Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَعودُ في هذا الصَّباح إلى رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاحِ السَّادسِ، وإلى هذا المبدأِ الأساسيِّ جدًّا الَّذي لَخَّصَهُ الرَّسولُ بولُسُ بالكلماتِ التَّالية: "[لا تَقترِنوا أو:] لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". وهي، بالمُناسبة، آية مَألوفة جدًّا. وهي وَصيَّة مَألوفة جدًّا يَكثُرُ بِكُلِّ تأكيدٍ اقتباسُها مِن قِبَلِ المُؤمنين؛ ولكنْ كَثيرًا مَا يُساءُ فَهمُها وتُنْتَهَكُ؛ وهو أمرٌ يُؤذي المؤمنينَ والكنيسة. فنحنُ هُنا أمامَ عَقيدةٍ مِنَ العقائدِ الجَوهريَّة، وأمامَ حَجَرٍ مِن حِجارةِ الزَّاويةِ في الحياةِ والخِدمةِ المسيحيَّة إذ إنَّها مُهمَّة جدًّا بكُلِّ تأكيد.

والآن، أريدُ أن نُلقي نَظرةً إلى هذا النَّصِّ وأن نَقرأهُ مَرَّةً أخرى لأنِّي أريدُ أن أُرَسِّخَهُ في أذهانِكُم: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ".

والآن، كَما ذَكرتُ في المَرَّةِ السَّابقة، إنَّ هذا النَّصَّ يَصفُ عَالَمَيْنِ مُتناقِضَيْن. والألفاظُ وَاضِحَة. فالعالمُ الأوَّلُ يَتَّسِمُ بالبِرِّ، والنُّورِ، والمسيحِ، والمُؤمنينَ، وحُضورِ الله. أمَّا العالَمُ الآخرُ فَيَتَّسِمُ بالإثمِ، والظُّلمةِ، والشَّيطانِ، وغيرِ المُؤمنينَ، وحُضورِ الآلهةِ الزَّائفة. وهذانِ العالَمانِ مُختلفانِ ومُتناقِضانِ تَمامًا حَتَّى إنَّ كُلاًّ مِنهُما حَصْرِيٌّ.

ولا يُمكِنُ لهذينِ العَالَمَيْنِ أن يَعملا معًا في أيِّ شيءٍ مُشترَك، ولا أن يَتَشارَكا معًا. فَهُما لا يَنسجِمانِ الواحدُ معَ الآخر. فواحدٌ مِنهُما قَديمٌ؛ والآخرُ جَديد. وواحدٌ مِنهُما أرضيٌّ؛ والآخرُ سَماويّ. وواحدٌ منهُما مُهْلِكٌ؛ والآخرُ يُعطي حَياةً. وواحدٌ مِنهُما شِرِّيرٌ؛ والآخرُ طَاهِر. وواحدٌ مِنهُما مَبنيٌّ على الأكاذيبِ؛ والآخرُ مَبنيٌّ على الحَقّ. وواحدٌ منهُما سيَزولُ؛ والآخرُ سيَبقى إلى الأبد.

لِذا فإنَّ بولسَ يُوضِّح أنَّ المؤمنينَ لا يَستطيعونَ أن يَعيشوا في كِلا العَالَمَيْن. ولا شَكَّ في أنَّ يوحنَّا قالَ الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالتِهِ الأولى (أيْ رسالةِ يوحنَّا الأولى) عندما وَصَفَ بوضوحٍ هذا الفَرقَ بينَ العَالَمَيْنِ بالكلماتِ المألوفةِ التَّالية: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". فَهُما عَالَمانِ حَصْرِيَّانِ تَمامًا. ولا يُمكِنُكَ أن تَعيشَ في كِلَيهِما في نفسِ الوقت.

ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ في رسالة يَعقوب 4: 4: "أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا لله". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العددِ الثَّامِن: "اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ". فالنَّاسُ يُحاولونَ أن يَعيشوا في عَالَمَيْنِ مُختلفَيْن.

وفي رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني عشر، وهو بِلا أَدنى شَكٍّ نَصٌّ مألوفٌ جدًّا جدًّا يَبتدئُ بِحَضِّ أهلِ رُومية: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ". انفَصِلوا عنهُ تَمامًا.

عندما يُؤمِنُ المَرءُ فإنَّهُ يَنتقلُ مِن عَالمٍ إلى الآخر. والتَّنَقُّلُ المُستمرُّ بينَ العَالَمَيْنِ هو أمرٌ غيرُ مَقبول. وهذا هو تَمامًا ما كانَ أهلُ كورِنثوس يُحاولونَ أن يَفعلوه. فبعدَ أن سَمُّوا اسمَ المسيحِ، واقترَنوا بِهِ، وجَاءوا إلى الكنيسةِ، كانوا ما يَزالونَ يَتمسَّكونَ بديانتِهم الوثنيَّةِ السَّابقةِ وطُرُقِهم الوثنيَّةِ القَديمة.

لقد جَاءوا إلى المَسيحِ مِنَ الوَثنيَّة (كما تَقولُ رسالة تسالونيكي الأولى). وقد جَاءوا لِيَعبُدوا اللهَ الحَيَّ الحَقيقيَّ بعدَ أن كانوا يَعبدونَ الأوثانَ؛ ولكنَّهُم لم يَنفصلوا عن حَياتِهم السَّابقةِ تَمامًا، بل كانوا يَرجِعونَ إلى عبادةِ الأوثانِ القديمة، وإلى الثَّقافةِ الوثنيَّةِ القديمة لأنَّها كانت مُستفحِلَةً وطَاغِيَةً ومُنتشرةً في كُلِّ مَكانٍ، وجُزءًا لا يَتجزَّأُ مِن حَياتِهم الشخصيَّةِ والعائليَّةِ والاجتماعيَّةِ، والحياةِ في مُجتمعِهم.

فقد كانَت تَعلو مَدينة كورِنثوس مَنطقةٌ مُرتفعةٌ أو جبَلٌ شُيِّدَ في قِمَّتِهِ مَعبدٌ للآلهةِ الزَّائفةِ تُمارَسُ فيهِ طُقوسٌ وَثنيَّةٌ، وعِبادةٌ وَثنيَّة، وزِنا مِن قِبَلِ كَاهِناتِ المَعبَد. ولم يَكُنِ الأمرُ يَقتصِرُ فقط على أنَّ ذلكَ المَعبدَ هُوَ مَركِزُ تلكَ الدِّيانة، بل إنَّهُ كانَ المَصدرَ الَّذي يَستمدُّونَ مِنهُ وُجْهاتِ النَّظرِ الدِّينيَّة والأيديولوجيَّة في كُلِّ ثَقافةِ كورِنثوس. فقد كانَ جُزءًا مِن كُلِّ شيءٍ في الحياةِ كالأعيادِ، والمُناسَباتِ، والاحتفالاتِ، وهَلُمَّ جَرَّا. وكانَ هذا المَعبَدُ يَجتذبُ دائمًا أهلَ كورِنثوس إلى العَودةِ إلى تلكَ الأنماطِ القَديمة. وقد انجَذَبوا حقًّا إلى ذلك.

فَضلاً عن ذلك، كانَ المُعَلِّمونَ الكذبةُ قدِ انْدَسُّوا في الكنيسةِ وجَلبوا مَعَهُم دِيانَةً تَوفيقيَّةً تُشبِهُ المَسيحيَّةَ في شَكلِها الخَارجيِّ؛ ولكنَّها أخَذتِ المسيحيَّةَ والقليلَ مِنَ النَّاموسيَّةِ اليهوديَّةِ، وبَعضًا مِنَ الدِّيانةِ الوثنيَّةِ وخَلَطَتْها جميعًا معًا وقَدَّمَتها على أنَّها الحَقّ. وقد شَقَّتْ تلكَ المُساومةُ طَريقَها إلى كنيسةِ كورِنثوس ووَجدتْ جُمهورًا لها إذْ إنَّ بَعضًا منهم كانَ يُصغي لها، ويُصَدِّقُها، ويَقبلُها. وكما تَرَوْنَ، لقد أرادَ المُعلِّمونَ الكذبةُ أن يَجعلوا المسيحيَّةَ أكثر انتشارًا، وأقلَّ تَطَلُّبًا، وأقَلَّ تَبايُنًا، وأقَلَّ تَزَمُّتًا، وأقَلَّ إثارةً للمَتاعِب، وأقَلَّ اختِلافًا، وأقَلَّ حَصريَّةً كي يَجتذبوا مَزيدًا مِنَ النَّاسِ إليها ويَجْنُوا مَزيدًا مِنَ المال؛ وَهُوَ الشَّيءُ الَّذي يُريدُهُ المُعلِّمونَ الكَذَبة دائمًا.

لِذا، فقد تَعَثَّرَت كنيسةُ كورِنثوس الجَديدة والغِرَّة بسببِ الدِّيانةِ الوَثنيَّةِ الَّتي كانت تُحيطُ بها. فَلا يُمكنكُم أن تَفصِلوا الحياةَ الاجتماعيَّةَ عنِ الدِّين. ولا يُمكنكُم أن تَفصِلوا الحياةَ التَّاريخيَّةَ لتلكَ القَريةِ مِن جِهَةِ أنماطِها عنِ الدِّين. وتلكَ القَرية الَّتي صَارت مَدينةً حَمَلَتْ كُلَّ عَلاماتِ الدِّيانةِ الَّتي عَمِلَت في أثناءِ نُمُوِّها. فقد كانَ نِظامًا وَثنيًّا تَغَلْغَلَ وَبَلَغَ العُمْق. وكانَ مِنَ الصَّعبِ التَّخلُّصُ مِنه.

فالانخِراطُ في الحياةِ الثَّقافيَّةِ يَعني الانخراطَ في الوثنيَّة إن لم تَجعلِ انفصالَكَ واضحًا تمامًا. ولكنَّ أهلِ كورِنثوس لم يَفعلوا ذلك. وكما قُلتُ، إنْ أَخذتُم بعينِ الاعتبارِ ذاكَ التَّشويشَ الَّذي أَحْدَثَهُ المُعلِّمونَ الكَذبَةَ، ستَفهمونَ السَّببَ الَّذي دَفَعَ بولسَ إلى أن يَقولَ لَهُم: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِين".

وبالمُناسبة، هذا يُشبِهُ المَسيحيَّةَ المُعاصِرَةَ اليومَ الَّتي تَسعى إلى خَلْطِ المسيحيَّةِ بالثَّقافةِ السَّائدة، وتُريدُ أن تَجعلَ المسيحيَّةَ أكثرَ شَعبيَّةً، وأقلَّ اختِلافًا، وأكثرَ قَبولاً، وأقلَّ إثارةً للمَتاعِب، وأقلَّ تَزَمُّتًا، وأقلَّ حَصريَّةً. وعَواقِبُ ذلكَ هي أنَّ المسيحيَّةَ الحقيقيَّةَ وطَهارةَ كلمةِ اللهِ تَفسُدانِ بسببِ المُساومةِ، وأنَّ الكنيسةَ قَد تَصيرُ عَديمةَ الفائدةِ، ومُخزيةً، ومُجَدِّفَةً بسببِ استِخفافِها بالحَقّ.

ولكن لا يَجوزُ للمؤمنينَ أن يُساوِموا. ولا يُمكنُنا أن نَشتركَ معَ غيرِ المؤمنينَ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ. هذه هي المسألة: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". هذه هي الوَصيَّةُ الجَوهريَّةُ في هذا النَّصّ. وهي دَعوةٌ صَريحةٌ للمؤمنينَ كي يَنفصلوا عن غيرِ المؤمنين. فَلا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يُفَوِّتَ أنَّ هذا هو ما يَقولُه. والسُّؤالُ المَطروحُ هُوَ: ما مَعنى ذلك؟

وكما قُلتُ في المَرَّةِ السَّابقة، مِنَ المُهمِّ أن نَفهمَ مَعنى هذهِ الجُملةِ؛ ولكن قبلَ ذلك، يجبُ علينا أن نَفهمَ ما لا تَعنيه. فبولسُ لا يَقول: اقطعوا كُلَّ صِلَةٍ بغيرِ المؤمنين. فَهُوَ لا يَقولُ ذلك لأنَّهُ يجبُ علينا أن نَكرِزَ لهُم بالإنجيل. فالمسألةُ ليست هكذا. فهو لا يَقولُ: "لا تُبَشِّروا غيرَ المُؤمنينَ، ولا تُواجِهوا النَّاسَ في الدِّياناتِ الباطِلَة". إنَّهُ لا يَقولُ ذلك. فيجبُ علينا أن نَفعلَ ذلك.

ثانيًا، إنَّهُ لا يَدعو إلى الانفصالِ التَّامِّ مِن جانبِ الكنيسة. فَلا يَجوزُ لنا أن نَصيرَ انعِزالِيِّين. ولا يَجوزُ لنا أن نَصيرَ نُسَّاكًا. ولا يَجوزُ لنا أن نَعتزِلَ في مَكانٍ مَا وأن نَبتعدَ عنِ العالَم. بل إنَّ العَكسَ هُوَ الصَّحيح. فيجبُ علينا أن نَعثُرَ على غيرِ المُؤمِنينَ، وأن نُحِبَّهُم، ونُصادِقَهُم، ونَكونَ قُدوةً رُوحيَّةً لَهُم.

فَضلاً عن ذلك، إنَّهُ لا يَقولُ إنَّهُ يجبُ عَليكَ أن تُطَلِّقَ شَريكَ الحياةِ غيرِ المُؤمِن، أو أن تَقطعَ كُلَّ عَلاقةٍ غير مُخَلَّصَة؛ أو بالحَرِيِّ: كُلَّ عَلاقةٍ معَ أشخاصٍ غير مُخَلَّصين في عائلتِك. وهو لا يَقولُ أيضًا إنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تَعملَ أو تَلعبَ أو تُقيمَ عَلاقاتٍ تِجاريَّة أو تَكونَ لكَ أيَّةُ شَراكَة أرضيَّة مع غيرِ المُؤمِنين. فهو لا يَقولُ ذلك. ولا شَكَّ في أنَّهُ يُمكنكَ أن تَفعلَ ذلك.

ولكنَّ ما يَقولُهُ هو: لا يُمكِنُكم أن تَقترِنوا بغيرِ المؤمنينَ لِغاياتٍ دينيَّة أو مَشاريعَ دينيَّة. فَلا يَجوزُ لَكُم أن تَشتركوا في عِبادتِهم وأن تَصيروا جُزءًا مِنها. ولا يَجوزُ لكُم أن تَسمحوا لَهُم أن يَصيروا جُزءًا مِن مَلكوتِ الله. ولا يَجوزُ لكُم أن تُعطوهُم مَكانًا في أيِّ شيءٍ يَختصُّ بالخِدمةِ أوِ التَّعليمِ أوِ العِبادة. فحيثُ تُوجدُ خِدمة، أو يوجدُ تُعليمٌ، أو تُوجدُ عِبادة، يجب أن يكونَ هُناكَ انفصالٌ كامِلٌ.

لِذا فإنَّهُ يُشيرُ في الحقيقةِ إلى اشتراكِ المؤمنينَ وغيرِ المُؤمِنينَ في أيِّ مَشروعٍ دينيٍّ أو رُوحِيٍّ مُشترَك. فَلا يَجوزُ وَضْعُ الاثنانِ تحتِ نِيْرٍ واحدٍ لأنَّ الثَّورَ والحِمارَ لا يَستطيعانِ أن يَحرُثا الأرضَ بِخَطٍّ مُستقيمٍ إن وُضِعا تَحتَ نَفسِ النِّير (وَفْقًا للنَّهيِ المَذكورِ في سِفْر التَّثنية 22: 10). ولكنَّ هذا هو تَحديدًا ما كانَ أهلُ كورنثوس يَفعلونَهُ. فقد كانوا يَذهبونَ إلى الاحتفالاتِ الَّتي تَضُمُّ عِبادةَ الأوثانِ ويُحاولونَ أن يُحافظوا على صَداقاتِهِم معَ أهلِ العالَمِ ومعَ عَائلاتِهم ومعَ النَّاسِ في مُجتمعِهم مِن خِلالِ حُضورِ تلكَ الاحتفالاتِ الوثنيَّةِ والمُشاركةِ فيها. ومُساومةٌ كهذهِ هي أمرٌ لا يُحتمَل.

في الوقتِ نَفسِه، كانوا قد دَعَوْا إلى الكنيسةِ أشكالاً مِنَ الدِّيانةِ الوَثنيَّةِ؛ وهذا أيضًا أمرٌ لا يُحتمَل. فَلا يَجوزُ أن يَكونَ هُناكَ انسجامٌ، أو شَرِكَة، أو شَراكَة، أو مُشارَكة بينَ المؤمنينَ وغيرِ المؤمنينَ في أيِّ مَشروعٍ دِينيٍّ. هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. فالدِّيانةُ الوثنيَّةُ والتَّعليمُ الباطِلُ يُفْسِدانِ الأشخاصَ الَّذينَ يَستمعونَ إليهما. وهُما يَقودانِ إلى الفُجور. وهُما يَنتشرانِ كالغَنغرينة ويَقلِبانِ إيمانَ قَومٍ. وقد نَبَّهَ بولسُ تيموثاوسَ مِن كُلِّ هذهِ الأشياءِ وأوصَاهُ بأن يُحَذِّرَ الكنيسة. لِذا فإنَّ المسألةَ تَختصُّ بالتَّعاونِ الدِّينيِّ، والمُساومةِ الدِّينيَّةِ مَعَ المُعلِّمينَ الكَذَبة، ومَعَ البِدَعِ والضَّلالات.

فَلا يُمكنُنا أن نَكونَ في شَرِكَة معَ الأشخاصِ الَّذينَ يَفعلونَ ذلكَ ولا سِيَّما عندما يَكونونَ مُتورِّطينَ جدًّا فيها. ولا يُمكنُنا أن نَسمحَ لَهُم أن يَشتركوا مَعَنا في المشاريعِ الَّتي تَختصُّ بامتدادِ مَلكوتِ الله. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فقد استمرَّتِ الكنيسةُ عَبْرَ السِّنين في القيامِ بذلك. وهي تُسَمِّي ذلكَ أحيانًا "كِرازةً تَعاوُنيَّة" حيثُ يأتي المُبَشِّرونَ إلى مَدينةٍ ويَضعونَ أيديهم بأيدي مُؤمنينَ وغيرِ مُؤمنينَ، أيْ بأيدي أشخاصٍ يُؤمِنونَ بكلمةِ اللهِ وأشخاصٍ مُتحرِّرينَ يُنكِرونَ عَلَنًا كلمةَ اللهِ، في جُهدٍ كِرازِيٍّ مُشترَك. وهذا يَنتَهِكُ انتِهاكًا مُباشِرًا ما يُعَلِّمُهُ هذا النَّصّ. وهو أمرٌ يَحدُثُ كُلَّ الوقتِ في المَساعي الكِرازِيَّة المُشتركة.

وهو يَحدُثُ في المُؤسَّساتِ التَّعليميَّةِ حيثُ إنَّ تلكَ المُؤسَّساتِ الَّتي تَصِفُ نَفسَها بأنَّها مَسيحيَّة تَضُمُّ مُدَرِّسينَ يُؤمِنونَ بكلمةِ اللهِ؛ أيْ مُدرِّسينَ وُلدوا ثانيةً، ومُدرِّسينَ ليسوا كذلك. وَهُم يَشتركونَ معًا بطريقةٍ غيرِ جائزةٍ في خِدمةٍ رُوحيَّة. وهذا أمرٌ يُؤذي الكنيسة، ويُضَعْضِعُ المُؤمِنينَ، ويُعطي غيرَ المُؤمنينَ ضَمانًا زائفًا. فيجبُ على المؤمنينَ الحقيقيِّينَ أن يَنفَصِلوا عن غيرِ المؤمنينَ في الأمورِ المُختصَّةِ بالخِدمة والتَّعليمِ والعِبادة. وعندما أقولُ "التَّعليمَ" فإنِّي أتحدَّثُ عنِ التَّعليمِ المُختصِّ باللهِ وحَقِّه.

لِذا فإنَّ بولسَ يُؤكِّدُ ذلكَ المبدأ. وبالمُناسبة، لقد كانت هذه مُراجَعة سَريعة للعِظَةِ السَّابقة. ولكنَّهُ يُتابِعُ الحَديثَ عن ذلكَ المبدأِ الأساسِيِّ ويُقدِّمُ لنا خَمسةَ أسبابٍ أو خَمسةَ دَوافِع لاتِّباعِ وَصيَّتِهِ هذِهِ. وأودُّ أن أتحدَّثَ عن هذهِ الدَّوافعِ الخَمسةِ مِن جِهَةِ أضرارِها. فالاقترانُ بغيرِ المؤمنينَ في أيَّةِ خِدمةٍ رُوحيَّة هُوَ [أوَّلاً] شيءٌ غيرُ عَقلانِيٍّ – غيرُ عَقلانِيٍّ. فالنُّقطةُ الَّتي يَذكُرُها بولسُ هُنا تَختصُّ بالتَّناغُم. وهو سَبَبٌ بَسيط. ولتوضيحِ هذهِ النُّقطةِ المُختصَّةِ بعدمِ عَقلانيَّةِ مِثلِ هذهِ الشَّراكَة، يَطرحُ بولسُ أربعةَ أسئلةٍ بَلاغيَّة يَقْتَضي كُلٌّ مِنها جَوابًا بالنَّفي.

أمَّا هذهِ الأسئلة فهي كالتَّالي إذْ نَقرأُ في العَدد 14: "لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ [أيِ الشَّيطان]؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟" والإجابةُ عن هذهِ الأسئلة هي بالنَّفي. فلا تُوجدُ خِلْطَةٌ بينَ البِرِّ والإثْم. ولا تُوجَد شَرِكَة بينَ النُّورِ والظُّلمة. ولا يُوجدُ اتِّفاقٌ بينَ المسيحِ وبَليعال. ولا يُوجَد شَيءٌ رُوحِيٌّ مُشتركٌ بينَ المُؤمنِ وغيرِ المُؤمِن.

وهذهِ حَقيقةٌ بَديهيَّة. والحَقيقةُ البَديهيَّةُ هي حَقيقة تُبرهِنُ على نَفِسِها بنفسِها ولا تَحتاجُ إلى دَليل. وهذا شَيءٌ واضح. فَمِنَ الواضحِ أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَجمعَ نَقيضَيْنِ معًا. وهذهِ كُلُّها مُتناقضات. فهذهِ الأسئلةُ البَلاغيَّةُ الأربعةً تُبَيِّنُ عَدمَ عَقلانيَّةِ اشتراكِ المَسيحيِّينَ والوَثنيِّينَ في خِدمةٍ رُوحيَّةٍ مُشترَكة، أو في عِبادةٍ مُشترَكة، أو في تَوصيلِ حَقٍّ إلهيٍّ. فلننظُر إلى كُلِّ سُؤالٍ مِن هذهِ الأسئلة في عُجالَة:

السُّؤالُ الأوَّل: "لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْم؟" والكلمة "خِلْطَة" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "ميتوكيه" (metoch). وهي المَرَّةُ الوحيدةُ الَّتي تُستخدَمُ فيها هذهِ الكلمة في العهد الجديد. وهي كلمة مُرادفة حَقًّا للكلمة "كوينونيا" (koinonia) ومَعناها: "شَرِكَة". وهي تَعني الاشتراك معًا، أوِ العمل معًا في مَشروعٍ مُشترَك. ومِنَ الواضحِ أنَّ البِرَّ والإثْمَ لا يُمكنُ أن يَجتَمِعا في مَشروعٍ واحد. فالبِرُّ هو شَيءٌ يُرضي اللهِ ويُمَجِّدُه. والإثمُ هو شَيءٌ لا يُسِرُّ اللهَ، بل يُسيءُ إليه. فالبِرُّ يُشيرُ إلى عَملِ الصَّواب؛ والشَّرُّ يُشيرُ إلى عَملِ الخطأ.

والمُؤمنونَ يُوصفونَ في الكتابِ المقدَّسِ بأنَّهُم أبرار. فَبِرُّ المَسيحِ قد حُسِبَ لَنا. وقد تَعَلَّمنا في الأصحاحِ الخامسِ والعدد 21 إذْ نَقرأُ: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ [أيْ: في المَسيح]. فقد سَتَرَنا اللهُ بِبِرِّ المسيحِ؛ وهذا يَعني غُفران الخَطايا. مِن جِهةٍ أخرى فإنَّ غيرَ المُؤمِنينَ هُم أَثَمَة، وغيرُ أبرارٍ، وخَطاياهُم لم تُغفَر. لِذا، لا مَجالَ للشَّرِكَة بينَ هَاتينِ الفِئتينِ المُتناقضتينِ تَمامًا.

وماذا عن غيرِ المُؤمِنين؟ فما الشَّيءُ الَّذي يَجعلُهم أَثَمَة؟ إنَّ ذلكَ يَعني ببساطَة أنَّهُم لا يَحفظونَ نَاموسَ اللهِ، بل يَتَعَدَّوْنَ عليهِ، ويَتمرَّدونَ عليهِ، ويَعصُونَهُ. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَصِفُ غيرَ المؤمنينَ بأنَّهُم أَثَمَة. فسوفَ يَكونُ مَصيرُهُم هُوَ العَذاب الأبديُّ لأنَّهُم أَثَمَة، ولأنَّهُم ليسوا أبرارًا، ولأنَّهُم يَكسرونَ نَاموسَ اللهِ، ولأنَّهُ لا يُوجد شِفاءٌ مُحتَمَلٌ لِذلكَ الكَسْر لأنَّهُم لا يأتونَ إلى المُخَلِّصِ الوحيدِ الَّذي يُقدِّمُ لهُمُ الغُفران. لِذا فإنَّهُم يَموتونَ، كما قالَ يَسوعُ، في خَطاياهُم ويُعاقَبونَ إلى الأبد.

وقد وَصَفَ يسوعُ هؤلاءِ بهذهِ الطَّريقة. فَمَثلاً، في إنجيل مَتَّى 7: 23، يَقولُ يَسوعُ للأشخاصِ الَّذينَ يَدَّعونَ أنَّهُم يَعرفونَهُ: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي...". وإليكُم ما قالَهُ في وَصْفِ هؤلاءِ الَّذينَ سيُدانون: "يَا فَاعِلِي الإِثْم". فَنَمَطُ حَياتِهم هو التَّعَدِّي المُستمرّ والمُتواصِل والدَّائم على نَاموسِ اللهِ، ووصايا اللهِ، ومَشيئةِ اللهِ، وكلمةِ الله.

وفي إنجيل مَتَّى 13: 41، نَرى مَرَّةً أخرى مَشهدَ دَينونة في مَثَلٍ يُعَلِّمُهُ يَسوع. فهو يَقول: "يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ [في العدد 41] جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". ومَرَّةً أخرى، نَرى أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ سيُدانونَ إلى الأبد يُوصَفونَ بأنَّهُم أَثَمَة.

وفي الأصحاحِ الثَّالثِ والعِشرين مِن إنجيلِ مَتَّى، يُوَجِّهُ يَسوعُ مَرَّةً أخرى كَلامَهُ إلى الفَرِّيسيِّينَ بسببِ رِيائِهم، وإلى الكَتَبة. وهو يَقولُ في العدد 27: "لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِل مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا". وإثْمًا.

فالإثْمُ هُوَ الَّذي يَدينُ الإنسان. والإثمُ هُوَ الَّذي يَقودُهُ إلى التَّهلُكَة. وقد قِيلَ عن يَسوعَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 1: 9 إنَّهُ أَحَبَّ البِرَّ وأَبغَضَ الإثْمَ. لِذا فإنَّ غيرَ المُؤمِنينَ تَحتَ الدَّينونةِ لأنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عَن مَزاعِمِهم، وما يَقولونَهُ أو لا يَقولونَهُ، أو حَتَّى لو قالوا "يا رَبّ، يا رَبّ" أو أيَّ شَيءٍ آخر، فإنَّهُم أَثَمَة. فهذهِ هي الصِّفة الَّتي تَتَّسِمُ بها حَياتُهم. فهي تَتَّسِمُ بالتَّعَدِّي الدَّائمِ والمُستمرِّ والمُتواصلِ على نَاموسِ الله.

مِن جِهةٍ أخرى، هُناكَ الأبرارُ الَّذينَ مِنَ الواضحِ أنَّ إطاعَةَ نَاموسِ اللهِ هي النَّمَطُ السَّائدِ في حَياتِهم. ولا شَكَّ في أنَّ رِسالةَ يوحنَّا الأولى تُوَضِّحُ ذلكَ تَمامًا. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 4: "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي".

ولكنَّ العَددَ العاشِرَ يَقول: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ: كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ، وَكَذَا مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ". فالشَّخصُ غيرُ البَارِّ يَفعلُ الإثمَ. هذا هُوَ غيرُ المُؤمِن. ولكِنَّنا نَقرأُ في العددِ السَّابع: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ: مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ".

لِذا، مِن جِهَة، هُناكَ أشخاصٌ تَتَّسِمُ حَياتُهم بمُمارسةِ الإثم. ومِن جِهةٍ أخرى، هُناكَ أشخاصٌ تَتَّسِمُ حَياتُهم بمُمارسةِ البِرّ. وليست هُناكَ شَرِكَة بينَ الاثنين... لا توجد شَرِكَة بينَهُما. فقد حُسِبَ لنا البِرُّ. ولأنَّنا صِرْنا خَليقةً جَديدةً، ونِلنا التَّجديدَ، ووُلِدنا ثانيةً، أُعطينا فِطْرةً جَديدة وطَبيعةً جَديدةً تُحبُّ نَاموسَ اللهِ وتَرغبُ في اتِّباعِ وإطاعةِ ذلكَ النَّاموس، وتُبغِضُ الخَطيَّة.

فَنَحْنُ الأبرارُ، وَهُمُ الأَثَمَة. ولا يُمكنُنا أن نَشترك معًا في خِدمةٍ مُشترَكة. والحَقيقةُ هي أنَّ بولسَ يَقولُ في رسالتِهِ إلى تِيطُس إنَّ الربَّ نَفسَهُ خَلَّصَنا بأنْ أَخَذَ شَعبًا وفَداهُم مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَطَهَّرَهُم لِنَفْسِهِ، وجَعَلَهُم غَيُورينَ للبِرّ.

فَلا يُوجد اتِّفاق. فلا يَجوزُ للأشخاصِ الَّذينَ غُفِرَت خَطاياهُم أن يَشتركوا معَ الأشخاصِ الَّذينَ لم تُغفَر خَطاياهُم. ولا يَجوزُ للأشخاصِ الشَّغوفينَ بالبِرِّ أن يَشتركوا معَ الأشخاصِ الشَّغوفينَ بالإثمِ في أيَّة خِدمة رُوحيَّة مُشترَكة. فهذا لا يُساعِدُ اللهَ في شَيء. وهي ليسَت طَريقةٍ ذَكيَّةً لتَحقيقِ مَقاصِدِه؛ بل هي انتِهاكٌ لكلمتِه.

وهذا يُذَكِّرُنا بما قالَهُ بولسُ في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ شَياطينَ وَفِي مَائِدَةِ الرَّبِّ". لا يُمكنكم أن تَشتركوا في الاثنتين. صَحيحٌ أنَّ هُناكَ نِقاطَ اتِّصال. فأنا لا أُنكِرُ ذلك. ولكن لا تُوجَد شَرِكَة في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ. وبالمُناسبة، إنَّ هذا يَسري أيضًا على الزَّواجِ لأنَّ الزَّواجَ بالنِّسبةِ إلى المُؤمِنِ هُوَ مَشروعٌ رُوحيٌّ جدًّا. فوَفقًا لِما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِس، الزَّواجُ هُوَ صُورةٌ عن عَلاقةِ المسيحِ بكنيستِه.

السُّؤالُ البَلاغِيُّ الثَّاني: "وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟" والآن، لا يَنبغي أن تَكونَ ذَكيًّا جدًّا كي تَفهمَ أنَّ كُلاًّ مِنَ النُّورِ والظُّلمةِ حَصْرِيٌّ. فإن اخترتَ النُّورَ لا يُمكنُكَ أن تَكونَ في الظُّلمة. وإنِ اخترتَ الظُّلمةَ لا يُمكنُكَ أن تَكونَ في النُّور. فهذهِ مُبايَنَة كِتابِيَّة شَائِعَة استَخدمَها يَسوعُ مَرَّاتٍ عَديدة.

وقد استَخدمَها تَحديدًا في إنجيل يوحنَّا في آيةٍ مألوفة لَدينا في الأصحاحِ الثَّامِنِ والعَددِ الثَّاني عشر. فيسوعُ يُمَيِّزُ تَمامًا بينَ النُّورِ والظُّلمةِ إذْ يَقول: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاة". فالنُّورُ يُشيرُ إلى البِرِّ، والظُّلمةُ تُشيرُ إلى الإثْم. وكُلٌّ مِنهُما حَصْرِيٌّ. فَلا يُوجَد شَيءٌ أكثر تَنافُرًا مِنَ النُّورِ والظُّلمة. فوجودُ الواحِدِ يَنفي وُجودَ الآخر.

وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ السَّادسِ والعِشرين، عندما دُعِيَ بولسُ وأُرسِلَ إلى الخِدمة، قِيلَ لهُ إنَّهُ يَنبغي أن يَأتي بالنُّورِ ويَفتحَ عُيونَ الأُمَمِ لِيَرَوْا النُّور. وهو يَتحدَّثُ في الأصحاحِ الخامسِ مِن رسالتِهِ إلى أهلِ أفسُس عن ذلك؛ أي عن مَملكةِ النُّور. ونَقرأُ في رسالة كولوسي والأصحاحِ الأوَّل أنَّنا نُقِلْنا: "مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ" الَّذي هُوَ مَلكوتُ نُور.

وحَتَّى إنَّ بُطرسَ كَتَبَ عن هذا المَلكوتِ البَديعِ؛ أيْ مَلكوتِ النُّورِ إذْ نَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 2: 9 أنَّ اللهَ دَعانا: "مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيب". ونَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى إنَّنا نَسلُكُ في النُّور؛ لا في الظُّلمة. فَلا تُوجَد شَرِكَة بينَ النُّورِ والظُّلمة؛ بل إنَّ كُلاًّ مِنهُما حَصْرِيٌّ. وما أعنيه هو أنَّ هذا الأمرَ واضحٌ. والآن، إنَّ هذين السُّؤالَيْن يَختصَّان بطبيعتِنا. فالمُؤمنونَ أبرار ويَسلُكونَ في النُّور. أمَّا غيرُ المُؤمنينَ فَهُمْ أَثَمَة ويَسلُكونَ في الظُّلمة. فهُناكَ تَنافُرٌ طَبيعيٌّ تامٌّ بينهُما. ونحنُ مُختلفونَ تَمامًا. ولا يُمكن أن تَكونَ هُناكَ عَلاقة وَطيدة مُشتركة بينَ الاثنينِ في نِطاقِ الأمورِ الرُّوحيَّة – البَتَّة.

وأيَّةُ مُحاولة للانضمامِ معًا في طَائفة مُعيَّنة، وأيَّةُ مُحاولة للانضمامِ معًا في جَمعيَّة، وأيَّةُ مُحاولة للانضمامِ معًا في أيَّةِ خِدمة كِرازِيَّة أو خِدمة في الجامِعاتِ، أوِ الحَمْلاتِ التَّبشيريَّة أو أيِّ حَدَثٍ مُشابِه، وأيَّةُ مُحاولة للانضمامِ معًا في إطارٍ دِراسِيٍّ، أو في بيئةٍ تَعليميَّةٍ بِقصدِ تَحقيقِ هَدَفٍ واحدٍ مُشترَك هو أمرٌ سَخيف. وأيَّةُ مُحاولة للشَّركة معًا في الحياةِ الرُّوحيَّةِ معَ غيرِ مُؤمنينَ هي مُحاولةٌ سَخيفة، ومُؤذية، وتُعطي يَقينًا زائفًا لغيرِ المؤمنين.

والآن، إذْ يَنتقلُ بولسُ إلى السُّؤالِ البَلاغِيِّ الثَّالثِ فإنَّهُ يَنتقلُ مِنَ الاختلافِ في طَبيعتِنا (أيْ مِنَ الاختلافِ بينَ البِرِّ والنُّورِ مِن جِهَة، والإثْمِ والظُّلمةِ مِن جِهةٍ أخرى) إلى الفَرقِ في قادَتِنا. وسُؤالُهُ في العدد 15 هُوَ التَّالي: "وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟" والآن، نَنتقلُ إلى فِكرةِ السُّلطانِ الشَّخصيِّ أوِ السَّيِّدِ الشَّخصيِّ لكُلِّ مَملكة. وصَدِّقوني أنَّهُ توجدُ عَداوة مُطلَقَة، وجَوهريَّة، وأزليَّة على أعلى المُستوياتِ بينَ مَملكةِ النُّورِ والبِرِّ ومَملكةِ الظُّلمةِ والإثْم. وهذا هو الفَرقُ بينَ المَسيحِ والشَّيطان. لِذا، لا يُمكِنُ أن يَشتركَ الاثنان في أيِّ مَشروعٍ مُشترَك.

فإن أرادَ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ أن يَفعلَ أيَّ شيءٍ، سيُحاولُ الشَّيطانُ أن يَحُولَ دُونَ حُدوثِه. وأيُّ شَيءٍ يَفعلُهُ الشَّيطانُ سيُقابَلُ بالدَّينونةِ مِن يَسوع. فلا توجد أيَّة شَراكَة أو شَرِكَة أو أعمالٌ مُشترَكة بينَ المسيحِ والشَّيطان. ويجب عليكم أن تَفهموا أنَّ غيرَ المؤمنِ [حَسَبَ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 8: 44] هُوَ ابنٌ لإبليس. أمَّا المُؤمِنُ فهو ابنٌ لله. ولا يُمكنُ أن يَعملَ الاثنان معًا.

لِذا فقد قالَ بولسُ لَهُم: "لا يُمكنُكم أن تَشتركوا في مائدةِ شَياطين ثُمَّ تَأتوا إلى مائدةِ الرَّبّ". فلا يُمكنكم أن تَذهبوا إلى احتفالاتِ وَثنيَّة، وأن تَجلسوا هُناكَ وتَعبدوا وَثَنًا، بل يجب عليكم أن تُدركوا مَعنى الكلماتِ المَذكورةِ في العددِ العِشرين مِن رسالة كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ العاشِر: "بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ فَإِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِينِ، لاَ للهِ. فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِين". لِذا، لا يُمكنكُم أن تَشتركوا في أيِّ شَكلٍ زائفٍ مِنَ الدِّين لأنَّ هذه مُساوَمَة.

فَلا تُوجَد خِلْطَة بينَ النُّورِ والظُّلمة. ولا تُوجَد شَرِكَة بينَ البِرِّ والإثم. ولا يُوجَد اتِّفاق بينَ المسيحِ وبَليعال. وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "اتِّفاق" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "سيمفونيسيس" (sumphnsis) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "سيفمونيَّة". وهي ليست لَفظة مُوسيقيَّة فقط، بل إنَّها تَعني الاتِّفاقَ والانسجام. والكلمة "بليعال" هي كلمة قديمة جدًّا استُخدِمَت للإشارةِ إلى الشَّيطان. وقد تُرْجِمَتْ أحيانًا بإضافةِ حَرفِ "الرَّاء" في النِّهاية عَوِضًا عنِ "اللاَّم" (أيْ: "بَليعار"). وهي كلمة قديمة جدًّا استُخدِمَت في العهدِ القديمِ في عِدَّة مَواضِع بالصِّيغةِ التَّاليةِ في بِضعِ تَرجَمات: "بَنو بَليعال الأدنياء".

وفي فَترةِ ما بينَ العَهْدَيْن، نَجِدُ في مَخطوطاتِ البَحرِ المَيِّت أنَّ اللَّفظةَ "بَليعال" تُستخدَمُ للإشارة إلى الشَّيطانِ الَّذي هُوَ حَقيرٌ جدًّا. وهذا لَقَبٌ يُلائِمُهُ: "الحَقير"؛ على عَكسِ المسيحِ الَّذي هُوَ: "شَريفٌ". ولا يُعقَلُ أن تَكونَ هُناكَ شَرِكَة بينَ شخصٍ شَريفٍ وشَخصٍ حَقيرٍ جدًّا. وهذا اللَّقَبُ يُلائِمُ الشَّيطانَ لا سِيَّما في هذهِ المُبايَنة. وبالمُناسبة، هذهِ هي المرَّةُ الوحيدةُ الَّتي تُستخدمُ فيها هذهِ اللَّفظة في العهدِ الجديد.

فالشَّيطانُ هُوَ أحقرُ كائنٍ في الوُجودِ، وهو سيُطرَحُ في كَوْمَةِ نُفايةِ جَهنَّم. ولا يُعقَلُ البَتَّة أن يكونَ في اتِّفاقٍ معَ المَسيحِ القُدُّوسِ المُرتفعِ في سَماءِ السَّماوات. وغيرُ المُؤمِنينَ هُمْ، للأسفِ الشَّديد، أبناءُ الشَّيطان. وهُم يَسلُكونَ "حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ..." (رسالة أفسُس 2: 2) وَحَسَبَ "الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". فَهُم أَثَمَة، وعُصاة، ويُطيعونَ الشَّيطانَ الَّذي يَسلُكُ في مَلكوتِ الظُّلمة. لِذا، لا يُوجد أيُّ اتِّفاق.

لاحِظوا أيضًا أنَّ الشَّيطانَ يُحاولُ أن يَتَنَكَّر. وأودُّ أن أُذَكِّرَكُم بما جاءَ في رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاحِ الحادي عشر مَرَّةً أخرى. فهو يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ، ويَعملُ مِن خِلالِ الدِّيانةِ الباطلةِ، وخُدَّامُهُ يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. فهو يَرتدي عَباءةً دِينيَّةً ويُحاولُ أن يُرَوِّجَ لِديانَتِه. وهو يَخدَعُ المُؤمِنينَ ويَجعلُهم يُساومونَ معَ تلكَ الدِّياناتِ الباطِلَة. وأنا لا أُبالي بالاسمِ الَّذي يُطلِقُهُ هؤلاءِ على أنفسِهم. فسواءَ كانُوا يُسَمُّونَ أنفسَهُم مُورمون، أو شُهود يَهوه، أو رُوم كاثوليك، أو أيَّة بِدعة أو هَرطقة مِنَ الهَرطقاتِ الكثيرة المُنتشرة، لا يُمكنكم أن تَشتركوا معَ هؤلاءِ الأشخاصِ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ مُشترَك.

أمَّا السُّؤالُ البَلاغِيُّ الرَّابعُ في نِهاية العدد 15 فَيَضُمُّ كُلِّ شَيء: "وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟" بعبارةٍ أخرى: مَا الصِّلَةُ بين الإيمانِ وعَدمِ الإيمان؟ فكُلٌّ مِنهُما حَصْرِيٌّ. فإن كُنتَ تُؤمِنُ بهذا ولا تُؤمِنُ بذاك، لا تُوجَد قاعِدَة مُشترَكَة لأنَّ الإيمانَ بالإنجيلِ وكلمةِ اللهِ هُوَ إيمانٌ مُهيمِنٌ تَمامًا على الحياة. لِذا، لا يُوجدُ أيُّ شيءٍ مُشترك بينَ المؤمنينَ وغيرِ المُؤمِنين. فكُلٌّ مِنهُم لَهُ أفكارٌ حَصريَّة. ولا يُمكِنُ لأيِّ مَشروعٍ رُوحِيٍّ يَسعى إلى النَّجاحِ أن يَسمَحَ بمِثلِ هذهِ الخِلطَة.

ونَقرأُ في سِفْرِ عَاموس 3: 3 نَفسَ القاعدةِ البَديهيَّة: "هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا؟" فمُعتقداتُنا... كُلُّها... وقِيَمُنا، ومَبادِئُنا، ودوافِعُنا نحنُ المُؤمِنينَ مُناقضة تَمامًا لكُلِّ القِيَمِ والمَبادِئِ والمُعتقداتِ والدَّوافعِ المَوجودةِ لدى غيرِ المُؤمِنين. صَحيحٌ أنَّنا قد نَلعبُ معًا، أو نَعملُ معًا، أو نَعيشُ معًا في مُجتمعٍ واحد، أو نَبني معًا، أو نَدرسُ معًا؛ ولكن عندما يَحينُ وقتُ العبادةِ والخِدمةِ وتَعليمِ الحَقِّ الإلهيِّ فإنَّ ذلكَ يَصيرُ أمرًا مُحالاً.

ومِنَ المُحزِنِ أن نُفَكِّرَ في ما يَجري. فالكنائسُ تَعِجُّ بغيرِ المؤمنين. وهذهِ المُحاولةُ تَجري طَوالَ الوقتِ مِن أجلِ إنجاحِ هذهِ الشَّراكَة بينَ المُؤمنينَ وغيرِ المُؤمِنين. ولكنَّهُ شَيءٌ يُبْغِضُهُ اللهُ. وهو شَيءٌ غيرُ فَعَّال. وهو كَارِثِيٌّ. وما زِلتُ أَذكُرُ ما قالَهُ لي رَاعِي إحدى الكنائسِ ذاتَ مَرَّةٍ بعدَ أن أدركَ ما يَحدُثُ في كنيستِه. فقد كانَ نِصفُ أعضاءِ مَجلسِ إدارةِ الكنيسةِ مُخَلَّصينَ ونِصفهُمُ الآخرُ غير مُخَلَّصين. ولا يُمكنُني أن أُفَكِّرَ في شيءٍ أسوأ مِن ذلك.

لِذا، أوَّلاً، لا يُعقَلُ أن نُحاولَ أن نَكونَ تحتَ نِيرٍ معَ غيرِ المُؤمِنين. ويجب أن يكونَ هذا المبدأُ واضحًا لكُلِّ شخصٍ يَظُنُّ أنَّ هذا مُمكن لأنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أن نَمزِجَ هَذينِ النِّطاقَيْنِ معًا. ثانيًا، ونحنُ نَتقدَّمُ خُطوةً أخرى: إنَّ الأمرَ لا يَقتصِرُ فقط على أنَّهُ لا يُعقَلُ أن يَقترِنَ المؤمنونَ بغيرِ المُؤمنين، بل إنَّهُ شَيءٌ مُدَنِّس. فهو شَيءٌ مُدَنِّس. وسوفَ أتحدَّثُ عن هذهِ النُّقطةِ وَحَسْب في هذا الصَّباح، وأتحدَّثُ عنِ النِّقاطِ الأخرى في المَرَّةِ القَادِمَة.

إنَّهُ شَيءٌ مُدَنِّس. انظروا إلى العدد 16. فنحنُ نَجِدُ هُنا السُّؤالَ البَلاغِيَّ الخَامِسَ؛ ولكنَّهُ يُوضِّحُ هذهِ النُّقطةَ الثَّانية: "وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا". فالمسألةُ هُنا هي مَسألةُ تَدنيس. فكُلُّ ديانةٍ باطِلةٍ هي عِبادةُ شَيطان.

اسمعوني. لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ الوَثَنَ لا شَيء. فيُمكِنُكَ أن تَنْحَتَ صَنَمًا مِن خَشَب، ويُمكِنُكَ أن تَنحَتَ صَنَمًا مِن حَجَر. ويُمكِنُكَ أن تَصنعَ صَنَمًا مِن فِضَّة أو مِن ذَهَب. ويُمكنِكُ أن تَفعلَ أيَّ شَيءٍ تُريد كأنَ تَرسُمَ وَثَنًا على جِدار. ويُمكِنُكَ أن تَصنعَ واحدًا مِن رُخامٍ أو أيَّةِ مادَّةٍ أخرى. ولكن عندما تَنتهي مِنهُ سيكونُ لا شَيء.

ولكنَّ الدِّيانةَ والأيديولوجيَّة الَّتي تَكْمُنُ وَراءَهُ هي تَعليمُ شَياطين. فهي أكاذيب مَصدَرُها جَهَنَّم. وهي عَقيدةُ شَياطين مَنبَعُها الأرواحُ المُضِلَّة. لِذا فإنَّ ما يَحدُثُ هو أنَّ الشَّياطينَ تأخُذُ شَكلَ صَنَم. والنَّاسُ يَعبُدونَ شَيطانًا في هَيئةِ صَنم دُونَ أن يَعلَموا ذلك. ولكنَّ الشَّيطانَ هو الَّذي اختَرَعَ الدِّياناتِ، وهو الَّذي يُنشِئُ عَلاقةً معَ المُتَعَبِّد. فهي شَرِكَة شَياطين. وعندما تَتقدَّمُ إلى المائدةِ فإنَّكَ تَتقدَّمُ إلى مَائدةِ شَياطين. وعندما تَعبُدُ صَنَمًا فإنَّكَ تَعبُدُ شَيطانًا. فكُلُّ آلِهَةِ الأُمَمِ هي شَياطين (كما يَقولُ العهدُ القديمُ) لأنَّ الشَّياطينَ تأخُذُ هَيئةَ أصنامٍ يَصنَعُها النَّاسُ بِإيْعازٍ مِنها.

لِذا، "أَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟" الجَواب: لا توجد مُوافَقة البَتَّة - البَتَّة. فلا يُمكنكَ أن تَخلطَ بينَ عِبادةِ الشَّيطانِ وعبادةِ الله. فَهاتانِ العِبادَتانِ لا تَندمجانِ معًا. فالمسيحيَّةُ هي انفصالٌ تامٌّ وكاملٌ عن كُلِّ أشكالِ الوثنيَّة. ولا يُمكِنُ التَّوفيقُ بينَ الاثنتين. وهذه مسألة مُهمَّة جدًّا جدًّا. افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّس قليلاً. وقد لا نَتجاوَز هذهِ النُّقطة، ولكنِّي أريدُ أن أُوَجِّهَ أنظارَكُم إلى سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والأصحاح 21. ثُمَّ إنَّنا سنَتأمَّلُ في مَقطعٍ أو مَقطَعَيْنِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ لتوضيحِ هذهِ النُّقطة.

سِفْر المُلوك الثَّاني 21: 1: "كَانَ مَنَسَّى ابْنَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، وَمَلَكَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ، وَاسْمُ أُمِّهِ حَفْصِيبَةُ. وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ حَسَبَ رَجَاسَاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيل". ولكن مَا الَّذي فَعَلَهُ؟ وما هي رَجاساتُ الأُمَمِ الَّتي كانت في الأرض؟ عِبادةُ الأوثان. وماذا فَعَلَ؟ لقد أَعادَ كُلَّ عِبادةِ الأوثان. فقد أعادَ كُلَّ الرَّجَاساتِ الَّتي نَهى اللهُ عَنها.

"وَعَادَ فَبَنَى الْمُرْتَفَعَاتِ الَّتِي أَبَادَهَا حَزَقِيَّا أَبُوهُ، وَأَقَامَ مَذَابحَ لِلْبَعْلِ، وَعَمِلَ سَارِيَةً [أيْ أنَّهُ عَمِلَ نَصْبًا تَذكاريًّا لإحدى المَعبودات] كَمَا عَمِلَ أَخْآبُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ، وَسَجَدَ لِكُلِّ جُنْدِ السَّمَاءِ [فقد سَجَدَ للنُّجومِ والآلهةِ الَّتي كانَ يَظُنُّ أنَّها في النُّجوم] وَعَبَدَهَا. وَبَنَى مَذَابحَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ الَّذِي قَالَ الرَّبُّ عَنْهُ: «فِي أُورُشَلِيمَ أَضَعُ اسْمِي»". هل يُمكنُكم أن تَتخيَّلوا ذلك؟ فقد بَنى مَذابِحَ في الهَيكل. لقد بَنى مَذابِحَ لآلِهَةٍ باطِلةٍ في الهيكلِ في أورُشَليم؛ أيْ في المَكانِ الَّذي قالَ الرَّبُّ عنهُ: "فِي أُورُشَلِيمَ أَضَعُ اسْمِي".

"وَبَنَى مَذَابحَ [في العددِ الخامِوس] لِكُلِّ جُنْدِ السَّمَاءِ فِي دَارَيْ بَيْتِ الرَّبِّ. فقد بَنَى في وَسْطِ بيتِ الرَّبِّ مَذابِحَ لآلهة باطِلَة. "وَعَبَّرَ ابْنَهُ فِي النَّارِ". فقد كانت عِبادَةُ "مُولَك" تَتطلَّبُ تَقديمَ الأطفالِ مُحرَقَةً. وقد فَعلَ ذلك. "وَعَافَ وَتَفَاءَلَ وَاسْتَخْدَمَ جَانًّا وَتَوَابعَ، وَأَكْثَرَ عَمَلَ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ لإِغَاظَتِهِ".

وَوَضَعَ تِمْثَالَ السَّارِيَةِ الَّتِي عَمِلَ، فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَالَ الرَّبُّ عَنْهُ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ابْنِهِ: «فِي هذَا الْبَيْتِ وَفِي أُورُشَلِيمَ، الَّتِي اخْتَرْتُ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ، أَضَعُ اسْمِي إِلَى الأَبَد". فقد وَضَعَ تِمثالَ السَّاريةِ في الهيكل. لقد وَضَعَ أصنامًا في الهيكل. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ التَّاسع: "...بَلْ أَضَلَّهُمْ مَنَسَّى لِيَعْمَلُوا مَا هُوَ أَقْبَحُ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيل". هل تَعلمونَ شَيئًا؟ لقد كانوا عَبَدَةَ أوثانٍ أسوأ مِنَ الأُمَمِ الَّتي أهلَكَها الرَّبُّ.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ العاشِر: "وَتَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ يَدِ عَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ قَائِلاً: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَنَسَّى مَلِكَ يَهُوذَا قَدْ عَمِلَ هذِهِ الأَرْجَاسَ، وَأَسَاءَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِي عَمِلَهُ الأَمُورِيُّونَ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَجَعَلَ أَيْضًا يَهُوذَا يُخْطِئُ بِأَصْنَامِهِ، لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: هأَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى أُورُشَلِيمَ وَيَهُوذَا حَتَّى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُ بِهِ تَطِنُّ أُذُنَاهُ. وَأَمُدُّ عَلَى أُورُشَلِيمَ خَيْطَ السَّامِرَةِ وَمِطْمَارَ بَيْتِ أَخْآبَ". أيْ أنَّهُ سَيَهْدِمُها.

"وَأَمْسَحُ أُورُشَلِيمَ كَمَا يَمْسَحُ وَاحِدٌ الصَّحْنَ. يَمْسَحُهُ وَيَقْلِبُهُ عَلَى وَجْهِهِ. وَأَرْفُضُ بَقِيَّةَ مِيرَاثِي، وَأَدْفَعُهُمْ إِلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِمْ، فَيَكُونُونَ غَنِيمَةً وَنَهْبًا لِجَمِيعِ أَعْدَائِهِمْ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، وَصَارُوا يُغِيظُونَنِي مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ خَرَجَ آبَاؤُهُمْ مِنْ مِصْرَ إِلَى هذَا الْيَوْم".

هُناكَ شَيءٌ واحدٌ لا يَحْتَمِلُهُ الرَّبُّ وهو هذا: وُجودُ أصنامٍ في هَيكلِه. وُجودُ أصنامٍ في هَيكلِه. فهذهِ أكبرُ إساءة، وأكبرُ إهانة، وأكبرُ تَجديفٍ على الله. فلا يَجوزُ أن تَضَعَ صَنَمًا في هَيكلِ اللهِ، ولا يَجوزُ أن تَأتي باللهِ إلى هَيكلٍ وَثنيٍّ. لِذا، لا يُمكِنُكُم، يا مُؤمِني كورنثوس، أن تَذهبوا إلى الاحتفالاتِ الوَثنيَّة. ولا يُمكِنُكُم أن تُحضِروا أنفُسَكُم، لا سِيَّما أنَّكُم هَيكلُ اللهِ، إلى مَعبدٍ وَثنيٍّ، ولا أن تُحضِروا صَنَمًا إلى هَيكلِ الله.

وسوفَ نَرى مِثالاً إيضاحيًّا آخر. وهو بِحَقٍّ مِثالٌ إيضاحيٌّ رائعٌ وعميقٌ جدًّا. سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح الرَّابع... صموئيل الأوَّل والأصحاح الرَّابع. فقد كانَ بنو إسرائيلَ في حَرْبٍ معَ الفِلِسطينيِّين. ونَقرأُ في العددِ الثَّاني: "وَاصْطَفَّ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِلِقَاءِ إِسْرَائِيلَ، وَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ فَانْكَسَرَ إِسْرَائِيلُ أَمَامَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَضَرَبُوا مِنَ الصَّفِّ فِي الْحَقْلِ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلاَفِ رَجُل". فقدِ انتصرَ الفِلِسطينيُّون. والكلمة "فِلِسطينيُّونَ" هي الاسمُ الَّذي كانَ يُطلَقُ على الشَّعبِ القَديمِ الَّذي كَانَ يَسكُنُ أرضِ فِلِسطين. فقد كانوا الشَّعبَ الَّذي يَسكُنُ هُناكَ عندما جاءَ بنو إسرائيل إليها. وكانَ الفِلِسطينيُّونَ شَعبًا وَثنيًّا يَعبُدُ الأصنام. وقد خَاضَ الطَّرَفانِ مَعارِكَ عَديدة. وهذه مَعركة خَسِرَها بَنو إسرائيل. وقد قَتَلَ الفِلِسطينيُّوَنَ نَحوَ أربعةِ آلافِ رَجُلٍ مِنهُم في أرضِ المَعركة.

ونَقرأُ في العَددِ الثَّالثِ عن رَدِّ فِعلِهم: "فَجَاءَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَحَلَّةِ. وَقَالَ شُيُوخُ إِسْرَائِيلَ: «لِمَاذَا كَسَّرَنَا الْيَوْمَ الرَّبُّ أَمَامَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ؟" نَحنُ لا نَفهمُ هذا! لقد كُنَّا نَظُنُّ أنَّنا شَعبُ الوَعد! وكُنَّا نَظُنُّ أنَّ الأرضَ لَنا! لماذا هُزِمْنا؟ مِنَ الواضحِ أنَّهُم كانوا يُخطِئون. لِذا فقد قَرَّروا أن يُصْلِحُوا مُشكلتَهُم بسهولة شَديدة: "لِنَأْخُذْ لأَنْفُسِنَا مِنْ شِيلُوهَ تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ فَيَدْخُلَ فِي وَسَطِنَا وَيُخَلِّصَنَا مِنْ يَدِ أَعْدَائِنَا".

فقد كانت خُطَّتُهم كالتَّالي: كانَ هُناكَ تَابوتُ عَهْدِ الرَّبِّ؛ وَهُوَ ذلكَ الصُّندوقُ الصَّغيرُ الَّذي يُحْمَلُ بِعَصَوَيْنِ مِنْ خَشَب، ويُوجَد عليهِ كَروبٌ على الطَّرَفِ مِن هُنا وكَروبٌ على الطَّرَفِ مِن هُناكَ يُواجِهُ الواحِدُ الآخر. وكانَ تَابوتُ العَهدِ يَرمِزُ إلى حُضورِ الله. وكانَ ينبغي أن يَكونَ في قُدْسِ الأقداس. وكانَ حُضورُ اللهِ يَحِلُّ بينَ أجنحةِ الكَرُوبَيْنِ رَمْزًا لحُضورِ اللهِ في وَسْطِ شَعبِه. وكانَ هذا التَّابوتُ أقدسَ شَيءٍ لَديهم لأنَّهُ يَرمِزُ إلى حُضورِ الله. لِذا فقد قالوا: "إنَّ السَّببَ في مُشكلتِنا وهَزيمتِنا هو أنَّ اللهَ ليسَ حَاضِرًا هُنا. لِذا، اذهبوا وأحضِروا اللهَ".

فقد عَجِزوا عَنْ فَهْمِ حُضورِ اللهِ في كُلِّ مَكان، وجَعلوا دِيانَتَهُم شَعوذةً. لِذا فقد اجتمعتْ لجنةٌ ووَضعت خُطَّةً. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الرَّابع: "فَأَرْسَلَ الشَّعْبُ إِلَى شِيلُوهَ وَحَمَلُوا مِنْ هُنَاكَ تَابُوتَ عَهْدِ رَبِّ الْجُنُودِ الْجَالِسِ عَلَى الْكَرُوبِيمِ. وَكَانَ هُنَاكَ ابْنَا عَالِي حُفْنِي وَفِينَحَاسُ..." [فقد كانَ عَالي هُوَ رَئيسُ الكَهَنة] "...مَعَ تَابُوتِ عَهْدِ اللهِ". لِذا فقد أحضروا تَابوتَ العَهدِ معَ ابْنَيِّ رَئيس الكَهَنة. إذًا، لقد أَحضَروا التَّابوتَ فتَحَمَّسَ الشَّعبُ جدًّا.

ونَقرأُ في العَددِ الخامِس: "وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلَى الْمَحَلَّةِ أَنَّ جَمِيعَ إِسْرَائِيلَ هَتَفُوا هُتَافًا عَظِيمًا حَتَّى ارْتَجَّتِ الأَرْضُ". فقد هَتَفوا هُتافًا عَظيمًا وصَرَخُوا بصَوتٍ عالٍ جدًّا عندما تَمَّ إحضارُ التَّابوتِ إلى المَحَلَّة لأنَّ الجَميعَ قَالوا: "اللهُ هُنا... اللهُ هُنا. سوفَ نَنتصِر. سوفَ نَنتصِر. لا يُمكِنُ أن نُهزَم".

العَدد 6: "فَسَمِعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ صَوْتَ الْهُتَافِ فَقَالُوا: «مَا هُوَ صَوْتُ هذَا الْهُتَافِ الْعَظِيمِ فِي مَحَلَّةِ الْعِبْرَانِيِّينَ؟»". فَلا شَكَّ في أنَّ أوَّلَ رَدِّ فِعلٍ لَهُم كانَ كالتَّالي: "كيفَ يَهتِفونَ وقد خَسِروا أربعةَ آلافِ رَجُل؟ لماذا هُم مُتَحَمِّسون؟" "وَعَلِمُوا [رُبَّما مِن خِلالِ جَواسيسٍ أرسَلوهُم] أَنَّ تَابُوتَ الرَّبِّ جَاءَ إِلَى الْمَحَلَّة".

"فَخَافَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «قَدْ جَاءَ اللهُ إِلَى الْمَحَلَّةِ». وَقَالُوا: «وَيْلٌ لَنَا لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هذَا مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ مَا قَبْلَهُ! وَيْلٌ لَنَا!" ولكِن لماذا قالوا ذلك؟ لأنَّهُم كانوا قد سَمِعوا عن إلَهِ إسرائيل. "مَنْ يُنْقِذُنَا مِنْ يَدِ هؤُلاَءِ الآلِهَةِ الْقَادِرِينَ؟ هؤُلاَءِ هُمُ الآلِهَةُ الَّذِينَ ضَرَبُوا مِصْرَ بِجَمِيعِ الضَّرَبَاتِ فِي الْبَرِّيَّة".

اسمَعوني: لقد انتشرَ الخَبَر. فقد كانوا ما زَالوا يُعَبِّرونَ عن إيمانِهِم بوجودِ آلِهَة مُتَعَدِّدة مِن خِلالِ مَا قَالوهُ عنِ اللهِ بِصيغةِ الجَمْع؛ ولكنَّهُم كانوا خَائفينَ لأنَّهُم سَمِعوا ما حَدَثَ في مِصْر. ولا شَكَّ في أنَّهُم ظَنُّوا أنَّ ذلكَ الإلهَ يُشبِهُ آلِهَتَهُم إذْ إنَّهُ مَحصورٌ في الشَّكلِ الَّذي صَنَعوهُ عليه. وطَالَما أنَّهُ ليسَ حَاضِرًا هُنا فإنَّهُم في مَأمَن. ولكن عندما سَمِعوا عَن إحضارِ التَّابوتِ شَعروا أنَّهُم في وَرطةٍ عَويصَة. وهكذا، كانَتِ الأفكارُ المَغلوطةُ مُنتشرة عندِ كِلا الفَريقَيْن.

وحينئذٍ، حَانَ الوقتُ لخِطابٍ حَماسِيٍّ مِنَ القائِد. فما الَّذي سَيفعلُه؟ لقد فَعَلَ ما يَفعلُهُ أيُّ قائدٍ عَسكريٍّ إذْ إنَّهُ ألقى خِطابًا إذْ نَقرأُ في العَددِ التَّاسع: "تَشَدَّدُوا وَكُونُوا رِجَالاً أَيُّهَا الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِئَلاَّ تُسْتَعْبَدُوا لِلْعِبْرَانِيِّينَ كَمَا اسْتُعْبِدُوا هُمْ لَكُمْ. فَكُونُوا رِجَالاً وَحَارِبُوا". هَاجِموهُم أيُّها الرِّجال. لا تَخافوا مِن ذلكَ الصُّندوق. اذهَبوا وَحارِبوهُم.

"فَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ". فقد كانَ قَائِدًا مُقْنِعًا في اعتقادي. ثُمَّ انظروا مَا حَدَث. فَما الَّذي حَدَثَ لِبَني إسرائيل؟ لقد هُزِموا. ماذا؟ كيفَ حَدَثَ هذا في حين أنَّ اللهَ لَدينا؟ فنحنُ لَدينا التَّابوت! "وَهَرَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَيْمَتِهِ. وَكَانَتِ الضَّرْبَةُ عَظِيمَةً جِدًّا، وَسَقَطَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ثَلاَثُونَ أَلْفَ رَاجِل". إنَّ ثَلاثينَ ألفًا مِنَ القَتلى هُوَ عَدَدٌ كَبيرٌ جدًّا. ولكنَّ هذا لم يَكُن أسوأ ما حَدَث، بلِ اسمَعوا ما حَدَثَ في العَدد 11: "وَأُخِذَ تَابُوتُ اللهِ". فالأمرُ لم يَقتصِر على أنَّهُم قَتَلوا ثَلاثينَ ألفًا. وإن أَضَفْنا إلى ذلكَ العَدَد أولئكَ الَّذينَ مَاتوا سابقًا وعَدَدُهُم أربعةُ آلافٍ فإنَّ مَجموعَ القَتلى هُوَ أربعةٌ وثلاثونَ ألفًا مِنَ الجُنودِ المُشاةِ. ورُبَّما ماتَ آخرونَ أيضًا. ولكنَّ الفِلِسطينيِّينَ أخذوا تَابوتَ العَهْدِ أيضًا.

وما زادَ الطِّينَ بِلَّةً هُوَ أنَّ ابْنَا عَالِي حُفْنِي وَفِينَحَاسُ مَاتَا. ورُبَّما نَظَرَ أُناسٌ مِن بَني إسرائيلَ نَظرةً مُختلفةً إلى هذا الأمرِ وقالوا: لقد مَاتا لأنَّهُما كانا خَاطِئَيْنِ". لِذا فقد مَاتَ ابنا رَئيسِ الكَهنة واختَفى اللهُ أيضًا. فقد أَخَذَهُ الفِلِسطينيُّون. وقد تَقول: "إنَّ هذهِ وَرطة حَقيقيَّة لبني إسرائيل!" لا، بل إنَّ بَني إسرائيلَ كانوا في وَرطةٍ مِن قَبل. ولكنَّ هذهِ وَرطة للفِلسطينيِّين. فقد صَارَ اللهُ بينَ أيديهِم.

والآن، لِنَنظُر ماذا فَعَلوا. انظروا إلى الأصحاحِ الخامِس. فماذا فَعلوا في اعتقادِكُم؟ حيثُ إنَّهُم كانوا يُشْرِكونَ باللهِ ويُؤمِنونَ بآلهةٍ عَديدة، فقد فَعَلوا ما تَتوقَّعونَهُ مِنهُم. "فَأَخَذَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ تَابُوتَ اللهِ وَأتَوْا بِهِ مِنْ حَجَرِ الْمَعُونَةِ إِلَى أَشْدُودَ"؛ أيْ إلى مَدينةٍ مِن مُدُنِهم. ونَجِدُ هُنا ذِكْرًا للعَديدِ مِن مُدُنِهم على سَاحِلِ فِلِسطين.

"وَأَخَذَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ تَابُوتَ اللهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ دَاجُونَ، وَأَقَامُوهُ بِقُرْبِ دَاجُونَ". وما هُوَ بَيت دَاجون؟ إنَّهُ هَيكلٌ لإلَهِهِم الرَّئيسيّ. فقد كانَ إلَهُهُم الرَّئيسيُّ هُوَ دَاجون. ولا غَرابَةَ في أنَّ هذا الإلَهَ كانَ إلهَهُم لأنَّهُم كانوا يَعيشونَ بالقُربِ مِنَ السَّاحِل. ولا شَكَّ في أنَّهُم كانوا يَعبُدونَهُ ظَنًّا مِنهُم أنَّهُ يُوفِّرُ لَهُم صَيدًا وَفيرًا مِنَ الأسماكِ، ويُهَدِّئُ البَحرَ الهَائِج، ومَا إلى ذلك.

لِذا فقد قالوا: "انظروا ما سيحدثُ الآن. نحنُ لدينا دَاجُون. وقد حَصَلنا على هذا الإلهِ القَويِّ الَّذي أهلَكَ جَيشَ المِصريِّين. وهذا يَعني أنَّنا صِرنا جَيشًا لا يُهزَم بكُلِّ تأكيد". لِذا فقد أخذوا تَابوتَ الرَّبِّ ووَضعوهُ في بيتِ دَاجُون لأنَّهُ مِنَ البَديهيِّ أنَّهُ لم يَكُن لديهم مَكانٌ لتابوتِ الرَّبِّ. ولَعَلَّهُم تَباحَثوا في صِحَّةِ القيامِ بذلكَ مِن وُجهةِ نَظرِهم.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "وَبَكَّرَ الأَشْدُودِيُّونَ فِي الْغَدِ..." ولا شَكَّ في أنَّهُم نَهَضوا وَجاءوا إلى الإلهِ دَاجُون كي يَشكُروهُ على انتِصارِهم العَظيم. وعندما جَاءوا "...وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ". يا للعَجَب! ما الَّذي حَدَث؟

فقد جَاءوا فَجأةً إلى هناكَ فوجدوا دَاجُون ساقِطٌ على وَجهِهِ أمامَ تابوتِ الرَّبّ. ولا شَكَّ في أنَّهُم ظَنُّوا أنَّ زَلزلةً مَحليَّةً حَدَثَت أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. وكانَ هذا الإلهُ مَصنوعًا على الأرجَح مِن حَجَر. وقد سَقَطَ عن قاعِدَتِه أمامَ تَابوتِ الرَّبّ. "فَأَخَذُوا دَاجُونَ وَأَقَامُوهُ فِي مَكَانِهِ". فقد أخذوهُ وأقاموهُ في مَكانِه.

"وَبَكَّرُوا صَبَاحًا [في العددِ الرَّابع] فِي الْغَدِ وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ وَرَأْسُ دَاجُونَ وَيَدَاهُ مَقْطُوعَةٌ عَلَى الْعَتَبَةِ. بَقِيَ بَدَنُ السَّمَكَةِ فَقَطْ". فقد قُطِعَ رأسُهُ، وقُطِعَت يَداهُ. ولم يَبْقَ سِوى بَدَنُ التِّمثالِ؛ في حين أنَّ رأسَهُ ويَداهُ مَقطوعَة على العَتَبَة. وقد فَهِموا الرِّسالة: "لا تُقيموا ذلكَ التِّمثالَ مَرَّةً أخرى".

فَلا يُمكنكم أن تُحضِروا أَصنامًا إلى بيتِ اللهِ. ولا يُمكنكم أن تُحضِروا اللهَ إلى هَيكلٍ وَثنيٍّ. هل تَفهمونَ ذلك؟ فهذا مَبدأٌ مُوَضَّحٌ هُنا. وبالمُناسبة، لقد "ثَقُلَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَى الأَشْدُودِيِّينَ". فقد هَدَمَ اللهُ تِمثالَ دَاجُون، وعَاقَبَهُم على تَجديفِهم، وأَخْرَبَهُم.

ما مَعنى ذلك؟ لقد أرسلَ اللهُ وَبَأَ الجُرذانِ إذْ إنَّ الجُرذانَ جَلَبَت شَيئًا يُشبِهُ الطَّاعونَ القاتِل، أوِ المَوتَ الأسود، أوِ الوَبأَ الأسود. وقد مَاتَ الآلافُ والآلافُ مِنهُم بسببِ هذا الطَّاعون. والأشخاصُ الَّذينَ لم يَموتوا أُصيبوا بأورام. ولم يَمْضِ وَقتٌ طَويلٌ حَتَّى أدركَ الأشدوديُّونَ أنَّهُ يَنبغي لهم أن يَتخلَّصوا مِن هذا التَّابوت. لِذا فقد عَقدوا اجتماعًا في العددِ الثَّامنِ وقالوا: "ماذا نَفعَل؟"

ثُمَّ قَالوا: "لِيُنْقَلْ تَابُوتُ إِلهِ إِسْرَائِيلَ إِلَى جَتَّ". وَهُم لم يَفعلوا ذلكَ حُبًّا بهؤلاءِ النَّاس. ولكنَّ جَتّ كانت مَدينةً فِلسطينيَّةً أخرى أَنْجَبَتْ رَجُلاً ضَخمًا يُدعى "جُليات". لِذا فقد أرسَلوا التَّابوتَ إلى جَتّ. وعندما أخذوهُ إلى هُناك، نَقرأُ في العددِ التَّاسعِ أنَّ "يَدَ الرَّبِّ كَانَتْ عَلَى الْمَدِينَةِ بِاضْطِرَابٍ عَظِيمٍ جِدًّا، وَضَرَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، وَنَفَرَتْ لَهُمُ الْبَوَاسِيرُ".

ثُمَّ إنَّهُم أرسَلوا التَّابوتَ إلى عَقرون (وهي مَدينةٌ أخرى مِن مُدُنِهم) وَكَانَ لَمَّا دَخَلَ تَابُوتُ اللهِ إِلَى عَقْرُونَ أَنَّهُ صَرَخَ الْعَقْرُونِيُّونَ قَائِلِينَ: «قَدْ نَقَلُوا إِلَيْنَا تَابُوتَ إِلهِ إِسْرَائِيلَ لِكَيْ يُمِيتُونَا نَحْنُ وَشَعْبَنَا»". ثُمَّ إنَّهُم اجتمَعوا مَرَّةً أخرى وقَالوا: "ماذا نَفعل؟" وقد قَرَّروا قَائِلين: "أَرْسِلُوا تَابُوتَ إِلهِ إِسْرَائِيلَ فَيَرْجعَ إِلَى مَكَانِهِ [في العَدد 11] وَلاَ يُمِيتَنَا نَحْنُ وَشَعْبَنَا. لأَنَّ اضْطِرَابَ الْمَوْتِ كَانَ فِي كُلِّ الْمَدِينَة".

"يَدُ اللهِ كَانَتْ ثَقِيلَةً جِدًّا هُنَاكَ. وَالنَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا [بالطَّاعونِ الَّذي جَلَبَتْهُ الجُرذانُ كما هُوَ مُوَضَّحٌ في الأصحاحِ السَّادسِ] ضُرِبُوا بِالْبَوَاسِيرِ، فَصَعِدَ صُرَاخُ الْمَدِينَةِ إِلَى السَّمَاء". فقد انتشرَ المَوتُ والطَّاعونُ والمَرضُ والأورامُ في كُلِّ أرجاءِ المَكان لأنَّ اللهَ لا يَقبَلُ أن يأتي إلى هَيكلٍ وَثنيٍّ. هل فَهِمتُم الصُّورة؟

فقد كانتِ الهياكِلُ اليونانيَّةُ والرُّومانيَّةُ مُمتلئة بالكثيرِ مِنَ الآلهةِ أوِ الأصنام. وكانت إضافةُ أصنامٍ أخرى تَقليدًا شَائِعًا في الدِّياناتِ الَّتي تُؤمِنُ بآلهةٍ مُتعدِّدة. ولكنَّ هذا الأمرَ غيرُ مَقبولٍ عندَ الله. وَهُوَ غيرُ مُمكنٍ في المسيحيَّة. وأودُّ أن أُريكُم نَصًّا آخرَ مِنَ العهدِ القديمِ وَهُوَ مِن سِفْر حِزْقيال والأصحاحِ الثَّامن. وهذا نَصٌّ مُهمٌّ جدًّا لأنَّهُ يُبيِّنُ مَوقفَ اللهِ مِنْ تَدنيسِ هَيكلِ اللهِ بالأوثان.

فنحنُ نَقرأُ في سِفْر حِزْقيال 8: 3: "وَمَدَّ شِبْهَ يَدٍ وَأَخَذَنِي بِنَاصِيَةِ رَأسِي [حَسَبَ قَوْلِ حِزْقيال]، وَرَفَعَنِي رُوحٌ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَتَى بِي فِي رُؤَى اللهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ". فقد نَشَلَهُ اللهُ مِنَ الأرضِ، ورَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وأعطاهُ رُؤيا. وكانت هذه الرُّؤيا تَختصُّ بأورُشَليمَ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ الدَّاخِلِيِّ الْمُتَّجِهِ نَحْوَ الشِّمَالِ [مِنَ الهَيكل]، حَيْثُ مَجْلِسُ تِمْثَالِ الْغَيْرَةِ، الْمُهَيِّجِ الْغَيْرَة".

فقد أَخَذَهُ اللهُ إلى السَّماءِ، وأعطاهُ رُؤيا، وأراهُ أنَّ هُناكَ تِمثالاً قد وُضِعَ في سَاحةِ الهيكل. ونَقرأُ في العددِ الرَّابع: "وَإِذَا مَجْدُ إِلهِ إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ". لِذا فقد كانَ يُوجدُ إلى جانبِ مَجدِ اللهِ تِمثالٌ. "ثُمَّ قَالَ لِي [في العَددِ الخامِس]: «يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ عَيْنَيْكَ نَحْوَ طَرِيقِ الشِّمَالِ». فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ نَحْوَ طَرِيقِ الشِّمَالِ، وَإِذَا مِنْ شِمَالِيِّ بَابِ الْمَذْبَحِ تِمْثَالُ الْغَيْرَةِ هذَا فِي الْمَدْخَلِ. وَقَالَ لِي: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ مَا هُمْ عَامِلُونَ؟ الرَّجَاسَاتِ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَيْتُ إِسْرَائِيلَ عَامِلُهَا هُنَا لإِبْعَادِي عَنْ مَقْدِسِي". يجبُ عليَّ أن أُغادِرَ لأنَّهُم جَلَبوا صَنَمًا. "وَبَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ".

وفي العَددِ السَّابع: "ثُمَّ جَاءَ بِي إِلَى بَابِ الدَّارِ، فَنَظَرْتُ وَإِذَا ثَقْبٌ فِي الْحَائِطِ. ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، انْقُبْ فِي الْحَائِطِ». فَنَقَبْتُ فِي الْحَائِطِ، فَإِذَا بَابٌ. وَقَالَ لِي: «ادْخُلْ وَانْظُرِ الرَّجَاسَاتِ الشِّرِّيرَةَ الَّتِي هُمْ عَامِلُوهَا هُنَا». فَدَخَلْتُ وَنَظَرْتُ وَإِذَا كُلُّ شَكْلِ دَبَّابَاتٍ وَحَيَوَانٍ نَجِسٍ، وَكُلُّ أَصْنَامٍ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، مَرْسُومَةٌ عَلَى الْحَائِطِ عَلَى دَائِرِهِ". فقد نَحَتوا ورَسَموا أصنامًا على كُلِّ جُدرانِ الهيكَل.

"وَوَاقِفٌ قُدَّامَهَا سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ شُيُوخِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، وَيَازَنْيَا بْنُ شَافَانَ قَائِمٌ فِي وَسْطِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِجْمَرَتُهُ فِي يَدِهِ، وَعِطْرُ عَنَانِ الْبَخُورِ صَاعِدٌ". ونحنُ نَرى هُنا كَهَنَةً مِن غيرِ اللاَّوِيِّينَ يَقومونَ بأعمالٍ كَهَنوتيَّة. وَهُم كَهَنة زائِفونَ يَنتمونَ إلى دِيانةٍ باطلةٍ تَعبُدُ آلهةً باطلةً نُحِتَت في جَميعِ أرجاءِ الهيكَل.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "ثُمَّ قَالَ لِي: أَرَأَيْتَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا تَفْعَلُهُ شُيُوخُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فِي الظَّلاَمِ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَخَادِعِ تَصَاوِيرِهِ؟ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الرَّبُّ لاَ يَرَانَا! الرَّبُّ قَدْ تَرَكَ الأَرْضَ! وَقَالَ لِي: بَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ هُمْ عَامِلُوهَا. فَجَاءَ بِي إِلَى مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَإِذَا هُنَاكَ نِسْوَةٌ جَالِسَاتٌ يَبْكِينَ عَلَى تَمُّوزَ". وقد كانت هذهِ هي عِبادةُ البَعل.

"بَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ مِنْ هذِهِ" [في العَدد 15]. وفي العَدد 16، ما الَّذي يَراهُ؟ "نَحْوُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً ظُهُورُهُمْ نَحْوَ هَيْكَلِ الرَّبِّ وَوُجُوهُهُمْ نَحْوَ الشَّرْقِ، وَهُمْ سَاجِدُونَ لِلشَّمْسِ نَحْوَ الشَّرْقِ". وهذا طَقْسٌ مِن طُقوسِ العِبادةِ عندَ المِصريَّينَ القُدَماء. فقد كانوا يَعمَلونَ الرَّجاسات.

ونَقرأُ في العَددِ الثَّامن عشر: "فَأَنَا أَيْضًا أُعَامِلُ بِالْغَضَبِ". وقد فَعلَ ذلكَ وأهلَكَهُم جميعًا وهَدَمَ الهَيكل. فَلا تُوجَد أَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَان. هذا هو المَعنى المَقصود. فَمِنَ المُستحيلِ أن تُوَفِّقَ بينَ الاثنين. فالأمرُ أكبر مِن ذلك. فهو أمرٌ عَقلانِيٌّ. وهو أكبرُ مِن ذلك. هو تَدنيسٌ. ومِنَ التَّجديفِ أن تُحاولَ أن تَفعلَ ذلك.

اسمعوني: إنَّ الوثنيِّينَ لا يُمانِعونَ في الانضمامِ إلى المسيحيِّينَ في أيِّ نَشاطٍ دِينيٍّ. فَهُم يُحبُّونَ ذلك. ولكن لا يَجوزُ لنا أن نَسمحَ بذلك. لا يَجوزُ لنا أن نَسمحَ بذلك. فلا يَجوزُ لنا أن نَنضَمَّ إلى غيرِ المؤمنينَ في العبادةِ، أوِ الخِدمةِ، أو أيِّ مَشروعٍ يَختصُّ باللهِ، ولا أن نَدعوهُم إلى الانضمامِ إلى مَشروعِنا. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّ ذلكَ يُدَنِّسُ الخِدمة. فَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَان؟ لا يُمكِنُكَ أن تَأتي بأوثانٍ إلى هَيكلِ الله. ولا يُمكِنُكَ أن تأخُذَ هَيكلَ اللهِ وتَضَعَهُ في هَيكلٍ وَثنيٍّ. والمَعنى المَقصودُ هو التَّالي: " فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ". وهو يَتحدَّثُ عَنَّا فَرديًّا.

"أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ". فالمسيحُ يَحيا فيكُم. ونحنُ نَعلمُ ذلكَ مِن خِلالِ ما يَقولُهُ الرَّسولُ بولُس. وهذا يَصِحُّ فَرديًّا. فنحنُ بَيتٌ رُوحيٌّ فَرديًّا. والرُّوحُ يَسكُنُ فينا. رُوحُ المسيحِ، واللهُ الحَيُّ يَسكُنُ فينا.

فنَحنُ هَيكَلُهُ. فهو لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الأَيَادِي، بل يَسكُنُ في خَليقتِنا الجَديدةِ وطَبيعتِنا الجَديدة. فنحنُ هَيكلُهُ. وهذا يَسري عَلينا نحنُ الأفراد، ويَسري علينا نَحنُ الجَماعَة. فالكنيسةُ هي بَيتٌ رُوحيٌّ وبِناءٌ رُوحيٌّ يَسكُنُ فيهِ رُوحُ الله. فهذا هو ما تَقولُهُ الآيتان 1كورنثوس 3: 16 و17، وأيضًا الآية أفسُس 2: 22. لِذا فإنَّنا هَيكلُ الله.

ثُمَّ إنَّهُ يُؤكِّدُ ذلكَ مِن خلالِ اقتباسِ مَجموعةٍ مِنَ الآياتِ مِنَ العهدِ القديم: "كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا". وبالمُناسبة، إنَّ هذا الاقتباسَ مِنْ آياتِ العَهدِ القَديمِ هُوَ دَمْجٌ لأقوالٍ وَرَدَت في سِفْر اللاَّويِّين 26: 11 و12، وإرْميا 24: 7، وحِزْقيال 37: 27. فهو يَأخُذُ تَعاليمَ العهدِ القديمِ ويَجمعُها معًا في بِضعةِ آياتٍ تُلَخِّصُ تلكَ التَّعاليم ويقولُ إنَّ اللهَ يَقولُ إنَّهُ سيَسكُنُ في شَعبِهِ، ويَسيرُ بَينَهُم، ويَكونُ لَهُم إلهًا، وَهُم يَكونونَ لَهُ شَعبًا. فنحنُ هَيكلُ اللهِ الحَيِّ.

وكَمْ أُحِبُّ حَقيقةَ أنَّهُ يُدعَى "اللهَ الحَيَّ" على النَّقيضِ مِنَ الأصنامِ المَيِّتَة. وهذهِ لَفظة مألوفة يَستخدِمُها بولسُ لإظهارِ التَّبايُنِ الشَّاسِعِ بينَ اللهِ والأصنامِ المَيِّتة. فهو يَستخدِمُ هذهِ اللَّفظة في رسالة رُومية، وفي رسالتهِ الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس، ورسالتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي، ورسالتهِ الأولى إلى تيموثاوس. لِذا فإنَّ أيَّ اتِّحادٍ معَ غيرِ المؤمنينَ يَعني أنَّنا نَضَعُ أصنامًا في هَيكلِ اللهِ، أو أنَّنا نَضَعُ هَيكلَ اللهِ في هَيكلِ أصنامٍ. وهذا تَدنيسٌ وَقِحٌ وصَفيقٌ ولا يُحتمَل. وهو يُؤكِّدُ ذلكَ بالعبارةِ الصَّغيرة: "كَمَا قَالَ اللهُ". فإن فَعلتُم ذلكَ فإنَّكُم تَتمرَّدونَ تَمَرُّدًا صَريحًا ووَقِحًا على ما قالَهُ اللهُ.

إنَّ تلكَ الآياتِ الكِتابيَّةِ الَّتي وُرَدَتْ في العهدِ القديمِ تُلَخِّصُ حَقًّا عَظيمًا. وذلكَ الحَقُّ العَظيمُ يَقولُ إنَّنا هَيكلُ اللهِ. فنحنُ شَعبُ عَهدِه. ونحنُ خَليقَتُهُ العَزيزة على قَلبِه. ونحنُ مَسْكَنُهُ. لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نكونَ في شَرِكَة معَ عَبَدَةِ أوثان. فأيُّ نِيرٍ مُخالِفٍ بِقصدِ خِدمةِ اللهِ هو إساءةُ فَهْمٍ، وشيءٌ غيرُ عَقلانيٍّ، وتَدنيسٌ. ويجبُ علينا أن نَفهمَ ذلك. فهذا شيءٌ أساسيٌّ لحياتِنا المسيحيَّة. وهُناكَ ثلاثُ نِقاطٍ أخرى؛ ولكن يجب علينا أن نَنتظرَ إلى المَرَّةِ القادمة.

يا أبانا، نَشكُرُكَ على كلمتِكَ الواضحة جدًّا إلينا بهذا الخُصوص. ونحنُ نَعلَمُ أنَّكَ ستُساعِدُنا في تَطبيقِ هذهِ الأشياء، وأنَّكَ ستُعطينا البَصيرةَ في أثناءِ حَياتِنا لكي نَتمكَّنَ مِن تَطبيقِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي يَنبغي لنا أن نُطَبِّقَها. ولكنَّنا نَحزَنُ يا رَبُّ على المَرَّاتِ الكثيرةِ الَّتي يَتِمُّ فيها تَجاهُلُ هذا المَبدأ حينَ يَفعلُ المؤمنونَ أُمُورًا لا يَتخيَّلُها عَقْلٌ وليست عَقلانيَّة. والأَدهى مِن ذلكَ هُوَ التَّدنيسُ والتَّجديف. لِذا، سَامِحنا على مِثلِ هذهِ المُساومات.

ولَيتَ الكنيسة تَكونُ دائمًا كَنيسةً طَاهرةً جدًّا، ولَيتَها تَشترِك فقط في العِبادةِ الَّتي تُكْرِمُ اسمَكَ وتُمَجِّدُه. وليتَها تَفصِلُ نَفسَها عن كُلِّ غيرِ المُؤمِنينَ [بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا يَدَّعوه] في كُلِّ عِبادةٍ رُوحيَّةٍ، أو تَعليمٍ، أو خِدمة. احفَظْنا طَاهِرينَ لكي نَكونَ أقوياءَ ونُكْرِمَ اللهَ الحَقيقيَّ الواحدَ الحَيَّ، وابنَكَ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ الَّذي نُصَلِّي هذا باسمِه. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize