في هذا الصَّباح، اسمحوا لي أن أَطلب منكم أن تَفتحوا كِتابكم المقدَّس على رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل إذْ نأتي إلى دراستنا لكلمة الله. وأعترفُ لكم أنَّ الجُزءَ المُتبقِّي قليل نوعًا ما في هذا الصَّباح. فقد اقتربنا جدًّا مِن إنهاء دراستنا في الأسبوع الماضي للآيات 3-8. وكنتُ أَعتزِم القيام بذلك، ولكنِّي لم أتمكَّن مِن إنهاء النُّقطة الأخيرة. لذا، خِلافًا لكلِّ ما تَعلَّمتُه طَوال حياتي عن الوعظ، سوف نَتحدَّث بصورة رئيسيَّة عن نقطةٍ واحدة فقط اليوم ونحاول أن نُلخِّص كلَّ شيء ذَكرناه خلال الأسبوعين الماضيين عن هذا النَّصِّ العظيم جدًّا.
كما قُلنا عندما ابتدأنا دراستنا لرسالة فيلبِّي، فإنَّ الرَّسول بولس في السِّجن. وهو يَحتمل ظروفًا قاسيةً جدًّا، لا فقط مِن جهة الحِرمانِ الجسديِّ، ولا فقط مِن جهة الحرمان المُختصِّ بالخدمة لأنَّه كان قد خسر حُريَّته في السَّفر، بل أيضًا مِن جهة الحرمان الاجتماعيِّ إذ إنَّه حُرِمَ مِن الأشخاص الَّذينَ يُحبُّهم. ثُمَّ إنَّه تَعرَّضَ لهجومٍ مُجْحِفٍ وَضَارٍ مِن أشخاصٍ يُسَمُّون اسم المسيح ولكنَّهم ينشرون إشاعاتٍ تقول إنَّه مسجون لأنَّ الرَّبَّ وَضَعَهُ على الرَّفِّ لأنَّه أَخفقَ بطريقةٍ ما في خدمته. فقد كان وقتًا عصيبًا بالنِّسبة إليه مِن جهة الأحوال القاسية في هذا السِّجن الأوَّل الَّذي أكَّدنا لكم أنَّنا نؤمن بأنَّه كان في روما. ولكن بالرَّغم من هذا كُلِّه فإنَّه يُعبِّر عن فرحه في كلِّ هذه الرِّسالة.
أمَّا مُناسبة كتابة هذه الرِّسالة فهي أنَّه عندما كان في السِّجن تَسَلَّمَ تَقدمة محبَّة مِن مؤمني فيلبِّي. وكان حاملُ تلك العطيَّة هو رَجُل يُدعى أَبَفْرُودِتُس. فقد جاء يَحمل المال لمساعدة بولس بعد أن أُعطيَ تعليماتٍ بالبقاء مع بولس لكي يخدمه لا فقط بطريقة ماديَّة، بل أيضًا بطريقة شخصيَّة. وقد غُمِرَ بولس بمحبَّة مؤمني فيلبِّي وعاطفتهم فَكتبَ هذه الرِّسالة إليهم لكي يُعبِّر لهم عن محبَّته، ولكي يُعبِّر لهم عن اهتمامه بأن يُحافظوا على الوَحدة الَّتي كان يَعلم أنَّهم يَمتلكونها، ولكي يُعبِّر لهم عن حقيقة أنَّه فَرِحٌ بالرَّغم مِن أحواله السَّلبيَّة، وأيضًا لكي يُرسل إليهم أَبَفْرُودِتُس ثانيةً لأنَّه يَشعر أنَّهم يحتاجون إليه أكثر مِن حاجته هو إليه.
لِذا فإنَّها رسالة فَرَح. فهي رسالة تقول مِن جِهَة: "لا تَقلقوا عَليَّ، أنا فَرِح. لا تَقلقوا عَليَّ، أنا بخير. فالله يَعمل، ولا يمكن لأيِّ شيءٍ أن يَمَسَّ أعماق فَرحي، ولا حتَّى أقسى أحوالٍ سَلبيَّة". لِذا، بالمعنى الحقيقي، هذه رسالة فَرَح. وهي تُعبِّر عن المحبَّة إلى مؤمني فيلبِّي الَّذينَ تربطهم علاقة حَميمة جدًّا ببولس. فقد أرسلوا إليه في مُناسبات عديدة تَقدمات ماليَّة في وقتٍ لم يُرسل فيه أيُّ شخصٍ أيَّ شيءٍ إليه. فقد كان يوجد رِباطٌ يَربط قلبَه بقلوبهم بطريقة مُختلفة عن أيَّة كنيسة أخرى. لِذا فإنَّه يَكتب إليهم عن عاطفته، وعن فَرحه، ويُقدِّم إليهم مجموعةً مِن تعليماته، ويُشجِّعهم أيضًا.
وإذا نَفتح الرِّسالة ونَجِد تَحيَّتَه الافتتاحيَّة، نُلاحظ أنَّها تحوي عناصر الفَرح. لننظر إلى العدد الثَّالث: "أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ، لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ. وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ. فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيح".
في تلك الآيات، يُعبِّر بولس عن جوانب أو عناصر فَرحه. ومع أنَّ الكلمة "فَرَح" مَذكورة مَرَّة واحدة فقط (في العدد الرَّابع)، فإنَّ كلَّ شيءٍ يرتبط ارتباطًا وثيقًا معًا حتَّى إنَّه مِن الواضح لأيِّ قارئ أنَّ الموقف السَّائد في كلِّ ما يقول في الفِقْرة الافتتاحيَّة هو تُعبير عن الفرح. فهو مُبتهِج. وفَرَحُهُ، بكلِّ تأكيد، هو فَرحُ الرَّبِّ الَّذي أَنشأه فيه الرُّوح القُدُس. ولكنَّه يَتعاظَم عندما يُفكِّر في العلاقة الَّتي تربطه بمؤمني فيلبِّي. لذا فإنَّنا نتحدَّث عن الفرح.
بينما كنتُ أقرأ الكتاب المقدَّس في هذا الأسبوع، وأُفكِّر في ما يمكنني أن أُشاركه معكم مِن خلال مشاركة أفكارنا هنا، صَادفتُ مجموعةً مِن الآياتِ في أثناء قراءتي تُعبِّر عن موضوع الفَرح هذا بمُجمله مِن زاوية معكوسة. فقد كُنَّا نتحدَّث عن حقيقة أنَّ الله يريد أن يُنشئ فينا فَرحًا، ولكنَّ الكتاب المقدَّس يُعلِّم أيضًا أنَّنا نَمتلك القدرة على أن نُدخِلَ إلى قلبِ اللهِ سُرورًا. وهذه فكرة مُدهشة. فليس مِن العجيب جدًّا أن نَبتهج نحن الخطاة بنعمة إلهنا القدير وغير المحدود والقدُّوس، ولكن مِن العَجيبِ إلى حَدٍّ ما أن نَعلم أنَّ إلهَنا غير المحدود والقدير والقدُّوس يَفرح بنا؛ ولكنَّه يَفرح! واسمحوا لي أن أَذكُر لكم الأشياءَ التي تَجعل اللهَ يَفرح بكم وبي:
أوَّلاً، في إنجيل لوقا والأصحاح 15، لَعلَّكم تَذكرون مَجموعة الأمثال الرَّائعة المذكورة فيه. وفي العدد 7، يقول رَبُّنا: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا..." – وهذا مَثَل العُثورُ على الخروف الضَّالّ. "... إنَّه هكذا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ". فنحن نَرى هنا أنَّه يكون فَرح في السَّماء بالتَّوبة. ونقرأ في العدد 10: "يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ". والآية لا تتحدَّث عن حقيقة أنَّ الملائكة أنفسَهم يَفرحون بقَدر ما تتحدَّث عن أنَّه يكون فَرح قُدَّام الملائكة. وهذا يَقودني إلى التَّفكير بأنَّه فَرح الله. لذا فإنَّ أوَّل شيء أقوله لكم هو أنَّ الله يَفرح عندما نَتوبُ أنا وأنتم.
ثانيًا، في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 11: 5 و6، نَقرأ فكرةً أخرى عن الأشياء الَّتي تَجعل اللهَ يفرح. فنحن نقرأ في الأصحاح 11 والعدد 5: "بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ" [أو: "أَبْهَجَ قلبَ الله"]. ثُمَّ نقرأ في العدد 6: "وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ". إذًا، يمكننا أن نقول [ثانيًا] إنَّ الإيمانَ يُرضي الله، أو إنَّ الإيمانَ يُسِرُّ قلبَ الله. فإيمانُنا به يُفرحه.
ونقرأ في المزمور 147، أي في نهايةِ سِفْر المزامير تقريبًا، وتحديدًا في العدد 11: "يَرْضَى الرَّبُّ بِأَتْقِيَائِهِ". فالربُّ يُسَرُّ سُرورًا خاصًّا بالَّذينَ يَتَّقونَه. ولنفترِض أنَّ ذلك يعني العبادة بأصدق وأنقى معانيها: السُّجود. إذًا، كيف يمكننا أن نَجعل اللهَ يَفرح؟ بأن نَتوب عن خطايانا، وبأن نُؤمِن به، وبأن نَعبدَهُ ونَسجد له. وفي سِفْر الأمثال 15 والعدد 8، نَقرأ ما يلي: "ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ"، ثُمَّ ما يلي: "وَصَلاَةُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَرْضَاتُهُ". فواحدٌ مِن الأشياء الأخرى الَّتي تُسِرُّ قلبَ اللهِ هو الصَّلاة أو شركتنا معه. ففي سِفْر أخبار الأيَّام الأوَّل 29 (وَهُوَ الأصحاح الأخير في هذا السِّفر) والعدد 17، نَقرأُ ما يلي: "وَقَدْ عَلِمْتُ يَا إِلهِي أَنَّكَ أَنْتَ تَمْتَحِنُ الْقُلُوبَ وَتُسَرُّ بِالاسْتِقَامَة" – "وَتُسَرُّ بالاستقامة". فنحن نُسِرُّ قلبَ اللهِ مِن خلال التَّوبة، والإيمان، والسُّجود، والصَّلاة، والبِرّ أو الاستقامة.
وهناك أيضًا جُملة في سِفْر الأمثال والأصحاح 11 (أعتقد أنَّه العدد 20)، وهي جُملة تُدَعِّم أفكارَنا إذ تقول: "وَرِضَاهُ مُسْتَقِيمُو الطَّرِيق". الاستقامة – لا فقط السُّلوك البارّ، بل أيضًا الشخصيَّة المُستقيمة. ثُمَّ ربَّما تَذكرون الآيات مَتَّى 25: 21 و 23 في مَثَل رَبِّنا إذْ يقول: "اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ". وهذا في اعتقادي هو فَرَحُ الرَّبِّ بعبده الأمين.
لذا، يمكننا نحن المؤمنون أن نُفَرِّح قلبَ الله مِن خلال التَّوبة، والإيمان، والسُّجود أو العبادة، والصَّلاة، والسُّلوك البارّ، والشخصيَّة المستقيمة، والخدمة الأمينة. فهذه الأشياء تَجعل الله يَفرح بنا. ويا لها مِن فكرة مدهشة! فكم بالحَرِيِّ إذًا توجد لدينا أسباب تدعونا في حالتنا الخاطئة والضَّعيفة والعاجِزة إلى الفرح بالله الَّذي يُحبُّنا كلَّ هذه المحبَّة؟ فلا يجوز أن نعيش مِن دون فرح. ولا يجوز لنا أَلاَّ نَبتهِج. فلا يجوز أن تكون هناك أوقات في حياتنا لا نَتمتَّع فيها بثمر الرُّوحِ الَّذي هو فَرَح.
والآن، لَعلَّكم تَذكرون ما قلته لكم بأنَّ الفرح الروحيَّ لا يَقترن بالأحوال. فالفرحُ الرُّوحيُّ يَختلفُ أحيانًا تمام الاختلاف عن السَّعادة المُقترنة بما يَجري، أو بالمجريات، أو بالصُّدفة، أو بالوقائع، أو بالأحداث. فالفرحُ الرُّوحيُّ هو هِبَة مِن الله. أتذكرون التَّعريف؟ التَّعريفَ اللاَّهوتيَّ الَّذي قَدَّمتُه لكم؟ الفرحُ الرُّوحيُّ هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذينَ يؤمنون بالإنجيل، ويَنشأ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس لأنَّهم يؤمنون بكلمة الله ويطيعونها، وَهُوَ فَرحٌ مُمتزِجٌ بالتَّجارب ويُثَبِّت رجاءَهُم على المجدِ الأبديّ. هذا هو لاهوت الفرح الرُّوحيّ. لذا، يمكننا نحن الَّذينَ آمَنَّا أن نَختبر ذلك الفرح حين نَسلُك في الرُّوح. وقد تحدَّثنا عن ذلك.
والآن، نأتي إلى نظرتنا الأخيرة إلى هذا المقطع الصَّغير بخصوص عناصر الفَرح. فقد تحدَّثنا عن فَرح الذِّكريات في العدد 3؛ أي فَرح بولس بالذِّكريات الحُلوة الَّتي كان يَختزنها في عقله. وقد تحدَّثنا عن كيف أنَّ الرُّوح القُدُس لديه طريقته الخاصَّة في محو شريط الذِّكريات السَّلبيَّة، وكيف أنَّ القلب المُتوافق مع الرُّوح يَرى النَّاس عادةً ويتذكَّر أمورًا تَدعوه إلى الفَرح. ثُمَّ إنَّنا تَحدَّثنا عن فَرح الصَّلاة الشَّفاعيَّة وكيف أنَّ صلواته وطلباته لأجلهم كانت سَببًا في مَزيدٍ مِن الفرح له أكثر مِن أيِّ شيءٍ في حياة الصَّلاة لديه. فأعظمُ فَرحٍ لديه، إن جاز القول، هو الصَّلاة لأجلهم، لا الصَّلاة لأجل نفسه. وقد تحدَّثنا عن فَرح المشاركة في العدد 5، وكيف أنَّه كان فَرِحًا بحقيقة أنَّهم كانوا خُدَّامًا شُركاء له، أي شُركاء في نشر الإنجيل. فمنذ اليوم الأوَّل، عندما اهتدت ليديَّة على ضَفَّة النَّهر في فيلبِّي، إلى هذا الوقت، كانوا شُركاء حقيقيِّين في الخدمة ومَصدر فَرح.
ثُمَّ إنَّنا تحدَّثنا في المَرَّة السَّابقة عن فَرح التَّرقُّب وكيف أنَّه كان فَرِحًا في العدد 6 بما سيَصيرون عليه. وقد تحدَّثنا عن أهميَّة ذلك في الكنيسة إذ ينبغي لنا أن نُركِّز أذهاننا على ما ستؤولُ إليه الكنيسة. فإن نَظرنا نَظرةً فاحصة جدًّا وطويلةً جدًّا إلى الكنيسة في صورتها الحاليَّة، سنفقد فَرَحنا. أمَّا إذا نَظرنا إلى ما سَتؤولُ إليه الكنيسة سيكون لدينا سَببٌ عظيمٌ يدعونا إلى الفَرح.
والآن، هذا يقودنا إلى النُّقطة الأخيرة في مُخَطَّطِنا الصَّغير وهي: فَرح العاطفة. فبولس اختبرَ ذلك الفرح الَّذي يَنبع مِن قلب شخصٍ مُحِبٍّ يُكِنُّ عاطفةً عميقة. وهذا فَرحٌ مُتأجِّجٌ وغنيٌّ ورائع. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّه يمكننا أن نَطرح السُّؤال فيما إذا كان يوجد تعبير أعظم عن الفرح مِن فَرح العاطفة؟ فهل هناك أيُّ شيء يُفَرِّح القلب أكثر مِن فَرح المحبَّة؟
العدد 7: "كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ. فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فقد كان قَلبه يَتدفَّق عند تلك النُّقطة. فهو فَرح مُتعاظِم تقريبًا. فقد ابتدأ يَفرح في كُلِّ مَرَّة يَتذكَّرهم فيها، ثُمَّ كان يَفرح بحقيقة أنَّه كان باستطاعته أن يُصلِّي لأجلهم، ثُمَّ كان يَفرح بسبب مشاركتهم، ثُمَّ كان يفرح بما سَيؤولون إليه. ثُمَّ إنَّه يَختم ذلك بالقول: "وخُلاصةُ الأمر هي أنِّي أحفظُكم عميقًا جدًّا في قلبي وأهتمُّ جدًّا بكم حتَّى إنَّ فرحي يَتدفَّق بسبب محبَّتكم العميقة".
وبصورة مُحدَّدة، هناك عناصر في العدد 7 مُهمَّة بالنِّسبة إلينا. "كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي بسبب ما فَعلتُموه لأجلي". فلأنَّكم كُنتم طَيِّبين جدًّا معي، وجدتم مكانًا عميقًا في قلبي. وَمِن الحَقِّ وحسب أن أشعر بهذه المشاعر نَحوكم. فقد كان مُرهَفَ الحِسِّ تُجاه ما هو حَقّ ("ديكايون" – “dikaion” باليونانيَّة). وهي كلمة تُشيرُ لا فقط إلى ما هو مُتوقَّع، أو ما هو مُتعارَف عليه، أو ما هو لائق. فهو حَقّ. إنَّه حَقٌّ مِن النَّاحية الأخلاقيَّة، وَهُوَ حَقٌّ قُدَّام الله، وَهُوَ أمر يُكرم الله، وَهُوَ يُعبِّر عن الامتنان. فهذه هي الطريقة الَّتي ينبغي أن أتجاوب فيها معكم.
فقد كان بولس يَملِك إحساسًا مُرهفًا بالحقّ. وقد كان رَجُلاً مُلتزمًا بما هو حَقٌّ قُدَّام الله. وَهُوَ لم يكن يُطالب بجائزة بسبب عاطفته، ولم يكن يَتوقَّع منهم أن يُرَبِّتوا على ظَهره، ولم يكن يَخدم نفسه أو يُعاملهم بِتَرَفُّع، بل إنَّه يتحدَّث بلهجة توكيديَّة: "كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ بسبب كلِّ ما فَعلتموه. فأنا لا أفعل شيئًا سوى الصَّواب". وهناك تواضُع حتَّى في ذلك التَّعبير. "مِنَ الحَقِّ... [كما يقول] أن أشعر بهذه الطَّريقة؟" أيَّة طريقة؟ أن أشعر بالامتنان [في العدد 3]، وبالفرح [في العدد 4]، وأن أشعر بالثِّقة [في العدد 6]. فمِنَ الصَّواب أن أفتكر بما أفتكر به مِن جهتكم".
وما مَعنى "أن أَفتَكِر"؟ إنَّه يَستخدم الفعل اليونانيَّ "فرونين" (phronein) ومعناه في الأصل: "يُفَكِّر" – يُفَكِّر. وهذا اللَّفظ يُستخدم بصورة رئيسيَّة لوصفِ شيءٍ يَكمُن في الفِكر أو الموقف. فالأمر أعمق مِن مُجرَّد إدراكٍ مَعرفيّ. وأودُّ أن أقول إنَّ أفضل طريقة لترجمة هذه الكلمة هي: "أَكْتَرِث" في هذا السِّياق. وبالمناسبة، إنَّه يُحبُّ أن يَستخدمَ هذه الكلمة في رسالة فيلبِّي. فهو يستخدمها مَرَّتين في الأصحاح الثَّاني، ومرَّتين في الأصحاح الثالث والعدد 15، ومَرَّة في الأصحاح الثَّالث والعدد 19، ومَرَّة في الأصحاح الرابع والعدد الثَّاني، ومَرَّتين في الأصحاح الرَّابع والعدد 10.
فهو يُحبُّ أن يَستخدم هذه الكلمة. فهي تُعبِّر عن موقفٍ قلبيٍّ يَدُلُّ على الاكتراث. وهذا هو حقًّا ما يقول. فهو تَصَرُّفٌ نابعٌ من الفكر. أجل! ولكنَّه تَصرُّف نابع مِن الفكر ويُلامس المشاعر. لذا فإنَّني أُحبُّ الكلمة "أَكْتَرِث". فهو يقول: "يَحِقُّ لي وحسب أن أَكترِث بكم. فهذا حَقّ لأنِّي أَحفظكم في قلبي. فأنا أشعر بما أشعر به لأنِّي حافِظُكُم في قلبي. فأنا أَحفَظُكم في قلبي". وما الَّذي يعنيه بذلك؟ إنَّه يعني: "أنا أُحبُّكم" بصورة جوهريَّة. أنا لديَّ عاطفة عميقة مِن نحوكم. وهو يقول في رسالة كورنثوس الثَّانية 7: 3: "لاَ أَقُولُ هذَا لأَجْلِ دَيْنُونَةٍ، لأَنِّي قَدْ قُلْتُ سَابِقًا إِنَّكُمْ فِي قُلُوبِنَا، لِنَمُوتَ مَعَكُمْ وَنَعِيشَ مَعَكُمْ". بعبارة أخرى، فإنَّ الرَّجُلَ يقول: "أنتُم جُزءٌ مِنِّي. أنتُم اللُّحْمَةُ والسَّدَاةُ الَّتي تُشَكِّلُ أعماقَ كِياني. أنا أحفظكم في قلبي".
وربَّما يوجد أشخاص كذلك في حياتك. فَهُم موجودون حتَّى لو في العقل الباطِن. وَهُم يَطْفَوْنَ على السَّطح كثيرًا - في أفكارك، وفي عواطفك. فأنت تُفكِّر فيهم، وتَتذكَّرهم، وتُصلِّي لأجلهم. وقد تَمُرُّ أوقات طويلة دون أن تَراهُم فيها أو تتحدَّث فيها إليهم، ولكنَّك تَحفظهم في قلبك. فهناك شيء في حياتك يربط بطريقة مُعقَّدة بينك وبينهم، وأنت تَحفظهم في قلبك. فَهُم موجودون في أعماق كِيانِك – في الأعماق. وهذا هو ما يقوله بولس. أنا أحفظكم في قلبي.
وما الَّذي يعنيه "في قلبه؟" إنَّه يتحدَّث وحسب عن أعماق كِيانه. فالقلبُ هو ببساطة مَركِز الفكر والمشاعر. فلا يمكنك أن تتكلَّم كلامًا اصطلاحيًّا جدًّا عندما ترغب في التَّحدُّث عن القلب في الكتاب المقدَّس لأنَّه يُستخدم بطرق كثيرة مُختلفة؛ ولكن بصورة أساسيَّة، عندما يقول سِفْر الأمثال 4: 23: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاة"، فإنَّه يتحدَّث وحسب عن الإنسان الدَّاخليِّ، أي عن أعماق كِيانك. "أنا أحفظكم عميقًا في داخل كِياني".
فمثلاً، في الكتاب المقدَّس نَستخدم القلب للإيمان (أعمال الرُّسُل 8: 37). ونحن نَستخدم القلب في العبادة إذ إنَّنا نَعبُد الربَّ مِن كُلِّ قلوبنا (سِفْر التَّثنية 11: 13). ونحن نَستخدم القلبَ للطَّاعة (سِفْر التَّثنية 26: 16). ونحن نَستخدم القلب للاتِّباع (سِفْر المُلوك الأوَّل 2: 4). ونحن نَستخدم القلب للاتِّكال: "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ" (أمثال 3: 5). ونحن نَستخدم القلب للحُبّ: "تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ مِن كلِّ قَلبِك". ونحن نَستخدم القلبَ حتَّى للتَّعبير عن عَمَل مشيئة الله: "عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْب" (كما تقول رسالة أفسُس). ونحن نَستخدم القلب للعبادة (رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّالث). فهو مَركِز كِيانِنا، وأفعالِنا، وأفكارِنا، ومشاعرِنا.
لِذا فإنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنَّه يجب عليك أن تَمتلك قلبًا نَقيًّا (كما جاء في المزمور 51: 10)، وإنَّه يجب عليك أن تَمتلك قلبًا مُطيعًا (كما جاء في المزمور 119: 36)، وإنَّه يجب عليك أن تَمتلك قلبًا عابدًا (كما جاء في المزمور 86: 11)، وإنَّه يجب عليك أن تَمتلك قلبًا مُحبًّا (كما جاءَ في إنجيل مَتَّى 22: 37 ومَواضِع أخرى). فالقلبُ هو عُمْقُ كِيانِك. وما يقوله بولس هو: "أنتُم موجودون في أعماق كِياني. أنتُم جُزءٌ مِن حياتي". وهذا أمرٌ جميل. وفي كلِّ مَرَّة خَطروا فيها في فِكره، امتلأَ فَرحًا. وقد كان هذا هو فَرح الأحشاء. فقد أحبَّهم. وقد كانت تلك المحبَّة هي الَّتي أَنشأت ذلك الفَرح. وتلك هي المحبَّة الَّتي تَسْتُر كَثْرةً مِن الخطايا وتَتغاضَى عن الضَّعَفات.
وكما أَشرتُ، أعتقد أنَّه كان يوجد في كنيسة فيلبِّي مَواطِنُ ضَعْف. فقد كانوا بَشرًا. وأعتقد أنَّهم ربَّما كانوا يُعانون مشكلةً في الوَحدة؛ وهذا شيء يَذكره في كلِّ أصحاحٍ تقريبًا في هذه الرِّسالة تحديدًا. وأعتقد أنَّه كانت هناك أمورٌ تَدعو إلى القلق. ولا أعتقد أنَّه كانت توجد قضايا جَسيمة، ولكنَّهم لم يكونوا كامِلين. ولكنَّ هذه المحبَّة العميقة لهم كانت تَجعله يَتغاضَى عن كلِّ تلك الأمورِ نَوعًا ما ويَقفِز فَرَحًا – إنَّه فَرح العاطفة. ومِن الرَّائع أن تَختبروا ذلك. وقد كان بولس يَختبره عندما كان يُفكِّر في مؤمني فيلبِّي.
وما الشَّيءُ الَّذي أدَّى إلى ذلك الفرح. لقد قال: "لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ". إنَّ السَّببَ يَكمُن في اشتراكِكُم في حياتي. فهذا هو ما يَجعلكم أعِزَّاء جدًّا عندي. فالسَّببُ يَكمُن في مَعزَّتِكُم عندي. ففي سِجني (وكما قُلتُ، لقد كان مسجونًا هنا في روما)، كانوا مُتعاطفين معه وأرسلوا إليه مالاً، وأرسلوا إليه أَبَفْرُودِتُس، وأَوصَوْا أَبَفْرُودِتُس بأن يبقى معه. وكان أَبَفْرُودِتُس حَريصًا جدًّا على تَحقيقِ طلباتهم حَتَّى إنَّه كاد أن يَموت مِن فَرط التَّعَب. فقد قارَبَ الموتَ في الأصحاح الثَّاني والعدد 30 إذ نَقرأ إنَّه مِن أجل عمل المسيح خاطَرَ بحياته "لكي يَجْبُرَ نُقْصَانَ خِدْمَتِكُمْ لِي".
وهذا مُدهش! فقد كان مؤمنو فيلبِّي هؤلاء يُحبُّون بولس محبَّة عميقة جدًّا حتَّى إنَّهم أرسلوا هذا الرَّجُل. وقد حَملَ هذا الرَّجُل محبَّتهم لبولس في قلبه بطريقة عظيمة جدًّا حتَّى إنَّه كاد يموت وَهُوَ يَفعل لأجل بولس ما أرادوا منه أن يفعله. إنَّه تكريسٌ عميقٌ جدًّا جدًّا. وقد كان هذا هو الشَّيء الَّذي جَعلهم أعزَّاء جدًّا عند بولس. وهذا أمر لا يَصعُب جدًّا استيعابُه. فعندما يُحبُّك النَّاسُ هكذا فإنَّهم يجدون مكانًا في قلبك. أليس كذلك؟ بكلِّ تأكيد يَجدون مكانًا. أنتُم "فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عنِ الإنجيلِ..." ("أبولوغيا" – “apologia”) "...وَتَثْبِيتِهِ" ("بيبيايوسيس" – “bebaiosis”)، وَهي كلمة تُشير إلى كَفالة شيءٍ ما. وكلتاهُما لفظتان قانونيَّتان تُستخدمان في المحكمة. في وُثُقي وفي المُحاماةِ عنِّي، كُنتم هناك ووقفتم معي في دفاعي عن الإنجيل. فسواء كنتُ في السِّجن، أو كنتُ ماثِلاً أمام القُضاة، أنتم شُرَكَائِي فِي النِّعْمَة.
إنَّ حديثَهُ عن وُثُقِهِ واضح، ولكن ما قَصَدَهُ بقوله "وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ" قد يُشيرَ تحديدًا إلى المرحلة الأولى مِن مُحاكمته (الَّتي انتهت بسجنه)، وإلى المرحلة الثَّانية القادمة (الَّتي كانت قد تُؤدِّي إلى إعدامه، ولكنَّها انتهت بإطلاق سراحِه، على الأقلِّ في هذه المَرَّة إلى أن سُجِنَ لاحقًا وتَمَّ إعدامُه). فربَّما كان يتحدَّث عن ذلك. وربَّما كان يتحدَّث عن الدِّفاع الأشمَل عن الإنجيل وعن تَثبيت الإنجيل الَّذي كان جُزءًا مِن خِدمَتِهِ كَكُلّ.
وفي كلتا الحالتين فإنَّه يقول: لقد وقفتم إلى جانبي، وقد كنتم شُركاء في نفس تلك النِّعمة الَّتي كانت تُقوِّيني. لقد وقفتم معي، ولم تَستحوا بي، ولم تخافوا مِن الاقتران بي، ولم تخافوا مِن الثَّمن أو النَّفَقة. وقد أَعنتموني وكنتم "سُونكوينونوس" (synkoinonos)، كُنتم جميعًا شُركائي في تلك النِّعمة الَّتي كانت تُقوِّيني. وقد خَفَّفتُم أَلمي. وقد تعاونتم معي في الدِّفاع عن الإنجيل، وأظهرتم الاستعداد لاحتمال الألم. لِهذا أحفظكم في قلبي. ولهذا يَقفز قلبي مِن شدَّة الفرح.
ثُمَّ إنَّه يُشيرُ إلى تلك العاطفة مِن خلال شيءٍ مُعبِّرٍ جدًّا جدًّا في العدد 8: "فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي" كما يقول. وهو يَستخدم تلك الكلمات في مناسبات عديدة عندما يُريد أن يؤكِّد شيئًا خارج نِطاقِ الشَّكّ. فهو يَطلب مِن الله أن يَشهَد على صِحَّة موقفه القَلبيّ. إنَّه يتعامل هنا مع شيءٍ لا يستطيع النَّاس أن يَروه. فَهُم لا يستطيعون أن يَروا قَلبه. وَهُم لا يستطيعون أن يَروا عاطفته. لِذا فإنَّه يريد منهم أن يَفهموا صِدْقَ مشاعِره فيقول: "فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي. فاللهُ يستطيعُ أن يَراه. اللهُ هو الوحيد الَّذي يَستطيع أن يُصادِقَ على صِحَّة ما أقول. فأنا أَتوقُ إليكم. أنا أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُم".
وَهُوَ يُحبُّ أن يَتكلَّم بصيغة الجَمع". أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ" (في العدد 3). "مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَح". فقد كان جميع هؤلاء الأشخاص سَببًا في فَرَحِه. وَهُوَ يُعبِّر عن ذلك. أنا أشتاقُ إلى جَميعكم. والكلمة المُستخدمة هنا تَعني: "يَتوق". فهي تَحمل مَعنى القَلب المُشتاق والمُتلهِّف جدًّا. وَهُوَ يَستخدمها في الأصحاح الثَّاني والعدد 26 عندما يتحدَّث عن أَبَفْرُودِتُس لأنَّه "كَانَ مُشْتَاقًا إِلَى جَمِيعِكُمْ وَمَغْمُومًا، لأَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا". إنَّهم مجموعة مُحِبَّة! فها هو هذا الرَّجُل يَذهب ليكون مع بولس، ولكنَّه يَمرض. وقد قَلِقَ مؤمنو فيلبِّي كثيرًا بسبب مرضه حتَّى إنَّهم حَزنوا. وقد حَزِنَ هو أيضًا لأنَّهم حَزنوا وكانَ مُشتاقًا إليهم. وقد حَزِنَ بولس جدًّا لأنَّه حزين على حُزنهم لأنَّه كان مريضًا حتَّى إنَّه أرسله إليهم ثانيةً.
وأنا أقول لكم إنَّهم أُناسٌ مُحبُّون. فقد كان هؤلاء الأشخاص مُرتبطين حقًّا بعضُهم ببعض. وهو يَستخدم مَرَّةً أخرى في الأصحاح الرَّابع والعدد 1 نفسَ الفِعل إذ يقول: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ وَالْمُشْتَاقَ إِلَيْهِمْ، يَا سُرُورِي وَإِكْلِيلِي". فهو يُحبُّهم. فهو يَدعوهم "إخوتي الأحبَّاء". فقد كانوا يَتمتَّعون بعلاقة رائعة – رائعة. وهو يقول: "إليكم عُمق هذه المحبَّة: أنا أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهي محبَّة خارقة للطَّبيعة وليست طبيعيَّة. فهي أحشاءُ يسوعَ المسيح. فهي ليست انجذابًا بشريًّا عاديًّا، بل هي أعمق بكثير مِن ذلك. فهي مُعطاة مِن المسيح إلى الأشخاص الَّذينَ يَنتمون إلى المسيح. وهي محبَّة الله الَّتي انسكبت في القلب. وهي المحبَّة الَّتي هي ثمر الرُّوح: "محبَّة، فَرح..." (كما جاء في بداية اللاَّئحة في رسالة غلاطيَّة 5: 22). فهو يقول: "أنا أُحبُّكم، وأنا أشتاقُ إليكم بعاطفة يسوعَ المسيح. وهي عاطفة خارقة للطَّبيعة. فهي أحشاء المسيح. وَهُوَ اشتياقٌ عميق.
ومِن المدهش أن ننظر إلى الكلمة "أحشاء". فقد اختارَ مُترجمو التَّرجمة الأمريكيَّة الجديدة الكلمة "عاطفة" في حين أنَّ التَّرجمة المُعتمدة القديمة تقول: "أحشاء". والكلمة "سبلانغنون" (splagchnon) في اللُّغة اليونانيَّة تُشير في الأصل (في اعتقادي) إلى منطقة الأعضاء الداخليَّة الطَّريَّة في الجسم. وهي لفظة مدهشة. وبالمناسبة، إنَّها أقوى كلمة في اللُّغة اليونانيَّة للتَّعبير عن المحبَّة الشَّغوفة. فعندما أرادوا حَقًّا أن يُعبِّروا عن العاطفة، كانوا يقولون: "أُحِبُّكَ في أحشائي". جَرِّب ذلك عندما تُرسل إلى أحدهم بطاقة مُعايدة - "أحشاء". ويقول واحد مِن القواميس إنَّها تُشير إلى الأجزاء الداخليَّة الطَّريَّة مِن الجسم حيثُ يَشعر الإنسان بالمشاعر.
فهذا الجزء مِن جسدك حيث توجد جميع أعضائك الدَّاخليَّة يتجاوب مع مشاعرك. فلا جِدالَ في ذلك. فإن انفعلتَ كثيرًا، ستشعر بذلك في رئتيك ويَضيقُ ماذا؟ نَفَسُك. وإذا انفعلتَ فإنَّ قلبكَ يَبتدئ في الخفقان. وإذا نظرتَ إلى شخصٍ تُحبُّه فإنَّ قلبكَ يَبتدئ في الخَفقان وتَتغيَّر نبضات قلبك. وإن عِشتَ أحوالاً ضاغِطة، وانفعلتَ مِن الدَّاخل، ستشعر بانقباضٍ في مَعِدتك فتبتدئ مَعِدَتُك بإرسال إشارات. فهذا الجزء مِن جسمك يتفاعل بطريقةٍ ما مع العواطف العميقة. وهذا هو المعنى الَّذي تُشير إليه هذه الكلمة. فهي مُعبِّرة جدًّا. وما يقوله بولس هو: كلُّ شيءٍ فِيَّ، حتَّى جسدي الماديّ، مُشتاقٌ إليكم. فعندما أُفكِّر فيكم تَتسارع نبضات قلبي قليلاً، وتَقصُر أنفاسي، وأشعر بذلك في مَعِدتي لأنِّي أشعر بمشاعر عميقة مِن نحوكم.
وهذا صحيح. وهل مِن سببٍ آخر يَدفع رَجُلاً إلى الصَّلاة مِن أجل أشخاصٍ آخرين هكذا نَهارًا وليلاً كما كان يفعل مع العديد مِن الكنائس؟ فقد كانت لديه محبَّة خارقة للطَّبيعة تَعَزَّزتْ واغْتَنتْ بالعاطفة الدَّافئة والرِّعاية اللَّطيفة والرَّقيقة لمؤمني فيلبِّي حتَّى أنَّها لَمَسَتْهُ بعُمقٍ شديد. فقد كانوا هُمُ اللُّحْمَةَ والسَّداةَ في حَياتِه. وقد كان يُفكِّر فيهم. وعندما كان يُفكِّر فيهم، كان يشعر بذلك في أعماق كِيانه فيَفرح. وهذا هو فَرح الأحشاء. وهو عُنصُرٌ مِن عناصر الفرح. فهو عُنصرٌ مِن عناصر الفرح؛ بل ربَّما كان أحلى عُنصر مِن بين كُلِّ عناصر الفرح.
إذًا الفرح يَأتي مِن الله. وهو يُعَبَّر عنه في علاقاتنا بالآخرين، كما رأينا. فعندما نشارك حياتنا معهم فإنَّ ذلك الفرح يَتدفَّق، ويَلمَس، ويصيرُ مُتبادلاً في تلك العلاقة. واسمحوا لي أن أُلخِّص ذلك. يجب أن تكون شَركة شعب الله شَركة فرح. فيجب علينا أن نَختبر ذلك الفرح الَّذي يَهَبُه الرُّوح والَّذي يَترك ذكريات مُفَرِّحة واسترجاعًا مُبهِجًا للذِّكريات فيجعل الإنسان يَفرح بامتياز الصَّلاة لأجل الآخرين أكثر مِن صلاته لأجل نفسه. ويجب علينا أن نَختبرَ فَرح تقديم الشُّكر لله على الشَّركة العميقة الَّتي نَتمتَّع بها مع أولئك الَّذينَ يقفون بجانبنا ويُتيحون لنا أن نَفرح بنجاح الخدمة وغِنى الشَّركة. ويجب علينا أن نَختبر الفرح الَّذي يَشعر به الإنسان الَّذي يَعلم ما سَيؤول إليه المؤمنون في خُطَّة الله الَّذي ابتدأَ العملَ وسَيُكَمِّلُه. ويجب علينا أن نَفرح فَرحَ الأشواق النَّابعة مِن الأحشاء والمحبَّة العميقة بسبب التَّضحية الباذِلَة المُتبادَلة.
هذا هو الفرح الَّذي كان يَختبرُه بولس. وهذا هو الفرح الَّذي لا تستطيع الأحوال السَّلبيَّة أن تَمَسَّهُ. وكما تَرون، فإنَّ المؤمنَ يَعيشُ حياةً راضيةً في نِطاقٍ مُختلفٍ تمامًا عن غير المؤمن. فبالنِّسبة إلى غير المؤمن، لا بُدَّ أن يَنبغ الفرح مِن الخارج. ولكن بالنِّسبة إلينا، إنَّه يَنبُع مِن الدَّاخل. والفرح الخارجيُّ هو فرح قصير الأجل. أمَّا الفرحُ الدَّاخليُّ فطويلُ الأجل، ودائم، وعميق، ومُشبِع. ولا حاجة إلى أن يَعيشَ أيٌّ مِنَّا مِن دون فَرح. وفي الختام، أودُّ أن أُقدِّم لكم لائحةً. فقد تحدَّثنا عن العناصر الإيجابيَّة للفرح. وأريد منكم أن تَعلموا شيئًا. سوف نتحدَّث أكثر عن الفرح في رسالة فيلبِّي. وأنا أعرف ما يَكفي للتَّيقُّن مِن أنَّنا إن كُنَّا سنتحدَّث عن الفرح، مِن المُرجَّح أنَّنا سنَخوضُ حَربًا، وقد يُحاول العَدُوُّ أن يَنزِعَ فَرَحنا بِشَتَّى السُّبُل.
وقد فَكَّرتُ في أنَّه ربَّما يكون أمرًا مُفيدًا أن أشارك معكم مجموعةً مِن المبادئ أو الأشياء الَّتي يمكن أن تَجعلكم تَفقدون فَرَحكم. حسنًا؟ فهذه هي الأشياء الَّتي ينبغي لنا أن نَحذرَ منها حين نَرى مَا يُنشئه اللهُ فينا بواسطة الرُّوح مِن جِهَة الفَرح. فما هي الأشياء الَّتي قد تَسلِب الفَرح مِنَّا؟ وما الأشياء الَّتي تُؤدِّي إلى غِياب الفَرح؟
أوَّلاً: الخلاص الزَّائف – الخلاص الزَّائف. وهذا يعني أن تُحاول الحصول على الفرح مِن دون الرُّوح القُدُس.
فهناك أشخاص يَسعون إلى الفرح. وهذهِ غاية لا تُدرَك. لذا فإنَّهم يُصابون بإحباطٍ شديد. فحياتُهم ليست سعيدة. وربَّما يذهبون إلى الكنيسة، ويَنخرطون بطريقة أو بأخرى في الكنيسة، وربَّما كانوا يَخدمون بطريقة أو بأخرى، وربَّما يَظُنُّون أنَّهم يَقومون بأعمالٍ بارَّة ويحاولون جاهِدين أن يكونوا مُتديِّنين وأن يَختبروا الفرح؛ ولكنَّه لا يأتي لأنَّه عمل الرُّوح. وَهُم لا يَسكن فيه الرُّوح القُدُس لأنَّهم ليسوا أتباعًا حقيقيِّين للمسيح. لِذا، لن يكون هناك فرح حقيقيّ. وعندما لا يَمتلك الإنسان قدرةً حقيقيَّةً على اختبار الفرح لأنَّ المسيح لا يَسكن فيه ولأنَّ الرُّوح لا يَسكن فيه، فإنَّ العمليَّة تكونُ مُحبطةً جدًّا.
وأنا شخصيًّا أعتقد أنَّ الكنائس تَحوي أناسًا كثيرين ليسوا مُخلَّصين حقًّا. لذا فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَسكن فيهم، والفَرحُ المَنشودُ مَفقود. فهو غائبٌ.
فالكثير مِن هؤلاء الأشخاص يَقضون وقتًا طويلاً في الكنيسة، ولكنَّهم لا يَتمكَّنون يومًا مِن اكتشاف الفرح وتفعيله في حياتهم. وَهُم يَتركون الكنيسة مُحبَطينَ وضائعين. لِذا، إن كنتَ تَشعر بعدم وجود فرح في حياتك، أو إن بَدا أنَّه غائبٌ عنك دائمًا، ارجع إلى نُقطة البداية. أو كما قال بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس 13: 5: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَان؟" فربَّما تَسعى إلى شيءٍ لن تَحصل عليه يومًا. وربَّما تَسعى إلى شيءٍ لن تجده يومًا لأنَّك لا تَملِك روح الله القُدُّوس أصلاً. بعبارة أخرى، تَيَقَّن مِن خلاصِك - تَيَقَّن مِن خلاصِك.
ثانيًا، قد يَفعل الشَّيطان والأرواح النَّجسة كلَّ ما يمكنهم فِعله لكي يَسلبوك فَرَحك. ففي نهاية المطاف، نقرأ في رسالة بطرس الأولى 5: 8 أنَّ إبليسَ "كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ". وقد تكون هناك جهود تُبذَل مِن قِبَل قُوى الجَحيم لكي تَسلبك الفرح بِشَتَّى الطُّرق. لِذا يجب علينا أن نَسهرَ وأن نَحذر مِن حقيقة أنَّ هذا هو في نهاية المطاف ما يُخَطِّطُ إليه الشَّيطانُ ويَسعى إلى تحقيقه: أن يَسلبَ فَرحَ المؤمنين. وقد يأتي ذلك بأشكالٍ عديدة وكثيرة. لِذا يجب علينا أن نَفهم مَصدر ذلك.
ثالثًا، سوف نتحدَّث الآن عن المؤمنين تَحديدًا. فمِن الواضح أنَّ الشَّيطان هو سَارِق الفَرح. وغِيابُ الخلاصِ يعني غِياب الفَرح. ولكن ثالثًا: واحدٌ مِن الأشياء الَّتي قد تَسرق الفرح هو الفهم غير الصَّحيح لِسيادة الله – الفهم غير الصَّحيح لِسيادة الله. بعبارة أخرى: الخوف كما لو أنَّ الله ليس مُسيطِرًا: القلق، والهَمّ، والشُّعور بالخطر مِن أن يُسيطر الآخرون على حياتك، أو الشُّعور بالخطر مِن أنَّك غير قادر على السَّيطرة عليها، وتَجاهُل حقيقة أنَّ الله هو صاحب السِّيادة، وأنَّه بالرَّغم مِن كلِّ ما يَحدث أو ما قد يحدث فإنَّ الله مُهيمنٌ، وأنَّ كُلّ الأشياء (بالمعنى الكلاسيكيِّ المذكور في رومية 8: 28) تَعمل معًا حَسَبَ قَصْدِه لخيرِك.
إنَّ سِيادةَ الله هي أَهَمُّ عقيدةٍ ينبغي للمؤمنين أن يَفهموها. فهي الواقع الشَّامل والجامِع الَّذي يُبقي كلَّ شيءٍ في مكانِه الصَّحيح. فاللهُ مُهيمن على كلِّ شيء. وإن لم تَفهم ذلك، ستُحرَم مِن فَرَحِك. فالفهم غير السَّليم للسِّيادة الإلهيَّة سيَسلبك فَرَحَك. فهذا هو ما سَلَبَ حَبَقُّوق فَرَحَه. وهو يَصرُخ: "حَتَّى مَتى؟ ... حَتَّى مَتى؟ ... حَتَّى مَتى؟" وهو يُعبِّر للهِ عن كلِّ هذا البُؤس، ثُمَّ يَبتدئ في تَعدادِ الأمور الَّتي يَعرفها عن الله. وبوصوله إلى نهاية نبوءته، لا تَتغيَّر الأحوالُ قَطّ، ولا قَيْدَ أُنْمُلَة؛ ولكنَّ موقفَه هو الَّذي تَغيَّر. فقد تَغيَّر موقفه حتَّى إنَّه يقول: "وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي". فإن فَهمتَ سِيادةَ الله ستَفرح.
رابعًا، هناك شيء آخر يَسلبك الفَرح وَهُوَ: عدم الصَّلاة – عدم الصَّلاة. وهذا يعني أن تَبقى عاجزًا على تَسليم الأمور للرَّبّ، وأن تَترك الأمور لنفسك فتَخاف وتَقلق وتَغتاظ. فمحاولة السَّيطرة على كلِّ عناصر الحياة بنفسك مِن دون أن تَلتجئ إلى الصَّلاة لا يَجلب لك سوى الإحباط وليس الاستقلاليَّة. وفي اعتقادي فإنَّ هذا الأمرَ بالغُ الأهميَّة ومفقود في الكنيسة اليوم. فقد صار يُستعاضُ عنه اليوم بما نُسَمِّيه: "المَشورة". فعوضًا عن اللُّجوء إلى الله وتقديمِ حاجاتكِ إليه، فإنَّك تذهب إلى شخصٍ ما يَجلس وراء مكتبه ويُخبرك أمورًا لا صِلةَ لها بالسِّيادة أو الأشياء الخارقة للطَّبيعة في حالاتٍ كثيرة أو في أغلبِ الأحيان. ولكنَّ أفضل أفكار الإنسان تبقى بعيدة كلَّ البُعد عن العونِ الإلهيِّ.
ولا عَجبَ في أن يقول يعقوبُ إنَّه عندما تَشعر باليأسِ في حياتك، وعندما تَشعر بضعفك الكامل، وعندما لا تستطيع أن تَحصل على الموارد الإلهيَّة بنفسك، اذهب إلى شُيوخ الكنيسة واطلب منهم أن يُصَلُّوا لأجلك. "طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا". "سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ..." [كما يقول سِفْر المزامير] "...وَاتَّكِلْ عَلَيْه". التجئ بمشاكلك إليه. احصل على المعونة الإلهيَّة. "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ... فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ". رَكِّز عليه. ثُمَّ إنَّه يقول في الأصحاح الرَّابع مِن هذه الرِّسالة، وتحديدًا في العدد 6: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ". التجئ إلى الله. التجئ إلى الرَّبّ. وإن لم تكن تَملِك القوَّة، وكنتَ تَشعر بأنَّك مُتَرَهِّل رُوحيًّا ولا تستطيع القيام بذلك، اطلب المساعدة مِن أشخاصٍ أتقياء.
فعدم الصَّلاة سيَسلبك فَرَحك لأنَّك سَتَذْرَعُ العالمَ كُلَّهُ مُحاولاً العثور على حُلولٍ للمُعضلاتِ الَّتي لا يستطيعُ أحدٌ سوى الله أن يَحُلَّها. لا تحاول أن تُدير الحياة. ولا تحاول أن تَجِد شخصًا حكيمًا يجلس وراء مكتبٍ ويَدَّعي أنَّه يستطيع أن يُدير الحياة. التجئ إلى الله. والآن، هذه هي بعضُ الأمور اللاَّهوتيَّة الَّتي تَسلبك فَرحَك، أو هي نَظرة لاهوتيَّة على أمورٍ تَسلبك فَرحَك. واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم مجموعة مِن الأسباب العمليَّة حقًّا. حسنًا؟
نُتابع اللاَّئحة بالسَّبب الخامس. فواحدٌ مِن الأشياء الَّتي تَميل إلى سَرقة الفرح هو الانحدارُ بعد ارتفاعٍ رُوحيٍّ. هل لاحظتم ذلك؟ إنَّه يوم الاثنين الَّذي يَلي الأحد. فعندما تكون هنا يكونُ الأمرُ رائعًا، وتشعر بالغِنى والبَركة والتَّشجيع. ثُمَّ إنَّك تذهب إلى مكان عملك فتشعر أنَّهُ مُضْجِر، أو رُبَّما تَنهضين في الصَّباح أيَّتُها الأُمُّ فتجدين أمامكَ أكوامًا مِن الثِّياب المُتَّسخة، وأنَّ الأعمال تَراكمت في عُطلة نهاية الأسبوع في المطبخ وفي غُرفة الغسيل، أو قد تجد أنَّ كلَّ السيَّارات قد اتَّسخت مَرَّةً أخرى وأنَّ الأعمال تَراكمت. وأنتَ تَهبط مِن قِمَّة الحياةِ إلى قاعِها. هذا عَدا عن أنَّك قد تَنتقل مِن اختبارٍ روحيٍّ عظيمٍ إلى تجربة قاسية.
ومِن الأمثلة الكلاسيكيَّة على ذلك بكلِّ تأكيد هو إيليَّا الَّذي يَصعد إلى جبل الكرمل ويَتحدَّى كَهَنة البَعل، ويأخذ سيفًا ويَذبح هؤلاء الكَهنة، ويَهزِم 450 كاهنًا لبَعل على الجبل. واللهُ يُرسل نارًا مِن السَّماء فَتَلتَهِمُ نَّار المُحرَقةَ والحَطَبَ والحجارةَ وَتَلْحَسَ الماء. إنَّهُ حَدثٌ عظيمٌ خارقٌ للطَّبيعة. وقد رأى إيليَّا للتَّوّ اللهَ العظيمَ والقديرَ يَعمل نيابةً عنه استجابةً لصلاته بطريقةٍ عظيمة. فَلا توجد للقِمَّة الرُّوحيَّة على جبل الكرمل أشباهٌ كثيرة في تاريخ الأنبياء. وهو يَمضي مِن هناك ويتمنَّى أن يموت. فهو يَطلب مِن الله أن يُميتَهُ. فهو يَركض كالمجنون في الطَّريق ويَجلس تحت الشَّمس ويقول: "اقتُلني، اقتُلني، اقتُلني. لا أستطيع أن أحتمل ذلك. فهناك امرأة تُطاردني".
وهذا أمرٌ يَصعُب فَهمُه! فهو لم يجد مشكلةً في التَّعامُل مع 450 رجُلاً، ولكنَّ امرأةً واحدةً تُخيفُه وتُرعبه جدًّا! "اقتُلني يا رَبّ". فقد هَبَطَ مِن قِمَّة الانتصار الروحيِّ إلى حَضيضِ الكآبةِ الروحيَّة، بل حتَّى إنَّه اكتأبَ حقًّا وتَمَنَّى أن يموت. وأحيانًا فإنَّ التَّجارب القاسية – فقد كانت إيزابَل تَمتلك نُفوذًا هائلاً – ولكنَّ التَّجارب القاسية الَّتي تأتي مباشرةً في أعقابِ خبرةٍ روحيَّة عظيمة قد تَجعلنا نَفقد فرحنا تمامًا. وإن استمرَّينا في الحياة كالمُعتاد، قد لا نَشعر بالأمر هكذا. ولكن إن نَزَلنا مِن أعلى قِمَّةٍ إلى أقصى درجاتِ الحَضيض، قد يَسلبك ذلك الأمرُ فَرَحَك. لذا، احترسوا مِن ذلك.
سادسًا، هناك شيء آخر أعتقد أنَّه يَسلب الفرح وهو الاتِّكال على الظُّروف. فهناك أشخاص في هذه الحياة (وَهُم مؤمنون) لا يَختبرون الفرحَ سوى قليلاً فقط لأنَّهم يَتَلَقَّوْن جميع إشاراتهم مِن العالَم الماديّ. بعبارة أخرى، إنَّ مشاعرهم خاضعة لسَطحيَّة العالَم. فهي بديل عن الفَرح الحقيقيّ. فإن عامَلَهم شريكُ الحياةَ بالطَّريقة الَّتي يُحبُّون فإنَّهم يَفرحون. وإن لم يفعلوا ذلك فإنَّهم لا يَفرحون. وإن فَعل أبناؤهم ما يَطلبونه منهم فإنَّهم يَفرحون. وإن لم يفعلوا فإنَّهم يَفقدونَ فَرَحهم. وإن تَمكَّنوا مِن الحصول على ما يرغبون فيه فإنَّهم يَفرحون. وإن لم يحصلوا عليه فإنَّهم لا يَفرحون. بعبارة أخرى، إنَّهم يَتلقَّوْنَ كلَّ الإشاراتِ المُختصَّة بالفَرح مِن العالَم الماديِّ.
ولكنَّ الماديَّة هي الماديَّة. فهي تَعني عدم التَّركيز على الله. وهي تَعني عدم القناعة مع الله. فَهُم لا يَرون الله يَعمل، بل إنَّ كلَّ رَدِّ فعلٍ يَصدر عنهم يَخضع للأمور المُختصَّة بالزَّمان والمكان. وأغلبيَّة النَّاس يعيشون هكذا. فَهُم يَفرحون بسبب حَدَثٍ مُهِمٍّ. وفرحُهم يَصعَد ويَهبط استنادًا إلى حصولهم [أو عدم حصولهم] على شيءٍ جديد، واستنادًا إلى حدوث [أو عدم حدوث] حَدث خاصّ، واستنادًا إلى خروجهم [أو عدم خروجهم] في رحلة. فكلُّ ذلك يَتحكَّم في ردود أفعالهم لأنَّهم يَتَّكِلون تمامًا على الظُّروف ويَستمدُّون كلَّ فَرحهم مِن العالم الماديِّ. وهذا سيَسلبك فَرَحك ويَجعلك تَصعد وتَهبط بطريقةٍ لا صِلَة لها بالفرح الروحيِّ الحقيقيّ.
سابعًا، هناك شيء آخر أعتقد أنَّه يَسلب الفرح وهو عدم الشُّكر... عدم الشُّكر. والحقيقة هي أنَّه لا توجد في الحياة البشريَّة سوى أشياء قليلة أَبشَع مِن عدم الشُّكر ... أشياء قليلة. ولو صِرتُ أبًا مِن جديد، وأردتُ أن أُربِّي أبنائي الَّذينَ رَبَّتُهم أصلاً، سوف أَصفعهم أكثر على مُؤخِّرتهم وفترةً أطول وأقسى بسبب عدم شُكرهم أكثر مِن أيِّ شيءٍ آخر يمكنني أن أُفكِّر فيه. ولا شَكَّ في أنَّ ذلك يَستحقُّ الصَّفعَ أكثر بكثير مِمَّا لو دَلَقوا الحليبَ أو أَفسَدوا الطِّلاءَ أو فعلوا أيَّة أشياء أخرى رُبَّما صَفعناهم عليها بدافع الغضب غالبًا. هل تُدرِّب أبناءك على أن يكونوا شَكورين؟ فَلِسانُ الولدِ غير الشَّكورِ أَمضى مِن أنيابِ الحَيَّة. وعدمُ الامتنانِ أو عَدمُ الشُّكرِ يعني أنَّه عوضًا عن التَّركيز على الأشياء الَّتي حصلتَ عليها مِن الرَّبِّ، وعِوضًا عن أن تَكون شكورًا في كلِّ شيء بِغَضِّ النَّظر عن الظُّروف سواء كانت إيجابيَّة أو سلبيَّة، فإنَّ هناك أُناسًا لا يَشكرونَ البَتَّة لأنَّهم لا يَشبعون البتَّة. وَهُم لا يَرون تجارب الحياة بَركاتٍ مِن الله لتشكيلهم على صورة المسيح. فَهُم ليسوا راضين بالمَرَّة، ولا يقولونَ شُكرًا بالمَرَّة. وهذا شيءٌ نابعٌ مِن الكبرياء بِلا أدنى شَكّ. عدم الشُّكر.
وهناك سبب آخر وهو النِّسيان. فأعتقد أنَّ النِّسيان سيَسلبك فَرحك. وقد تقول: "ما الَّذي تَقصده بذلك؟" عَدم تَذَكُّر الشَّيء الَّذي نلْتَ الخلاصَ مِنه. لماذا نَرى دائمًا أنَّ المؤمنين الجُدُد مُفعَمون بالفرح، في حين أنَّ أشخاصًا آخرين مَضى على خلاصهم أربعون سنة أو أكثر يَظهرون بمظهر الأشخاص المُتَبَرِّمين؟ هل لاحظتُم ذلك؟ وما هو السَّبب؟ أنا لم أَسمع قَطّ عن كنيسة انقسمَت بسبب أشخاصٍ حَديثي الإيمان – قَطّ. وأنا لم أَسمع قَطّ عن مُشكلة كبيرة نَشَبَت في كنيسة بسبب مؤمنين حَديثي الإيمان في المسيح. لم أَسمَع بذلك قَطّ. ولم أَسمع قَطّ عن خِلافٍ في كنيسة بين مجموعة مِن الأشخاصِ حَديثي الإيمان – لم أَسمع بذلك قَطّ. ولم أَسمع يومًا عن مجموعة مِن الأشخاص البائسين، والمُشتَكينَ، والمُتذمِّرينَ، والمُتَبَرِّمين في كنيسة أغلبُ مَنْ فيها أُناسٌ نالوا الخلاصَ حديثًا. إنَّها فكرة سخيفة. فيجب أن تكون مؤمنًا منذ وقتٍ طويل لكي تكون كذلك. لماذا؟ لأنَّنا نَنسى لسببٍ مَا الشَّيءَ الَّذي نِلنا الخلاصَ مِنه. فنحن نَفقد شُعورَنا بالجِدَّة؛ في حين أنَّ حَديثي الإيمان يَمتلكون ذلك الفَرح الَّذي يُحَاكِي فَرحَ المُرنِّم في المزمور 103: 2 إذ يقول: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ". نَمِّ لديكَ ذاكرةً بالأمور الطَّيِّبة. أَلا فَعلتَ ذلك؟ لا تَكُن خاليًا مِن الفرح، ونَكِدًا، ونَزِقًا، ومُتَجَهِّمًا. فما نوعُ هذا الإعلان؟ فأنت تجعل حَديثي الإيمان يقولون: "يا رَبّ..." [كما تَعلمون] "...خُذني إليكَ سريعًا! لا تَجعل ذلك يَحدث".
السَّببُ التَّاسعُ في لائحتي. فهناك شيءٌ آخر سيَسلبُك فَرَحك وهو عدم رضاكَ عن حالتكَ الأرضيَّة – عدم رضاكَ عن حالتكَ الأرضيَّة. فهناك أشخاص يَفقدون فَرحهم لأنَّهم لا يُحبُّون مَظهرَهم، أو لأنَّهم لا يُحبُّون المكان الَّذي يعيشون فيه، أو لأنَّهم لا يُحبُّون الهدايا الَّتي يحصلون عليها أو لا يُحبُّون عدم حصولهم على هدايا، أو لأنَّهم لا يُحبُّون المكانة الَّتي حصلوا عليها في الحياة. فَهُم يعيشون دائمًا كما لو أنَّهم حصلوا على أقلِّ مِمَّا يَستحقُّونه. وقد قال بولس: " فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ [ماذا؟] مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ" (فيلبِّي 4: 12). "أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ". فالأمرانِ سِيَّانٌ عندي. أنا لا أُبالي. فيمكنني أن أحصل على ذلك أو أَلاَّ أحصل عليه. ولكن يوجد أناسٌ يَفقدون فَرَحهُم لأنَّهم بصورة رئيسيَّة غيرُ راضين.
نحن جميعًا لدينا نقص في القدرات. ونحن جميعًا لدينا إعاقات. وهناك أشخاص يَفقدون فَرحهم لأنَّهم يَستخدمونَ كُرسيَّ المُقْعَدين. وهناك أشخاص يَفقدون فَرحهم لأنَّه لا يستطيعون الحصول على العمل الَّذي يعتقدون أنَّه سيَرفعهم إلى مستوى قدراتهم. وهناك أشخاص ليسوا فَرِحين لأنَّهم يَشعرون أنَّه يجب أن يَحْظَوْا بتقديرٍ أكبر، أو لأنَّهم لا يُحبُّون مكانهم في هَيكليَّة الكنيسة، أو لأنَّهم يَتمنّون لو أنَّهم يفعلون شيئًا آخر أكثر أهميَّةً، أو ربَّما لأنَّهم يَتمنّون أن يكونوا أكثر جمالاً، أو أكثر وَسامةً، أو أن يمتلكوا قدراتٍ أكبر على الصَّعيدِ الرِّياضيِّ أوِ العَقليِّ أوِ الأكاديميِّ أو ما إلى ذلك. وهذا يَنطوي أيضًا على ما إذا كانوا يَمتلكون أو لا يَمتلكون أشياء ماديَّة.
السَّبب العاشر: إليك سببًا آخر يَسلبك فَرَحك وهو: الخوف مِن المستقبل. الخوف مِن المستقبل. لماذا يوجد أشخاص يتخيَّلون دائمًا أنَّ أسوأ شيء سيحدث ... في كلِّ شيء؟ فَهُم يعيشون في خوفٍ دائم. فَهُم يخافون مِن الفشل، ويخافون مِن أن يَفقدوا ما لديهم، ويخافون مِن أن يَفقدوا نُفوذهم، أو أن يَفقدوا سُمعتهم، أو يخافون مِن المرض، أو يخافون مِن الموت. الخوف – الخوف المُستمرُّ مِن المستقبل. ولكنَّ يسوعَ يقول: "لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أنا سأهتمُّ بذلك" (مَتَّى 6). وقد قال يسوع: "سوف أمضي. ولكنَّ كُلَّ ما تَطلبونه باسمي سأعطيه لكم. لاَ تَضْطَرِبْ [ماذا؟] قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ". مِمَّ أنت خائف؟ فهناك أشخاصٌ يعيشون في خوف: خوف مِن كلِّ أنواع الأشياء الَّتي لا تحدث. هل لاحظتم ذلك؟ خوف مِن أشياءٍ لا تحدث. إنَّها مُتلازِمَة: "ماذا لو؟"
السَّببُ الحادي عشر في لائحتي والَّذي سيَسلبُك فَرحَك هو أن تعيش وَفقًا لمشاعرك غير المُنضبطة – أن تعيش وَفقًا لمشاعرك غير المُنضبطة. واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم تعريفًا للشَّخص الضَّعيف. الشَّخص الضَّعيف لا يُكَلِّم نفسَهُ بالقدر الكافي. وقد تقول: "ماذا تقصد بذلك؟" يجب أن عليكَ أن تُبقي نفسَك تحت السَّيطرة. فإن كنت تعيش وَفقًا لمشاعرك غير المُنضبطة، ستكونُ ضَحيَّةً. وهذا هو العيش حَسَبَ الجسد. وأعتقد أنَّ "مارتن-لويد جونز" (Martyn-Lloyd Jones) عَبَّر عن ذلك أفضل تعبير في كِتابٍ له بعنوان "الكآبة الرُّوحيَّة" (Spiritual Depression). استمعوا إلى ما يلي: "أَرى أنَّ المُعضلة الرَّئيسيَّة في كُلِّ هذه المسألة المُختصَّة بالاكتئابِ الروحيِّ هي ما يلي: أنَّنا نَسمح لأنفِسِنا أن تُحَدِّثَنا عِوضًا عن أن نُحَدِّثَ نحنُ أنفُسَنا". وهذا على صَواب.
وَهُوَ يقول: "هل لاحظتم أنَّ أغلبيَّة عدم فرحك في الحياة ناجمٌ عن حقيقة أنَّك تُصغي إلى نفسك عوضًا عن أن تُكَلِّمَ نفسَك؟" وَفَنُّ الحياة الروحيَّة هو أن تَعرف كيف تَتعامَل مع نفسِك. ففي المَزمور 42، يَنوحُ المُرَنِّمُ ويَئِنُّ، ثُمَّ إنَّه يقول: "لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟" اصْمُتي يا نَفسي! "ارْتَجِي اللهَ". لماذا تَفعلين ذلك؟ فهو يُناجي نَفسَهُ. ولكن يوجد أشخاص يَستمعون وحسب إلى أنفسهم وإلى ما تُمليهِ مَشاعرُهم عليهم فيقعونَ ضَحِيَّتَها. لا تفعل ذلك، بل كَلِّم نفسَك. كُن أنتَ المُسيطِر. عِشْ لا حَسَب مشاعِرك غير المُنضبطة، بل بِضَبْطِ هذه المشاعر بقوَّة روح الله. أَخْضِع نَفسَك.
السَّبب الثَّاني عشر: فهناك سبب آخر أعتقد حقًّا أنَّه يَسلبُكَ فَرَحك وهو: التَّحليلُ المَرَضِيُّ للذَّات. التَّحليلُ المَرَضِيُّ للذَّات. لِذا فإنَّني أَمْقُتُ جِدَّا عِلْمَ النَّفس. ففي المقامِ الأوَّل، يبدو لي أنَّه لا حاجة له البَتَّة لا سِيَّما أنَّ الكتاب المقدَّس يُعطينا كلَّ ما نحتاج إليه للحياة والتَّقوى. وثانيًا، لأنَّه يَميل إلى جَعل الشَّخص يُركِّز على ذاتِه إلى الحَدِّ الَّذي يصيرُ فيه بصورة مَرَضِيَّة ومُتمحورة حول الذَّاتِ (إن جازَ القول) شَخصًا تَحليليًّا. فهو يَقلق مِن إخفاقه، ويَقلق مِن احتماليَّة المواقف السَّلبيَّة، والنَّتائج السَّلبيَّة، والأفعال السَّلبيَّة، ويَقلق مِن حقيقة أنَّه يوجد في الأعماق شيءٌ بحاجة إلى الكَشف، ويَبحث هُنا وهناكَ في كَومةٍ مِن الأشياء الَّتي حَدثت في الماضي مُحاولاً أن يَكتشفَ السِّرَّ الَّذي يَجعله يَتحرَّر. وهو يَنتهي بِكَمٍّ هائلٍ مِن التَّحليلات النَّفسيَّة المَرَضيَّة الَّتي لا تُساعده البتَّة.
اسمعوني! نحن ناقصون. وهذا وَصفٌ عامٌّ كافٍ بالنِّسبة إليَّ. لِذا فإنَّني لن أستمرَّ في إثارة تلك النُّقطة إلى الأبد. أنا أُفسِدُ الأشياء. أنا أَعلمُ ذلك. ولكنِّي لن أعيشَ حَبيسًا لهذه الفكرة، ولن أستمرَّ في إثارتها قائلاً: "لقد فعلتُ كذا! وقد فعلتُ كذا! هذه هي مُشكلتُك! يجب عليكَ أن تَستجمعَ كلَّ هذه الأمور وأن تَعثر على الحلّ"، كما تَعلمون. وفي أثناء ذلك، قد تَتلقَّى إساءةً، أو قد لا يُعاملُك أحدُ الأشخاصِ مُعاملةً لائقةً فَتُلقي اللَّومَ كُلَّهُ على ذلك. وهذا لن يَجعل منكَ شخصًا سعيدًا. فالتَّحليلُ المَرضيُّ للذَّات سيَسلبكَ فَرَحَك. انْسَ ما هُوَ وراء، لا تَنظر إلى ما هو لنفسك، بل إلى ما هُوَ لآخرينَ أيضًا. امْتَدّ إلى ما هُوَ قُدَّام.
السَّبب الثَّالث عشر هو سَبب يَجمع العديدَ مِن الأسباب معًا: التَّركيزُ على الذَّات. فالأشخاصُ الَّذينَ يُركِّزون على أنفسهم هُم دائمًا غير فَرِحين لأنَّهم دائمًا غير راضين؟ وهذا طريقٌ مَسدود. أَروني شخصًا يُرَكِّزُ على ذاتِه فأُريكم شخصًا تَعيسًا. فالأشخاص الَّذينَ يُركِّزون على ذواتِهم لا يَشعرونَ بالرِّضا. فلا يمكنهم ذلك. أمَّا الأشخاصُ غير الأنانيِّين فيشعرون بالرِّضا في أغلب الأوقات لأنَّهم لا يَطلبونَ مِنكَ أيَّ شيء.
وأخيرًا، هناك شيء يَسلبُكَ فَرَحك وَهُوَ الشُّعورُ بالذَّنب؛ أي عدم الاستعداد لقَبول الغُفران – عدم الاستعداد لقَبول الغُفران. فأنتَ لا تَقبل الغُفران فحسب. فبالنِّسبة إلى أشخاصٍ كثيرين، كما تَعلمون، فإنَّ الأمرَ يَسيرُ كالتَّالي: "لا يمكنني أن أغفرَ لنفسي". وأنتَ تُذكِّرهم: "ولكنَّ اللهَ غَفرَ لك". "أنا أَعلم، أنا أَعلم، ولكنِّ اللهَ لا يَفهم مَعاييري". أنت لا تَفهمُ اللهَ يا صديقي. وقد أسأتَ إلى الثَّالوث. فأنتَ لا تستطيعُ أن تُسامحَ نفسكَ على شيءٍ سامَحَكَ اللهُ عليه منذُ وقتٍ طويل.
وهذه مُشكلة عويصة نابعة مِن الأنا. وبالنِّسبة إلى أُناسٍ كثيرين، إنَّها مُشكلة تحدث بسبب خطيَّة واحدة فحسب. فهناك خطيَّة واحدة في مكانٍ ما في حياتهم، أو أنَّهم اقترفوا خَطيَّةً واحدة؛ ولكنَّهم لا يَستطيعون أن يَغفروا لأنفسهم تلك الخطيَّة. لذا فإنَّهم يَعرِجونَ حَرفيًّا في الحياة، ويَرجعون دائمًا إلى ذلك الشَّيء الَّذي لم يعد مشكلةً لدى الله؛ ولكنَّه يَسرقُ الفَرحَ مِن حياتهم. ويا له مِن هَدرٍ للطَّاقة! يا له مِن هَدرٍ بسببِ شُعورٍ بالذَّنبِ دُونَ مُبَرِّر. لِذا فإنَّني لا أجدُ أيَّة مَزِيَّة في التَّنقيب بحثًا عن خطيَّة. فقد قال لي أحدُ الأشخاص مُؤخَّرًا: "أتَدري أنَّه يجب علينا أن نَكتشف الخطايا المُستَتِرَة!" ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ لا أظُنُّ أنَّني بحاجة إلى التَّنقيبِ بحثًا عن خطايا مُستَتِرة. فإن كان اللهُ موجودًا في حياتي ويَعمل فإنَّه سيَكشفها. والمشكلة لا تَكمُن في اكتشافها، بل إنَّ المشكلة تَكمُن في مُعالجتها. فأنا لستُ بحاجة إلى التَّنقيب بحثًا عن خطايا فَعَلَ اللهُ ماذا؟ غَفرها. فَلِماذا أُهدِر طاقتي في القيام بذلك؟ فهذا سيَسلبكَ فَرحَك.
حسنًا! أرجو أن تكون هذه الأمورُ عَمليَّة، وأن تَتَنَبَّهوا قليلاً لأنَّه عندما نَنطلق في دراسة الفرح ونَسعى إلى حياةٍ مُمتلئة بالفرح في الرُّوح القُدُس، قد تُبدونَ ... قد تُبدونَ مُقاومةً. واسمحوا لي أن أَختم بقراءة صَلاةٍ واحدة مِن الأُمَّهاتِ المُفضَّلاتِ لديَّ في الكتاب المقدَّس وهي حَنَّة. صموئيل الأوَّل 2: 1: "فَصَلَّتْ حَنَّةُ وَقَالَتْ: «فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ. اتَّسَعَ فَمِي عَلَى أَعْدَائِي، لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلاَصِكَ". فهذا هو الموقفُ المَطلوب. أليسَ كذلك؟ هذا هو الموقفُ المَطلوب. "لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلهِنَا". فقد ابتَهَجَت. لقد ابتَهَجَت. وهذا هو الموقف الَّذي ينبغي لنا أن نَتَبَنَّاه. إنَّه موقف الفَرح الَّذي يَتدفَّق مِن خلال علاقاتنا ويَسمح لنا بأن نَرى النَّاسَ بالطَّريقة الَّتي كان بولس يَرى فيها مؤمني فيلبِّي الأعِزَّاء. دعونا نَحني رؤوسَنا معًا لكي نُصلِّي:
يا أبانا، نحن نَتذكَّر النَّبيَّ صَفَنْيا الَّذي قال: "يَبْتَهِجُ بِكِ [الرَّبُّ] بِتَرَنُّمٍ". ونحن نَتَعَجَّب لأنَّك تَبتَهِج بنا. يا رَبّ، يا لَيتَنا نَبتهِج بك في كلِّ شيء – في كلِّ شيء. ويا لَيتَنا نَسمع وَصيَّةَ بولس الَّذي قال: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". ويا لَيتَنا لا نَسمح لِسارِقي الفَرح أن يَسرقوا البَهجةَ مِن قلوبنا. ساعدنا على أن نَكون ساهِرين. وساعِدنا على أن نَسلُك في الرُّوح، وأن نَمتلئَ بالرُّوح، وأن نَختبِر ما يُنشئُه فينا؛ لا سيَّما المَحبَّة، والفَرح، والسَّلام، واللُّطف، والصَّلاح، والإيمان، والوَداعة، والتَّعَفُّف. ويا لَيتنا نَختبر البَهجة... البَهجة الَّتي يُنشئُها الرُّوحُ فينا. كَمِّل كُلَّ عملِك الصَّالح والمُنعِم يا رَبّ. ويا لَيتَنا نكونُ في هذه الحياةِ فَرِحين، وأن نَختبرَ في الحياة الآتية فَرَحًا لا يُنطَق به ومَجيد. نَشكُرك يا أبانا على ما تَعمله في قلوبنا جميعًا مِن خلال المسيح الَّذي باسمِه نُصلِّي. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
