Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسةَ على نَصِّ رِسالتِنا في هذا الصَّباح؛ أيْ على الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابعِ إذْ نَعودُ إلى المَقطعِ الَّذي يَبتدئُ بالعَددِ الأوَّلِ ويَنتهي بالعَددِ التَّاسع. رسالة فيلبِّي والأعداد مِن 1 إلى 9. ومَوضوعُنا هُوَ: الثَّباتُ الرُّوحيُّ. فعندما كَتَبَ الرَّسولُ بولُسُ إلى الكنيسةِ في كورِنثوس وقالَ: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ"، كانَ يَدعوهُم إلى الثَّباتِ الرُّوحيّ. وعندما كَتَبَ يَعقوبُ أنَّ الإنسانَ ذَا الرَّأيَيْنِ "هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ"، كانَت تلكَ أيضًا هي دَعوةٌ إلى الثَّباتِ الرُّوحيّ. وعندما كَتَبَ بُطرسُ أنَّ اللهَ يُريدُ أن يُكَمِّلَكُمْ، وَيُثَبِّتَكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنَكُمْ نَتيجةَ اتِّكالِكُم عليهِ، كانت تلكَ أيضًا دَعوة إلى الثَّباتِ الرُّوحيّ. وعندما قالَ الرَّسولُ يُوحنَّا إنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ يُفَرِّحُ قَلبَهُ أكثرَ مِن أن يَسمَعَ أنَّ أولادَهُ يَسلُكونَ في الحَقِّ، كانَ يَتحدَّثُ عنِ الثَّباتِ الرُّوحيّ.

وهذهِ أمثلة قَليلة وَحَسْب تُرينا أهميَّةَ فِكرةِ الثَّباتِ الرُّوحيِّ في كُلِّ العهدِ الجديد. فكلمةُ اللهِ تَدعونا المرَّةَ تِلو المَرَّة، نحنُ المُؤمِنينَ، إلى أن نَكونَ أُمناءَ، وراسِخينَ، وثابتينَ، وأقوياءَ، وأن نَتحلَّى بالإقدامِ والشَّجاعَةِ، وأَلاَّ نَكونَ مُتَقَلقِلينَ، وَأَلاَّ نُساوِمَ بِصِفَتِنا أولادًا للهِ. وهذا الأمرُ يَصُبُّ حَقًّا في صَميمِ الحَياةِ المَسيحيَّة. فَدعوةُ اللهِ إلينا هِيَ أن نَكونَ ثابِتينَ، وَراسِخينَ، وأقوياء. ولا شَكَّ في أنَّنا مُطالَبونَ بذلكَ في خِضَمِّ الهُجومِ الشَّرِسِ الَّذي يَشُنُّهُ علينا العَالَمُ، والجَسَدُ، والشَّيطانُ. وَهُنا تَكْمُنُ المَعركةُ الرُّوحيَّة. فالاضطهادُ، والعَداوةُ، والرَّفضُ، والاختباراتُ، والمِحَنُ، والتَّجارِبُ، وغَيْرُها تُهاجِمُنا بِهَدَفِ إضعافِنا وَزَعْزَعَتِنا. ومِن هُنا تَأتي دَعوةُ العهدِ الجديدِ لَنا بأن نَكونَ ثابِتين.

والآن، نحنُ نَتَعَلَّمُ كيفَ نَكونُ ثَابِتين. فهُناكَ فَرقٌ بينَ أن نَتَلَقَّى الدَّعوةَ إلى أن نَكونَ ثَابِتينَ روحيًّا وبينَ أن نَفهمَ مَعنى تلكَ الدَّعوة. لِذا، عندما نَتأمَّلُ في الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي 4: 1-9، نَجِدُ هُنا نَمَطَ السُّلوكِ القَويمِ الَّذي يُنْشِئُ ثَباتًا رُوحِيًّا. ومِنَ البَديهيِّ أنَّنا جَميعًا، أيْ نَحْنُ الَّذينَ نَعرِفُ الرَّبَّ يَسوعَ المسيحِ ونُحِبُّهُ، نُؤكِّدُ أنَّنا نُريدُ أن نَكونَ ثَابِتين. فَلاَ أحدَ مِنَّا يُحِبُّ أن يُهْزَمَ، ولا أحدَ مِنَّا يُحِبُّ أن يَكونَ خَاسِرًا، ولا أحدَ مِنَّا يُحِبُّ أن يَسقُطَ أرضًا، ولا أحدَ مِنَّا يُحِبُّ أن يَكونَ مُكتَئِبًا، ولا أحدَ مِنَّا يُحِبُّ أن يَسقُطَ في التَّجربةِ وَمِنْ ثَمَّ في الخَطيَّة، ولا أحدَ مِنَّا يُحِبُّ أن يُضْطَهَدَ، ولا أحدَ مِنَّا يَتمتَّعُ حَقًّا بأن يَدْخُلَ امتحانًا ويَفشَلَ فيه. لِذا فإنَّ الافتراضَ القائِمَ هُنا هُوَ أنَّنا نَمْلِكُ رَغبةً دَاخليَّةً في اختبارِ التَّعبيرِ الكَامِلِ عن هُوِيَّتِنا بِصِفَتِنا مُنْتَصِرين.

فنحنُ نُريدُ أن نَكونَ غَالِبين، ونُريدُ أن نَنتصِرَ رُوحِيًّا، ونُريدُ أن نَكونَ ظَافِرينَ. ونحنُ نَنظُرُ بشوقٍ إلى شخصٍ مِثلَ بولُس ونَتساءلُ إن كانَ بَشَرًا لأنَّهُ يبدو أنَّهُ اختَبَرَ الكثيرَ مِنَ الانتصاراتِ الرُّوحيَّةِ في وَسَطِ الكَثيرِ مِنَ المَعارِكِ الرُّوحيَّة. ولكنَّ السُّؤالَ الَّذي يَخطُرُ ببالِنا على الرَّغمِ مِن رَغبَتِنا في اختبارِ هذهِ النُّصرةِ، وعلى الرَّغمِ مِن فَهْمِنا لحقيقةِ أنَّ هذهِ مَسألة كِتابيَّة هُوَ: كيفَ يُمكنُنا أن نَكونَ ثَابِتين؟ وكيفَ يُمكِنُنا الصُّمود؟ وكيفَ يُمكِنُنا أن نَتجنَّبَ الخَسارةَ ونَكونَ الرَّابِحين؟ وكيفَ يُمكِنُنا أن نَتجنَّبَ الهَزيمةَ ونَغلِب؟ وكيفَ يُمكنُنا أن نَتجنَّبَ الاكتئابَ ونَفرَح؟ وكيفَ يُمكنُنا أن نَرْكَبَ الصِّعابَ ونَنتصرَ عليها حينَ تَنْقَضُّ عَلينا؟

وأعتقدُ أنَّ بولسَ يُقَدِّمُ لنا الإجابةَ عن هذا السُّؤالِ المُهِمِّ جدًّا جدًّا هُنا في هذا المَقطعِ الرائع. والجُملةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي أُوَجِّهُ أنظارَكُم إليها مَوجودةٌ في العَددِ الأوَّل. وقد أَشَرْنا إليها في كُلِّ مَرَّة. وهذهِ هي عِظَتُنا الخَامِسَةُ في هذهِ السِّلسلة. أمَّا الجُملةُ الرَّئيسيَّةُ فهي هذهِ المُناشَدَةُ أوِ الوَصيَّة: "اثْبُتوا في الرَّبِّ". فهذهِ هي الوَصيَّةُ، وهذهِ هي الخُلاصَةُ هُنا في هذا النَّصِّ: "اثْبُتوا في الرَّبِّ". اثبُتوا في وَجْهِ الشَّكّ. اثبُتوا في وَجْهِ التَّجربة. اثبُتوا في وَجْهِ المِحَنِ والتَّجارِب. اثبُتوا في وَجْهِ الاضطِهاد. ولكِنْ لاحِظوا أيضًا الكلمةَ الصَّغيرةَ "هَكذا"، ومَعناها: "بهذهِ الطَّريقةِ" أو "بهذهِ الكَيفيَّةِ". فبولُسُ يَقولُ: "والآن، سوفَ أُخبِرُكُم كيفَ تَفعلونَ ذلك. إليكُم كيفَ تَثْبُتون". ثُمَّ إنَّهُ يَمْضي ويُقَدِّمُ بِضْعَ نِقاطٍ أو بِضعةَ مَبادئَ يُمكِنُنا، نَحنُ المُؤمِنينَ، مِن خِلالِها أن نَتمتَّعَ بالثَّباتِ الرُّوحيِّ.

والآن، هل تَتذكَّرونَ المَبدأَ الأوَّل؟ الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ الحِفاظَ على السَّلامِ في الشَّرِكَة. فقد تأمَّلنا في العَددِ الأوَّل ورأينا تَعبيرَ بولسَ عنِ المحبَّة. وقد تَأمَّلنا في العَددينِ الثَّاني والثَّالثِ ورأينا رَغبَتَهُ العَميقةَ في رُؤيةِ وَحدةِ الكَنيسةِ إذْ إنَّهُ أرادَ مِن هَاتينِ المَرأتَيْنِ المُتخاصِمَتَيْنِ أن تَتَصالَحا، وأرادَ مِنَ الكَنيسةِ أن تُساعِدَهُما في ذلك. لماذا؟ لأنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ للفَرْدِ يَنْجُمُ عنِ الوِئامِ الجَماعِيِّ والسَّلامِ الجَماعِيِّ. فحيثُ يُوجَدُ سَلامٌ في الكَنيسةِ ووِئامٌ في الكَنيسةِ، ستكونُ كَنيسةً يَتمتَّعُ فيها الأفرادُ بالثَّبات. مِن جِهَةٍ أخرى، إذا كانَ هُناكَ خِصامٌ وشِقاقٌ في الكنيسة، سوفَ يُؤدِّي ذلكَ إلى انعِدامِ الطُّمأنينة. لِذا فإنَّ الفَضيلةَ الأولى اللاَّزِمَةَ للثَّباتِ الرُّوحيِّ هي: السَّلام... السَّلام.

أمَّا المَبدأُ الثَّاني فَمَذكورٌ في العَددِ الرَّابع. فالثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ لا فقط الحِفاظَ على السَّلامِ في الشَّركة، بل يَتطلَّبُ أيضًا الحِفاظَ على رُوحِ الفَرَح... الحِفاظَ على رُوحِ الفَرَح. فَهُوَ يَقولُ: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". وأرجو أن تُلاحِظوا أنَّ الفَرَحَ المَنشودَ هُوَ في الرَّبّ. فإنْ قَرَنْتَ فَرَحَكَ بظُروفِكَ، سيَظهَرُ فَرَحُكَ حينًا ويَختفي حِينًا. أمَّا إنْ قَرَنْتَ فَرَحَكَ بالرَّبِّ فإنَّهُ سيَبقى فَرَحًا دَائِمًا لأنَّهُ لن يَتغيَّرَ البَتَّة طَالَما أنَّ عَلاقَتَكَ بِهِ لا تَتغيَّر. لِذا، يجبُ عليكم أن تَتعلَّموا أن تَفرَحُوا باتِّحادِكُم الفَريدِ بالمَسيح لأنَّهُ فَرَحٌ أقوى مِن كُلِّ الظُّروف. إذًا، الفَضيلةُ الثَّانيةُ الضَّروريَّةُ للثَّباتِ الرُّوحيِّ هي الفَرَحُ الغَامِرُ والفَائِقُ الَّذي لا يَخضَعُ للظُّروف.

ثالثًا، أوِ المَبدأُ الثَّالثُ الَّذي ذَكرناهُ هُوَ أنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ هُوَ مِنْ نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتَعَلَّمونَ أن يَقبَلوا أقَلَّ مِمَّا يَستَحِقُّونَهُ. فيجبُ عليكَ أن تَتَعَلَّمَ أن تَقبَلَ أَقَلَّ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ". فهذا هُوَ ما قَصَدَهُ بالكلمة "حِلْمُكُم"؛ أيِ استعدادُكُم لقَبولِ ما هُوَ أقَلّ مِمَّا تَستَحِقُّون. وهو يَتحدَّثُ هُنا عن فَضيلةِ التَّواضُع. ويُمكِنُكم أن تُسَمُّوها: الحِلْم، أو القَناعَة، أو النِّعمةُ المُتواضِعَة. وهي تَعني أَلاَّ يَتَوَقَّعَ الإنسانُ أيَّ شَيءٍ حَتَّى عندما لا يَحصُلُ على أيِّ شَيءٍ فإنَّهُ لا يُبالي بذلك. التَّواضُع!

أمَّا المَبدأُ الرَّابعُ فَمَذكورٌ أيضًا في العَددِ الخَامِسِ والسَّادس وَهُوَ كالتَّالي: الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ مِنَّا أن نَتَّكِلَ بِثِقَةٍ على الرَّبِّ... أن نَتَّكِلَ بِثِقَةٍ على الرَّبّ. فهو يَقولُ في العَددِ الخَامِسِ: الرَّبُّ قَريبٌ". ثُمَّ يَقولُ في العَددِ السَّادِسِ: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ". فما المُبَرِّرُ للقَلَقِ بخصوصِ أيِّ شَيءٍ طَالَما أنَّ الرَّبَّ مَوجودٌ؟ فإن كُنتَ تَفهمُ مَن هُوَ الله، وإن كُنتَ تُصَدِّقُهُ، وإن كُنتَ تُؤمِنُ بِهِ، مَا المُبَرِّرُ للقَلَق؟ فهو أعظمُ مِن أيَّة مُشكلة. وَهوَ أعظمُ مِن أيَّة ضِيقَة، وأعظمُ مِن أيِّ امتحانٍ أو مِحنةٍ أو تَجربة. لِذا فإنَّ الخُلاصَةَ هُنا هي: مَا مِقدارُ مَعرفَتِكَ عنِ اللهِ؟ وما مِقدارُ ثِقَتِكَ بالله؟ فإن كُنتَ تَثِقُ في اللهِ، سوفَ تَتَغَلَّبُ على مُشكلتِكَ لأنَّكَ ستَفهَمُ مَن هُوَ الله، وسَتَفهَمُ مَقاصِدَ اللهِ، وسَتفهَمُ أنَّ اللهَ مَا زَالَ هُوَ المُهيمِن. لِذا، ستَكونَ هَادِئًا في خِضَمِّ العَاصِفة. وسوفَ نَدعو هذهِ الفَضيلةَ: الإيمان. هذهِ هي الفَضائلُ الَّتي تُؤدِي إلى الثَّباتِ الرُّوحيِّ: السَّلام، والفَرَح، والاتِّضاع، والإيمان. فأنتَ تَتَّكِلُ على اللهِ وتَعلَمُ أنَّهُ صَاحِبُ السُّلطان.

وهُناكَ مَبدأٌ خَامِسٌ، وَهُوَ المَبدأُ الَّذي تَوقَّفنا عِندَهُ في المَرَّةِ السَّابقةِ، وَهُوَ التَّالي: "الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ مِنَّا أن نَتجاوَبَ مَعَ المَشاكِلِ بِصلاةِ شُكْر. ففي العَددِ السَّادسِ، رُبَّما تَذكُرونَ أنَّ الرَّسولَ بولسَ قالَ إنَّهُ عِوَضًا عن أن نَقلقَ بخصوصِ مَا يَجري، يجبُ علينا أن نُصَلِّي. ولكنَّهُ قالَ أيضًا إنَّهُ يجبُ علينا أن نُصَلِّي بِشُكْرٍ... أن نُصَلِّي بقلبٍ شَكور. لِذا، يُمكنُنا القولُ إنَّ الفَضيلةَ الخَامسةَ هيَ: الشُّكر... الشُّكر. فإن أَرَيْتُموني شَخصًا يَتمتَّعُ بالسَّلامِ، أيْ بالسَّلامِ الَّذي يُعطيهِ اللهُ، ويَتمتَّعُ بالفَرح، ويَتَحَلَّى بالتَّواضُع، وإن أَرَيْتُموني شخصًا يُؤمِنُ حَقًّا باللهِ، وأرَيتُموني شخصًا شَكورًا في كُلِّ شيءٍ، سَأُريكُم شخصًا ثَابِتًا رُوحِيًّا. هذهِ هي الفَضائِلُ.

وأودُّ أن أقولَ مُلاحظةً استِكمالاً لما قُلتُهُ في المرَّةِ السَّابقةِ عَمَّا جاءَ في العَددِ السَّادسِ عنِ الصَّلاةِ بِرُوحِ الشُّكرِ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ المُشكلة: إن كُنتَ تَفهمُ فَهْمًا سَليمًا ما تَمُرُّ فيهِ، يجبُ عليكَ أن تَكونَ شَكورًا. فَبِغَضِّ النَّظرِ عنِ الاضطهادِ، وبِغَضِّ النَّظرِ عنِ المِحْنَةِ، وبِغَضِّ النَّظرِ عنِ التَّجرِبةِ الَّتي تَتعرَّضُ لها، يُمْكِنُكَ قبلَ كُلِّ شيءٍ أن تَكونَ شَكورًا لأنَّ هُناكَ قَصْدًا إلَهِيًّا مِمَّا يَجري. أليسَ كذلك؟ فاللهُ يُحَقِّقُ قَصْدًا مَا. فكُلُّ الأشياءِ تَعمَلُ مَعًا للخَيرِ حَسَبَ قَصْدِهِ. وفي خِضَمِّ ذلكَ أيضًا، هُناكَ عَمَلُ اللهِ المُخْتَصِّ بِتَكميلِك. فَمِن خِلالِ كُلِّ ضِيقَةٍ فإنَّهُ يُكَمِّلُكَ أكثرَ فأكثر لكي تَصيرَ قَويًّا ومُشابِهًا لابنِهِ. وفي خِضَمِّ ذلكَ، هُناكَ أيضًا العِناية الإلهيَّة لأنَّ ذلكَ الضِّيقَ يُتيحُ للهِ أن يُظْهِرَ رِعايَتَهُ لَكَ. وفي خِضَمِّ ذلكَ، هُناكَ الوَعْدُ الإلهيُّ بأنَّ اللهَ الَّذي يُعينُكَ ويَعتني بِكَ الآنَ هُوَ اللهُ الَّذي نَرْجوهُ فيما يَخْتَصُّ بالخَلاصِ المُستقبليِّ حيثُ ستَكونُ في حَضْرَتِهِ الأبديَّة.

لِذا، في خِضَمِّ تَجرِبَتِكَ، يُمكنُكَ أن تَكونَ شَكورًا لأنَّ قَصْدَ اللهِ تَحَقَّقَ في تلكَ التَّجربة. ويُمكِنُكَ أن تَكونَ شَكورًا على عَمَلِ التَّكميلِ الَّذي قَامَ بهِ اللهُ وَنَفَّذَهُ في حَياتِكَ. ويُمكِنُكَ أن تَكونَ شَكورًا على العِنايةِ الإلهيَّةِ في أثناءِ ذلك. ويُمكنُكَ أن تَكونَ شَكورًا لأنَّ هذا اليَقينَ هُوَ مُجَرَّدُ لَمْحَةٍ خَاطِفَةٍ عنِ اليَقينِ الَّذي هُوَ لَكَ في وَعْدِ اللهِ المُستقبليِّ الَّذي سَيُستَعلَنُ في يَومِ يَسوعَ المَسيح. لِذا، يجبُ عليكم أن تَتَعَلَّموا أن تَكونوا شَكورين. فإن كُنتَ تَعلمُ حَقًّا مَنْ هُوَ إلَهُكَ، وكُنتَ تَفهَمُ حَقًّا مَن هُوَ إلَهُك، وَتَعلَمُ حَقًّا أنَّهُ يَعملُ على تَنفيذُ خُطَّتِهِ الكَامِلَةِ، يُمكِنُك أن تَكونَ شَكورًا في قَلبِكَ في أيِّ ظَرْفٍ صَعْب. وحينئذٍ لن تَفقِدَ ثَباتَكَ.

والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم أوضحَ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على ذلك. هل تَذكرونَ رَجُلاً يُدعى "يُونان"؟ فقد مَرَّ يُونان بِمِحنَةٍ لا يَتَخَيَّلُها عَقْلٌ... ولا يَستوعِبُها عَقْل. لقد أَرسلَ إليَّ شخصٌ مَا عَلامَةً صَغيرةً في هذا الأسبوع. فقد كانَ أسبوعًا شَاقًّا جدًّا في حَياتي، أو رُبَّما أكثرَ مِن أسبوعٍ. فأنا أَخوضُ الكَثيرَ مِنَ المَعارِك. وقد عَلِمَ أَحَدُ الأشخاصِ أنِّي أَخوضُ تَحَدِّياتٍ كثيرة فأرسلَ إليَّ صُورةً لِبِطْريقَيْنِ يَقِفُ كُلٌّ مِنهُما مُقابِلَ الآخر. وكانَ واحِدٌ مِنهُما قدِ التَهَمَتْهُ سَمَكَةٌ ضَخمَةٌ إلى مُنْتَصِفِه؛ في حين أنَّ البِطريقَ الثَّاني يَقولُ لَهُ: "تَذَكَّر أنَّ اللهَ هُوَ المُسيطِر". ولا شَكَّ في أنَّهُ مِنَ السَّهلِ على الشَّخصِ الَّذي ليسَ في وَرطةٍ أن يَقولَ هذا. ولم يَسَعْني إلاَّ أن أَتذكَّرَ يُونان. فقد كانت هذهِ هي بالضَّبط مُشكلتُه.

فإذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ يُونان تَقرأونَ ما يَلي: "فَصَلَّى يُونَانُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِ مِنْ جَوْفِ الْحُوت". والآن، إذا كُنتَ في جَوْفِ حُوتٍ، كيفَ ستكونُ صَلاتُك؟ رُبَّما ليست كَصَلاةِ يُونان. فرُبَّما سَتَصرُخُ وتَبكي وتَتَوَسَّلُ قَائِلاً: "ماذا تَفعلُ يا رَبّ؟ أينَ أنتَ؟ أينَ ذَهبتَ؟ لماذا يَحدُثُ هذا؟" ولكنَّ يُونانَ لم يَقُل ذلك. استَمِعوا إلى هذا. ففي المَقامِ الأوَّل، لا بُدَّ أنَّ يُونانَ كانَ مُدرِكًا لما يَجري عندما كانَ يَعُومُ في تلكَ العُصارَةِ الجَوْفِيَّةِ لأنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ الثَّاني: "دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي. لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ". وما أَعنيهِ هُوَ أنَّهُ كَانَ يَتَخَيَّلُ نَفسَهُ يَغرَقُ في البَحر. "فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ". بِعِبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ: "أنا في الأعماقِ هُنا. ويبدو أنَّ اللهَ لا يَعلَمُ أينَ أنا. فهو لا يَستطيعُ العُثورَ عَليَّ. "وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي. حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. اَلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً يَتْرُكُونَ نِعْمَتَهُمْ. أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ أَذْبَحُ لَكَ".

فَهُوَ يَقول: "أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ أَذْبَحُ لَكَ". وإن كانَ هُناكَ شَيءٌ لا يُطيقُهُ الحُوتُ فإنَّهُ نَبِيٌّ شَكور. فقد جَعَلَتْهُ تلكَ الصَّلاةُ يَشعُرُ بالغَثَيانِ فَتَقَيَّأَ يُونان في العَددِ العَاشِر. نحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ يَتعرَّضُ لِظَرْفٍ قَاسٍ جدًّا، وَلِصَدْمَةٍ لا يَتَخَيَّلُها عَقْلٌ؛ ولكنَّهُ في وَسَطِ ذلكَ راحَ يُصَلِّي صَلاةَ شُكْر. وعلى الرَّغمِ مِن ضَعْفاتِ يُونان فإنَّهُ أَظْهَرَ هُنا قَدْرًا عَظيمًا مِنَ الثَّباتِ الرُّوحيّ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ". فَهو لم يَتزعزع البتَّة في ثِقَتِهِ في قُدرةِ اللهِ على تَخليصِه إنْ أرادَ أن يَفعلَ ذلك.

والآن، لِنَعُد إلى رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابعِ إذْ إنَّ بولسَ يَقولُ إنَّكَ إنْ صَلَّيتَ هكذا، وإنْ أَظهرتَ هذا النَوعَ مِنَ الشُّكرِ بسببِ إيمانِكَ القَويِّ، سَتَجِدُ (وَفقًا للعَددِ السَّابعِ) أنَّ سَلامَ اللهِ سَيَحفَظُكَ مِن عَدَمِ الثَّبات. فَسلامُ اللهِ سَيُعطيكَ سَلامًا وَطُمأنينةً وتَعزيةً تَفوقُ أيَّ فِكْرٍ بَشَريٍّ، وأيَّ تَفسيرٍ بَشريٍّ، وأيَّ استيعابٍ بَشريِّ. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ سَلامٌ يَفوقُ كُلَّ عَقْل، وإنَّهُ سَلامٌ سَيَحفَظُكَ مِن عَدَمِ الثَّبات. ونحنُ نُسَمِّي هذهِ الفَضيلةَ: فَضيلة الشُّكر أو القَلب الشَّكور.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يُخْتَبَرُ بهذهِ الوَسائِلِ: السَّلام، والفَرَح، والتَّواضُع، والإيمان، والشُّكر. فعندما تَتَّسِمُ حَياتُكَ بهذهِ المَواقِفِ الرُّوحيَّةِ، ستَتمكَّنَ مِنَ اجتيازِ الضِّيقاتِ مِن دُونِ أن تَفقِدَ اتِّزانَكَ، ومِن دُونِ أن تَتعثَّرَ وتَسقُط. ولكنَّ بولسَ لم يَنْتَهِ، بل إنَّهُ يَصِلُ الآنَ في اعتقادي إلى الذُّروةِ ويُقَدِّمُ مِفتاحًا رَئيسيًّا آخرَ في الثَّباتِ الرُّوحيِّ، أو يُقَدِّمُ في الحَقيقةِ مِفتاحَ كُلِّ شَيءٍ في العَددِ الثَّامن.

