Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنفتَح كُتبَنا المُقدَّسةَ على الرِّسالةِ الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الثَّامن. في هذا الصَّباح، سَأفعلُ شيئًا مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يُمكنُ أن يُصَنَّفَ بأنَّهُ عِظَة، بل يُمكِنُ أن يُصَنَّفَ بأنَّهُ دَرسٌ كِتابِيّ. ولكِنَّهُ دَرسٌ مُهِمٌّ جدًّا ويَنسَجِمُ معَ دِراسَتِنا للرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الثَّامن. نَحنُ نَتحدَّثُ عَن نَموذَجِ العَطاءِ المَسيحيّ. وَهذا هُوَ الدَّرسُ الثَّالثُ في سِلسلَتِنا عنِ العطاء. وَفي مَعرِضِ دِراسَتِنا للرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحَيْنِ الثَّامنِ والتَّاسِع، كُنَّا قد مَهَّدْنا لِهَذَيْنِ الأصحاحَيْنِ على مَدى أربعةِ أسابيع، ولكِنَّ المَرَّةَ الثَّالثةَ هِيَ الَّتي تَأمَّلنا فيها حَقًّا في الأصحاحِ الثَّامن. وَنحنُ نَنظُرُ إلى نَموذَجِ العَطاءِ المَسيحيِّ الَّذي وَضَعَهُ الرَّسولُ بولُسُ أمامَ كَنيسةِ الكورِنثيِّينَ وأمامَنا جميعًا لكي يُرينا كَيفَ يَنبغي لنا أن نُعطي أموالَنا ومَوارِدَنا للرَّبّ.

وَقَد قَالَ "ألبيرت سوايتزر" (Albert Schweitzer) ذَاتَ مَرَّة إنَّهُ تُوجَدُ ثَلاثُ طُرُقٍ فقط لِتَعليمِ الطِّفل: الأولى هِيَ القُدوة، والثَّانية هِيَ القُدوة، والثَّالثة هِيَ القُدوة. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يَفعلُهُ بولُسُ فيما يُعَلِّمُ أبناءَهُ الكورِنثيِّينَ عنِ العَطاء. فَهُوَ يُعَلِّمُهم عَن طَريقِ القُدوة. والقُدوةُ هِيَ كَنائِسُ مَكِدونِيَّة المَذكورة في العَددِ الأوَّل: "ثُمَّ نُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نِعْمَةَ اللهِ الْمُعْطَاةَ فِي كَنَائِسِ مَكِدُونِيَّة".

فالكَنائِسُ في فيلبِّي وتَسالونيكي وبيريَّة [في هَذهِ المُدُنِ الثَّلاث) هِيَ كنائِسَ مَكِدونِيَّة الَّتي صَارَتْ نَموذَجًا للعَطاءِ المَسيحيّ. فهذهِ الكنائِسُ تَعَلَّمَتْ أنَّ أيَّ مُقْتَنياتٍ أرضِيَّة يُمكِنُ أن تَصيرَ كَنْزًا أبديًّا لأنَّ أيَّ شَيءٍ نُعطيهِ لِعملِ الرَّبِّ يَصيرُ خَالِدًا. فَقد تَعَلَّمُوا ما اخْتَبَرَهُ "مارتن لوثر" (Martin Luther) حينَ قال: "لَقد أَمْسَكْتُ أشياءً كَثيرةً في يَدَيَّ وَخَسِرتُها كُلُّها. أمَّا الأشياءُ الَّتي وَضَعتُها في يَدَيِّ الرَّبِّ فَسَتَبقى لي دائِمًا".

وَقد تَعَلَّمَ المَكِدونِيُّون مَا عَبَّرَ عَنهُ "جيم إليوت" (Jim Elliot)، المُبَشِّرُ العَظيمُ الشَّهيدُ في إكوادور، بِقولِهِ: "الشَّخصُ الَّذي يَتَخَلَّى عَمَّا لا يُمكِنُهُ الاحتفاظُ بِهِ في سَبيلِ الحُصولِ على مَا لا يُمكِنُهُ فُقدانُهُ هُوَ ليسَ شَخصًا أحمَق". وَقد كانَ المَكِدونِيُّون نَماذِجَ في العَطاء. فَقد استَعاضُوا بِسُرور عَنِ الكَنْزِ الأرضِيِّ بِكَنْزِ سَماوِيّ. والطَّريقةُ الَّتي أعطَوْا فيها هِيَ نَموذَجٌ لَنا جَميعًا نَحنُ المَسيحيِّينَ. وَهِيَ نُقطةُ البِدايةِ في كُلِّ المَقطعِ الَّذي يَتحدَّثُ عَنِ العَطاءِ المَسيحيِّ في الأصحاحَيْنِ الثَّامِنِ والتَّاسِع.

في الأعدادِ الثَّمانيةِ الأولى مِنَ الأصحاحِ الثَّامِن، نَتعلَّم مَبدأً عَظيمًا جدًّا مِنَ المَكِدونِيِّين. وَيَقولُ ذلكَ المَبدأُ إنَّ العَطاءَ هُوَ سُلوكُ المَسيحيِّينَ الأتقياء. فَالأمرُ بِرُمَّتِهِ يَبتدِئُ بِتَكريسِ المُؤمِنِ، وتَخصيصِ المُؤمِنِ، ومَحَبَّتِهِ للهِ، ومَحَبَّتِهِ للمَسيح. فَهُوَ يَنبُعُ مِن قَلبٍ مُكَرَّس. وَالمَكِدونِيُّون الَّذينَ كانت قُلوبُهم مُكَرَّسَةً تَمامًا للرَّبِّ [كَما هُوَ مَذكورٌ صَراحَةً في هذا المَقطعِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ] "أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلاً...". وَهَذا هُوَ لُبُّ الأمرِ كُلِّهِ كَما هُوَ مَذكورٌ في العَددِ الخَامِس. فَقد كانُوا مُكَرَّسينَ لِلرَّبّ. وَمِن ذلكَ التَّكريسِ للرَّبِّ نَبَعَ هَذا النَّموذَجُ للعَطاءِ المَسيحيّ. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الخَامِسِ أنَّهُم: "أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلاً لِلرَّبِّ". فَكُلُّ شَيءٍ يَنبُعُ مِن ذلك.

لِذا، إذْ نَنظُرُ إلى تَكريسِ المَكِدونِيِّين للرَّبِّ، وَعَطائِهم النَّابِعِ مِن ذلك، تَتَكَشَّفُ عَناصِرُ عَديدة في هَذا النَّصّ. أوَّلاً، كانَ عَطاؤُهُم نَابِعًا مِن نِعمةِ الله؛ أيْ أنَّهُ لم يَكُن بَشريًّا وَحَسْب، بَل كَانَ شَيئا نَبَعَ أوْ وُجِدَ نَتيجَةَ شَيءٍ خَارِقٍ للطَّبيعَة. فالعَددُ الأوَّلُ يَقول: "ثُمَّ نُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نِعْمَةَ اللهِ الْمُعْطَاةَ فِي كَنَائِسِ مَكِدُونِيَّةَ"؛ أيْ نِعمَة الله الَّتي عَمِلَتْ فيهِم وَحَثَّتهُم على العَطاء.

ثَانيًا، لَقَد سَمَا عَطاؤُهم على الظُّروفِ الصَّعبَة. فالعَددُ الثَّاني يَقولُ إنَّهُم كَانُوا: "فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ" عندما كَانُوا يُعطُون. ثَالثًا، لَقد كانَ العَطَاءُ بِفَرَح حَتَّى في خِضَمِّ تِلكَ الضِّيقَةِ الشَّديدة. وَكَانُ "وُفُورُ فَرَحِهِم" ظَاهِرًا في عَطائِهم. رابعًا، العَطاءُ لم يُعَرْقَلْ بِسَببِ الفَقرِ، بَل إنَّ فَقْرَهُم العَميقَ فَاضَ. فَمَعَ أنَّهُم كَانُوا فُقراءَ جدًّا فإنَّهُم كانُوا أسخياءَ في عَطائِهم. فَعطاؤُهم لم يُعَرْقَلْ بِسَببِ فَقرِهم. خَامسًا، كانَ عَطاؤُهم غَنِيًّا. فَقد كَانَ سَخِيًّا. فَقد فَاضَ لِغِنَى سَخَائِهِم.

لِذا فقد كانَ السَّببُ الرَّئيسيُّ في عَطائِهِم هُوَ نِعمَة اللهِ، وَقد سَمَا عَطاؤُهم على الظُّروفِ الصَّعبة، وَكانَ عَطاءً بِفَرَح، وَعَطاءً لم يُعَرْقَل بِسَبَبِ الفَقرِ، وَكانَ عَطاءً سَخِيًّا. وَقد تَحَدَّثنا عَن هذهِ الحَقائقِ الخَمْس، أو هَذهِ المُؤشِّراتِ الخَمْسَةِ على تَكريسِهم المَسيحيِّ التَّقِيِّ في هَذَيْنِ العَدَدَيْن. ثُمَّ نَأتي في هذا الصَّباحِ إلى العَددِ الثَّالث. وَقد حَاولتُ أن أُعَجِّلَ قَليلاً ولكِنِّي لم أتمكَّنَ مِنَ التَّغاضِي عنِ العَددِ الثَّالث. فَهُوَ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا. فَهُناكَ آياتٌ أُخرى يُمكِنُنا أن نَمُرَّ عَليها مُرورًا سَريعًا، ولكِنْ يُوجَد شَيءٌ مُهِمٌّ في العَددِ الثَّالثِ يَتَطَلَّبُ تَأمُّلاً دَقيقًا في هذا الصَّباح.

لِنَبتدِئ بالعَددِ الثَّالثِ بِذِكْرِ النُّقطَةِ السَّادِسَةِ في اللاَّئِحَة: كانَ عَطاؤُهم حَسَبَ طَاقَتِهم. فَقد كانَ عَطاؤُهم حَسَبَ طَاقَتِهم. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "أَنَا أَشْهَدُ". وبالمُناسَبَة، عندما يَقولُ بولُسُ ذلك فإنَّهُ يُشيرُ إلى أنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ ذلكَ عَن تَجرِبَةٍ شَخصيَّة. فَهو لم يَسمَع عَن هذا الأمرِ مِن أُناسٍ آخرين، بَل إنَّهُ يَعرِفُ هذهِ الكَنائسَ، بَل يَعرِفُها جَيِّدًا لأنَّهُ هُوَ الَّذي زَرَعَها، وكانَ لَهُ دورٌ عَظيمٌ في حَياتِهم، ويَعرِفُ قَادَتَهُم، ويَعرِفُ قُلوبَهُم. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "أَشْهَدُ أَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَة". وَهذا وَصْفٌ آخر لِعَطائِهم.

فَقد كانَ عَطاؤُهم حَسَبَ طَاقَتِهم؛ أيْ أنَّهُم أعطوا حَسَبَ "دُوناميس" (dunamis) أو "دونامين" (dunamin) في هذهِ الحَالَةِ؛ أيْ: "حَسَبَ طَاقَتِهم"، أو: "حَسَبَ قُدرَتِهم"، أو: "حَسَبَ مَقدرَتِهم" إذْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُم أعطَى حَسَبَ قُدرَتِهِ (أو قُدرَتِها). وَلاحِظُوا أنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّاني عَشَر مِنَ الأصحاحِ نَفسِه: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ النَّشَاطُ مَوْجُودًا..." [أيْ: إنْ كَانَ يُوجَدُ استِعدادٌ للعَطاء] "...فَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى حَسَبِ مَا لِلإِنْسَانِ، لاَ عَلَى حَسَبِ مَا لَيْسَ لَهُ". فاللهُ لا يَتوقَّعُ مِنكَ أن تُعطِي مَا لا تَمْلِك، بَل يَتوقَّعُ مِنكَ أن تُعطِي مِمَّا تَمْلِك. هَذا هُوَ كُلُّ مَا يَطلُبُهُ اللهُ؛ أيْ أن تُعطِي حَسَبَ طَاقَتِك. فالعَطاءُ يَنبغي أنْ يَكونَ مُنسجِمًا مَعَ القُدرة.

وَهَذا لا يُحَدِّدُ مَبلَغًا مُعَيَّنًا، وَلا يُحَدِّدُ نِسبَةً مِئويَّةً ثَابِتَة. فَهُوَ لَيسَ 10 بالمِئَة، وَهُوَ ليسَ 15 بالمِئَة، وَهُوَ ليسَ 5 بالمئَة. فَهُوَ لا يُحَدِّدُ مَبلَغًا مُعَيَّنًا، بَل يَقولُ ببساطَةٍ إنَّهُم أعطوا حَسَبَ طَاقَتِهم. ولا شَكَّ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُم كانَ مُختلفًا عنِ الآخر. وَنَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 16: 2 بخصوصِ نَفسِ العَطاءِ وَلِنَفسِ القَصْدِ (أيْ لِمُساعَدةِ القِدِّيسينَ الفُقراء في أورُشليمَ) كَما هُوَ مُوَضَّحٌ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ الثَّامن: "فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ، لِيَضَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عِنْدَهُ، خَازِنًا مَا تَيَسَّرَ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ لاَ يَكُونُ جَمْعٌ حِينَئِذٍ". فبولسُ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تُعطوا مَا تَيَسَّرَ؛ أيْ حَسَبَ طَاقَتِكُم.

فَقد أعْطَوْا كُلَّ ما استَطاعُوا أن يُعطوه. واللهُ لا يَتوقَّعُ مِنكَ أن تُحَمِّلَ عَطاءَكَ على بِطاقَتِكَ الائتِمانِيَّةِ وَأنْ تَقَعَ في الدَّيْن، بَل إنَّ اللهَ يَتوقَّعُ مِنكَ أن تُعطِي مِمَّا تَيَسَّرَ لَديك. وأنتَ لَستَ مُطالَبًا بإعطاءِ مَبلَغٍ مُحَدَّد. فَالمَكِدونِيُّون لم يَفعلوا ذلك. وَكَما سَنَرى بَعدَ قَليلٍ فإنَّ اللهَ لا يَطلُبُ مِنَّا ذلك. وَالعَطاءُ ليسَ مُحَدَّدًا بنِسبةٍ مِئويَّةٍ مُعَيَّنة. وَلا يَنبغي لنا أن نُفَكِّرَ في ما إذا كانَ يَنبغي لنا أن نُعطي مِن مَجموعِ دَخْلِنا أَمْ مِن صَافي دَخْلِنا. فهذهِ الأسئلةُ ليسَت في صَميمِ نِقاشِ العَطاءِ المَسيحيّ، بَل إنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هِيَ أن تُعطي حَسَبَ قُدرَتِكَ على العَطاء. وَقد فَعلَ المَكِدونِيُّون ذلك.

النُّقطَةُ السَّابِعَةُ في لائِحَتِنا [وَهِيَ النُّقطةُ الثَّانيةُ في العَددِ الثَّالث] هِيَ لا فقط أنَّ عَطاءَهُم كَانَ حَسَبَ طَاقَتِهم، بَلْ إنَّ هُناكَ نُقطةً أخرى وَثيقةَ الصِّلَةِ بها وَهِيَ أنَّ عَطاءَهُم كانَ مُضَحِّيًا. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَة". لِذا فقد أعطوا مَا تَيَسَّرَ لَديهم، ولكِنَّهُم أعطوهُ بِنسبةٍ فيها تَضحِيَة. فَعطاؤُهم فَاقَ مَا كانَ مُتوقَّعًا مِن مَسيحيِّينَ فُقراء. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ عَطاءَهُم كَانَ مُتناقِضًا مَعَ أوضاعِهم. وأَودُّ أن أُذَكِّرَكُم بِما جاءَ في العَددِ الثَّاني إذْ نَقرأُ أنَّهُم أعطَوْا مِنْ فَقْرٍ عَميقٍ، وَأنَّهُم كانُوا في اختبارِ ضِيقَةٍ شَديدَة.

فَقد كانتِ الأوقاتُ عَصيبَةً، وَالحَياةُ صَعبة، وَكانُوا لا يَمْلِكونَ سِوى القَليل، وكانُوا في فَقْرٍ مُدْقِع. وَهَذا أمرٌ مُناقِضٌ لِحالَتِهم في ضَوْءِ السَّخاءِ والعَطاءِ الفَائِضِ الَّذي قَدَّموه. فَهُم لم يَحسِبُوا حِسابَ أنفُسِهم، وَلم يَحسِبُوا حِسابَ حَاجاتِهم المُستقبليَّة، بَلْ كَانُوا مَدفوعينَ بِدافِعِ الاهتمامِ، والرِّعايةِ، والمَحبَّةِ، والتَّعاطُفِ، والطَّاعَةِ، وكُلِّ هذهِ الأشياء. وَكانُوا فَرِحينَ في أنْ يَضَعُوا أنفسَهُم في فَقرٍ أكثر قَسْوَةً وَأن يَتَّكِلوا على اللهِ ويُؤمِنوا بأنَّ اللهَ سيَملأُ كُلَّ احتياجاتِهم.

فَكما قَرأنا في الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي 4: 19 في الأسبوعِ المَاضي: "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". فَقد آمَنُوا بذلك، وَآمَنُوا بأنَّهُ لا حَاجَةَ إلى التَّفكيرِ في ما سيأكُلونَ أو يَشربونَ أو يَلْبَسونَ لأنَّ اللهَ سَيَملأُ ذلكَ الاحتياج. وَقد آمَنُوا بأنَّ مَا قالَهُ يَسوعُ في إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ السَّادس هُوَ مَا قَصَدَهُ تَمامًا؛ أيْ أنَّهُ كَما أنَّهُ يُلْبِسُ عُشْبَ الحَقْلِ وَزَنابِقَ الحَقْلِ، ويَقوتُ طُيورَ السَّماءِ فإنَّهُ سَيَعتني بِخاصَّتِه.

وَكانَ هَذا هُوَ مَوقِفهُم القَلبيُّ الَّذي حَثَّهُم على العَطاءِ على غِرارِ الأرملةِ في إنجيل لُوقا والأصحاحِ الثَّاني عَشَر. فَقد أعطَوْا بِسخاءٍ وَأعطَوْا بِتَضحِيَة. وَكما أنَّ دَاوُدَ قَالَ: "لاَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ إِلهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً"، فإنَّهُم رَفضُوا أن يُقَدِموا للهِ شَيئًا لا يَنطوي على تَضحِيَة. لِذا فقد سُرُّوا بأنْ يَتَّكِلُوا اتِّكالاً عَميقًا على اللهِ في سَدِّ حَاجاتِهم بأنْ أظهَرُوا سَخاءً تُجاهَ القِدِّيسينَ الفُقراء في أورُشليم على الرَّغمِ مِن أنَّهُم لم يَلتَقوهُم يَومًا؛ ولكِنَّهُم كَانُوا يَتعاطَفونَ مَعَهُم. لِذا، نَجِدُ في العَددِ الثَّالثِ أنَّ عَطاءَهُم كَانَ مُنسجِمًا معَ قُدرَتِهم؛ ولكِنْ ليسَ هذا فقط؛ أي أنَّهُم لم يُعطُوا فقط مِمَّا لَديهِم، بَل أعطَوْا بِتَضحية.

ثُمَّ ثَالِثًا (أوِ النُّقطةِ الثَّامِنَة – فَهِيَ النُّقطةُ الثَّالِثَةُ في هذهِ الآية؛ ولكِنَّها النُّقطةُ الثَّامِنَةُ في كُلِّ النَّصّ): لَقد كانَ عَطاؤُهم طَوعِيًّا. فنحنُ نَقرأُ في نِهايةِ العَددِ الثَّالث أنَّهُم أعْطَوْا: "مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ". فَقد أَعْطَوْا حَرفِيًّا مِن تِلقاءِ ذَواتِهم. وَقد أعطَوْا طَوْعًا. وَقد أعطَوْا بِمُبادَرَةٍ شَخصيَّةٍ مِنهُم. فَقد كانُوا مُندَفِعينَ إلى ذلكَ مِن ذَواتِهم وَطَوْعًا. فَقد كانَ هذا الأمرُ باختيارِهم.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الكلمةَ المُستخدمَةَ هُنا مُدهشةٌ جدًّا وَهِيَ "آوثايريتوي" (authairetos) في اللُّغةِ اليُونانِيَّة؛ وَهِيَ الكلمة المُتَرجَمَة: "مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ"، وَهِيَ تُشيرُ حَرفيًّا إلى الشَّخصِ الَّذي يَختارُ تَصَرُّفَهُ بنفسِه. فَقدِ اختارُوا أن يَفعَلوا ذلك. فَهُم لم يَكونُوا مُضطَرِّين، ولم يَتلاعَب أَحَدٌ بِعُقولِهم، ولم يُهَدِّدهُم أحَد، ولم يُرغِمُهُم أحَد، ولم يَتَحايَل عليهم أحَد، ولم يَفعَلوا ذلكَ لأنَّ شَخصًا وَعَدَهُم بِشيءٍ مَا أو مَارَسَ عَليهِم خُدْعَةً أو حِيْلَة. فَلم يَكُن هُناكَ احتيال، ولم يَكُن هُناكَ ضَغْط، بَل إنَّهُم فَعَلُوا ذلكَ مِن قُلوبِهم.

والآن، اسمَحُوا لي أن أَتَعَمَّقَ أكثرَ قَليلاً في ذلك. مِنَ المُحتَمَلِ أنَّ بُولسَ لم يَطلُب حَتَّى مِنهُم أن يُعطوا. فَمِنَ المُحتَمَلِ أنَّ بُولُسَ تَفَهَّمَ فَقرَهُم العَميقَ ولم يُخبرهُم يَومًا بذلك. فإذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ التَّاسعِ والعَددِ الثَّاني تَجدونَ أنَّ بُولسَ قَال: "لأَنِّي أَعْلَمُ نَشَاطَكُمُ [مُخاطِبًا الكُورِنثِيِّينَ بِخُصوصِ مَوضوعِ العَطاء] الَّذِي أَفْتَخِرُ بِهِ مِنْ جِهَتِكُمْ لَدَى الْمَكِدونِيِّين، أَنَّ أَخَائِيَةَ مُسْتَعِدَّةٌ مُنْذُ الْعَامِ الْمَاضِي. وَغَيْرَتُكُمْ قَدْ حَرَّضَتِ الأَكْثَرِين". وَهذا مُدهشٌ. أليسَ كذلك؟

فَما الدَّافِعُ الرَّئيسيُّ للمَكِدونِيِّين؟ مِنَ الواضِحِ مِن خِلالِ مَا يَقولُهُ هُنا أنَّ الدَّافِعَ هُوَ حَماسَةُ الكُورِنثيِّينَ في مُقاطَعَةِ أَخائِيَة. فَقد كانَت حَماسَةُ الكورِنثيِّينَ هِيَ الَّتي دَفَعَتِ المَكِدونِيِّين في الأصل. والآن، تَذَكَّرُوا ما حَدَثَ هُنا. فعندما كَتَبَ بُولُسُ رِسالَتَهُ الثَّانيةَ إلى أهلِ كُورِنثوس، نَقرأُ أنَّ سَنَةً تَقريبًا قدِ انقَضَتْ مُنذُ أن أَخبَرَ المَكِدونِيِّين أوَّلَ مَرَّةٍ عَنِ العَطاء... المَعذرة... مُنذُ أن أَخبَرَ الكورِنثِيِّينَ عَنِ العَطاء. فَقَد ذَكَرَ ذلك.

فَقبلَ سَنة، كَانَ قَد أخبَرَ الكورِنثيِّينَ عَنِ العَطاءِ فابتدأوا يُعطون. وَيُمكِنُنا أن نَرى ذلكَ هُنا في الأصحاحِ الثَّامن. فَقدِ ابتدأوا يُعطونَ قَبلَ سَنَة. ومِنَ الواضحِ أنَّ حَماسَتَهُم في التَّجاوبِ مَعَ بُولُس وفي العَطاءِ هِيَ الشَّيءُ الَّذي سَمِعَ عَنهُ المَكِدونِيُّون. فعندما أخبرَ بُولسُ المَكِدونِيِّين عَن سَخاءِ الكُورِنثيِّينَ، تَحَمَّسَ المَكِدونِيُّون وَأرادُوا أن يُعطُوا.

لِذا، يُمكِنُنا القَولُ إنَّ المَكِدونِيِّين كَانُوا يَحْذُونَ حَذْوَ الكورِنثيِّينَ الَّذينَ كانوا قدِ ابتدأوا قَبلَ سَنة، وَأنَّ سَخاءَ الكورنثيِّينِ هُوَ الَّذي حَمَّسَ المَكِدونِيِّين في الأصل فَراحُوا يَفعلونَ ذلك. ورُبَّما لم يَطلُب بولُسُ مِنهُم بإلحاحٍ أن يُعطوا لأنَّهُ كَانَ يَعلَمُ أنَّهُم فُقراء. ولكِنَّهُم فَعلوا ذلكَ طَوْعًا. فعلى أساسِ قُدوةِ الكورنثيِّينَ، أرادوا أن يُشارِكُوا.

وَهذا يَنسَجِمُ تَمامًا مَعَ الجُملةِ المَذكورةِ في العَددِ الرَّابعِ إذْ يَقولُ بولُس: "مُلْتَمِسِينَ مِنَّا، بِطِلْبَةٍ كَثِيرَةٍ، أَنْ نَقْبَلَ النِّعْمَةَ وَشَرِكَةَ الْخِدْمَةِ الَّتِي لِلْقِدِّيسِينَ". وَقد يَدُلُّ ذلكَ أيضًا على أنَّ بولسَ كانَ مُتَرَدِّدًا في أن يَطلُبَ مِنهُم أيَّ شَيءٍ لأنَّهُم لم يَكونوا يَملِكونَ سِوى القَليل؛ ولكِنَّهُم تَوَسَّلُوا مِنهُ أن يُشارِكُوا. فَقد تَطَوَّعُوا. وَكانَ الأمرُ نَابِعًا مِن قُلوبِهم. فَقد أعْطَوْا مِن تِلقاءِ أنفسِهم، وطَوعًا، وأعْطَوْا مِن قُلوبِهم.

لِذا فإنَّ مَا نَقرأُهُ في العَددِ الثَّالثِ هُوَ أنَّ العَطاءَ هُوَ حَسَبَ الطَّاقَةِ، وَأنَّ العَطاءَ مُضَحٍّ، وأنَّ العَطاءَ طَوعِيٌّ. وهذهِ نِقاطٌ مُهِمَّةٌ جدًّا جدًّا. وَفَهْمُ هذهِ النِّقاطِ الثَّلاثِ مِن أصلِ ثَماني نِقاطٍ تَختصُّ بِعطائِهم يَقودُني إلى التَّحدُّثِ عَن أمرٍ آخر في هذا الصَّباح؛ وَهُوَ أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا إنْ أردنا أن نَفهمَ مَوضوعَ العَطاءِ هَذا بِمُجمَلِه لأنَّهُ عندما نَتحدَّثُ في الإطارِ المَسيحيِّ، هُناكَ دَائِمًا أشخاصٌ يَقولون: "كُنتُ أَظُنُّ أنَّهُ يَنبغي لنا أن نُعطي 10 بالمِئَة". أليسَ كذلك؟ فَهذهِ هِيَ النِّسبةِ المَسيحيَّةُ التَّقليديَّة.

فَنحنُ نَتحدَّثُ عَنِ العُشور. والكلمة "عُشْر" هِيَ كَلِمَة تَعني جُزْءًا مِن عَشْرة أجزاء. والكلمة اليُونانيَّة الَّتي تُتَرجَمُ "عُشْر" هِيَ "ديكاتي" (dekate) وتَعني واحِد مِن عَشْرة. وَهِيَ لَفْظَةٌ حِسابِيَّة. والمُرادِفُ العِبرِيُّ هُوَ "مَعَاسِرّ" (ma'aser) ومَعناها: "عُشْر". وَهِيَ أيضًا لَفظة حسابِيَّة. وَكانَ المسيحيُّونَ وَما زَالوا يَقولونَ على مَرِّ السِّنين: "يَنبغي لنا أن نُعطي عُشْرًا. فقد كانَ اليَهودُ يُعَشِّرون. وَكانَ إبراهيمُ يُعَشِّر. وكانَ يَعقوبُ يُعَشِّر. لِذا، يَنبغي لنا نَحنُ أيضًا أن نُعَطي عُشْرًا. فَهَذا هُوَ مِعيارُ اللهِ المُلْزِم".

ولَكِنَّ هَذا الأمرَ غَيرُ صَحيح. فَلا يُوجَد عُشْرٌ في الأصحاحَيْنِ الثَّامنِ والتَّاسِع. وَلا يُوجَد عُشْرٌ حينَ يَختصُّ الأمرُ بالمَكِدونِيِّين. فَقد أعطوا حَسَبَ طَاقَتِهم، وَأعطُوا عَطاءً مُضَحِّيًا ما في وُسعِهم أن يُعطوه، وَأعطوا طَوعًا. وَهذا يَعني أنَّهُم اختاروا المَبلغَ الَّذي يُمكِنُهم أن يُعطوه ويَرغبونَ في إعطائِهِ وأعطوه. فَلا يُوجَد ذِكْرٌ للعُشورِ هُنا. وَهَذا يَقودُنا إلى الحَديثِ عَنِ السَّببِ الَّذي يَدعُو المَسيحيِّينَ اليومَ إلى الاعتقادِ بأنَّهُم مُلْزَمونَ بِدَفعِ 10 بالمِئَة. فَمِن أينَ جَاءَ هذا الاعتِقاد؟

وأريدُ أن أُجيبَ عَن هذا السُّؤال. لَقد جَاءَ هذا الاعتقادُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ مِن سُوْءِ فَهْمِهِم للعَهدِ القَديم. وَأنا مُلْزَمٌ بإزالَةِ سُوءِ الفَهْمِ هَذا عِندَكُم وَتَصحيحِه. وإليكُم كيفَ يَجري النِّقاشُ عَادَة. وَهذِهِ نَظرةٌ خَاطِفَةٌ على العهدِ القديم لِتَوضيحِ ذلك؛ ولكِنَّ الأمرَ يَجري على النَّحوِ التَّالي... إنَّهُ يَجري على النَّحوِ التَّالي: في نَاموسِ مُوسَى، كانَ يَنبغي لليَهودِ أن يُعطُوا عُشْرًا. والعهدُ القديمُ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لليَهودِ أن يُعطوا عُشْرًا أو 10 بالمِئَة. وَنَحنُ نَعلَمُ ذلك. لِذا، هَذا هُوَ مَا كَانُوا يُعطونَهُ. وَهَذا هُوَ مَا نُعطيهِ نَحنُ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ لا تُوجَدُ آيةٌ واحِدَةٌ في العهدِ الجَديدِ تُشيرُ إلى أنَّهُ يَنبغي للكنيسةِ أن تُعطي عُشْرًا.

فَلا تُوجَدُ وَصِيَّةٌ واحِدَةٌ للكنيسةِ في أيِّ مَوضِعٍ في العهدِ الجديدِ تَقولُ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نُعطي عُشْرًا. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ النَّاسَ يَقولون: "لَقد كانُوا يُعطونَ عُشْرًا في العهدِ القديم. هَذا هُوَ ما كَانَ اليَهودُ يَفعلونَهُ. فَقد كانُوا يُعطونَ عُشرًا لله. لِذا فإنَّ هَذا هُوَ المِعيار". كَما أنَّهُم يَقولونَ: "لَقد كَانَ إبراهيمُ وَيَعقوبُ... قَبلَ أن يُوصي النَّاموسُ بإعطاءِ العُشْرِ، أيْ قَبلَ إعطاءِ النَّاموسِ لِمُوسَى في سِفْرِ الخُروج... إنْ رَجعنا إلى سِفْرِ التَّكوينِ نَرى أنَّ إبراهيمَ أعطى عُشرًا، وَأنَّ يَعقوبَ أعطى عُشرًا. لِذا فإنَّ تَقديمَ العُشورِ يَسْمُو على نَاموسَ مُوسَى. فإنْ كَانَ هَذا الأمرُ مَوجودًا قَبلَ نَاموسِ مُوسَى، يَنبغي أن يَستَمِرَّ بَعدَ نَاموسِ مُوسَى لأنَّهُ يَسمُو عَليه، وَلأنَّهُ المِعيارُ الأساسِيُّ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ للعَطاء.

هَذا هُوَ مَنطِقُ هَؤلاء؛ وَهُوَ مَنطِقٌ مَغلوطٌ لأسبابٍ عَديدة. ولكنِ اسمَحُوا لي أن أَذْكُرَ لَكُم سَببًا رَئيسيًّا: إنْ قُلتُم إنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ النَّاموسَ يَنبغي أن يَبقى بَعدَ النَّاموسِ فإنَّكُم تُوَرِّطونَ أنفسَكُم في مَشاكِلَ عَويصَة. وسوفَ أذكُرُ لَكُم مُشكلتَيْن. فَقد كانَ حِفْظُ السَّبْتِ مَوجودًا قبلَ النَّاموس؛ أيْ أنَّ اليَومَ السَّابِعِ في الأسبوعِ هُوَ قُدْسٌ للرَّبِّ، وَأنَّهُ كَانَ مَحفوظًا مُنذُ الخَلْقِ فَصاعِدًا.

وَقد كَانوا يَحفَظونَ السَّبْتَ في عَهْدِ نَاموسِ مُوسَى. لِذا، كانَ حِفْظُ السَّبْتِ مَوجودًا في النَّاموسِ وَقَبلَ النَّاموس. ولكِن مِنَ الواضحِ أنَّهُ لا يُوْجَدُ حِفْظٌ للسَّبْتِ بَعدَ النَّاموسِ لأنَّ المِيثاقَ الجَديدَ نَقَضَ السَّبْت. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كُولوسي والأصحاحِ الثَّاني: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي... سَبْتٍ". ونَقرأُ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الرَّابع عَشَر أنَّ وَاحِدًا يَعْتَبِرُ السَّبْتَ وآخَرً لا يَعْتَبِرُهُ. وَهذا غَيرُ مُهِمٌّ. فَهُوَ غَيرُ مُهِمٍّ. فَقد دَخَلْنا في الرَّاحَة. وَلم يَعُدْ هُناكَ حِفْظٌ للسَّبت. فَإنْ كَانوا يَحفَظونَ السَّبْتَ قَبلَ النَّاموسِ وفي عَهْدِ النَّاموسِ فإنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ مُلْزِمٌ لَنا.

ثَانيًا، كَانَ يُوجَدُ في نَاموسِ مُوسَى نِظامُ ذَبائِح لِتقديمِ الحَيَواناتِ لله. وَكانَ هَذا الأمرُ مَوجودًا قَبل مُوسَى أيضًا. فَنحنُ نَقرأُ عَن تَقديمِ الذَّبائِحِ مُنذُ زَمَنِ هَابيل. وَعلى الرُّغمِ مِن وُجودِ نِظامِ ذَبائِحَ في عَهْدِ النَّاموسِ وَقَبلَ عَهدِ النَّاموسِ، فإنَّ نِظامَ الذَّبائِحِ الحَيَوانِيَّةِ ليسَ مَوجودًا في العهدِ الجديد. أليسَ كذلك؟ فَنَحنُ لا نُقَدِّمُ ذَبائِحَ حَيَوانِيَّة. لِذا فإنَّ حَقيقةَ وُجودِ شَيءٍ قَبلَ النَّاموسِ لا يَعني بالضَّرورةِ أنَّهُ يَنبغي أن يَبقى مَوجودًا بَعدَ النَّاموس.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ كانَت تُوجَدُ أشياءٌ قَبلَ النَّاموسِ أُبطِلَت بِصورةٍ دائمةٍ في العهدِ الجديدِ بِمَجيءِ المَسيح. لِذا فإنَّ هذهِ الحُجَّةَ لا تَصْمُدُ حقًّا. ولكِنْ تُوجَدُ حُجَّةٌ أفضَل مِنها وَهِيَ أنَّ العُشورَ الَّتي تَقرأونَ عَنها في نَاموسِ مُوسَى... اسمَعوني جَيِّدًا... والعُشورَ الَّتي كانَت مَوجودة قَبلَ نَاموسِ مُوسَى هُنا شَيئانِ مُختلفانِ تَمامًا. فَهُما شَيئانِ مُختلفانِ تَمامًا وليسَا الشَّيءَ نَفسَهُ على الإطلاق.

وسَوفَ نُلقي نَظرةً فَاحِصَةً على هَذا الأمرِ في هذا الصَّباح. وَهِيَ، بالمُناسَبَة، نَظرة سَريعَة. لِذا، اربُطوا الأحزِمَةَ هُنا لأنَّنا سنُلقي نَظرةً سَريعةً على مَوضوعِ العُشورِ هَذا في العهدِ القديم. وَهذا سيُساعِدُنا حقًّا في فَهْمِ أنَّ العَطاءَ هُوَ حَسَبَ الطَّاقَةِ، ومُضَحٍّ، وطَوعِيًّا. فَهكذا يُريدُ مِنكُم اللهُ أن تُعطوا. فَلا يُوجَد 10 بالمِئَة، ولا تُوجَد تَعليماتٌ مُحَدَّدة، ولا يُوجَد مَبلغٌ مُحَدَّد، ولا تُوجَد نِسبة مُحَدَّدة. وسوفَ أُريكُم ذلكَ مِن خِلالِ التَّأمُّلِ مَعًا في آياتِ الكتابِ المقدَّس.

لِنَرجِع إلى الوَراء. لِنَرجِع إلى الوَراء وَنَنظُر إلى الفَترةِ الَّتي سَبَقَتْ مُوسَى. لِذا، سَوفَ نَتأمَّلُ في خُطَّةِ اللهِ قَبلَ مُوسَى. حسنًا؟ ولننظُر إلى مَا سَنَتَعَلَّمُهُ عَنِ العَطاء. والآن، أريدُ أن أَذْكُرَ لَكُم شَيئَيْنِ يَنبغي أن تَتَذَكَّروهُما. فَهُناكَ نَوعانِ مِنَ العَطاءِ في كُلِّ خُطَّةِ الله وَهُما: عَطاءٌ مُلْزِمٌ، وَعَطاءٌ إرادِيٌّ [أو طَوعِيّ]. مُلْزِمٌ وَطَوعِيٌّ. وَسوفَ نَرى الفَرقَ بينَ الاثنين. وحَالَما تَفهَمونَ الفَرقَ بينَهُما، سيَتَّضِحُ كُلُّ شَيءٍ تَمامًا.

والآن، لِنَنظُر إلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قَبلَ مُوسَى. وَهَذا يَقودُنا إلى سِفْرِ التَّكوين لأنَّنا نَقرأُ عَن مُوسَى في سِفْرِ الخُروج، وكذلكَ عَنِ النَّاموس. لِذا، لِنَرجِع إلى زَمَنِ سِفْرِ التَّكوين، وإلى زَمَنِ الآباءِ الأوائِل. والآن، فيما نَنظُرُ إلى تِلكَ الفَترةِ الزَّمنيَّة، لِنتحدَّث عنِ العَطاءِ الطَّوعِيّ. فَهل كَانَ يُوجَدُ عَطاءٌ طَوعِيٌّ آنَذاك؟ هَل كَانَ يُوجَدُ عَطاءٌ إرادِيٌّ [كَما فَعَلَ المَكِدونِيُّون الَّذينَ أعطَوْا كَما أرادُوا، ووَقتما أرادُوا، وَمِن قُلوبِهم مِن دُونِ تَحديدِ مَبلغٍ مُحَدَّدٍ أو نِسبةٍ مُحَدَّدَةٍ أو مِن دُونِ شُروطٍ أو جَدولٍ زَمَنِيٍّ أو واجِبٍ مُلزِم]؟ هَل كَانَ يُوجَدُ عَطاءٌ طَوعِيٌّ قَبلَ مُوسَى؟

الجَوابُ هُوَ: أجل... أجل، لَقد كَانَ مَوجودًا. وأريدُ مِنكُم أن تَفهموا كَيفَ كانَ الأمرُ يَجري. وهذهِ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا جدًّا. هُناكَ مَواضِع كَثيرة جدًّا في سِفْر التَّكوين نَقرأُ فيها عَن تَقديمِ القَرابينِ لله. وَسوفَ نَرى ذلك. وَمِن بَينِ تِلكَ القَرابين... أعتقدُ أنَّ هَذِهِ أفضل طَريقةٍ للتحدُّثِ عَنها... مِن بينِ تِلكَ القَرابين، كانَ هُناكَ رَجُلان قَدَّما عُشْرًا وَهُما أَبْرام (الَّذي صَارَ يُعرَفُ لاحِقًا باسْم إبراهيم) ويَعقوب. حسنًا؟ لِذا فإنَّ المُدافِعينَ عَنِ العُشورِ يَقولون: "لَقد أعطى إبراهيمُ عُشْرًا، وأعطَى يَعقوبُ عُشْرًا. لِذا، هَذا هُوَ المِعيارُ الدَّائِم".

ولكِن يَنبغي لَكُم أن تَنظُروا بِعُمْقٍ قَبلَ الوُصولِ إلى هذهِ النَّتيجَة المُتَسَرِّعَة. والشَّيءُ المُهِمُّ الَّذي يَنبغي أن تُلاحِظوه هُوَ التَّالي: أنَّ الكلمة "عُشْر" (أو "مَعَاسِرّ" [maasrah] في اللُّغَةِ العِبريَّة) تَعني "عشرة بالمِئَة". ولكِنَّ الكلمة "عَشَّرَ" لا تُشيرُ إلى تَقدِمَةٍ إلزامِيَّة. فَهِيَ لا تُشيرُ إلى شَيءٍ أَوْصَى بِهِ اللهُ، أو أَمَرَ بِهِ، أو طَالَبَ بِهِ؛ بَل تُشيرُ إلى تَقْدِمَةٍ طَوعِيَّة. فالعُشورُ الَّتي قَدَّمَها إبراهيمُ، والعُشورُ الَّتي قَدَّمَها يَعقوبُ كانَت طَوعِيَّة. فاللهُ لم يُطالبْهُما بها البَتَّة، ولم يأمُرْهُما بتقديمِها، ولم يَطلُب مِنهُما نِسبةً مُحَدَّدةً، ولم يَطلُب مِنهُما رَقْمًا مُعَيَّنًا، ولم يَطلُب مِنهُما مَبلغًا مُعَيَّنًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ لا يُوجَدُ أيُّ نَاموسٍ أُعطِيَ قَبلَ نَاموسِ مُوسَى.

وبالمُناسَبة، إنَّ فِكرةَ العُشْرِ لم تَكُن مَذكورةً في الكتابِ المقدَّسِ فقط. وَهِيَ لم تَكُن تَقتَصِرُ وَحَسْب على الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ باللهِ الحَقيقيِّ. بَلِ الحَقيقةُ هِيَ أنَّ فِكرةَ تَقديمِ العُشْرِ للهِ كانت شَائعةً في المُجتمعاتِ الوَثنيَّةِ، تَاريخيًّا، لأسبابٍ وَاضِحَةٍ وَهِيَ أنَّنا نَمْلِكُ عَشَرةَ أصابِعٍ في أرجُلِنا وَعَشَرَةَ أصابِع في أيدينا! فَقد كانَ الإنسانُ [وَما يَزال] يَستخدِمُ الرَّقْمَ 10 كأساسٍ لِكُلِ أنظِمَتِهِ الحِسابِيَّة. وَكانَ الرَّقْمُ 10 رَمْزَ الشُّمول، ورَمْزَ الكَمال.

لِذا، كانَتِ العَادَةُ السَّائِدَةُ في كُلِّ الدِّياناتِ الوَثنيَّةِ هِيَ أنَّهُ عندما يُريدُ عَبَدَةُ الآلِهَةِ الوَثنيَّةِ أن يُقَدِّمُوا قُربانًا لإلَهِهم، كَانُوا يُقَدِّمُونَ عُشْرًا لأنَّهُ يَرمِزُ إلى تَقديمِ كُلِّ شَيءٍ، وتَسليمِ الكُلِّ، ويَرمِزُ إلى الكَمالِ والشُّمول. لِذا فقد كانَ العُشْرُ رَقْمًا شَائِعًا لتقديمِ التَّقدِماتِ للآلِهَةِ حَتَّى قَبلَ إبراهيم. ولم تَكُن فِكرةُ تَقديمِ العُشورِ فِكرةً جَديدةً في زَمَنِ الآباءِ العِبرانِيِّين. كذلك، لم يُوْصِ اللهُ بِتَقديمِ العُشورِ في سِفْرِ التَّكوين. فَهُوَ لم يُوْصِ بذلكَ على الإطلاق - لا في تَكوين 4، وَلا في تَكوين 8، وَلا في تَكوين 12، ولا في تَكوين 14، ولا حَتَّى في تَكوين 28 كَما سنَرى.

والآن، لِنَرجِع إلى الوَراء وَننظُر إلى تَقديمِ التَّقدِماتِ في سِفْر التَّكوين. وأوَّلُ شَاهِدٍ مَوجودٌ في تَكوين 4. فَهذهِ هِيَ أوَّلُ مَرَّةٍ نَقرأُ فيها عَن تَقديمِ قُربانٍ لله... أوَّلُ مَرَّة. وَهَذا قُربانٌ قُدِّمَ للهِ مِنْ قِبَلِ ابْنَيّ آدَمَ؛ أيْ مِنْ قِبَلِ قَايين وَهابيل. والآن، مِنَ المُدهِشِ أن نُلاحِظَ أنَّ هَذا القُربانَ هُوَ قُرْبانٌ طَوعِيٌّ. فاللهُ لم يأمُر بِهِ. واللهُ لم يَطلُبْهُ. واللهُ لم يُحَدِّد رَقْمًا مُعَيَّنا. واللهُ لم يَقُل لَهُما شَيئًا عَنِ المقدارِ أوِ الكَمِّ الَّذي يُريدُه.

ولكِنْ مِنَ الواضِحِ أنَّهُ أَعلَنَ لَهُما شَيئًا وَهُوَ أنَّهُ يُريدُ ذَبيحَةً حَيَوانِيَّة. وَهَذا هُوَ مَا جَعَلَ قُربانَ قَايين غَير مَقبول. فقد أحضرَ قَايين مِن أثمارِ الأرض؛ أيْ مِنْ عَمَلِ يَديهِ بِصِفَتِهِ فَلاَّحًا، أو زَارِعًا، أو مُزارِعًا. لِذا فقد رَفَضَ اللهُ قُربانَهُ. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ اللهَ كَانَ قد أعلنَ أنَّهُ عندَ تَقديمِ قُربانٍ لَهُ، يَنبغي أن يَكونَ القُربانُ ذَبيحَةً حَيَوانِيَّة. بِخلافِ ذلِك، لم يَكُن هُناكَ أيُّ إعلانٍ نَعلَمُ عَنهُ بشأنِ عَدَدِ مَرَّاتِ تَقديمِها، أو بشأنِ وُجودِ نِسبَةٍ مِئويَّةٍ مِن عَدَدِ الحَيَواناتِ لَديكَ، أو بشأنِ وُجودِ نِسبةٍ مِئويَّةٍ سَنويَّةٍ على قَطيعِ غَنَمِك. فَنحنُ لا نَقرأُ شَيئًا عن ذلك.

فَكُلُّ مَا يَقولُهُ النَّصُّ هُوَ أنَّ اثنينَ مِنهُما قَرَّرا طَوعًا وبِكامِلِ إرادَتِهما أنْ يُقَدِّمَا قُربانًا لله. وَقد قَدَّمَ قَايينُ قُربانًا غَيرَ مَقبولٍ لأنَّهُ لم يَكُن قُربانًا يَنْطَبِقُ عَليهِ شَرْطُ أنْ يَكونَ ذَبيحَةً حَيَوانِيَّة. أمَّا هَابيلُ فَقَدَّمَ ذَبيحَةً حَيَوانِيَّة. وَهَذا هُوَ كُلُّ ما نَعرِفُهُ في الحَقيقة. فَقد فَعَلاَ ذلكَ طَوعًا. ولم يَكُن هُناكَ قَانونٌ يُحَدِّدُ لَهُما النِّسبةَ المِئويَّةَ مِن قَطيعِهما. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ لم تَكُن لَديهم عُمْلَة آنَذاك أو مَال. وَلا تُوجَد عِبارةٌ مِنَ اللهِ بخصوصِ عَددِ مَرَّاتٍ تَقديمِها أوِ النِّسبةِ المِئويَّةِ أو أيِّ شَيءٍ آخر. فَقد فَعلاَ بِبَساطَةٍ مَا نَوَيا عَليهِ في قَلبيهِما. وكُلُّ مَا نَعرِفُهُ هُوَ أنَّ هذا القُربانَ الأوَّلَ لم يَكُن بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوالِ مُرتبطًا بالعُشورِ أو بأيِّ شَيء.

والآن، لِننظُر إلى الأصحاحِ الثَّامن. وَنَقرأُ هُنا عَنِ القُربانِ الثَّاني في سِفْر التَّكوين؛ وَهُوَ قُرْبانٌ قَدَّمَهُ نُوح. وَكانَ نُوح قَد نَجا آنذاكَ مِنَ الطُّوفان. فَقد انتَهَى الطُّوفان، وَخَرَجَ مِنْ فُلْكِهِ. وكانَ أوَّلُ شَيءٍ أرادَ أن يَعمَلَهُ هُوَ أن يَبني مَذبَحًا لأنَّهُ أرادَ أن يُقَدِّمَ قُربانًا لله. لماذا؟ تَعبيرًا عَن شُكرِهِ وامتِنانِهِ على النَّجاةِ مِن ذلكَ الطُّوفانِ العالَمِيّ.

وَنَقرأُ في سِفْر التَّكوين 8: 20 أنَّهُ أَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَة. فَقد قَدَّمَ نُوحٌ مُحْرَقاتٍ لله. وَنَقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ هذا كَانَ قُربانًا طَوعِيًّا. وَنَحنُ لا نَعلَمُ أيَّ شَيءٍ عَن ذلكَ القُربان سِوى هَذا. فَلا يُوجَد ذِكْرٌ لِتَقديمِ عُشْرِ الحَيَواناتِ أو عُشْرِ الطُّيور. فاللهُ لم يَأمُر نُوحًا بأن يَفعلَ هذا، بَل إنَّ القُربانَ كَانَ عَفْويًّا، وطَوعِيًّا، وَمِنَ القَلب، وِإرادِيًّا. ولا يُوجَدُ سَببٌ يَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّهُ قَدَّمَ عُشْرَ كُلِّ شَيء؛ بَل إنَّهُ أعطى اللهَ وَحَسْب مَا عَزَمَ في قَلبِهِ على تَقديمِه.

والقُربانُ التَّالي الَّذي أريدُ أن أُخبِرَكُم عَنهُ مَذكورٌ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن سِفْر التَّكوين. والرَّجُلُ هُوَ إبراهيم. وَكانَ اللهُ قَد دَعاهُ لكي يَصيرَ قَائِدَ الأُمَّةِ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر. وكانَت أُمَّةُ إسرائيلَ ستَأتي مِن صُلْبِه. واستِجابَةً لِتلكَ الدَّعوةِ، نَقرأُ في العَددِ السَّابعِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر أنَّهُ بَني مَذبَحًا للرَّبّ. وَنَقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ ذلكَ الأمرَ كَانَ نَابِعًا مِن فَرَحِ قَلبِه، ومِنَ الامتِنانِ في قَلبِه، وَمِنَ التَّشويقِ الَّذي شَعَرَ بِهِ لأنَّهُ دُعِيَ أَبَ الأُمَّة. لِذا فقد قَدَّمَ قَرابينَ للرَّبِّ. ولكِنْ لم تَكُن هُناكَ أيَّة وَصِيَّة بذلك. ولا نَجِدُ هُنا أيَّ ذِكْرٍ لأيِّ مَبلَغٍ، أو نِسبةٍ مِئويَّة. فلَم يَكُن هُناكَ أيُّ مَطلَب، ولم تَكُن هُناكَ أيَّة وَصِيَّة بِذلك.

فَقد تَجاوَبَ طَوْعًا مَعَ الوَعدِ الإلهيِّ الرَّائعِ وَقال: "شُكرًا يا رَبّ" بأنْ قَدَّمَ للهِ قُربانًا. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالث عَشَر أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. ولكِنْ في هَذِهِ المَرَّة، كَانَ في حَبْرون. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالث عَشَر والعَدد 18 أنَّهُ بَنَى مَذبحًا آخرَ وَقَدَّمَ قُربانًا آخرَ لله. وكانَ هذا القُربانُ أيضًا قُربانًا طَوعِيًّا دُونَ تَحديدِ كَمٍّ، ودُونَ أمْرٍ أو وَصِيَّة، وَدُونَ مَطالِب، ودُونَ نِسبَةٍ مِئويَّة، ودُونَ ذِكْرٍ لِعَددِ المَرَّات، ودُونَ أيِّ شَيء.

وعندما تَصِلونُ إلى الأصحاحِ الرَّابع عَشَر، تَقرأونَ أوَّلَ مَرَّة الكلمة "عُشْر". وَهِيَ مَذكورةٌ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر والأعداد 18-20. فَقد عَادَ أَبْرامُ [كَما كَانُ يُدعَى آنذاك] مِنَ الحَرب. وَكانَ قد خَاضَ حَرْبًا مَعَ خَمسَةِ مُلوكٍ في وَادي "شَوَى" وانتصرَ على هَؤلاءِ المُلوكِ الوَثنيِّينَ الخَمسَة. والأمرُ لم يَقتَصِر فقط على الانتصار، بَل إنَّهُ أَخَذَ غَنائِمَ مِنهُم. فَقد أَخَذَ كَمِيَّاتٍ مِن كُنوزِهِم مَعَهُ. وفي طَريقِ العَودَةِ، بَعدَ أنْ أَحْرَزَ نَصرًا عَظيمًا بِقُوَّةِ اللهِ وَحَصَلَ على كُلِّ هَذا الكَنْز، في طَريقِ العَودَةِ التَقى شَخصًا مُدهشًا جدًّا اسمُهُ "مَلْكِي صَادِق". وَمَلْكِي صَادِق هُوَ مَلِكُ شَاليم؛ وَهُوَ الاسمُ القَديمُ لأورُشَليم، مَدينة السَّلام.

وَنَقرأُ في سِفْر التَّكوين 14: 18: "وَمَلْكِي صَادِقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا للهِ الْعَلِيِّ". لِذا فقد انتَصَرَ إبراهيمُ بِقوَّةِ الله. وَقد التَقى هَذا الرَّجُلَ المُدهِشَ الَّذي كانَ مَلِكًا وَكاهِنًا. وَهُوَ كَاهِنُ اللهِ العَلِيِّ الَّذي كانَ إبراهيمُ يَعبُدُهُ. وَهُوَ اللهُ نَفسُهُ الَّذي دَعا إبراهيمَ إلى الخُروجِ مِن أُوْر الكَلدانِيِّينَ، والَّذي وَعَدَهُ بِمَملكةٍ وَشَعبٍ كَرَمْلِ البَحرِ وَنُجومِ السَّماوات.

وَكانَ إبراهيمُ مَديونًا جدًّا للهِ على هذا الوعد، وكانَ مَديونًا جدًّا للهِ على هَذا النَّصرِ على المُلوكِ الخَمسَة لأنَّهُ كَانَ تَأكيدًا لَهُ بأنَّهُ حقًّا رَجُلٌ مَمسوحٌ مِنَ اللهِ وَمَحْمِيٌّ لِقَصْدٍ إلهِيٍّ مُهِمٍّ جدًّا جدًّا. وَقد فَرِحَ إبراهيمُ جدًّا وَتَبارَكَ جدًّا حَتَّى إنَّهُ رَكَضَ إلى هَذا الرَّجُلِ الَّذي كَانَ كَاهِنًا للهِ العَلِيِّ. وَهذا يَعني أنَّهُ يُمكِنُهُ مِن خِلالِ هَذا الرَّجُلِ أن يُقَدِّمَ شُكرَهُ لله. وَنَقرأُ أنَّ هَذا الرَّجُلَ بَارَكَهُ قَائِلاً: "مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمُبَارَكٌ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ".

بِعبارةٍ أخرى، لَقدِ التَقى الرَّجُلُ إبراهيمَ وَبارَكَهُ. وَقد بَارَكَهُ اللهُ أيضًا بأنْ دَعاه. وَقد بَارَكَهُ اللهُ بأن أعطاهُ نَصرًا. وَها هُوَ اللهُ يُبارِكُهُ الآنَ مِن خِلالِ هَذا المَلِكِ الكَاهِنِ. وَكانَ رَدُّ إبراهيم هُوَ أنَّهُ أَعْطَاهُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْء. فَقد قَرَّرَ إبراهيمُ أنَّ هذهِ هِيَ اللَّحظةَ المُلائِمَةَ لِتَقديمِ الشُّكرِ لله. لِذا فقد أعطَى عُشْرًا. وَهذهِ هِيَ أوَّلُ مَرَّةٍ تُذكَرُ فيها هذهِ الكلمة. فَهذا هُوَ مُمَثِّلُ اللهِ. فَهُوَ كَاهِنُ اللهِ العَلِيِّ. وَقد أرادَ إبراهيمُ أن يُعَبِّرَ عَن شُكرِهِ للهِ على النَّصْر.

فَماذا فَعَل؟ لَقد أعطاهُ عُشْرًا. ولكِنْ هَل قالَ لَهُ اللهُ أن يُعطي عُشْرًا؟ لا. فَقد فَعَلَ ذلكَ مِن تِلقاءِ نَفسِه. فَلا تُوجَدُ وَصِيَّةٌ مَكتوبَة. ولم يُؤمَرْ إبراهيمُ بِتَقديمِ شَيءٍ مُحَدَّد. والحَقيقةُ هِيَ... اسمَعُوني: هذهِ هِيَ المَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي نَقرأُ فيها أنَّهُ قَدَّمَ عُشْرًا طَوالَ فَترةِ حَياتِهِ بأسرِها والَّتي امتَدَّت إلى مِئةٍ وسِتِّينَ سَنَة. فَهُوَ لم يَفعل ذلكَ كُلَّ أُسبوع، ولم يَفعل ذلكَ كُلَّ شَهر، ولم يَفعل ذلكَ كُلَّ سَنَة، بَلْ إنَّ الكِتابَ المُقَدَسَ يُدَوِّنُ هذهِ المَرَّةَ فقط. وبالمُناسَبة، لا نَقرأُ في العَدد 20 أنَّ إبراهيمَ أعطى عُشْرَ كُلِّ شَيءٍ يَمْلِكُهُ. فالنَّصُّ لا يَقولُ ذلك، بَل إنَّهُ أعطَى عُشْرَ غَنائِمِهِ في المَعركة.

فَهُوَ لم يَكُن عُشْرَ كُلِّ دَخْلِه، ولا عُشْرَ كُلِّ ثَروتِه، ولا عُشْرًا كُلَّ سَنة. والحَقيقةُ هِيَ... اسمَحُوا لي أن أَتَعَمَّقَ في ذلكَ قَليلاً. نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 7: 4 أنَّهُ أعطَى مَلْكي صَادِق- اسمَعُوا هذهِ العِبارةَ المُدهِشَة: "عُشْرًا...مِنْ رَأسِ الْغَنَائِم". ولكِنَّ الكلمةَ اليُونانيَّة "غَنائِم" هِيَ "أكروثينيون" (akrothinion)، ومَعناها الحَرفِيُّ هُوَ: "رَأسُ الكَوْم" أو "رَأسُ الشَّيء" أو "الباكُورَة". لِذا فإنَّ أفضلَ طَريقةٍ لِترجمَتِها هِيَ أنَّهُ أعطاهُ لا عُشْرَ كُلِّ شَيء، بَلْ عُشْرَ رَأسِ الكَوْم. فَقد أعطاهُ عُشْرَ الأفضَل، أو عُشْرَ أَفضَلِ الغَنائِم.

وَقد تَعني هذهِ الجُملةُ أنَّهُ لم يُعْطِ عُشْرَ كُلِّ شَيء. فرُبَّما كانَ ذلكَ كَثيرًا جدًّا حيثُ إنَّ الغَنائِمَ جَاءَتْ مِنْ خَمسَة مَمالِك مُنفصِلَة. فَرُبَّما كانَ مِنَ الصَّعبِ أن يَأخُذَ كَاهِنٌ واحِدٌ كُلَّ ذلك. لِذا فقد أعطاهُ عُشْرَ أفضَلِ الغَنائِم، أو عُشْرَ رَأسِ الغَنائِم تَعبيرًا عَن تَكريسِهِ وَشُكرِهِ لله. ولكِنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ الَّذي نُريدُ أن نَراهُ هُوَ أنَّ إعطاءَ العُشْرِ كَانَ شَيئًا حَدَثَ مَرَّةً فقط في حَياةِ إبراهيم. فَلا يُوجَدُ سِجِلٌّ آخر يَقولُ إنَّهُ فَعَلَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. وَقد فَعَلَ ذلكَ مِن تِلقاءِ نَفسِه، أو طَوعِيًّا، مِن قَلبِهِ، ومِن دُونِ وَصِيَّةٍ إلهيَّة. وَكَما قُلتُ، كانَ مِنَ الشَّائعِ في العالَمِ القَديمِ في ذلكَ الزَّمانِ حَتَّى بينَ الأُمَمِ الوَثنيَّةِ أنْ يُقَدِّمُوا لآلِهتِهم عُشْرًا تَعبيرًا عَنِ التَّكريسِ الكَامِلِ والتَّامّ.

لِذا، لم يَكُن يُوجَدُ مَطْلَبٌ بِتقديمِ ذلكَ العُشْر، بَلْ إنَّ إبراهيمَ اختارَ أن يُعطيهِ لأنَّهُ كانَ مِنَ الشَّائِعِ في زَمَنِهِ وثَقافَتِهِ أن يَفعلَ ذلك. أمَّا المَرَّةُ الوَحيدةُ الأخرى الَّتي تُذكَرُ فيها الكلمة "عُشْر" في سِفْر التَّكوين قبلَ النَّاموسِ بِكُلِّ تَأكيدٍ فَهِيَ في سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الثَّامن والعِشرين. وَهُنا ينْذِرُ يَعقوبُ نَذْرًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هَذا كَانَ وَقْتَ بُرودٍ رُوحِيٍّ في حَياةِ يَعقوب. لِذا، لا تَستخدِموهُ نَموذَجًا لأيِّ شَيءٍ سِوى الرَّغباتِ الجَسديَّة. فَقد كَانَ خَارِجًا عَنِ الخَطّ.

فَفي سِفْر التَّكوين 28: 20-22، ينذرُ يَعقوبُ نَذرًا للرَّبِّ قَائِلاً: "وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْرًا قَائِلاً: إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ، وَأَعْطَانِي خُبْزًا لآكُلَ وَثِيَابًا لأَلْبَسَ، وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا". شُكرًا جَزيلاً لَكَ يا يَعقوب! فَما أَبْعَدَ الفَارِقَ بينَهُ وَبينَ أَبٍ آخرَ مِنَ الآباءِ في القَديمِ قَال: "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا... [بَل مَاذا؟] فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ". فَهَذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي يُكْرِمُ اللهَ: الثِّقَة الكَامِلَة.

أمَّا ثِقَةُ يَعقوب فلم تَكُن ثِقَةً البَتَّة، بَلْ رَشْوَة: "يا رَبّ، احفَظني، وأعطنِي طَعامًا لآكُل، ومَلابسَ ألْبَسُها، وأرجِعني سَالِمًا فَتَكونُ لِي إلَهًا!" ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "وَهذَا الْحَجَرُ الَّذِي أَقَمْتُهُ عَمُودًا يَكُونُ بَيْتَ اللهِ، وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ". إذًا، سَوفَ يَفعلُ الآنَ مَا كَانَتِ الشُّعوبُ الوَثنيَّةُ تَفعَلُهُ إذْ إنَّهُم كَانُوا يُعطونَ عُشْرًا لآلِهَتِهم تَعبيرًا عَنِ امتِنانِهم؛ ولكِنَّهُ كَانَ سَيفعلُ ذلكَ فقط إنِ استَجابَ اللهُ لِطِلباتِه.

ولا شَكَّ في أنَّكُم تُدرِكونَ أنَّ مَا كَانَ يَعقوبُ يُحاولُ أن يَفعلَهُ هُوَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُعطي اللهَ رَشْوَةً: "اسمَع يا الله: أعطِني رِحلةً مَيمونَةً وسوفَ أجعَلُكَ إلَهًا لِي. وَسوفَ أبني مَذبَحًا وأُعطيكَ عُشرَ كُلِّ شَيءٍ لي". فَقد كانَ يُحاولُ أن يَشتري بَرَكَةَ الله. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ كَانَ فَاتِرًا رُوحِيًّا وَأنَّ دَافِعَةُ مِن تَقديمِ العُشورِ لَم يَكُن نَقِيًّا. وَلا يُمكِنُكم أن تَجِدُوا في ذلكَ النَّصِّ أيَّةَ إشارةٍ إلى أنَّ اللهَ أوصاهُ بِأن يُعطي عُشْرًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّني أعتقدُ أنَّ هَذا التَّصرُّفَ كَانَ تَصَرُّفًا مَقيتًا مِن يَعقوب، وَأنَّ اللهَ لم يُسَرّ بِهِ البَتَّة. وَهُوَ لَم يَكُن مُلزَمًا بِذلكَ، ولم تَكُن هُناكَ وَصِيَّة بِذلكَ البَتَّة.

لِذا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا العَديدَ مِنَ القَرابين في سِفْر التَّكوين. وسوفَ نُلَخِّصُ ذلكَ بسُرعة. كانت هُناكَ قَرابين كَثيرة. وكانتِ اثنتانِ مِنها عُشورًا؛ ولكِنَّهُما كانَتا عُشورًا طَوعِيَّةً على غِرارِ بَقِيَّةِ القَرابينِ الَّتي كانَت قَرابينَ طَوعِيَّة. ولم يَكُن أيٌّ مِنها بأمرٍ إلهِيٍّ. فالسَّببُ في المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أعطى فيهما إبراهيمُ ويَعقوبُ عُشرًا هُوَ أنَّهُما اختارا أن يَفعلا ذلك. ولكِنَّ هَذهِ ليسَت حُجَّةً قَوِيَّةً على وُجودِ عُشورٍ إلزامِيَّةٍ في الفَترةِ الَّتي سَبَقت مُوسَى. فلم يَكُن يُوجَدُ مِعيارٌ كَهذا.

والآن، لِنَبْقَ قَليلاً في الزَّمَنِ الَّذي سَبَقَ مُوسَى. ولننظُر إلى النَّوعِ الثَّاني مِنَ العَطاءِ وَهُوَ العَطاءُ الإلزامِيّ. فَقد تَحدَّثنا عَنِ العَطاءِ الطَّوعِيِّ؛ أيْ أن تُعطي وَقتَمَا تَشاء وَقَدْرَ مَا تَشاء. وَيَنبغي أن يَكونَ العَطاءُ سَخِيًّا، وأن يَكونَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وأن يَكونَ مُضَحِّيًا، وَأن يَكونَ طَوعِيًّا. وَقد رأينا ذلك. ولكِن مَاذا عَنِ العَطاءِ الإلزامِيّ. فالعُشورُ لم تَكُن شَيئًا إلزامِيًّا؛ ولكِنْ هَل كَانَ يُوجَدُ عَطاءٌ إلزامِيّ؟ وَهَل قَالَ اللهُ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نُعطي قَدرًا مُعَيَّنًا أو نِسبةً مِئويَّةً مُحَدَّدة؟ الجَوابُ هُوَ: أجل. والشَّاهِدُ مَوجودٌ في سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الحادي والأربَعين. وَهذا مَقطَعٌ مُهِمٌّ جدًّا في الكتاب المقدَّس لأنَّكُم تَجِدونَ هُنا التَّعليمَ المُختصَّ بالعَطاءِ الإلزامِيّ. لِذا فإنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا.

والآن، في سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الحادي والأربعين، كانَ يُوسُفُ في مِصْر. فَقد بِيْعَ عَبْدًا مِن قِبَلِ إخوَتِهِ الغَيورين. وَقد فَسَّرَ حُلْمًا لِفِرْعَوْن. وَكانَ قَد صَارَ آنَذاكَ شَخصًا ذَا سُلطان. وَسَوفَ يَصيرُ في النِّهاية رَئيسَ وُزراءِ مِصْر. ولكِنَّهُ قَبلَ ذلكَ فَسَّرَ حُلُمًا لأنَّهُ حَتَّى عندما كانَ مَسجونًا، كَانَ الجَميعُ يَعلَمُ أنَّهُ يَستطيعُ أن يُفَسِّرَ الأحلام. لِذا فقد فَسَّرَ حُلُمَ فِرعَوْن. وكانَ مَعنى الحُلْمِ هُوَ أنَّهُ ستَأتي سَبْعُ سَنواتٍ مِنَ الخَيرِ وَسَبْعُ سَنَواتٍ مِنَ الجُوع. هَل تَذكُرونَ ذلك؟

لِذا، إنْ كانَ ذلكَ صَحيحٌا؛ أيْ إن كُنَّا سنَزدَهِرُ سَبْعَ سِنين، ثُمَّ سَتَأتي سَبْعُ سِنين مِنَ الجُوع، يَنبغي لَنا أنْ نَستَغِلَّ سَنواتِ الخَيرِ لِتَخزينِ المَحاصيلِ لِسَنواتِ الجُوع. أليسَ كذلك؟ إنَّهُ أمرٌ مَنطِقِيّ. والآن، كيفَ سيَحدُثُ ذلك؟ لِنَنظُر إلى سِفْرِ التَّكوين 41: 34 ونَقرأُ مَا تَقولُهُ كلمةُ الله: "فَيُوَكِّلْ [فِرْعَوْنُ] نُظَّارًا عَلَى الأَرْضِ، وَيَأْخُذْ خُمْسَ غَلَّةِ أَرْضِ مِصْرَ فِي سَبْعِ سِنِي الشِّبَع".

نَجِدُ هُنا، يا أصدقائي، أوَّلَ عُملاءٍ لمَصلَحَةِ الضَّرائِب. وَهُمْ يُدْعَوْنَ "نُظَّارًا". وَكانت مَسؤوليَّتُهُم هِيَ أن يَفرِضُوا ضَريبةَ دَخْلٍ نِسبَتُها عِشرونَ بالمِئَة لِتَمويلِ الحُكومَةِ المَحليَّةِ وَنِظامِ المَعوناتِ في الأُمَّة. وعلى مَدى سَبْعِ سَنوات، جَمَعُوا ضَريبَةً بِنسبةِ عِشرينَ بالمِئَة على كُلَّ شَيءٍ تَمَّ إنتاجُه. خَزِّنوا ذلكَ، وعندما تَأتي سَنواتُ الجُوعِ سيَكونُ لَديكُم مَا تَحتاجونَ إليه. إنَّها أوَّلُ مَصْلَحَةِ ضَرائِب، وَهِيَ أوَّلُ ضريبَةِ دَخْلٍ فِدرالِيَّة. وَسواءَ أَحبَبتُم ذلكَ أَم لا، كانَ مَنِ اقترَحَ هذهِ الفِكرةَ هُوَ اللهُ لِدَعْمِ أُمَّةِ مِصْر. فَجَمْعُ عِشرينَ بالمِئَة في سَنواتِ الشِّبَع سَيُؤمِّنُ للنَّاسِ الطَّعامِ في سَنواتِ الجُوع.

والآن، إليكُم مَا جَاءَ في سِفْر التَّكوين 47: 24. وَهُوَ مُهِمٌّ جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين 47: 24: "وَيَكُونُ عِنْدَ الْغَلَّةِ أَنَّكُمْ تُعْطُونَ خُمْسًا لِفِرْعَوْنَ، وَالأَرْبَعَةُ الأَجْزَاءُ تَكُونُ لَكُمْ بِذَارًا لِلْحَقْلِ، وَطَعَامًا لَكُمْ وَلِمَنْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَطَعَامًا لأَوْلاَدِكُمْ". احتَفِظُوا بأربعةِ أخماسٍ وأعطوا الحُكومَةَ خُمْسًا. أليسَ مِنَ المُدهِشِ أنَّ الضَّريبَةَ كَانَت في الأصل 20 بالمِئَة؟ لأنَّ هَذِهِ هِيَ تَقريبًا نِسبة الضَّريبةِ في نِظامِ الضَّرائِبِ الأمريكيِّ الَّذي هُوَ نِظامُ مُعَقَّدٌ جدًّا في هذهِ النُّقطَة. وَقبلَ سَنواتٍ ليسَت كَثيرة، كانت نِسبةُ الضَّريبةِ هِيَ 20 بالمِئَة أو أكثر قَليلاً. لِذا، هَذِهِ هِيَ النِّسبةُ الأصليَّة. وكانَ هَذا العَطاءُ إلزامِيًّا. فَقد كانَ يَنبغي للجَميعِ أن يُعطُوا. فأنتُم تَحتفظونَ بأربعةِ أخماسٍ وتُعطونَ الخُمسَ لِتَمويلِ الحُكومَةِ المَحليَّة.

اسمَعوني جَيِّدًا الآن: لَقد كانَ العَطاءُ الطَّوعِيُّ مُوَجَّهًا للرَّبِّ، وكَانَ العَطاءُ الإلزامِيُّ مُوَجَّهًا للحُكومَة. فَقد كانَ العَطاءُ الطَّوعِيُّ مُوَجَّهًا للرَّبِّ، وَكانَ يَتِمُّ بِدافِعِ شَخصِيٍّ تَعبيرًا عَنِ المَحبَّةِ، وكانَ يَتِمُّ بِسَخاء، وحَسَبَ الطَّاقَةِ، ويَتِمُّ بِرُوحِ التَّضحيةِ، وَمِن تِلقاءِ النَّفس. أمَّا العَطاءُ الإلزامِيُّ فكانَ ضَريبَةً لِدَعمِ الحُكومَةِ المَحليَّة. إذًا، لَقد تَحدَّثنا كَثيرًا عَنِ العَطاءِ قَبلَ مُوسَى. فَهُناكَ نَوعان: العَطاءُ الطَّوعِيُّ [أيْ أنْ تُعطي قَدْرَ مَا تَشاء وَأينَمَا تَشاءُ للرَّبِّ]، والعَطاءُ الإلزامِيُّ [وَهُوَ ضَريبَة]. هَذهِ هِيَ المَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي نَقرأُ فيها عَنِ العَطاءِ الإلزامِيِّ في سِفْر التَّكوين.

والآن، لِنَنتقِل إلى زَمَنِ مُوسَى ونَتقدَّم مِن زَمَنِ مُوسَى إلى زَمَنِ يَسوع؛ أيْ في الوَقتِ الَّذي كَانَ فيهِ النَّاموسُ سَارِيًا. فَماذا عَنِ العُشور؟ وَماذا عَنِ العَطاءِ الطَّوعِيِّ؟ وَماذا عَنِ العَطاءِ الإلزامِيّ؟ إنَّ هَذا الأمرَ وَاضِحٌ جدًّا جدًّا في الكتابِ المقدَّس. وَمِنَ المُدهِشِ أنَّ النَّاسَ لا يَرَوْنَهُ. واسمَحُوا لي أن أُخبِرَكُم عَنه. لِنَتحدَّث... لِنَتحدَّث عنِ العَطاءِ الإلزامِيِّ في زَمَنِ مُوسَى. وَقد تَقول: "ولكِنَّ هَذا هُوَ نِظامُ العُشور". أجل، فَقد كانَ دَفْعُ العُشورِ إلزامِيًّا. فالآية لاوِيِّين 27: 30 تَذكُرُ العُشورَ وتُسَمِّيها "عُشْرَ الرَّبِّ"، وأحيانًا: "عُشْرَ اللاَّوِيِّين". فَنَحنُ نَقرأُ مَا يَلي في سِفْر اللاَّويِّين: "وَكُلُّ عُشْرِ الأَرْضِ مِنْ حُبُوبِ الأَرْضِ وَأَثْمَارِ الشَّجَرِ فَهُوَ لِلرَّبِّ. قُدْسٌ لِلرَّبِّ". وَفي سِفْرِ العَدَد والأصحاح 18، كَانَ هَذا العُشْرُ يُقَسَّمُ بينَ اللاَّويِّين.

والآن، اسمَحُوا لي أن أُخبِرَكُم كَيفَ كَانَ هذا النِّظامُ يَعمَل. فَقد كانَ هُناكَ عُشْرٌ إلزامِيّ، وَهُوُ كُلُّ عُشْرِ الأرضِ مِن حُبوبِ الأرضِ وأثمارِ الشَّجَرِ وكُلِّ شَيءٍ تُنتِجُهُ. وَهَذا يَضُمُّ الحَيَواناتِ وَكُلَّ شَيء. فَيجبُ عليكَ أن تُعطي 10 بالمِئَة مِنها للرَّبّ. وأنتَ تَفعلُ ذلكَ بأنْ تُعطي العُشْرَ للاَّوِيِّين. وَمَن هُمُ اللاَّوِيُّون؟ كَانَ اللاَّوِيُّونَ سِبْطًا مِن أسباطِ بَني إسرائيلَ الاثني عَشَر؛ ولكِنَّهُم السِّبْطُ الَّذي تَمَّ اختيارُهُ ليكونوا الكَهَنَةَ، ويَهتمُّوا بِالخِدمَةِ في الهَيكلِ، ويَقودوا الأُمَّة. فَقد كَانُوا نُوَّابَ اللهِ، أو وُكَلاءَ الله.

إذًا، كانَتْ ضَريبَةُ العُشْرِ تَرْمِي إلى سَدِّ حَاجاتِ اللاَّويِّينَ الَّذينَ لم يَكُن لَهُم أرضٌ وَلا مِنطَقَة. فَهُم لَم يُعْطَوْا أيَّةَ مِنطَقَة عندما قَسَّمَ الرَّبُّ الأرضَ. ولَم يَكُن لَهُم عَمَلٌ أو وَظيفَةٌ يَقْتاتُونَ مِنها. فَقد كَانُوا يَعمَلونَ لأجلِ الشَّعب. وَكانُوا هُمُ الحُكومَة. وَكانُوا يُديرونَ الأُمَّة. وَكانُوا يَتَّخِذونَ القَرارات. وَكانُوا القُضاةَ والمُستشارينَ والحُكَماء. وَكانُوا يَتَّخِذونَ القَراراتِ المُختصَّةَ بالأرضِ ويَقودونَ الأُمَّة. وَكانَ لا بُدَّ مِن سَدِّ حَاجاتِهم. لِذا، كانَ النَّاسُ يُعطونَ 10 بالمِئَة كُلَّ سَنَة لِسَدِّ حاجاتِ هَؤلاءِ الَّذينَ يُديرونَ الحُكومَة.

والآن، تَذَكَرُوا أنَّ اللهَ يَقولُ إنَّ 10 بالمِئَة مِن كُلِّ أرضِكُم وَبُذورِكُم وَثَمَرِكُم هُوَ لِي. وَهذهِ ثِيوقراطِيَّة. والثِّيوقراطِيَّة هِيَ أُمَّةٌ يَحكُمُها اللهُ. أمَّا الدِّيمقراطيَّةُ فَهِيَ أُمَّةٌ يَحكُمُها الشَّعب. وَفي أُمَّةٍ يَحكُمُها الشَّعب (أيِ: الدِّيمُقراطِيَّة)، نَحنُ نَختار قَادَتَنا، ثُمَّ نَدفَعُ ضَرائِبَنا لِدَعْمِهم. أمَّا في الثِّيوقراطِيَّةِ فإنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَختارُ قَادَتَهُ، وَنَحنُ نَدعَمُهم. وإنْ كُنتُم تَتساءلونَ كَيفَ هِيَ الحَياةُ في ظِلِّ الثِّيوقراطِيَّة، انتَظِروا إلى أنْ يَأتي المُلْكُ الألفِيّ. فَذلكَ المُلْكُ سيَكونُ ثِيوقراطِيَّةً يَسودُ فيه المَسيحُ، ويَحكُم، ويَختارُ قَادَتَهُ، والكُلُّ يُظْهِرُ الطَّاعَةَ لَهُم وَلَهُ.

ولكِن في إسرائيل، كانَ النِّظامُ ثِيوقراطِيًّا. فقد كانَ اللهُ هُوَ المَلِك، وكانَ اللهُ هُوَ الحاكِمُ المُطلَق، وكانَ اللهُ هُوَ السَّيِّد. وَقد مَارَسَ حُكمَهُ مِن خِلالِ كَهَنَةٍ عَديدين. وَكانَ هَؤلاءِ بِحاجَةٍ إلى الدَّعم. لِذا فقد كانَ الدَّعْمُ للرَّبِّ مِن أجلِ دَعْمِ مَملكَتِهِ الثِّيوقراطيَّة. فَقد كانَ يَنبغي إعطاءُ 10 بالمِئَة مِن كُلِّ شَيء. وَكانَت تُوجَدُ مُعادَلاتُ مُعَيَّنَةٌ إن أردتَ أن تُعطي مَالاً عِوَضًا عَنِ الحُبوبِ والأرضِ إذْ يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. ولكِن لا يُمكِنُكَ أن تُعطي مَالاً عِوَضًا عَنِ الحَيَوانات. وَكانت هُناكَ تَعليماتٌ مُحَدَّدَةٌ بخصوصِ ذلكَ في سِفْر اللاَّوِيِّين.

ولكِنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يَنبغي أن تَعرِفوه هُوَ أنَّ أوَّلَ عُشْرٍ كَانَ عُشْرًا مِن مَحاصيلِ الشَّعبِ وَمَواشيه. وَهُوَ للرَّبّ. وَهَذا ليسَ عَطاءً طَوعِيًّا، بَل عَطاءً إلزامِيًّا. وَإنْ لم تُعطِهِ فإنَّكَ تَسلِبُ الله. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر مَلاخي 3: 8: "أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَة". فأنتُم لم تُعطوني التَّقدِماتِ الَّتي طَلبُتها مِنكُم. وهَذِهِ سَرِقَة.

إذًا، كانَ العُشْرُ يُعطَى للكَهَنَةِ لِدعمِهم بِسَببِ مَسؤوليَّاتِهم الدِّينيَّة. فَقد كانُوا مُتفرِّغينَ لِتلكَ الخِدمَة، ولم يَكُن بإمكانِهم أن يَكسَبُوا رِزقَهُم. وفي النِّظامِ الثِّيوقراطِيِّ، كَانُوا يَحكُمونَ عِوَضًا عَنِ اللهِ. وَأنتُم تَدفَعونَ رَواتِبَ الأشخاصِ الَّذينَ يُديرونَ البَلَد. وَكانَ هَذا العُشْرُ شَكلاً مِن أشكالِ الضَّريبَة. فَهذا ببساطَة: ضَريبَة. لِذا، كانَ بَنو إسرائيلَ يَدفعونَ 10 بالمِئَة؛ ولكِن ليسَ فقط 10 بالمِئَة.

ففي سِفْر اللاَّويِّينَ والأصحاحِ الثَّاني عَشَر، هُناكَ عُشْرٌ آخَر. ففي كُلِّ سَنَة، كانَ يَنبغي لَهُم أن يُعطُوا عُشْرًا آخر. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْر اللاَّويِّينَ والأصحاحِ الثَّاني عَشَر مَا يَلي. وَسوفَ نَقرأُ بِضْعَ آياتٍ، وَهِيَ الآية 10، و 11، و 17، و 18. إنَّها آياتٌ مُتفرِّقَة: "فَمَتَى عَبَرْتُمُ الأُرْدُنَّ وَسَكَنْتُمُ الأَرْضَ الَّتِي يَقْسِمُهَا لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ، وَأَرَاحَكُمْ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكُمُ الَّذِينَ حَوَالَيْكُمْ وَسَكَنْتُمْ آمِنِينَ، فَالْمَكَانُ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ لِيُحِلَّ اسْمَهُ فِيهِ، تَحْمِلُونَ إِلَيْهِ كُلَّ مَا أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ: مُحْرَقَاتِكُمْ وَذَبَائِحَكُمْ وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَكُلَّ خِيَارِ نُذُورِكُمُ الَّتِي تَنْذُرُونَهَا لِلرَّبِّ".

وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَن أورُشليم. فَسوفَ تَكونونَ في المَكانِ "الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ لِيُحِلَّ اسْمَهُ فِيه". وَاسمُهُ يَحِلُّ في أورُشليم. لِذا فإنَّ مَا يَقولُهُ هُنا هُوَ: يَنبغي لَكُم أن تُحضِروا كُلَّ تَقدِماتِكُم، وَذبائِحِكُم، ورَفائِعِ يَدِكُم إلى أورُشليم. "لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْكُلَ فِي أَبْوَابِكَ عُشْرَ حِنْطَتِكَ وَخَمْرِكَ وَزَيْتِكَ، وَلاَ أَبْكَارَ بَقَرِكَ وَغَنَمِكَ، وَلاَ شَيْئًا مِنْ نُذُورِكَ الَّتِي تَنْذُرُ، وَنَوَافِلِكَ [أيْ تَقدِماتِكَ الطَّوعِيَّة الَّتي هِيَ شَيءٌ مُختَلِفٌ تَمامًا]، وَرَفَائِعِ يَدِكَ. بَلْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ تَأْكُلُهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ، أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَاللاَّوِيُّ الَّذِي فِي أَبْوَابِكَ، وَتَفْرَحُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ بِكُلِّ مَا امْتَدَّتْ إِلَيْهِ يَدُكَ".

مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ؟ إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أَمَرَ بإقامَةِ كُلِّ أنواعِ الاحتفالاتِ وَالوَلائِمِ والمُناسَباتِ والأعيادِ القَومِيَّةِ كَعيدِ الفِصْحِ وكُلِّ الأمورِ الأخرى المُصاحِبَة لَها؛ أيْ كُلِّ الوَلائِمِ اليَهوديَّةِ والاحتفالاتِ والذَّبائِحِ والتَّقدِماتِ وغَيرِها. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي أن تُعطُوا عُشْرَ كُلِّ شَيءٍ تَحصُلونَ عليهِ لهذهِ المُناسَبات. بِعبارةٍ أخرى، كانَ العُشْرُ الأوَّلُ يُعطَى لِدعمِ اللاَّويِّين، وكانَ العُشْرُ الثَّاني يُعطَى لِدَعمِ المُناسباتِ الدِّينيَّة.

وكانَ الأمرُ شَبيهًا بالوَلائِمِ الَّتي يُحضِرُ فيها الجَميعُ طَعامًا للأكل. فَقد كانَ كُلُّ شَخصٍ يُحضِرُ مَا يَلْزَمُ إحضارُه. وَهذا يَعني بِكُلِّ تَأكيدٍ ضَرورةَ وُجودِ أشخاصٍ يَعتَنونَ بالحَيَواناتِ وَإعدادِ الطَّعامِ لكي يَتمكَّنوا مِن إقامَةِ كُلِّ تِلكَ الوَلائِمِ العَظيمَةِ والاحتفالاتِ العَظيمَة. فَقد كانَ كُلُّ ذلكَ لأجلِ المُجتَمَع، ولأجلِ الشَّرِكَة، ولأجلِ العِبادَةِ الدِّينيَّةِ للأُمَّةِ بأسرِها، ولأجلِ الحِفاظِ على وَحدَةِ الأُمَّة. لِذا، كانَ اليَهودُ يُعطونَ عشرة بالمِئَة لِلاَّوِيِّين وعشرة بالمِئَة للاحتفالاتِ القَوميَّةِ والمُناسَباتِ القَومِيَّةِ والأعيادِ القَوميَّةِ الَّتي تُحافِظُ على وَحدَةِ الأُمَّة.

ولكِنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ هُنا. فَقد كانَ يُوجَدُ عُشْرٌ ثَالِث... عُشْرٌ ثَالِث. فَأوَّلاً، كانَ هُناكَ عُشْرُ اللاَّوِيِّين، ثُمَّ كانَ هُناكَ عُشْرُ الأعياد (كَما يُسَمِّيهِ اليَهود)، وثالِثًا، كانَ هُناكَ عُشْرٌ يُعْطَى للرِّعايَةِ الاجتِماعِيَّة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّثنية 14: 28: "فِي آخِرِ ثَلاَثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُولِكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَتَضَعُهُ فِي أَبْوَابِكَ". ففي كُلِّ ثَلاثِ سِنين [مِنَ الدَّورَةِ السَّبتيَّة]، كانَ يَنبغي لَهُم أن يُعطُوا عُشْرًا ثَالِثًا. وَهَذا يَعني في كُلِّ ثَلاثِ سِنين وَثُلْث، أو رُبَّما أقَلّ قَليلاً مِن ذلك إنْ خَصمتُم العِشرين بالمِئَة الأخرى.

ولكِنْ في كُلِّ ثَلاث سِنين، كانَ يَنبغي لَهُم أن يُعطوا 10 بالمِئَة؛ أيْ نَحْوَ 3 بالمِئَة في كُلِّ سَنة. وَماذا كانَتِ الغَايَةُ مِن هَذا العُشْر؟ إنَّهُ للغُرباءِ، واليَتامَى، والأرامِل. وَكانَ هَذا العُشْرُ يُسَمَّى "عُشْر المَساكين". فَهُناكَ عُشْرُ اللاَّوِيِّين، وَعُشْرُ الاحتفالات، وَعُشْرُ المَساكين؛ أيْ 10 بالمِئَة، زائِد 10 بالمِئَة، زَائِد 3 بالمِئَة تَقريبًا فيكونُ المَجموعُ هُوَ 23 بالمِئَة. وَهذا مُدهِش! فقد كانتِ الضَّريبَةُ المَفروضَةُ مِن أجلِ الحُكومَةِ الثِيوقراطِيَّةِ هِيَ 23 بالمِئَة؛ وَهِيَ لا تَختلِف كَثيرًا عَنِ الضَّريبَةِ الَّتي فُرِضَتْ في مِصْر عندما كَانُوا مُطالَبينَ بِإعطاءِ عِشرينَ بالمِئَة.

لِذا فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَقولونَ إنَّ اليَهودَ كَانُوا يُعطونَ 10 بالمِئَة مُخطِئون. فَهُم لم يُعطُوا 10 بالمِئَة، بَل أعطُوا 10 بالمِئَة، ثُمَّ 10 بالمِئَة، ثُمَّ أكثر قَليلاً مِن 3 بالمِئَة في كُلِّ سَنَة لكي يَدعَمُوا الحُكومَةَ المَحليَّة. وَكانَ هَذا العَطاءُ عَطاءً إلزامِيًّا. بِعبارةٍ أخرى، كانَ هذا العَطاءُ ضَريبَةً لِتَمويلِ الحُكومَة. فَقد كانتِ الحُكومَةُ مَوجودَةً لِإرشادِهُم إلى اللهِ، وَحِمايَتِهم، وتَوفيرِ جَيشٍ يُوفِّرُ لَهُمُ الأمان، وتَوفيرِ المَوارِدِ لَهُم، وتَشكيلِ شَخصيَّةٍ اجتِماعيَّةٍ للأُمَّة، وحِفظِهم شَعبًا عَظيمًا واحِدًا يَشترِكُ في الاحتفالاتِ الدِّينيَّةِ، وسَدِّ احتياجاتِ الأشخاصِ المُعْدَمينَ في وَسْطِهم.

لِذا، كانَ هُناكَ عُشْرُ اللاَّوِيِّينَ للحُكومَة، وَعُشْرُ الأعيادِ للمُجتَمَعِ نَفسِهِ والحَياةِ الدِّينيَّةِ للشَّعب، وَعُشْرُ المَساكينِ كَنِظامِ تَكافُلٍ اجتِماعِيّ. وَهَذا كُلُّهُ كَانَ ضَريبَةً وَحَسْب. اسمَعوني: قَبلَ مُوسَى، كانَ العَطاءُ الإلزامِيُّ ضَريبَةً. وفي زَمَنِ مُوسَى، كانَ العَطاءُ الإلزامِيُّ ضَريبَةً. وَلا يَجوزُ أنْ نَخلِطَ بينَهُ وبينَ العَطاءِ للرَّبّ. فَهُوَ عَطاءٌ لِدَعمِ مُؤسَّسَةٍ أنشأَها اللهُ؛ وَهِيَ الحُكومَةُ البَشريَّة.

وبالمُناسَبَة، لم يَكُن هَذا كُلُّ مَا يَدفَعُهُ اليَهود. فَنِسبَةُ الثَّلاثة والعِشرينَ بالمِئَة لم تَكُن كُلَّ شَيء. وَنَحنُ نَدفَعُ الضَّريبَةَ بِنِسبَةٍ مُشابِهَةٍ هُنا؛ ولكِنَّنا نَدفَعُ ضَرائِبَ أكثر مِن ذلك. فَهُناكَ ضَريبَةُ الغَاز، وَضَريبَةُ المَبيعات، وضَريبَةُ الأرباح عندما نَربَح، وضَريبَةٌ عَقارِيَّة، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَنِظامُ الضَّرائِبِ ليسَ نِظامًا جَديدًا حَقًّا، بَل إنَّ اليَهودَ كَانُوا يَدفعونَ بَعضًا مِن هذهِ الضَّرائبِ أيضًا. وَهَل تَعلمونَ أنَّهُم كانوا يَدفعونَ في الحَقيقةِ ضَريبَةٍ على الأرباح؟ فَقد كانَت هُناكَ ضَريبَةٌ على لُقاطِ الحَصَاد. وَهِيَ لَيسَت مَا تُفَكِّرونَ فيه، ولكِنَّها مَذكورَةٌ في سِفْر اللاَّوِيِّين 19: 9-10.

فَنحنُ نَقرأُ هُنا عَن ضَريبَةِ لُقاطِ الحَصاد: "وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لاَ تُكَمِّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ". فَقد كانتِ الحُقولُ مُرَبَّعَةَ الزَّوايا. وعندما كَانُوا يَحصُدونَ الحُقول، لم يَكُن يَجوزُ لَهُم أن يَحصُدوا الزَّوايا، بَلْ كانَ يَنبغي لَهُم أن يَترُكوها وَلا يَحصُدوها. لماذا؟ لَقد كانَت خُطَّةً للمُشارَكَةِ في الأرباح. فَحينئذٍ، يُمكِنُ للمَساكينِ أن يَأتوا وَيَحصُدوا زَوايا الحَقلِ الَّتي تُرِكَتْ دُونَ حَصادٍ؛ وبذلكَ فإنَّهُم يَشتركونَ في الرِّبْح. وَكانَ بإمكانِهم أن يَذهَبُوا مِن حَقلٍ إلى آخَر إلى آخر ويَشترِكُوا في ذلك. وَنَقرأُ: "وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ". بِعبارةٍ أخرى، عندما تَقومُ بِعمليَّةِ الحَصادِ وَتَحصُدُ الحَصادَ، وتَلتَقِطُهُ، وَتَضَعُهُ في العَرَبَة، وتَربُطُهُ، إنْ سَقَطَ مِنهُ شَيءٌ لا تَلتَقِطُهُ. فَلا يَجوزُ لَكَ أنْ تَلتَقِطَهُ، بَلِ اتْرُكْهُ للمَساكينِ كَي يَأتُوا ويَلتَقِطوهُ مِنَ الحُقول. وُلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ رَاعوث كانَت تَفعلُ ذلك. وَنَقرأُ أيضًا: "وَكَرْمَكَ لاَ تُعَلِّلْهُ". بِعبارةٍ أخرى، عندما يَسقُطُ قُطْفُ عِنَب، لا تَلتَقِطْهُ؛ بَلِ اتْرُكْهُ هُناكَ لهؤلاءِ المَساكين. "لِلْمِسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ". فأنتَ تُعطي جُزءًا مِن أرباحِكَ للمَساكين. لِذا، فَقد كانُوا يَفعلونَ ذلكَ أيضًا.

ثُمَّ نَقرأُ في سِفْر نَحَمْيا 10: 32-33 أنَّهُ كَانَت تُوجَدُ ضَريبَةٌ مِقدارُها ثُلْثُ شَاقِل كانَ يَنبغي لَهُم أن يَدفعوها كُلَّ سَنَة لِشراءِ المَوادِّ لِتَقدِماتِ الهَيكلِ وبِناءِ الهَيكَل. أَضيفُوا إلى ذلكَ مَا يَلي إذْ نَقرأُ في سِفْر الخروج 23: 10-11 أنَّهُ لم يَكُن يَجوزُ لَهُم أن يَزرَعُوا حُقولَهُم مُرَّةً كُلَّ سَبْعِ سِنين. لِذا، في كُلِّ سَبْعِ سِنين، لم يَكُن لَديهم دَخْلٌ حقًّا مِنَ المَصدَرِ المَألوف. فَقد كانَ يَنبغي لَهُم أن يَتَخَلَّوْا عَن دَخْلِ سَنَةٍ كَامِلَة مِنَ الأرض لكي يُريحُوا الأرضَ، ولكي تُجَدِّدَ التُّربَةُ نَفسَها حَتَّى تُنتِجَ أفضَل في المُستقبَل.

لِذا فقد كانُوا يَدفعونَ 10 بالمِئَة، ثُمَّ 10 بالمِئَة، ثُمَّ 3 بالمِئَة، ثُمَّ زَوايا الحَقل، ثُمَّ اللُّقاطَة، ثُمَّ ثُلْثَ شَاقَلٍ ضَريبَةً للهَيكَل، وَكانُوا يُريحونَ الأرضَ في كُلِّ سَنَةٍ سَابِعَة. وَهَذا أكثر بِكَثير مِن 10 بالمِئَة. فَهُوَ أكثر مِن 25 بالمِئَة. يَبدو أنَّ هَذِهِ هِيَ النِّسبةُ المِئويَّةُ الَّتي كَانَت مَطلوبَةً مِنَ اليَهودِ في الحُكومَةِ الثِّيوقراطِيَّة. وَهذا لم يَكُن عَطاءً طَوعِيًّا، بَل كَانَ ضَريبَةً. فَقد كانَ عَطاءً إلزامِيًّا. سَوفَ أُعيدُ ذلكَ مَرَّةً أخرى. كُلُّ العَطاءِ قَبلَ زَمَنِ مُوسَى وَفي النَّاموسِ المُوسَوِيِّ كَانَ مِن أجلِ دَعْمِ الحُكومَةِ المَحليَّة.

والآن، لِنَنتَقِل إلى العَطاءِ الطَّوعِيّ. فإنْ كانَ اليَهودُ مُطَالَبينَ بالقِيامِ بِذلك؛ أيْ بِالعَطاءِ الإلزامِيِّ، مَا هُوَ العَطاءُ الطَّوعِيّ؟ وَهلِ الفَترةُ مِن مُوسَى إلى يَسوع تَتحدَّثُ عنْ عَطاءٍ طَوعِيّ؟ أَجل... أجل. فَقد كانَ يُوجَدُ عَطاءٌ طَوعِيّ. وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الطُّرُقِ الَّتي يُمكِنُنا أن نَفهَمَ فيها ذلك. وَهِيَ تَنسَجِمُ انسِجامًا تَامًّا مَعَ الأشياءِ الَّتي نَتَعَلَّمُها عن طَريقةِ المَكِدونِيِّين في العَطاء. فأوَّلاً، كانَ عَطاؤُهُم طَوعِيًّا، وَكانَ حَسَبَ الطَّاقَةِ، وَكانَ سَخِيًّا، وَكانَ مُضَحِّيًا، وَكانَ مِنَ القَلب.

واسمَحُوا لي أن أُطلِعَكُم على مَا يَقولُهُ العهدُ القديمُ عَنِ العَطاءِ الطَّوعِيّ: "كُلُّ دَسَمِ الزَّيْتِ وَكُلُّ دَسَمِ الْمِسْطَارِ وَالْحِنْطَةِ، أَبْكَارُهُنَّ الَّتِي يُعْطُونَهَا لِلرَّبِّ، لَكَ أَعْطَيْتُهَا" (سِفْر العَدد 18: 12). فَفي المَقامِ الأوَّل، يَنبغي لكَ أن تُعطِي أفضلَ مَا عِندَكَ وَأنْ تُعطي الدَّسَمَ أوِ البَاكُورَة. والبَاكُورَةُ تَعني الأفضَل. وَهِيَ تَعني أيضًا أوَّلَ مَحصولٍ تَحصُدُه.

إذًا، هَل تُريدُ أن تُعطي الرَّبَّ؟ أعطِهِ الأفضلَ والبَاكُورَة. أعطِهِ الدَّسَمَ، وَبَاكُورَةَ مَا لَديك. وَقد تَقول: "ولكِنِّي لا أعلَمُ كيفَ سيَكونُ بَاقي المَحصول". هَذا سَبَبٌ آخرُ يَدعوكَ إلى إعطاءِ البَاكورَةِ لأنَّكَ تَفعلُ ذلكَ بالإيمان. فأنتَ تُعطي اللهَ مَا لَديكَ وَتَتَّكِلُ عليهِ في مَا لَيسَ لَديك. فأنتَ تُعطي اللهَ كُلَّ الزَّيتِ، أو كُلَّ دَسَمِ الزَّيتِ، وَكُلُّ دَسَمِ الْمِسْطَارِ وَالْحِنْطَةِ، وكُلَّ البَاكُورَةِ. واللهُ يَعِدُ بأنَّهُ سيَزيدُ مَحصولَك.

لِذا فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ هُوَ البَاكُورَة. فعندما تَحصُدُ المَحصولَ فإنَّكَ تأخُذُ الأفضلَ مِنهُ وتُقَدِّمُهُ للرَّبّ. ولا نَقرأُ هُنا عَن نِسبةٍ مُحَدَّدَةٍ، وَلا عَن وَتيرَةٍ؛ بَل هُوَ عَطاءٌ طَوعِيٌّ. "إنْ أعطيتَني البَاكُورَةَ قَبلَ حَتَّى أن تَعلَمَ كَم ستَحصُد، وإنِ اتَّكلتَ عَليَّ كُلَّ هذهِ الثِّقَةِ فإنِّي سأُعطيكَ حَصادًا كَامِلاً". هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ الرَّبّ. ثُمَّ استَمِعُوا إلى كَلماتِهِ في سِفْر الأمثال 3: 9-10: "أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ، فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شِبْعًا، وَتَفِيضَ مَعَاصِرُكَ مِسْطَارًا".

فَلا يُمكِنُكَ أن تَتَفَوَّقَ على اللهِ في العَطاء. وَهَذا هُوَ نَفسُ المَبدأ. "أَعْطُوا تُعْطَوْا". "مَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُد". لا يُمكِنُكَ أن تَتَفَوَّقَ على اللهِ في العَطاء. أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ وَباكُورَتِكَ، وَأعطِهِ أفضلَ مَا لَديكَ، وأعطِهِ رَأسَ الكَوْمِ فَيُعطيكَ الأفضَل. وَأَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ، فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شِبْعًا. هَذا هُوَ وَعدُ الله.

إذًا، كَيفَ كَانَ يَنبغي لَهُم أنْ يُعطُوا عندما يُعطونَ مِنَ القَلب؟ طَوْعًا، وعَفويًّا، والأفضَل، والبَاكُورَة. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ اللهَ قَالَ لِشعبِه مِن خِلالِ النَّبيِّ مَلاخي أنَّهُ كَانَ مُستاءً جدًّا مِنهُم لأنَّهُم قَدَّمُوا إليهِ حَيَوانًا أعمَى أو أعرَج (كَما يَقولُ مَلاخي). وَهَذا أمرٌ مُريع. فَقد قَدَّمُوا للهِ حَيَواناتٍ لم يَكُونوا مُستعدِّينَ لأكلِها وَلا لاستِخدامِها للتَّناسُل. فَقد أعطَوْا اللهَ الحَيَوانَ الأعرَجَ وَالمُشَوَّهَ والأعمَى، وَأعْطَوْهُ أسوأَ حَيَواناتٍ لَديهم، واحتفَظُوا بالأفضلِ لأنفسِهم. لِذا فقد تَرَكُوا بَرَكَةَ اللهِ وَجَلَبُوا على أنفسِهم دَينونَتَهُ.

أعطُوهُ الأفضَل. أعطُوهُ الأفضَل. وَهُوَ نَفسُ المَبدأِ المَذكور في سِفْرِ الأمثال 11: 24: "يُوجَدُ مَنْ يُفَرِّقُ فَيَزْدَادُ أَيْضًا، وَمَنْ يُمْسِكُ أَكْثَرَ مِنَ اللاَّئِقِ وَإِنَّمَا إِلَى الْفَقْر". فعندما تُعطي مَا لديكَ للهِ فإنَّهُ يَسكُبُ بَرَكَتَه. وَتَقديمُ البَاكُورَةِ هُوَ فِعْلُ إيمان. وَهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يُريدُ اللهُ مِن أولادِهِ أن يَحْيَوْا بِها. فحيثُ إنَّهُم يُحِبُّونَهُ، ويُؤمِنونَ بِهِ، ويَتَّكِلونَ عَليهِ، ويُريدونَ أن يَشكُروه على كُلِّ شَيءٍ مِنَ القَلب فإنَّهُم يُعطونَهُ الأفضَل. فَقد كَانُوا يُعطونَهُ البَاكُوراتِ ويَنتظرونَ مِنهُ أن يَتجاوَبَ وَيَسكُبَ البَرَكَةَ عَليهِم. هَذا هُوَ العَطاءُ الطَّوعِيُّ في العهدِ القديم. أَعْطِ مَا تَشاء؛ ولكِنِ احرِص على أن يَكونَ عَطاءً سَخِيًّا وأن تُعطي أفضَلَ مَا لَديك.

واسمَحُوا لي أن أُعطيكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا آخرَ عَلى ذلك؛ لا فقط مِن خِلالِ تَقديمِ الباكُورات. ففي سِفْرِ الخُروج والأصحاحِ الخَامِسِ والعِشرين، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ مُوسَى كانَ سَيَبني خَيمَةَ الاجتِماع. وَكانَ هَذا يَتطلَّبُ عَطاءً خَاصًّا. لِذا فقد تَكَلَّمَ الرَّبُّ إلى مُوسَى في سِفْر الخُروج 25: 1-2 وَقَال: "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا لِي تَقْدِمَةً". والآن، إليكُم الطَّريقَة... إليكُم التَّقدِمَةَ وكيفَ يَنبغي أن تَكون: "مِنْ كُلِّ مَنْ يَحِثُّهُ قَلْبُهُ تَأْخُذُونَ تَقْدِمَتِي". هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. أخبِر الجَميعَ وَحَسْب أن يَفعلُوا مَا يَحِثُّهُم قَلبُهم على فِعلِه. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر.

وَقد كانَت هَذِهِ فُرصَةٌ مُواتِيَةٌ للهِ كي يُوَضِّحَ التَّفاصيل. فَقد كانت هذهِ فُرصَةٌ مُناسبَة للهِ كَي يُحَدِّدَ المَبلَغَ أوِ النِّسبَة المِئويَّة. فَكُلُّ مَا تَعَيَّنَ عليهِ أن يَفعلَهُ هُوَ أن يَقولَ: "أعطوا عُشْرًا". ولكِنْ عِوَضًا عَن ذلكَ قَال: "أعْطُوني مَا تَشاءون". أعطُوني مَا تَشاءونَ مِن قَلبِكُم لأنَّ اللهَ يُبالي في المَقامِ الأوَّلِ بالمَوقِفِ القَلبِيّ. فَلَم تَكُن هُناكَ مُلْصَقاتٌ كَبيرةٌ في كُلِّ أرجاءِ مُخَيَّمِ بَني إسرائيل يَقول: "هَل أعطيتُم عُشُورَكُم؟ هَلْ عَشَّرْتُم؟" لَقد قَالَ لَهُم أن يُعطُوا مَا يَشاءون. "وَكَلَّمَ مُوسَى كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: هذَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: خُذُوا مِنْ عِنْدِكُمْ تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ. كُلُّ مَنْ قَلْبُهُ سَمُوحٌ فَلْيَأْتِ بِتَقْدِمَةِ الرَّبِّ".

أعطُوا مَا تُريدون. استَمِعُوا إلى هَذا: أعطُوا مَا تَشاءون: "ذَهَبًا وَفِضَّةً وَنُحَاسًا، وَأَسْمَانْجُونِيًّا وَأُرْجُوَانًا وَقِرْمِزًا وَبُوصًا وَشَعْرَ مِعْزًى، وَجُلُودَ كِبَاشٍ مُحَمَّرَةً..." [وَهِيَ أشياءٌ كَانُوا يَحتاجونَ إليها لِبناءِ خَيمةِ الاجتِماع] "...وَجُلُودَ تُخَسٍ وَخَشَبَ سَنْطٍ، وَزَيْتًا لِلضَّوْءِ وَأَطْيَابًا لِدُهْنِ الْمَسْحَةِ وَلِلْبَخُورِ الْعَطِرِ، وَحِجَارَةَ جَزْعٍ وَحِجَارَةَ تَرْصِيعٍ لِلرِّدَاءِ وَالصُّدْرَة".

ثُمَّ نَقرأُ مَا يَلي في سِفْر الخُروج والأصحاحِ الخَامِسِ والثَّلاثين: "وَكُلُّ حَكِيمِ الْقَلْبِ بَيْنَكُمْ فَلْيَأْتِ وَيَصْنَعْ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ". أيْ لِيَأتِ كُلُّ شَخصٍ حَكيمِ القَلبِ وَيَرغبُ في العَطاءِ ويُحضر مَا يَشاء. فَهَكذا تُعطي. وَهَكذا تَمامًا كَانَ العَطاءُ قَبلَ مُوسَى. فَقد أحضرَ قَايينُ وَهابيلُ مَا أرادا أن يُقَدِّمانهُ. وَقد أحضرَ إبراهيمُ مَا رَغِبَ في تَقديمِه. وَقد أحضرَ نُوحٌ مَا رَغِبَ في تَقديمِه. فَهذا هُوَ العَطاءُ الطَّوعِيُّ للرَّبّ. أمَّا العَطاءُ الإلزامِيُّ فَهُوَ للحُكومَة.

وانظُروا كَيفَ أعطَوْا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الخُروج 35: 21-22: "ثُمَّ جَاءَ كُلُّ مَنْ أَنْهَضَهُ قَلْبُهُ، وَكُلُّ مَنْ سَمَّحَتْهُ رُوحُهُ". بِعبارةٍ أخرى، جَاءَ كُلُّ مَا أرادَ أن يَأتِ. "جَاءُوا بِتَقْدِمَةِ الرَّبِّ لِعَمَلِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَلِكُلِّ خِدْمَتِهَا وَلِلثِّيَابِ الْمُقَدَّسَةِ. وَجَاءَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ، كُلُّ سَمُوحِ الْقَلْبِ". وَهُوَ يَستَمِرُّ في تَرديدِ هَذِهِ العِبارَةِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة. فالنُّقطَةُ الجَوهريَّةُ هِيَ القَلب... القَلب... القَلب.

ونَقرأُ في سِفْر التَّثنية 16: 10 و 17 أنَّهُ يَنبغي أن تُعطي: "عَلَى قَدْرِ مَا تَسْمَحُ يَدُكَ أَنْ تُعْطِيَ، كَمَا يُبَارِكُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ"؛ أيْ حَسَبَ طَاقَتِكَ. "كُلُّ وَاحِدٍ حَسْبَمَا تُعْطِي يَدُهُ، كَبَرَكَةِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ". أعْطِ حَسَبَ طَاقَتِكَ، وأعْطِ بِسَخاء، وبِتَضحيَة، وطَوْعًا، وقَدْرَ مَا تَشاء.

وَهُناكَ المَزيد. وَهَذا رَائِعٌ. فعندما تَنظُرونَ إلى سِفْر الخُروج 36: 5 و 6، تَقرأونَ مَا يَلي: "وَكَلَّمُوا مُوسَى قَائِلِينَ" – فَقد جَاءَ الصَّانِعونَ إلى مُوسَى وَقالوا لَهُ إنَّ النَّاسَ يُحضِرونَ ويُحضِرونَ ويَحضِرونَ ويُحضِرون! "وَكَلَّمُوا مُوسَى قَائِلِينَ: «يَجِيءُ الشَّعْبُ بِكَثِيرٍ فَوْقَ حَاجَةِ الْعَمَلِ لِلصَّنْعَةِ الَّتِي أَمَرَ الرَّبُّ بِصُنْعِهَا»". وَهَذا رَائِع. فَقد قَالوا: يا مُوسَى! لَدينا مُشكلة! فَهُم يُحضِرونَ فَوقَ الحَاجَة!"

"فَأَمَرَ مُوسَى..." – وَإليكُم مَا أَمَرَ بِهِ: "لاَ يَصْنَعْ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ عَمَلاً أَيْضًا لِتَقْدِمَةِ الْمَقْدِس". فَأنتُم تُرْهِقونَ الصَّانِعينَ لأنَّكُم تُحضِرونَ إليهِم أكثرَ مِمَّا يَلزَم. "فَامْتَنَعَ الشَّعْبُ عَنِ الْجَلَب". أليسَ هذا الأمرُ رَائعًا؟ أيُّها الشَّعب! ألاَ تَوقَّفتُم عَنِ العَطاء. فَهذا كَثيرٌ جدًّا. إنَّهُ أكثرُ مِنَ الحَاجَة. هَل سَمِعتُم كَنيسةً تَقولُ ذلك؟ ولكِنَّ هَذا هُوَ القَلبُ. وَهَذا هُوَ مَا يُريدُهُ الله.

وَما أقصِدُهُ هُوَ أنَّ العَطاءَ الإلزامِيَّ كَانَ ضَريبَةً قَبلَ مُوسَى وَفي عَهدِ مُوسَى. أمَّا العَطاءُ الطَّوعِيُّ فَكانَ يَعني أن تُقَدِّمَ مَا تَشاء وَقتَما تَشاء مِن قَلبٍ رَاغِبٍ في ذلك. وفي وَقتٍ لاحِقٍ، عندما حَانَ وَقتُ بِناءِ الهَيكلِ... سَوفَ أَذكُرُ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا آخر مِن سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّلِ والأصحاحِ التَّاسِعِ والعِشرين. فَقَد كانَ داوُدُ يُخَطِّطُ لِجَمْعِ كُلِّ مَا يَلزَمُ لِبناءِ الهَيكلِ العَظيمِ الَّذي سَيُشَيِّدُهُ ابنُهُ سُليمان. ونَقرأُ في سِفْر التَّثنية... المَعذِرة، نَقرأُ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل أنَّ دَاودَ كَانَ يَجْمَعُ هَذا فَفَرِحَ الشَّعب. وَهَذا مَذكورٌ في العَدَدَيْن 9 و 10 مِن سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّلِ والأصحاحِ التَّاسِعِ والعِشرين. "وَفَرِحَ الشَّعْبُ بِانْتِدَابِهِمْ، لأَنَّهُمْ بِقَلْبٍ كَامِل انْتَدَبُوا لِلرَّبِّ". فَهذهِ هِيَ، مَرَّةً أخرى، النُّقطةُ الجَوهريَّة. "وَدَاوُدُ الْمَلِكُ أَيْضًا فَرِحَ فَرَحًا عَظِيمًا. وَبَارَكَ دَاوُدُ الرَّبَّ أَمَامَ كُلِّ الْجَمَاعَة".

فَقد كانُوا جَميعًا مُستعِدِّينَ مِنَ القَلبِ، وَقد أَعْطَوْا جَميعًا، وأَعْطَوْا، وأَعْطَوْا، وأَعْطَوْا. وَقد وأَعْطَوْا كَثيرًا يا أحبَّائي، وبَنُوا هَيكلاً عَظيمًا لا يُمكِنُنا أنْ نَصِفَ مَجْدَهُ أو أن نَستوعِبَهُ إذْ كَانَ مُغَشَّى بالذَّهب ويَصعُبُ وَصْفُه. وَقد صَلَّى دَاوُدُ في العَدد 16 مِن سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّلِ والأصحاحِ التَّاسِعِ والعِشرين: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا، كُلُّ هذِهِ الثَّرْوَةِ الَّتِي هَيَّأْنَاهَا لِنَبْنِيَ لَكَ بَيْتًا لاسْمِ قُدْسِكَ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ يَدِكَ، وَلَكَ الْكُلُّ". فَقد أحضَرُوا الكَثيرَ جدًّا لأنَّهُم كانُوا مُستعِدِّينَ جدًّا في قُلوبِهم.

حسنًا! اسمَحُوا لي أن أُلَخِّصَ ذلكَ بإيجازٍ شَديد. والتَّلخيصُ كَالتَّالي: العُشورُ هِيَ عَطاءٌ إلزامِيّ؛ ولكِنَّهُ كانَ عَطاءً مُلْزِمًا في شَكْلِ ضَريبَةٍ لِدَعْمِ الحُكومَةِ المَحليَّةِ الَّتي كانَت حُكومَةً دِينيَّة. وقَد كانت أنواعُ العُشورِ الثَّلاثَةِ تُستخدَمُ لِدَفعِ رَواتِبِ المُوظَّفينَ الحُكومِيِّينَ، وَدَفْعِ نَفقاتِ الحَياةِ الاجتماعيَّةِ والدَّينيَّةِ للأُمَّةِ، وَتَوفيرِ نِظامِ رِعايَةٍ اجتِماعِيّ. فالعُشورُ لم تَكُن عَطايا للرَّبّ، بَلْ كانَتْ تَقْدِماتٍ لِدَعْمِ الأُمَّة. وعندما كَانَ الأمرُ يَختصُّ بإعطاءِ الرَّبِّ، لم يَكُن هُناكَ مَبلَغٌ مُحَدَّد، بَل إنَّكَ تُعطي مَا تَرغَبُ في إعطائِهِ وَقتَما تَشاء مِنَ القَلب.

فَقد كانَ العَطاءُ الطَّوعِيُّ طَوعِيًّا تَمامًا، وكانَ دَافِعُهُ شَخصِيًّا وَهُوَ تَقديمُ الشُّكرِ للهِ والتَّعبيرُ عَنِ المَحَبَّةِ لَهُ. ويُمكِنُكم أن تُعَبِّروا عَن ذلكَ بالطَّريقةِ البَسيطَةِ التَّالية: ادفَع ضَرائِبَكَ وَأعْطِ اللهَ مَا يَحِثُّكَ قَلبُكَ عليه. وَهَذا هُوَ مَا كَانَ يَحدُثُ في العهدِ القديمِ قَبلَ مُوسَى. وَهَذا هُوَ مَا كَانَ يَحدُثُ في الفَترةِ المُمتدَّةِ مِن مُوسَى إلى المَسيح. فأنتَ تُعطي العَطاءَ الإلزامِيَّ مِن خِلالِ دَفْعِ ضَرائِبِكَ، ثُمَّ إنَّكَ تُعطي اللهَ ما يَحِثُّكَ قَلبُكَ على إعطائِهِ لأنَّ اللهَ يَهتمُّ بالقَلب. هَذا هُوَ مِعيارُ العَطاءِ في العهدِ القديم.

وَقد تَقول: "وَهل يَختلِفُ المِعيارُ في العهدِ الجديد؟" إنَّهُ نَفسُهُ تَمامًا... نَفسُهُ تَمامًا. فقد قالَ يَسوعُ ذلكَ بكلماتٍ بَسيطَةٍ على غِرارِ أيِّ مَوضِعٍ آخَرَ في العهدِ الجديد إذْ قَالَ مَا يَلي: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ". مَا مَعنى ذلك؟ أيْ أنْ تَدفَعَ ضَرائِبَكَ. وَقَد فَعلَ يَسوعُ ذلك. "وَمَا للهِ للهِ". وَما مَعنى ذلك؟ أيْ أنْ تُعطي اللهَ مَا يَحِثُّكَ قَلبُكَ على إعطائِه. لِذا، عندما تَنظُرونَ إلى المَكِدونِيِّين فإنَّكُم لا تَسمعونَ أيَّ شَيءٍ عَنِ المَبلَغ. وإذا نَظرتُم إلى رِسالةِ رُومية والأصحاح 13، سَتقرأونَ مَا يَلي: "فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ". ادفَعُوا المَبلَغَ المَطلوب. فَهَذا أمرٌ تَفعلونَهُ أمامَ الرَّبِّ لِدَعمِ المُؤسَّسَةِ الَّتي أنشأها اللهُ؛ أيِ الحُكومَة البَشريَّة.

عَدا عَن ذلك، يُمكِنُكَ أن تُعطي طَوْعًا مَا تَشاء مِن دُونِ تَحديدٍ للمَبلَغ، ومِن دُونِ وَصايا، بَلْ كَما يَحِثُّكَ قَلبُكَ أن تُعطي. وَهُناكَ فُرصَةٌ ثَمينَةٌ أمامَنا (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاح 16) في أنْ نَفعلَ ذلكَ كُلَّ أُسبوع (أيْ في أوَّلِ يَومٍ في الأسبوع) عِندَما تَجتَمِعُ مَعًا. وَهَذا عَطاءٌ طَوعِيٌّ. فالعُشورُ لا شَأنَ لَها البَتَّة بهذا الأمر. والعَهدُ الجَديدُ يُؤكِّدُ النَّموذَجَ نَفسَهُ للعَطاء. وَسوفَ نَتحدَّثُ أكثر عَن ذلك في المَرَّةِ القَادِمَة. حَسَنًا! لقد انتَهى وَقتُنا. فَلْنُصَلِّ مَعًا:

يا أبانا، نَحنُ نَثِقُ بأنَّنا فَهِمْنا هَذا المَبدأَ البَسيطَ جدًّا الَّذي يَمْدَحُ حَتَّى دَفْعَ ضَرائِبِنا؛ وَهُوَ أمرٌ طَلَبتُهُ مِنَّا كَما طَلبتُهُ في مِصْر وَفي إسرائيل لأنَّكَ وَضَعْتَ حُكومَةً بَشريَّةً تُنَظِّمُ المُجتَمَعَ وتَمْدَحُ مَنْ يَفعلونَ الصَّلاحَ وتُعاقِبُ مَن يَفعلونَ الشَّرّ. سَاعِدنا حَتَّى على أن نَنظُرَ إلى دَفْعِ ضَرائِبِنا نَظرةً مُختلفةً عَالِمينَ أنَّهُ عِندَما نَفعلُ ذلكَ فإنَّنا نُمَجِّدُكَ ونُتَمِّمُ مَسؤوليَّتَنا على غِرارِ شَعبِكَ في القديم.

وَيا رَبّ، ساعِدنا أيضًا على أن نَفهمَ أنَّهُ فيما يَختصُّ بالعَطاءِ لَكَ فإنَّهُ عَطاءٌ بالقَدرِ الَّذي نَشاء، وَهُوَ نَابِعٌ مِنَ القَلب. لِذا فإنَّهُ مِعيارٌ لِتَكريسِنا. نَحنُ نُفَكِّرُ في هَؤلاءِ المَكِدونِيِّين الَّذينَ لم يَتأثَّر عَطاؤُهم بِظروفِهم، ولم يَتأثَّر بِفقرِهم، بَل إنَّهُم أعطَوْا بِفَرَحٍ، وَحَسَبَ الطَّاقَةِ، وبِسَخاء، وبِتَضحية، وَكانُوا مُتَحَمِّسينَ لذلكَ لأنَّهُم أعْطَوْا أنفُسَهُم أوَّلاً لَكَ.

لَيْتَ عَطاءَنا يَكونُ عَطاءَ التَّكريسِ والتَّخصيص. وَليتَهُ يَكونُ على غِرارِ النَّموذَجِ الَّذي أَسَّسَهُ هَؤلاءِ المَسيحيُّونَ مُنذُ وَقتٍ طَويل. وَليتَكَ تَتَمَجَّدُ في حَياتِنا لكي يَظهَرَ مِن خِلالِ عَطائِنا أنَّنا حَصَلْنا على بَركاتِ السَّماءِ الَّتي تُسْبَغُ عَلينا. لِهذا نَشكُرُكَ باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize