رسالة رومية والأصحاح السَّابع. ونحنُ نَدرِسُ الآيات مِن 14 إلى 25. وسوفَ نَقرأُ هذهِ الآياتِ بعدَ قليل كي تحصُلوا على فِكرةٍ عن هذا النَّصِّ المُهمِّ تَحديدًا. سَألَ شابٌّ وَقِحٌ واعظًا بطريقةٍ ساخرة: "أنتَ تَقولُ إنَّ الأشخاصَ غيرَ المُخَلَّصين يَحمِلونَ خطيئةً ثَقيلة جدًّا. ولكِنْ بصراحة، أنا لا أشعرُ بأيِّ شيء. كَمْ وَزْنُ الخطيَّة؟ خمسة كيلوغرامات؟ عشرونَ كيلوغرامًا؟ خمسةٌ وثلاثونَ كيلوغرامًا؟ خمسةٌ وأربعونَ كيلو غرامًا؟" فَكَّرَ الواعِظُ قليلاً ثُمَّ رَدَّ بِلُطف: "إذا وَضعتَ شيئًا وَزنُهُ تِسعونَ كيلوغرامًا على جُثَّة، هل ستشعُرُ الجُثَّةُ بالثِّقْل". أجابَ الشَّابُّ سريعًا: "قَطعًا لا. فهي جُثَّة هامِدَة". فأجابَ الواعِظُ جَوابًا في الصَّميمِ فقال: "إنَّ الإنسانَ الَّذي لا يَعرفُ المسيح مَيِّتٌ أيضًا. ومعَ أنَّ الثِّقْلَ هائلٌ، فإنَّهُ لا يَشعُرُ بِهِ".
ولكن اسمحوا لي أن أقولَ لكم إنَّ المؤمنَ لا يَختلِفُ كثيرًا فيما يَختصُّ بِثِقْلِ الخطيَّة عن غيرِ المؤمِن. ولكنَّهُ مِنْ جهةٍ أخرى حَسَّاسٌ جِدًّا تُجاهَ الخطيَّة. فبعدَ أن جاءَ إلى يسوعَ المسيح، صارت حَواسُّهُ مُتيقِّظَة لحقيقة الخطيَّة. وهذه اليَقظة ابتدأتْ عندَ خَلاصِه، وهي لم تَتضاءَل مُنذُ أنْ تَمَّ فِداؤه، بل تَستمرُّ في الزِّيادة كُلَّما ازدادَ نُمُوًّا وَنُضْجًا.
ومِثلُ هذه الحَسَاسِيَّة هي الَّتي دَفَعَتْ القدِّيسَ العَظيمَ "يُوحَنَّا فَمَ الذَّهب" (Chrysostom) إلى أن يقول: "أنا لا أخشى شيئًا سِوى الخطيَّة". وعندما وَجَدَ واحدٌ مِن غيرِ المؤمنينَ نَفسَهُ وَجهًا لوجهٍ معَ رسالةِ الخلاصِ بالنِّعمةِ المجَّانيَّةِ بالمسيح، قال: "إنْ آمنتُ بتلكَ العقيدة، أي أنَّ الخلاصَ مَجَّانيٌّ وبالنِّعمة، وبأنَّهُ يتوقَّفُ على الإيمان، وإنْ كان بمقدوري أن أتيقَّنَ مِن أنَّهُ يُمكنني أن أهتدي بهذهِ السُّهولة، سأُوْمِنُ ثُمَّ أَتَجَرَّعُ الخطيَّةَ حَتَّى الثَّمالَة". وقد رَدَّ المُبَشِّرُ عليهِ قائلاً: "وما هو في رأيك مِقدارُ الخطيَّة الَّذي يَحتاجُ إليهِ المؤمنُ الحقيقيُّ حَتَّى يَثْمَل؟" والجوابُ عن ذلكَ السُّؤال هو: إنَّ مقدارًا ضئيلاً جدًّا منها هو أكثر مِنْ قُدرتِنا على التَّحمُّل.
فالإيمانُ بيسوعَ المسيحِ يُنَبِّهُ المؤمنَ إلى وُجودِ الخطيَّة في قَلبِهِ وذِهنِه. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ المسيحيَّ الحقيقيَّ يَشعُر بذلك الثِّقْل بالخطيَّة بطريقة لا يَشعُر بها غيرُ المؤمِن البَتَّة. وفي حالِ أنَّكُم تتساءلونَ، في الحقيقة، إن كانوا لا يَشعرونَ بذلك الثِّقْل، ذَكِّروا أنفُسَكُم بما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 1: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا".
ولكنَّ المسيحيَّ الحقيقيَّ مُرهَفُ الحِسِّ تُجاهَ الخطيَّة، ويَكْرَهُ الشَّرَّ الموجودَ فيه، ولا يَسعى إلى مَلْءِ حياتِهِ بالخطيَّة بِحُجَّةِ النِّعمة، بل يَسعى بالحَرِيِّ إلى إفراغِ حَياتِهِ مِنَ الخطيَّة لأنَّها بَغيضة جدًّا بالنِّسبة إليه.
والآن، عندما تَنظرونَ إلى العهدِ الجديد، لا شَكَّ في أنَّ المؤمنَ يَصيرُ مُرْهَفَ الحِسِّ أكثر لذلك. فنحنُ نَجِد، على سبيلِ المِثالِ، في رسالة أفسُس 4: 30 أنَّهُ عندما نُخطئ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَحزَن. ونحنُ لا نَسعى إلى إحزانِ الرُّوحِ القُدُس. وفي الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 9: 27، نَجِدُ أنَّهُ عندما نَنغَمِسُ في الخطيَّة فإنَّ حياتَنا تَصيرُ عَديمةَ القُوَّة. وهذا هو ما جَعَلَ بولسَ يَقول: "أشعرُ بهذا الخوفِ الشَّديدِ مِن أنِّي حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا [أو عَديمَ الفائدة]".
وحتَّى إنَّ المُرَنِّمَ قال: "بِالمُسْتَقِيمِينَ يَلِيقُ التَّسْبِيحُ". لِذا، عندما نُخطئ، نَجِدُ أنَّنا لا نَليقُ حَتَّى بِتَسبيحِ اللهِ. ولا أحدَ مِنَّا يَتمنَّى أَلَّا يَكونَ تَسبيحُهُ لائِقًا. وقد أضافَ إرْميا في سِفْر إرْميا 5: 25 الكلماتِ التَّالية المُهمَّة جدًّا: "خَطَايَاكُمْ مَنَعَتِ الْخَيْرَ عَنْكُمْ". ولا يُعقَلُ أنَّ أيَّ مؤمنٍ سيَختارُ أن تُحْجَبَ بَرَكَةُ الرَّبِّ عنه إنْ أُتيحت لهُ حَقًّا الفُرصة والقُدرةَ على التَّفكيرِ في ذلك.
كذلك، عندما تَقابَلَ المُرنِّمُ (في المزمور 51) وَجهًا لوجهٍ مَعَ خطيَّتِه، تَضَرَّعَ إلى اللهِ أن يَرُدَّ لَهُ ماذا؟ بَهْجَةَ خَلاصِهِ. وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 12، نَجِدُ أنَّهُ عندما يُخطئُ المؤمِن، فإنَّهُ يُؤدَّبُ مِنَ الله. وفي الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ الثَّالث، نَجِدُ أنَّهُ عندما يُخطئُ المؤمِنُ فإنَّ نُمُوَّهُ الرُّوحِيَّ يَتَعَثَّرُ حَتَّى إنَّ الرَّسولَ يَقول: "لا يُمكنُني أنْ أُطعِمَكُم ما أرغبُ في إطعامِكُم إيَّاه لأنَّكُم جَسديُّونَ جِدًّا". وفي الرِّسالةِ الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 21، يَقولُ بولسُ إنَّهُ يجب علينا أنْ نُطَهِّرَ حياتَنا لكي نكونَ آنِيَةً نافعةً للسيِّد. لِذا، عندما تكونُ هناكَ خطيَّة في حياتِنا فإنَّها تَجعلُ خِدمَتَنا مَحدودة وعديمةَ النَّفع. وفي الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحين العاشِر والحادي عَشَر، نَجِدُ أنَّ الخطيَّة في حياةِ المؤمِن تُفْسِد الشَّرِكَة. لِذا فإنَّ الرَّسولَ يَقول: "قبلَ أن تأتوا إلى مائدةِ الرَّبِّ، احرِصُوا على تَطهيرِ قُلوبِكُم أمامَ اللهِ".
كذلكَ، نَجِدُ في الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 11: 30، وفي رسالة يوحنَّا الأولى 5: 16، وأعتقد أيضًا في رسالة يَعقوب والأصحاحِ الأوَّل ما يُشيرُ إلى أنَّ المؤمنَ الَّذي يَعيشُ في الخطيَّة قد يُواجِهُ خَطَرَ فُقدانِ حَياتِه. هذا عدا عنِ الحقيقةِ الدَّامغةِ (الَّتي هي أَهَمُّ مِنْ كُلِّ الحقائقِ الأُخرى) إذْ نَقرأُ في الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ السَّادس: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلُ اللهِ؟" بعبارة أخرى، إنْ لَوَّثْتَ جَسَدَكَ بالخطيَّة فإنَّكَ تُهينُ اللهَ.
مَنْ مِنَّا يَختارُ أنْ يُحزِنَ الرُّوحَ القُدُس؟ مَنْ مِنَّا (نحنُ المُؤمِنونَ) يَتوقُ في أعماقِ قَلبِهِ إلى أنْ يُحزِنَ الرُّوحَ القُدُس؟ أو يُريدُ صَلاةً غير مُستجابَة؟ أو يَرغبُ في أن يعيشَ حَياةً خاليةً مِنَ القوَّة؟ أو يُريدُ أن يُقدِّمَ تَسابيحَ غيرَ لائقة؟ وَمَنْ مِنَّا (عندما نَنظُرُ حَقًّا إلى أعماقِ أنفُسِنا بوصفِنا أشخاصًا مَفدِيِّينَ) يَختارُ أن تُحْجَبَ عنهُ بَرَكَةُ اللهِ، أوْ أنْ يَزولَ الفَرَحُ مِن قلبِه، أو أنْ يُؤدَّبَ بسببِها، أو أنْ يَتوقَّف نُمُوُّهُ، أو أنْ تُعاقَ خِدمَتُه، أو أنْ تَتَنَجَّسَ شَرِكَتُه، وأن تكونَ حَياتُنا في خَطر؟ وَمَنْ مِنَّا (بوصفِنا مُؤمِنينَ) يَرغبُ في إهانَةِ الله؟
بل على النَّقيضِ تَمامًا، فإنَّ المُرنِّمَ قالَ في المزمور 42: 1: "كَمَا يَشْتَاقُ القلبُ [أوِ الإِيَّلُ] إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ".
وأعتقدُ أنَّهُ عندما يأتي الإنسانُ إلى يسوعَ المسيح، فإنَّهُ تُزرَعُ في ذلكَ الشَّخصِ خليقة جديدة، وطبيعة جديدة، وجوهرٌ جديد، وذاتٌ جديدة، وإنسانٌ جديد. وأعتقدُ أنَّ نَبْضَ قَلبِ، وَشَغَفَ، وَلَهْفَةَ تلكَ الخليقة الجديدة تَتركَّزُ على الأشياءِ المُختصَّةِ بالله. ومُقابِل ذلك، هُناكَ الامتعاضُ مِنَ الخطيَّة وَبُغْضُها. وهذا هُوَ حَقًّا رُوحُ الرَّسولِ بولُس وَهُوَ يَكتُبُ هذا النَّصَّ. انظروا إليه ابتداءً مِنَ العدد 14:
"فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ.
"إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة".
والآن، هناكَ رَجُلٌ يَخوضُ صِراعًا في ذلكَ النَّصّ...رَجُلٌ يَخوضُ صِراعًا خَطيرًا. فهناكَ رَجُلٌ في ذلكَ النَّصِّ يَمْقُتُ الخطيَّة، ويَكرَهُ الخطيَّة، ويَحتَقِرُ الخطيَّة، ويُحِبُّ البِرَّ، ويَتوقُ إلى ناموسِ الله. ولا يُمكن أن يكونَ هذا الرَّجُلُ شخصًا غيرَ مَفْدِيٍّ لأنَّهُ بحسبِ ما قالَهُ رَبُّنا في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّالث، فإنَّ غيرَ المَفْدِيِّينَ يُحِبُّونَ الظُّلمةَ ويَكرهونَ البِرَّ. ولكنَّنا هُنا أمامَ رَجُلٍ يُحِبُّ البِرَّ ويَكرهُ الخطيَّة.
وفي المزمور 119، وسوفَ أُشيرُ مِرارًا إلى ذلكَ المَزمور؛ لِذا رُبَّما مِنَ الأفضل أن تَضَعوا عَلامَةً في كِتابِكُم المقدَّس تُسَهِّلُ عليكُم الرُّجوعَ إليه. فسوفَ نَعودُ إليهِ بِضعَ مَرَّاتٍ. ولكِنْ في المزمور 119: 104، لدينا جُملة شبيهة جدًّا في آية واحدة بسيطة. وَهُنا، يَتأمَّلُ المُرنِّمُ بطريقةٍ بديعةٍ في كلمةِ اللهِ فيقول: "مِنْ وَصَايَاكَ أَتَفَطَّنُ، لِذلِكَ أَبْغَضْتُ كُلَّ طَرِيقِ كَذِبٍ".
وهذا هُوَ جَوهرُ الإنسانِ المَفْدِيِّ الَّذي يَتوقُ إلى فَهْمِ كلمةِ اللهِ، والَّذي يَتوقُ إلى تَطبيقِ كلمةِ الله، والَّذي يَكرَهُ كُلَّ طَريقِ كَذِبٍ. وقد قالَ "توماس واطسون" (Thomas Watson)، رَجُلُ اللهِ الرَّائعِ في زَمَنِ الطَّهورِيِّينَ في كِتابِهِ المُهِمِّ الَّذي هُوَ بِعُنوان: "جَسَدُ الله" (The Body of Divinity): "عَلامَةُ التَّقديسِ هي بُغْضُ الخطيَّة. فالمُرائي قد يَترُكُ الخطيَّة، ولكنَّهُ يُحِبُّها على غِرارِ الحيَّةِ الَّتي تَطْرَحُ جِلْدَها ولكنَّها تَحتفِظُ بأنيابِها. ولكِنَّ الشَّخصَ المُقدَّسَ يستطيعُ أن يقولَ لا فقط إنَّهُ تَرَكَ الخطيَّة، بل إنَّهُ يُبغِضُها أيضًا. فاللهُ قد غَيَّرَ طَبيعَتَكَ وجَعَلَكَ مِثلَ ابْنَةِ المَلِك: مَجيدَةً مِنْ الدَّاخِلِ إلى الخَارِج. وقد أَلْبَسَكَ دِرْعَ القَداسَةِ الَّذي معَ أنَّهُ قد يُصابُ بالسِّهامِ، فإنَّهُ لا يُمكِنُ أنْ يُخْتَرَق".
لِذا، هُناكَ صِراع. وأعتقدُ أنَّ الصِّراعَ مَوصوفٌ لَنا هُنا في رسالة رُومية والأصحاح السَّابع. فهذا مَقطعٌ كلاسيكيٌّ يَصِفُ الصُّورةَ المؤثِّرَةَ جدًّا للألمِ الَّذي يُحْدِثُهُ سُكْنَى الخطيَّة في حياةِ المؤمِن.
والآن، يجب عليكم أن تتذكَّروا أنَّهُ في الأصحاحِ السَّابعِ مِن رسالة رُومية، فإنَّ بولسَ يَتحدَّثُ بصورة رئيسيَّة عن مَكانَةِ النَّاموس. وهو يُحاولُ أن يُبيِّنَ أنَّ حَقيقَةَ مُناداتِهِ بالخلاصِ بالنِّعمةِ مِن خلالِ الإيمانِ لا تَعني أنَّهُ لا يَرى أيَّ مَكانَةٍ للنَّاموس. وهذا لا يَعني أنَّهُ يَقولُ لليهودِ الَّذينَ يُقَدِّرونَ النَّاموسَ إنَّهُ لا يُقَدِّرُ النَّاموس، بل إنَّهُ يَذكُرُ، ببساطة، وَظيفَتَهُ الصَّحيحة. ووظيفَتُهُ الصَّحيحة هي ليست أن يُخَلِّصَ النَّاسَ، ولا أن يُقَدِّسَ النَّاسَ، بل أن يُبَكِّتَهُم على خطيَّة ويُرِيَهُم (كما يُشيرُ العددُ الثَّالثُ) بَشاعَةَ الخطيَّة. وهو يُشيرُ إلى أنَّهُ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ مُؤمِنًا، فإنَّ النَّاموسَ مُستمِرٌّ في أنْ يُظهِرَ للمؤمِنِ البَشاعَةَ الشَّديدةَ للخطيَّة. وعندما يَرى ناموسَ اللهِ الَّذي يَتوقُ قَلبُهُ إلى تَطبيقِه، وَيَرى [بالمُقابِل] الخطيَّة في حياتِه، فإنَّهُ يُحِبُّ النَّاموسَ ويُبغِضُ الخطيَّة.
والآن، في وَسْطِ هذا الصِّراعِ، نَجِدُ انْسكابَ قلبِ الرَّسولِ بولُس مِن خلالِ حَديثِهِ بصيغةِ المُتكلِّم: أنا، أريدُ، أفعلُ...عِندي، جَسدي، أعضائي. فهذه هي شَهادَتُهُ وشهادَتُنا نحنُ أيضًا. وتأتي شَهادَتُهُ المُختصَّة بصِراعِهِ الرُّوحِيِّ معَ الخطيَّةِ السَّاكنةِ فيهِ في ثلاثِ مَراثٍ. فهو مَقطعٌ حَزينٌ جدًّا. وهو مَقطعٌ يُعَبِّرُ عن حَسْرَةٍ شديدة. وهو مَقطعٌ مُحَرِّكٌ جدًّا للمشاعِر لأنَّنا لا نَحصُل غالبًا مِثلَ هذهِ النَّظرة العميقة إلى صِراعِ الرَّسولِ بولس. وهو لا يُكَرِّرُ ذلكَ مَرَّاتٍ كثيرة. والحقيقة هي أنِّي عندما قرأتُ هذا النَّصَّ، رُبَّما لاحظتُم تَكرارَ النَّصِّ. فهناكَ ثلاثُ مَراثٍ. والمَراثي الثَّلاثُ تَقولُ نَفسَ الشَّيءِ تقريبًا. فهو يَرثي وَضعَهُ، ويَبكي عليه، ويَحزَن عليه. فقلبُهُ حَزينٌ على ذلك. وهو يَشعُرُ بالانكسارِ على ذلك.
وكُلُّ مَرْثاةٍ تَحوي ثلاثَةَ أجزاء: الحالة الَّتي يَجِدُ نَفسَهُ فيها، والدَّليلُ على تلكَ الحالة، ومَصدَرُ تلكَ الحالة. انظروا إلى المَرثاةِ الأولى (كَمُراجَعةٍ فقط إذْ إنَّنا تَحَدَّثنا عنها في الأسبوعِ الماضي)، وهي تَرِدُ في الآيات 14-17. فالحالة مَذكورة في العدد 14: "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة". فالنَّاموسُ رُوحِيٌّ. وهذا يعني أنَّهُ نابِعٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَهُوَ يَستمِدُّ الطَّاقةَ مِنَ فِكْرِ اللهِ وقلبِهِ ومَشيئَتِه. وَهُوَ مُقدَّسٌ وعادلٌ وصَالِح (كما جاءَ في العدد 12). ولكنِّي (بالمُقابِل) لستُ رُوحِيًّا. فالنَّاموسُ رُوحِيٌّ، وأمَّا أنا فلستُ رُوحيًّا.
والآن، قد تَقول: "هل يُعْقَلُ أن يقولَ المؤمِنُ ذلك؟" أجل، مِن وُجهةِ نَظَرٍ مُعيَّنة. فهذا إدراكٌ واحدٌ ينبغي لنا أن نُدرِكَهُ في حياتِنا. فنحنُ لسنا على الصُّورةِ الَّتي ينبغي أن نكونَ عليها. أليسَ كذلك؟ فناموسُ اللهِ رُوحِيٌّ، وأمَّا نحنُ فجسديُّونَ أو غيرُ رُوحِيِّين. فنحنُ جَسديُّون. وَهُوَ يَنظُرُ هُنا إلى المعركة. فهو يَنظُرُ إلى طبيعَتِهِ البشريَّة. وَهُوَ لا يتحدَّثُ عن كُلِّ الأشياءِ الَّتي تَجَدَّدَتْ في حياتِه، بل يتحدَّثُ عنِ الأشياءِ الَّتي لم تَتجدَّد فيه. فطبيعَتُهُ البشريَّة ما تزالُ موجودةً، وهي تُحَدِّقُ في وَجهِهِ مُباشَرةً. وَهُوَ يَجِدُ نَفسَهُ مَبيعًا تحتَ الخطيَّة. وَهُوَ يقولُ في العدد 23 إنَّهُ يَرى نَامُوسًا آخَرَ يَسْبِيهِ إلى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الكَائِنِ فِي أَعْضَائِه. وَهُوَ يَجِدُ نفسَهُ ما يزالُ ضَحيَّةً للخطيَّة بالرَّغمِ مِن أنَّهُ مَفْدِيٌّ. فهذه هي حالَتُه: فهي حالةُ صِراع.
والحقيقة هي أنَّ بولسَ يُعَبِّرُ في رسالَتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي 3: 12 عن هذه الحالة كالتَّالي: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ...". بعبارة أخرى، لم أَفهَم ذلكَ بَعْد. "...وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ".
وما يَعنيه هو: "أنا أَعلمُ أنِّي لم أُدرك ذلكَ بَعْد". وكُلُّ ما لديكُم هُنا في رُومية 7 هو إقرارٌ مِنْهُ بِكُلِّ الأشياءِ الَّتي لم يُدركها. فهي وُجهة نَظر مُعيَّنة. فهي ليست كُلَّ ما يُمكِنُ قولُه عنه، بل إنَّها مُجَرَّدُ شيءٍ يمكنُ أن يُقالَ عنهُ. فليسَ كُلُّ ما يُمكن أن يُقالَ عَنِّي هو أنِّي لستُ رُوحيًّا، ولكِنْ مِنَ الصَّوابِ أن يُقالَ عَنِّي إنِّي لستُ رُوحيًّا. فأنا لم أَصِرْ بعد كُلَّ ما سأصيرُه. أليسَ كذلك؟ فهي ليست نَظرة شاملة، بل هي نَظرة مِن زاوية مُعيَّنة. وهي نفسُ النَّظرة الَّتي جَعَلَتْ بولس يقول: "أنا أَوَّلُ الخُطاة" (في رسالتهِ الأولى إلى تيموثاوس 1: 15).
وما الَّذي يُعطي، في رأيِكُم، تلكَ النَّظرة؟ حسنًا، استمعوا جَيِّدًا: إنَّهُ فَهْمُ ناموسِ اللهِ الطَّاهر، والمُقدَّس، والعادِل، والصَّالح. فعندما تَرى أنَّكَ ضَدَّ ذلكَ النَّاموس، تكونُ قد أدركتَ أنَّكَ خاطئٌ جدًّا. والآن، عندما تَرَوْنَ مسيحيًّا (أو شخصًا يَدَّعي أنَّهُ مَسيحيّ) ويكونُ راضيًا جدًّا بحالَتِهِ الرُّوحيَّة، ويَحرِصُ جدًّا على أن تَعرِفَ مِقدارَ قَداسَتِه، ومِقدارَ تَقواه، فإنَّ ذلكَ لا يُبَرهِنُ لكَ على أنَّهُ مُقدَّسٌ حقًّا، بل على أنَّهُ لا يَفهمُ حَقًّا كلمةَ الله. فهذا دَليلٌ لا على قداسَتِه، بل دليلٌ على جَهلِهِ بناموسِ اللهِ المُقدَّس لأنَّهُ كُلَّما زادَ إدراكُنا لِكَمالِ ناموسِ اللهِ المُقدَّس، زادَ إدراكُنا لعدمِ كَمالِنا. أليسَ كذلك؟ لِذا، أقولُ لكم إنَّ ما لدينا في رُومية 7 هو ليسَ شهادةَ شخصٍ مَسيحيٍّ وَحَسْب، بل شَهادة مسيحيٍّ ناضجٍ جدًّا. وهي شَهادة مُنيرة وصادِرَة عن ذِهْنٍ رُوحِيٍّ جدًّا.
وبعدَ أن يُقَدِّمَ لنا الحالة في العدد 14 فإنَّهُ يُقَدِّمُ لنا الدَّليلَ في العدد 15. وإليكُم الدَّليل على أنَّهُ لم يَصِرْ بعد كُلَّ ما يَنبغي أن يَصير، وأنَّهُ ليسَ رُوحيًّا: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ"...أو: "لستُ أَعلمُ"، أو: "لستُ أُحِبُّ"، أو: "لا أختارُ أن أفعلَهُ". "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". وهذا هو الدَّليل. فالدَّليلُ على أنِّي ما زلتُ جَسديًّا هو أنِّي مُحْبَطٌ لأنِّي أرى المجدَ المُطلَقَ لناموسِ اللهِ، وأرى القداسةَ العظيمةَ لِمِعيارِه، ولا أستطيعُ أن أَرتقي إلى ذلكَ المِعيار. وأنا لستُ راضيًا بالمستوى الَّذي بَلَغْتُهُ، بل إنِّي مُستاءٌ جدًّا مِنَ المستوى الَّذي لم أَبْلُغْهُ بَعد.
وهذه نَظرة ناضجة جدًّا. ولا نُضْجَ البَتَّة في أن تَظُنَّ أنَّكَ قد بَلغتَ القِمَّةَ رُوحيًّا. فالرَّسولُ بولُس يقول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي [ماذا؟] أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الهَدَفَ. فأنا أرى الهَدفَ وأسعى إليه. ولكنِّي لم أُدرِكْهُ بعد".
وهذا هو الاتِّضاعُ الَّذي يَنبُع مِن الإدراكِ الرُّوحيِّ السَّليم. فعِوَضًا عن تَهنئةِ أنفُسِنا على قَداسَتِنا، إن فَهِمنا حَقًّا ناموسَ اللهِ، سنَرى أنفسَنا مُقَصِّرينَ جدًّا. وهذا هو المكانُ الَّذي يَرى بولسُ نَفسَهُ فيه. لِذا فإنَّ هذا النَّصَّ يُعيدُنا، مَرَّةً أخرى، إلى الانكسارِ والتَّواضُعِ والنَّدَمِ الَّذي يُشيرُ إلى التَّابِعِ الحقيقيِّ للمُخلِّص.
ثُمَّ إنَّهُ يتحدَّثُ عنِ المَصْدَرِ لأنَّكَ إن قُلتَ: "حسنًا يا بولس، أنتَ مُخَلَّص. وأنتَ مَفْدِيٌّ. مِن أينَ يأتي هذا الإدراك؟" فإنَّ العَددين 16 و 17 يُقَدِّمانِ لنا الجَواب: "فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ". فلا يوجد خطأ في النَّاموس. فحقيقةُ أنِّي لا أستطيعُ أن أحفظَهُ لا تَعني أنَّ فيهِ عَيْب". ما مُشكلتُك يا بولس؟ "فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ".
إنَّ حالتي الآن هي أنِّي أَخوضُ صِراعًا. والدَّليلُ على ذلك هو أنِّي لا أستطيعُ دائمًا أن أفعلَ ما أريد، بل إنِّي أفعلُ أحيانًا أمورًا لا أريدُ أن أفعلَها في صَميمِ ذاتي. ومَصدرُ ذلكَ كُلِّهِ هو الخطيَّة السَّاكِنَة فِيَّ. والآن، تَصيرُ ضَمائرُ المُتكلِّم بصيغةِ المُفرد في العدد 17 اصْطِلاحيَّة. فهو يقول: "أنا" في العدد 14 بصورة عامَّة جدًّا: "وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ". ولكنَّهُ يُريدُ أن يَتحقَّقَ الآن مِن أنَّنا نَفهمُ ما يَعنيه في العدد 17: "فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا". ولَعَلَّكُم تَذكرونَ العِبارة "لستُ بعد" إذْ إنَّنا تَحدَّثنا عنها. فالعبارة "دي أوكيتي" (de ouketi) تَعني "لستُ بعد". ولكِنْ لستُ بعد مُنذُ مَتى؟ منذُ الخلاص؛ أيْ: "مُنذُ أنْ خَلُصْتَ، لستُ بعدُ أفعلُ ذلكَ أنا". لستُ أنا الجديد، ولستُ أنا المولود ثانيةً الَّذي أفعلُ ذلك، بل مَنْ؟ إنَّها الخطيَّةُ السَّاكِنةُ فِيَّ. وقد تحدَّثنا عن ذلك بشيءٍ مِنَ التَّفصيل. لِذا فإنَّ الضَّمير "أنا" يَصيرُ كلمةً اصطلاحيَّة.
والآن، ما الصِّراعُ إذًا؟ الصِّراعُ في حياةِ المؤمِن هو صِراعٌ بينَ الخليقة الجديدة المُقدَّسة والمخلوقة لأجلِ الأبديَّة، والتي هي الزَّرعُ الأبديُّ الَّذي لا يستطيعُ أن يُخطئ والموجود فيكم، أيْ ذاتُكَ الحقيقيَّة، وشخصيَّتُكَ الجوهريَّة، أو أنتَ الَّذي وُلِدْتَ ثانيةً. فالصِّراعُ هو بين ذاتِكَ المفديَّة وذاتِكَ الفانية غير المَفديَّة، أي طبيعَتِكَ البشريَّة غير المَفديَّة الَّتي ما تزالُ حاضرةً. فَهُنا يَكْمُنُ صِراعُهُ. وهذه هي مَرثاتُه.
وأنا أعتقد أنَّ كُلَّ وَلَدٍ مِن أولادِ اللهِ يَسلُكُ حَقًّا في إطَاعةِ فِكرِ المُخَلِّص يَحزَنُ لحقيقة خطيَّتِه. وأنا أرى المؤمِنَ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 8-10 لا يُنكِرُ خَطِيَّتَهُ، بل يَفعل ماذا؟ يَعتَرِف بخطيَّتِه. وأنا أسمَعُهُ في المزمور 38: 18 يَقول: "لأَنَّنِي أُخْبِرُ بِإِثْمِي، وَأَغْتَمُّ مِنْ خَطِيَّتِي". وأنا أَسمَعُهُ في المزمور 97: 10 يقول: "يَا مُحِبِّي الرَّبِّ، أَبْغِضُوا الشَّرَّ". وأعتقدُ أنَّ الشَّخصَ المولودَ ثانيةً حقًّا يُبغضُ الخطيَّة ويُواجِه حقيقةَ أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ قد وُلِدَ ثانيةً، وأنَّهُ حَصَلَ على طبيعةٍ جديدة، فإنَّ الطَّبيعةَ الجديدةَ ما تَزالُ مُغَلَّفةً (كما كانت في السَّابقِ) بالطَّبيعةِ البشريَّة. وَهُنا يَكمُنُ الصِّراع.
لِذا، معَ أنَّنا نِلْنا الفِداءَ فإنَّ الخطيَّة ما تَزالُ مُتَشَبِّثَةً بأجسادِنا، وبقابليَّتِنا للفَناء، وبطبيعتِنا البشريَّة غير المَفديَّة. وهي تَحْرِمُنا مِن رؤيةِ تحقيقِ الرَّغبة القَلبيَّة العميقة الَّتي تَتوقُ إلى كَمالِ ناموسِ الله. وأحيانًا، قد لا يَظهرُ ذلكَ فقط قبلَ أن تُخطئ، بل قد يَظهرُ أيضًا بعدَ ذلك. وهو يَظهَرُ مِن خلالِ شُعورِكَ بالذَّنب، وشُعورِكَ بالحُزن، وشُعورِكَ بالنَّدم.
لننظُر إلى المَرثاةِ الثَّانية، وهي تُشبِهُ الأولى وَحَسْب. العدد 18. فالنَّمَطُ هُنا مُطابِقٌ. فنحنُ نَجِدُ هُنا الحالَة: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ". والآن، ما مَعنى "فِيَّ" هُنا؟ أنتَ بصورة عامَّة؟ أنتَ بِمُجمَلِك؟ ذاتُكَ الجديدة؟ الخليقة الجديدة؟ لا، لا. "فِيَّ". أيُّ جُزءٍ مِنِّي هُوَ المَقصود؟ أيُّ جُزء؟ جَسدي. وَهُوَ يَستخدِمُ كلماتٍ اصطلاحيَّة. فهو لا يريدُ مِنَّا أن نُهْمِلَ التَّبايُنَ الَّذي وَضَّحَهُ في العدد 17 عندما قالَ إنَّهُ ليسَ هُوَ الَّذي يَفعلُ ذلك، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيه.
ثُمَّ إنَّهُ يقول في العدد 18 إنَّ الخطيَّة تَسْكُنُ في جسدي. إذًا، لستُ أنا مَن يَفعل ذلك...لستُ أنا الجديد...لستُ أنا المولود ثانيةً...لستُ أنا المولود مِنَ الله...ليست الطَّبيعة غير القابلة للفساد المَزروعة فِيَّ...ليسَ الزَّرعُ الأبديُّ الَّذي لا يُمكن أن يُخطئ. لستُ أنا، بل جسدي. لِذا: " فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ".
أنا لا أَرى أيَّ شيءٍ صالحٍ في بشريَّتي غير المَفديَّة. لِذا فإنَّهُ يَقول: "فِيَّ"، ولكِنَّهُ يُحَدِّدُ في أيِّ جُزءٍ فيقول: "أيْ في جَسدي". ثُمَّ إنِّي أعتقد أنَّهُ يُعَيِّنُ بالألفاظِ مَوطِنَ الخطيَّة. فالخطيَّةُ تَسْكُنُ في الجسد. وقد قُلنا مِن قَبل، ونقولُ مَرَّةً أخرى، إنَّ ذلكَ الجسد هو طَبيعَتُنا البشريَّة. وقد لا يكونُ الجسدُ بالضَّرورة شِرِّيرًا في ذاتِه، ولكِنَّهُ المكانُ الَّذي تنطلقُ مِنهُ الخطيَّة في عَمليَّاتِها.
ويُمكنني وحَسْب أن أُعَبِّرَ عن ذلك بالطَريقةِ التَّالية: إنَّ بولسَ يُحَدِّدُ مَوضِعَ الفَسادِ في المؤمِن بالجسد، أي بالجُزءِ الفاني غير المَفْدِيّ. لِذا، يا أحبَّائي، عندما تَموتُ وتُغادِر هذا الجسد، لا حاجة إلى القيامِ بأيِّ تغييرٍ عليكَ كي تَدخُل إلى المجدِ الأبديِّ لأنَّ كُلَّ ما تحتاجُ إليهِ كي تكونَ مُستعدًّا لَهُ هو ليسَ إضافةَ شيءٍ ما، بلِ التَّخلُّص مِن شيءٍ مَا. لِذا فإنَّهُ يُحَدِّدُ مَوضِعَ الخطيَّة بالحالةِ السَّاقطةِ لجسدهِ الفاني غيرِ المَفديِّ.
والآن، أرجو أن تُلاحظوا أنَّهُ يَقول: "أَيْ فِي جَسَدِي". فهو ليسَ بعدُ في الجسد (كما سَنَرى في الأصحاحِ الثَّامِن والأعداد 5-8)، ولكِنَّ الجسدَ ماذا؟ فيه. فهو ما يَزالُ باقيًا. وبالمُناسبة، إنَّ الأشخاصَ غير المُخلَّصين هُم فقط جسد. جسد...جسد...جسد...جسد...جسد، ولا شيءَ آخر.
والدَّليلُ على هذه الحالة مُقَدَّمٌ في العدد 18 مَرَّةً أخرى. وهذه أُغنيةٌ حَزينة. وهذا هو ما يَجعَلُهُ يَرثي حَالَهُ المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة. انظروا إلى العدد 18. فهذا هو الدَّليل، في مُنتصفِ الآية: "لأَنَّ...". بعبارة أخرى، هذه هي الطَّريقة الَّتي سَأُبَيِّنُ بها ذلك: "لأنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي". بعبارة أخرى، هناكَ شَيءٌ فِيَّ يَرغبُ في القيامِ بالصَّواب. "وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ".
والآن، أرجو أَلَّا تُسيئوا فَهمَهُ هُنا. فهو لا يَقول: "لا يُمكنني أن أعرفَ كيفَ أفعلُ أيَّ شيءٍ صالحٍ في أيِّ وقت" لأنَّ هذا غير صحيح. ولكِنَّ قَصدَهُ هو: "لا يُمكنُني أن أفعلَ ذلكَ بالقَدرِ الَّذي يَتوقُ إليهِ قَلبي". هل تَفهمونَ ذلك؟ "لا يُمكنُني أن أفعلَ ذلكَ بالطَّريقةِ الَّتي أَرغَبُ فيها".
فإن نَظرتَ إلى حَياتِكَ المسيحيَّة الشخصيَّة ورأيتَ أنَّكَ تَنمو باضِّطراد، أعتقد أنَّكَ إن جَلستَ وكُنتَ صادقًا بخصوصِ ذلكَ بالرَّغمِ مِن أنَّكَ تستطيعُ أن تَرى نُمُوًّا في حَياتِكَ المسيحيَّة، فإنَّ كَراهِيَّتَكَ لخطيَّتِكَ الآن ستكونُ أكبر مِن كُرهِكَ لها قبلَ وقتٍ طويلٍ عندما كُنتَ أَقَلَّ نُضجًا رُوحيًّا، ولم تَكُن تَفهم بعد خُطورةَ الخطيَّة، ولم يَكُن لديكَ استيعابٌ كبيرٌ لجلالِ وعظمةِ اللهِ، ولا للنَّقاوةِ المُطلَقةِ لكلمَتِهِ المُقدَّسة. وكما تَرَوْنَ، عندما يَزدادُ النُّضجُ، تَزدادُ أيضًا رَهافَةُ الحِسِّ للخطيَّة. ومعَ أنَّنا عَلَّمنا ذلكَ ونُؤكِّدُ مَرَّةً أخرى أنَّ النُّموَّ الرُّوحيَّ يَقتضي تَراجُعَ وَتيرةِ الخطيَّة، فإنَّ تَراجُعَ وَتيرةِ الخطيَّة ينبغي أن يكونَ مَصحوبًا بزيادةِ الحَساسِيةِ تُجاهَها. وهذه هي خِبرةُ بولُس. فالإرادةُ حاضِرَة عندي. فأنا أرغبُ في أعماقي في القيامِ بِما يُريدُهُ اللهُ مِنِّي، ولكنِّي لا أستطيعُ أن أقومَ بذلكَ بالطَّريقةِ الَّتي أُريد.
ثُمَّ إنَّهُ في العدد 19 يَقولُ شيئًا مُشابهًا لما قالَهُ في العدد 16: "لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". فأنا أُريدُ ذلك، ولكنِّي لا أستطيعُ أن أفعلَ ذلكَ وَحَسْب.
وكما تَعلمون، إذا نَظرتُم، على سَبيلِ المِثالِ، إلى العهدِ القديمِ فإنَّكُم ستَرَوْنَ داوُد. وسوفَ تَرَوْنَ أنَّ داودَ كانَ يَتمتَّعُ بعلاقةٍ رائعةٍ بالله. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ المُرَنِّمُ الحُلْوُ لمزاميرِ بَني إسرائيل، ورَجُلٌ رائعٌ مِن رِجالِ اللهِ، ورَجُلٌ رائع. وقد تَمَجَّدَ يسوعُ المسيحُ في أنَّهُ دُعِيَ "ابنَ داود". أليسَ كذلك؟ إنَّهُ رائعٌ...رائعٌ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، إن قرأتُم العهدَ القديمَ لن تجدوا أيَّ كاتبٍ في العهدِ القديم أكثر ارتعابًا أو أكثر نَدَمًا أو أكثر حَساسِيَّةً تُجاهَ خطيَّتِهِ مِن داوُد.
فداودُ هو الَّذي يَصرُخُ إلى اللهِ مِن خلالِ المزامير، ولا سِيَّما في المَزمورَيْن 32 و 51، ولكنْ ليسَ فقط في هَذينِ المَزمورَيْن. فهو يَصرُخُ إلى اللهِ طَلَبًا للرَّحمة، ويَصرُخُ إلى اللهِ طَلبًا للعَطْف، ويَصرُخُ إلى اللهِ طَلَبًا للتَّحَنُّنِ عليهِ في وَسْطِ خطيئَتِه. وداودُ هو الَّذي كانَ قريبًا جدًّا مِن قلبِ اللهِ حَتَّى إنَّ أيَّ خطيَّة في حياتِهِ صارت سَبَبًا لانكسارِ قَلبه. لِذا فإنَّ الصِّراعَ هُنا (في نَظري) هو بوضوح: صِراعُ رَجُلٍ مولود ثانيةً. فالنَّاسُ غير المُخَلَّصين لا يَفهمونَ حَتَّى هذا النَّوعَ مِنَ المواقِف.
ثُمَّ إنَّهُ يأتي إلى المَصدَرِ مَرَّةً أخرى في العدد 20. الحالَة، ثُمَّ الدَّليل، ثُمَّ المَصدَر. "فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَل [ماذا؟] الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". وهذا مُماثِلٌ تمامًا لما قالَهُ في العدد 17. لستُ بَعْدُ أنا. وما الَّذي تَعنيه "لستُ بَعْدُ"؟ ونَجِدُ العِبارة "لستُ بَعْدُ" مَرَّةً أخرى. لستَ بَعْدُ مُنذُ مَتى؟ مُنذُ ماذا؟ الخَلاص. فقبلَ الخلاص، كما تَعلمونَ، لا يستطيعُ الأشخاصُ غيرُ المُخَلَّصينَ أن يكونوا في هذا الأصحاحِ لأنَّهُ لا وُجودَ لعبارة "لَسْتُ بَعْد" في حياتِهم. لا وُجودَ لِعبارة "لستُ بَعد". فلم يَحدُث أيُّ تَغييرٍ. ولن يأتي وقتٌ تكونُ فيه الأمورُ مُختلفة. فما الَّذي تَعنيهِ العِبارة "لستُ بَعد" في حياةِ غيرِ المُؤمِن؟ لا وُجودَ للعبارة "لستُ بَعدُ". فهي نفسُ الحالة دائمًا.
ولكِن مُنذُ أن نَالَ الفِداءَ، هُناكَ "لستُ بَعد أنا". فمنذُ ذلكَ الفِداء، ليست ذاتي المولودة ثانيةً، ولا ذاتي الحقيقيَّة هي الَّتي تَفعلُ تلكَ الأشياء، بل إنَّها الخطيَّة السَّاكِنَة فِيَّ. لِذا فإنَّنا نُحارِب (كما يَقولُ بولس) ونَخسر. والخسائِرُ تَبدو جَسيمةً جدًّا بسببِ كَمالِ ناموسِ اللهِ المُقدَّس.
لِذا، اسمَحوا لي أن أرجِعَ إلى الوراء قليلاً وأن أُضيفَ مُلاحظةً صغيرةً إلى مُلاحظاتِكُم الَّتي رُبَّما قُمْتُم بتدوينِها في أثناء دراسَتِنا لرسالة رُومية والأصحاحات 5 و 6 و 7. أضيفوا ما يَلي إلى لائحةِ نَتائجِ التَّبريرِ بالإيمان: النَّتيجةُ الأولى الَّتي رأيناها في الأصحاحِ الخامسِ هي: الضَّمان. والنَّتيجةُ الثَّانيةُ الَّتي رأينا في الأصحاحِ السَّادسِ هي: القَداسة. ثُمَّ رأينا في الأصحاحِ السَّابع: الحُريَّة، والإثمار، والخدمة. والنَّتيجةُ الرَّابعةُ في هذا الأصحاحِ هي: الحَساسِيَّةُ مِنَ الخطيَّة. فهذه نتيجة مِن نَتائجِ التَّبرير. فبولس ما يَزالُ يتحدَّث عن عقيدةِ التَّبريرِ بالنِّعمة مِن خلالِ الإيمان. وواحدةٌ مِن نتائجِهِ هي الحَساسِيَّةُ الشَّديدة مِنَ الخطيَّة.
والآن، في هذه النُّقطة، قد تَظُنُّ أنَّ بولسَ سيَستلِم. وقد وَضَّحَ النُّقطة. أليسَ كذلك؟ فهو مِثلي إذْ إنَّهُ يُفِصِّلُ النُّقطةَ تَفصيلاً. ولكِنْ لننظُر إلى المَرثاةِ الثَّالثة. وهي مِثلَ البقيَّة وَحَسْب. ولكِنَّ هذه واحدة مِنَ الطُّرُقِ للتَّعبيرِ عنِ الفِكرة. أليسَ كذلك؟ فهو يُريدُ أن يُعَبِّر عن حُزنِهِ الشَّديد. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنها المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة. ونَجِدُ هُنا الجوانبَ الثَّلاثةَ نَفسَها:
أوَّلاً، الحالة في العدد 21: "إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي". ونحنُ نأتي هُنا مَرَّةً أخرى إلى الحالةِ نَفسِها. فهو يَقول: "أنا أَجِدُ النَّاموسَ". وَهُوَ يَعني بذلك: مَبدأً. وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "ناموس". وهي أداة أَدبيَّة مَرَّةً أخرى. لذا فإنَّهُ يَستمرُّ في استخدامِ ذلكَ المُصطلح. فها هو ناموسُ اللهِ. ثُمَّ إنِّي أرى ناموسًا آخرَ (بِحَسْبِ قَولِهِ). أيْ مبدأً آخر، أو مِعيارًا آخرَ يُطالبني بمطالِب. وَهُوَ قانونٌ آخر ليسَ مَرِنًا يُطالبنُي بالانصياعِ لَهُ.
"وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ..."؛ أيْ: مبدأً آخرَ يَعمل، أو مَصدرًا آخرَ للأوامِر، أو مِعيارًا آخر. "...فعندما أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى، أَجِدُ أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي". والآيةُ تَقولُ حَرفيًّا: "أَجِدُ أنَّ الشَّرَّ في المُتَناوَل". فهو جاهِزٌ. وهو يُصارِعُ كُلَّ فِكرةٍ صَالِحَة، وكُلَّ نِيَّة طَيِّبة، وكُلَّ دافعٍ جَيِّد، وكُلَّ كلمة صَالِحَة، وكُلَّ عَمَلٍ صَالِح، وكُلَّ فِعْلٍ حَسَن. فهو ليسَ نَائِيًا. وهو ليسَ بعيدًا. فالشَّرُّ لم يُستأصَل كما يَقولُ لنا فَريقٌ مِنَ اللَّاهوتِيِّين إذْ إنَّهُم يقولونَ إنَّكَ تَبلُغُ نُقطةً تُستأصَلُ فيها طبيعَتُكَ الخاطئة. ثُمَّ إنَّهُم يَقولون: "مِن تلكَ اللَّحظة فصاعدًا، لن تُخطئ، بل تَقترِفُ أغلاطًا وَحَسْب". ولكنَّ بولُس يقول: "إنَّ الشَّرَّ حاضِرٌ. فهو في المُتناوَل. لستُ أنا حَقًّا مَن يَفعل ذلك، ولكنَّ الشَّرَّ ليسَ بعيدًا". والحالة هي حالةُ صِراعٍ مَرَّةً أخرى.
ثُمَّ يأتي الدَّليل في العدد 22. وكيفَ تُثْبِتُ ذلكَ مَرَّةً أخرى؟ حسنًا: "فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِن". وهذا جانبٌ مِن جوانِبِ الصِّراع. ففي إنسانِهِ الباطِن، يُسَرُّ بناموسِ الله. ومَرَّةً أخرى، أودَّ أن أُوَجِّهِ أنظارَكُم إلى المزمور 119 الَّذي أعتقد أنَّهُ أفضلُ نَصٍّ مُوازٍ في العهدِ القديمِ لِرومية 7. ولا أدري إن قالَ أحدٌ ذلكَ مِن قَبل، ولكنِّي أريدُ أن أقترحَ ذلك. المزمور 119: 77: "لِتَأتِنِي مَرَاحِمُكَ فَأَحْيَا...". ثُمَّ استَمِعوا إلى ما يَلي: "...لأَنَّ شَرِيعَتَكَ هِيَ لَذَّتِي". ورُبَّما كانَ بولسُ يُفَكِّر في نفسِ ذلكَ المَقطع. وعندما يَقولُ: "فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ" فإنَّهُ يُؤكِّدُ المَشاعِرَ القلبيَّة للمُرَنِّم.
وفي المزمور 119: 111 (وأعدادٍ أخرى)، ولكِنِ انظروا فقط إلى العدد 111: "وَرِثْتُ شَهَادَاتِكَ إِلَى الدَّهْرِ، لأَنَّهَا هِيَ بَهْجَةُ قَلْبِي". إنَّها، مَرَّةً أخرى، بَهْجَةُ قَلبِه. وفي العدد 20 مِن نفسِ ذلكَ المزمور، وَهُوَ مُجَرَّدُ عددٍ آخر: "انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ". ويا لَها مِن آية رائعة: "انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ".
وما هي علامةُ الإنسانِ الرُّوحيِّ الحقيقيِّ في المزمور 1: 2؟ مَسَرَّتُهُ في ماذا؟ "فِي نَامُوسِ الرَّبِّ...وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً". فالإنسانُ المولودُ ثانيةً يَتَّصِفُ بمحبَّتِهِ لِكلمةِ اللهِ، وبمحبَّتِهِ لناموسِ اللهِ، وبمَسَرَّتِهِ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ البَاطِن.
والآن، أريدُ منكم أن تُلاحظوا العِبارة "بِحَسَبِ الإِنْسَانِ البَاطِن". فهي تَعني في الحقيقة: "مِن أعماقِ قلبي". فهذا هو معناها. مِن أعمَقِ جُزءٍ فِيَّ. فأعمَقُ جُزءٍ في الإنسان، ومِن صَميمِ قَلبِه، في الإنسانِ الباطِن، وفي دَاخِلِ الإنسانِ الحقيقيِّ يَجوعُ إلى ناموسِ اللهِ، وَيَتوقُ إليهِ، ويُسَرُّ بِهِ، ويُحِبُّهُ. وأعظمُ فَرَحٍ، وأصدَقُ تَعبيرٍ عنِ المرءِ هو أن يُسَرَّ بناموسِ الله.
وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الإنسانَ الباطِنَ (أوِ الإنسانَ الدَّاخليَّ) هو تلكَ الطَّبيعة المولودة ثانيةً والمَفْدِيَّة. ومعَ أنَّ بولسَ يَقولُ إلى أهلِ كورِنثوس: "بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ [ماذا؟] يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا" (2كورنثوس 4: 16). ونحنُ نَتأيَّدُ "بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ" (أفسُس 3: 16). والرُّوحُ يَعمَلُ عَمَلَهُ "في الإنسانِ الباطِن". فهذا هو نِطاقُ الخليقة الجديدة. وهذه هي الذَّاتُ الحقيقيَّة، ومَركِزُ الشخصيَّة المَفْدِيَّة.
ولكِنَّ الدَّليلَ على الصِّراعِ يَصْحَبُنا إلى العدد 23: "وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ [أو مَبدأً آخَر]". وأينَ هُوَ ذلكَ النَّاموس؟ أينَ هُوَ؟ في ماذا؟ "فِي" ماذا؟ "في أَعْضَائِهِ". وماذا قُلنا عنِ الأعضاء؟ إنَّها العوامِلُ البشريَّة، أوِ العوامِلُ الجسديَّة، أوِ الجَسَد، أوِ الطَّبيعة البشريَّة، أو الجُزءُ الفاني غيرُ المَفديِّ مِنَّا. واستخدامُهُ لهذا المُصطَلَح مُضْطَرِدٌ تمامًا.
لِذا فإنَّهُ يَرى في العدد 23 ناموسًا آخرَ. وهذا النَّاموسُ ليسَ موجودًا في ذاتِهِ الحقيقيَّة، أو في كِيانِهِ العميق، أو في إنسانِهِ الدَّاخليِّ؛ بل في إنسانِهِ الخارجيِّ. أليسَ كذلك؟ فهو في أعضائِهِ. وهو في طبيعَتِه البشريَّة. وهو: "يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي". وناموسُ ذِهني هو نفسُ ناموسِ اللهِ الَّذي هو الإنسانُ الباطِن. لِذا فإنَّ الذِّهنَ يُعادِلُ الإنسانَ الباطِن. وَهُوَ يَرى الحَربَ. وَهُوَ يَعترِف أحيانًا قائلاً إنَّ النَّاموسَ الموجودَ في أعضائي يَنتصرُ أحيانًا على ناموسِ ذِهني "وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي". فهو يُمَيِّزُ بوضوحٍ تَامٍّ بينَ الاثنين.
اسمعوني، يا أحبَّائي: لو كانَ النَّصُّ يُشيرُ هُنا إلى الإنسانِ غيرِ المُؤمِنٍ، سيكونُ ناموسُ ذِهنِهِ فاسِدًا مِثلَ ناموسِ أعضائِهِ "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لله". ولكِنَّ ذِهنَهُ، الَّذي هو إنسانُهُ الباطِن (أو ذاتُهُ الحقيقيَّة، أو خَليقَتُه المَفْدِيَّة) يَتوقُ إلى ناموسِ اللهِ، ويُحارِبُ ناموسَ أعضائِهِ الَّذي هُوَ، بِلا شَكٍّ، كَما قُلنا: طبيعَتَهُ البشريَّة. ولاحظوا، مَرَّةً أخرى، العدد 23. فأحيانًا، قد تكونُ نتيجةُ المعركةِ لصَالِحِ ناموسِ أعضائِهِ، ولاحِظوا ما يَلي: فَيَسْبيه.
اسمعوني: لا بُدَّ أنَّ هذا الشَّخصَ مَفْدِيٌّ لأنَّ الأشخاصَ غير المَفديِّين لا يُسْبَوْن. لماذا؟ لأنَّهم مَسبيُّونَ أصلاً. ولكِن عندما تُحْرِزُ الخطيَّةُ النَّصرَ في الصِّراعِ الرُّوحيِّ فإنَّ المؤمنَ يُسْبَى لتلكَ الخطيَّة ويصيرُ أسيرًا لتلكَ الخطيَّة.
لِذا فإنَّهُ يُبَيِّنُ مَرَّةً أخرى الحالة في العدد 21، ثُمَّ يُثْبِتُها. فالصِّراعُ هُوَ بينَ ناموسِ ذِهنِهِ (أيْ إنسانِهِ الباطِنِ الَّذي يَتوقُ إلى الأشياءِ المُختصَّةِ باللهِ) والنَّاموسِ الكائِنِ في أعضائِهِ. وتذكَّروا الاضْطِرادَ في كُلِّ الأصحاحِ السَّادسِ والأعداد 12 و 13 و 19، والأصحاحِ السَّابعِ والعدد 5، وفي كُلِّ هذا الجُزء. ففي كُلِّ هذه المَواضِع، يُشيرُ دائمًا إلى الخطيَّة الموجودة في الأعضاء. والأعضاءُ الجسديَّةُ هي المعنى المُشارُ إليه. وهذا لا يعني فقط الجسد، بل يعني الذِّهن، والأفكار، والعواطف، وكُلَّ ما تَنطوي عليهِ بشريَّتُنا. فهناكَ حَرْبٌ دائرةٌ.
والآن، أريدُ منكم أن تَرجِعوا إلى المزمور 119. ولا أدري إن كُنتم قد لاحظتُم ما يَلي بخصوصِ المزمور 119. ولكنِّي أَرى المُرَنِّمَ يَخوضُ نَفسَ الحرب. وأريدُ أن أُريكُم ذلك. لِنرجِع إلى حيثُ توقَّفنا، أيْ عندَ المزمور 119: 20. وأريدُ أن أتحدَّثَ عن تلكَ الآية الرَّائعة، ثُمَّ أريدُ أن أصْحَبَكُمْ إلى ذلكَ المزمور (رُبَّما إلى عَشْرِ آياتٍ أو اثنتيّ عَشرةَ آيةٍ مِنه). وهي آياتٌ قصيرة جدًّا. ولكِن رَكِّزوا جيِّدًا:
"انْسَحَقَتْ نَفْسِي..." إنَّها لُغة مُرَكَّزة جدًّا جدًّا. "انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ". إنَّهُ...قد تقولُ: "إنَّهُ شخصٌ رُوحيٌّ يَشعُرُ بهذا الانسحاقِ في قلبِهِ شَوقًا إلى أحكامِ اللهِ". ثُمَّ انظروا إلى العدد 70: فهو يتحدَّثُ عنِ المُتكبِّرين: "سَمِنَ مِثْلَ الشَّحْمِ قَلْبُهُمْ". وهي صُورة حَيَّة جدًّا. "أَمَّا أَنَا فَبِشَرِيعَتِكَ أَتَلَذَّذُ".
انظروا إلى العدد 81: "تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى خَلاَصِكَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ. كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى قَوْلِكَ، فَأَقُولُ: «مَتَى تُعَزِّينِي؟». لأَنِّي قَدْ صِرْتُ كَزِقّ فِي الدُّخَانِ، أَمَّا فَرَائِضُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا". أنا أَتَلاشَى. وأنا بحاجةٍ ماسَّةٍ جدًّا إلى نَاموسِكَ. فأنا أشعرُ أنِّي بعيدٌ جدًّا عنهُ. ونَجِدُ هُنا هذا القلبَ الَّذي يَشتاقُ إلى ناموسِ الله.
العدد 92: "لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي، لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي". والعدد 97 يُلَخِّصُ ذلك: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي". العدد 113: "الْمُتَقَلِّبِينَ أَبْغَضْتُ، وَشَرِيعَتَكَ أَحْبَبْتُ". إنَّها صُورة حَيَّة جدًّا. العدد 131: "فَغَرْتُ فَمِي وَلَهَثْتُ". وقد تقول: "هل كُنتَ تَركُضُ مَسافةً طويلة؟ لا. "إلى وَصَايَاكَ اشْتَقْتُ". هل تَشتاقونَ إلى ذلك؟ إنَّهُ اشتياقٌ عَظيمٌ إلى الوَصَايا. ولا بُدَّ أنَّكُم لا تَشُكُّونَ في رُوحيَّة هذا الشَّخص.
العدد 143: "ضِيْقٌ وَشِدَّةٌ أَصَابَانِي، أَمَّا وَصَايَاكَ فَهِيَ لَذَّاتِي". العدد 163: "أَبْغَضْتُ الْكَذِبَ وَكَرِهْتُهُ، أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَأَحْبَبْتُهَا". العدد 165: سَلاَمَةٌ جَزِيلَةٌ لِمُحِبِّي شَرِيعَتِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَعْثَرَةٌ". العدد 174: "اشْتَقْتُ إِلَى خَلاَصِكَ يَا رَبُّ، وَشَرِيعَتُكَ هِيَ لَذَّتِي".
والآن، حينَ تَصِلُ إلى العدد 174 ستقولُ لنفسِك: "إنَّ هذا الشَّخصَ رُوحِيٌّ جدًّا. إنَّهُ أمرٌ مُذهل!" ثُمَّ إنَّكَ ستُصْدَمُ حَقًّا حينَ تَقرأُ العددَ الأخيرَ مِنَ المزمور. ما الَّذي يَقولُه؟ "ضَلَلْتُ، كَشَاةٍ ضَالَّةٍ. اطْلُبْ عَبْدَكَ، لأَنِّي لَمْ أَنْسَ وَصَايَاكَ".
وقد تقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! إنَّ هذا الرَّجُلَ مُنتصِرٌ. ولكِن ما الَّذي تَفعلُهُ بإنهاءِ المَزمورِ بهذه الطَّريقة؟" هل تَعلمونَ ماذا يقول: "أنا أُحِبُّ شَريعَتَكَ"، ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في النِّهاية: "ولكنِّي ضَلَلْتُ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ في نفسِ الحالةِ الَّتي كانَ عليها بولُس. أليسَ كذلك. فهو نفسُ الصِّراع. فلا فَرْق. والآن، لنرجِع إلى رُومية 7.
ما المَصدَر؟ فالدَّليلُ مَذكورٌ في الجُزءِ الأوَّل مِنَ العدد 23 إذْ يَقول: "وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي". فما هو المَصدر؟ إنَّهُ مَذكورٌ هُناكَ في نفسِ الآية: "وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ..." [ماذا؟] "...الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي".
لماذا تُخطئ؟ لماذا تُخطئ؟ لأنَّ اللهَ لم يَقُمْ بعملٍ جَيِّد حينَ خَلَّصَك؟ أو لأنَّ طبيعَتَكَ الجديدة ليست كاملة؟ أو لأنَّكَ لستَ مُستعدًّا للسَّماءِ حَتَّى الآن، وما يزالُ ينبغي لكَ أن تُثْبِتَ أنَّكَ جَديرٌ بدخولِها؟ لا. لماذا تُخطئ؟ لأنَّ ماذا؟ لأنَّ الخطيَّة ما تزالُ ساكِنَة في طبيعَتِكَ البشريَّة. ولا بُدَّ أن يكونَ المُتكلِّمُ هُنا شخصًا مؤمِنًا لأنَّ غيرَ المؤمنينَ لا يُسْبَوْنَ إلى ناموسِ الخطيَّة. فَهُمْ مَسبيُّونَ أصلاً. وأعضاؤكَ (أو طبيعتُكَ البشريَّة) تَضُمُّ ذِهنَكَ، وعاطِفَتكَ، ومشاعِرَكَ، وجسَدَك، وكُلَّ هذه الأشياء.
ونقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس 10: 3: "لأَنَّنَا وَإِنْ كنَّا نَسْلُكُ فِي الْجَسَدِ، لَسْنَا حَسَبَ الْجَسَدِ نُحَارِبُ. إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِــاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ". وأنا أُحِبُّ هذه الآية. فَهُوَ يقول: "معَ أنَّهُ ينبغي لكم أن تَعيشوا في هذا الجسد، عندما تنظُرونَ إلى المعركة الحقيقيَّة فإنَّها ليسَت جسديَّة البَتَّة. أليسَ كذلك؟ فالأسلحةُ الَّتي ينبغي أن نُحاربَ بها ليست جسديَّة، بل هي رُوحيَّة".
إنَّها ثلاثُ مَراثي. وهي تُرَكِّزُ على حالةِ المؤمِن: فهي حالةُ صِراع. وهي تُرَكِّزُ على إثباتِ ذلك؛ أيْ على إثباتِ عدم قُدرتِنا على تَنفيذِ مشيئةِ اللهِ إلى المُستوى الَّذي نَعلم أنَّنا مُطالبونَ بِهِ. وهي تُرَكِّزُ على مَصدر ذلك: الخطيَّة السَّاكِنَة فينا. فالمؤمنُ الحقيقيُّ، والمؤمنُ الرُّوحيُّ، والمؤمنُ التَّقِيُّ يَصْرُخُ ويَطلُبُ التَّحرُّرَ مِن هذا. وإن لم تَكُن المَراثي الثَّلاثُ كافيةً، فإنَّهُ يَنوحُ في العدد 24. وهي صَرخةٌ تَفوقُ المَراثي الأخرى. وهي صَرخةٌ أقوى مِن أيِّ شيءٍ آخرَ قالَهُ. فهو يَصرُخُ في غَمْرَةِ يأسِهِ وإحباطِهِ قائلاً: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!"
وقد تقولُ لنفسِك: "أَيُعقَلُ أن يكونَ هذا الرَّسول بولُس؟ أَيُعقَلُ أن يكونَ المُتكلِّمُ مَسيحيًّا؟" ويقولُ المُفَسِّرُ الرَّائعُ والمُبارَكُ على مَدى سَنواتٍ طويلة "هولدين" (Haldane): "يَنظُرُ النَّاسُ إلى أنفسِهم على أنَّهُم خُطاة بمقدارٍ يَتناسَب مُباشرةً معَ ما اكتشفوهُ سابقًا عن قداسةِ اللهِ وناموسِه". وهو مُحِقٌّ. فهذا مُؤمِنٌ يَقول: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" فهو يُريدُ أن يكونَ كُلَّ ما يُريدُ مِنهُ اللهُ أن يكون.
والمُرَنِّمُ يَصْرُخُ في المزمورِ السَّادس: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ. ارْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. اشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ، وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدًّا". والمَعنى المقصودُ هُوَ أنَّهُ خافَ جِدًّا. "وَأَنْتَ يَا رَبُّ، فَحَتَّى مَتَى؟ عُدْ يَا رَبُّ. نَجِّ نَفْسِي. خَلِّصْنِي مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ. لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي الْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟ تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي". وما يَقولُهُ المُرَنِّمُ هُوَ: "لقد سَقُمْتُ وَتَعِبْتُ جدًّا لأنِّي عاجِزٌ عن أن أكونَ كُلَّ ما يَنبغي أن أكون".
ونَقرأُ في المَزمور 38: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِسَخَطِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ" [كَما يَقولُ دَاوُد]، "لأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ انْتَشَبَتْ فِيَّ، وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ. لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي". ويقولُ دَاوُد: "لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي. لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِينًا. لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلأَتَا احْتِرَاقًا، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ. خَدِرْتُ وَانْسَحَقْتُ إِلَى الْغَايَةِ. كُنْتُ أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي. يَا رَبُّ، أَمَامَكَ كُلُّ تَأَوُّهِي".
وقد تقول: "إن كانَ كُلُّ ما تَرغَبُ فيهِ أمامَهُ، كيفَ يُعْقَلُ أن تَكونَ بهذهِ الحالةِ المُزْرِيَة؟" هذه هي المَعركة. أليسَ كذلك؟ وداودُ يَقولُ أكثرَ قليلاً مِمَّا يَقولُهُ بولُس: وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" "قَلْبِي خَافِقٌ. قُوَّتِي فَارَقَتْنِي". فهو يُريدُ أن يكونَ بِحالٍ أفضل مِنْ تلكَ الَّتي كانَ عليها. وقد وَجَدَ نَفسَهُ خَائِرَ القُوى بسببِ طبيعَتِهِ البَشريَّة.
ونَقرأُ في المَزمور 130: "مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ. يَا رَبُّ، اسْمَعْ صَوْتِي. لِتَكُنْ أُذُنَاكَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟ لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ. انْتَظَرْتُكَ يَا رَبُّ. انْتَظَرَتْ نَفْسِي، وَبِكَلاَمِهِ رَجَوْتُ". وهُنا، مَرَّةً أخرى، نَسمَعُ صَرْخَةً بسببِ الخطيَّةِ مِن رَجُلٍ بَارٍّ. فهذا هو ما يَشعُرُ بِهِ الشَّخصُ المَفْدِيُّ: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!"
ثُمَّ إنَّهُ يَطرَحُ سُؤالاً في العدد 24: "مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" أَلا تَذَكَّرتُم مَرَّةً أخرى: أينَ تَكمُنُ مُشكِلَتُه؟ إنَّها تَكْمُنُ في ماذا؟ في جَسَدِه. وَهُوَ جَسَدُ ماذا؟ مَوْت. والكلمة "يُنقِذ" هي الكلمة "يُحَرِّر". وهي تُستخدَمُ للإشارة إلى العملِ الَّذي يَقومُ بهِ جُنديٌّ عندما يَهُبُّ لِنَجْدَةِ رَفيقِهِ في غَمْرَةِ المعركةِ، ويُنقذُهُ مِنَ العَدُوِّ. والعِبارة "جَسَدُ الموتِ" مُدهشة جدًّا. فهي تُشيرُ حَرفيًّا إلى "الجسدِ الخاضِعِ للخطيَّةِ والموت". إنَّهُ "الجسدُ الفاني غيرُ المَفْدِيِّ". وَمَرَّةً أخرى، فإنَّ الألفاظَ مُضْطَرِدَة. الجسد...الأعضاء...الجسد.
يُحكَى أنَّهُ بالقُربِ مِن طَرْسوس الَّتي وُلِدَ فيها شاوُل، كانت هناكَ قَبيلة فَرَضَتْ عُقوبةً فظيعةً على شخصٍ قاتِل. فعندما كانَ شخصٌ يَقتُلُ آخر، كانتِ العادَةُ لديهم هي أن يُحْكِمُوا رَبْطَ جُثَّةِ القَتيلِ بجسدِ القاتِلِ مُباشَرةً بحيث يَكون وَجْهُه مُلتصقًا بوجهِه، وأنفُهُ مُلتصقًا بأنْفِهِ، وصَدرُهُ مُلتَصِقًا بِصَدرِه، وفَخذُهُ مُلتَصِقًا بفَخذِه، وقَدَمُهُ مُلتصِقَةً بقَدَمِه. وقد كانَ هذا العِقابُ يَستمرُّ إلى أن تَتَعَفَّنَ جُثَّةُ القَتيلِ وَتَقْتُل القاتِل. وقد كانوا يَربُطونَ الحَبْلَ بإحكامٍ كي يَعْجَزَ عَن تَحريرِ نَفسِه. وقد كانت بِضعةُ أيَّامٍ كافية لانتقالِ فَسادِ الموتِ إلى الشَّخصِ الحَيِّ وإماتَتِه. وبولسُ يَنظُرُ إلى نفسِهِ ويَرى ذلكَ في حالَتِهِ الشَّخصيَّة، ويَشعُرُ أنَّهُ يَقِفُ وجهًا لوجهٍ، وصَدرًا لِصَدرٍ، وفَخذًا لِفخذٍ أمامَ شيءٍ مَيِّتٍ وفاسِدٍ وقاتِل. وهو يَصرُخُ قائلاً: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي؟"
وهل هُناكَ أيُّ رَجاء؟ هُناكَ رَجاء. فنحنُ نَقرأ في العدد 25: "أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا!" وهذا يبدو مَوقفًا مُنتَصِرًا في نَظري. أليسَ كذلك في نَظَرِكُم؟ فهذا يَقين. ما الَّذي تَقولُهُ يا بولُس؟ هل هذا شيءٌ غامِضٌ؟ وكيفَ تَتخلَّصُ مِن هذا الصِّراع؟ بيسوعَ المسيحِ رَبِّنا. وما الَّذي كانَ يُفَكِّرُ فيه؟ أعتقد أنَّ ما كانَ يُفَكِّرُ فيهِ مَذكورٌ في الأصحاحِ الثَّامِنِ مِن رسالة رُومية.
انظروا إلى العدد...لنبتدئ مِنَ العدد 18. وسوفَ نَدرُس هذا المقطعَ لاحقًا: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا". ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عن أنَّ الخليقةَ تَنتظِرُ الاستعلانَ الكامِل. انظروا إلى العدد 23: "وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ..."؛ أي ليسَ فقط أنَّ الخليقةَ تَئِنُّ وتَتَمَخَّصُ بانتظارِ مَجْدِها، "...بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ".
بعبارة أخرى، نحنُ نَمْتَلِكُ سُكْنَى الرُّوحِ القُدُس. ونحنُ قد صِرْنا خَليقةً جديدة. وقد حَصلنا على الزَّرعِ الأبديِّ. وقد حَصلنا على الطَّبيعةِ الإلهيَّة. وهي موجودة فينا، ولكنَّنا "نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ [ماذا؟] أَجْسَادِنَا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا نَنتظرُ المرحلةَ الأخيرةَ مِنَ الخلاص "لأنَّنا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا". ونحنُ ما زِلنا نَرْجو ذلكَ اليوم الَّذي سنُعْتَقُ فيه تمامًا ونُفدَى فيهِ جَسَديًّا وَرُوحيًّا.
وأعتقد أنَّ هذا هو ما يَتوقُ إليهِ بولُس في العَدَد 25 مِنَ الأصحاحِ السَّابع: "أَشْكُرُ اللهَ...". فهو يَقولُ إنَّ نِهايةَ الصِّراعِ ستأتي "...بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا!" وسوفَ تأتي عندما يَظهَرُ ونُمَجَّد، أو عندما نَدخُلُ إلى حَضْرَتِهِ ونُمَجَّد. وهذا سيحدثُ عندما تأتي النِّهاية، أيْ في نِهايةِ المَعركة.
وهل تُريدونَ أن تَسمعوا ذلكَ بكلماتِ بولس في 1كورنثوس 15؟ اسمعوا ما يَقول: "وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ [ماذا؟] عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ [ماذا؟] عَدَمَ مَوْتٍ". وحينئذٍ فإنَّهُ يَقولُ في العدد 57: "وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وهي تقريبًا نفسُ العِبارة الَّتي يَستخدِمُها في رُومية 7: 25.
وهو يَقولُ هُنا: "أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا!" وهو نَفسُ اليومِ الَّذي يَراهُ عندما يَلبَسُ هذَا المَائِتَ عَدَمَ مَوْتٍ، وعندما يَلبَسُ هذَا الفَاسِدُ عَدَمَ فَسَاد. لِذا فإنَّهُ يَتطلَّعُ إلى وقتِ الفِداءِ ويَقول: "أنا أراهُ، وَهُوَ قادِمٌ، وأنا أعيشُ على رجاءِ أنْ يأتي حَقًّا". وَهُوَ نفسُ الشَّيءِ الَّذي كانَ يُفكِّرُ فيهِ في 2كورنثوس 5: 4 حينَ قال: "فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ". لماذا؟ لأنَّنا مُثَقَّلونَ ببشريَّتِنا "إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاة". وهذا حَقٌّ عظيم.
فنحنُ نَتوقُ إلى ذلكَ اليوم. وَهُوَ نَفسُ اليومِ الَّذي كانَ يُفَكِّرُ فيهِ عندما كَتبَ إلى أهلِ فيلبِّي قائِلاً إنَّنا: "نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ". وهذا رَجاءٌ مُنتَصِرٌ. أليسَ كذلك؟
في تلكَ الأثناء (في العدد 25)، أو إلى أنْ تَأتي تلكَ اللَّحظة: "أنا نَفسي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة". وهل تَعلمونَ ماذا يَقول؟ إلى أنْ يأتي ذلكَ اليوم، فإنَّ المَعركةَ ماذا؟ مُستمرَّة. وهي ستَستمرُّ ما دُمنا في الجسد. ونحنُ نَستمرُّ في القولِ معَ "تينيسون" (Tennyson): "يا لَيْتَ الإنسانَ الجَديدَ يَنْهَضُ في داخلي ويُخْضِعُ الإنسانَ العَتيقَ".
لِذا فإنَّ المعركةَ لن تنتهي إلى أنْ يُعطينا يسوعُ عَدَمَ مَوْتٍ وعَدَمَ فَسادٍ. فالتَّحريرُ الكامِلُ يَنتظرُ التَّمجيدَ. وهذا هُوَ القَصْدُ. ولكِنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لا نَستطيعُ أن نَختبرَ النُّصرةَ هُنا والآن. أليسَ كذلك؟ وهذا هو مَضمونُ الأصحاحِ الثَّامِن. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ بعدَ أُسبوعَيْنِ مِنَ الآن. وإلى ذلكَ الحين، سَيُعينُكُمُ الرُّوحُ القُدُس. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
أريدُ مِنكَ أن تُصَلِّي صَلاةً صَامِتَةً معي لِلَحَظات. وأريدُ منكَ أن تَفعلَ بِضعةَ أشياء: أوَّلاً، أريدُ منكَ أن تَشكرَ اللهَ على الخليقة الجديدة الَّتي أنتَ عليها. أَلا فَعَلْتَ ذلك؟ أنَّكَ صِرتَ جَديدًا في المسيح، وتَليقُ بالسَّماء. أَلا شَكَرتَهُ على ذلك؟
ثُمَّ أَلا اعترفتَ لَهُ بأنَّكَ بالرَّغمِ مِنْ حُبِّكَ لناموسِهِ وَاشتياقِكَ إلى تَطبيقِه، هُناكَ شيءٌ فيكَ يُقاوِمُ ذلك؟ أَلا اعترفتَ لَهُ بذلكَ بقلبٍ حزين، وتَضَرَّعتَ إليهِ أنْ يُعطيكَ نُصرةً إلى أنْ يأتي يسوعُ ويُنقِذكَ مِن هذا الجَسَدِ الوَضيعِ ويُعطيكَ جَسَدًا مِثْلَ جَسَدِه؟
أبانا الحبيب، نَشكُركَ لأنَّكَ سَمَحْتَ لنا أن نَدخُلَ إلى قلبِ هذا الرَّسولِ الحبيبِ، وإلى قلبِ المُرَنِّمِ لأنَّ كُلًّا منهُما عَبَّرَ عَنْ أنَّاتِ قَلبِهِ شخصيًّا. ونحنُ نُريدُ أن نكونَ أبرارًا، ونُريدُ أن نَسُدَّ حاجاتِ النَّاسِ الآخرينَ، ونُريدُ أنْ نَخدِمَ بالطَّريقةِ المطلوبةِ مِنَّا. ونُريدُ أن نُحِبَّ كما تُحِبُّ أنت. ونُريدُ أن نكونَ دائمًا مُكَرَّسينَ ومُخَصَّصينَ. ونُريدُ أن نَقولَ دائمًا الحَقَّ، وأن نَتمتَّعَ دائمًا بالنَّزاهةِ والاستقامة. ونُريدُ أن نكونَ أنقياءَ ولُطفاءَ ووُدعاء. ونُريدُ أن نكونَ أقوياءَ الشَّخصيَّة. ونُريدُ أن نقولَ دائمًا الكلامَ المُناسِب. ونُريدُ دائمًا أن نَكونَ أقوياء عندما نَشعُرُ بالضُّعف.
ولكِنْ يا رَبُّ، غالبًا ما نَعجَزُ وَحَسْب عنِ القيامِ بذلك. فنحنُ لا نُبالي بالآخرين. ونحنُ أنانيُّونَ، ومُنغمسونَ في ذواتِنا، وَناقِدونَ، وغيرُ أُمناء في وُعودِنا، ومُقَصِّرون. وإذْ نَرْثي حقيقةَ قُوَّةِ تلكَ الخطيَّة السَّاكنة فينا، نَسألُكَ أن تُساعِدَنا على أن نَعلَمَ، يا أبانا، أنَّهُ بالرَّغمِ مِن إقرارِنا بذلكَ، فإنَّنا نَقولُ ما هُوَ أكثر مِن ذلك. فنحنُ نَقولُ إنَّنا نَعلمُ أنَّكَ إلَهٌ قُدُّوسٌ أعطانا ناموسًا عادلاً ومُقدَّسًا وصَالحًا.
لِذا، حَتَّى في غَمْرَةِ حَساسيَّتِنا للخطيَّة، وحتَّى في غَمْرَةِ حُزْننا الَّذي نَشعُرُ بِهِ، هناكَ رَجاءٌ لأنَّهُ يَتحدَّثُ عن شخصٍ مَفْدِيٍّ، ويَتحدَّثُ عن شخصٍ يَنمو رُوحيًّا، ويَرى الخطيَّةَ على حقيقَتِها، ويَرى ناموسَ اللهِ على حَقيقَتِه. ونحنُ نَتَعَزَّى، يا أبانا، حينَ نَعلمُ أنَّنا نَتوقُ إلى تلكَ الأشياءِ المُقدَّسةِ والعادلةِ والصَّالحةِ بالرَّغمِ مِن أنَّنا لا نَفعلُها دائمًا.
نَشكُرُكَ على ذلكَ التَّأثيرِ العَكسيِّ في أنَّهُ بالرَّغمِ مِن حُزنِنا فإنَّنا نَجِدُ قَدرًا مِنَ الفَرح. ساعِدنا على أن تَمتلئَ قُلوبُنا بالرَّجاءِ بمجيءِ يسوعَ المسيح. والى أن يَحدُثَ ذلك، ساعِدنا على أن نَتحرَّرَ مِنَ الهَزيمةِ بقوَّةِ الرُّوحِ السَّاكِنِ فينا.
نَشكُرُكَ على شَرِكَتِنا في هذا اليوم، ونُصَلِّي الآنَ لأجلِ الأشخاصِ الحاضِرينَ هُنا ولم يَعرِفوا بَعْد يسوعَ المسيح، والَّذينَ لا يوجد في داخِلِهم صِراع، والَّذينَ يُشبهونَ ذلكَ الشَّخصَ المُستهزئَ في أنَّهُم لا يَشعرونَ بِثِقْلِ الخطيَّة لأنَّهم أموات. والإنسانُ المَيِّتُ لا يَشعرُ بأيِّ شيء. يا لَيتَهُم يَفيقونَ كما فَعَلَ بولُس في رسالة رُومية والأصحاح السَّابع وَيَرَوْنَ وَجهًا لوجهٍ ناموسَ اللهِ، ويَرَوْنَ خَطيَّتَهُم، ويَأتونَ إلى المُخلِّص. يا أبانا، أنتَ قادِرٌ أنْ تَجلِبَ الأشخاصَ الَّذينَ تُريدُ مِنهم أن يأتوا. المِس كُلَّ قلبٍ. وبارِك المُشيرينَ في أثناءِ مُشاركَتِهم. نُعطيكَ كُلَّ التَّسبيحِ في اسْمِ المَسيح. آمين.
This article is also available and sold as a booklet.