فهذهِ هي النُّقطةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي يُريدُ أن يَذكُرَها. فهي أَهَمُّ نُقطة. فَلِكَيْ تَكونَ ثَابِتًا رُوحِيًّا، وبصراحَةٍ، لكي تَختبرَ السَّلامَ، وَالفَرَحَ، والتَّواضُعَ، والإيمانَ، والشُّكرَ، يجبُ عليكَ أن تُرَكِّزَ دائِمًا على فَضائِلِ التَّقوى. يجبُ عليكَ أن تُرَكِّزَ دائمًا على فَضائِلِ التَّقوى. فَلا يُمكنُكَ أن تَختبرَ فَضائلَ التَّقوى مَا لم تُرَكِّز على فَضائِلِ التَّقوى. فالعَددُ الثَّامِنُ يَقول: "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا".

والآن، هَا هُوَ الرَّسولُ بولُسُ يُلَخِّصُ مَا قَالَهُ. والكلمة "أخيرًا" تُشيرُ إلى أنَّهُ وَصَلَ إلى ذُروةٍ في هذهِ النُّقطةِ تَحديدًا، وإلى أنَّ هذهِ هي الخُلاصَةُ العَظيمةُ لكُلِّ شَيءٍ، وإلى أنَّ هذا هُوَ المِفتاحُ العَظيمُ لكُلِّ العَناصِرِ الأخرى. فما يَقولُهُ، بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، مُلَخَّصٌ في تلكَ العِبارةِ الأخيرةِ الَّتي يَقولُ فيها: "فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". فالثَّباتُ الرُّوحيُّ هُوَ نِتاجُ تَفكيرِكَ، أو طَريقةُ تَفكيرِك. فَعِلْمُ النَّفسِ الحَديثِ، الَّذي يَزْعَمُ أنَّهُ يَهْدِفُ في جُزءٍ مِنهُ إلى مُساعَدَةِ النَّاسِ، يَقول إنَّكَ إن أردتَ أن تَكونَ ثَابِتًا، وإن أردتَ أن تَتَحَلَّى بِرَبَاطَةِ الجَأشِ، وإن أردتَ أن تَتخلَّصَ مِنَ انفصامِ الشَّخصيَّةِ، وَمِنَ العُصَابِ والأمراضِ النَّفسيَّةِ المُختلفة، وإن أردتَ أن تَكونَ شَخصًا هَادِئًا، ومُطمئنًّا، ومُستقرًّا، وَرَابِطَ الجَأشِ، فإنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي يَنبغي أن تَفعلَها هو أن تَنظُرَ إلى مَاضِيك.

فيجبُ عليكَ أن تُخرِجَ الأشياءَ المَكبوتَةَ، وأن تَتَخَلَّصَ مِن نُفاياتِ المَاضي، وأن تَغوصَ في أَكْوامِ قُمامَةِ المَاضي وتَجِدَ خَطاياكَ السَّابقةَ، والآلامَ السَّابقةَ، والإساءاتِ وسُوءَ المُعاملةِ في الماضي، وكُلَّ الفَوضَى الَّتي كانت مَوجودةً في المَاضي، وكُلَّ النُّفاياتِ المَوجودة في حَياتِك، وكُلَّ الخَطايا والإخفاقات. فيجبُ عليكَ أن تَبحثَ عنها، وأن تَعثُرَ عليها، وأن تَتعامَلَ مَعَها، وأن تَتَخَلَّصَ مِنها، إلخ، إلخ. وهُناكَ مَن يَتَطَرَّفَ في ذلك. فإن ذَهبتَ إلى اختِصاصِيٍّ نَفسيٍّ يَستخدِمُ أساليبًا عِلاجيَّةً بِدائيَّةً فإنَّهُ سيَجعلُكَ تَستلقي على الأرضِ، ويَضَعُ وِسادَاتٍ حَولَكَ، ويَضَعُكَ في وَضعيَّةٍ تُشبِهُ وَضعيَّةَ الجَنينِ في رَحِمِ أُمِّهِ، ويُحاولُ أن يَجعلَكَ تَشعُرُ بآلامِ المَخاضِ عندما كُنتَ في رَحِمِ أُمِّك مُدَّعِيًا أنَّ هذهِ هي نُقطةُ البِدايةِ للوُصولِ إلى الاستقرار.

وقد تَغَلغَلَ هذا الفِكرُ في المَسيحيَّةِ أيضًا. ولكِن في ضَوْءِ العَددِ الثَّامِن، يَبدو لي أنَّ هذا الأسلوبَ عَقيمٌ تَمامًا وسَخيفٌ جدًّا لأنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ مَا يَقولُهُ الرَّسولُ بولُسُ هُنا هُوَ التَّالي: أنَّهُ يجبُ عليكَ أن تُرَكِّزَ انتباهَكَ كُلَّهُ على كُلِّ مَا هُوَ حَقٌّ، وَجَلِيلٌ، وَعَادِلٌ، وَطَاهِرٌ، وَمُسِرٌّ، وصِيتُهُ حَسَنٌ. فَتَركيزُ المُؤمِنِ لا يَجوزُ أنْ يَنْصَبَّ على الأشياءِ الَّتي ذِكْرُهَا قَبيحٌ لأنَّها تَنْتَمي لأعمالِ الظُّلمةِ (كَما يَصِفُها بُولُسُ في رسالَتِهِ إلى أهلِ أفسُس والأصحاحِ الخَامِس).

لِذا فإنَّ بولسَ يُريدُ أن يُلَخِّصَ نُقطَتَهُ الأخيرةَ وَهِيَ أنَّهُ إن أردتَ أن تَكونَ ثَابِتًا رُوحِيًّا، يجبُ عليكَ أن تَتعلَّمَ أن تُفَكِّرَ في الأشياءِ الصَّحيحة. وكما قُلتُ فإنَّ العِبارةَ المِفتاحِيَّةَ الَّتي سَنتأمَّلُ فيها الآن مَذكورة في العَددِ الثَّامِنِ؛ وهي تَقول: "فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". فهذهِ دَعوةٌ إلى التَّفكيرِ القَويم. والفِعلُ اليُونانِيُّ المُستخدَمُ هُنا هُوَ "لوغيزيسثا" (logizesthe). وَهُوَ فِعْلُ أَمْرٍ؛ أيْ أنَّ هذهِ وَصِيَّة. وهو يَعني لا مُجَرَّدَ التَّفكيرِ بالمَفهومِ البسيطِ، بل يَعني أن تُقَيِّموا، وأن تَفْحَصُوا، وأن تَستخدِموا مَلَكاتِكُم الذِّهنيَّةَ للتَّفكيرِ في صِحَّةِ هذهِ الأشياءِ وأبعادِها. بعبارةٍ أخرى، أن تُنَمُّوا لَديكُم هذهِ الأنماطَ من التَّفكير.

والآن، أريدُ مِنكُم أن تُصغُوا بعِنايةٍ إلى ما سأقول. قد يبدو هذا الأمرُ وَاضِحًا. فأنتَ، أيُّها المُؤمِنُ، نِتاجُ فِكْرِكَ لأنَّنا نَقرأُ في الكتابِ المقدَّسِ هذهِ الآيةَ الوَاضحةَ: "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ [أوْ: فَكَّرَ] فِي نَفْسِهِ [ماذا؟] هكَذَا هُوَ". فَأنتَ نِتاجُ فِكْرِكَ. فالحَاسوبُ، كَما يَقولونَ، يُعالِجُ البَياناتِ الَّتي تُدْخِلُها ويُعطيكَ نَتائِجَ وَفقًا لَها. فَوَفقًا للمُعْطَياتِ سَتَحصُلُ على نَتائِجَ مُوافِقَة لها. فأنتَ نِتاجُ فِكْرِكَ. والشَّيءُ المُخيفُ تَحديدًا بهذا الخُصوصِ في مُجتمعِنا هُوَ أنَّهُ يبدو لي أنَّ التَّفكيرَ لم يَعُد مُهِمًّا جدًّا اليَوم. فنحنُ لا نُبالي كثيرًا بالتَّفكيرِ كما نُبالي بِشَيئَيْنِ آخَرَيْنِ سَنُسَمِّيهِما: العَواطِفُ والذَّرائِع.

فنحنُ نُبالي بالمَشاعِرِ، ونُبالي بالفاعِليَّة؛ ولكنَّنا لا نُبالي كَثيرًا بالتَّفكير. بعبارةٍ أخرى، النَّاسُ لا يَطرَحونَ السُّؤالَ: "هَل هذا صَحيح؟" ولا يَطرَحونَ السُّؤالَ: "هل هَذا صَائِب؟" بل يَطرَحونَ السُّؤالَ: "هل هذا فَعَّال؟" وَ "كيفَ سيَجعلُني أَشْعُر؟" فهذا هُوَ ما يُريدونَ أن يَعرِفوه. فَهُم لا يُريدونَ أن يَعرِفوا إن كانَ هذا الأمرُ صَحيحًا. وَهُمْ لا يُبالونَ حقًّا بما إذا كانَ هذا الأمرُ صَائِبًا. وَهُم لا يُبالونَ إنْ كَانَ قَويمًا، بل يُبالونَ فقط بما إذا كانَ فَعَّالاً، وبما إذا كانَ سيَجعلُني أشعُرُ بالسُّرور. وهذا شَيءٌ مَأساوِيٌّ؛ ولكنَّ هذهِ هي في الحَقيقةِ طَبيعة مُجتمعِنا. وقد تَراجَعَتْ أهميَّةُ التَّفكيرِ في مُجتمعِنا لأنَّنا صِرْنا مُجتمعًا يُبالي جدًّا بالمَشاعِر. وحَتَّى في اللاَّهوتِ، مِنَ المُؤسِفِ أن نَقولَ إنَّ المَسألةَ لم تَعُد تَتَمَرْكَزُ دائمًا حَولَ مَا إذا كانَ الشَّيءُ صَحيحًا أو قَويمًا، بل إنَّها تَتمركَزُ حَولَ مَا إذا كانَ الشَّيءُ سيُحْدِثُ انقسامًا أو ما إذا كانَ سَيَجرَحُ مَشاعِرَ فِئَةٍ مُعيَّنة. وهذهِ أمورٌ جَديدةٌ يَنبغي لنا أن نُعالِجَها.

وكما تَعلَمونَ، لقد كانَ مُؤمِنو بِيريَّة شُرَفاء لأنَّهُم كانُوا يَفحَصونَ الكُتُبَ لا لِيَرَوْا إنْ كانت هذهِ الأشياءُ تَمْنَحُهم شُعورًا جَيِّدًا، ولا لِيَرَوْا إنْ كانت هذهِ الأشياءُ فَعَّالةٌ، ولا لِيَرَوْا إنْ كانت هذهِ الأشياءُ تَجْرَحُ مَشاعِرَ الآخرينَ؛ بل لِيَرَوْا إنْ كانت هذهِ الأشياءُ صَحيحةً. ولكنَّنا نَعيشُ الآنَ في مُجتمعٍ يَتَعَلَّمُ بسُرعة أَلاَّ يُفَكِّرَ لأنَّهُ يَتَعَلَّمُ بسُرعة أَلاَّ يَقرأَ لأنَّ القِراءةَ تُؤدِّي إلى التَّفكير.

كانَ "بول روبنسون" (Paul Robinson)، وَهُوَ أُستاذٌ في جَامعة ستانفورد (Stanford University)، مُساهِمًا في آخِرِ طَبْعَةٍ مِن كِتاب "ذا ليتل براون ريدر" (The Little Brown Reader) الَّذي يَصْدُرُ لأجلِ الأشخاصِ المُهتمِّينَ باللُّغةِ الإنجليزيَّةِ أوِ العَامِلينَ في مَجالِ التَّواصُل. وقد تَسَلَّمْتُ نُسخةً مِنَ المَقالِ الَّذي كَتَبَهُ بعُنوان: "التِّلفازُ لا يَستطيعُ أن يُعَلِّم" (TV Can't Educate). وهو مَقالٌ مُدهشٌ. وهو يَكْتُبُ مِنْ عَقْلٍ عِلمانِيٍّ بَحْتٍ يُحَلِّلُ مُجتمعَنا ونَمَطَ التَّواصُلِ الفَعَّالِ في عَمليَّةِ التَّفكير. وَهُوَ يَقولُ ببساطَةٍ مَا يَلي: "الطَّريقةُ الوَحيدةُ للتَّعَلُّمِ هي القِراءة". فهي الطَّريقةُ الوَحيدةُ للتَّعَلُّمِ لأنَّ الكلماتِ على الصَّفحةِ تُجَمِّدُ الفِكرةَ، وتُمَكِّنُكَ مِن تَحليلِها، وتُمَكِّنُكَ مِن مَعرفةِ أجزائِها، وتُمَكِّنُكَ مِنَ التَّحَقُّقِ مِنها، وتُمَكِّنُكَ مِنَ التَّأمُّلِ فيها. فالصُّوَرُ لا تُنْشِئُ أفكارًا، بل تُؤثِّرُ وَحَسْب في العَواطِف.

وَهُوَ يَمْضي في التَّحدُّثِ عن حَقيقةِ أنَّ أسوأَ بَرامِجَ تِلفزيونيَّة على الإطلاقِ هي البَرامِجُ التِّلفزيونيَّةُ التَّعليميَّةُ لأنَّ هُناكَ تَناقُضًا في المُصطَلَحاتِ لا سِيَّما أنَّ التِّلفازَ لا يَستطيعُ أن يُعَلِّم. وَقَد قَال: "مِنَ الأفضل أَلاَّ تُشاهِدِ البَتَّة البَرامِجَ التِّلفزيونيَّة التَّعليميَّة لأنَّهُ على أقَلِّ تَقدير قد يَتَبَقَّى في ذِهنِكَ فَراغٌ يُمكِنُ أن يُمْلأَ بالفِكرِ الصَّحيح". فنحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ لا يُفَكِّر. ونحنُ لا نَسألُ: "هَل هَذا الشَّيءُ صَحيح؟"، بل نُبالي فقط بما إذا كانَ هذا الشَّيءُ سيَجعلُني أشعُرُ بمشاعِر طَيِّبة، وبما إذا كانَ فَعَّالاً.

وقد كَتَبَ "بيل هَل" (Bill Hull) في كِتابٍ بِعُنوان: "التَّفكيرُ الصَّحيح" (Right Thinking) صَدَرَ في سَنةِ 1985: "مَا يُخيفُني هُوَ الفَلسفةُ المُعادِيَةُ للفِكر والمُعادِيَةُ للنَّقْدِ الَّتي تَغَلغَلتْ في الكنيسة. فهذهِ الفَلسفةُ تَميلُ إلى إضْفاءِ لَمْسَةٍ رُومانسِيَّةٍ على الإيمان، وإلى جَعْلِ الكَنيسةِ المَحليَّةِ مَركِزًا للاختباراتِ الشَّخصيَّة. فَمَفهومُهُم عنِ الكنيسةِ هُوَ أنَّهُم مُسْتَهْلِكونَ رُوحِيُّونَ، وأنَّ عَمَلَ الكنيسةِ يَتَلَخَّصُ في سَدِّ حَاجاتِهم الَّتي يَشعُرونَ بها" [نِهايةُ الاقتباس]. وَمَا يَحدُثُ في الكنيسةِ هُوَ أنَّ النَّاسَ يَذهبونَ إلى الكنيسةِ لا لِيُفَكِّروا، ولا لِيَتأمَّلوا في الحَقِّ، وَلا لِيَفعلوا ما فَعَلَهُ مُؤمِنو بِيريَّة الَّذينَ كانوا يُفَتِّشونَ الكُتُبَ ليَرَوْا إنْ كانَ مَا يُنادي بهِ الوُعَّاظُ صَحيحًا؛ بل إنَّهُم يَذهبونَ إلى الكنيسةِ لكي يَحصُلوا على صِيانَةٍ رُوحِيَّةٍ أُسبوعيَّة، أو جُرعَةٍ رُوحيَّةٍ أُسبوعيَّةٍ لكي يَشعُروا بأنَّ اللهَ ما يَزالُ مَعَهُم. فَهُم غيرُ ثابِتينَ رُوحيًّا لأنَّهُم يَتَّكِلونَ على المَشاعِرِ لا على الفِكْر.

ولكِن لا يَجوزُ أن يَقَعَ المُؤمِنُ ضَحيَّةَ مَشاعِرِه. ولا يَجوزُ أن يَعْلَقَ في الفَخِّ البراغماتِيِّ الَّذي يُرَكِّزُ على السُّؤالِ: "هَل هَذا الشَّيءُ فَعَّال؟" أو: "هَل هَذا الشَّيءُ يَعمَل؟" وقد كَتَبَ "جون ستوت" (John Stott) في كُتَيِّبٍ صَغيرٍ أَلَّفَهُ بعُنوان "ذِهْنُكَ مُهِمٌّ" (Your Mind Matters) مَا يَلي: "حَقًّا إنَّ التَّأثيراتِ الَّتي تَترُكُها الخَطيَّةُ على مَشاعِرِنا هي أخطرُ مِن تلكَ الَّتي تَترُكُها على تَفكيرِنا لأنَّهُ مِنَ الأسهَلِ علينا أن نَفْحَصَ آراءَنا وَنُنَظِّمَها مِن خلالِ الحَقِّ المُعلَنِ على أنْ نَفْحَصَ اختباراتِنا" [نِهايةُ الاقتباس]. وهذه جُملةٌ حَكيمةٌ جدًّا.

وفي أثناءِ بَحثي وَتَعَمُّقي في هذا المَوضوعِ في هذا الأسبوعِ، وَجَدْتُ كِتابًا في مَكتبتي بعُنوان: "مَحَطَّاتُ الذِّهْن" (Stations of the Mind) كَتَبَهُ "ويليام غلاسر" (William Glasser)، وَهُوَ طَبيبٌ نَفسانِيٌّ يُلَقَّبُ بأنَّهُ أبو العِلاجِ الوَاقِعِيِّ، وَمُبْتَكِرُ العِلاجِ النَّفسِيِّ الَّذي يُعرَفُ باسم العِلاجِ الوَاقِعِيِّ. وَقد كَتَبَ قِسْمًا كَامِلاً في ذلكَ الكِتابِ عنِ العَقلِ وكيفَ يَعمل. وهو مِن خَلفيَّةٍ عِلمانِيَّةٍ وعَقليَّةٍ تُؤمِنُ بِعِلْمِ النَّفس. ولكِن مِنَ المُدهِشِ أنَّ بَحْثَهُ أَوْصَلَهُ إلى الاستنتاجِ التَّالي. فَهُوَ يُبَيِّنُ، على سَبيلِ المِثالِ، أنَّ البَشَرَ ليسوا مُجَرَّدَ كَائِناتٍ تَتجاوَبُ وَفْقًا للمُحَفِّزات... تَتجاوَبُ وَفْقًا للمُحَفِّزات. فالعِلاجَ النَّفسيَّ وَعِلْمَ النَّفسِ التَّقليديِّ، أوِ الوَثَنِيّ، أوِ البَشَرِيّ يَرى ببساطةٍ أنَّ الإنسانَ مَوجودٌ في رأسِ عَمليَّةِ الارتقاء. فنحنُ ببساطَةٍ: قِمَّةُ التَّطوُّر. وَنَحْنُ نُشبِهُ جَميعَ الكَائِناتِ الأخرى. والحقيقةُ هي أنَّكُم إنْ رَجَعتُم إلى ما قَبلَ ذلك، نحنُ لا نَختلِفُ كثيرًا عن صَخرةٍ أو وَرَقَةِ شَجَر أو أيِّ شَيءٍ آخر؛ ولكنَّنا في قِمَّةِ سِلسلةِ التَّطوُّر، أو في قِمَّةِ هذا الشَّيء؛ ولكنَّنا نَمْتَلِكُ نَفسَ السِّماتِ الَّتي تَمْتَلِكُها العَناصِرُ الأخرى في سِلسلةِ التَّطوُّرِ تلك. لِذا فإنَّنا كَائِناتٌ تَتجاوَبُ وَفقًا للمُحَفِّزات.

وهذا هُوَ السَّببُ في أنَّ شخصًا مِثلَ "بافلوف" (Pavlov) أَحضرَ مَجموعةً مِنَ الكِلابِ وَراحَ يُجري عليها سِلسلةً مِنَ التَّجاربِ فوجدَ أنَّهُ عندما يُوْجَدُ حَافِزٌ لها فإنَّها تُفرِزُ اللُّعابَ. وإنْ أَخذتَ مَا فَعَلَتْهُ كِلابُ بافلوف وَطَبَّقتَهُ على السُّلوكِ البَشريِّ لأنَّنا [حَسَبَ قَوْلِهم] مُجَرَّدُ حَيَواناتٍ رَاقِيَة، فإنَّ كُلَّ ما يَجعَلُ كِلابَ بافلوف تُفرِزُ لُعابًا يَنبغي أن يُطَبَّقَ حَرْفِيًّا على السُّلوكِ البَشريِّ. لِذا، يُمكِنُكُم أن تَستَنتِجوا أنَّنا كائِناتٌ تَتجاوَبُ وَفْقًا للمُحَفِّزات. فَنَحْنُ نَتجاوَبُ وَفقًا للمُحَفِّزات. فعندما يُوجَدُ حافِزٌ فإنَّنا نَتجاوَب. وإنْ وُجِدَت نَفسُ الحَوافِزِ، يُمكِنُنا أن نَعْرِفَ رَدَّ الفِعلِ المُتَوَقَّع.

وقد كانَتْ هَذهِ النَّظريَّةُ شَيئًا مُسَلَّمًا بِهِ في أذهانِ أنصارِ نَظريَّةِ التَّطوُّر؛ ولكنَّ "غلاسر" (Glasser) هَاجَمَها. وهذا شَيءٌ مُدهِش إذْ إنَّهُ يَقولُ بصراحةٍ إنَّ الإنسانَ لا يَخضَعُ لعَامِلِ الحَافِزِ والدَّافِعِ الَّذي يُمكِنُ التَّنَبُّؤُ بِه، بل إنَّ الإنسانَ يَخضَعُ لِشَيءٍ دَاخِلِيٍّ [كما يَقولُ]، أو لما يُريدُهُ، وما يَرغَبُ فيه. وَهُوَ يَقولُ إنَّ ما يُريدُهُ الإنسانُ ويَرغَبُ فيهِ يَتَقَرَّرُ مُسَبَّقًا بِحَسَبِ الشَّيءِ الَّذي أَثَّرَ في ماذا؟ في تَفكيرِهِ... في تَفكيرِهِ. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يُمكِنُكَ أن تُعطي شَخصًا نَفسَ الحَافِزِ في أوقاتٍ مُختلفةٍ مِن حَياتِهِ وأن تَحصُلَ على رُدودِ فِعلٍ مُختلفة وعَديدة. فلو كانَ تَصْميمُ الإنسانِ يَجعَلُهُ يَتصرَّفُ دائمًا وَفقًا للحَافِزِ، سوفَ يُظْهِرُ نَفسَ رَدِّ الفِعْلِ دَائِمًا تُجاهَ نَفسِ الحَافِز؛ ولكنَّ الأمرَ ليسَ كذلك.

كذلك، يُمكِنُكُم أن تُحضِروا خَمْسَةَ عَشَرَ شَخصًا وتُعطوهُم جَميعًا نَفسَ الحَافِزِ وتَحصُلوا على خَمْسَةَ عَشَرَ رَدِّ فِعْلٍ مُختلِف لأنَّ الإنسانَ يَتجاوَبُ لا وَفقًا لحَافِزٍ خَارِجيٍّ، بل وَفقًا لما يُريدُهُ، وَوَفْقًا لما يَرغَبُ فيهِ. وَهُوَ يَقولُ إنَّ ذلكَ نَاجِمٌ عنِ الأشياءِ الَّتي أَثَّرَتْ في تَفكيرِه. فَرَدُّ فِعلِهِ ليسَ تِلقائيًّا، حَسَبَ قَوْلِ "غلاسر"، بل هُوَ نَابِعٌ مِن تَفكيرِه. وهذهِ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا. فهو نَابِعٌ مِن تَفكيرِه. لِذا فإنَّ العَقلَ يَصيرُ هُوَ مَركِزُ التَّوجيهِ الَّذي يُقَرِّرُ سُلوكَهُ وَفقًا لطريقةِ تَفكيرِهِ، وَوَفْقًا للطَّريقةِ الَّتي تَأثَّرَ بها في تَفكيرِه. لِذا فإنَّ طَريقةَ تَفكيرِ الإنسانِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. فأنتَ لَستَ مُجَرَّدَ حَيَوانٍ نَاطِقٍ رَاقٍ، وأنتَ لن تُفرِزَ لُعابًا في كُلِّ مَرَّةٍ تَرى فيها نَفسَ الحَافِز؛ بل إنَّكَ ستَتجاوَبُ وَفقًا لطريقةِ تَفكيرِك. وَعليهِ فإنَّ الذِّهنَ يَمتَلِكُ القُدرةَ على تَشكيلِكَ، وتَشكيلِ تَصَرُّفاتِكَ. وهذا يَعني أنَّ التَّفكيرَ هُوَ أقوى عُنصُرٍ في الحَياةِ البَشريَّة.

وقد قالَ "اللُّورد بالميرستون" (Lord Palmerston) في مَجْلِسِ العُمومِ في الحَادي والعِشرينَ مِن شَهْرِ تَمُّوز/يوليو سنة 1849، وأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ: "الآراءُ أقوى مِنَ الأعداء. والآراءُ سَتَنتصِرُ في النِّهايةِ على رِماحِ فِرْقَةِ المُشاةِ، ونِيرانِ فِرْقَةِ المِدفَعِيَّةِ، وَغَاراتِ فِرْقَةِ الخَيَّالَة" [نِهايةُ الاقتباس]. وَهُوَ مُحِقٌّ. فالجُيوشُ تَأتي وتَمضي؛ ولكنَّ الإيديولوجيَّاتِ تَبقى. وَمِنَ المُدهِشِ أن نَعرِفَ التَّأثيرَ الهَائِلَ للآراء.

والآن، مِن زَاويةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، مِنَ الواضحِ جدًّا أهميَّة التَّفكير. وهذا هُوَ تَحديدًا ما يَدعو إليهِ بولسُ في هذهِ الآية. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَتعلَّموا كيفيَّةَ التَّفكيرِ في الأشياءِ الصَّحيحة. لِذا، لِنَتحدَّث قَليلاً عَمَّا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عَنِ التَّفكيرِ، وعَن الأهميَّةِ البَالِغَةِ لهذا المَوضوع.

قبلَ كُلِّ شَيء، لقد أَوْصانا اللهُ بأن نُفَكِّر. هَل تَذكُرونَ ما جاءَ في سِفْر إشَعياء 1: 18؟ هَل تَذكُرونَ ما قَالَهُ اللهُ؟ لقد قال: "هَلُمَّ [ماذا؟] نَتَحَاجَج". أيْ: لِنُفَكِّر في هذا الأمرِ سَوِيًّا. فهو لم يَقُل: "هَلُمَّ نَشعُرُ مَعًا"، ولم يَقُل: "هَلُمَّ نَختَبِر هَذا الشَّيء مَعًا"؛ بل قَالَ: "هَلُمَّ نَتَحاجَج"؛ أيْ: "هَلُمَّ لِنُفَكِّر في هذا الأمر". وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 16، جَاءَ الفَرِّيسيُّون والصَّدُّوقِيُّونَ إلى يَسوعَ وقالوا: "نُريدُ آيَةً... نُريدُ أن تُرينا آيَةً. افعَل شَيئًا عَجيبًا يُدهِشُنا". فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ الأَزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ!" بعبارةٍ أخرى: "لن أُقَدِّمَ لَكُم عَرْضَا رَائِعًا في السَّماء، بل إنِّي أطلُبُ مِنكُم أن تُفَكِّروا في الحَقائقِ الَّتي تَعرِفونَها أَصْلاً ".

وقد قالَ يَسوعُ أيضًا: "وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاء". لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَدعو النَّاسَ دائمًا إلى التَّفكيرِ واستِخدامِ عُقولِهم. وكما تَرَوْنَ، هذا هُوَ السَّببُ في أنَّ الكتابَ المقدَّسَ كِتاب. فعندما أعطَى اللهُ إعلانَهُ، لم يُعْطِهِ في شَكْلِ فِيلم. فهو لم يَفعل ذلك. وهو لم يُعْطِهِ في شَكْلِ مُسَلْسَلٍ مُصَوَّر. وهل تَعلمونَ شَيئًا؟ إنَّهُ لم يَضَع خَلفيَّةً مُوسيقيَّةً في أثناءِ قِراءَتِكَ للكِتابِ المُقَدَّس. ولا يُوجَد صَوْتُ دَنْدَنَة. ولا يُوجد شَيءٌ يُؤثِّرُ في عَواطِفِكَ سِوى التَّأمُّل في الحَقّ. ولا يُوجَد حَوافِز سِوى الحَقّ. وَهذا يَتطلَّبُ تَفكيرًا. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَفْتَرِضُ أنَّ الأولويَّةَ القُصوى هي أن تُفَكِّرَ لأنَّهُ كِتاب. أَلاَ تَرَوْنَ الفَرْقَ الشَّاسِعَ بينَ ذلكَ وبينَ الحَرَكَةِ الكَارِزماتيَّةِ في يَومِنا هَذا حيثُ يَبحَثُ الجَميعُ لا عَنِ الحَقِّ، بل عَنْ ماذا؟ عَنِ الاختباراتِ، ومُلامَسَةِ العَواطِفِ وَالمَشاعِر. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ، بِطَبيعَتِهِ، يَدعو النَّاسَ إلى التَّفكير.

ونَقرأُ في المَزمور 32 والعَددِ التَّاسِعِ، بل بالحَرِيِّ في العَددِ الثَّامِنِ أنَّ اللهَ يَقولُ: "أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ". بِعبارةٍ أخرى: "سَأُعطيكَ كُلَّ الحَقِّ، وكُلَّ الإرشادِ، وكُلَّ التَّعليمِ، وكُلَّ النُّصْح". ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "لاَ تَكُونُوا كَفَرَسٍ أَوْ بَغْل بِلاَ فَهْمٍ". فَكِّروا. لا تَكونوا كَفَرَسٍ أوْ بَغْلِ، بل فَكِّروا. فَحينئذٍ سَتَفهمونَ حَقِّي. وفي المَزمور 73: 22، يُقِرُّ المُرَنِّمُ قَائِلاً: "وَأَنَا بَلِيدٌ وَلاَ أَعْرِفُ. صِرْتُ كَبَهِيمٍ عِنْدَكَ". لا تَكونوا هَكذا، بل فَكِّروا. اسمَعوني الآن: التَّفكيرُ المُتَمَعِّنُ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يُمَيِّزُ إيمانَنا المُعلَن. اسمَحوا لي أن أقولَ ذلكَ مَرَّةً أخرى: التَّفكيرُ المُتَمَعِّنُ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يُمَيِّزُ إيمانَنا المُعلَن.

لقد كَتَبَ "أور" (Orr) كِتابًا بعُنوان: "النَّظرةُ المَسيحيَّةُ إلى اللهِ والعَالَم" (The Christian View of God and the World). وَهُوَ يَقولُ في إحدى الفِقْراتِ الكلماتِ التَّاليةَ المُدهشة جدًّا: "إن كانت هُناكَ دِيانَةٌ في العَالَمِ ترفَعُ مِن شَأنِ التَّعليمِ، لا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلنا إنَّها دِيانَةُ يَسوعَ المَسيح. فالشَّيءُ الَّذي تَتَّسِمُ بِهِ الدِّياناتُ الوَثنيَّةُ في أغلبِ الأحيانِ هُوَ أنَّ عُنصُرَ العَقيدةِ فيها يَكونُ في الحَدِّ الأدنَى. أمَّا الشَّيءُ الرَّئيسيُّ فيها فَهُوَ مُمارَسَةُ الطُّقوسِ الدِّينيَّة. ولكنَّ هذهِ النُّقطةَ تَحديدًا هِيَ الَّتي تُمَيِّزُ فيها المَسيحيَّةُ نَفسَها عَنِ الدِّياناتِ الأخرى. فهي تَحْوي عَقيدة. وهي تُقَدِّمُ للبَشَر تَعليمًا إيجابيًّا مُحَدَّدًا. وهي تَقولُ إنَّها الحَقّ. وهي تَبني الدِّينَ على المَعرفةِ؛ على الرَّغمِ مِن أنَّها مَعرفةٌ لا يُمكِنُ أن تُكتَسَبَ إلاَّ بِتَوافُرِ شُروطٍ أخلاقيَّة مُعيَّنة. فالدِّيانةُ الَّتي تَخْلو مِنَ الأفكارِ السَّامِيَةِ والجَليلةِ تَميلُ طَوالَ تَاريخِ الكَنيسةِ إلى أن تَكون ضَعيفةً وَضَحْلَةً ومُؤذِيَةً؛ في حين أنَّ العَقْلَ يُحْرَمُ مِنَ حُقوقِهِ في الدِّينِ وَيَبحثُ عَمَّا يُشبِعُهُ خَارِجَ الدِّينِ، ويَقَعُ فَريسةَ العَقلانِيَّة البَعيدةِ عَنِ الله" [نِهايةُ الاقتباس]. يا لَها مِن كَلماتٍ رائعة!

وَلِتَلخيصِ ما يَقول، إن كانت هُناكَ أيَّةُ دِيانَةٍ في العَالَمِ تُقيمُ وَزْنًا كَبيرًا للتَّعليمِ؛ وَعليهِ فإنَّها تُقيمُ وَزْنًا كَبيرًا للتَّفكيرِ، فإنَّها الدِّيانَةُ المَسيحيَّةُ لأنَّها خَبَرِيَّة، أو لأنَّها مَكتوبَة. فهي ليست طَقسيَّةً، وهي ليست قائمةً على الاختبارات، بل هِيَ إعلانُ الحَقّ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "عندما تَتوقَّفُ الكنيسةُ عَنِ التَّفكيرِ واستِخدامِ العَقلِ، وتَفْصِلُ نَفسَها عَنِ الأفكارِ الجَليلةِ، فإنَّ الذِّهنَ أوِ العَقلَ يُحْرَمُ مِن حُقوقِهِ في الدِّينِ وَيَبحثُ عن شَيءٍ خَارِجَ الدِّينِ لتَحقيقِ ذاتِهِ. وَهذا يُؤدِّي إلى ظُهورِ العَقلانيَّةِ البَعيدةِ عَنِ الله". لِذا، رُبَّما تُسْهِمُ الكَنيسةُ في انتشارِ المَذهبِ العَقلانِيِّ لأنَّها لا تُقَدِّمُ أيَّ شَيءٍ للعَقلِ عندما تَكونُ ضَعيفةً وخَرْقاءَ كما هِيَ الحَالُ في أغلبِ الأحيان.

والآن، عندما تُفَكِّرونَ في مَوضوعِ العَقلِ هذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ كَثيرًا عنهُ. فَهُوَ يَقولُ الكَثيرَ عَنِ التَّفكير. واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم فِكرةً لاهوتيَّةً صَغيرةً عنِ التَّفكير. سوفَ أتحدَّثُ عنهُ بسُرعة؛ لِذا أرجو أن تُرَكِّزوا مَعي. مَاذا عَنِ الوقتِ الَّذي يَسبِقُ خَلاصَكَ؟ مَا الَّذي يَقولُهُ عنِ الذِّهن؟ إليكُم ما يَقول. أولاً، إنَّهُ ذِهْنٌ عَاطِلٌ عَنِ التَّمييز (كَما جَاءَ في رسالة رُومية 1: 28). فَهُوَ ذِهْنٌ عَاطِلٌ عَنِ التَّمييز. وَهذا يَعني أنَّهُ ذِهْنٌ مُنْحَطٌّ، وفَاسِدٌ، وأَثيمٌ، وَشِرِّير. هذا هُوَ مَعنى الذِّهنِ العَاطِلِ عَنِ التَّمييز. ثانيًا، إنَّهُ ذِهْنٌ أَعمَى (كما جَاءَ في رِسالةِ كورنثوس الثَّانية 4: 4). ثَالثًا، إنَّهُ ذِهْنٌ عَقيمٌ، وأجوفٌ، وعَديمُ القِيمةِ، وعَديمُ النَّفعِ (كما جاءَ في رِسالةِ أفسُس 4: 17). رابعًا، إنَّهُ ذِهْنٌ جَاهِلٌ (كما جاءَ في رسالة أفسُس 4: 18). وأخيرًا، إنَّهُ ذِهْنٌ أحْمَق (كما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى 2: 14).

لِذا، يُمكِنُكَ أن تَقولَ لأيِّ شخصٍ غيرِ مُؤمِن: "يا صَديقي، أنا لا أعرِفُكَ جَيِّدًا، ولكنِّي أعرِفُ بِضعةَ أمورٍ عنكَ أوَدُّ أن أُشارِكَها مَعَك. أنا لا أعرِفُ مُستوى ذَكائِكَ، ولا أعرِفُ خَلفيَّتَكَ التَّعليميَّة؛ ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لكَ إنَّ ذِهنَكَ فَاسِدٌ، وأعمَى، وعَقيمٌ، وَجاهِلٌ، وأحمَق". والحقيقةُ هي أنَّكَ ستَكونُ مُحِقًّا تَمامًا... مُحِقًّا تَمامًا. فَهُوَ فَاسِدٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يَختارُ مَا هُوَ صَالِحٌ. وَهُوَ أَعمى جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يَعرِفُ ما هُوَ صَالِحٌ. وَهُوَ عَديمُ النَّفعِ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يَفعَلُ مَا هُوَ صَالِحٌ. وَهُوَ جَاهِلٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يَعرِفُ حَتَّى أنَّهُ يَفعلُ كُلَّ ذلك. وَهذا يَجْعَلُكَ أمامَ خِيارٍ واحِدٍ فقط وَهُوَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ تَفْعَلُهُ هُوَ جَهالَة. هذا هُوَ ذِهْنُ الإنسانِ... الإنسانِ السَّاقِط.

لِذا فإنَّ الإنجيلَ يَخْتَرِقُ النَّفسَ. أليسَ كذلك. والآن، ماذا عَنِ الذِّهنِ عندَ الخَلاص؟ هلِ الإنجيلُ يُبالي بالذِّهن؟ يَجْدُرُ بِكُم أن تُصَدِّقوا ذلك. هل تَذكرونَ ما دَرسناهُ في رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الثَّالثِ عندما قالَ بُطرسُ إنَّهُ يَنبغي أن تَكونوا مُستعدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُم؟ فيجبُ عليكم أن تَكونوا مُستعدِّينَ دائمًا لتَوضيحِ سَببِ ذلكَ لَهُ. لِماذا تُؤمِن بهذا؟ ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، قالَ يَسوعُ في العَدد 19 إنَّ البُذورَ تَقَعُ أحيانًا على الطَّريق، وإنَّ البُذورَ هي كلمةُ اللهِ، وإنَّ الطَّريقَ القَاسيةَ هي القلبُ الَّذي لا يَفهَمُها، وإنَّ الشَّيطانَ يَخْطَفُها. فهي تَتطلَّبُ تَفكيرًا، وتَتطلَّبُ فَهْمًا.

فَهُناكَ عُنصُرٌ في الخَلاصِ... هُناكَ عُنصُرٌ مِنهُ يَحدُثُ في الذِّهنِ عندما يَفهَمُ المَرءُ الحَقَّ فَهْمًا سَليمًا؛ أيَ الحَقَّ المُختصَّ بِهِ هُوَ شَخصيًّا، والحَقَّ المُختَصَّ بالخَطيَّةِ، والحَقَّ المُختَصَّ باللهِ، والحَقَّ المُختَصَّ بالمَسيحِ، والحَقَّ المُختَصَّ بعملِ المَسيحِ، والحَقَّ المُختَصَّ بالمُستقبَل. فهذا كُلُّهُ يَتِمُّ تَحليلُهُ في الذِّهن. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ العَاشِرِ إنَّ الإيمانَ يَأتي بِسَماعِ الخَبَرِ عَنِ المَسيح. فهو ليسَ شَيئًا بَاطِنِيًّا، بل إنَّ الإيمانَ يَحْدُثُ مِن خِلالِ الذِّهن، وَمِن خِلالِ العَقل. "هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ" (كَما جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء). "إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ". هَلُمَّ نَتَحاجَجُ في ذلك. فالإنجيلُ يُخاطِبُ العَقلَ. وهذا هُوَ مَا جَعَلَ مُؤمِني بيريَّة شُرَفاءَ جدًّا. فقد فَتَّشُوا الأسفارَ المُقدَّسَةَ وَفَحَصُوها بِدِقَّة.

وقد قالَ "جون غريشام ميتشن" (J. Gresham Machen)، ذلكَ التِّلميذُ النَّجيبُ للكِتابِ المُقَدَّسِ، في كِتابٍ لَهُ بعُنوان: "الإيمانُ المَسيحيُّ في العَالَمِ المُعاصِر" (The Christian Faith in the Modern World): "مَا يَفعلُهُ الرُّوحُ القُدُسُ في الوِلادةِ الجَديدةِ هُوَ ليسَ أنَّهُ يَجعلُ المَرءَ مَسيحيًّا بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ البُرهانِ؛ بل إنَّهُ يَفعَلُ العَكسَ تَمامًا إذْ إنَّهُ يُزيلُ الغَشاوَةَ عَن عَينيهِ، ويُمَكِّنُهُ مِن رُؤيةِ البُرهان". هذا هُوَ المَقصود. فَهُوَ يَراهُ. وَهُوَ يَفهَمُهُ مِن خِلالِ عَمَلِ رُوحِ الله. وَنحنُ نَعلمُ هذا لأنَّ النَّاسَ يَخْلُصونَ ويَصيرونَ مُتَعَبِّدين. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الرَّابعِ أنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ الحَقيقيِّينَ لَهُ. والسَّاجِدونَ الحَقيقيُّونَ يَسْجُدونَ بالرُّوحِ وَبِماذا؟ وبالحَقِّ. لِذا، إنْ كُنَّا نَخْلُصُ لكي نَسْجُدَ لَهُ بالحَقِّ، فإنَّ الحَقَّ مُهِمٌّ جدًّا. فالخَلاصُ هُوَ عَمَلُ اللهِ في الذِّهن.

وكما تَرَوْنَ، لا يَجوزُ أن نَعبُدَ اللهَ بِمَعزِلٍ عَنِ الحَقِّ المُختَصِّ بالله. لِذا فإنَّ بولسَ انزَعَجَ عندما ذَهبَ إلى أريوس باغوس في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17 فَوَجَدَ مَجموعةً مِنَ الفَلاسفةِ اليونانيِّينَ المُثَقَّفينَ الَّذينَ بَنَوْا مَذْبَحًا لأيِّ إلَهٍ؟ لإلَهٍ مَجهول. وهذا سُخْفٌ حَقيقيٌّ. فهذا لا يُرضي الله. فاللهُ لا يَقول: "إنَّها لَفْتَةٌ ظَريفَةٌ، وأنا أَتَفَهَّمُ حَقًّا الأسبابَ الَّتي دَفَعَتكُم إلى ذلكَ وأَقبَلُها". إنَّهُ لا يَقولُ ذلك. فَاللهُ ليسَ إلَهًا مَجهولاً، بل إنَّهُ لا يَجوزُ لنا أن نَعبُدَ اللهَ إلاَّ وَفْقًا للحَقِّ المُختَصِّ به. لِذا فقد أَخبرَهُم بولسُ حَالاً مَنْ هُوَ الله.

ونَقرأُ في إنجيل لُوقا 10: 27: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ... وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الخَلاصَ هُوَ تَجاوُبٌ فِكريٌّ معَ إعلانِ اللهِ عَن ذاتِهِ في الكتابِ المقدَّسِ مِن خِلالِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس. فالإيمانُ الحَقيقيُّ هو ليسَ قَفْزَةً في الفَراغِ، والإيمانُ الحَقيقيُّ هُوَ ليسَ تَلامُسًا مَعَ أرضِ الكِيان (كَما كانَ يَقولُ "بول تيليك" – "Paul Tillich"). والإيمانُ الحَقيقيُّ ليسَ انفِجارًا يُؤدِّي إلى حَدَثٍ لا يُمكِنُ قِياسُهُ. والإيمانُ الحَقيقيُّ ليسَ مُواجَهَةً غَامِضَةً لا يُمكِنُ وَصْفُها أوِ التَّحَدُّثُ عنها؛ بل إنَّ الإيمانَ الحَقيقيَّ هُوَ ثِقَةٌ عَقلانِيَّةٌ بالحَقِّ المُعلَنِ المُختصِّ باللهِ الحَقيقيِّ. فهو عَمليَّةُ تَفكير. فالخَلاصُ مُستحيلٌ مِن دُونِ تَفكير.

عندما كانَ يَسوعُ يُحَدِّثُ تَلاميذَهُ في الأصحاحِ السَّادِسِ مِن إنجيلِ مَتَّى، أو بالحَرِيِّ طَوالَ الوقتِ الَّذي كانَ يُحَدِّثُهم، أرادَ مِنهُم أن يُفَكِّروا. ولكِن في الأصحاحِ السَّادسِ مِن إنجيلِ مَتَّى، كَانُوا يَتَذَمَّرونَ لأنَّهُم قد لا يَحصُلونَ على طَعامٍ أو مَلابِس. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ جَاءَ إليهم وقالَ إنَّ اللهَ يَهْتَمُّ بِطُيورِ السَّماءِ، وإنَّهُ يَهْتَمُّ بِزَنابِقِ الحَقْلِ، وبِعُشْبِ الحَقْلِ، وبِكُلِّ شَيءٍ. ثُمَّ قالَ لَهُم: "يا قَليلي الإيمان، لِمَ لا تُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ يَهْتَمُّ بِكُم!" أَتَذكرونَ ذلكَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادس؟

وقد كَتَبَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Johnes) في كِتابِهِ الكَلاسيكيِّ "العِظَةُ على الجَبَل" (The Sermon on the Mount) الفِقْرَةَ الصَّغيرةَ التَّاليةَ عن ذلكَ المَقطَعِ. وأعتقدُ أنَّها فِقْرَةُ جَديرةٌ بالقِراءة. فهو يَقول: "الإيمانُ، بِحَسَبِ تَعليمِ رَبِّنا في هذهِ الفِقْرَةِ، هُوَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ تَفكير. ومُشكلةُ الإنسانِ القَليلِ الإيمانِ هي أنَّهُ لا يُفَكِّر. فهو يَسْمَحُ للظُّروفِ أن تَسْحَقَهُ. ولكن يجب علينا أن نَصرِفَ وَقتًا أطولَ في دِراسةِ دُروسِ رَبِّنا مِن خِلالِ المُلاحظةِ والاستِنباط. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَزْخُرُ بالمَنطِق. ولا يَجوزُ لنا البَتَّة أن نُفَكِّرَ في الإيمانِ على أنَّهُ شَيءٌ صُوفِيٌّ صِرْف. فنحنُ لا نَجلِسُ على الكُرْسِيِّ ونَتَوقَّعُ حُدوثَ الأشياءِ لنا. فهذا ليسَ إيمانًا مَسيحيًّا، بل إنَّ الإيمانَ المَسيحيَّ هُوَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ تَفكيرٌ. انظروا إلى الطُّيور. تَأمَّلوا فيها وَتَوَصَّلوا إلى استِنتاجاتِكُم. انظُروا إلى العُشبِ. انظُروا إلى زَنابِقِ الحَقْلِ وَتَأمَّلوا فيها. فالإيمانُ، إنْ جَازَ القَولُ، هُوَ شَيءٌ يُمكِنُنا أن نُعَرِّفَهُ كَما يَلي: إنَّهُ إنسانٌ يُصِرُّ على التَّفكيرِ في حينِ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَبدو عَاقِدَ العَزمِ على الإطاحَةِ بِهِ وَسَحْقِهِ بالمَعنى الفِكريِّ. ومُشكلةُ الشَّخصِ القَليلِ الإيمانِ هي أنَّهُ عِوَضًا عن أن يَتَحَكَّمَ بأفكارِهِ، فإنَّ أفكارَهُ تَخضَعُ لِشَيءٍ آخر. وَكما نَقولُ فإنَّهُ يَدورُ حَولَ نَفسِهِ. وهذا هُوَ أَصْلُ القَلَق". والآن، اسمَعوا ما يَقول: "هذا ليسَ تَفكيرًا، بل هُوَ عَدَمُ تَفكير" [نِهايةُ الاقتباس]. يا لَها مِن كَلِماتٍ عَظيمة!

مَا الَّذي يَعنيهِ بذلك؟ إنَّهُ يَعني أنَّكَ إنْ قَلِقْتَ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ إلى أنَّكَ لا تُفَكِّر، بل إنَّكَ سَمَحْتَ بأنْ تُقْهَرَ بسببِ ظُروفِكَ. أمَّا إنِ انتَصرتَ عليها، وفَكَّرتَ في إلَهِكَ، وفَكَّرتَ في مَقاصِدِهِ، وفَكَّرتَ في وُعودِهِ، وفَكَّرتَ في خُطَطِهِ، فإنَّكَ لن تَقلَق. أليسَ كذلك؟ تَذَكَّروا ذلكَ عندما تَشعُرونَ بالقَلق. فالنَّاسُ يَقولونَ: "أنتَ تَقلَق. أنتَ تُفَكِّرُ كَثيرًا". لا، بل إنَّكَ تُفَكِّرُ قَليلاً جدًّا. وأنتَ تُفَكِّرُ أقَلَّ بكثير في الاتِّجاهِ الصَّحيح. فالإيمانُ ليسَ تَفاؤُلاً. والإيمانُ ليسَ تَنويمًا مِغناطيسيًّا نَفسيًّا ذَاتِيًّا. والإيمانُ ليسَ أُمنيات؛ بل إنَّ الإيمانَ هُوَ تَجاوُبٌ مَعَ الحَقِّ المُعلَن.

والآن، لقد تَحَدَّثنا عن ذِهْنِكُم قبلَ الخَلاص. وقد تَحَدَّثنا عن كيفَ أنَّ اللهَ يُحَرِّكُ ذِهنَكُم عندَ الخَلاص. ولكِن ماذا يَحدُثُ بعدَ الخَلاص؟ لقد تَغَيَّرَ ذِهنُكَ، وقد حَصَلْتَ على ذِهْنٍ جَديد. صَحيحٌ أنَّكَ لم تَحصُل على عَقلٍ جَديد، ولكنَّكَ حَصلتَ على ذِهنٍ جَديد. وهذا يَعني أنَّكَ حصَلتَ على قُدرةٍ إلهيَّةٍ جَديدةٍ على استِخدامِ عَقلِك. فَرُوحُ اللهِ اقْتَحَمَ عَمليَّةَ التَّفكيرِ لَديكَ. وهذا أمرٌ عَجيبٌ. أليسَ كذلك؟ فأنتَ لم تَعُد تُفَكِّرُ كما يُفَكِّرُ العَقلُ البَشريُّ، بل إنَّكَ تُفَكِّرُ كما يُفَكِّرُ العَقلُ البَشريُّ الَّذي يُهيمِنُ عليهِ رُوحُ اللهِ الحَيِّ الَّذي يَسكُنُ فيكَ. فأنتَ تَمْلِكُ أنماطَ تَفكيرٍ جَديدة تَمامًا.

ولكي أُريكُم ذلك، انظُروا إلى رسالةِ رُومية والأصحاحِ الثَّامن. رسالة رُومية 8: 5. فهذهِ الآيةُ تُوَضِّحُ ذلكَ أكثرَ مِن أيَّةِ آيةٍ أُخرى. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 8: 5: "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَد..." – أيِ الأشخاصُ الَّذينَ لم يَختبروا التَّجديدَ، أوْ غيرُ المُؤمِنين. "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ". بعبارة أخرى: إنَّ الأشخاصَ غيرَ المُؤمِنينَ يُفَكِّرونَ بِعقليَّةٍ بَعيدةٍ عَنِ الخَلاص. فالأشخاصُ الجَسَدِيُّونَ يُفَكِّرونَ بطريقةٍ جَسديَّة. فَهُم يُفَكِّرونَ في الأشياءِ الدُّنيويَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الخَامِسِ: "وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ [أيِ الَّذينَ وُلِدوا مِن جَديد] فَبِمَا لِلرُّوح". فقد حَصَلتُم على ذِهْنٍ جَديد. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ السَّادِسِ: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ".

فقد حَصلتَ على ذِهنٍ جَديدٍ تَمامًا. وهذا الذِّهنُ الجَديدُ لا يَهتمُّ بالجسد، بل يَهتمُّ بالرُّوح. وهذا شَيءٌ رائع. والكلمةُ المُستخدمةُ هُنا هي "فرونيما" (phronema) ومَعناها: "عَقليَّة". فهي تَعني: طَريقة جَديدة تَمامًا في التَّفكير. فهي لا تَعني عَقلاً جَديدًا، بل طَريقةً جَديدةً في التَّفكير. ففجأةً، تَتغيَّرُ أنماطُ التَّفكيرِ الجسديَّة والبَشريَّة لَديكَ وتَصيرُ إلهيَّةً وَخارِقةً للطَّبيعة. فَرُوحُ اللهِ يَعملُ في فِكرِكَ فَيَصيرُ الذِّهنُ الَّذي كانَ قَبْلاً مُستعبَدًا وأعمَى وعَقيمًا وجَاهِلاً وأحمقَ، يَصيرُ ذِهنًا مُختلفًا تَمامًا. فهو لم يَعُد يُفَكِّرُ على المُستوى الجَسديِّ، بل يُفَكِّرُ على المُستوى الرُّوحيّ.

انظروا إلى رسالة كورنثوس الأولى 1: 30. فعندما نُفَكِّرُ في ما قَدَّمَهُ لنا المَسيحُ في الخَلاص، وفي ما أعطانا إيَّاه، وفي ما وَفَّرَهُ لنا، وفي ما مَنَحَنا إيَّاه، سَنَجِدُ أنَّهُ رائعٌ جدًّا. ولكِن لاحِظوا ما يَلي لأنَّكُم رُبَّما أَغْفَلْتُم ذلك: نَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى 1: 30: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ"؛ أيْ أنَّنا "صِرْنا بالمَسيحِ...". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا [ماذا؟] حِكْمَةً مِنَ الله". أليست هذهِ حَقيقة رائعة؟ ففجأةً صَارَتْ لنا حِكمةُ الله. والعَهدُ القَديمُ يَقولُ في المَزمور 92: 5: "مَا...أَعْمَقَ جِدًّا أَفْكَارَكَ". ففجأةً، يُمكنُنا أن نَغوصَ إلى أعماقِ أفكارِ اللهِ الأزليِّ. فقد صَارَ بِمَقدورِنا أن نُفَكِّرَ بطَرائقَ لم نُفَكِّر بها مِن قَبل. فنحنُ نُفَكِّرُ بأفكارِ الله.

افتَحوا على الأصحاحِ الثَّاني... الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 11: "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ". وهذا شَيءٌ رائع. فالوَحيدُ الَّذي يَعرِفُ الإنسانَ هُوَ رُوحُ ذلكَ الإنسان. وَهذا يَعني أنَّ الوَحيدَ الَّذي يَعرِفُ اللهَ هُوَ رُوحُ الله. وقد حَصَلْنا على رُوحِ اللهِ. لِذا، لقد حَصَلنا على المَعرفةِ الإلهيَّة. لِذا فإنَّ لَنا حِكمةَ المَسيحِ، ولَنا مَعرفةُ اللهِ الَّتي وَهَبَها لنا الرُّوحُ القُدُس.

انظروا إلى العَدد 15: "وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ". وهذهِ جُملةٌ رائعة. "وَهُوَ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. «لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا [مَاذا؟] فِكْرُ الْمَسِيح". أليسَ هذا الأمرُ رائعًا؟ فنحنُ لا نُشبِهُ الإنسانَ الطَّبيعيَّ المَذكور في العَدد 14 والَّذي لا يَعرفُ أيَّ شَيءٍ عَنِ الله، بل إنَّ تلكَ الأمورَ هي جَهالَةٌ عِندَهُ. بل إنَّنا نَعرِفُ فِكْرَ المَسيح، ونَفهَمُ الآنَ حِكمةَ اللهِ لأنَّ رُوحَ اللهِ عَرَّفَنا بأشياءٍ عَنِ اللهِ لم يَكُن بإمكانِنا أن نَعرِفَها لَولا ذلك. وَهَل تَعلَمُ، بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، أنَّكَ حَصلتَ على ذلك؟ فبولسُ يَكتُبُ الآنَ إلى مُؤمِني كورِنثوس. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ هذهِ المَجموعةَ لم تَكُن رائعةً حَقًّا. فقد كانت لديهم مَشاكِل كَبيرة كَثيرة. ولكنَّهُم على الرَّغْمِ مِن ذلكَ كانوا يَملِكونَ فِكرَ المَسيح، وحِكمةَ اللهِ، ويَحصُلونَ على الخِدمةِ التَّعليميَّةِ للرُّوحِ القُدُس.

والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ العَاشِرِ أنَّهُ بعدَ أن وَبَّخَهُم بولسُ في الأصحاحاتِ الأولى على خَطاياهُم، فإنَّهُ يُريدُ في الأصحاحِ العَاشِرِ أن يُحَدِّثَهُم عن كيفَ أنَّهُم دَنَّسُوا مَائدةَ الرَّبِّ. فَعَدا عَن جَميعِ الأشياءِ المُريعةِ الأخرى الَّتي فَعلوها، كانوا يُدَنِّسونَ مَائدةَ الرَّبِّ. ولكنِ انظروا إلى ما يَقولُهُ لَهُم في الأصحاحِ العَاشِرِ والعَدد 15: "أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ". مَا الَّذي تَقْصِدُهُ بذلكَ يا بولُس؟ مَا أُحاولُ أن أقولَهُ لَكُم هُوَ أنَّكم قد حَصَلْتُم مِن خِلالِ نِعمةِ اللهِ والخَلاصِ على الحِكمةِ الإلهيَّةِ الَّتي تُمَكِّنُكُم مِنَ التَّمييز. فيُمكنُكم أن تَفهَموا مَا أَقول. ويُمكنكم أن تُطَبِّقوه. فهكذا يَنبغي لنا أن نُفَكِّرَ تَفكيرًا مُنسَجِمًا معَ الحِكمةِ الإلهيَّةِ الَّتي وُهِبَتْ لنا في المَسيح.

ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى أهلِ كُولوسي 3: 10 أنَّ الإنسانَ الجَديدَ "يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ". بعبارةٍ أخرى، لقد حَصَلْنا على ذِهْنٍ جَديد. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثانية 10: 4: "إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ [ماذا؟] جَسَدِيَّةً". فأسلِحَةُ مُحارَبَتِنا ليست جَسديَّة، بل هي أسلِحَة رُوحِيَّة. فهي، كَما تَقولُ الآيةُ، أَسلِحَةٌ: "قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ". أليسَ هذا الأمرُ رائعًا؟ فيُمكنُنا أن نَعيشَ في العَالَمِ وأن نَستأسِرَ حَرفِيًّا كُلَّ فِكرةٍ بَشريَّةٍ للحَقِّ الكَامِنِ في المَسيح. أليسَ كذلك؟ فيُمكنُنا أن نُرغِمَها على أن تَخضَعَ لما نَعرِفُ أنَّهُ صَحيحٌ عنِ المَسيحِ، وأنَّهُ صَحيحٌ عَنِ اللهِ، وأنَّهُ صَحيحٌ عَنِ الكتابِ المقدَّس. فقد حَصَلنا على ذِهْنٍ جَديد. هل صَفَّيْتُمْ يَومًا أيَّ شَيءٍ بِمِصْفاة؟ كذلكَ، نَحنُ نَملِكُ القُدرةَ على تَصْفِيَةِ كُلِّ المَعلوماتِ في العالَمِ وَغَرْبَلَتِها. فنحنُ لَنا فِكرُ المَسيحِ أو فِكرُ الله.

لِذا فإنَّ الحَياةَ المَسيحيَّةَ هي حَياةٌ تَتَّسِمُ بالذِّهنِ الجَديد. فنحنُ لَنا ذِهْنٌ جَديد. ولكن هل يُمكِنُني أن أُشَجِّعَكُم؟ هل لاحظتَ أنَّ ذِهنَكَ يَتَّسِخُ أحيانًا؟ وهل لاحَظتَ أنَّهُ يَحتاجُ إلى تَنظيفٍ دَوْرِيٍّ؟ فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 12: 1-2 أنَّهُ يجبُ علينا لا فقط أن نُقَدِّمَ أجسادَنا ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَنا الْعَقْلِيَّةَ، بل إنَّهُ يَجبُ علينا أيضًا أَلاَّ نُشاكِلَ هذَا الدَّهْرَ، بَلْ أن نَتغيَّرَ عَنْ شَكْلِنا بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِنا، لِنَخْتَبِرَ مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ. فنحنُ بحاجةٍ دائمةٍ إلى تَجديدِ أذهانِنا... بحاجةٍ دائمةٍ إلى تَجديدِ أذهانِنا. وفي رسالة أفسُس 4: 23، يَقولُ بولُس: "تَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ". ونَقرأُ في نِهايةِ الآية 1تسالونيكي 5: 21: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَن"؛ أي: تَعَلَّمُوا أن تُفَكِّروا، وَأنعِشوا أذهانَكُم، ونَظِّفوا أذهانَكُم، وجَدِّدوا أذهانَكُم. فالأشياءُ قَذِرَةٌ في العَالَم.

ويَقولُ بُطرسُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 1: 13: "مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ". فيجبُ عليكم أن تَهتَمُّوا بأذهانِكُم، يا أحبَّائي. فهذا هُوَ ما يَقولُه. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ بولُس. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ بُطرس: اهتَمُّوا بأذهانِكُم. وقد قالَ "جون أُوين" (John Owen)، وَهُوَ كَاتِبٌ طهورِيٌّ كَبير: "إنَّهُ ذلكَ الخَيرُ الَّذي لا يَستطيعُ العَقلُ أن يَكتَشِفَهُ، ولا تَستطيعُ الإرادَةُ أن تَختارَهُ، ولا تَستطيعُ العَواطِفُ أن تَتَشَبَّثَ بِهِ". ثُمَّ إنَّ "أُوين" (Owen) يَقول: "في الكِتابِ المُقَدَّسِ، نَرى أنَّ خِداعَ الذِّهْنِ هُوَ أَصْلُ كُلِّ خَطيَّة". لِذا، يجبُ عليكم أن تَهتَمُّوا بأذهانِكُم. وهذا هو السَّببُ في أنَّنا دُعينا إلى الانضباطِ الذِّهنيِّ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كولوسي 3: 2: "اهْتَمُّوا [بِماذا؟] بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض". وَما أكثرَ ما يَقولُ بولسُ في رَسائِلِهِ: "لا أريدُ [ماذا] أن تَجهَلوا". وَهُوَ يَقولُ عَشْرَ مَرَّاتٍ في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس ورسالتِهِ إلى أهلِ رُومية: "أَلَسْتُم تَعلَمونَ...؟ أَلَسْتُم تَعلَمونَ...؟ أَلَسْتُم تَعلَمونَ...؟" وَهُوَ يَملأُ الفَراغَ دَائِمًا بِنَقصِ مَعرفتِهم. وقد كانَ يَسوعُ يَستخدِمُ عَادَةً فِعْلاً يُشيرُ إلى التَّفكير. فيجبُ علينا أن نُفَكِّرَ؛ أيْ أن نُفَكِّرَ في الأشياءِ الصَّحيحة.

وهذا ليسَ بالشَّيءِ الجَديدِ على العهدِ الجديد. فإن نَظرتُم إلى ما يُعَلِّمُهُ سِفْرُ الأمثالِ والأصحاحِ الثَّاني، سَتَرَوْنَ أنَّهُ يَقول: "يَا ابْنِي، إِنْ قَبِلْتَ كَلاَمِي وَخَبَّأْتَ وَصَايَايَ عِنْدَكَ، حَتَّى تُمِيلَ أُذْنَكَ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَتُعَطِّفَ قَلْبَكَ عَلَى الْفَهْمِ، إِنْ دَعَوْتَ الْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ. لأَنَّ الرَّبَّ يُعْطِي حِكْمَةً. مِنْ فَمِهِ الْمَعْرِفَةُ وَالْفَهْمُ". بعبارةٍ أخرى، يجبُ عليكَ أن تَجِدَّ في طَلَبِها. ويجبُ عليكَ أن تُفَتِّشَ عَنها كَما تُفَتِّشُ على الفِضَّة. ويجبُ عليكَ أن تَجْتَهِدَ لكي تَحصُلَ عليها.

وبالمُناسَبة، إن كُنتَ أمينًا في بَذْلِ أقصى جُهدٍ لَديكَ (كما جاءَ في المَزمور 119: 34)، فإنَّ اللهَ سَيُعطيكَ فَهْمًا. ولكنَّ الذِّهْنَ المَسيحيَّ انْجَرَفَ، ويا للأسَف، وَراءَ الفِكْرِ العِلمانِيِّ. لِذا فقد صَارت لدينا اليوم مَسيحيَّة لا تُفَكِّر. فهي هِستيريَّة، وَكَئيبَة، وميلودرامِيَّة. فهي لا تُفَكِّر. وهذا مُحزِنٌ حَقًّا. فنحنُ نَسألُ الأسئلةَ المَغلوطَةَ. فنحنُ نَسألُ: "كيفَ سيَجعلُني هذا الأمرُ أَشعُر؟" أو: "هَل هَذا الشَّيءُ فَعَّال؟" عِوَضًا عن أن نَسألَ: "هَل هَذا الشَّيءُ صَحيح؟" أو: "هَل هُوَ حَقّ؟" لِذا، يجبُ علينا أن نَتعَلَّمَ أن نَفْتَكِرَ في الأشياءِ الصَّحيحة.

والآن، مَا هِي هذهِ الأشياء؟ لِنَنظُر إلى نَصِّنا. فالأمرُ بَسيطٌ جدًّا. ولا أعتقد أنَّني بحاجةٍ إلى التَّعليقِ على هذهِ الأشياءِ لأنَّهُ يُمكنُكم في الحقيقةِ أن تَرَوْها بأنفسِكُم. فقبلَ كُلِّ شَيءٍ، إنَّهُ يَقول: "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ". والآن، إن أردتُم أن تَعرِفوا مَا هُوَ حَقٌّ، أينَ تَذهبونَ؟ إلى كَلِمَةِ الله. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 17: 17: "كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ". وهذا هُوَ أيضًا مَا جَاءَ في المَزمور 19: 9، والمَزمور 119: 151، إلخ، إلخ، إلخ. والحَقُّ يَكمُنُ في المَسيح (كما جَاءَ في رسالة أفسُس 4: 21). والحَقُّ يَكمُنُ في اللهِ (كما جاءَ في الرِّسالةِ الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 25). لِذا، إن أردتُم أن تَعرفوا الحَقَّ فإنَّكُم تَذهبونَ إلى كلمةِ الله. فهي مَرْكِزُ الحَقِّ ومَوطِنُه. لِذا، أن أردتُ أن أُفَكِّرَ في كُلِّ مَا هُوَ حَقٌّ، يجبُ عليَّ أن أَثْبُتَ في كلمةِ اللهِ قبلَ كُلِّ شَيءٍ، ثُمَّ في كُلِّ ما هُوَ حَقّ.

ثانيًا، إنَّهُ يَقولُ: "كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ"؛ أيْ كُلُّ ما هُوَ جَديرٌ بالاحترام، أو كُلُّ ما هُوَ شَريفٌ، أو كُلُّ ما هُوَ نَبيلٌ، أو كُلُّ ما هُوَ مُحتَرَمٌ، أو كُلُّ ما هُوَ سَامٍ؛ لا مَا هُوَ تَافِهٌ، وسَخيفٌ، ومُبْتَذَلٌ. والكلمة "جَليل" مُشتقَّة في الحَقيقة مِن لَفظةٍ تُشيرُ إلى العِبادةِ بِمَعنى: "كُلُّ مَا يَستحقُّ الاحترامَ"، أو: "كُلُّ ما يَحْظَى بالمَكانَةِ العَالِيَة"، أو: "كُلُّ ما يَحْظَى بالتَّقدير"، أو: "كُلُّ ما يَحظى بالإعجاب". فهذا هُوَ ما يَنبغي لي أن أُفَكِّرَ فيه. ثالثًا: إنَّهُ يَقولُ: "كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ". والكلمة المُستخدمةُ هُنا تَعني: "بَارّ"... "بَارّ"؛ أيْ كُلُّ ما يَنسجِمُ تَمامًا مَعَ المِعيارِ الإلهيِّ المُقَدَّسِ والأزليِّ الَّذي لا يَتغيَّر المُعلَن في الكتابِ المقدَّس. فيجبُ عليَّ أن أُفَكِّرَ في كُلِّ ما هُوَ حَقٌّ. ويجبُ عليَّ أن أُفَكِّرَ في كُلِّ ما هُوَ جَليل. ويجبُ عليَّ أن أُفَكِّرَ في كُلِّ ما يَنسَجِمُ تَمامًا مَعَ قَداسَةِ الله. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ". والكلمةُ اليونانيَّةُ "هاغنوس" (hagnos) تُشيرُ إلى الطَّهارَةِ الأدبيَّةِ وعَدَمِ النَّجاسَة؛ أيْ أنَّهُ يَجِبُ عَليَّ أن أُفَكِّرَ في كُلِّ مَا هُوَ طَاهِرٌ أدبيًّا، وَفي كُلِّ ما هُوَ طَاهِرٌ أخلاقِيًّا؛ لا أن أُفَكِّرَ في الأشياءِ الأخرى الَّتي هي نُفايَة.

ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ"؛ أيْ كُلُّ ما هُوَ مُبْهِجٌ، وَمُفْرِحٌ، وجَذَّابٌ، ورائعٌ. والكلمةُ المُستخدمةُ هُنا هي واحدةٌ مِن تلكَ الكَلماتِ الَّتي نَجِدُها هُنا فقط في العهد الجديد. فهي كلمة غير مَألوفة. وهي تَعني كُلُّ ما هُوَ حُلْوٌ أو مُنْعِمٌ أو سَخِيٌّ أو صَبورٌ. فهي قد تَعني الكَثيرَ مِنَ الأشياء. وَقد تَعني: كُلُّ ما هُوَ جَذَّابٌ أو رائعٌ. فهُناكَ طَرائقُ كثيرة مُحتمَلة لتَرجمتِها. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ". والمَعنى المَقصودُ هُنا: كُلُّ مَا تَمَّ التَّرَوِّي فيه، أو كُلُّ ما يُنْظَرُ إليهِ نَظرةَ تَقدير. فهذهِ هي الأشياءُ الَّتي يَنبغي أن أُفَكِّرَ فيها.

وهل تَعلَمونَ أينَ يُبْقيني ذلك؟ إنَّهُ يَحْصُرُني حَقًّا. أليسَ كذلك؟ فإن نَظرتُ إلى العَالَمِ، هل سأجِدُ الحَقَّ؟ وإن نَظرتُ مِن حَولي إلى العَالَمِ، هل سأجِدُ ما هُوَ جَليلٌ، وما هُوَ حَقٌّ، وما هُوَ طَاهِرٌ، وما هُوَ مُسِرٌّ، ومَا صِيْتُهُ حَسَنٌ؟ وعندما أَنظُرُ إلى التِّلفزيون، هل هذا هُوَ ما سأراه؟ وعندما أذهبُ إلى المَسرحِ، هل هذا هُوَ ما سأُشاهِدُه؟ وعندما أقرأُ كِتابًا أو مَجلَّةً، هل هذا هُو ما سأراه؟ وعندما أتحدَّثُ إلى صَديق، هل هذا هُوَ ما سأجِدُهُ؟ والنُّقطةُ هي: يجبُ عليكَ أن تَحمي ذِهنَكَ لأنَّ هذا هُوَ ما يُقَرِّرُ ما تُريد، وما تَرغب فيه. وهذا هو ما يُقَرِّرُ كيفَ سيكونُ رَدُّ فِعلِكَ تُجاهَ ما يَحدُثُ في الحَياة.

ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". وهذهِ هي الجُمَلُ الَّتي يُمكِنُنا أن نَقرأها أيضًا بالطَّريقةِ التَّالية: "حيثُ إنَّهُ توجدُ فَضيلة، وحيثُ إنَّهُ تُوجَدُ أشياءٌ تَستحقُّ المَدْحَ، أرجوكُم أن تُرَكِّزوا عَليها". أرجوكُم! فَذِهنُكَ هُوَ أعظمُ كَنْزٍ لَديكَ مِن جِهَةِ تلكَ المَواهِبِ المَوجودةِ في الحَياةِ البَشريَّة. وبِصِفَتِكَ مُؤمِنًا، فإنَّ ذِهنَكَ يَعملُ بانسجامٍ مَعَ رُوحِ اللهِ. لِذا، يجبُ عليكَ أن تَحمي ذلكَ الذِّهْن. والطَّريقةُ الَّتي تَحميهِ بها تَكْمُنُ في كيفيَّةِ تَفكيرِك. ويجبُ عليكَ أن تَحميهِ مِن كُلِّ ما قد يُؤثِّرُ فيه. فيجبُ عليكَ أن تَتجنَّبَ تلكَ الأشياءَ الَّتي تُؤثِّرُ سَلبيًّا في تَفكيرِك. فَلا يُوجَد... لا يُوجَدُ حَلٌّ سَهلٌ لذلك. ولا تُوجَد صِيغةٌ سَهلةٌ للثَّباتِ الرُّوحيِّ يُمكنُكَ أن تَحصُلَ عليها بعدَ حُضورِ أربعِ جَلساتِ مَشورة. ولا يُوجَد كُتَيِّبٌ يُمكِنُكَ أن تَكتُبَهُ وأن تَقولَ فيه: إليكُم الطَّريقة. ولا يُمكِنُكَ أن تَضَعَ الوَصفةَ في زُجاجة وأن تَقولَ للمُؤمِنينَ أن يَشرَبوا جُرْعَةً مُعيَّنَةً مِنها كُلَّ يَوم.

فالثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتَأتَّى مِنَ الحِفاظِ على السَّلامِ في الشَّرِكَة، ومِنَ الحِفاظِ على رُوحِ الفَرَح، ومِن تَعَلُّمِ قَبولِ ما هُوَ أقَلُّ مِمَّا نَستَحِقُّ، وأن نَتَّكِلَ بِثِقَةٍ أو أن يَكونَ لَدينا إيمانٌ وَاثِقٌ في اللهِ، وأن نَتجاوبَ معَ المَشاكِلِ بصَلاةِ شُكْرٍ. وهذا كُلُّهُ يَنبُعُ مِنَ التَّركيزِ على الفَضائِلِ التَّقيَّةِ الَّتي ستَبتدئُ بالهَيمنةِ على أنماطِ التَّفكيرِ لَديكَ. وهذا هُوَ ما يُنْشِئُ ذلكَ السَّلامَ والفَرَحَ والتَّواضُعَ والإيمانَ والشُّكرَ الَّذي يَجعلُ حَياتَكَ ثَابِتَةً.

والآن، لقد بَقِيَتْ نُّقطةٌ واحِدَةٌ فقط هُنا. وبولُسُ يَعلَمُ ذلك. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "انظروا! إن أردتُم مَثَلاً حَيًّا على هذا كُلِّه، انظُروا إليَّ". فهو يَقولُ في العَددِ التَّاسِع: "وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلَهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ". فسوفَ تَحصُلونَ لا فقط على سَلامِ اللهِ (كما جاءَ في العَددِ السَّابعِ)، بل سَتَحصُلونَ أيضًا على إلَهِ السَّلامِ (كما جاءَ في العَددِ التَّاسِع). فبولسُ يَقول: "سوفَ أكونُ القُدوةَ". ثُمَّ إنَّهُ يَمضي في تَقديمِ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على كيفيَّةِ تَغَلُّبِهِ على مَشاكِلِهِ، والاضطهادِ الَّذي تَعَرَّضَ لَهُ، والضِّيقاتِ، والتَّجاربِ، وكيفَ حَافَظَ على ثَباتِهِ الرُّوحيّ.

فَيَا أحبَّائي، "كَمَا شَعَرَ [أوْ: فَكَّرَ] فِي نَفْسِهِ، هكَذَا هُوَ". ويجبُ علينا أن نَتعلَّمَ أن نَحمي أذهانَنا. فَلا يُمكنُكَ أن تَتوقَّعَ مِلْءَ الفَرحِ الرُّوحيِّ والنَّفْعِ ما لم تَرغب في الأشياءِ الصَّحيحةِ لأنَّ هذا هُوَ ما يَحْفِزُ سُلوكَكَ. ورَغْباتُكَ هِيَ انعِكاسٌ مُباشِرٌ للأشياءِ الَّتي تَتأثَّرُ بها. لِذا، يا أحبَّائي، افْتَكِروا في هذهِ الأشياء. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا حتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نُقَدِّمُ لَكَ شُكرَنا وامتِنانَنا لِما عَلَّمتَنا إيَّاه في هذا الصَّباحِ بوسائلَ مُتَعَدِّدة. فقد أعطيتَنا امتيازَ الجُلوسِ عندَ قَدَمَيِّ رُوحِ اللهِ لكي نَتَعَلَّمَ. سَاعِدنا، يا رَبُّ، على أن نَفهمَ الامتيازاتِ العَجيبةَ لأن يَكونَ لنا فِكْرُ المَسيحِ، وحِكمةُ اللهِ المُعطاة لنا بواسِطَةِ رُوحِ اللهِ لكي نَعرِفَ ما هُوَ حَقّ. سَاعِدنا، يا رَبُّ، على أن نَحمي أذهانَنا، وأن نَتَعلَّمَ أن نُفَكِّرَ، وأن نُثَبِّتَ أذهانَنا على الأشياءِ المُهِمَّة. نَشكُرُكَ، يا رَبُّ، على المُستودَعِ الغَنِيِّ لِكَلِمَتِكَ، وعلى كُلِّ تلكَ الأسفارِ الكِتابيَّةِ الَّتي تُوَفِّرُ لنا بِئْرًا لا تَنْضِب مِنَ المَاءِ المُنعِشِ والصَّافي والبَارِدِ والمُرَطِّبِ الكَامِنِ في حَقِّكَ لكي نَرْتَوي حَقًّا بكُلِّ مَا هُوَ حَقٌّ، وبِكُلِّ ما هُوَ جَليلٌ، وبِكُلِّ ما هُوَ عَادِلٌ، وبِكُلِّ ما هُوَ طَاهِرٌ، وبِكُلِّ ما هُوَ مُسِرٌّ، وبِكُلِّ ما صِيْتُهُ حَسَن. وحيثُ إنَّهُ تُوجَدُ فَضيلةٌ في الحَياةِ المَسيحيَّة، وحيثُ إنَّهُ تُوجَدُ أمورٌ جَديرةٌ بالمَدْحِ، يَجِبُ عَلينا أن نُفَكِّرَ في هذهِ الأشياء. احْفَظْنا يا رَبُّ لكي نَكونَ دَائِمًا وأبدًا لِمَجْدِ اسْمِكَ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize