمةَ لأيِّ شيء ما لم تكن هناك محبَّة. لذا فإنَّ المحبَّة هي تلك الفضيلة السَّامية. لِذا فإنَّ بولس يُصلِّي أن تَزداد محبَّة مؤمني فيلبِّي (ومحبَّتُنا نحن أيضًا) أكثر فأكثر في كلِّ معرفةٍ حقيقيَّة وفي كلِّ فهم. فَهُوَ يُصلِّي أن تَزدادَ محبَّتُنا.
والآن، لقد ذَكرنا في المَرَّة السَّابقة بضع نقاطٍ عن ذلك. فهي محبَّة إلهيَّة. والدَّليلُ على ذلك هو أنَّه يُصَلِّي إلى الله مِن أجلها. فهي تأتي مِن عند الله، لا مِن عند بشر. وهي محبَّة حقيقيَّة. وقد كانوا يَملكونها بفيض. وَهُوَ يريد منهم أن يحصلوا على المزيد والمزيد منها. وهي محبَّة جازمة. فالكلمة "أغابي" (agape) تعني أنَّها محبَّة نابعة مِن الإرادة، أو محبَّة نابعة مِن الاختيار، لا مِن العواطف. وهي محبَّة ديناميكيَّة. فهي تزداد أكثر فأكثر، وتَكثُر، وتَفيض. وهي محبَّة عميقة بمعنى أنَّها مُتأصِّلة في المعرفة الروحيَّة والفهم الروحيِّ العَميقَيْن. وهي مَحبَّة مُمَيِّزة بمعنى أنَّها مُتَبَصِّرة في كلِّ مواقف الحياة وتَعرف كيف ينبغي أن تُطَبَّق.
لذا فإنَّ هذه المحبَّة ليست نَزوةً طائشةً غير مُنضبطة، بل هي خدمة كِتابيَّة مُتَبَصِّرة ومُمَيِّزة تُقَدَّم للآخرين مِمَّن لديهم احتياج حتَّى لو اقتضى الأمر أن نُضحِّي. فهي ليست عاطفة، بل هي واجب. وهي تَضحية بعيدة عن الأنانيَّة لأجل شخصٍ آخر. وهي لا يُمكن أن تُوصف بأنَّها ظاهرة اجتماعيَّة وحسب. وهي لا يُمكن أن تُوصف بأنَّها مشاعر عاطفيَّة وحسب. فمِفتاحُها هو الإيثار. ومِفتاحُها هو الاتِّضاع. ومِفتاحُها هو أن تَنسى نَفسكَ بسبب انهِماكِكَ في سَدِّ حاجات الآخرين. فالأشخاص المُحبُّون حقًّا يُكَرِّسون أنفسهم لأجل الآخرين، ولا يكونون أنانيِّين، بل يَعملون بكلِّ رأفة على سَدِّ احتياجات الآخرين بِغَضِّ النَّظر عن هُويِّتهم، وبغَضِّ النَّظر عن الحاجة. فكلُّ شيء يَبتدئ بالمحبَّة. لذا فإنَّ بولس يُصلِّي مِن أجل قلوبٍ مُحبَّة.
والآن، لننتقل إلى بقيَّة المُقوِّماتِ...مُقوِّمات الحياة الروحيَّة. فالنُّقطة الثَّانية هي: "التَّمييز". لاحظوا مَرَّةً أخرى ما جاء في العدد 10: "حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ". والآن، هل تلاحظون التَّعاقُب هنا؟ فهذه الفضيلة تَختصُّ بترتيب الأولويَّات وتَتبَع الفضيلة الأولى وهي المحبَّة. والكلمة "حَتَّى" هي أداة الرَّبْط إذ إنَّها تُرينا أنَّ هناك تَعاقُبًا هنا. فعندما تُهيمنُ على الإنسان حقًّا المحبَّة الإلهيَّة، ستَنشأ لديه رغبة في السَّعي إلى كلِّ ما هو مُتَمَيِّز. لماذا؟ لأنَّ تلك المحبَّة الحقيقيَّة خاضعة للمعرفة العميقة لكلمة الله الَّتي تُمَكِّن المؤمن مِن التَّفريقِ والتَّمييز بين الأشياء. وهذا يقودُه إلى البحث عن الأمور المُمتازة. لذا فإنه يقول: "حَتَّى [في العدد 10] تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ". فلا يمكنك القيام بذلك مِن دون تلك المحبَّة الفَيَّاضة، ومِن دون ذلك التَّكريس الَّذي يُسمِّيه الكتاب المقدَّس "المحبَّة الكِتابيَّة".
والآن، إنَّ الكلمة "تُمَيِّزوا" هي كلمة مُدهشة ومُهمَّة: "دوكيماتزو" (dokimazo). وهي شائعة جدًّا في العهد الجديد. وقد كانت تُستخدَم في الكتابات الإغريقيَّة الكلاسيكيَّة للإشارة إلى فحص المعادن وتقرير خصائصها ونقاوتها. وكانت تُستخدم للإشارة إلى فحص القطع النَّقديَّة للتحقُّق مِن أنَّها ليست مُزوَّرة. وقد استُخدمت في إنجيل لوقا 14: 19 لفحص جَوْدَة الحَيوانات؛ وتحديدًا: البَقر. وهي تُستخدَم في إنجيل لوقا 12: 56 للإشارة إلى تَمييز حالة السَّماء أو تَحليل حالة الطَّقس. لِذا فإنَّها تُشير إلى فحص شيءٍ ما لتقرير جودته أو إثبات صِحَّته أو نقاوته. والمعنى المقصود هنا هو: صلاتي لأجلكم هي أن تَمتلكوا القدرة على تقييم وتمييز الأشياء المُمتازة. والكلمة اليونانيَّة "ديافيرو" (diaphero) تعني حَرفيًّا: "مُختلِف" إشارةً إلى الأشياءِ المُختلفة عن غيرها – "مُختَلِف". بعبارة أخرى: لكي تَعرفوا الاختلافَ بين الأشياء، ولكي تَتمكَّنوا مِن تقرير الأشياء الأكثر أهميَّةً. لِذا فإنَّ الفكرة هنا هي أن تتمكَّنوا مِن تقييم القيمة الحقيقيَّة للأشياء: أي ما هو قَيِّم، وما هو غيرُ قَيِّم، وما هو أفضل مِن غيره، وما هو الأكثر قيمةً، وما هو جديرٌ بالاهتمام، وما هو حيويٌّ، وما هو مُمتازٌ، وما هو الشَّيءُ المُهِمُّ حقًّا.
والآن اسمعوني جيِّدًا: إنَّها ليست القدرة على التَّفريق بين الجيِّد والسيِّء. فكلُّ شخصٍ يستطيع أن يفعل ذلك. بل إنَّها القدرة على التَّمييز بين الجيِّد والأفضل. ويبدو أنَّ فئة قليلة فقط هي القادرة على القيام بذلك. إنَّها القُدرة على تَمييز الشَّيء الأفضل والأهمّ، والقدرة على تكريس حياتك ووقتك وطاقتك على الأشياء المُهمَّة حقًّا، وتمييز الأمور المُمتازة، وفحص وتقييم وتقدير وامتحان واختيار الأشياء الأكثر أهميَّةً. واسمعوني: إنَّ القدرة على القيام بذلك هي ما يُمَيِّز بينَ الشَّخصِ السَّطحيِّ والشَّخصِ العميق، وبينَ الشَّخصِ الضَّعيفِ والشَّخصِ القويِّ، وبينَ الشَّخصِ العاديِّ والشَّخصِ المُؤثِّر. فالأشخاص الَّذينَ يمتازون بالعُمق والقوَّة والتَّأثير هم الأشخاص الَّذينَ يمتلكون القدرة على تركيز حياتهم على هدفٍ ممتاز دون أن يَتَلَهُّوا أو يَنشغلوا بأمورٍ أقلّ مِن المُمتازة.
والآن، هذه صَلاةٌ لأجل الذِّهن بالمناسبة. وحتَّى إنَّه يمكنكم أن تقولوا إنَّ الصَّلاة الأولى (أي الصَّلاة لأجل المحبَّة) هي صلاة لأجل القلب. أمَّا هذه الصَّلاة فهي لأجل الذِّهن لأنَّك لا تستطيع أن تجِدَّ في طلب الأمور المُمتازة مِا لم تكن قادرًا على تقييم الأمور المُمتازة. وأعظمُ تَحَدٍّ بالنِّسبة إليَّ في الحياة هو القدرة على السَّعي نحو أنبل الأشياء وأفضلها. ولكنَّ أغلبيَّة النَّاس لا يفعلون ذلك. فأغلبيَّة النَّاس يُشبهون الكُرةَ المُرتدَّة إذ إنَّه لا تَصدُرُ عنهم سوى ردودُ أفعال...ردودُ أفعال. بعبارة أخرى، إنَّهم يعيشون حياةً قائمة على الانفعالاتِ وحسب. فَهُم يفعلون وحسب ما تُمليه عليهم عواطفهم أو مِزاجُهم، أو يُبدون وحسب ردود فعلٍ تُجاه البيئة المُحيطة بهم. فَهُم لا يُسيطرون على البيئة، ولا يُسيطرون على رُدود أفعالهم تُجاه البيئة. والحقيقة هي أنَّهم لا يُفكِّرون، بل يُظهرونَ وحسب ردودَ أفعال. فأغلبيَّةُ النَّاس يعيشون وفقًا لأمزجتهم. فَهُم لا يَتحكَّمون بأنفسهم، بل إنَّ أنفسهم تتحكَّم بهم. وَهُم لا يُفكِّرون البتَّة. وَهُم لا يستطيعون أن يَسعوا دون إعاقةٍ أو إلهاءٍ للحصول على الأشياء المُمتازة لأنَّهم لا يستطيعون التَّفكير في أنماط التَّفكير لديهم والسَّيطرة عليها إلى الدَّرجة الَّتي تُمكِّنهم مِن تقييم الأشياء الممتازة. فَكُلُّ ما يَصدر عنهم هو ردود فعل. وهذا مأساويٌّ، ولكنَّ أغلبيَّة النَّاس يعيشون بأسلوب ردود الفعل تجاه كلَّ ما يُحيط بهم. فَهُم يُشبهون كُرةً مُرتدَّةً إذ إنَّهم يَرتدُّون حال ارتطامهم بأيِّ جدارٍ في أيِّ اتِّجاهٍ يَشاؤون.
وهناك دراسة تَربوية مُدهشة أُجريت وقرأتُ عنها في هذا الأسبوع تَمَّ فيها إعطاء الأشخاص مفاهيم جديدة. بعبارة أخرى، لقد جاء رَجُلٌ وأعطى هؤلاءِ الأشخاصَ مفهومًا جديدًا أو شيئًا لم يَسمعوا به مِن قبل، وطَلبَ منهم أن يُصدِّقوه. وقد كان يَعلم أنَّه عندما يَطلب منهم أن يُصدِّقوا ذلك، لا بُدَّ أن يُلغوا مجموعةً مِن الأشياء الَّتي كانوا يَعتقدون في السَّابق أنَّها صحيحة. وقد كانت النَّتائج مُدهشة. فقد صَدَّقَ خمسون بالمئة مِن هؤلاء الأشخاص ما طُلِبَ منهم مباشرةً دون تفكير. وثلاثون بالمئة لم يُصدِّقوا ذلك مباشرةً ودون تفكير. وقد أراد 15% مِن هؤلاء الأشخاص وقتًا أطول لاتِّخاذ قرار، ولكنَّهم لم يطلبوا أيَّ توضيح أو معلومات إضافيَّة، ثُمَّ اتَّخذوا قرارهم. وقد حَلَّل 5% مِن هؤلاء الأشخاص كلَّ التَّفاصيل ووصلوا في النِّهاية إلى نتيجة. وقد كانت نتيجة الاختبار كالتَّالي: يُقَدِّرُ أنَّ 5% بالمئة مِن النَّاس يُفكِّرون، وأنَّ 15% من النَّاس يُفَكِّرونَ أنَّهم يُفكِّرون، وأنَّ 80% من النَّاس يُفضِّلون الموت على التَّفكير.
فهكذا هي الحال في العالَم. هكذا هي الحال. فَهُم لا يريدون أن يُفكِّروا. فالنَّاسُ لا يُفكِّرون. وَهُم لا يريدون أن يَعرفوا كيف يُميِّزون الأشياء المُمتازة لأنَّهم لا يستطيعون أن يَتحكَّموا بعقلهم لأنَّ مشاعرهم تتحكَّم بعقلهم فلا تصدر عنهم سوى ردودُ أفعال. وقد قال أحد الأشخاص: "إنَّ أغلبيَّة النَّاسِ في المُجتمع يَجلسون في عَربة يَجُرُّها حِصانٌ ويَنظرون إلى الوراء". فَهُم لا يَرون الأشياء سوى بعد عبورهم عنها. وهذا يُذكِّرني بقصَّة الطَّيَّار الَّذي اقتربَ مِن مُكَبِّر الصَّوت في الطَّائرة وقال: "لديَّ خبر جيِّد وخبر سَيِّء. الخبرُ السيِّء هو أنَّنا فقدنا كلَّ الأجهزة ولا ندري أين نحن. والخبر الجيِّد هو أنَّ هناك رياحًا خَلفيَّة تَدفع الطَّائرة وأنَّنا نَقضي وقتًا مُمتعًا". وأعتقد أنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي يعيشُ أغلبيَّةُ النَّاس حياتهم بها. فَهُم لا يَملكون أيَّة أجهزة، بل يسيرون فقط بقوَّة دفع الهواء. وَهُم يَقضون وقتًا رائعًا في الحياة إذ يعيشون حياةً ضَبابيَّةً وليست لديهم أَدنى فكرة عَمَّا يجري. وإن استطعنا أن نَدمج هاتين الاستعارتَيْن معًا، فإنَّهم يُشبهون شخصًا يَجلس في عَربة يَجُرُّها حِصانٌ ولا يَرون شيئًا سوى ما حدث دون أيِّ تَرَقُّب بالمَرَّة". وقد قال أحدهم: "عندما أعملُ، أعملُ جاهدًا. وعندما أجلسُ، أجلسُ مُسترخيًا. وعندما أُفكِّر، أَستغرِقُ في النَّوم". وهناك شخص آخر قال: "الإنسانُ يَتعثَّر أحيانًا بالحقيقة، ولكنَّه في أغلب الأحيان يَستطيع أن يَنهضَ ويُتابعَ السَّيرَ كما لو أنَّ شيئًا لم يَحدث". وكما تَرون، فإنَّ النَّاس يعيشون حسَب مشاعرهم، لا حسَب تفكيرهم.
ولكن إن أردنا بصفتنا مؤمنين أن نَسعى إلى الأمور المُمتازة، يجب علينا أن نُغَلِّبَ الذِّهن على المِزاج. فلا يمكنك أن تكون ضَحيَّةً لعواطفك ومِزاجك إن أردتَ أن تَجِدَّ في طَلب الأمور المُمتازة. ففي رسالة رُومية، أنتم تَعرفون ذلك الأصحاح الثَّاني عشر الرَّائع إذ نقرأ في العدد الثَّاني: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ". فيجب عليكم أن تُجَدِّدوا أذهانَكم. ويجب عليكم أن تُنَظِّموا أفكاركم. لِذا فإنَّ بولس يقول في رسالة فيلبِّي والأصحاح الرَّابع: "كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ [في العدد 8]، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". فالأمر يَبتدئ بذهنك. فيجب عليك أن تَتغلَّب على الانفعالِ بحسب مِزاجِكَ وعاطِفتِك.
وفي رسالة أفسُس والأصحاح الخامس، يقول بولس: "اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ... مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ". ثُمَّ في العدد 15: "فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ". فَكِّروا. فَكِّروا. ونحن نقرأ في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 21: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ [بِعناية]. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَن". وكما تَرون، فإنَّ الشَّخصيَّة المسيحيَّة في أعلى مُستوياتها هي مَحبَّة يَغرسها اللهُ ويُنَمِّيها. وهي تَخضعُ للحقِّ والحكمة. لذا فإنَّها تَجِدُّ مِن خلالِ قدرتها على التَّفريقِ والتَّمييز في طلب أفضلِ الأفضل. وبالرَّغم مِن ذلك فإنَّ أغلبيَّة النَّاس يَصرفون حياتهم بأسرها في إظهار ردودِ أفعالٍ انفعاليَّة مَحْضَة على ما يحدث مِن حولهم، ويَفعلون ما يُمليه عليهم مِزاجُهم أن يَفعلوه، ولا يُحَقِّقون شيئًا يُمكن أن يَدوم لأنَّهم لم يَتعلَّموا قَطّ أن يُميِّزوا الأشياء المُمتازة؛ في حين أنَّ الأشخاص الأتقياء يَتميَّزون بالمحبَّة واستحسانِ الأمور المُمتازة. انظر إلى حياتك. هل أنت حقًّا تُفَرِّق وتُمَيِّز الأشياءَ المُمتازة؟ أَم أنَّك مُمتلئ بالتَّفاهات الَّتي لا قيمةَ لها البَتَّة ولا تَفعل شيئًا سوى أنَّها تَمتصُّ طاقَتَكَ وتَستنفذُها وحسب؟
وهناك عُنصرٌ أو عاملٌ أساسيٌّ ثالثٌ في هذه العَمليَّة وَهُوَ: الاستقامة – الاستقامة. فالمحبَّة والتَّمييز يَقودان إلى الاستقامة إذ نقرأ في العدد 10: "لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيح". والكلمة "لكي" (وأنا أُخاطبُ هنا طَلبة اللُّغة اليونانيَّة) هي: "هينا" (hina) تُفيدُ القَصد. فيجب عليك أن تُحبَّ لكي تَتمكَّنَ مِن تمييز الأمور المُمتازة لكي (أو بقصدِ أن) تَكونَ شخصًا مُستقيمًا. ونقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ التَّعاقُب واضحٌ جدًّا. فكلُّ هذه الأشياء مُتعاقبة. فالمحبَّة الخاضعة للحقِّ الإلهيِّ والبصيرة العمليَّة تقود إلى الجِدِّ في طَلب الأمور المُمتازة؛ وهذا يُؤدِّي إلى الاستقامة على الصَّعيدِ الشَخصيِّ وعلى صعيد العلاقات.
والآن، انظروا إلى الغايَتَيْن المذكورتين في العدد 10: "لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ". وَهُما غايتان تَختلفان في المَعنى والتَّشديد؛ وَهُوَ أمر أريد منكم أن تَروه. فالكلمة "مُخلِصين" مُدهشة جدًّا. فهي تعني: "حَقيقيّ"، ولكنَّها تَحتمل الاشتقاقَ مِن جَذرَيْن مُختلفَين. فهناك مَن يَعتقد أنَّها مُشتقَّة مِن جذر كلمة تَعني: "يُغَرْبِل"؛ أي كما تُوضع الحُبوب في غِربال وتُغَربَل إلى أن تُزال منها كلُّ الشَّوائب فيكون النَّاتج حُبوبًا نَقيَّة. فهناك احتمالٌ بأن تكون هذه الكلمة مُشتقَّة مِن هذا الجذر بمعنى أنَّ كلَّ الشَّوائب الموجودة في حياتِك قد تَنَقَّت فَصرتَ نَقيًّا وخاليًا مِن الشَّوائب مئة بالمئة.
مِن جهة أخرى، رُبَّما اشتُقَّت هذه الكلمة مِن جَذْرَيْن في اللُّغة اليونانيَّة: الأوَّل يعني: "شَمس"، والثَّاني يَعني: "يَفحص". لِذا فإنَّ مَعناها الحَرفيِّ الأصليِّ يُشير إلى فحص شيءٍ في ضَوء الشَّمس – فحص شيء في ضَوء الشَّمس. وبالمناسبة، نحن لا نَعلم يَقينًا إن كان هذا هو جَذر الكلمة "إيليكرينيس" (eilikrines)، وهي الكلمة اليونانيَّة؛ ولكنَّها جذر الكلمة "مُخلِصين"، وهي الكلمة اللاتينيَّة المُشتقَّة منها. فالكلمة اللاَّتينيَّة هي "سيني سيرا" (sine cera)، وهي تَعني حرفيًّا: "خالي مِن الشَّمع". والآن، اسمحوا لي أن أَشرح معنى ذلك. كان الفَخَّاريُّ الَّذي يَصنع آنيةً خَزفيَّة أو وعاءً أو صَحنًا أو طَبَقًا مِن نوعٍ مَا يَضعُهُ على دولابِه. وعندما يَنتهي مِن صُنعه كان يأخذه ويَضعه في الفُرن أو يَشويه (كما تَعلمون). وغالبًا، بسبب وجود شوائب في الطِّين، أو بسبب خطأ في تقدير درجة الحرارة، أو لأيِّ سببٍ آخر، كان يجد في الوعاءِ الَّذي صَنَعَهُ شَرْخٌ. والآنية المَشروخة، أو الوعاء أو الصَّحن أو الطَّبَق المَشروخ هو عديمُ الفائدة.
ولكن بسبب المال المُستثمَر في صُنعه، كان الفَخَّاريُّون عديمو الضَّمير يحاولون أن يُغَطُّوا الشَّرخَ بأن يُحضروا شَمعًا ويُذيبوهُ ويَملأوا الشَّرخ به. ثُمَّ كانوا يَطلون الإناءَ بأيِّ مادَّةٍ أو طِلاءٍ يَستخدمونه لطِلاء الأوعية أو الآنية. لِذا، عندما كان أيُّ شخصٍ مُحَنَّكٍ يذهب إلى السُّوق لشراء آنية فَخَّاريَّة، كان يَحملُ الآنية الفخَّاريَّة عادةً في ضَوء الشَّمس ويُقَلِّبُها ليرى إن كانت خالية مِن الشَّمع لأنَّ ضَوء الشَّمس يَسطَع مِن خلال الشَّرخ ويَكشف الشَّمع الَّذي سيَذوبُ عندما يَتعرَّض للحرارة أوَّل مَرَّة ويَتبيَّن أنَّ الإناءَ عديمُ الفائدة.
لذا، يجب أن نَضع حياتَنا في ضَوء الشَّمس لمعرفة إن كان يوجد بها عيوب مُغَطَّاة بطريقة مُخادعة بِشَمْعِ الرِّياء. فهذه هي الفكرة. وهذا قد يكون هو أصل الكلمة "مُخلِصين". ولا بُدَّ أنَّ هذا هو المَعنى المقصود مِن العبارة اللاَّتينيَّة "سيني سيرا" (sine cera) الَّتي تَعني: "خالي مِن الشَّمع". لِذا، كما أنَّ الآنية الخَزفيَّة منذ الأزمنة القديمة كانت تُفحَص عن طريق وَضعِها في ضَوء الشَّمس، يجب أن نَفحص حياتَنا أيضًا لنرى إن كانت نَزيهةً، وبلا عيوبٍ، وبلا شُروخٍ مُغَطَّاة بالشَّمع. وقد تقول: "ما الذي تَقصده بذلك؟" كما هي الحالُ عليه في الكنيسة، يا أحبَّائي. كما هي الحالُ عليه. فهؤلاء النَّاس يريدون مِنَّا أن نُصدِّق أنَّهم آنيةٌ خَزفيَّة سَليمة، أو قِدرٌ سَليمٌ، أو صَحنٌ سَليمٌ، أو أنَّهم وعاءٌ سَليمٌ؛ ولكنَّهم ليسوا كذلك. فهناك شُروخ في حياتهم. وهناك خطيَّة في حياتهم، وعيوب في حياتهم. ولكنَّهم غَطُّوا تلك العُيوب بشَمع التَّظاهُر بالإيمان المسيحيّ، أو الطُّقوس الدِّينيَّة، أو الأنشطة الدِّينيَّة. فقد غَطُّوها. ولكن إن وَضعتموهم تحت الحرارة فإنَّهم سيَذوبون ويَنكشف القِناع، ويَنكشفُ الشَّرخ، ويَنكشفُ الصَّدع. ولكنَّهم يُخفون ذلك وقتًا طويلاً مِن دون أن يَنكشفَ أمرُهم إن لم يَتعرَّضوا للعداوة أو الاضطهاد أو المِحَن.
ولكنَّك لا تريد أن تكون حياتُك هكذا، بل تريد أن تَعيشَ حياةً مُستقيمةً، وأن تكون حياةً خاليةً مِن الشَّمع، وأن تكونَ صادقةً وطاهرةً وبدون عُيوب، وحقيقيَّة، وأصليَّة، وصادقة، وسليمة الأجزاء. وكما قُلتُ عندما استخدمتُ المَثَلَ الإيضاحيَّ المُختصَّ بصُنع الخُبز: فإن وَضعتَ كلَّ مُكوِّنات الخُبز في صِينيَّةٍ ووضعتَها في الفُرن لن تَحصل على خُبز. فقد نَسيتَ شيئًا واحدًا مُهمًّا. فجيب عليك أن تَخلط هذه المُكوِّنات معًا، وأن تُحرِّكَها لكي يَتلامسَ كلُّ شيءٍ مع الأشياء الأخرى. وحينئذٍ تَحصُل على خبز. والشَّيءُ نفسُه يَصِحُّ في الحياة. فالاستقامة تُوجَد عندما يكون كلُّ جزء في حياتك مُتلامسًا مع كلِّ جزءٍ آخر في حياتك، وعندما لا يكون هناك شيء في حياتك يُناقِض ما تُؤمن به أو ما تَعتنقُه، أو ما تقول إنَّه عقيدتُك. فيجب أن يتلامَس كلُّ شيءٍ مع كلِّ شيءٍ آخر. فهذه هي الاستقامة. هذه هي الاستقامة.
إذًا، فهو يُصلِّي مِن أجل الاستقامة على الصَّعيدِ الشَّخصيِّ ويُعبِّر عن ذلك مِن خلال تلك الكلمة: "مُخْلِصين"؛ أي أَلاَّ تكون هناك شُروخ في إنائِك، وأَلاَّ يكون هناك أيُّ شيء مُغَطَّى بشَمع الرِّياء، وأَلاَّ تُخفي أيَّ خطيَّة، أو عيب، أو بَليَّة في حياتك؛ أيْ أن يكون هناك عيبٌ حالِيٍّ في شخصيَّتك، ولكنَّك تُخفيه. فعندما يأتي الامتحان ستذوبُ ويَنكشف أنَّ إناءَكَ مَشروخ وأنَّك لم تَصنع خُبزًا. وبالمُناسبة، إنَّ كلمةَ الله قادرة أن تفعل ذلك. فكلمةُ الله "حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، ... وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ". وكلمةُ اللهِ هي الشَّمس [إن جازَ التَّعبير] الَّتي تَكشف شخصيَّتَك الحقيقيَّة. فبولس يقول: "انظروا! أريد أن تعيشوا حياةً خاليةً مِن الرِّياء". فهو يقول ذلك في رسالة رومية 12: 9. وفي رسالة كورِنثوس الثَّانية 1: 12، يتحدَّث بولس عن الثِّقة الَّتي لديه في إخلاصه الشَّخصيِّ. وقد قال في رسالة كورِنثوس الثَّانية 2: 17: "نحنُ لسنا كالكثيرين الَّذينَ يَغِشُّونَ كلمة الله، بل نحن نَكرز بها بإخلاص. فقد كان هناك أَصالَةٌ في حياته.
وهذا هو ما يدعو إليه: الاستقامة الشَّخصيَّة؛ أي أَلاَّ يوجد عيب في حياتِك تُحاول أن تُخفيه، بل أن تَظهر على حقيقتك. الاستقامة الروحيَّة الحقيقيَّة. وكما ترون، هذه هي مُقوِّمات الحياة الروحيَّة. المحبَّة الفَيَّاضة، وتمييز الأمور المُمتازة، والحياة الخالية مِن العيوب – العيش بشخصيَّة قادرة على اجتياز الفحص، أو حياة يُمكن للنَّاس أن ينظروا إليها نظرةً فاحصةً وأن يقولوا: "هذه حياة حقيقيَّة". وهذا لا يعني حياةً كاملةً، بل حقيقيَّة، وأصيلة، وغير زائفة، وغير مُصطَنعة، وغير رديئة، وغير فاسدة؛ بل حياة حقيقيَّة مِن الطِّراز الأوَّل. فهذه هي الاستقامة على الصَّعيد الشَّخصيِّ.
والكلمة الثَّانية تُشيرُ إلى الاستقامة على صَعيد العلاقات. فهو يقول في العدد 10: "لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ". والعبارة "بلا عَثْرةٍ" تعني: "عَدَم إعثار الآخرين". وهذه هي الاستقامة على صَعيدِ العلاقات؛ أي أَلاَّ تعيش حياةً تُعثِر آخرين. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. فهي مُهمَّة بالقدر نفسه. فيجب عليك أن تعيش حياةً لا تَجعل الآخرين يَعثُرون. فكما تَعلمون، هناك أشخاص كثيرون يَبدون في الظَّاهر أنَّهم لا يُعثِرون أحدًا. فيبدو أنَّهم لا يَجعلون مؤمنًا آخر يَعثُر (كما يُعلِّم بولس بوضوحٍ شديد في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 8 ورسالة رومية والأصحاح 14). فهو يتحدَّث عن حقيقة أنَّه لا يجوز لنا أن نُخطئَ إلى الإخوة أو أن نَجرحَ ضَميرَهُم. وَهُوَ يقول في رومية 14 إنَّه لا يجوز لنا أن نكون للآخرينَ مَصْدَمَةً أو مَعْثَرَة. ونحن نَعلم ذلك إذْ نَقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 10: "فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ. كُونُوا بِلاَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ وَلِكَنِيسَةِ اللهِ". فيجب أن نَكون حَذرين جدًّا كيف نعيش.
وهناك أُناسٌ إذا نظرتَ إلى حياتهم ستقول: "هذه حياة لا تُعثِرُ أحدًا. فهي حياة تَسيرُ على مِنوالٍ واحد. وَمِن جهة العلاقات، إنَّهم لا يُعثِرونَ أحدًا. فحياتُهم تبدو طاهرةً، وتبدو سليمةً، وتبدو مُقدَّسةً". ثُمَّ إنَّك بعد فَترة تَبتدئ في المراقبة فترى أشخاصًا يتأثَّرون بهم أكثر مِن غيرهم مِثل أولادهم وأصدقائهم المُقَرَّبين، وتَرى أنَّ هناك شيئًا مَفقودًا. وفي حين أنَّه لا يمكننا أن نَلوم الآباء والأُمَّهات على كلِّ سوءِ تَصَرُّفٍ يَقوم به أولادهم، فإنَّنا نجد في أغلب الأحيان (إن كان النَّمَطُ ثابتًا) أنَّ ما اعتقدنا أنَّهم يَفعلونه في الكنيسة هو بكُلِّ تأكيدٍ ليس ما يَفعلونه في البيت. أليس كذلك؟ ففي مَوضعٍ ما، هناك عَيبٌ ما يُغَطُّونه بالشَّمع عندما نكونُ موجودين. ولكن عندما نَعرف الحقيقة نجد أنَّ هناك عيبًا كبيرًا جدًّا. وعند الفحص أو الضَّغط في بيئة أخرى، أو بعيدًا عن الأماكن الَّتي يَرتَدون فيها القِناع، نَجد أنَّهم ليسوا كامِلين.
فربَّما نجدهم كذلك في العمل. فربَّما يبدو شخص في الكنيسة رائعًا، ولكنَّ مسيحيَّتَه في مكان العمل مُتصَدِّعة كثيرًا لأنَّه يُعثِرُ أُناسًا كثيرين ويُقدِّمُ لهم انطباعًا سيِّئًا عن المسيحيَّة، بل رُبَّما يُعثِرُ مؤمنين آخرين في العمل. ومِن المؤكَّد أنَّ هذه مُشكلة شائعة. أو ربَّما يكون ذلك الشَّخصُ تلميذًا. فقد تَظهرُ في الكنيسة وأمام إدارة مؤسَّستك التَّعليميَّة شخصًا رائعًا جدًّا. ولكن عندما تَبتعد عن سَيطرتهم ومُراقبتهم وتخرج مع أصدقائك، قد تَبتدئُ الشُّروخُ بالظُّهور. وقد تَجعل طلبةً آخرين يَعثُرون بسبب خطيَّتك وإساءَتك.
لِذا فإنَّ ما يقوله بولس هنا هو التَّالي: "انظروا! أريد أن تَكونوا مُستقيمين: مستقيمينَ على الصَّعيد الشَّخصيِّ، ومُستقيمينَ على صعيد العلاقات. فأنتَ لا تَعثُر ولا تَجعل آخرين يَعثُرون. وأنت لا توجد لديك شُروخٌ ولا تُسَبِّب للآخرين شُروخًا". وهذا يعني أَلاَّ تكون شخصًا مُساوِمًا. فنحنُ نتحدَّث حقًّا عن حياةٍ لا توجد فيها مُساومة، بل عن حياةٍ تعيشُها بحسب كلمة الله مِن دون أيِّ زَوغان؛ أي أن تَعيش بحسب العقيدة الكتابيَّة. فلا يجوز لنا أن نكون كما قال "إلتون تروبلود" (Elton Trueblood) قبل سَنواتٍ خَلَت: "مسيحيِّين يُشبهون وردةً مَقطوفةً إذ إنَّهم سَطحيُّون وهَزيلونَ ويعيشونَ فترةً قصيرةً وحسب". فقد قُطِعوا مِن الجذور ومِن مَصدر القوَّة. وَهُم يُزهِرون وقتًا قصيرًا ثُمَّ يَذبُلون. بل يجب علينا أن نعيش كورودٍ مزروعة عميقًا في تُربة خِصبة مِن الحقِّ الكِتابيِّ لكي تَتعمَّق جذورُنا عميقًا في الحقِّ الإلهيِّ فنُزهِر ونُزهِر.
والآن، إن أردتم أن تكونوا مُستقيمين على الصَّعيد الشخصيِّ دون أن تُساوموا، يجب عليكم أن تَقفوا في وجه العالَم. فهذه هي النُّقطة الرَّئيسيَّة. لِنَعُد إلى رسالة رومية والأصحاح 12 مَرَّةً أخرى: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ". وعودة إلى رسالة يعقوب إذ يقولُ إنَّ "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ لله". وعودة إلى رسالة يوحنَّا الأولى 2: 15: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم". فيجب عليكم أن تُقاوموا ضغط النِّظام لأنَّ النِّظام هو الَّذي يَصنَع الشُّروخَ في حياتنا فنَنقادُ وَراءَه. وهذا يحدث بِمَكْرٍ شَديد. هل يُمكنني أن أُقدِّم لكم تَسَلسُلاً صغيرًا لخطواتِ حدوثِ ذلك؟ فهكذا تَصيرُ مُنقادًا وراء النِّظام. فالعالَمُ يَبتَلِعُكم، ويَبتلِعُني. وإليكم كيف يحدث ذلك:
الخطوة الأولى: "التَّكَيُّف" - التَّكَيُّف. فنحن نَحتَمِلُ العالمَ وحسب: القِيَم الفاسدة، والخطيَّة والشَّرّ. "ما الَّذي نَعنيه بذلك؟" أَلاَّ نَعودَ نُصدَم به. أَلاَّ نَعودَ نُصدَم به. فنحنُ نَعتادُ عليه وحسب. صحيحٌ أنَّنا قد نستمرُّ في الاعتقاد بأنَّ ما يحدث خطأ، وقد نقول أنَّه خطأ، ولكنَّه لم يَعُد يَصدمنا. هذا هو التَّكَيُّف. والكلمة الثَّانية هي: "التَّسويغ". فنحنُ نُسَوِّغُ ذلك. كيف؟ بأن نَسمح بحدوث ذلك في نهاية المَطاف كما لو كان أمرًا عاديًّا. "آه، هذا أمرٌ عاديٌّ... إنَّه جُزءٌ مِن مُجتمعنا وحسب". الكلمة الثَّالثة هي: "التَّقَبُّل". وهذا أمرٌ خطيرٌ حقًّا. فنحن نَبتدئ شخصيًّا في التَّعاوُنِ مع هذه القِيَم الفاسدة مِن خلال عدم قول أيِّ شيء. ففي البداية، أَدركناها، وتَكَيَّفنا معها، ولكنَّنا لم نُصدَم بها. ثانيًا، لقد أَدركناها، ولم نُصدَم بها، وقد سَمَحنا بها كما لو كانت شيئًا عاديًّا. وهذا هو "التَّسويغ". والآن هناك التَّقَبُّل. فقد صِرنا نَتعاون معها مِن خلال عدم قول أيِّ شيءٍ عنها. فهي تَحدُث وحسب دون أن تُثيرَ أيَّة مُشكلة لدينا؛ بل إنَّنا حَتَّى لا نُناقشها. وما أعنيه ببساطة هو: مَتى سَمعتم واعظًا يَعِظ عن ملابس السِّباحة الفاضِحَة؟ فقد تَقبَّلت الثَّقافةُ ذلك.
الكلمة الرَّابعة هي "المُشاركة". وهذا يحدث عندما تَذهب وتَشتري ذلك الشَّيء. "ما مَعنى هذا؟" أي الانخراطُ الشَّخصيُّ في المواقف والأفعال. فالآن أنتَ لا تُمانِع. فالأمرُ لا يَقتصرُ على أنَّك لستَ مَصدومًا مِن ذلك، ولا يَقتصر على أنَّك تعتقد أنَّ ذلك الأمر جُزءٌ مِن ثقافتك، ولا يَقتصر على أنَّك لا تَعترض عليه، بل إنَّك تَذهب إلى السِّينما وتُشاهده، أو أنَّك تَفتح التِّلفزيون وتُشاهده، أو أنَّك تَقرأُ كُتبًا عنه، أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. فأنتَ تُشارك. والكلمةُ الخامسة هي: "الاندماج". وهذا يحدث عندما تصير القيمُ العالميَّة مُندمجة جدًّا بقيمك حتَّى إنَّك تعجز عن التَّفريق بينهما. فالاندماجُ يحدث عندما تصير القيمُ العالميَّة مُندمجة جدًّا بقيمك حتَّى إنَّك تعجز عن التَّفريق بينهما. والكلمة الأخيرة هي: "الانصهار". وهذا يحدث عندما لا يعود هناك فَرق البتَّة. فقد انصهرتَ في ذلك.
وكما تَرون، هذه هي عمليَّة ابتلاع العالَم لك. فأوَّلاً، أنتَ تَتأقلم معه مِن خلال احتماله وعدم الشُعور بالصَّدمة منه. ثُمَّ إنَّكَ تُسَوِّغهُ مِن خلال قَبولِه كجزءٍ مِن الثَّقافة. وأنت تَتقبَّله مِن خلال عدم قول أيِّ شيء. وأنت تَشترك فيه مِن خلال مواقفك حتَّى ولو مِن بعيد. وأخيرًا، أنت تَندمج فيه فيَنصهِر في قيمك إلى أن تصير مُتَّحِدًا بالعالم بطريقة تَعجز فيها عن التَّفريق بينهما الاثنين. ويجب عليك أن تُوقِفَ ذلك مُنذ البداية – مُنذ البداية. فعندما ذهبَ "جون ويسلي" (John Wesley) للدِّراسة في أكسفورد، كَتبت إليه أُمُّه رسالة. ولَعلَّها كَتبت إليه رسائل عديدة، ولكنِّي قرأتُ واحدة فقط. وإليكم ما قالته؛ فقد كَتبت كلماتٍ حكيمة جدًّا إلى ابنها فقالت: "أيًّا كان الشَّيءُ الَّذي يُضعِف مَنطِقَك، أو يُعطِّلُ يَقَظَة ضَميرِك، أو يُشَوِّش إحساسك بالله، أو يَنزِع البهجة مِن الأشياء الروحيَّة، أو يَزيد مِن هَيمنة جسدك على عقلك فإنَّ هذا الشَّيء هو خطيَّة" [نهاية الاقتباس]. إنَّها نَصيحة عظيمة – نَصيحة عظيمة.
فالعالَمُ ماكِرٌ جدًّا. والمساومة ماكِرة جدًّا حتَّى إنَّها تَبتلعُنا حتَّى قبل أن نُدرك ما يجري. وكما تَرون، إنَّ ذلك يُشبه القصَّة القديمة الَّتي تتحدَّث عن الضِّفدع في وعاء الماء. فإن وضعتَ ضِفدعًا في وعاءٍ به ماء وسَخَّنتَ الماء فإنَّه سيموت قبل أن يَقفز لأنَّ الأمر يحدث تدريجيًّا جدًّا. فقبل أن يَعلم ما حدث يكون قد مات. وهذه هي عمليَّة التَّكيُّف والتَّسويغ والبقيَّة إلى أن تَجد نفسك مُنصهرًا تمامًا دون أن تَدري ما هي الأمورُ العالميَّة وما هي الأمور غير العالميَّة. أليس كذلك؟ لِذا، لا نريد أن نَنجرف وراء ذلك النَّوع مِن الضَّغط. فنحن لا نريد أن نَغرَق في مُستنقعٍ كهذا. لِذا، يجب علينا أن نَهتمَّ بالاستقامة. وهذا هو ما يقوله بولس في العدد 10. يجب عليكم أن تحرصوا على أن تكونوا حَقيقيِّين في حياتكم، وأن تَهتمُّوا باستقامتكم، وأن تهتمُّوا باستقامتكم في كلِّ علاقاتكم. وهذا يعني أَلاَّ تَقَعوا ضَحيَّة المساومات في مجتمعكم.
والآن، كيف تُحَصِّنون أنفسكم مِن ذلك؟ بأن تَكون لديكم محبَّة مُتدفِّقة وفائضة خاضعة لكلمة الله وقادرة أن تَجِدَّ في طَلب الأمور المُمتازة والحفاظ على الاستقامة الشخصيَّة الَّتي لا تَرضى بالمساومة. حسنًا؟ وهذا يُعيدكم إلى نُقطة البداية. فقد تقول: "حسنًا! وإلى متى ينبغي لي أن أعيش هكذا؟" نقرأ في العدد 10: "إِلَى يَوْمِ الْمَسِيح"... إلى يومِ المسيح. فيجب عليك أن تُحافظ على نزاهتك إلى أن يأتي المسيح. وقد تحدَّثنا عن يوم المسيح عندما درسنا العدد السَّادس. فهي عبارة تُشير إلى عودة المسيح لأجل المؤمنين. فيومُ الرَّبِّ هو عودة المسيح ودينونة غير المؤمنين. أمَّا يوم المسيح فهو تعبيرٌ خاصٌّ يُشير إلى تقييم ومُكافأة أعمال المؤمن. لذا فإنَّنا مدعوُّون إلى أن نبقى أُمناء إلى أن يأتي الربُّ يسوع لمُكافأتنا. فسوف يأتي اليوم الَّذي نَرى فيه المسيح. ونحن نقرأ أنَّنا لا بُدَّ أن نقف جميعًا أمام كُرسِّي المسيح إذ نقرأ في رسالة كورنثوس الثانية 5: 9 و 10: "لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا"، ولكي نَرى ما إذا كانت أعمالُنا "ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا" (كما جاء في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الثَّالث). ونقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الرَّابع إنَّه اليوم الَّذي سيَكشِف فيه الرَّبُّ خفايا القلب ويَكشف دوافعنا ونوايانا. لذا، إلى أن يأتي المسيحُ لمكافأتنا، يجب علينا أن نُحافظ على أمانتنا وأَلاَّ نُساوم. فيجب علينا أن نُحافظ على استقامتنا على الصَّعيدِ الشَّخصيِّ، واستقامتنا على صَعيدِ العلاقات. لِذا فإنَّ المحبَّة تَقودُ إلى استحسانِ الأمورِ المُمتازة وإلى الاستقامة.
لننتقل إلى النُّقطة الرَّابعة. فالنَّتيجة الَّتي تَلي ذلك هي الأعمال الصَّالحة إذْ نَقرأ في العدد 11: "مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيح". فالمحبَّة تُؤدِّي إلى تَمييزِ الأمور المُمتازة؛ وهذا يؤدِّي إلى الاستقامة. والاستقامة تؤدِّي دائمًا إلى الأعمال الصَّالحة. وأرجو أن تُلاحظوا أنَّ الكلمة "مملوئينَ" تأتي بصيغة اسم المفعول التَّامّ. وما يعنيه ذلك هو أنَّ شيئًا ما قد حدث في الزَّمن الماضي ولكنَّ نتائجَهُ مُستمرَّة. وَهُوَ أمر مُرتبط بيوم المسيح (وهي الفِكرة في العدد 10). فهو مُرتبط بيوم المسيح. لذا فإنَّ الفعلَ يَنظر إلى الوراء ويُلَخِّص حياة الإنسان قائلاً: "عندما تقف في يوم المسيح، ستكون حينئذٍ مُمتلئًا بالبِرّ، أو مِن ثَمَرِ البِرّ". فهو ينظر إلى الحالة الكاملة، أو الحالة المُكتملة. فهو ينظر إلى سِجِلِّ الأعمال الصَّالحة الَّتي يُنشِئُها اللهُ في الحياة المُستقيمة، والحياة الَّتي تجِدَّ في طلب الأمور المُمتازة، والحياة الفائضة بالمحبَّة. لِذا فإنَّكم تَرون هنا صورةً عن المؤمن الَّذي يَصِل إلى يوم المسيح. ولأنَّه كانَ مُحِبًّا، ولأنَّه سَعى إلى الأمور المُمتازة، ولأنَّه حافظ على استقامته، وملأَ حياتَه بالأعمال الصَّالحة، فقد جاء إلى هناك وَهُوَ مُمتلئ مِن ثمر البِرّ الَّذي هو ثمر المحبَّة، والأمور المُمتازة، والاستقامة.
والآن، ما الَّذي نعنيه بثمر البِرّ؟ إنَّه الثَّمر الَّذي يُنشئُه البِرُّ - الثَّمر الَّذي يُنشئُه البِرُّ. لأنَّك إن كنتَ تعيشُ حياةَ محبَّة، وتَجِدُّ في طلب إلى الأمور المُمتازة، وتعيشُ حياةً مُستقيمة، فإنَّها حياةٌ بارَّة. وهي ستُنتِجُ ثَمرًا مُعيَّنًا – "كاربوس" (karpos) – ثَمرًا؛ أي أعمالاً [أو مَحصولاً أو نتائجَ] صالحة. وهذا هو ما كان يدور في ذهنه؛ أي: الثَّمر النَّاتج مِن خلال القدرة الإلهيَّة الموجودة في هذا النَّوع مِن الحياة المسيحيَّة – الثَّمر الَّذي يُنتجه البِرّ. وبالمناسبة، إنَّ العبارة "ثَمَر البِرّ" هي عبارة مذكورة في العهد القديم في سِفْر الأمثال 11: 30 وسفر عاموس 6: 12. وهي مُستخدمة أيضًا في رسالة يعقوب 3: 18 وتُشير إلى الأعمال الصَّالحة الَّتي يُنشئُها بِرُّ اللهِ في حياة المؤمن.
لِذا فإنَّ صلاته هي... انظروا: حياة تَفيض بالمحبَّة، وحياة تَنتقى الأمور المُمتازة، وحياة استقامة، وحياة أعمال صالحة. ويجب أن تكون هذه هي سِماتُ كلِّ مؤمن. فثمرُ حياتنا هو أعمال صالحة. والعهدُ الجديدُ يتحدَّث عن الثَّمر. والحقيقة هي أنَّه يوجد نوعان (كما قُلتُ لكم مَرَّاتٍ عديدة). فالآية رومية 1: 13 تقول: "...أَنَّنِي مِرَارًا كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ [وإليكُم السَّبب:]، لِيَكُونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ...". بعبارة أخرى، أنا أريدُ أن أرى مزيدًا من النَّاس يَهتدون إلى المسيح. فالثَّمر هو رِبْحُ أشخاصٍ للمسيح. فهذا هو ثَمرُ حياته. وَهُوَ يقول في الأصحاح الخامس عشر مِن رسالة رومية والعدد 28: "فَمَتَى أَكْمَلْتُ ذلِكَ، وَخَتَمْتُ لَهُمْ هذَا الثَّمَر". بعبارة أخرى، فإنَّ ثَمر حياتهم (مَرَّةً أخرى) هو أن يَهتدي أشخاصٌ آخرون. لذا فإنَّ الثَّمر هو هِدايةُ شخصٍ إلى المسيح. ونقرأ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 9: 10: "وَالَّذِي يُقَدِّمُ بِذَارًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلأَكْلِ [أي: اللهُ]، سَيُقَدِّمُ وَيُكَثِّرُ بِذَارَكُمْ وَيُنْمِي غَّلاَتِ بِرِّكُمْ". بعبارة أخرى، سوف يُثمِرُ اللهُ أعمالاً بارَّةً في حياتكم بسبب أمانتكم مِن جِهَتِه.
ونقرأ في رسالة أفسُس 5: 9: "لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ". ونَرى مَرَّةً أخرى أنَّ أيَّ عَملٍ بارٍّ هو ثَمر، ولكنَّه ليسَ أعمالاً فحسب، بل هو أيضًا مواقِف. فنحنُ نقرأ في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الخامس: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ". فهذه كُلُّها مواقف. لذا فإنَّ اللهَ يُريد أن يُنشئ في حياتكم مواقفَ صحيحةً وأعمالاً بارَّة... مواقفَ صحيحةً وأعمالاً بارَّة. ولكن أَلا لاحظتُم مِن فَضلكم شيئًا مُهمًّا جدًّا في هذه الآية؟ فهي تقول في العدد 11: "مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ..." أي: أعمالاً بارَّةً ومواقفَ بارَّةً - "...الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيح". فأنتَ لا تُنشِئ أعمالَكَ ومواقفكَ البارَّةَ الخاصَّة بك، بل هي تأتي مِن خلال عمل يسوعَ المسيح فيك لكي يَحصل هو على كلِّ المجد، وكلِّ الإكرام، وكلِّ الفَضْل.
فنحن نقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15: "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. [اسمَعوا:] كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ". وفي العدد الرَّابع: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا [ماذا؟] شَيْئًا". لذا فإنَّ الفكرة هي أنَّ الثَّمر هو عمل الله الَّذي يَعمله في الحياة. فهو ليس عَملي أنا، بل عمله هو... عمل المسيح. ونقرأ في رسالة أفسُس 2: 10: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا".
لِذا، ما الَّذي نَتعلَّمُه هنا؟ أنَّه يجب علينا أن نُثمِر، ولكنَّ ذلك الثَّمر هو عَمل المسيح. واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم مَثلاً إيضاحيًّا: هل تَذكرون "لورنس العَرب" (Lawrence of Arabia)؟ قام لورنس العرب ذات مَرَّة بإحضار مجموعة مِن العرب إلى لُندن، وأنزلهم في فُندقٍ جميلٍ في لُندن فذُهِلوا تمامًا. فقد كانوا بَدوًا. وكان الشَّيءُ الوحيد الَّذي عاشوا فيه هو خَيمة. والشَّيءُ الَّذي أثار دهشتهم أكثر مِن غيره هو صَنابيرُ الماء لأنَّه في أثناء عَيشهم في الصَّحراء طَوال حياتهم، كان الماء شَحيحًا. فكُلُّ ما كان ينبغي لهم أن يَفعلوه هو أن يَفتحوا صُنبورَ الماء فيحصلون على كلِّ الماء الَّذي يريدونه. وعندما جَمَعَهُم لورنس جميعًا كي يُغادروا، وكانوا يَحزمون حقائبهم أو حاجيَّاتِهم، اكتشفَ أنَّهم أخذوا كلَّ صَنابير الماء مِن جميعِ المغاسِل ووضعوها في حقائبهم ظَنًّا منهم أنَّهم إن أخذوا الصَّنابير سيَحصلون على الماء!
وقد أحببتُ أن أُذكِّرَكُم بتلك القصَّة المعروفة كي أقول لكم إنَّ المُشكلة الرَّئيسيَّة في حياتك الروحيَّة هي ببساطة أن تَظُنَّ أنَّك الصُّنبور. فما لم تَرتبط بشبكة المياه فإنَّ فَتْحَ صُنبورِكَ وإغلاقه لن يَفعل أيَّ شيءٍ البتَّة. فالقوَّة تأتي مِن الربِّ يسوعَ المسيح. وهذا هو ما يقولُه هنا. فيجب عليك أن تُدرك أنَّ ثَمر البرِّ يأتي مِن خلال يسوعَ المسيح. فهو الَّذي يُنشئُ ذلك فيك. لذا فإنَّ حياةَ المحبَّة تُنشئ حياةً تَنتقي الأمورَ المُمتازة. وهذا بدوره يُؤدِّي إلى حياة الاستقامة. وهذه بدورِها تُؤدِّي إلى حياةٍ مُمتلئة بالأعمال الصَّالحة – الأعمال الصَّالحة.
وهذا يَقودُنا إلى الكلمة الأخيرة: المجد. فما الحاجة إلى هذا كُلِّه؟ الحقيقة العظيمة الأخيرة في العدد 11: "لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ". "بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (إنجيل يوحنَّا 15: 8). لمجدِ الله – كُلُّ شيء. فاللهُ خَلَّصَنا. واللهُ جَعلنا مُثمِرينَ لمجده. ويجب علينا أن نكونَ لِمَدْحِ مَجدِه (رسالة أفسُس 1: 12، ورسالة أفسُس 1: 14). فيجب علينا أن نُكرمَهُ وأن نُمَجِّدَهُ مِن خلال حياتنا. والآن اسمعوني يا أحبَّائي: إنَّ الحياةَ الَّتي تَفيضُ بالمحبَّة، والحياةَ الَّتي تَنتقي الأمورَ المُمتازة، وحياةَ الاستقامة، وحياةَ الأعمال الصَّالحة تُمَجِّدُ الله وتَحمَدُه. وبالمناسبة فإنَّ الكلمة "مجد" ("دوكسا" – “doxa”) هي خُلاصة كلِّ كمال الله. والحَمْد هو الإكرام الَّذي نُقدِّمُه لله على ذلك الكَمال. لذا فإنَّه يَحصل على إقرارنا بكماله، ثُمَّ على حَمدِنا النَّاجِم عن ذلك الكَمال. لِذا فإنَّ محبَّةَ الله الَّتي انسكبت في قلوبنا وتَزدادُ في ضَوء مَعرفتنا المُستنيرة بكلمته تَجعلنا نَسعى إلى الأمور المُمتازة باستقامة روحيَّة. وهذا يُفْضِي إلى حياة مُفعمة بالقوَّة مِن خلال المسيح الَّذي يُثْمِرُ أعمالاً صالحةً تُعطي المجدَ للهِ بصفته اللهَ الفادي المُغَيِّر الَّذي يَستحقُّ الحَمْدَ إلى الأبد. فهذه هي خُلاصةُ كلِّ ذلك.
وصلاةُ بولس هي صلاتي لأجلكم أيضًا: "وَهذَا أُصَلِّيهِ..." [كما يقولُ بولس وأقولُ أنا أيضًا]: "وَهذَا أُصَلِّيهِ [وهذا أُصَلِّيهِ لأجلكم]: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ". يا أبانا، هذا أُصَلِّيهِ لأجلِ هذه الرَّعيَّة. ويا أبانا، يا لَيتَهُم يَعلمون إن أَجروا تقييمًا روحيًّا ورأوا تراجُعًا في حياتهم الروحيَّة أنَّ هذه ينبغي أن تكون صلاتُهم هُم أيضًا لأجل أنفسهم.
يا أبانا، ساعدنا على أن نَعلم أنَّه لا توجد هناك وَصفة سِحريَّة، ولا توجد طُرُقٌ مُختصَرة، ولا توجد حِيَل، ولا توجد طُرُق سَهلة. فإن لم تكن حياتُنا كما يجب أن تكون، ولم نكن نعيشُ بحسب هذه الفضائل الأساسيَّة، ساعدنا على أن نَعلَمَ أنَّنا بحاجة إلى أن نَجثو على رُكَبِنا كما فَعلَ بولس، وأن نُصلِّي لأجل الشَّيء نفسِه يوميًّا – يوميًّا. أيُّها الربُّ الإله، يا ليتَ مَحبَّتي تزدادُ أكثر فأكثر في كلِّ معرفةٍ حقيقيَّةٍ وكلِّ فَهم. ويا لَيتني أُمَيِّز الأمورَ المُمتازة، وأن أكونَ مُخلِصًا وبلا عَثْرة إلى يوم يسوعَ المسيح. ويا ليتني أمتلئ بثمر البِرِّ الَّذي بيسوعَ المسيح. ويا ليتني أكون لمجدِ اللهِ وحَمْدِه. ساعدنا على أن نُصلِّي هذه الصَّلاة لأنفسنا كلَّ يوم – كلَّ يوم إلى أن نَبتدئ في رؤية نَمَطِ حياتنا يَسيرُ في الاتِّجاه الصَّحيح. يا رَبّ، إنَّ الأمر بسيطٌ جدًّا مِن جهتِنا. فكلُّ ما نحتاجُ إلى القيام به هو أن نَتَّكِل طَوعًا على مَوارِدِك لأنَّكَ قادرٌ أن تَعملَ فينا. ساعدنا على أن نُبدِي الاستعدادَ للقيام بذلك. باسم المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
