Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمونَ، نَحنُ نَدرُسُ أسفارَ الكتابِ المقدَّسِ لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي كَتَبَها، ولأنَّ كُلَّ كلمةٍ قَالَها الرَّبُّ نَقيَّة. ونحنُ الآنَ نَدرُسُ رسالةَ بولُس الرَّائعة إلى الكنيسةِ في فيلبِّي ونَتأمَّلُ في العَدَدَيْن 12 و 13 في هذا الصَّباحِ، وفي يومِ الأحدِ المُقبِلِ أيضًا. وقبلَ أن نَبتدئَ بدِراسةِ النَّصِّ نَفسِهِ، أريدُ أن أُبَيِّنَ الفِكرةَ والقَصدَ مِنهُ، وكيفَ أنَّهُ مُرتبطٌ تَحديدًا بحياتِنا مِن خلالِ هذهِ الخَلفيَّةِ القَصيرة. عندما زُرتُ فلوريدا مؤخَّرًا، أُتيحَت لي الفُرصةُ أن أَعِظَ عن مَوضوعِ الانضباطِ الرُّوحيِّ الشَّخصيّ. وقد تَأمَّلتُ في الآيةِ الَّتي يَقولُ فيها بُطرس: "مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ"؛ أيْ: اضْبِطُوا الجَوانِبَ غير المُنضبِطَة مِن حَياتِكُم. وهو في الحَقيقة يَقولُ الكثيرَ عنِ الحياةِ المُنضبِطَة. وهُناكَ آيات كِتابيَّة مُشابِهَة تُرَكِّز أيضًا على الانضباطِ في الحَياةِ الرُّوحيَّةِ والتَّكريسِ اليَوميِّ العَظيمِ للسُّلوكِ الروحيِّ المُفعَمِ بالحَماسَةِ، والأمانَةِ، والتَّخصيصِ، والاجتِهاد. وعندما سَكَبْتُ قَلبي وقُلتُ ما أريدُ أن أقولَهُ عن هذا المَوضوعِ في عِظَةٍ مُدَّتُها سَاعَة تَقريبًا، وانتهيتُ، تَقدَّمَت سَيِّدة مِنِّي بعدَ ذلك وأرادَتْ أن تَعتَرِضَ على مَا قُلتُهُ؛ وهو أمرٌ ليسَ غَريبًا عَليَّ أو عَلى أيِّ واعِظٍ آخر.

فقد اقتربَت مِنِّي وقالَت: "أنا لا أَتَّفِقُ مَعَكَ في مَا قُلتَهُ". قُلت: "هل هُناكَ نُقطة مُحَدَّدَة؟" قالَت: "لا، بل كُلَّ شَيء". قُلتُ: "الحقيقة هي أنِّي لا أعرفُ ما تَقصِدينَ بذلك!" قالت: "أعتقد أنَّكَ لا تَفهَمُ البَتَّة كُلَّ ما يَختصُّ بالحَياةِ الرُّوحيَّة، وَلا تَفهَمُ المَقصودَ بتقديسِ المُؤمِن. فنحنُ لَسنا مُطالَبينَ بأن نَفعلَ أيَّ شَيء. فَلا تُوجَد دَعوة إلى الانضِباطِ الذَّاتِيِّ، ولا تُوجَد دَعوة إلى الاجتِهاد. فنحنُ لا نَفعلُ أيَّ شَيءٍ، بل نَستَسلِمُ للهِ وَحَسْب. وعندما نَستسلِمُ للهِ فإنَّنا نَسمَحُ لَهُ أن يَفعلَ كُلَّ شَيء". قُلتُ: "لقد فَهِمتُ قَصدَكِ". قالَت: "كُلُّ ما هُوَ مَطلوبٌ مِنَّا هوَ التَّسليم. وحينئذٍ، سيَفعلُ اللهُ كُلَّ شَيء".

وهذا يَطرَحُ سُؤالاً أعتقدُ أنَّهُ وَثيقُ الصِّلَةِ بنَصِّنا. والسُّؤالُ هُوَ كالتَّالي: ما هُوَ دَورُ المُؤمِنِ في القَداسَةِ، وما هُوَ دَورُ الله؟ ما هُوَ دَورُ المُؤمِنِ في القَداسَةِ، وما هُوَ دَورُ الله؟ بعبارةٍ أخرى: هل هِيَ مَسؤوليَّتي أَمْ مَسؤوليَّةُ الله؟ وهل هُوَ الإيمانُ أَمِ الجُهد؟ وهل هو الاتِّكالُ أَمْ هِيَ الطَّاعة؟

والسُّؤالُ نَفسُهُ يُطرَحُ في مَواضيعَ أُخرى في اللاَّهوت. فيُمكِنُكَ أن تَطرحَ هذا السُّؤالَ بخصوصِ الخَلاص. فعندما خَلَصْتَ، هل أنتَ مَن خَلَّصْتَ نَفسَكَ أَمْ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي خَلَّصَكَ؟ وقد تَقول: "اللهُ هوَ الَّذي فَعلَ ذلكَ بالكامِل". هل تَعني بذلكَ أنَّكَ قُلتَ ذَاتَ يَومٍ: "يا رَبّ، افعَل ما تَشاء لي. أنا مُستعِدٌّ"؟ لا، بل كانَ يَنبغي لكَ أن تَترُكَ خَطاياكَ، وأن تَعترِفَ بأنَّ يَسوعَ المَسيحَ رَبٌّ، وأن تُؤمِنَ بِهِ. وهُناكَ العَديدُ والعَديدُ مِنَ الدَّعواتِ الَّتي يُوَجِّهُها الكتابُ المقدَّسُ إلى الخَاطِئِ كي يَتوبَ، ويُؤمِنَ، ويُكَرِّسَ نَفسَهُ للمَسيح. لِذا، فقد كانَ الأمرُ مَنوطًا بِكَ بالكامِل. فقد كانَ الأمرُ يَتطلَّب تَغييرًا في الاتِّجاهِ مِنكَ ومِنِّي كي نَترُكَ الخَطيَّة ونَتَّكِلَ على اللهِ مِن خِلالِ الإيمانِ بالمسيح. فقد كانَ الأمرُ يَتطلَّبُ تَغييرًا في عَقيدتِنا، وتَغييرًا في نَظرتِنا إلى الخَطيَّة. وكانَ الأمرُ يَتطلَّبُ مِنِّي في الحقيقة أن آخُذَ حَياتي وأضَعَها بالكامِلِ بينَ يَديِّ المَسيح. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، كانَ الأمرُ بِمُجمَلِهِ مَنوطًا بِهِ هُوَ. وهذا تَناقُضٌ ظَاهِرِيٌّ يَصعُبُ فَهمُه.

ويُمكنكُم أن تَنظروا إلى شَخصِ المسيحِ وتَطرَحوا السُّؤالَ نَفسَهُ: هَل هُوَ اللهُ أَم هُوَ إنسان؟ والجَوابُ هُوَ: أجل. فهو اللهُ مِئَة بالمِئَة، وهو إنسانٌ مِئَة بالمِئَة. وقد تَقول: "أنا لا أَفهمُ ذلك". أنتَ لستَ بحاجةٍ إلى فَهمِ ذلك؛ ولكنَّ عَدَمَ فَهمِكَ لَهُ لا يَعني أنَّهُ غيرُ صَحيح. فكما تَرَوْنَ، نحنُ لا نَفهَمُ كُلَّ شَيءٍ حَقيقيٍّ. فلو كانَ ذلكَ صَحيحًا لكُنتَ مِثلَ اللهِ. ولكنْ تُوجَد أُمورٌ تَختصُّ باللهِ لا يُمكِنُكَ أن تَفهمَها، ولا يُمكنُني أنا أن أفهمَها. وأنا مَسرورٌ بذلك لأنَّ هذا يَعني أنَّ اللهَ أَذكَى جِدًّا مِنِّي. وهذا هوَ اللهُ الَّذي أريدُهُ لأنِّي لا أريدُ إلهًا مِثلي. لِننظُر إلى أحدِ أسفارِ الكتابِ المقدَّس. لِنَنظُر مَثَلاً إلى الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي واسأل نَفسَكَ السُّؤالَ التَّالي: مَن كَتَبَ الرِّسالة إلى أهلِ فيلبِّي، اللهُ أَمْ إنسان؟ يُمكِنُكَ أن تَقولَ إنَّ كُلَّ كَلِمَة خَرَجَت مِن قَلبِ بولُس، وإنَّ كُلَّ كَلِمَة خَرَجَت مِن فَمِ بولُس، وإنَّ كُلَّ كَلِمَة تُعَبِّرُ عَمَّا يُريدُ بولُسُ أن يَقولَهُ. كذلكَ فإنَّ كُلَّ كَلِمَة مُوحَى بِها مِنَ الرُّوحِ القُدُس. ونَحنُ هُنا أمامَ المَوقِفِ نَفسِه. فالرِّسالةُ كُلُّها كَتَبَها بولُس، وهي كُلُّها تُعَبِّرُ عن قَلبِه، وتُعَبِّرُ عن شَغَفِه، وتُعَبِّرُ عن كُلِّ ما أرادَ أن يَقولَهُ؛ ولكنَّ كُلَّ كلمة هي أيضًا مُوحَى بِها مِنَ رُوحِ اللهِ. فأنتُم تُناقِشونَ المَسألةَ ذاتِها.

لِذا، عندما تَتحدَّثُ عن مَوضوعِ التَّقديسِ، أوِ النُّموِّ الرُّوحيِّ، أوِ النُّضْجِ الرُّوحِيِّ، وتَسألُ نَفسَكَ: هل أنا المَسؤولُ عن ذلكَ أَمِ الله؟ فإنَّكَ تَدخُلُ في الحقيقةِ في نَفسِ النِّقاشِ اللاَّهوتِيِّ الَّذي تَخوضُهُ في جَوانبَ عَديدة أخرى. والحقيقة هي أنَّ "جون موراي" (John Murray) يَقولُ إنَّهُ في كُلِّ عَقيدةٍ رَئيسيَّة في العهدِ الجديد، هُناكَ تَناقُضٌ ظَاهِرِيٌّ لا يُمكِنُ أن يُحَلَّ مِن تِلقاءِ ذاتِهِ في ذِهنِ الإنسان. لِذا، عندما نُناقِشُ مَوضوعَ التَّقديسِ هذا، هَل يَنبغي لنا أن نُناقِشَهُ بِعقليَّةِ "هَذا أو ذاك"، أو بِعَقليَّةِ "إمَّا الله وإمَّا أنا"، أو هل يَنبغي لنا أن نَقبَلَ أَحَدَ الخِيارَيْنِ ونَرفُضَ الآخر؟

والآن، لِنَنظُر قَليلاً إلى هَذَيْنِ القُطْبَيْن. فوُجهَةُ النَّظَرِ الَّتي تَتَبَنَّاها تلكَ السيِّدة تُسَمَّى عادَةً: "السُّكونِيَّة" (quietism). بعبارةٍ أخرى، إنَّ المُؤمِنَ سَاكِنٌ، أو سَلبيٌّ. ويُمكنكم أن تُسَمُّوها: "السَّلبيَّة الرُّوحيَّة". فأنتَ تَقَعُ في خَانَةِ السَّلبيَّة. أو أنتَ تَترُكُ نَفسَكَ على سَجِيَّتِكَ وتَطلُبُ مِنَ اللهِ أن يَفعلَ كُلَّ شَيء. وكانَ أنصارُ هذهِ النَّظرةِ يَقولون: "أنا لا أستطيعُ؛ ولكنَّ اللهَ يَستطيع". ووُجهةُ النَّظرِ الأخرى تُسَمَّى: "التَّقَوِيَّة" (pietism) لأنَّها تُرَكِّزُ على بَذْلِ كُلِّ جُهدٍ مُمكِنٍ في سَبيلِ التَّقوى الشَّخصيَّة. لِذا، هُناكَ النَّظرة السُّكونِيَّة مِن جِهَة حيثُ إنَّكَ لا تُؤدِّي أيَّ دَورٍ البَتَّة. وهُناكَ النَّظرةُ التَّقَويَّةُ مِن جِهةٍ أخرى حيثُ إنَّكَ تَجِدُّ، وتَجتَهِدُ، وتَتْعَبُ في حَياتِكَ الرُّوحيَّةِ، وتَفعلُ كُلَّ ما يُمكِنُكَ فِعلُه كي تَعيشَ حَياتَكَ المَسيحيَّةَ كَما يَنبغي.

وإليكُم هذهِ الخَلفيَّة الصَّغيرة: فالسُّكونِيَّة هي شَكلٌ مِن أشكالِ التَّصَوُّف، وهي نَظرة ذَاتيَّة. وقد كانت في الأصل شائعةً جدًّا في أوساطِ جَماعة "الكويكرز" (Quakers) أوِ "الأصدقاء"، ثُمَّ إنَّها صَارَت جُزءًا مِن مُنْشِدي الكَمالِ الأرمينيِّينَ الَّذينَ كانوا يُؤمِنونَ بأنَّكَ تَستطيعُ أن تَصِلَ بعدَ اهتِدائِكَ إلى نُقطةٍ تَصيرُ فيها مُستسلِمًا كُليًّا للهِ حَتَّى إنَّكَ لا تُخطِئُ مَرَّةً أخرى. فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ عَملَ التَّقديسِ لا يَتطلَّبُ أيَّ جُهدٍ مِن جَانِبِنا سِوى التَّسليم. والحقيقةُ هي أنَّهُم يَقولونَ إنَّ أيَّ مَجهودٍ نَقومُ بِهِ يُعيقُ عَمليَّةَ التَّقديس، وإنَّهُ يجبُ علينا ألاَّ نَفعلَ ذلك، بل أن نَموتَ عن أنفسِنا، وأن نَصلِبَ أنفسَنا، وأن نَضَعَ أنفسَنا على المَذبح. وقد سَمِعنا جَميعًا عِظاتٍ تُطالِبُنا بِوَضْعِ حَياتِنا على المَذبَح، وَصَلْبِ أنفسِنا، وما إلى ذلك. وَهُم يَقولونَ إنَّ دَورَنا الصَّحيحُ يَقتضي مِنَّا أن نَستسلِمَ للهِ، وأن نَدَعَهُ يُعطينا حَياةَ النُّصرةِ على الخَطيَّة. فنحنُ نُسَلِّمُ حَياتَنا للهِ، وهو يَتَدَخَّل، ويَسكُنُ فينا، ويُعطينا نُصْرةً. وكانت هُناكَ تَرنيمةُ قَديمةٌ لأتباعِ السُّكونيَّة تَقول: "القَداسَةُ هِيَ مِن خِلالِ الإيمانِ بيسوعَ؛ لا مِن خِلالِ أيِّ مَجهودٍ مِنِّي". فأنا لا أفعلُ أيَّ شَيء.

والمَعنى الضِّمنيُّ هُنا هو أنَّ المَسيحيَّ يَختارُ حَياةَ الإيمانِ والاتِّكالِ ويَقولُ "لا" لحياةِ الجُهدِ والطَّاعةِ أيضًا. وَهؤلاءِ يَستَنِدونَ إلى جُزءٍ مِن آيةٍ بَعدَ عَزْلِهِ عن سِياقِه، وهو مِنَ رِسَالة غَلاطيَّة 2: 20: "لا أنا، بَلِ المَسيح". وبالمُناسَبة، إنَّ تلكَ الآية تُحافِظُ على التَّوازُنِ بينَ كِلا الجَانِبَيْنِ إذْ تَقول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ..." [كَما يَقولُ بولُس] "...فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". فقد كانَ يَعيشُ في نَفسِ ذلكَ التَّوازُن. فأنا حَيٌّ؛ ولكنَّ المَسيحَ يَحيا فِيَّ. ولكنَّ أتباعَ المَذهَبِ السُّكونِيِّ يَقولون: "لا أنا، بلِ المَسيح"، ويُحاولونَ أن يُزيلوا ذلكَ التَّوازُن. ورُبَّما كانَ واحِدٌ مِن أَبرَزِ كُتَّابِهِم المَشهورينَ هُوَ رَجُلٌ يُدعى "ترمبل" (Trumble). ولكي أُعطيكُم فِكرةً صَغيرةً عن نَظرتِهِ كي تُمَيِّزوها حينَ تَرَوْها، فإنَّ "ترمبل" يَكتُبُ ما يَلي: "هُناكَ حَقيقةٌ بَسيطَةٌ وهي أنَّهُ عندما يَقومُ الإنسانُ الَّذي يَتَّكِل على المَسيحِ بِوَصْفِهِ مُخَلِّصًا بِتَسليمِ نَفسِهِ تَسليمًا كَامِلاً للمَسيحِ بِوَصْفِهِ سَيِّدًا..." [وهو أَمرٌ يَرَوْنَ أنَّهُ يَحدُثُ بعدَ الاهتِداء] "...سيُبدي المَسيحُ حينئذٍ استِعدادَهُ للهَيمنةِ تَمامًا على تلكَ الحَياةِ ويَملأها حَالاً بِذاتِهِ. فعندما نُسَلِّمُ أنفسَنا لَهُ ونَتَّكِلُ عليهِ تَمامًا فإنَّنا نُميتُ ذَواتِنا. وحينئذٍ، يَستطيعُ المسيحُ أن يُخْلينا مِن أنفسِنا ويَحِلَّ مَحَلَّنا. لِذا فإنَّنا لَسنا نَحنُ الَّذينَ نَحيا، بل إنَّ المَسيحَ هُوَ الَّذي يَحيا فينا بِشَخصِهِ ويَملأُ حَرفيًّا كِيانَنا بِذاتِهِ في حُضورٍ شَخصيٍّ حَقيقيٍّ. وهو يَفعلُ ذلكَ لا رَمزيًّا، بل حَرفيًّا كَما نَفعلُ حينَ نَملأُ مَلابِسَنا بِذواتِنا" [نِهايةُ الاقتباس].

بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ إنَّكَ تَصِلُ إلى نُقطةِ التَّسليمِ هَذِهِ، وتُجَرِّدُ ذاتَكَ مِن ذَاتِكَ فيَصيرُ المَسيحُ ذاتَكَ الجَديدة. وهذا يُشبِهُ التَّجَسُّد. وهو يَقولُ أيضًا: "في هذهِ الحالَة، لن يَختبرَ المَسيحيُّ أيَّة تَجارِب لأنَّها هُزِمَتْ مِن قِبَلِ المَسيحِ قبلَ أن يَحينَ الوَقتُ الَّذي تَجتَذِبُهُ بِها تلكَ التَّجارِبُ إلى سَاحَةِ المَعرَكة". وأودُّ أن أسألَ عَمَّا تَبَقَّى مِن ذلكَ الشَّخصِ لاجتِذابهِ إلى سَاحةِ المَعركةِ إن كانَ المَسيحُ قد صَارَ هُوَ حَياةُ المُؤمِن. ولكنَّكُم تَفهمونَ قَصدي. فأنتَ تَموتُ، وتُسَلِّمُ حَياتَكَ، وتَضَعُ حَياتَكَ على المَذبَح. فأنتَ تَصيرُ شَخصًا ليسَ لَهُ أيُّ دَورٍ رُوحيٍّ. فالمسيحُ يَملأُكَ، ويَعيشُ حَياتَهُ مِن خِلالِك. وكُلُّ شَيءٍ يَعتَمِدُ عليهِ حينئذٍ.

وإن كُنتَ تَقولُ إنَّ المَسيحيَّ لا يَختبر التَّجارِب لأنَّها هُزِمَتْ مِن قِبَلِ المَسيحِ قبلَ أن تَحينَ الفُرصةُ لِجَرِّ المُؤمِنِ إلى سَاحَةِ المَعركةِ، فإنَّ ذلكَ يَدفَعُنا إلى طَرْحِ السُّؤالِ التَّالي: في حَالِ أنَّ ذلكَ المُؤمِنَ أخطأ، على مَن يَقَعِ اللَّوم؟ أليسَ كذلك؟ على مَن يَقَعُ اللَّوم؟ فإن كُنتُ قد سَلَّمتُ حَياتي للمَسيحِ، وفي لَحظةِ التَّسليمِ تلكَ جاءَ المَسيحُ لِيَحيا حَياتَهُ فِيَّ، وإن كَانَ يَحيا حَياتَهُ فِيَّ ووَقعتُ أنا في خَطيَّةٍ مَا، على مَن يَقَعِ اللَّوم؟ لا يُعقَلُ أن يَقَعَ اللَّومُ عَليَّ لأنِّي سَلَّمتُ نَفسي لَهُ. ولكن لا يُعقَلُ أن يَقَعَ اللَّومُ على اللهِ لأنَّ اللهَ ليسَ هُوَ مُنِشئُ الخَطيَّة. فَلا يَجوزُ البَتَّة أن يَقَعَ اللَّومُ عليهِ هُوَ.

لِذا فإنَّهُم يُبَرِّرونَ ذلكَ بالقول: "لقد نَزَعْتَ نَفسَكَ عَنِ المَذبَح، واستَعَدْتَ نَفسَكَ. فقد تَراجَعْتَ عنِ التَّسليمِ بعدَ أن وَضعتَ نَفسَكَ بينَ يَديِّ اللهِ". ولكنَّ هذا لا يُجيبُ عنِ السُّؤال. فكيفَ يُمكنُ أن أقعَ في هذهِ التَّجربة إن كانَ اللهُ هُوَ المُهيمِنُ على كُلِّ شَيء؟ فإن كُنتُ قد سَلَّمتُ حَياتي للمَسيحِ وَهُوَ يَحيا حَياتَهُ مِن خِلالي، كيفَ يُعقَلُ أن أُخطِئ؟ وكيفَ أتوقَّفُ عنِ التَّسليمِ إن كُنتُ قد سَلَّمتُ نَفسي مَرَّةً وصَارَ هُوَ المُهيمِن. فحيثُ إنَّهُ المَسؤولُ، لا شَكَّ في أنَّهُ سَيَحُولُ دُونَ حُدوثِ هذا الأمر. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ لن يُخطِئ!

وقد اضطُرَّ هؤلاءِ إلى تَقديمِ أمثلةٍ إيضاحيَّةٍ مُتحايِلَة تُدَعِّمُ هذهِ العَقيدة تَحديدًا. وأحدُ الأشخاصِ الَّذينَ صَاغُوا ذلكَ أفضلَ مِن أيِّ شخصٍ آخر هو سَيِّدة تُدعَى "هَانا سميث" (Hanna Smith). ورُبَّما قَرأَ بَعضٌ مِنكُم كِتابَها بعُنوان: "السِّرُّ المَسيحيُّ لِحياةٍ سَعيدة" (The Christian Secret of a Happy Life). فقد قَرأَهُ مَسيحيُّونَ كَثيرون. وفي هذا الكِتابِ، تُقَدِّمُ الكاتِبَةُ مَثَلاً إيضاحِيًّا لمُساعَدَتِكُم على فَهمِ حَياةِ التَّسليمِ هذِه. فقد كَتَبَت ما يَلي: "مَا الَّذي يُمكِنُ أن يُقالَ عن دَورِ الإنسانِ في هذا العَملِ العَظيمِ سِوى أنَّهُ ينبغي لهُ أن يُسَلِّمَ نَفسَهُ دَائمًا وأن يَستمرَّ دائمًا في الاتِّكالِ على الله؟ ولكن عندما نأتي إلى الجَانبِ الإلهيِّ مِنَ المَسألة، فإنَّنا نَجِدُ أنفسَنا أمامَ حَقائِقَ لا يَذكُرُها أحدٌ بخصوصِ الطُّرُقِ الكثيرةِ والرَّائعةِ الَّتي يُحَقِّقُ بها الأمورَ الَّتي نُسَلِّمُها لَهُ. وَهُنا يَحدُثُ النُّموُّ". وهي تُقَدِّمُ مَثَلَها الإيضاحِيَّ قَائِلةً: "لا يُمكِنُ لقِطعةٍ مِنَ الطِّينِ أن تَصيرَ وِعاءً خَزفيًّا جَميلاً إن بَقِيَت قِطعةَ طِينٍ آلافَ السِّنين. ولكن عندما تُوضَعُ بينَ يَديِّ فَخَّارِيٍّ مَاهِرٍ فإنَّها تَنمو بسُرعة تَحتَ رِعايَتِهِ وتَصيرُ الإناءَ الَّذي قَصَدَ أن تَكون. وبالطَّريقةِ نَفسِها فإنَّ النَّفسَ الَّتي تُترَكُ لعملِ الفَخَّاريِّ السَّماويِّ تَصيرُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّد" [نِهايةُ الاقتباس].

لِذا فإنَّها تَقولُ إنَّ هذا المَثَلَ هُوَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ رائعٌ على ذلك. فأنتَ قِطعةُ طِين. والفَخَّارِيُّ يَفعلُ كُلَّ شَيء. وكُلُّ ما تَفعلُهُ أنتَ هُوَ أنَّكَ تَضَعُ قِطعةَ الطِّينِ تلكَ على الدُّولاب. فأنتَ تَتَسَلَّقُ الدُّولابَ وتَستلقي عليه. وَهُوَ يَجعلُ مِنكَ الإناءَ الَّذي يُريد. لِذا فإنَّكَ لا تُؤدِّي أيَّ دَوْرٍ. والسُّؤالُ الَّذي يَنبغي أن تَطرَحوهُ هُوَ: إذًا، ما الَّذي يَحدُثُ عندما يُخطِئُ المُؤمِن؟ ما الَّذي يَحدُث؟ ومَنِ المَسؤولُ عن ذلك؟" وهي تُجيبُ قائلةً: "عندما يُخطئُ المُؤمِنُ فإنَّ هذا يَعني أنَّ المُؤمِنَ نَزَعَ نَفسَهُ مِن بينِ يَديِّ الفَخَّارِيِّ السَّماويّ". ولكِن مَهلاً! إنَّها مُجرَّدُ قِطعةُ طِين. فهي تَقفِزُ إلى الدُّولابِ ثُمَّ تَقفِزُ عَنهُ مَرَّةً أخرى! لِذا فإنَّ المَثَلَ الإيضاحِيَّ يَفشَلُ في هذهِ النُّقطةِ تَحديدًا. فإن كان المُؤمِنُ في لَحظةٍ مَا أو في أَزْمَةٍ مَا يُسَلِّمُ نَفسَهُ ليكونَ قِطعةَ طِينٍ طَيِّعَةً ولَيِّنة تَمامًا، وليسَت لَها إرادَة ذاتِيَّة، وتَضَعُ نَفسَها تَحتَ الرِّعايةِ الإلهيَّةِ الكاملةِ، والرَّبُّ يَعملُ كُلَّ مَا يَختصُّ بتشكيلِها، كيفَ يُعقَلُ أنَّ نَفسَ قِطعةِ الطِّينِ تلكَ تُقَرِّرُ أن تَقفِزَ مِن بينِ يَديِّ الفَخَّاريّ؟ يا لَها مِن قِطعةِ طِينٍ فَريدة مِن نَوعِها!

لِذا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا أنَّ وُجهَةَ النَّظرِ تلكَ تُواجِهُ مُعضِلاتٍ عَويصَة. فإن سَلَّمتُ حَياتي للمسيحِ وصَارَ الآنَ يَحيا فِيَّ، ولم يَكُن لي أيُّ دَورٍ، لا بُدَّ أنَّهُ هُوَ المَسؤولُ عن أيَّةِ مَشاكِل قد تَحدُث.

والآن، هذا يَقودُنا إلى استِعراضٍ سَريعٍ لوُجهةِ النَّظرِ الأخرى وهي المَذهبُ التَّقَوِيُّ. فالمَذهبُ التَّقويُّ مُرتبطٌ عادةً بحركةٍ ظَهَرَت في القَرنِ الثَّامِن عَشَر في ألمانيا كَرَدَّةِ فِعل على العَقيدةِ القَويمةِ المَيْتَة في الكنيسةِ اللُّوثَريَّة. وهي تَتَّسِمُ، بالمُناسَبَة، بالعَديدِ مِنَ السِّماتِ الرَّائعة. فقد كانتِ الحَرَكَةُ التَّقَويَّةُ تُرَكِّزُ كثيرًا على دراسةِ الكتابِ المقدَّسِ، والحَياةِ المُقدَّسةِ، والمَسيحيَّةِ العَمليَّةِ، والخِبراتِ الرُّوحيَّةِ، والانضباطِ الذَّاتِيِّ. وقد تَبَنَّوْا وُجهةَ النَّظرِ المُعاكِسَةِ تَمامًا للنَّظرةِ السُّكونيَّة. فهي تَقولُ إنَّهُ يجبُ على المؤمنِ أن يُشاركَ بكُلِّ كِيانِهِ وقُدُراتِهِ وأعضائِهِ وعَقلِهِ وقَلبِهِ ونَفسِهِ في الأمورِ المُختصَّةِ بالتَّقوى. فالأمرُ يَتطلَّبُ مِنكَ أن تَبذُلَ أقصى جُهدٍ لديكَ كُلَّ الوقتِ في سَبيلِ اتِّباعِ التَّقوى. وقد كانت تُرَكِّزُ على الحَاجةِ إلى الأعمالِ الصَّالحةِ، وعلى ضَرورةِ أن تَكونَ نَافِعًا، وعلى حَقيقةِ أنَّهُ إن كانَ هُناكَ إيمانٌ لا يُؤدِّي إلى الأعمالِ فإنَّهُ ليسَ إيمانًا مُخَلِّصًا. وقد كَانوا يَستَشهِدونَ بآياتٍ مِثلَ الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس 7: 1: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ"، ويَقولونَ إنَّ هذا هُوَ دَورُنا، وإنَّ هذا هُوَ وَاجِبُنا.

وبصورةٍ رئيسيَّة، لا أعتقدُ أنَّ التَّقَوِيِّينَ كانوا حَقًّا غيرَ مُتَّزِنين؛ ولكنَّ تلكَ النَّظرة التَّقَوِيَّة قد تَفقِدُ اتِّزانَها لأنَّها قد تُفْرِطُ في التَّركيزِ على الجُهدِ الذَّاتِيِّ. وهل تَعلَمونَ ما الَّذي يَفعلُهُ الإفراطُ في التَّركيزِ على الجُهدِ الذَّاتِيِّ؟ إن كُنتَ تُؤمِنُ بأنَّ كُلَّ تَقدُّمِكَ الرُّوحِيِّ نَاجِمٌ عن قُدرتِكَ على تَكريسِ نَفسِكَ، وضَبْطِ نَفسِكَ، وتَوجيهِ نَفسِكَ في الاتِّجاهِ الصَّحيح، سوفَ تَختبرُ شَيئَيْن: الأوَّلُ هو أنَّهُ عندما تُحَقِّقُ نَجاحًا سَتَشعُرُ بالكِبرياء؛ والثَّاني هو أنَّهُ عندما تُخفِقُ ستَشعُرُ باليأس. فسوفَ تَشعُرُ بالكِبرياءِ لأنَّكَ عَزَوْتَ كُلَّ الفَضلِ إلى نَفسِك. وسوفَ تَشعُرُ باليأسِ لأنَّكَ إن كُنتَ أنتَ هُوَ المَصدرُ الوَحيدُ، أينَ ستَلتَجِئُ الآن؟ لِذا، يجبُ عليكَ أن تُعالِجَ هذهِ المَسألة.

والآن، إن كُنتُ أُبالِغُ في التَّركيزِ على وُجهةِ النَّظرِ السُّكونِيَّة فإنَّني أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يَفعلُ كُلَّ شَيء. وإن أخفقتُ فإنَّها مُشكلة كَبيرة. فالمُشكلةُ هي: ماذا ستَفعلُ بخطيَّتِك؟ سوفَ تَلومُ اللهَ عَليها لأنَّهُ هُوَ المُهيمِن. مِن جِهة أخرى، إنْ أَفْرَطْتُ في التَّركيزِ على النَّظرةِ التَّقويَّةِ الَّتي تَقولُ "يجبُ عليَّ أن أفعلَ كُلَّ شَيءٍ بنَفسي"، وأَحسَنتُ القِيامَ بالعمل، سأحصُلُ أنا على المَجد. وإن أَخفَقْتُ، سأشعُرُ بأنِّي بائسٌ لأنَّهُ لا يُوجَدُ لَديَّ مَلاذٌ أَلتَجِئُ إليه. ولكِن يُوجَدُ تَوازُن. وأعتقدُ أنَّ التَّوازُنَ مَوجودٌ في هذا المَقطَع. فهو مَوجودٌ في هذا المَقطَع.

والآن، بعدَ أن قُلنا ذلك، اسمَحوا لي أن أَقرأَ هَاتينِ الآيتينِ على مَسامِعِكُم: "إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ". هل سَمِعتُم ذلك؟ تَمِّمُوا خَلاصَكُم. وقد تَقول: "لا بُدَّ أنَّ بولُس تَقَوِيٌّ بِكُلِّ تأكيد". إنَّهُ تَقَوِيٌّ. فقد قالَ ذلكَ للتَّوّ. انظُروا إلى العَدد 13: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". وقد تَقول: "لا، هُناكَ شَيءٌ حَدَثَ بينَ العَدد 12 والعَدد 13. فقد صَارَ مِن أصحابِ المَذهبِ السُّكونِيِّ! فهو يَطلُبُ مِنَّا أن نَعملَ ذلكَ بأنفسِنا في العَدد 12، وهو يَقولُ إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَفعلُ ذلكَ في العَدد 13".

والآن، كيفَ نَفهمُ ذلك؟ لا حَاجَةَ إلى التَّعَجُّبِ هُنا... لا حَاجَة حَقًّا إلى التَّعَجُّب. فهذهِ ليست فِكرة جَديدة. إنَّها ليست فِكرة جَديدة. فأنتَ تَقول: "تَمِّمُوا خَلاصَكُم"، ثُمَّ تَلتفِت وتَقول: "لأنَّ اللهَ هُوَ العَامِلُ فيكُم". إنَّها ليست فِكرة جَديدة. واسمَحوا لي أن أُريكُم شَيئًا. في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل... وأنا أريدُ أن أُريكُم هذا لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ مُهمٌّ لكم لكي تَرَوْا السِّمَةَ الغَالِبَةَ لهذهِ المسألةِ تَحديدًا وهذا المَبدأِ تَحديدًا. فَمِنَ المُهمِّ جدًّا جدًّا أن تَفهموا هذا. انظروا إلى سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 54. فنحنُ نَقرأُ هُنا عن سُليمان وصَلاتِهِ التَّكريسيَّة وخِطابِهِ لبَني إسرائيل. فقد كَرَّسوا المَكانَ الَّذي بَنَوْهُ لعبادةِ اللهِ؛ أيِ الهَيكل. وفي العَدد 54، نَبتدئُ في رُؤيةِ سُليمان يُخاطِبُ الشَّعبَ بعدَ أنْ انتَهَى مِن صَلاتِهِ. فنحنُ نَقرأُ: "وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى سُلَيْمَانُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلَى الرَّبِّ بِكُلِّ هذِهِ الصَّلاَةِ وَالتَّضَرُّعِ، أَنَّهُ نَهَضَ مِنْ أَمَامِ مَذْبَحِ الرَّبِّ، مِنَ الْجُثُوِّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَوَقَفَ وَبَارَكَ كُلَّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَال قَائِلاً". والآن، أريدُ مِنكُم أن تُتابِعوا هذا. فهذا هُوَ ما قَالَهُ: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ الَّذِي أَعْطَى رَاحَةً لِشَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ كُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَمْ تَسْقُطْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ كُلِّ كَلاَمِهِ الصَّالِحِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ يَدِ مُوسَى عَبْدِهِ. لِيَكُنِ الرَّبُّ إِلهُنَا مَعَنَا كَمَا كَانَ مَعَ آبَائِنَا فَلاَ يَتْرُكَنَا وَلاَ يَرْفُضَنَا".

والآن، انظروا إلى العَدد 58: "لِيَمِيلَ بِقُلُوبِنَا إِلَيْهِ". يَجبُ عليكم أن تَضَعوا خَطًّا تَحتَ هذهِ الكَلِمات. "لِيَمِيلَ بِقُلُوبِنَا إِلَيْهِ لِكَيْ نَسِيرَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ وَنَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا آبَاءَنَا". بعبارةٍ أخرى، إن أردنا أن نَكونَ مُطيعينَ، مَنِ الَّذي سيَجعلُنا مُطيعين؟ الله. فهو يَقول: "أنا أَتَضرَّعُ إلى اللهِ كي يُميلَ قُلوبَنا إليه". نَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ يَقولُ إنَّ قُدرتَنا على الطَّاعةِ تَتوقَّفُ على إمالَةِ اللهِ قُلوبَنا إليه. بعبارة أخرى، إنَّهُ عَمَلٌ إلَهِيٌّ.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 59: "وَلِيَكُنْ كَلاَمِي هذَا الَّذِي تَضَرَّعْتُ بِهِ أَمَامَ الرَّبِّ قَرِيبًا مِنَ الرَّبِّ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلاً، لِيَقْضِيَ قَضَاءَ عَبْدِهِ وَقَضَاءَ شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ، أَمْرَ كُلِّ يَوْمٍ فِي يَوْمِهِ. لِيَعْلَمَ كُلُّ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ". والآن، انظُروا إلى العَدد 61: "فَلْيَكُنْ قَلْبُكُمْ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِنَا". ضَعُوا خَطًّا تَحتَ هذهِ الكَلِمات. وقد تَقول: "ما مَعنى ذلك؟" هذا هُوَ الجَانبُ الآخر. فهو يَقولُ في العَدد 58: "يا رَبُّ، نَحنُ نَتَّكِلُ على إِمالَتِكَ لقُلوبِنا إليكَ". وَهُوَ يَقولُ في العَدد 61 للشَّعب: "فَلْيَكُنْ قَلْبُكُمْ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِنَا إِذْ تَسِيرُونَ فِي فَرَائِضِهِ وَتَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ". وهي نَفسُ النَّتيجَة.

لِذا، إن كُنتَ تَقِفُ هُناكَ في ذلكَ اليَوم وتَستَمِعُ إلى سُليمان، وجاءَ شَخصٌ بعدَ ذلكَ وقال: "أخبِرني عنِ الحَياةِ الرُّوحيَّة. أخبِرني عنِ القَداسَة. كيفَ يَحدُثُ ذلك؟" هَل هِيَ شَيءٌ نَفعلُهُ نَحنُ، أَم أنَّها شَيءٌ يَفعلُهُ اللهُ؟" سوفَ تَقول: "أجل، أجل". فنحنُ نُصَلِّي: "يا رَبُّ، أَمِلْ قُلوبَنا إليكَ". ثُمَّ إنَّنا نَقول: "يجبُ عَليكُم أن تُخَصِّصُوا قُلوبَكُم تَمامًا للرَّبّ". لِذا فإنَّ المَبدأَ المَذكورَ في رسالة أفسُس ليسَ جَديدًا. أليسَ كذلك؟

واسمَحوا لي أن أُريكُم ذلكَ مَرَّةً أخرى. الأصحاحُ الأوَّلُ مِن رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية. الأصحاحُ الأوَّلُ مِن رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية والعَدد الثَّالِث. فقد تَحَدَّثَ للتَّوّ عنِ اللهِ ورَبِّنا يَسوعَ المسيحِ. وهو يَتحدَّثُ عنِ القُدرةِ الإلهيَّةِ للرَّبّ. وهو يَقولُ في العَددِ الثَّالث: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". وقد تَقول: "مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ بُطرسَ مِن أصحابِ المَذهبِ السُّكونِيِّ". فهو يَقولُ ذلك. فكُلُّ ما هُوَ للحَياةِ والتَّقوى هُوَ هِبَة مِنَ اللهِ لَنا. فقُدرتُهُ الإلهيَّةُ هي الَّتي تَفعلُ كُلَّ شَيء. فقُدرتُهُ الإلهيَّةُ هي الَّتي خَلَّصَتنا حَرفيًّا، وجَعَلَتْنا [في العَددِ الرَّابعِ] "شُرَكاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّة، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَة". فقد تَقولُ إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَفعلُ كُلَّ شَيء. فكُلُّ الأشياءِ المُختصَّةِ بالحَياةِ والتَّقوى مَصْدَرُها الله.

ولكنِ انظُروا إلى العَددِ الخَامِس: "وَلِهذَا عَيْنِهِ، وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ، قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ إنَّهُ يَجدُرُ بِكُم أن تَجتهِدوا في القِيامِ بكُلِّ هذهِ الأشياء. وقد تَقول: "ولكِن مَهلاً مِن فَضلِك! إنَّهُ مِن أتباعِ السُّكونِيَّةِ في العَددِ الثَّالثِ، وهو مِن أتباعِ التَّقَوِيَّةِ في العَددِ الخَامِسِ وما يَليه!" إنَّها نَفسُ المَسألة. فهو يَقولُ إنَّ كُلَّ شَيءٍ يَأتي مِنَ اللهِ مِن جِهَة، ويَقولُ إنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ مِنْكَ بَذْلَ كُلِّ جُهدٍ لَديكَ مِن جِهَةٍ أخرى. فهو نَفسُ مَا قَالَهُ سُليمان، ونَفسُ مَا يَقولُهُ بولُس.

والآن بعدَ أن عَرَفنا ذلك، لِنَرجِع إلى الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالة فيلبِّي ونَنظُر إلى النَّصِّ، ونُقَدِّم الفِكرةَ الأولى. والسُّؤالُ الَّذي نَطرَحُهُ هُوَ: مَا هُوَ دَورُ المُؤمِنِ في التَّقديسِ، ومَا هُوَ دَورُ الله؟ هُناكَ نُقطَتانِ في هذا المُخَطَّط: عَمَلُ المُؤمِنِ في الخَارِج، وعَمَلُ اللهِ في الدَّاخِل. فالمُؤمِنُ يَعمَلُ في الخَارِج في العَدد 12، واللهُ يَعمَلُ في الدَّاخِل في العَدد 13. لِنَتحدَّث عن عَملِ المُؤمِنِ في الخَارِج، ونُمَهِّدُ على أقلِّ تَقدير للفِكرةِ مِن دُونِ الدُّخولِ في كُلِّ تَفاصيلِها الرَّائعة. وأودُّ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ يُوجَدُ في هذهِ الآيةِ عُمْقٌ كَبيرٌ جدًّا وغِنَى كَبير جدًّا يُتيحُ لنا أن نُناقِشَها مُطَوَّلاً حَتَّى إنَّهُ يُمكِنُكُم أن تَعِظوا أشهُرَ عَديدة عن هذهِ الآية المُنفرِدَة بسببِ أبعادِها. ولكنِّي أريدُ وَحَسْب أن آخُذَ الفِكرةَ الرَّئيسيَّة مِنَ العَدد 12 وأن أُخبِرَكُم على أقلِّ تَقدير مَعناها.

العَدد 12: "إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي..." وإليكُم الفِعلَ الرَّئيسيَّ والفِكرةَ الرَّئيسيَّة: "...تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَة". هذهِ هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّة في العَددِ الثَّاني عَشَر. تَمِّمُوا خَلاصَكُم. هذا هو المَبدأ. فبولُس يَقول لهؤلاءِ المُؤمنينَ في فيلبِّي: يَجِبُ عَليكم أن تُتَمِّمُوا خَلاصَكُم. وقد تَقول: "ما مَعنى ذلك؟" هُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ تَشَوَّشُوا جدًّا بسببِ هذهِ الجُملة. فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّها تَعني: اعمَلوا لأجلِ خَلاصِكُم. وهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّها تَعني: "اعمَلوا عَلى خَلاصِكُم. وقد يَظُنُّ أُناسٌ أنَّها تَعني: "شُقُّوا طَريقَكُم إلى الخَلاص". ولكنَّ الخَلاصَ ليسَ بالأعمال. أليسَ كذلك؟ فَلا يُمكِنُكَ أن تُخَلِّصَ نَفسَك. ولا يُمكِنُكَ أن تَعملَ مِن أجلِ ذلك، ولا أن تَشُقَّ طَريقَكَ إليه. "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ [مَاذا؟] أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (رسالة أفسُس 2: 8 و 9). ونَقرأُ في رسالة رُومية 3: 21-24 بِكُلِّ وُضوحٍ أنَّ أعمالَ النَّاموسِ لا تُبَرِّرُ أيَّ شَخصٍ، بَل إنَّ البِرَّ هُوَ بالنِّعمَة. فأنتَ لا تُخلِّصُ نَفسَكَ بنفسِك. فَلا يُوجَد خَلاصٌ بالأعمال. لِذا فإنَّهُ لا يَقولُ: "اعمَلوا لأجلِ"، أوِ: "اعمَلوا على"، أوِ: "شُقُّوا طَريقَكُم إلى" الخَلاص؛ بل يَقول: "تَمِّمُوا خَلاصَكُم".

وما مَعنَى ذلك؟ إنَّ الفِعلَ المُستخدَم هُنا مُهمٌّ ويَنبغي لنا أن نُلاحِظَهُ. فهو فِعْلُ أَمْرٍ بصيغةِ المُضارِع؛ أي أنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ يَنطَوي على الاستِمراريَّة بِمَعنى" استَمِرُّوا في بَذْلِ الجُهدِ لِتَتميمِ خَلاصِكُم". والآن، مَا مَعنى ذلكَ تَحديدًا؟ اسمَحوا لي أن أُساعِدَكُم على فَهمِ ذلك. إنَّ الفِعلَ يَعني دائِمًا، حَسَبَ فَهْمي لَهُ، أن تَفعلَ شَيئًا إلى التَّمام، أو إلى النِّهاية، أو إلى أقصَى حَدٍّ مُمكِن. أن تَفعلَ شَيئًا إلى التَّمام، أو إلى النِّهاية، أو إلى أقصَى حَدٍّ مُمكِن. وما يَقولُهُ بولسُ هُوَ التَّالي: "إنَّ الخَلاصَ الَّذي فيكُم يَحتاجُ إلى التَّكميلِ حَتَّى النِّهاية، وحَتَّى التَّمام. فَهُوَ حَقًّا فِعْلُ أمرٍ بِبَذْلِ الجُهدِ والاجتهادِ في تَتميمِ شَيءٍ ابتَدأَ في الأصل في الدَّاخِل.

وهذهِ فِكرةٌ غَنيَّة. وهُناكَ مَصدَرٌ عِلمانِيٌّ يَتحدَّثُ عن هذا الفِعلِ ويُقَدِّمُ مَعلوماتٍ مُفيدة. فالعالِمُ القَديمُ "ستريبو" (Strabo) كانَ رُومانِيًّا. وقد عَاشَ قبلَ نَحوِ سِتِّينَ سَنَة مِنَ المَسيح. وقد كَتَبَ باللُّغةِ اليونانيَّة. وهُناكَ قِصَّة في واحدٍ مِن كُتُبِهِ قَرأتُها في الأسبوعِ الماضي؛ وهي تَدورُ حَولَ مَناجِمٍ لاستِخراجِ المَعادِنِ كانَ الرُّومانُ قد حَفَروها في إسبانيا. وهو يَسْتَخْدِمُ هذا الفِعْلَ نَفسَهُ للإشارةِ إلى أنَّ الرُّومانَ "حَفَرُوا" هَذهِ المَناجِم. فَهُوَ يَستخدِمُ نَفسَ هذا الفِعل. وما يَعنيهِ بذلك هو أنَّ الرُّومانَ... وأعتقد أنَّهُ يُوَضِّحُ ذلكَ مِن خِلالِ كِتاباتِهِ إن كُنتُ أَذْكُرُ ذلكَ جَيِّدًا... أنَّ الرُّومانَ كانُوا يَمْلِكونَ هذهِ الأرض. فقد كانت مِلْكًا لَهُم. وكانوا يَستَخرِجونَ مِنها كُلَّ خَيراتِها وكُلَّ شَيءٍ قَيِّمٍ فيها مِن خِلالِ استِخراجِ مَا فيها مِن فِضَّة. ويبدو أنَّ هذا يُعَبِّرُ تَعبيرًا جَيِّدًا عن مَعنى هذهِ الكلمة. فيجب عليَّ أن أَستخلِصَ مِن حَياتي كُلَّ ما أَوْدَعَهُ اللهُ فيها مِن كُنوزٍ تَختصُّ بالخَلاص. فيجبُ عليَّ أن أستَخلِصَها. فيجب عليَّ أن أُنَمِّي في ذاتي صِفاتٍ شَخصيَّةً مِمَّا أَوْدَعَهُ اللهُ فِيَّ مِن جِهَةِ خَلاصي. وأعتقدُ أنَّ هذا هو المَعنى الأوَّلُ الَّذي يَنبغي لنا أن نَفهَمَ فيهِ هذهِ الآية وهذهِ الوَصيَّة. لِذا، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ الجَانبَ الأوَّلَ مِنها هُوَ أن نُمارِسَ مِن خِلالِ سُلوكِنا اليَوميِّ ما أَودَعَهُ اللهُ فينا. فيجبُ عليَّ أن أَستخلِصَ ما أَوْدَعُهُ اللهُ فِيَّ. فَهِيَ حَياةٌ مُقدَّسةٌ نَحياهَا يَومًا فَيَومًا. هذه هي الفِكرة. فيجبُ عليَّ أن أُكَرِّسَ نَفسي لِعَمليَّةِ خَلاصي النَّابعة مِنَ الدَّاخلِ إلى الخَارج بِمَعنى أن أُظهِرَها في سُلوكي وَتَصَرُّفي. وهذا حَقٌّ عَظيم.

والآن، هُناكَ ما يُشيرُ هُنا إلى أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَبذُلَ جُهدًا هائِلاً. وما أعنيه هو أنَّ الوَصيَّة تَفتَرِضُ بَذْلَ جُهْدٍ. فعندما يَقول: "تَمِّمُوا خَلاصَكُم"، فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ يجبُ عليكم أن تَفعلوا ذلك. يجبُ عليكم أن تُتَمِّموه. فهُناكَ تَكريسٌ. وهذهِ ليسَت نَظرة سُكونِيَّة، بل هي جُملةٌ قَويَّةٌ جدًّا عنِ الجُهدِ الشَّخصيِّ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَزخُرُ بمِثلِ هذهِ الوَصايا. فهُناكَ الآية رُومية 6: 19 حيثُ يَقولُ بولُس: "لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَة". بعبارة أخرى، أنتُم مَسؤولونَ عن تَقديمِ كُلِّ أعضائِكُم البَشريَّة للبِرِّ في عَمليَّةِ التَّقديس. فهو ليسَ مُجَرَّد تَجاوُب سَاكِن أو سَلبيّ، بل هو سَعْيٌ جَادٌّ جِدًّا إلى الطَّاعة يَصِلُ إلى حَدِّ تَشبيهِ مَن يَفعلَ ذلكَ بالعَبد. ثُمَّ إنَّ هُناكَ الآية الَّتي ذَكَرناها سَابِقًا والَّتي تَقول: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" (رسالة كورنثوس الثَّانية 7: 1). وهُناكَ آياتٌ كثيرةٌ أخرى مِثلَ رسالة أفسُس والأصحاحِ الرَّابع: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ... أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا". وَهُوَ يَذكُرُ بالتَّفصيل كيفَ يَنبغي أن تَفعلوا ذلك. ونَقرأُ في رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّالثِ أنَّنا حَصلنا على حَياةٍ جَديدة. لِذا، يجبُ علينا أن نَطرَحَ عَنَّا الغَضَبَ، والسَّخَطَ، وَكُلَّ تلكَ الأشياء، وأَلاَّ نَكذِبَ بَعضُنا على بَعض، وَأَلاَّ نَفْتَري على الآخرين. فكُلُّ تلكَ الوَصايا تُشيرُ ضِمنيًّا إلى أنَّنا أمامَ مَسؤوليَّة. فلو كانَ الأمرُ مَحسومًا، مَا الَّذي سيَدفَعُهُ إلى إخبارِنا بأن نَفعلَ ذلك؟ فإن كانَ يَعرفُ كيفَ يَفعلُ ذلكَ فإنَّهُ سَيَفعلُ ذلكَ إن كُنَّا قد سَلَّمنا أنفسَنا. وكما تَرَوْنَ فإنَّ كُلَّ الوَصايا الكِتابيَّة تَفتَرِضُ مُسَبَّقًا أنَّ هُناكَ مَسؤوليَّة مُلقاة على عَاتِقِ المُؤمِن.

فنحنُ مُدعُوُّونَ إلى حَياةِ القَداسةِ كُلَّ يَوم، وإلى تَتْميمِ العَملِ الَّذي ابتَدأَهُ اللهُ فينا، وإلى استِخلاصِ المَعادِنِ الثَّمينةِ الَّتي أَوْدَعَها اللهُ فينا في الخَلاصِ وإظهارِها في تَصَرُّفاتِنا الخَارِجيَّةِ كي يَحصُلَ اللهُ على كُلِّ حَمْدٍ وتَسبيح.

وفي رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحِ التَّاسعِ... لا يُمكنُني أن أتحدَّثَ عن هذا المَوضوعِ مِن دُونِ أن أَجذِبَ انتبَاهَكُم إلى ما جاءَ في رسالة كورِنثوسَ الأولى 9: 24 إذْ إنَّ بولسَ يَقولُ ما يَلي. انظروا إنْ كانت هذهِ نَظرة سَلبيَّة: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا". هذا جُهْدٌ يا أحبَّائي؛ بل إنَّهُ جُهْدٌ كَبيرٌ جدًّا. "وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلاً يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلاً لاَ يَفْنَى. إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ". أنا لا أُلاكِمُ الهَواءَ، ولا أَدُورُ حَولَ نَفسي، بل إنِّي أتدرَّبُ إلى أقصَى حَدٍّ مُمكنٍ كي أفَوز.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 27: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي [أوْ أُسَدِّدُ اللَّكَماتِ إلى جَسَدي] وَأَسْتَعْبِدُهُ". وهذا يَتطلَّبُ جُهدًا كبيرًا جدًّا كالرَّكضِ، والمُلاكَمَةِ، وَقَمْعِ جَسَدِه، وتَسديدِ ضَرْبَةٍ قَاضية إليهِ لكي يَخضَعَ للنَّمَطِ الإلهيِّ. إنَّهُ جُهدٌ عَظيم. فهو سِباق. وبولُس يَقولُ في رسالتِهِ الثَّانية إلى تيموثاوس: "قَدْ جَاهَدْتُ [ماذا؟] الْجِهَادَ الْحَسَن. أَكْمَلْتُ السَّعْيَ". فَهِيَ مَعركة. وَهُوَ سِباقٌ. وهي مُباراةُ مُلاكَمَة. فهو يَقول: "نَحنُ نُجاهِدُ... نَحنُ نُجاهِدُ". وَهُوَ يَتحدَّثُ عن أنَّ أسلِحَةَ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بل رُوحيَّة (في الأصحاحِ العاشِرِ مِنَ الرسالةِ الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس). فهو يَبذُلُ جُهدًا عَظيمًا، ويُجاهِدُ جِهادًا عَظيمًا.

وحيثُ إنَّنا نَتأمَّلُ في الرِّسالة إلى أهلِ فيلبِّي، رُبَّما تَرغبونَ في التَّأمُّلِ فيها ورُؤيةِ جُزءٍ مِن جِهادِ الرَّسول إذْ نَقرأُ في العَدد 12: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ". وسوفَ نَعودُ للتَّحدُّثِ عن ذلك؛ ولكنَّهُ يَسعَى، ويَتحرَّك، ويَركُض، ويُجاهِد. ونَقرأُ في العَدد 13: "...أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فأنا أَسعَى، وأتحرَّكُ، وأَضبُطُ نَفسي، وأُخضِعُ ذَاتي، وأبذُلُ أقصَى جُهدٍ مُمكِن. وإنِ اضطُررتُ فإنِّي أقمَعُ جَسدي وأُخضِعُهُ، وأَحمِي ذِهني، وأجعلُ أعضائي تَخضَعُ للمِعيارِ الإلهيِّ. وهذا تَكريسٌ عَظيمٌ، وجُهدٌ عَظيم.

وفي الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الرَّابع، هل تَذكرونَ ما قَالَهُ في العَدد 15؟ "اهْتَمَّ بِهذَا". فبولُس يَقولُ لتيموثاوس: "كُنْ فِيهِ، لِكَيْ يَكُونَ تَقَدُّمُكَ ظَاهِرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ". انشَغِل بالأمورِ الرُّوحيَّةِ في الحَياة. وهو يَقولُ لَهُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدد 12: "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا". إنَّها كَلِماتٌ قَويَّة.

والآن، اسمَعوني جِيِّدًا: إنَّ هَذينِ المَقطَعَيْنِ الأخيرَيْنِ اللَّذينِ قَرأتُهُما على مَسامِعِكُم يَنقلانا إلى البُعدِ الثَّاني مِنْ تَتميمِ خَلاصِنا. فالبُعدُ الأوَّلُ هو أن نَعيشَ في الخَارِجِ ما صَنَعَهُ اللهُ في الدَّاخِل؛ أيْ أن تَتبَعوا الصَّلاحَ، والتَّقوى، والقَداسةَ، والطَّاعةَ في حَياتِكُم في الخَارِج. أمَّا الشَّيءُ الثَّاني فهو كَما يَلي: إنَّ هذا الفِعلَ [كما قُلتُ] يَعني دائمًا أن تُتِمَّ عَمَلاً مَا. وأعتقدُ أنَّ هذا الشَّيءَ مُتَأصِّلٌ في تَتميمِ خَلاصِكُم. ورُبَّما كانتِ الفِكرةُ السَّائدةُ هي التَّالية: أنْ تَحرِصُوا على التَّعبيرِ الكامِلِ والنِّهائيِّ عنِ الخَلاصِ، بل وَحَتَّى تَمجيدِكُم، في الوقتِ الَّذي تَلتقونَ فيهِ المَسيح. فَهُوَ لا يَتحدَّثُ فقط عن تَتميمِ خَلاصِكُم، بل عنِ العَمَلِ على خَلاصِكُم بِمَعنى أن تَعمَلوا لأجلِ تلكَ اللَّحظةِ الَّتي سَتَرَوْنَ فيها المَسيحَ وتَنالُوا غَايةَ إيمانِكُم؛ أيْ إلى مِلْءِ الخَلاص.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ هُناكَ ثَلاثة أبعاد للخَلاصَ: المَاضي، والحَاضِر، والمُستقبَل. فالأشخاصُ المَسيحيُّونَ مِنَّا قد نَالوا الخَلاصَ. فقد كانَت هُناكَ لَحظةٌ انتَقلنا فيها مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّور. فقد تَرَكْنا مَملكةَ الظُّلمة وانتقَلنا إلى مَلكوتِ ابنِ مَحَبَّةِ اللهِ. وقدِ انتقلنا مِنَ المَوتِ إلى الحياة. وقدِ انتقَلنا مِنَ الخَطيَّةِ إلى البِرّ. وقدِ انتقَلنا مِن كَونِنا أبناءَ إبليس إلى كَونِنا أبناءَ الله. فقد نِلنا الخَلاصَ، وخَلُصَت نُفوسُنا، وصِرنا خَليقةً جَديدة. ويُمكنُنا أن نَقولَ أيضًا إنَّنا مُخَلَّصونَ الآن. فنحنُ مَا زِلنا نَخضَعُ لعَمليَّةِ الخَلاص. مَا مَعنى ذلك؟ أي أنَّهُ يَستمرُّ في تَطهيرِنا مِن كُلِّ خطيَّة. فالخلاصُ ليسَ حَدَثًا في الماضي فقط مِن دُونِ آثارٍ مُستقبليَّة، بل هو شَيءٌ مُستمرّ.

لِذا، فقد نِلنا الخَلاصَ في المَاضي، ونحنُ مُخَلَّصونَ الآنَ بسببِ قُوَّةِ اللهِ الحَافِظَة. ونحنُ سنَخلُص في المُستقبَل. فنحنُ نَنتظرُ مِلْءَ الخَلاصِ، حَتَّى فِداءَ أجسادِنا. فهذا هو ما يَقولُهُ بولسُ في رسالتهِ إلى أهلِ رُومية 13: 11: "فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا". أيُّ خَلاص؟ البُعدُ النِّهائيُّ مِن خَلاصِكُم. فهو يَحدُثُ في ثلاثةِ أبعاد. إذًا، ما الَّذي يَقولُه؟ أعتقدُ أنَّهُ يَقول: تَمِّمُوا خَلاصَكُم واسعُوْا إليهِ إلى أن يَحينَ وَقْتُ مِلْءِ خَلاصِكُم عندما تَرَوْنَ الرَّبَّ نَفسَهُ. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ هَذا هُوَ ما كانَ في قَلبِ بولُس عندما قالَ في رسالتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 6: 12 (كَما قَرأتُ قبلَ قَليل): "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا". بعبارةٍ أخرى، أنتَ مَدعوٌّ إلى تلكَ السِّمَةِ الأخيرةِ مِنَ الخَلاصِ. لِذا، تَمَسَّك بها، واسْعَ لأجلِها.

وقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! هل يَنبغي لنا أن نَجِدَّ في طَلَبِ الخَلاص؟ كنتُ أَظُنُّ أنَّنا مَضْمونونَ إلى الأبد!". هذا صَحيح. فالكتابُ المقدَّسُ يُعَلِّمُ عنِ الضَّمانِ الأبديِّ؛ ولكنَّهُ يُعَلِّمُ أيضًا عن مَسؤوليَّةِ مُثابَرَةِ القِدِّيسين. هل سَمِعتُم ذلك؟ وهذا يُعيدُكُم إلى نَفسِ ذلكَ التَّناقُضِ الظَّاهِريِّ. مَنْ كَتَبَ الرِّسالة إلى أهلِ فيلبِّي؟ اللهُ وبولُس. وعندما نِلتَ الخَلاصَ، هل كانَ خَلاصُكَ مِنَ اللهِ أَمْ مِنْكَ أنتَ؟ لقد كانَ كُلُّهُ مِنَ اللهِ؛ ولكنَّكَ كَرَّستَ نَفسَكَ بالكَامِلِ إليه. ويَسوعُ إلَهٌ كامِلٌ وإنسانٌ كَامِل. والحياةُ المَسيحيَّةُ تَتطلَّبُ عَملاً كامِلاً مِنِّي وعَمَلاً كامِلاً مِنهُ. وضَماني الأبديُّ يَتوقَّف بالكامِل على قُدرةِ اللهِ الَّتي تَحفَظُني، وعلى كُلِّ المُثابرةِ الَّتي يَضَعُها رُوحُ اللهِ في دَاخِلي والَّتي تَدفَعُني إلى ذلكَ اليوم. فهذانِ الأمرانِ يَسيرانِ جَنبًا إلى جَنب. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لتيموثاوس: "انظُر! يجبُ عليكَ أن تَتَمَسَّكَ بالحياةِ الأبديَّةِ الَّتي دُعيتَ إليها".

وعَودَة إلى العَددِ السَّادس عَشَر مِنَ الأصحاحِ الرَّابع. وقَد قَرأتُ على مَسامِعِكُم قبلَ قليل العَدد 15: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا". أجل! أنا أُوْمِنُ بأنَّ المُؤمِنَ مَضمونٌ. وأنا أُوْمِنُ بأنَّنا نَستطيعُ أن نَرى الضَّمانَ الأبديَّ في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّامن. ولكنِّي لا أُوْمِنُ بأنَّ الضَّمانَ الأبديَّ يُوْجَدُ بِمَعزِلٍ عن مُثابَرَةِ القِدِّيسين. فالمؤمنونَ الحَقيقيُّونَ يَستمرُّونَ في تَتميمِ خَلاصَهُم مِنَ الخّارجِ إلى أن يَحينَ وَقتُ تَمجيدِهم.

ولكي أُعطيكُم فِكرةً أعمَق عن مَفهومِ المُثابَرة الرَّائع، نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 24 أنَّ رَبَّنا قَال: "وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ". ونَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 13: 43 نَفسَ الفِكرة. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 43: "وَلَمَّا انْفَضَّتِ الْجَمَاعَةُ، تَبعَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَالدُّخَلاَءِ الْمُتَعَبِّدِينَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا، اللَّذَيْنِ كَانَا يُكَلِّمَانِهِمْ وَيُقْنِعَانِهِمْ [استَمِعوا إلى الكلماتِ التَّالية] أَنْ يَثْبُتُوا فِي نِعْمَةِ الله". ونَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 14: 22 أنَّ بولسَ كانَ يُشَدِّدُ أَنفُسَ التَّلاميذ ويُشَجِّعُهم على الثَّباتِ في الإيمان. وقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! إن كانوا مُخَلَّصينَ حَقًّا، ألَن يَستمرُّوا في الإيمان؟" سوفَ يَحفظُهُم اللهُ مِن جِهَتِهِ؛ ولكن يجب عليهم أن يَثابِروا مِن جِهَتِهم. فَمِن جِهَةِ اللهِ، إنَّهُ يَحفَظُهم؛ ولكِن مِن جِهَةِ الإنسانِ، يجب أن تَكونَ هُناكَ مُثابَرة. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 2: 7: "أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ". بعبارةٍ أخرى، اللهُ يُعطي الحَياةَ الأبديَّةَ لِلَّذينَ يُثابِرون. لِذا فإنَّكَ تُؤمِنُ، والخَلاصُ يَحدُثُ في الدَّاخل، ثُمَّ إنَّكَ تُتَمِّمُ خَلاصَكَ في الخَارج وتُثابِر حَتَّى النِّهاية.

وفي رسالة كولوسي والأصحاحِ الأوَّل... وقد قَرأتُ هذا المَقطعَ مَرَّاتٍ كثيرة جدًّا في الدِّراساتِ السَّابقة... نَقرأُ في العَدد 23 أنَّكُم مُخَلَّصونَ إنْ ثَبَتُّم على الإيمانِ وكُنتُم مُتَأَسِّسِينَ وَرَاسِخِينَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلِينَ عَنْ رَجَاءِ الإِنْجِيل. وقد نَاقَشَ كاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ هذهِ المَسألةَ أكثرَ مِن مَرَّة إذْ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 14 إنَّنا: "صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَة". ونَقرأُ أيضًا في الأصحاحِ العَاشرِ والعَدد 38: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْس". وعندما يَقولُ بولُس: "تَمِّمُوا خَلاصَكُم" فإنَّهُ يَقولُ: أَظْهِرُوا في الخَارِجُ مَا هُوَ في الدَّاخِل. وهو لا يَعني في هذهِ اللَّحظةِ فقط، بل افعَلوا ذلكَ دائمًا وباستمرار. فيجب عليكم أن تُتَمِّمُوا خَلاصَكُم إلى النِّهاية وإلى آخِرِ لَحظة.

ارجِعُوا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ مِنَ الرِّسالة إلى أهلِ فيلبِّي. وسوفَ نُلقي نَظرةً أخيرةً على ما كَتَبَهُ بولسُ هُناك. وسوفَ يُساعِدُكم هذا الأمر. رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّالث. انظروا إلى ما يَلي. فهو يَقولُ في العَددِ السَّابعِ: "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا [في العَددِ الثَّامِن] خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي". فهو مُخَلَّصٌ دُونَ شَكّ. "مِن أجلِ المَسيحِ يَسوعَ رَبِّي". فهو يَعرِفُ ذلك. فهو مُخَلَّص. ولا شَكَّ في ذلك. ولكنِ انظُروا إلى العَدد 10 إذْ يَقولُ ما يَلي: "لأَعْرِفَهُ [مَعرفةً أفضَل]، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ". فأنا أُريدُ أن أَصيرَ مِثلَهُ، وأريدُ أن أعرِفَ مِلْءَ شَخصِهِ، ومِلْءَ قُوَّتِهِ، ومِلْءَ حُضورِهِ، وحَتَّى إنِّي أريدُ أن أختَبِرَ شَرِكَةَ آلامِه. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ شَيئًا غَريبًا في العَددِ الحادي عَشَر: "لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَات". ألم تُحَقِّق ذلكَ بَعد؟ ألم تَحصُل على ذلكَ عندما نِلْتَ الخَلاص؟ أجل، ولكن يجب عليَّ أن أُثابِرَ إلى النِّهايةِ في الإيمان. وهو يَقولُ ذلكَ في العَدد 12: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ [ذلكَ أو حَصلتُ على القِيامَة] أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ [لاحِظُوا ما يَقول هُنا] الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ". ويا لَها مِن جُملةٍ تُحَيِّرُ العَقلَ البَشريَّ! فأنتَ تُحاولُ أن تَتَمَسَّكَ بشيءٍ مَنَحَكَ اللهُ إيَّاه. وهذا أمرٌ غَريب! فكأنَّكَ تَقول: "أنا أُحاولُ أن أَحصُلَ على الشَّيءِ الَّذي وَهَبَني اللهُ إيَّاه". وهذا أمرٌ غَريبٌ جدًّا.

ولكنَّ هذا يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى أنَّ مَسألةَ الخَلاصِ هَذِهِ، بِكُلِّ عَناصِرِها، تَتوقَّفُ بأسرِها على اللهِ، وتَتوقَّفُ بأسرِها عَلَيَّ. وقد تَقول: "أنا لا أَفهمُ ذلك". هذا صَحيح! ولكنِّي لا أَفهَمُهُ أنا أيضًا. ولا حَاجَةَ بي إلى فَهمِه، بل يَكفي أن أُصَدِّقَ بأنَّهُ صَحيح. فكُلُّ ما يَنبغي لي أن أَفهَمَهُ هو أنَّ ذلكَ يَتَطَلَّبُ مِنِّي بَذْلَ كُلِّ جُهْدٍ مُمكِن. وعندما يَحدُثُ أيُّ شَيءٍ صَالِح فإنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ يَرجِعُ لَهُ هُوَ.

لِذ فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 13: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ". فأنا لم أَختَبِر بَعْدُ مِلْءَ الخَلاص، "وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". فأنا أُثابِرُ بِكُلِّ شَيءٍ في كِياني إلى أن يَأتي ذلكَ اليَومُ الَّذي أُدعَى فيهِ لأكونَ معَ المَسيح.

ويجبُ علينا جَميعًا أن نَتَبَنَّى هَذا المَوقِف. فهو يَقولُ في العَدد 15: "فَلْيَفْتَكِرْ هذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا". وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا الكلمة "كَامِلين" بِمَعنى "المُخَلَّصين"؛ أيْ: يَجِبُ على جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتمتَّعونَ بِعلاقةٍ سَليمةٍ بالرِّبِّ مِن خِلالِ المَسيحِ أن يَتَبَنَّوْا هذا المَوقفَ إذْ يَجِبُ علينا أن نُثابِر، ويجب علينا أن نَستمرَّ في التَّقدُّمِ نَحوَ ذلكَ اليوم. إذًا، ما الَّذي يَقصِدُهُ بولسُ في نَصِّنا هذا؟ عندما يَقول: "تَمِّمُوا خَلاصَكُم" فإنَّهُ يَقصِدُ: طَبِّقُوا خَارِجيًّا مَا صَنَعَهُ اللهُ في الدَّاخلِ، واستَمِرُّوا في عَيْشِ حَياتِكُم المَسيحيَّةِ بأمانةٍ طَوالَ الوَقتِ إلى نِهايَةِ دَعوَتِكُم العُليا. هذهِ هي وَصِيَّتُهُ. ولا شَكَّ في أنَّ هذا يَتطلَّبُ جُهدًا. فهو يَتطلَّبُ جُهدًا. وهذا هُوَ السَّعيُ المَسيحيُّ.

ولكنَّ هذا هُوَ نِصفُ القِصَّةِ يا أحبَّائي. والحقيقةُ هي أنَّهُ ثُلُثُ القِصَّة لأنَّهُ ما زَالُ هُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأمورِ الَّتي يُمكِنُنا أن نَتأمَّل فيها في العَددِ الثَّاني عَشَر. ولا أريدُ مِنكُم أن تُغادِروا هذا المَكانَ وتَقولوا: "لقد قالَ جون ماك آرثر إنَّ الخَلاصَ كُلَّهُ يَتوقَّفُ علينا". لا! لا تَقولوا ذلك. لِذا فإنِّي أقولُ لكم إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَأتوا إلى هُنا في الأسبوعِ القادِم لأنَّهُ يجبُ عليكم أن تَفهَموا الصُّورةَ كُلَّها. فهذا مَوضوعٌ عَميقٌ جدًّا. انتظروا إلى أن نَتأمَّلَ في العَدد 13. فهذا رائعٌ جدًّا. ولكنَّنا نَستودِعُ ما عَلَّمَنا اللهُ إيَّاه في هذا الصَّباحِ لِعَمَلِ الرُّوحِ في قُلوبِنا. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا الصَّباحِ على هذهِ اللَّحظاتِ الرَّائعة الَّتي صَرَفناها في دِراسةِ حَقِّكَ الثَّمين. يا رَبّ، احْمِنا مِن اختِلالِ التَّوازِنُ الَّذي يَحدُثُ عَادةً في العَديدِ مِنَ الأماكِنِ في أذهانِ أُناسٍ كَثيرين. وسَاعِدنا على أن نُصغي إلى الوَصيَّةِ الَّتي سَمِعناها في هذا الصَّباحِ بأن نُتَمِّمَ خَلاصَنا، وعلى أن نَبذِلَ أقصَى جُهدٍ مُمكنٍ في تَتميمِ خَلاصِنا، وعلى أن نُظْهِرَ خَارِجيًّا عَمَلَكَ في دَاخِلِنا عَالِمينَ أنَّنا دُعينا إلى أن نَسعَى، وأن نَركُض، وأن نُجاهِد، وأن نُصارِع، وأن نُلاكِم، وحَتَّى أن نَقْمَعَ كُلَّ أعضائِنا وكُلَّ عَوامِلِ بَشريَّتِنا في سَبيلِ السَّعيِ بكُلِّ حَماسَةٍ إلى اتِّباعِ القَداسَة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، ساعِدنا يا رَبُّ على أن نَعرِفَ أنَّهُ كما أنَّ خَلاصَنا يَتوقَّفُ على إيمانِنا وتَوبَتِنا، فإنَّهُ يَبقى عَمَلَكَ الكَامِل. وكما أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَحْمِلُ بَصْمَةَ كُتَّابِ بَشريِّينَ فإنَّهُ يَبقى كُلُّهُ كَلِمَةَ الله. وكما أنَّ يَسوعَ كانَ إنسانًا كامِلاً بكُلِّ مَعنى الكلمة، فإنَّهُ أيضًا اللهُ الكامِل. وكما أنَّنا مَحفوظونَ بقُوَّةِ السَّماءِ، فإنَّ لنا مِرساةً مُؤْتَمَنَةً في السَّماءِ تُثَبِّتُنا، ولن تَكونَ هُناكَ أيَّة دَينونة عَلينا. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، يجب علينا أن نُثابِر. ولكن مِن خِلالِ مُثابرتِنا فإنَّنا نَتَمَسَّكُ وَحَسْب بالرَّجاءِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ فينا. ويا رَبّ، قد لا نَتمكَّنَ يَومًا مِنْ فَهْمِ هَذا الحَقَّ، ورُبَّما لَن نَفهَمَهُ حَتَّى بعدَ أن نَراكَ وَجهًا لِوَجه؛ ولكنَّنا نُؤمِنُ بِهِ وتُكَرِّسُ لَهُ أنفسَنا مِن جَديد في هذا اليوم حَتَّى نَعملَ بكُلِّ حَماسَة على ضَبْطِ حَياتِنا كي نَعيشَ بطريقةٍ تُكرِمُ اسمَك. فنحنُ لن نَرضَى بأن نَبقى سَلبيِّينَ، بل إنَّنا سنَسعى بكُلِّ جِدٍّ واجِتهادٍ إلى القَداسَةِ لكي نَكونَ مِثْلَ المَسيحِ الَّذي نُصَلِّي هذا باسمِه. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize