Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نحنُ عَاكِفونَ مُنذُ بِضعة أشهُر على دراسةِ رسالةِ بولُس الرائعة إلى أهلِ كورنثوس والَّتي تُدعى الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس. وهَا نحنُ نَعود إلى تلكَ الرِّسالة والأصحاحِ السَّادسِ في دَرسٍ آخر في هذا الصَّباح. ونحنُ نَدرسُ كلمةَ اللهِ دراسَةً نِظامِيَّةً مُرَكِّزينَ على أسفارِ العهدِ الجديدِ هذهِ لأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقيَّة، ولأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ فيهِ تَنبُعُ مِن قَلبِ اللهِ، ولأنَّ كُلَّ كَلِمَة في الكتابِ المقدَّسِ هي بِحَقّ كَنْزٌ لنا. كما أنَّها مَسؤوليَّة مُلقاة علينا مِن أجلِ بُنيانِنا وطاعَتِنا.

وقد وَصَلنا في الرِّسالة الثانية إلى أهلِ كورنثوس إلى الأصحاحِ السَّادسِ؛ وتَحديدًا إلى الفِقْرةِ الَّتي تَبتدئُ بالعدد 14 وتَنتهي بنهايةِ العددِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ السَّابع. وهي فِقْرةٌ تَتحدَّثُ عنِ الانفصالِ عن غيرِ المؤمنين. وهي فِقرة مُباشِرة جدًّا، ومُفيدة، ومَعروفة لدى المؤمنينَ؛ ولكنَّها رُبَّما لا تُطَبَّق تمامًا في حياةِ الكنيسة.

وهذهِ هي العِظَة الثَّالثة في هذهِ السِّلسِلَة. وأرجو مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يأتونَ إلى هُنا أوَّلَ مَرَّةً أن يَقبلوا اعتذاري. وإن أردتُم الاستماعَ إلى السِّلسِلَةِ كاملةً فإنَّ الشَّريطَيْن الأوَّل والثَّاني مُتاحانِ بكُلِّ تأكيدٍ لَكُم.

ولكِن إذْ نأتي إلى هذا النَّصِّ تَحديدًا فإنَّهُ يَبتدئُ بالكلماتِ الافتتاحيَّةِ التَّاليةِ في العدد 14: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". وهذهِ الجُملةُ تُبَيِّنُ سِياقَ كُلِّ النَّصِّ الَّذي يَليها. والنَّصُّ الَّذي يَليها يَذكُرُ خَمسةَ أسبابٍ لِوُجوبِ اتِّباعِ ذلكَ المبدأ. فهي وَصيَّة مُعَزَّزَة بخمسةِ أسبابٍ لِوُجوبِ إطاعَتِها. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا الصَّباحِ، مَرَّةً أخرى، في هذهِ الأسبابِ الخمسة، على أنْ نُنهي دَرْسَنا هذا يومَ الأحدِ المُقبِل.

واسمَحوا لي أن أبتدئَ بتَمهيدٍ مِن أجلِ تَهيئةِ أذهانِكُم قليلاً [مِن دُونِ أن أُكَرِّرَ كُلَّ ما قُلناهُ في الأُسبوعَيْنِ السَّابقينِ] بأن أقولَ إنَّ الإيمانَ بالمسيحِ يُؤدِّي إلى تَغييرٍ كاملٍ في كِيانِ الإنسانِ بمُجملِه. فالكِتابُ المُقدَّسُ يَصِفُ المؤمنينَ بأنَّهُم "خَليقَة جَديدة"، ويَقولُ: "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". فعندما يَصيرُ المَرءُ مَسيحيًّا، وعندما يُولَدُ ثانيةً، وعندما يَتغيَّرُ بسببِ إيمانِهِ بيسوعَ المسيحِ، فإنَّهُ يَدخُلُ في نِطاقٍ مُختلِفٍ تَمامًا عن نِطاقِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يَتغيَّروا، ولم يُولَدوا ثانيةً؛ أي عن غيرِ المُؤمنين.

فنحنُ المَسيحيِّينَ لدينا أفكارٌ مُختلفة، وقِيَم مُختلفة، ومَعايير مُختلفة، ومُعتقدات مُختلفة، ومَشاعِر مُختلفة، ومَبادئ مُختلفة، ودَوافِع مُختلفة، وأهداف مُختلفة، وسُلوكيَّات مُختلفة، وآمالٌ مُختلفة. ونحنُ نَنظُرُ إلى الحياةِ نَظرةً مُختلفةً تمامًا عن نَظرةِ الأشخاصِ غيرِ المؤمنين. وذلكَ الاختلافُ جَذريٌّ. فهو مُختلفٌ اختلافًا جَذريًّا جدًّا حَتَّى إنَّ الشَّركة أوِ الشَّراكة أوِ الاتِّفاق أوِ المُشاركة معَ غيرِ المؤمنينَ يَنبغي أن تَبقى في أفضلِ الأحوالِ سَطحيَّة.

فقد نَشتركُ اشتراكًا خَارجيًّا وسَطحيًّا في أمورٍ مُشتركة. وقد نَستمتعُ معًا ببلدٍ مُشترك أو حَيٍّ مُشترَك. وقد تَكونُ لدينا عائلة مُشترَكة. وقد نَعملُ في عَملٍ مُشترَك. وقد نَشترك في هِواياتٍ أو أنشطة مُشترَكة. وقد نَتَّفِقُ على أمورٍ عاديَّة نُحبُّها أو لا نُحِبُّها. ولكن عندما يَختصُّ الأمرُ بالأشياءِ الدَّاخليَّةِ العَميقةِ فإنَّ الفَرقَ يَكونُ كَبيرًا جدًّا. والحقيقةُ هي أنَّهُ ليسَ مُجرَّد فَرْق، بل هو نَقيضٌ تَامٌّ. فالمؤمنُ وغيرُ المُؤمِنِ هُما على طَرَفيِّ نَقيضٍ أحدُهُما مِنَ الآخر في الصَّميم حَتَّى إنَّ العَلاقةَ الوَحيدةَ المُمكنةَ بينهُما هي العَلاقةُ السَّطحيَّة فقط.

فبالنِّسبةِ إلى المُؤمِنِ فإنَّ يَسوعَ المسيحَ هُوَ الله، وهو المُخَلِّص، وهو الرَّبُّ، وهو السَّيِّدُ، وهو مَوضوعُ كُلِّ الحُبِّ ويَستَحِقُّ كُلَّ تَبجيل. أمَّا بالنِّسبةِ إلى غيرِ المُؤمِنِ فإنَّ المسيحَ مُجرَّد إنسان يُمكِنُ أن يُعامَلَ بمُبالاةٍ أو بعدمِ مُبالاةٍ أو بعِصيان. وبالنِّسبةِ إلى المُؤمِنِ فإنَّ الحَياةَ الَّتي تُمَجِّدُ اللهَ هي كُلُّ شيء، والقيامَ بكُلِّ ما يُمَجِّدُ يَسوعَ المسيحَ هُوَ مِنْ أهَمِّ واجِباتِنا. أمَّا بالنِّسبةِ إلى غيرِ المؤمنِ فإنَّ الذَّاتِ هي كُلُّ شيء. وإشباعُ الذَّاتِ، وإراحَتُها، ونَجاحُها هُوَ الشُّغلُ الشَّاغِلُ في حَياتِهِ. لِذا فإنَّهُما نَظرتانِ مُتناقضتانِ تَمامًا.

وهذا يُؤدِّي إلى مَحدوديَّاتٍ كبيرةٍ جدًّا في عَلاقاتِنا. ويُمكنُنا أن نَتحدَّثَ عن ذلك. فهو شيءٌ مِنَ المُهِمِّ أن نُدرِكَهُ. ولكن يُوجَد شَيءٌ أكثرُ أهميَّة مِن ذلك؛ وهو الشَّيءُ المَذكورُ في هذا النَّصّ. ففي حينِ أنَّ هذا النَّصَّ يُقِرُّ بحقيقةِ أنَّنا نَستطيعُ أن نُنشِئَ عَلاقاتٍ سَطحيَّة فقط مع غيرِ المؤمنينَ وَفقًا للجُملةِ المَذكورةِ في العدد 15 والَّتي تَقولُ: "وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟"، فإنَّ الشَّيءَ الرَّئيسيَّ الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ هَذا النَّصُّ يَختصُّ تَحديدًا بعدمِ إمكانيَّةِ اشتراكِنا معَ غيرِ المؤمنينَ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ أو دِينيٍّ مُشترَك. فهو يَتحدَّثُ عنِ التَّنافُرِ والتَّضارُبِ التَّامِّ بينَ المؤمنينَ وغيرِ المؤمنينَ فيما يَختصُّ بالمُشاركةِ في العبادةِ، أوِ الخِدمةِ، أوِ التَّعليم [أيِ التَّعليمِ اللاَّهوتِيِّ]، أوِ الكِرازَة.

ويَنبغي أن نُدركَ بوضوحٍ تامٍّ أنَّهُ لا يوجد أيُّ اتِّفاق؛ ولكنَّنا في الحَقيقةِ لا نُدركُ ذلك. صَحيحٌ أنَّ المؤمنينَ وغير المؤمنينَ قد يَلعبونَ معًا، ويَعمَلونَ معًا، ويَدرُسونَ معًا، ويُخَطِّطونَ أمورًا مُعيَّنةً معًا، ويَأكلونَ معًا، ويُنشئونَ صَداقةً بمُستوياتٍ مُعيَّنة؛ ولكن عندما يَصيرُ الأمرُ رُوحيًّا أو دِينيًّا أو يَختصُّ بالعِبادةِ أوِ الخِدمةِ أوِ التَّعليمِ أوِ الكِرازةِ، لا يَجوزُ أن تَكونَ هُناكَ شَراكة بينَ الفَريقَيْن، ولا أنْ يَكونَ هُناكَ اتِّفاق، ولا أنْ تَكونَ هُناكَ أرضيَّة مُشترَكَة، ولا أن تَكونَ هُناكَ أهدافٌ مُشتركَة.

ومِنَ المؤسِفِ أنَّ ذلكَ المَبدأَ لم يَكُن مُطَبَّقًا في كورِنثوس. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا تَحدَّثنا عن هذا الأمر. ولا أريدُ أن أَخوضَ في ذلكَ بالتَّفصيلِ الشَّديد؛ ولكنَّ مُؤمِني كورِنثوس كانوا يَذهبونَ إلى احتفالاتٍ وَثنيَّة. وكانوا يَشتركونَ في شيءٍ يُسَمِّيهَ بولسُ في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ العاشِر "مائِدَة شَياطين". وحَتَّى إنَّهُم كانُوا يَشتركونَ في الزِّنا. فقد كانوا يَذهبونَ إلى الهَيكلِ المَوجودِ في كورِنثوس حيثُ تُوجدُ ألفُ زانيةً مِن كاهِناتِ المَعبد. وبذلكَ، كانوا [وَفقًا لِما قالَهُ بولسُ في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ السَّادسِ] يَجعلونَ المَسيحَ يَزني؛ ثُمَّ يَعودونَ إلى العبادةِ في الكنيسة. فقد كانوا يَشتركونَ في العِبادةِ الوَثنيَّة. فَضلاً عن ذلكَ فقد فَتَحوا أبوابَ الكنيسةِ على مِصراعَيْها، وسَمَحوا للمُعَلِّمينَ الكَذَبة أن يَدخُلوا إليها، وقَبِلوا هؤلاءِ المُعلِّمينَ الكَذَبة، وآمَنوا بهؤلاءِ المُعلِّمينَ الكَذَبة، وتَبِعوهُم.

لِذا فقد كَسَروا هذا المبدأَ على هذهِ الجَبْهات. فأوَّلاً، لقد اشتَرَكُوا في عِبادةٍ وَثنيَّة. ثانيًا، لقد سَمَحوا للعبادةِ الوثنيَّةِ أن تَتغلغلَ في وَسْطِهم. وهذهِ هي النُّقطةُ المُحَدَّدَةُ الَّتي يَتحدَّثُ عنها هذا النَّصّ. فعندما يَقولُ بولُس: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ" فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الاشتراكِ معَ غيرِ المؤمنينَ في عِبادةِ وَثنيَّة، أوِ السَّماحِ لغيرِ المؤمنينَ بالاشتراكِ مَعَهُم في العبادةِ الحقيقيَّة. ويبدو أنَّ هذا الكلامَ واضحٌ جدًّا ومُباشِرٌ جدًّا، وأنَّهُ مِن غَيرِ المَعقولِ أن نُفَوِّتَهُ. ولكنَّ الكنيسةَ فَوَّتَتْهُ وقتًا طويلاً. فقد فَتَحَتِ الكنيسةُ أبوابَها على مَرِّ التَّاريخِ للمُعَلِّمينَ الكَذبة، وسَمَحَتْ لَهُم بالدُّخولِ إليها ومُمارسةِ ضَلالِهم الَّذي يَنْهَشُ الجَسَدَ كالغَنغرينَة (كما يَقولُ بولُس)، ويُلَوِّثُ العَقلَ ويُفْسِدُهُ، ويَهدِمُ إيمانَ النَّاس. فقد فَتَحَتِ الكنيسةُ أبوابَها على مِصراعَيْها أمامَ هذا التَّعليمِ البَاطِلِ، وهي ما تَزالُ تَفعلُ ذلكَ حَتَّى في يَومِنا هذا.

والحقيقةُ هي أنَّ الكنيسةَ اليومَ تُحاولُ جَاهِدةً أن تَقبلَ الثَّقافةَ، وأن تُعيدَ تَعريفَ نَفسِها على المُستوى الثَّقافيِّ كي يَشعُرَ غيرُ المُؤمِنينَ بالرَّاحة. وهذهِ استراتيجيَّة لا يُمكِنُ تَخَيُّلُها في ضَوْءِ هذا المَبدأ. فعلى مَرِّ السِّنين، يَشعُرُ الكَارِزونَ أنَّهُم سيُلاقونَ نَجاحًا أكبر عندما يَذهبونَ إلى مَدينةٍ مَا إن كانوا مُرتبطينَ بالكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ الرُّومانيَّةِ، أو باللاَّهوتِيِّينَ المُتحرِّرينَ في تلكَ المدينةِ ولا سِيَّما إنِ اشترَكوا معًا في جُهْدٍ كِرازيٍّ مُشترَك يَرمي في الظَّاهرِ إلى تَبشيرِ المَدينة.

وهُناكَ مُؤمِنونَ انضَمُّوا إلى صُفوفِ المُعَلِّمينَ اللاَّهوتيِّينَ في العَديدِ مِنَ المُؤسَّساتِ، ووَقَفوا بجانبِ غيرِ مُؤمِنينَ، وبجانبِ أشخاصٍ يُنكِرونَ عِصمةَ الكتابِ المقدَّسِ وسُلطانهِ، ويُنكرونَ أحيانًا لاهوتَ يسوعَ المسيح، ويُنكرونَ عَقيدةَ الخَلاصِ بالنِّعمةِ بالإيمانِ وَحدَهُ وكُلَّ تَعليمٍ آخرَ مُرتبط بِهِ. وَهُم يَقِفونَ جَنْبًا إلى جَنْبٍ في نَفسِ المُؤسَّساتِ معَ هؤلاءِ الأشخاصِ ويحاولونَ أن يُنَفِّذوا مَشروعًا رُوحيًّا في حين أنَّهُم مُرتبطونَ بأولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يُنادونَ بعقيدةٍ شَيطانيَّة.

وهذه هي المَسائلُ التي يُناقِشُها هذا النَّصُّ: الكِرازةُ التَّعاوُنيَّة، والجُهودُ التَّعليميَّةُ التَّعاوُنيَّة في الكُليَّاتِ والمعاهدِ والجامِعاتِ والبِيئاتِ اللاَّهوتِيَّةِ الَّتي تَزْعُمُ أنَّها مَسيحيَّة ولكنَّها مُقترِنَة بكنائس يَرعاها ويَقودُها مُتحرِّرونَ يُنكِرونَ الحَقائقَ نَفسَها الَّتي يُؤكِّدُها المُؤمِن. والنَّاسُ يَسألونَني طَوالَ الوقتِ: "أنا أذهبُ إلى كَنيسة مُتَحَرِّرة. ماذا ينبغي لي أن أفعل؟" الجواب: اترُكْها حَالاً. والنَّاسُ يَسألونَني أحيانًا: "لقد عَرَفْتُ المَسيحَ ولكنِّي أذهبُ إلى كنيسةٍ كَاثوليكيَّة. ماذا ينبغي أن أفعل؟" اترُكها حَالاً. فالشَّيءُ الَّذي يُشيرُ إليهِ هذا النَّصُّ لا يُمكِن أن يَكونَ أوضَح مِن هذا: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِين". ونَقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ السِّياقَ هُوَ سِياقُ مَشروعٍ رُوحِيٍّ، أو نَشاطٍ رُوحِيٍّ، أو عِبادَة، أو تَعليم، أو كِرازَة، أو خِدمة.

وهذا أمرٌ شائعٌ جدًّا اليوم. فالحركةُ الإنجيليَّةُ تَنتشرُ أكثر وأكثر وأكثر، وتَرغبُ في قَبولِ الثَّقافةِ وجَعلِ النَّاسِ يَشعرونَ بالارتياح، وتَرغبُ في إعادةِ قَبولِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ الرُّومانيَّة وجَعلِها تَشعُرُ بالرَّاحة، وتُريدُ أن تَقبلَ الحَركة المُتحرِّرة، وتُريدُ أن تَقبَلَ المُعلِّمينَ الكَذَبة المُنتشرينَ في كُلِّ مَكان. ونَحنُ الَّذينَ نُحاولُ أن نَعترِضَ على ذلك نُتَّهَمُ بأنَّنا أعداءُ وَحدةِ الكنيسة. ولكنَّ الشَّيءَ الَّذي يُفسِدُ وَحدةَ الكنيسةِ هُوَ المُساومةُ وعِصيانُ هذا المَبدأ. لِذا، مِنَ المُهمِّ أن نَفهمَ هذا المَبدأَ ونَسمَعَ ما يَقولُهُ رُوحُ اللهِ فيه.

لِنَنظر إلى العدد 14 ونُذَكِّر أنفسَنا وَحَسْب بالوصيَّة الَّتي هي جَوهرُ هذا النَّصّ: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ بُولسَ يَستَعيرُ صُورةَ النِّيرِ المُتَخالِفِ تلكَ مِن سِفْرِ التَّثنية حيثُ أَوصَى اللهُ بَني إسرائيلَ قَائِلاً: "لاَ تَحْرُثْ عَلَى ثَوْرٍ وَحِمَارٍ مَعًا [لأنَّكَ لن تَحصُلَ على خُطوطٍ مُستقيمة"]. فهذانِ الحَيَوانانِ يَمْلِكانِ طَبيعةً مُختلفة. والمَشاريعُ الرُّوحيَّةُ المُشترَكة هي المَعنى المَقصودُ هُنا. فلا يُمكِنُكُم أن تَقرِنوا مُؤمِنًا بغيرِ مُؤمِنٍ لتَحقيقِ هَدفٍ رُوحيٍّ. فكُلُّ ما سَتفعلُهُ آنذاكَ هُوَ أنَّكَ ستَحيدُ عنِ المَقاصِدِ الحَقيقيَّةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ وتُفسِدُ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَشتركونَ في مِثلِ هذا التَّحالُفِ غيرِ المُقَدَّس. "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ".

والآن، هُناكَ خَمسَة دَوافِع لهذا الأمر، أو خَمسة أسباب. وقد شَارَكتُها مَعَكُم، أو على الأقلِّ جُزءًا مِنها. لِنَرجِع ونُراجِع السَّبَبَيْنِ الأوَّل والثَّاني: أوَّلاً، إنَّ شَراكَةً كهذهِ هي غيرُ عَقلانيَّة. فهي غيرُ عَقلانيَّة. وهذا هو ما يَقولُهُ بولسُ مِن خِلالِ طَرْحِ بِضعة أسئلة بَلاغيَّة إجاباتُها في الحَقيقة بَديهيَّة إذْ إنَّها تَقْتَضي جَميعُها إجابةً بالنَّفي. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 14: "لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ [أوِ الشَّيطان]؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِن؟"

فكُلُّ تلكَ الأسئلة البَلاغيَّة تَرمي إلى إظهارِ عَدمِ عَقلانيَّةِ اشتراكِ المؤمنينَ وغيرِ المؤمنينَ معًا في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ. والجوابُ على هذهِ الأسئلة بَديهيٌّ تَمامًا. لِذا فإنَّنا نُسَمِّيها "بَديهِيَّات". والشَّيءُ البَديهيُّ هو حَقيقة تُبَرْهِنُ على نَفسِها بنفسِها. فمِنَ الواضحِ أنَّ البِرَّ والإثْمَ لا يَجوزُ أن يَشتركا معًا. ولا يُمكِنُ للنُّورِ والظُّلمة أن يَكونا في شَرِكَة معًا. ولا يُمكِنُ للمسيحِ والشَّيطانِ أن يَعمَلا معًا. ولا يُمكِنُ للمُؤمِنينَ وغيرِ المُؤمِنينَ أن يَشترِكا معًا في أيِّ شيءٍ رُوحيٍّ. فَمِن غيرِ المَعقولِ أن نَفعلَ ذلك. بعبارة أخرى، إنَّ الفِطرةَ السَّليمةَ تُخبِرُكُم أنَّ هذهِ الشَّراكَة غير مُثمِرَة. "هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا؟" (كما قالَ النَّبيُّ عَاموس).

ثانيًا، ونحنُ مَا زِلنا نُراجِعُ مَا سَبَق: فالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّهُ مِن غيرِ المَعقولِ أن يَقترنَ المُؤمنونَ بغيرِ المؤمنينَ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ، بل إنَّ ذلكَ الأمرَ يُدَنِّس. فَهُو شَيءٍ يُدَنِّس. وهذا سَبَبٌ أو دَافِعٌ أقوى بكثير مِنَ السَّببِ الأوَّل. لاحِظوا العَدد 16: "وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟" الجَواب: لا تُوجَد مُوافَقة البتَّة. "فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا".

والآن، لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنِّي قُلتُ لكم إنَّ كُلَّ دِيانةٍ باطِلَة هي عِبادةُ شَيطان. فَعلى الرَّغمِ مِن أنَّ الوَثَنَ لا شَيء، فإنَّ شَيطانًا يَقِفُ وراءَ ذلكَ الشَّيء ويُجَسِّدُ ذلكَ الإلَه. لِذا فإنَّ عِبادةَ الأوثانِ والعِبادةَ في أيّة دِيانة زائفة هي مُجرَّد عِبادة شَيطانيَّة. وهي عَقائدُ شَيطانيَّة تُرَوِّجُ لها أرواحٌ مُضِلَّة مِن خِلالِ مُعَلِّمينَ مُرائينَ وَكَذَبة (كما يَقولُ بولسُ لتيموثاوس). وهذا كُلُّهُ جُزءٌ مِنَ الضَّلالِ الشَّيطانيِّ الَّذي يأتي مِن خِلالِ شَخصٍ يَتَنَكَّرُ في هَيئةِ مَلاكِ نُور؛ ولكنَّهُ يُريدُ أن يَدينَ النَّاسَ مِن خِلالِ الدِّين.

فجميعُ الأنظمةِ الدِّينيَّةِ الزَّائفةِ هي شَيطانيَّة. وبولسُ يَقولُ في رسالتِهِ إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ العاشِر: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِين". لا يُمكنكم أن تَستمرُّوا في القَفْزِ بينَ الاثنتين. فهذا تَجديفٌ. والسَّببُ هُوَ أنَّكُم "هَيْكَلُ اللهِ الحَيِّ". وأنا أُحِبُّ العِبارةَ: "الله الحَيّ". وبولسُ يُحِبُّ أن يَستخدِمَ تلكَ العِبارة في كُلِّ مَوضِعٍ يَتحدَّثُ فيهِ عنِ الأوثانِ لأنَّهُ يُظْهِرُ الفَرقَ الشَّاسِعَ بينَهُ وبينَ الأصنامِ المَيِّتَة. "أنتُم هَيكلُ اللهِ الحَيِّ"، ولا يُمكنكم أن تَأتوا بأصنامٍ إلى هَيكلِهِ. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما حَدَث. فقد رأينا ذلكَ في المَرَّةِ السَّابقةِ في سِفْرِ حِزْقيال. فقد رأى حِزْقيالُ تِمثالاً في هَيكلِ الله. وقد تَرَكَ اللهُ الهَيكلَ وكُتِبَت العِبارة "زَالَ المَجدُ" على الهَيكل.

ولا يُمكنكم أن تأخذوا هَيكلَ اللهِ وتَضعوهُ في هَيكلِ أوثان. وقد رأينا ذلكَ في سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاحِ الرَّابع حينَ أخذوا تَابوتَ العَهدِ؛ أي حينَ أخَذَهُ الفِلِسطينيُّونَ ووَضعوهُ في هَيكلِ الإلَهِ دَاجُون الَّذي كانَ نِصفُهُ على شَكلِ سَمَكَة. وقد طَرَحَ اللهُ دَاجون أرضًا وقَطَعَ رأسَهُ ويَديهِ، وجَلَبَ جُرذانًا تَسَبَّبَتْ في انتشارِ الطَّاعونِ أوِ المَوتِ الأسود على النَّاس. وقد أُصيبَ الأشخاصُ الَّذينَ لم يَموتوا بأورامٍ. فلا يُمكنكم أن تأخذوا هَيكلَ اللهَ وتَضعوهُ في هَيكلِ أوثان. ولا يُمكنكم أن تأخذوا صَنَمًا وتَضعوهُ في هَيكلِ الله. فالاثنانِ لا يَجتمعان معًا.

ولا شَكَّ في أنَّ اليونانيِّينَ والرُّومان كانت لَديهِم هَياكِلُ للآلِهَة؛ أيْ لِجَميعِ الآلهة. فقد كانوا يُشَيِّدونَ هَياكِلَ ضَخمة يَضَعونَ فيها كُلَّ الآلهة معًا. ولكنَّنا لا نَعبُدُ إلاَّ الإلهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ. وإن أحضرتُم صَنَمًا إلى هَيكلِ اللهِ فإنَّكُم تُدَنِّسونَ اسمَهُ وتُجَدِّفونَ عليه. وإنْ أخذتُم هَيكلَ اللهِ ووَضعتُموهُ في هَيكلٍ وَثنيٍّ فإنَّكُم تَفعلونَ الشَّيءَ نَفسَهُ. وقد كانَ مُؤمِنو كورِنثوس، الَّذينَ هُم هَيكلُ اللهِ، يَذهبونَ إلى هَيكلٍ وَثنيٍّ ويأكلونَ، ويَشتركونَ في الاحتفالاتِ، ويَشتركونَ أحيانًا في الخَطايا الَّتي تَجري هُناك. وَكانَ مُؤمنو كورنثوسَ يَقبَلونَ المُعَلِّمينَ الكَذَبة الَّذينَ يُعَلِّمونَ تَعاليمَ شَياطين ويأتونَ بِهم إلى الكنيسةِ الَّتي هي هَيكلُ اللهِ الجَماعيِّ، ويُعطونَهُم مَكانًا، ويَسمحونَ لهُم أن يُعَلِّموا ويُؤثِّروا. ولكنَّ هذا التَّصرُّفَ التَّجديفيَّ هُوَ تَدنيسٌ للكنيسة.

فنحنُ هَيكلُ اللهِ الحَيِّ. ولا يَجوزُ أن تَكونَ لنا خِلطة بالأصنامِ أوِ العِبادةِ الوثنيَّة. لِذا فإنَّ هذهِ الوَصيَّة مُدَعَّمَة أوَّلاً بعَقلانيَّةِ ذلك، ثُمَّ بالتَّوقيرِ الوَاجِب. فالاقترانُ بغيرِ المؤمنينَ في أيِّ مَشروعِ رُوحيٍّ هو أمرٌ غيرُ عَقلانِيٍّ، وأمرٌ مُدَنِّس. وأحيانًا يَقولُ النَّاسُ لي: "لقد جِئتُ إلى المسيحِ ولكنِّي أذهبُ إلى الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ، أو أذهبُ إلى كَنيستي المُتحرِّرةِ السَّابقة، أو أذهبُ إلى دِيانَتي الوثنيَّة ثُمَّ آتي إلى هُنا". وهذا هو تَمامًا ما كانَ مُؤمِنو كورنثوس يَفعلونَهُ. وهذا هو الشَّيءُ المَحْظورُ هُنا. فهو أمرٌ غيرُ عَقلانيٍّ. وهو أمرٌ مُدَنِّسٌ. فعندما جِئْتُم إلى المسيحِ صِرتُم هَيكلَ اللهِ الحَيِّ. ولا يُمكنكم أن تأخُذوا هَيكلَ اللهِ الحَيِّ وتَضَعوهُ في مَعبدٍ للأوثانِ أو في بيئةٍ شَيطانيَّةٍ مِن دونِ تَدنيسِ اسمِ الله.

حسنًا! لِنَنتقِل إلى النُّقطةِ الثَّالثة. فالاقترانُ بغيرِ المؤمنينَ هو أيضًا أمْرٌ يَدُلُّ على العِصيان. فالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّهُ غيرُ عَقلانيٍّ، وعلى أنَّهُ مُدَنِّسٌ؛ بل إنَّهُ عِصْيانٌ. والعَدد 17 يُوَضِّح ذلكَ تَمامًا لأنَّهُ يَقول: "لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا". لِذا فإنَّنا هُنا أمامَ وَصيَّةٍ مُباشِرَة. وهذا يعني أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَقترنُ بأتباعِ الدِّياناتِ الزَّائفةِ يَعصي اللهَ عِصيانًا مُباشِرًا. "لِذلكَ" – وهي كلمة مُهِمَّة جدًّا تَربِطُ ما سَبَقَ بما سيأتي لاحقًا بِمَعنى: "حيثُ إنَّكُم هيكلُ اللهِ، وحيثُ إنَّ اللهَ يَسكُنُ فيكُم، وحيثُ إنَّكُم شَعبُهُ [كما جاءَ في العدد 16]، لِذلك، اعتَزِلوا".

فعندما تُدركُ أنَّ اللهَ الحَيَّ القَديرَ يَسكُنُ فيكَ شَخصيًّا، وعندما تُدركُ النِّعمةَ الغَنيَّةَ والامتيازَ العَظيمَ والشَّركةَ المُستمرَّةَ والقوَّةَ الَّتي حَصلتَ عليها مِن خِلالِ سُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ فيكَ، فإنَّ اللهَ العَليَّ الَّذي يَسكُنُ فيكَ لا يَترُكُ أمامَك خِيارًا آخر، بَلْ يُوْصيكَ بأنْ تُطيعَ مَلِكَك. ومَلِكُكَ يَقولُ لكَ: انعَزِل... انعَزِل. فلا يوجد أمامُكَ خِيارٌ آخر. فاللهُ يُوصيكَ بهذا صَراحَةً. والوصيَّةُ مَذكورةٌ هُنا في العدد 17. فبولُس يَقول: أنا أُخاطِبُكُم نِيابةً عنِ اللهِ نَفسِهِ وأقولُ لكُم: "اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا".

والحقيقةُ هي أنَّ نَفسَ الفِكرةِ، ونَفسَ الكلماتِ تَقريبًا، قد وَرَدَتْ في العهدِ القديمِ على فَمِ النبيِّ إشَعْياء. افتَحوا على سِفْر إشَعْياء والأصحاح 52. ولا شَكَّ في أنَّ بولُسَ كانَ يَعرفُ هذا النَّصَّ الكِتابيَّ جَيِّدًا. وهو نَصٌّ مُناسب. والحقيقةُ هي أنَّهُ رُبَّما كانَ بولسُ يَحفظُ هذا النَّصَّ في عَقلِه عندما كَتَبَ العَدد 17. ففي سِفْر إشعياء 52: 7، يُعطي اللهُ النبيَّ إشعياء إعلانًا بخصوصِ الخَلاصِ الآتي. وهو يَقولُ: "مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ [أيِ الكَارِزِ بالإنجيلِ]، الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ، الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ، الْقَائِلِ لِصِهْيَوْنَ: «قَدْ مَلَكَ إِلهُكِ!»". بعبارة أخرى، ما أجملَ أن يأتي شخصٌ ويَكرِزَ بالإنجيل!

ثُمَّ اسمَعوا ما يَقولُهُ في العَددِ الثَّامِن: "صَوْتُ مُرَاقِبِيكِ يَرْفَعُونَ صَوْتَهُمْ. يَتَرَنَّمُونَ مَعًا، لأَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ عَيْنًا لِعَيْنٍ عِنْدَ رُجُوعِ الرَّبِّ إِلَى صِهْيَوْنَ. أَشِيدِي تَرَنَّمِي مَعًا يَا خِرَبَ أُورُشَلِيمَ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ عَزَّى شَعْبَهُ. فَدَى أُورُشَلِيمَ. قَدْ شَمَّرَ الرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أَمَامَ عُيُونِ كُلِّ الأُمَمِ، فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ الأَرْضِ خَلاَصَ إِلهِنَا". لِذا فإنَّنا نَعلَمُ ما يَتحدَّثُ عنهُ. فهو يَتحدَّثُ عن وَقتٍ سيُرسِلُ فيهِ اللهُ المُخَلِّصَ فيُكرَزُ بالإنجيلِ وَيخلُصُ إسرائيل.

والآن، عندما يَحدثُ ذلك فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "اِعْتَزِلُوا، اعْتَزِلُوا. اخْرُجُوا مِنْ هُنَاكَ. لاَ تَمَسُّوا نَجِسًا. اخْرُجُوا مِنْ وَسَطِهَا. تَطَهَّرُوا". وهذا نَصٌّ مُشابهٌ جدًّا، إن لم يَكُن مُماثِلاً، أو إن لم يَكُن ما يَدورُ في ذِهنِ بولُس في الآيةِ الَّتي يَذكُرُها في رسالتِهِ الثانية إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ السَّادس. وما الَّذي يَقولُه؟ إنَّهُ يَقول: "انظروا! عندما يأتي الخَلاصُ، اعتَزِلوا وتَطَهَّروا. اخرُجوا مِن دِيانَتِكُم الوثنيَّةِ القَديمة، واقطَعوا كُلَّ صِلَة بتلكَ العاداتِ الوثنيَّة. فلا يَجوزُ أن تَشتركوا بعدَ الآنَ في الاحتفالاتِ والأعيادِ الوثنيَّة، ولا في تلكَ الولائمِ والمُناسبات. يجب عليكم أن تَتطهَّروا وتَعتزِلوا".

فَحَتَّى لو كُنتَ قادرًا على مُقاومةِ خَطيَّةِ الزِّنا، أو مُقاومةِ خَطيَّةِ الأكلِ حَتَّى التُّخَمَةِ والاستِفراغِ كي تأكُلَ مَرَّةً أخرى، أو حَتَّى لو كُنتَ قادرًا على مُقاومةِ خَطيَّةِ السُّكرِ والخَلاعةِ والكَلامِ القَبيحِ، حَتَّى لو كُنتَ قَادرًا على مُقاومةِ هذا كُلِّه، فإنَّ مُجَرَّدَ وُجودِكَ في تلكَ البيئةِ يَعني أنَّكَ لن تَتمكَّنَ مِن تَجنُّبِ التَّلوُّثِ بالعبادةِ الباطلةِ والتَّعليمِ الباطِل. فسوفَ يُؤثِّرُ ذلكَ سَلبيًّا في تَكريسِكَ الكامِلِ للحَقّ. لِذا يجب عليكُم أن تَتَطَهَّروا وتَعتزِلوا عن كُلِّ ما يُمكِنُ أن يَنْهَشَ الجَسَدَ كالغَنغرينَة. وعندما تَتكرَّرُ نَفسُ الدَّعوةِ الَّتي تَلَقَّاها بنو إسرائيلَ في وقتِ خَلاصِهم في أيِّ وقتٍ آخر في التَّاريخ، وحَتَّى في النِّهايةِ عندما يأتي المسيحُ ثانيةً وتَخلُصُ الأُمَّة، فإنَّها تَصيرُ دَعوةً إلى أهلِ كُورنِثوس وإلى كُلِّ مَن يُؤمِن.

فمُنذُ لَحظةِ الخَلاصِ فَصاعِدًا، يجب عليكم أن تَتطهَّروا وتَعتزِلوا؛ ولا سِيَّما عنِ الدِّياناتِ الباطِلَة. وهذا لا يَعني ألاَّ نَكرِزَ لغيرِ المُؤمِنين. فنحنُ مُطالَبونَ بالذَّهابِ والكِرازةِ بالإنجيلِ إلى كُلِّ الخَليقة، وإلى أن نَصيرَ كُلَّ شَيءٍ لكُلِّ النَّاسِ لكي نُخَلِّصَهُم. ونحنُ مَوجودونَ على هذا الكَوكبِ لكي نَصِلَ إلى الضَّالِّينَ، ونُحِبَّهُم، ونَقودَهُم إلى المَسيح. ولكنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ يجبُ علينا أن نُطَلِّقَ شَريكَ الحياةِ غير المُؤمِن. فهو لا يَعني ذلكَ البتَّة. وهو لا يَعني أن نَعتزلَ تَمامًا أو أن نَقطعَ كُلَّ صِلاتِنا وعَلاقاتِنا بغيرِ المُؤمِنين.

بل إنَّ ما يَعنيهِ ذلكَ هو أن نَعتَزِلَ عن أيِّ شَكلٍ مِن أشكالِ الدِّيانةِ الباطِلة. فهذا هو المَعنى المَقصود. فلا يَجوزُ لنا أن نَشتركَ في ذلك، ولا يَجوزُ لنا أن نَسمَحَ بحدوثِ ذلكَ الشَّيء في حُضورِنا لأنَّ هذا يَعني أنَّنا نَقبَلُه. وقد تقول: "هل تَعني أنَّهُ لا يَجوزُ لغيرِ المُؤمِنينَ أن يَأتوا إلى الكنيسة؟" لا، أنا لا أعني ذلك، بل إنِّي أُصَلِّي إلى اللهِ أن يأتوا إليها. وعندما يَأتونَ إليها، صَلاتي هي أن يَخلَصُوا. فما أعنيهُ هو أنَّهُ لا يَجوزُ للكنيسةِ أن تَجعلَ إراحَةَ الوثنيِّينَ هَدَفًا لها. فهذا ليسَ القَصد مِن وُجودِها. ويجبُ أن يَتحمَّلَ الخُطاةُ مَسؤوليَّةَ خَطاياهُم عندما يَأتونَ إلى مَكانِ العِبادة. ويجب عليهم أن يَشعروا بالقَلَقِ وعدمِ الارتياح.

ويُكَرِّرُ الأصحاحُ الخامسُ مِن رسالة أفسُس المبدأَ نَفسَهُ. فَمِنَ الواضحِ أنَّ أهلَ أفسُس كانوا يأتونَ إلى المسيحِ مِن نَفسِ الخَلفيَّةِ الوَثنيَّة ويَنبغي لهُم أن يَتطهَّروا ويَعتزِلوا. وفي رسالة أفسُس 5: 6، يَتحدَّثُ بولسُ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَخْدَعونَ الآخرينَ بكلامٍ باطِلٍ، وعنِ الأشخاصِ الَّذينَ هُمْ أبناءُ المَعصيةِ وسيَأتي عَليهم غَضبُ الله. وهو يَقولُ لأهلِ أفسُس في العَددِ السَّابعِ: "فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ". لا تَشتركوا معَ هؤلاءِ الَّذينَ يَنتمونَ إلى تلكَ الدِّياناتِ الباطِلَة. "لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ". وهو يَقولُ في العَددِ العاشِر: "مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ. وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا. لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرًّا، ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ".

فالأشياءُ الَّتي تُمارَسُ في الدِّياناتِ السِّريَّةِ والهَرطقاتِ هي أمورٌ يُبغِضُها اللهُ تَمامًا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ لأهلِ أفسُس: "لا تَشتركوا معَ هؤلاء. أنتُم نُورٌ. لِذا، تَطَهَّروا وانفصِلوا عنِ الظُّلمة. وافعَلوا كُلَّ ما يُرضي الرَّبَّ. لا تَشتركوا البَتَّة في أيٍّ مِن أعمالِهم غيرِ المُثمِرَة". واسمعوني: مِنَ الأفضلِ أن تَذهبوا إلى حَانَة وتَصرِفوا وَقتَ المَساءِ هُناكَ على أن تَذهبوا إلى مُؤسَّسةٍ دينيَّةٍ تُنادي بالضَّلالِ وتَصرِفوا وَقتَ المساءِ هُناكَ لأنَّ ذِهنَكُم الطَّاهرَ واستيعابَكُم للحَقِّ سيكونُ في خَطَر في تلكَ البيئة.

فالنَّاسُ يُرسِلونَ أولادَهُم وبَناتِهم إلى جامِعاتٍ تَدَّعي أنَّها مَسيحيَّة؛ ولكنَّها لا تَفعلُ شيئًا سِوى مُهاجَمَة العقائدَ القَويمةَ لكلمةِ اللهِ. وَهُم يَتساءلونَ عن سَبَبِ التَّشويشِ الَّذي يُصابُ بِهِ أبناؤُهم. ولكنَّنا نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 18 أنَّ مَلاكًا يَخرُجُ مِنَ السَّماءِ ويَقول: "سَقَطَتْ! سَقَطَتْ بَابِلُ الْعَظِيمَةُ". وَهُوَ يَتحدَّثُ عن خُبْثِ بابِل؛ أيِ النِّظامِ العَالميِّ الأخيرِ والشَّيطانيِّ المُعادي للمَسيح. ثُمَّ إنَّ المَلاكَ يَقولُ إنَّ اللهَ سيُدَمِّرُ هذا المَكانَ ويُسَوِّيهِ بالأرض. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الرابعِ مِن سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 18: "اخْرُجُوا مِنْهَا". اخرُجوا مِنها، واعتَزِلوا عن ذلكَ النِّظامِ الشِّرِّير.

فنحنُ شَعبٌ مُقَدَّس. نحنُ شَعبٌ مُقَدَّس. وهذا يَعني أنَّنا مُفْرَزون، أو أنَّنا مُنفصِلون. فنحنُ نَعيشُ في ثَقافةٍ فاسِدَةٍ ودَنِسَة. ونحنُ نُدركُ ذلك. ونحنُ نُورٌ في عَالمٍ مُظلِم. ولكن لا يَجوزُ لنا أن نَشتركَ في أنشطةٍ دينيَّةٍ مُشترَكة أيًّا كانَ نَوعُها معَ أشخاصٍ لا يَتمسَّكونَ بالإيمانِ القَويمِ المُعلنِ في الكتابِ المقدَّس. هذهِ هي الوَصيَّة. لِذا، عَودة إلى نَصِّنا قليلاً في رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاحِ السَّادسِ لأنِّي أريدُ وَحَسْب أن أُشيرَ إلى أنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنَ الفِعلَيْنِ المُستخدَمَيْنِ هُنا في العَدد 17: "اخْرُجُوا" وَ "اعْتَزِلُوا" هُوَ فِعْلُ أَمْرٍ في اللُّغةِ اليونانيَّة: "إكسيركوماي" (exerchomai) وَ "أفوريتزو" (aphorizo). فَكُلٌّ مِنْهُما هُوَ فِعْلُ أَمْر. وهذا يعني أنَّهُما وَصيَّتان. فإن وَجدتَ نَفسكَ في ذلكَ المَوقِف، اخرُج مِن هُناك.

وهذهِ ليست وَصيَّةً جَديدةً، يا أحبَّائي. إنَّها ليست وَصيَّةً جَديدةً البَتَّة. فيُمكنكم أن تَرجِعوا إلى أسفارِ التَّوراةِ، أيْ إلى أسفارِ مُوسَى الخَمسة، وإلى الشَّريعةِ، وإلى الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ الكتابِ المقدَّس. انظروا مَثلاً إلى سِفْر اللاَّويِّين والأصحاحِ العِشرين. وهذه فِكرة رئيسيَّة في سِفْر اللاَّويِّين. فهي ليست فِكرةً تَرِدُ فقط في الأصحاحِ العشرين، بل إنَّها في الحقيقة فِكرة تَرِدُ في كُلِّ سِفْر اللاَّويِّين. وهي تَبلُغُ أعلى مَدىً لها في الأصحاحِ العِشرين. استَمِعوا إلى ما يَقول: "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى [في العَددِ الأوَّلِ] قَائِلاً: «وَتَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي إِسْرَائِيلَ أَعْطَى مِنْ زَرْعِهِ لِمُولَكَ [أيْ إنْ قَدَّمَ ابنَهُ ذَبيحةً أو قُربانًا في النَّارِ للإلَهِ مُولَك] فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ شَعْبُ الأَرْضِ بِالْحِجَارَةِ. وَأَجْعَلُ أَنَا وَجْهِي ضِدَّ ذلِكَ الإِنْسَانِ، وَأَقْطَعُهُ مِنْ شَعْبِهِ [أيْ أنَّهُ سَيَقتُلُه]، لأَنَّهُ أَعْطَى مِنْ زَرْعِهِ لِمُولَكَ لِكَيْ يُنَجِّسَ مَقْدِسِي، وَيُدَنِّسَ اسْمِيَ الْقُدُّوسَ".

لَنْ أسمَحَ لأيِّ شَخصٍ في إطارِ بَني إسرائيلَ، أيْ مِنْ شَعبي، أن يَفعلَ أيَّ شيءٍ قد يُدَنِّسُ اسمي. وَها هُم يَعبُدونَ مُولَك. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ السَّادس: "وَالنَّفْسُ الَّتِي تَلْتَفِتُ إِلَى الْجَانِّ، وَإِلَى التَّوَابعِ [أوِ الأرواحِ] لِتَزْنِيَ وَرَاءَهُمْ، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ تِلْكَ النَّفْسِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا. فَتَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ". وفي العَددِ الثَّامن: "وَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَتَعْمَلُونَهَا. أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ". أنا الرَّبُّ الَّذي أَفْرَزَكُم.

ونَقرأُ في العَدد 24، في نِهايةِ العَدد: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي مَيَّزَكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ". وفي العَدد 26: "وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزْتُكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُونُوا لِي". ومَرَّةً أخرى، هذا انفصالٌ. إنَّهُ انفِصالٌ كِتابيٌّ صَحيح. فيجب علينا أن نَعتَزِلَ تمامًا عن كُلِّ الأشخاصِ الَّذينَ يَشتركونَ في أيَّة دِيانَة باطِلة بأيِّ شَكلٍ مِنَ الأشكالِ، وأن نَعتزِلَ تَمامًا عنِ المُعلِّمينَ الكَذَبة، وعنِ الأشكالِ الدِّينيَّةِ الزَّائفةِ سَواءَ كانت صغيرة أَم كَبيرة. وبالمُناسبة، إنَّ هذهِ الفِكرة تَستمرُّ في كُلِّ الأصحاحِ الحادي والعشرينَ والثَّاني والعِشرينَ مِن سِفْر اللاَّويِّين. فاللهُ يُوصي المُؤمِنينَ دائمًا، سَواءَ في سِفْرِ اللاَّوِيِّينَ مِن خلالِ مُوسَى، أو في سِفْرِ إشَعْياء مِن خِلالِ إشعياء، أو في الرسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس مِن خلالِ بولُس، فإنَّ المُؤمِنينَ مِن كُلِّ الأجيالِ يُوْصَوْنَ بأن يَنفصِلوا تَمامًا عن أيِّ بيئةٍ دينيَّةٍ وَثنيَّة، وعن أيِّ شَيءٍ يُخالِفُ الحَقَّ الإلهيَّ.

وهذا يَضُمُّ اليَومَ الحَركةَ المُتحرِّرةَ، والأرثوذكسيَّة المُحْدَثَة، والكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، والبِدَع، والهَرطقات، والمُعلِّمينَ الكَذَبة. وَهُم كُثُرٌ في كُلِّ مَكان. فيجب علينا أن نَنفَصِلَ عنهم. ولا يَجوزُ لَنا أن نَتَعَبَّدَ في هَيكلِ شَيطانٍ أو أن نُعَرِّضَ أنفسَنا لأصنامٍ شَيطانيَّةٍ أو أيديولوجيَّاتٍ شَيطانيَّة. والحقيقةُ هي أنَّهُ في الرِّسالة الثانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح ِالعاشِر، يَقولُ بولسُ إنَّ هُناكَ مَسؤوليَّة مُلقاة على عَاتِقِنا. والمَسؤوليَّةُ المُلقاة على عَاتِقِنا وَفقًا للعَددِ الرَّابعِ هي أن نَهْدِمَ حُصونًا؛ أيْ أنْ نَهدِمَ حُصونَ إبليس. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الخامِس: "هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ". فالذَّكاءُ المَغرورُ، والدِّياناتُ الباطِلَةُ، والأيديولوجيَّاتُ البَشريَّةُ، وكُلُّ تلكَ الأنظمةِ الزَّائفةِ هي الحُصونُ الَّتي يَنبغي لنا أن نَهْدِمَها. ونَقرأُ أيضًا في العَددِ الخامِس: وَمُسْتَأسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيح".

فَلا يَجوزُ لنا أن نَشتركَ معَهُم، بل يجبُ علينا أن نُوَبِّخَهُم. والنَّاسُ يَقولون: "لا يَجوزُ لكَ أن تَتحدَّثَ ضِدَّ تلكَ المَجموعات". بَلى! يجبُ علينا أن نَتحدَّثَ ضِدَّهُم. فَهُمُ الحُصونُ، وَهُمُ الظُّنونُ الشَّيطانيَّةُ، وَهُمُ الأيديولوجيَّاتُ الشَّيطانيَّةُ، وَهُمُ الذَّكاءُ البَشريُّ المَغرورُ الَّذي يَرتَفِعُ ضِدَّ الحَقِّ الإلهيِّ. ويجب علينا أن نَتَصَدَّى لَهُم مِن خِلالِ كلمةِ الله. فهذا هو سِلاحُنا الرُّوحيُّ. لِذا فإنَّ عَدمَ الانعزِالِ عنهم هُوَ عِصيانٌ. فهو تَعَدِّي على الوَصيَّةِ الَّتي تَقول: "اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا". ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قَائِلاً: "وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا".

فاللهُ يَرى أنَّ الدِّيانةَ البَاطلةَ هي أَنْجَسُ شَيءٍ في الوُجود. لِذا فقد قُلتُ إنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن تَقضي المَساءَ في حَانَةٍ أو خَمَّارةٍ على أن تَقضي المَساءَ في كَنيسةٍ أو مُؤسَّسةٍ تُرَوِّجُ لديانةٍ زائفة. "لا تَمَسُّوا". والكلمة "تَمَسُّوا" هي "أبتوماي" (haptesthe)، ومعناها: "يَلْمَسُ بِطريقةٍ جَسديَّة". فهي تُستَخدمُ، على سبيلِ المِثالِ، في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ السَّابعِ إذْ نَقرأ: "فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً" إشارةً إلى تَجَنُّبِ الزِّنا. وهي تُستخدَمُ في رسالة يوحنَّا الأولى 5: 18 عندما يَقولُ: "وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ". فهي لَمْسَة جَسديَّة مُؤذِيَة. لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نَقتربَ مِن تلكَ الأمور.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في رِسالةِ يَهوذا. فعندما تَجِدُ شخصًا وتُقدِّمُ لَهُ الإنجيلَ، كأنَّكَ خَلَّصتَ شَيئًا مِنَ الاحتراق. فكأنَّكَ أنقذتَ شَخصًا مِنَ النَّار. فهذا النَّوعُ مِنَ الدِّيانةِ البَاطلةِ هُوَ الَّذي يُؤذي الإيمان، ويَكسِرُ الإيمانَ، ويَنْهَشُ الجَسَدَ كالغَنغرينة. فقد تَظُنُّ أنَّكَ تستطيعُ أن تَلهو معَها، أو أنَّهُ يُمكنكَ أن تَفتحَ أبوابَ الكنيسةِ وتَسمحَ لتلكَ الدِّيانةِ الباطلةِ أن تَدخُلَ إليها مِن دُونِ أيِّ تأثيرٍ سَلبيٍّ. ولكنَّكَ مُخطئٌ تَمامًا. فلا يَجوزُ للكنيسةِ أن تَقبَلَ النَّجِسين. ولا يَجوزُ لها أن تَسمَحَ أو أنْ تَحتَمِلَ وُجودَ لاهُوتٍ بَاطِل، أو عَقيدة باطِلَة، أو تلكَ الأشياءَ الَّتي تُنكِرُ الحَقَّ الَّذي تُعلِنُهُ كلمةُ الله. ولا يَجوزُ لها أن تَشتركَ معَ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يُؤمنونَ بالحَقِّ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ سَواءَ كانَ عِبادةً أو تَعليمًا أو كِرازةً أو أيَّة خِدمَة. فلا يَجوزُ لنا أن نَفعلَ ذلك.

لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُوصينا بأن نَنفَصِل. وعَدَمُ القيامِ بذلكَ هُوَ شَيءٌ غيرُ عَقلانِيٍّ، وشَيءٌ مُدَنِّسٌ، وشَيءٌ يَدُلُّ على العِصيان. وسوفَ أذكُرُ لَكُم سَببًا آخرَ في هذا الصَّباح. فعدمُ القيامِ بذلكَ هُوَ أمرٌ غيرُ نَافِع. وأنا أَستخدِمُ تلكَ الكلمة عِوَضًا عنِ الكلمة "حَماقَة". فَعدمُ القيامِ بذلكَ هُوَ حَماقَة لأنَّهُ يَحرِمُنا مِن بَرَكَةِ اللهِ. هل لاحَظتُم ما جاءَ في نِهايةِ العددَيْن 17 و 18؟ فنحنُ نَقرأُ في نِهايةِ العَدد 17: "اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا... وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".

لِذا فإنَّ عَدمَ الانعِزالِ عن هؤلاءِ حَماقَة لأنَّ ما تَفعلونَهُ هو أنَّكُم تَحرِمونَ أنفسَكُم مِنَ البَرَكاتِ النَّابعةِ مِنَ العلاقةِ الحميمةِ باللهِ. فها هُوَ اللهُ أبوكَ يُريدُ أن يَقْبَلَكَ. والكلمة "يَقْبَلُكُم" تَعني حَرفيًّا: "يَستَقبِلُكُم بِحَفاوَة". وهذهِ هي المَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي استُخدِمَت فيها الكلمة "إيدسيكوماي" (eisdechomai) في العهدِ الجديد. وهي تَعني أن تَفتحَ ذِراعيكَ وتَقبَل شَخصًا أو تُعانِقَهُ. وهذا هُوَ اللهُ الَّذي يُريدُ أن يُرَحِّبَ بِك. وبالمُناسبة، هذا هو المَعنى الَّذي يُمكنُنا أن نَستخلِصَهُ مِنَ التَّرجمةِ اليونانيِّةِ للآية حِزْقيال 20: 34 حيثُ يَعِدُ اللهُ بأنَّهُ سيَجْمَعُ بَني إسرائيلَ عندما يَتَخَلُّونَ عن وَثنيَّتِهم. فهو يَقولُ: إن تَخَلَّيتُم عنِ الأوثانِ فإنَّ ذِراعيَّ مَفتوحتانِ على اتِّساعِهِما لِسَكْبِ البَرَكةِ... بَرَكاتِ مَحَبَّتي عَليكُم.

والآن، سوفَ تُلاحِظونَ... وأريدُ أن أُقَدِّمَ إليكُم مُلاحظةً هُنا. ولا أدري أينَ هُوَ أنسبُ مَوضِعٍ لِتَقديمِها؛ ولكنِّي سأُقَدِّمُها هُنا. سَتُلاحظونَ أنَّهُ في أثناءِ تأمُّلِنا في العَدَدَيْن 16 و17، والآن في العَدد 18، أنَّني ذَكرتُ أنَّ هذهِ الآياتِ مُقَتَبَسة مِنَ العهدِ القديم. وقد قُلتُ أنَّ مَقطعًا مِن سِفرِ إشعياء أو سفْرٍ آخر هُوَ المَصدَرُ هُنا. وعندما تَتأمَّلونَ في العَدد 18، قد يَكونُ الشَّيءُ الَّذي يَدورُ في ذِهنِ بولُس آنذاك هُوَ نَصٌّ وَرَدَ في سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني 7: 14. فهو يَقولُ في الحقيقةِ إنَّكُم تَكونونَ بَنينَ وبَناتٍ لي، وأنا أكونُ أبًا لَكُم.

ولكِنَّ هذهِ الاقتباساتُ مِنَ العهدِ القديمِ هي ليسَت بأيَّةِ حَالٍ اقتباسات مُباشِرَة. وأريدُ وَحَسْب أن أُعَلِّقَ على ذلك. فقد قُلتُ لكم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ بولسَ يَقتبسُ بِضعةَ آياتٍ مِن تَعاليمِ العهدِ القديمِ ويَضَعُها معًا لصياغَةِ هذا النَّصِّ المُوحَى بِه. وهذا يَدفَعُني إلى إخبارِكُم بأنَّهُ عندما تَدرُسونَ الكتابَ المقدَّسَ، يجب عليكم أن تَتذكَّروا ذلك. واسمَحوا لي أن أُريكُم كيفَ يَستخدِمُ كُتَّابُ العهدِ الجديدِ العَهدَ القَديم:

أوَّلاً، هُناكَ أوقاتٌ كانوا فيها يَقتبسونَ الآياتِ اقتباسًا مُباشِرًا. فهُناكَ أوقاتٌ كانَ فيها كُتَّابُ العهدِ الجديدِ يَقتبسونَ مُباشرةً آياتِ العهدِ القديمِ العِبريِّ الأصليَّة. ثانيًا، هُناكَ أوقاتٌ كانَ فيها كُتَّابُ العهدِ الجديدِ يَقتبِسونَ فيها تَرجمةَ العهدِ القديمِ العِبريِّ مِثلَ التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ الَّتي هي تَرجمةُ يُونانيَّة. فهُناكَ أوقاتٌ كانوا يَقتبِسونَ فيها التَّرجمةَ اليونانيَّةَ للنَّصِّ العِبريّ.

ثالثًا، هُناكَ أوقاتٌ كثيرة كانَ فيها كُتَّابُ العهدِ الجديدِ يَقتبِسونَ فيها مَعنى النَّصِّ الكِتابِيِّ مِنَ العهدِ القديمِ مِن دُونِ اقتِباسِ كلماتِهِ مُباشَرةً. بعبارةٍ أخرى، لقد كانوا يَستخدِمونَ الحُريَّةَ الَّتي أعطاها لَهُم الوَحْيُ فيَقولونَ رُوحَ النَّصِّ مِن دُونِ اقتباسِ الكلماتِ نَفسِها؛ ولكنَّهُم بكُلِّ تأكيدٍ كانوا يَنقلونَ المَعنَى نَفسَهُ. رابعًا، كانَ كُتَّابُ العهدِ الجديدِ يَدْمِجونَ غالبًا أكثرَ مِن آيةٍ مِنْ آياتٍ العهدِ القديمِ مَعًا حَتَّى إنَّكُم لا تَحصُلونَ على مَعنى آيةٍ واحدةٍ، بل تَحصُلونَ على مَعنى العَديدِ مِنَ الآياتِ الَّتي دُمِجَتْ معًا لتَوضيحِ نُقطةٍ واحدة.

خامسًا، هُناكَ أوقاتٌ كانَ فيها كُتَّابُ العهدِ الجديدِ يُقَدِّمونَ ببساطَة التَّعليمَ العَامَّ للعهدِ القديمِ مِن دُونِ الإشارةِ إلى أيَّةِ آيةٍ مُحَدَّدَة. لِذا، عندما تَقرأونَ في العهدِ الجديدِ العِبارةَ: "وقالَ الرَّبُّ"، أو: "وقالَ النَّبيُّ"، قد يُعَبِّرُ ذلكَ عن أيٍّ مِن تلكَ الاستخداماتِ لآياتِ العهدِ القديم. وهُناكَ أوقاتٌ لم تَكُن فيها تلكَ الاستخداماتُ مَسبوقَةً بالعِبارة: "كَمَا قَالَ الرَّبُّ"، بل إنَّها تُقتَبَسُ وَحَسْب مِنَ العهدِ القديم. ولكن هُناكَ مُلاحَظة أخيرة: لم يَقتبِس كُتَّابُ العهدِ الجديد أيَّ شَيءٍ ذي سُلطانٍ مِن خارجِ العهدِ القديم. لِذا فإنَّهُ المَصدَرُ الوَحيدُ ذُو السُّلطان.

لِذا، نَرى هُنا الرَّسولَ بولُسَ في تلكَ الحالةِ يَقتبِسُ مِنَ العهدِ القديمِ ويَستخلِصُ المَعنى العامَّ مِنَ الآياتِ، أيْ مِنْ بِضْعِ آياتٍ مِنْهُ، أو رُبَّما مِنْ بِضْعِ كَلماتٍ مُحَدَّدةٍ مِنهُ، ويَدمِجُها معًا في لَوحةٍ فُسيفسائيَّةٍ مِنَ الحَقِّ المُوحَى بهِ بكُلِّ تأكيدٍ لكي يُوضِّحَ النُّقطةَ بأنَّنا إنْ انفَصَلنا، واعْتَزَلنا، وَخَرَجْنا، وانفَرَزْنا عنِ النَّجاسةِ، فإنَّ الرَّبَّ سيَفتَحُ ذِراعيهِ لنا على اتِّساعِهِما ويُغْدِقُ بَرَكاتِهِ علينا. لِذا فإنِّي أقُولُ لَكُم إنَّني سأكونُ راعِيًا غيرَ أمينٍ لَكُم إن سَمَحْتُ لهذهِ الكنيسةِ أن تَنْتَهِكَ هذا المَبدأَ بأيَّة طَريقة. وسوفَ أَكونُ مَسؤولاً أمامَ اللهِ إن وَضَعْتُكُم في مَوقفٍ تَفقِدونَ فيها بَرَكاتِه. وما الَّذي يَدفعُني إلى القيامِ بذلك؟

فالنَّاسُ يَقولونَ لي أحيانًا: "هل تَسمَعُ الكثيرَ مِنَ الانتقادِ عندما تَقِفُ مَوقِفًا صَارِمًا؟" الجَواب: أنا أسمَعُ انتقاداتٍ عندما أَقِفُ مَواقفَ صَارِمَة، ولكن لا بأسَ في ذلك. فهُناكَ أُمورٌ كَثيرةٌ على المِحَكِّ. وأهَمُّ شَيءٍ على المِحَكِّ هو أنِّي سأُعطي حِسابًا للهِ عن حُسْنِ رِعايتي لَكُم. فإن لم أَكُن أمينًا في رِعايتي لَكُم واقتيادِكُم إلى المَراعي الخَضراءِ والمِياهِ العَذبة، وإلى مِلْءِ البَرَكة، لا أريدُ أن أقفَ أمامَ اللهِ وأن أُعطي حِسابًا عن تَهاوُني الَّذي أَدَّى إلى فُقدانِكُم البَرَكة.

لِذا، سوفَ أرسُمُ الخُطوطَ بأكبرِ قَدرٍ مِنَ الأمانةِ والوضوحِ حَسَبَ فَهمي لكيفيَّةِ رَسْمِ الكتابِ المقدَّسِ لهذهِ الخُطوط. وسوفَ نَفعلُ كُلَّ ما في وُسْعِنا لكي نَعيشَ في نِطاقِ هذهِ الحُدود؛ لا بِقَصدِ أن نَكونَ مُتَصَلِّبينَ؛ بل بِقَصدِ المَنفعةِ الرُّوحيَّة. فَلا يُمكِن أن تُوجَد بَرَكة حَقيقيَّة في حَياةِ المُؤمِنِ الَّذي يَعيشُ في تَحالُفاتِ خَاطئةِ وغير مُقَدَّسة معَ عَبَدةِ أوثانٍ أَثَمَة. فسوفَ تَخسرونَ شَيئًا. وهذا لا يَعني بالضَّرورة أنَّكُم ستَموتونَ حالاً، ولا يَعني أنَّكُم سَتُفلِسونَ وتَذهبونَ إلى السِّجن؛ بل يَعني وَحَسْب أنَّكُم ستَخسرونَ مِلْءَ بَرَكَةِ الله. فهُناكَ مُكافأةٌ عَظيمةٌ للمُؤمِنِ الَّذي لا يُساوِمُ مَعَ الأنظمةِ الآثِمَة.

ونَقرأُ في العَدد 18: "وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". بعبارةٍ أخرى، سوفَ تَحصُلونَ على كُلِّ الغِنَى الَّذي هُوَ مِن نَصيبِكُم لأنَّكُم أولادُ الله. وكما قُلتُ، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هذهِ الآية تُشيرُ بطريقةٍ ما إلى ما جاءَ في سِفْر صَموئيل الثَّاني 7: 14 حيثُ نَجِدُ نَفسَ تلكَ الجُملة. والحقيقةُ هي أنَّ تلكَ الجُملة المَذكورة في سِفْر صَموئيل الثَّاني 7: 14 قِيلَت لِداوُد. فهي تَرِدُ في النَّصِّ الَّذي يَتحدَّثُ عن وَعْدِ اللهِ لِداوُد بأنَّهُ سيُنجِبُ وَلَدًا هُوَ سُليمان، ثُمَّ وَلَدًا آخرَ أعظمَ مِنهُ هُوَ المَسِيَّا. وعندما قَطَعَ اللهُ هذا الوَعدَ بأنَّ دَاوُدَ سيُنجِبُ وَلَدًا، وبأنَّ ذلكَ الوَلدَ سيَبني الهيكلَ كما فَعلَ سُليمان، في نَفسِ الوقتِ الَّذي قَطَعَ اللهُ فيهِ ذلكَ الوَعدَ لِداوُد، كانَ يُذَكِّرُ داوُد بالطَّهارةِ، وبأهميَّةِ أن يَبقى مُنفصِلاً، وبأن يَبقى ابنُهُ مُنفصِلاً كي يَختبرَ مِلْءَ بَرَكَةِ اللهِ الآب.

والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر صَموئيل الثَّاني 7: 14 عن ذلكَ الابن: "هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي". والحَديثُ هُنا يُشيرُ إلى سُليمان، وأيضًا إلى المَسِيَّا. "وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ. أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ [أيْ: سُلَيمانُ] أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ". فهو سيَكونُ ابنًا لي، وسوفَ أُبارِكُهُ بكُلِّ هذهِ البَرَكَة. ولكِن إنْ تَعَوَّجَ أُؤدِّبُهُ.

وهذا هُوَ الخِيارُ الَّذي أمامَنا. "لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ" (كما جاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين). لِذا، يُمكِنُكَ أن تَختارَ إمَّا التَّأديبَ وإمَّا البَرَكة. والأمرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بالطَّاعَة. لِذا فقد قالَ اللهُ لِداوُد عن ابنِهِ سُليمان: إن أطاعَني سأُبارِكُهُ. أمَّا إن لم يَفعل فَسوفَ أُؤدِّبُه. والفِكرةُ هي أنَّ اللهَ يَقبَلُ بالبَرَكَةِ أولئكَ الَّذينَ يَعزِلونَ أنفسَهُم عنِ الخَطيَّة.

فَعندما صِرْتَ مُؤمِنًا، قَبِلتَ السُّلطانَ بأن تَصيرَ ابنًا للهِ. فاللهُ أبوكَ وأنتَ ابنُهُ (أو أنتِ ابنَتُهُ). وقد حَصلتَ بالنِّعمةِ على كُلِّ غِنى تلكَ الأُبوَّةِ مِنَ الله. ولكنَّ أيَّ تَحالُفٍ يُنَجِّسُكَ، وأيَّ شَيءٍ يَقطَعُ تلكَ الشَّركةَ الرَّائعةَ معَ الرَّبِّ يَقطَعُ أيضًا البَرَكة. فاللهُ أبونا ونَحنُ أولادُهُ. ويجب علينا أن نَقطَعَ أيَّ تَحالُفٍ دِينيٍّ نَجِسٍ معَ الظُّلمةِ والإثمِ والخَطيَّةِ والشَّيطان؛ وإلاَّ فإنَّنا سنتعرَّضُ للتَّأديبِ ونَخسرُ البَرَكَة.

وقد أُعطِيَ ذلكَ الوَعدُ لِداوُدَ ولابنِهِ سُليمان. وهل تَعرِفونَ القِصَّةَ المُحزِنَة؟ افتَحوا على سِفْر المُلوك الأوَّل والأصحاح الحادي عَشَر. فسُليمان لم يُصْغِ، ولم يُطِع؛ بل عَقَدَ تَحالُفاتٍ نَجِسةً الواحدَ تِلوَ الآخر. فقد كَانَ أكبرَ مُساوِم. ونحنُ نَقرأُ ابتِداءً مِنْ سِفْر المُلوك الأوَّل 11: 1 القصَّةَ المُحزِنَة: "وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً". فيُمكنكم أن تَقولُوا إنَّهُ أَحَبَّ كُلَّ امرأةٍ وَقَعَتْ عَينُهُ عَليها. ومَا أعنيهِ هُوَ أنَّهُ كَانَ زِيْرَ نِساء. "وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ". فهو لم يُبالي بِهُويَّتِهِنَّ. ولا شَكَّ في أنَّ ابنةَ فِرعون كانت وَثنيَّةً جِدًّا وأنَّها كانت تَعبُدُ كُلَّ أنواعِ الأوثانِ والآلهةِ الزَّائفة.

فقد أَحَبَّ "مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ". فَلا يُمكنكم أن تَفعلوا هذا أو ذاك. لماذا؟ لأنَّ... اسمَعوني جَيِّدًا: لأنَّ مُجتمَعَهُم لا يَختلِفُ في شَيءٍ عن دِيانَتِهم. فقد كانت مُجتمعاتُهُم وثَقافَتُهُم مَعْجونَة بالوثنيَّة. لِذا، لا يُمكِنُكُم أن تَختَلِطوا بِهِم. فإن دَخَلْتَ في أيِّ تَحالُفٍ، أو في أيِّ مَشروعٍ دِينيٍّ، لا يُمكنُكَ أن تَشتركَ في دِيانَتِهِم، ولا أن تَسمَحَ لَهُم أن يَشتركوا في دِيانَتِكَ "لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ".

لقد قالَ اللهُ هذهِ الكلماتِ؛ ولكنَّ سُليمانَ تَجاهَلَها وأحَبَّ هؤلاءِ النِّسْوَة. فقد تَجاهلَ كَلامَ الله. ولكي أُريكُم مِقدارَ تَعَدِّي سُليمان على وَصيَّةِ اللهِ فإنَّهُ تَزَوَّجَ مِن سَبْعمئةٍ مِنَ النِّساء. والحقيقةُ هي أنَّ امرأةً واحدةً تَكفي لإبعادِ الإنسانِ عنِ الله. أمَّا هُوَ فقد تَزَوَّجَ مِن سَبعمئةِ امرأة يُطْلَقُ عَليهنُّ لَقَب "أميرات". وكانت لَديهِ سَراري. فقد كانت لديهِ ثَلاثُمئةٍ مِنَ السَّراري. فقد كانت زَوجاتُهُ أميرات، وكانَ هُوَ المَلِك، وكانت لَهُ ثلاثُمئة مِنَ السَّراري. وكانت هَؤلاءِ السَّراري نِساءً إضافيَّات في حَالِ أنَّهُ ضَجِرَ مِن نِسائِهِ السَّبعمئة. وقد "أَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ". لماذا؟ لأنَّهُنَّ جَميعًا كُنَّ يَعْبُدْنَ آلهةً أخرى. فقد كُنَّ يَعْبُدْنَ آلهةً أخرى. فقد كُنَّ جَميعًا وَثنيَّات.

"وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ". هل هذا أمرٌ مُحزِن؟ قد تَظُنُّونَ أنَّ سُليمانَ كانَ حَكيمًا جدًّا. فعندما سَألَهُ اللهُ ماذا يُريد، قالَ إنَّهُ يُريدُ حِكمَةً مِنَ الله. وقد كانَ مُحاطًا بالحَقِّ طَوالَ الوقت. ولكن عندما سَمَحَ لنَفسِهِ أن يَقَعَ تَحتَ تأثيرِ الوثنيَّةِ، كانَ الأمرُ مُدَمِّرًا.

ولا يُمكنُني أن أنسى شَابًّا كُنتُ أعرِفُهُ جَيِّدًا في كُليَّةِ اللاَّهوت. وهذه واحدة مِن أكثرِ القِصصِ المُحزِنَة. فقد كُنَّا صَديقينِ حَميمَيْن. وكُنَّا نَشتركُ في كُلِّ الأنشطةِ معًا. وكانَ يَدرُسُ في كُليَّةِ اللاَّهوتِ مِثلي. وقد تَخَرَّجنا مِن كُليَّة لاهوت "تالبوت" (Talbot) في نَفسِ السَّنة. وقد تَزَوَّجَ مِنِ امرأةٍ بُوذيَّة. ولم يَمْضِ وَقْتُ طَويلٌ حَتَّى وَضَعَ تِمثالاً لِبُوذا في مَنزِلِهِ. ولم يَمْضِ وَقْتٌ طَويلٌ حَتَّى تَرَكَ الإيمان. زَوجَة واحدة فقط. عندما أرى رِجالاً أقوياءَ في الكنيسةِ والكِرازة، ثُمَّ أراهُم فجأةً يَقَعونَ في ضَلالَةٍ أو بِدعَة، لا يَسَعُني إلاَّ أن أُفَكِّرَ دائمًا في طَرْحِ السُّؤالِ التَّالي: "مَن هِيَ زَوجَتُه؟" ولا شَكَّ في أنَّنا سَنَجِدُ في العَديدِ مِنَ الحالاتِ أو أغلَبِها أنَّ الشَّيطانَ يُمارِسُ دَهاءَهُ بهذهِ الطَّريقة.

"فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ [في العَددِ الخامِسِ] وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ.

"فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ...". وقد تَقول: "إن كانَ الرَّبُّ قد تَراءَى لَهُ شَخصيًّا مَرَّتَيْن، لا بُدَّ أنَّهُ لم يَجِد صُعوبَةً في التَّمَسُّكِ بمُعتقداتِه". ولكنَّهُ لم يَتمسَّك بها. "...وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لاَ يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ".

وهَذا هُوَ ما يُحدُثُ عندما تَعقِدُ تَحالُفاتٍ غير مُقَدَّسة. فاللهُ يَنْزِعُ البَرَكَةَ مِن يَدِك. افتَحوا على الأصحاحِ الحادي عشر والعدد 31. فنحنُ نَقرأُ هُنا عن يَرُبْعَامَ الَّذي نَعلَمُ أنَّهُ صَارَ المَلِكَ بعدَ سُليمان عندما انقَسَمَتِ المَملكة. وقد جاءَ أَخِيَّا النَّبِيُّ وقالَ ليَرُبْعام في العَدد 31: "خُذْ لِنَفْسِكَ عَشَرَ قِطَعٍ، لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: هأَنَذَا أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ مِنْ يَدِ سُلَيْمَانَ وَأُعْطِيكَ عَشَرَةَ أَسْبَاطٍ".

لِذا فقد نُزعَتْ عَشَرةُ أسْباطٍ مِن يَدِ سُليمان وذَهَبَتْ شَمالاً. "وَيَكُونُ لَهُ سِبْطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَجْلِ عَبْدِي دَاوُدَ". وَهُوَ سِبْطُ بَنْيامين. "وَمِنْ أَجْلِ أُورُشَلِيمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتُهَا مِنْ كُلِّ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَسَجَدُوا لِعَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ" وغَيرِها. وَهُوَ يُكْمِلُ الحَديثَ إلى النِّهاية. فقدِ انقسَمَتِ المَملكة. وقد نُزِعَتْ مِن يَدِ سُليمان. فقد انقسَمَتْ انقسامًا مُؤسِفًا. ولم يَأتِ بعدَ ذلك مَلِكٌ صَالحٌ آخر في الشَّمال.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 38: "وَآخُذُكَ...". فَهُوَ يَقولُ لِيَرُبْعام في العَدد 37: "وَآخُذُكَ فَتَمْلِكُ حَسَبَ كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ، وَتَكُونُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "فَإِذَا سَمِعْتَ لِكُلِّ مَا أُوصِيكَ بِهِ، وَسَلَكْتَ فِي طُرُقِي، وَفَعَلْتَ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيَّ، وَحَفِظْتَ فَرَائِضِي وَوَصَايَايَ كَمَا فَعَلَ دَاوُدُ عَبْدِي، أَكُونُ مَعَكَ وَأَبْنِي لَكَ بَيْتًا آمِنًا كَمَا بَنَيْتُ لِدَاوُدَ، وَأُعْطِيكَ إِسْرَائِيلَ".

ومَرَّةً أخرى، يأتي الرَّبُّ ويَقول: "سوفَ أُمَزِّقُ مَملكتَهُ إلى قِطَع؛ ولكن إن أَطَعْتَني سأُبارِكُكَ". إنَّها نَفسُ النُّقطة. فعندما تَعقِدُ تَحالُفاتٍ غير مُقَدَّسة فإنَّكَ تَصيرُ تَحتَ اللَّعنة. وعندما لا تَفعلُ ذلكَ فإنَّكَ تَتبارَك. واللهُ الآبُ يُريدُ أن يُغْدِقَ كُلَّ مَحَبَّتِهِ وعَطاياه على أولادِه. وَهُوَ سيَفعلُ ذلكَ إن لم نَقْتَرِن بغيرِ المُؤمنين. لِذا، تَلخيصًا لِما قُلناهُ سابقًا، إن اقْتَرَنَّا بغيرِ المؤمنينَ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ فإنَّ ذلكَ الأمرَ غيرُ عَقلانيٍّ. وهُوَ أمرٌ يُنَجِّسُنا. وَهُوَ عِصْيانٌ. وَهُوَ غيرُ نَافِعٍ.

وهُناكَ نُقطةٌ أخرى. وسوفَ أُرْجِئُ الحَديثَ عنها إلى يومِ الأحدِ القَادِم. فهي نُقطة مُهمَّة جدًّا. وهي مَذكورة في العَددِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ السَّابع، وهي أنَّ قِيامَنا بذلكَ يَدُلُّ على عَدمِ امتِنانِنا. فهو يَدُلُّ على عَدمِ امتِنانِنا. فهو يَقولُ في العَددِ الأوَّل: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ". والمَغزى هُوَ التَّالي: "كيفَ تأخُذونَ كُلَّ تلكَ الوُعودِ الَّتي قَطَعَها اللهُ لَكُم، وكُلَّ تلكَ الهِباتِ الجَزيلةِ الَّتي أَغدَقَها عَليكُم وتَتصرَّفونَ بعدمِ امتِنانٍ مِنْ خِلالِ عَقْدِ تَحالُفاتٍ غير مُقَدَّسة؟ وسوفَ نَتحدَّثُ أكثر عن هذهِ النُّقطة في المَرَّةِ القادِمَة.

في الخِتام، هُناكَ قِصَّة رائعة في الحقيقة؛ وهي قِصَّة قَديمة عن رَجُلٍ خَضَعَ للمُحاكَمِة واسمُهُ "إغناطيوس" (Ignatius). فقد وَقَفَ وَجْهًا لِوجهٍ أمامَ الإمبراطور الرُّومانيّ "تراجان" (Trajan). قالَ تراجان: "مَن أنتَ أيُّها الشَّيطانُ البَائِسُ الَّذي تُريدُ أن تَتَعَدَّى على أوامِرِنا وتُقْنِعَ آخرينَ بأن يَسيروا في نَفسِ الدَّربِ وَيَنالوا نَفسَ المَصيرِ المَشؤوم؟" قالَ إغناطيوس: "لا يَستطيعُ أيُّ شَخصٍ أن يَدعو إنسانًا يَتَنَفَّسُ اللهَ شَيطانًا بَائِسًا لأنَّ الشَّياطينَ بَعيدةٌ كُلَّ البُعدِ عن أن تَكونَ خَادِمةً لله".

قالَ تراجان: "ومَن هُوَ ذاكَ الَّذي يَتَنَفَّسُ اللهَ؟" أجابَ إغناطيوس: "إنَّهُ الشَّخصُ الَّذي يُوجَدُ المَسيحُ في قَلبِه". قالَ تراجان: "وهل تَظُنُّ أنَّ هُناكَ آلِهَةً تَسكُنُ قُلوبَنا نَحنُ أيضًا، وأنَّنا نَجعَلُها حَليفةً لَنا ضِدَّ أعدائِنا؟" قالَ إغناطيوس: "أنتَ في ضَلالٍ عندما تَدعو شَياطينَ الأُممِ آلهةً لأنَّهُ يوجدُ إلهٌ واحدٌ فقط خَلَقَ السَّماءَ والأرضَ والبَحر وكُلَّ الأشياءِ المَوجودة فيها، ويُوجدُ مَسيحٌ واحدٌ فقط. فهو الابنُ الوَحيدُ الَّذي أتمتَّعُ بِصُحبَتِه".

قالَ تراجان: "هل تَتحدَّثُ عن ذاكَ الَّذي صُلِبَ في عَهْدِ بيلاطُس البُنطيّ؟" قالَ إغناطيوس: "أنا أتحدَّثُ عن ذاكَ الَّذي سَمَّرَ على الصَّليبِ الخَطيَّةَ ورَئيسَها، وحَكَمَ على كُلِّ خُبْثٍ شَيطانيٍّ بأن يُداسَ تَحتَ أقدامِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحمِلونَهُ في قُلوبِهم". قالَ تراجان: "إذًا، هل تَحمِلُ المَسيحَ في قَلبِك؟" قالَ إغناطيوس: "أجل، لأنَّهُ مَكتوبٌ: ’إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ‘".

حينئذٍ أَصدرَ تراجان حُكْمَهُ، وكانَ حُكمُهُ كالتَّالي: "لَقَدْ حَكَمْنا على إغناطيوس الَّذي يَقولُ إنَّهُ يَحْمِلُ المَسيحَ المَصلوبَ في قَلبِهِ أنْ يُقَيَّدَ مِنْ قِبَلِ الجُنودِ ويُؤخذَ إلى رُوما العَظيمة حيثُ يُطْرَحُ هُناكَ طَعامًا للوُحوشِ المُفترسة ليكونَ عِبْرَةً وأُمثولَةً للنَّاس".

لقد رُسِمَت الحُدودُ بوضوحٍ تَامٍّ. فنحنُ نَحمِلُ المَسيحَ في قُلوبِنا. ولا تُوجَد شَرِكَة دينيَّة بينَنا وبينَ أولئكَ الَّذينَ لا يَحمِلونَهُ في قُلوبِهم. فنحنُ أولادُ اللهِ؛ في حين أنَّهُم أولادُ الشَّيطان. ولا يُمكِن أن يَكونَ هُناكَ مَشروعٌ رُوحيٌّ مُشترَكٌ بينَنا. فمِثلُ هذهِ المُساومة تُدَنِّسُ اسمَ المسيحِ، وتُعطي ضَمانًا زائفًا لغيرِ المُؤمِن، وتُدَنِّس المُؤمِن. وسوفَ نَتحدَّثُ أكثر عن هذا الموضوعِ في المَرَّةِ القادِمَة. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، إنَّ هذهِ الكلماتِ مُباشِرَة جدًّا وواضحة جدًّا لنا. ساعِدنا، يا أبانا، على أن نَراها ونَرى تَطبيقَها. فَلا يُمكنُنا أن نَقِفَ هُنا ونُقدِّمَ كُلَّ تَطبيقٍ مُحْتَمَلٍ لهذهِ الأمور. ولكن يَكفي أن نَعرفَ المبدأَ وأن نَسلُكَ في الرُّوحِ الَّذي يُعطينا الحِكمةَ والقُوَّةَ لتِطبيقِهِ في كُلِّ مَوقِف. ونحنُ نَدعو كَنيستَكَ إلى الخُروجِ والانعِزال. ونَحْنُ نَدعوها في الوقتِ نَفسِه إلى العَمَلِ بِدُموعٍ وشَغَفٍ على الكِرازةِ بالإنجيلِ إلى الأشخاصِ العالِقينَ في هذهِ الأنظمةِ الشِّرِّيرة.

فنحنُ نُريدُ أن نَكرِزَ لَهُم بالإنجيل؛ ولكنْ لا يَجوزُ لنا أن نَشتركَ بأيَّة طَريقة مَعَهُم، ولا أن نَسمَحَ لَهُم أن يَشترِكوا مَعَنا لِئلاَّ نَفعلَ شَيئًا مُنَجِّسًا، أو عَاصِيًا، أو غيرَ عَقلانيٍّ، أو غيرَ نَافِعٍ، أو يَدُلُّ على عَدمِ امتِنانِنا. يا أبانا، نَسألُكَ أن تُعطينا الحِكمةَ، وأن تُساعِدَنا على العُثورِ على التَّوازُنِ الدَّقيقِ كي يَكونَ بمقدورِنا أن نُحِبَّ هَؤلاءِ، ونَكرِزَ لَهُم بالحَقِّ، ونَخْطَفَهُم مِنَ النَّار. نُصَلِّي هذا باسمِ المسيحِ المَجيدِ الَّذي مَاتَ لكي يُخَلِّصَ الخُطاة. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize