Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنفتح كُتُبَنا المقدَّسةَ وننظر معًا إلى رسالة رُومية والأصحاح السَّابع. رومية والأصحاح السَّابع. وأودُّ أن أقرأ في مُستَهَلِّ هذه العِظة الآيات مِن 14 إلى 25. رومية 7 ابتداءً مِن العدد 14:

"فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ.

"إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة".

هذا وَصْفٌ مؤثِّرٌ لشخصٍ يعيش صراعًا مع نفسه، ومع شخصٍ يُحبُّ ناموسَ الله، ومع شخصٍ يريدُ مِن أعماق أعماقه أن يُطيعَ ناموسَ اللهِ الأدبيّ؛ ولكنَّه يُواجِهُ مقاومةً وحربًا بسبب الخطيَّة...الخطيَّة السَّاكنة فيه. فهي تجربة شخصيَّة لنفسٍ تعيشُ صِراعًا. وهي معركة. وهي حربٌ تَدورُ رَحَاهَا في القلب. فالصِّراعُ حقيقيٌّ جدًّا. وهو مُحتَدِمٌ جدًّا. وهو قويٌّ جدًّا. فهذا أمرٌ لا جِدالَ فيه.

ونجد ذُروة ذلك الصِّراع في العدد 25، أو بالحَرِيِّ في العدد 24: وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" فهناك شقاوةٌ بسببِ هذه المعركة. وهناك شقاوةٌ بسببِ هذا الصِّراع. ثُمَّ تأتي الصَّرخة: "مَنْ يُنْقِذُنِي؟" ثُمَّ التَّأكيد: "أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا!" ولكِن حتَّى بالرَّغمِ مِن معرفته بهذه الحقيقة فإنَّهُ يَقولُ في النِّهاية: "إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ".

والآن، هناك أشخاص يقولون إنَّ هذا الوصفَ هو وَصفٌ للمؤمنِ المسيحيّ. وهناك أشخاص يقولون إنَّ هذا الوصفَ هو وَصفٌ لغير المؤمن. والنَّاسُ يَعْرِضونَ هذين الرَّأيينِ منذُ وقتِ كتابةِ رومية 7. وهناك حركاتٌ دينيَّة استندت في قِيامها على تفسير رومية 7. ويقولُ الفريقُ الأوَّل إنَّ هناك عبوديَّة كثيرة للخطيَّة في حياة المؤمن. ويقولُ الفريقُ الآخر إنَّ هناك شوقًا كبيرًا جدًّا لله عند غير المؤمن. فلا يمكنك أن تكون مؤمنًا وأن تكون عبدًا للخطيَّة. ولا يمكنك أن تكون غير مؤمنٍ وترغب في حفظِ ناموسِ الله. ومِن هُنا ينبُع الخِلافُ في تفسير هذا المقطع.

فلنتحدَّث قليلاً عن الرَّأيِ المُختصِّ بغير المؤمن. وعلى الأرجح، سوف نحتاج إلى أسبوعَيْن للقيام بذلك. لِذا، علينا بالصَّبر؛ لا فقط في أثناءِ استعراضِ هَذينِ الرَّأيَيْن، بل أيضًا في أثناءِ دراستنِا للنَّصّ. وسنبدأ بالرَّأي المُختصِّ بغير المؤمنين. فالأشخاص الَّذينَ يريدون مِنَّا أن نَقتنع أنَّ هذا النَّصَّ يتحدَّث عن غير المؤمنين يقولون إنَّ العدد 14 هو المِفتاح: "وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة". لِذا فإنَّهم يقولون: "مِن الواضح أنَّ الحديثَ هُنا هو عن غير المؤمِن".

ثُمَّ العدد 18: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ". وَهُم يقولون: "لا بُدَّ أنَّ الحديثَ هُنا هو عن غير المؤمنين لأنَّ الشَّخصَ المؤمن يَعرف كيف يَفعل الحُسْنَى. أين الدَّليلُ على قوَّة الرُّوحِ القُدُس هُناك؟" لِذا فإنَّهم يُشَكِّكونَ في الجهل الواضح للشَّخص المذكور في العدد 18 لأنَّهُ لا يَعرفُ كيف يَحصُلُ على النَّتائج التي يَرجوها. فهل يَجوزُ أن يكون المؤمنُ المسيحيُّ عاجِزًا إلى هذا الحَدّ؟

ثُمَّ نَقرأُ مَرَّةً أخرى في العدد 24: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" وهي كلماتٌ تبدو بعيدة جدًّا عنِ الوعدِ المذكور في الأصحاح 5 والعدد 1: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بيسوعَ المسيحِ (أوْ بالحَرِيِّ: بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ)، الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ الله". ثُمَّ إنَّه يَمضي في الحديث عن حقيقة أنَّنا نتمتَّع لا فقط بالرَّجاءِ والفَرح، بل بِكُلِّ الامتيازات. فكيف يُعقَل لرجُلٍ كهذا أن يكون شَقِيًّا إلى هذا الحَدِّ وأن يَتمتَّعَ بِكُلِّ هذه الامتيازات الكثيرة؟ وكيفَ يُعقَلُ أن يكون جسديًّا ومَبيعًا تحت الخطيَّة في حينِ أنَّ الآية رومية 6: 14 تَقول: "فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ"؟

ثُمَّ إنَّهم يَخوضونَ في الأصحاحِ السَّادس بالتَّفصيل. فمثلاً، نَقرأ في الأصحاح 6 والعدد الثَّاني: "نَحْنُ [الأموات، أو] الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟" وفي العدد 6: "عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّة". العدد 7: "لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّة". العدد 11: "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّة". العدد 12: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ". العدد 17: "فَشُكْرًا للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا". العدد 18: "وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّة". العدد 22: " وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ، وَصِرْتُمْ عَبِيدًا للهِ".

إذًا، بالرَّغم مِن كُلِّ ما قيل في الأصحاح السَّادس، كيف يُعقَل أن يُقال إنَّ ما جاء في الأصحاح السَّابع والعدد 14: "وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة" هو وَصْفٌ لشخصٍ مَسيحيّ؟ هل تَفهمونَ المشكلة؟ والآن، سوفَ نَتطَرَّقُ إلى كُلِّ مسألةٍ مِن هذه المسائل في أثناء دراستِنا للنَّصّ. ولكن اسمحوا لي هُنا أن أقولَ في إشارة عامَّة إلى الأصحاح السَّادس إنَّ التَّركيزَ في الأصحاح السَّادس يَنْصَبُّ على الخليقة الجديدة، أو الطَّبيعة الجديدة، أو الهُويَّة الجديدة، أو الشَّخصِ الجديد في المسيح، أو "أنا المَفْدِيّ". لِذا فإنَّ التَّركيز هو على قَداسَةِ المؤمن. ففي ضَوْءِ خليقتِه الجديدة وذاتِهِ المَفْدِيَّة، كَسَرَ سُلطانَ الخطيَّة.

والتَّركيزُ في الأصحاح السَّابع قد لا يكونُ بالضَّرورة نفس التَّركيز في الأصحاح السَّادِس. وكُلُّ مُؤمنٍ يَعلم أنَّه بالرَّغم مِن أنَّه خليقة جديدة في المسيح، وأنَّ سُلطانَ الخطيَّة قد كُسِر، وأنَّ الخطيَّة لم تَعُد تُهيمِنُ عليه، فإنَّ الخطيَّة ما تَزالُ مُشكلة. لِذا، سَواءٌ أَكُنتَ تُريدُ أَم لا تُريد أن تَرى أنَّ الأصحاحَ السَّابعَ يُشيرُ إلى المؤمن، سترى مؤمنًا يُصارعُ الخطيَّة بالرَّغم مِن أنَّ خليقتَهُ الجديدة (أو ذاتَهُ الجديدة) مُقدَّسَة.

لِذا، مِنَ المهمِّ أن نَفهم ما عَلَّمناهُ في الأصحاحِ السَّادس بأنَّ الخليقة الجديدة هي أنا الجديد. وهذه الذَّات المَفديَّة الجديدة مُقدَّسة. ولكِنْ سيبقى هُناكَ صِراع. وسواءٌ أكُنتَ تَرى ذلك الصِّراعَ في الأصحاحِ السَّابع أَم لا تَراهُ، ما يزالُ هناك صِراع. ويُمكنني أن أُضيفَ بأنَّه مذكورٌ حَتَّى في الأصحاح السَّادس. لاحظوا الأصحاحَ السَّادسَ والعدد 12: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ".

والآن، مَهلاً. لقد قُلتَ للتَّوّ إنَّنا مُتنا عن الخطيَّة. وقد قُلتَ للتَّوّ إنَّ الخطيَّة (أو "جسد الخطيَّة" بحسب ما جاء في العدد 6) قد أُبْطِلَ، وإنَّنا لن نُستعبدَ ثانيةً للخطيَّة. إذًا، لماذا تُوصينا في العدد 12 بألَّا نَسمحَ لها أن تَملِك؟ وكما تَرَوْن، فإنَّكم تواجهون المشكلة ذاتَها في الأصحاح السَّادس. ويجب عليكم أن تُعالجوا مسألةَ المؤمن والخطيَّة. وفي كُلِّ ما قالَهُ بولس في الأصحاح السَّادس عن طبيعتِنا الجديدة، وخليقتِنا الجديدة، وجوهرِنا الجديد، لم يَقُل قَطّ إنَّنا لن نَخوضَ مِنَ الآن فصاعدًا صِراعًا معَ الخطيَّة. فالعدد 12 يُشيرُ ضِمنيًّا إلى أنَّ الخطيَّة رُبَّما ما تزالُ سائدة. ورُبَّما ما تزالُ تُصدِرُ الأوامِرَ ونَخضعُ لها. فرُبَّما ما زِلنا نُطيعُ الخطيَّة. تابعوا معي ما جاءَ في العدد 13: "وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّة". بعبارة أخرى: قد تَفعلونَ ذلك. لِذا، يجب عليَّ أن أُوصيكُم بعدمِ القيامِ بذلك.

لِذا، مِن جِهة، فإنَّ المشكلة الموجودة في الأصحاح السَّابع هي نفس المشكلة الموجودة في الأصحاح السَّادس لأنَّكُم تَقرأونَ كُلَّ هذه الجُمَل عن أنَّكُم قد مُتُّم عنِ الخطيَّة، وأنَّكم أموات عنِ الخطيَّة، وأنَّ الخطيَّة لم تَعُد تَملِك عليكُم، وأنَّ خِدمَتَكُم للخطيَّة قد أُبطِلَت، وأنَّكم الآنَ عَبيدٌ للهِ، وأنَّكُم قد أُعتِقتُم مِنَ الخطيَّة، وأنَّكم قد تَحرَّرتُم مِنَ الخطيَّة. وفي الوقتِ نفسه، فإنَّهُ يُوصيكُم أيضًا بألَّا تَسمحوا للخطيَّة أن تَسودَ عليكُم. لِذا، لا توجد مشاكل في تفسير الأصحاح السَّابع غير تلك الموجودة في تفسير الأصحاح السَّادس.

انظروا إلى العدد 19 مِنَ الأصحاحِ السَّادس: "أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ". والآن، هل تَذَكرونَ ما قُلناهُ عن ذلك؟ عندما تُخطِئ، فإنَّ مَن يُخطِئ هو ليسَ أنتَ الجديد، بل مَن؟ إنَّهُ جَسَدُكَ أو طبيعَتُك البشريَّة. لِذا فإنَّه يقول: "يجب عليَّ أن أُذكِّرَكُم بهذه الأشياء لأنَّ جسدَكُم ما يزالُ موجودًا، لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ في الماضي، هكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَة". والمعنى الضِّمنيُّ هُنا، مَرَّةً أخرى، هو أنَّكم قد تُقدِّمونَ أعضاءَكُم للخطيَّة. قد تُقدِّمونَ أعضاءَكُم للخطيَّة.

لِذا، فإنَّ القولَ إنَّ الأصحاحَ السَّابعَ لا يُمكِنُ أن يُشيرَ إلى شخصٍ مَسيحيٍّ بسبب العبارات المذكورة في الأصحاحِ السَّادِسِ هو سوءُ فَهْمٍ حقيقيٍّ للمعنى المقصود مِنَ الأصحاح السَّادس. وأعتقد أنَّها حُجَّة واهية.

والآن، لننظُر إلى الأصحاح السَّابع والأعداد مِن 14 إلى 25 كما لو أنَّها تُشيرُ إلى شخصٍ مسيحيّ، أي كما لو أنَّها تتحدَّث عن شخصٍ مسيحيّ. العدد 22: "فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِن". وهذه جُملة قويَّة جدًّا. أليست كذلك؟ "فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِن".

مِن جهة أخرى، فإنَّنا نَطرحُ السُّؤال: هل غيرُ المؤمِن يُسَرُّ بناموسِ اللهِ بحسبِ الإنسانِ الباطِن؟ فأنتُم لا تَجدونَ هذه الإشارة في الكتابِ المقدَّس. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 8: 7 (في مُنتصفِ الآية) أنَّ الإنسانَ الَّذي لم يُولد ثانيةً لا يَخضعُ لِنَامُوسِ الله...لا يَخضعُ لِنَامُوسِ الله.

انظروا إلى العدد 25: "أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ". ويبدو أنَّ الحديثَ هُنا هو عن شخصٍ مسيحيٍّ (مِن وُجهة نَظري) لِسَبَبَيْن: لأنَّهُ يَشكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ المَسِيحِ رَبِّنَا، ولأنَّهُ يَخدِمُ ناموسَ اللهِ بِذهنِه. فهي خِدمة مِنَ القلب. وهي خِدمة نابعة مِن أعمقِ جُزءٍ في الإنسان. وأودُّ أن أُذكِّرَكُم مَرَّةً أخرى بما جاء في الأصحاحِ الثَّامن بأنَّ الشَّخص الَّذي مِن دون المسيح لا يستطيعُ أن يُطيعَ ناموسَ الله.

والآن، انظروا إلى العدد 15: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَل". هل تَعلمونَ معنى ذلك؟ في نَظري، هذا يعني أنَّهُ توجد مَعركة دائرة هُنا لأنَّ أعمقَ وأصدَقَ جُزءٍ في هذا الإنسان يَرغبُ في فِعْل الصَّواب، ولكنَّ شيئًا مَا يَمنعُهُ مِن القيام بذلك. وهل هذا يَصِحُّ على الشَّخصِ غير المُخَلَّص؟ أيْ أنَّهُم يَتوقونَ حَقًّا إلى فِعْلِ الصَّواب ولكنَّ شيئًا غامضًا يَمنعُهم مِنَ القيامِ بذلك؟ ليسَ بحسبِ إرْميا الَّذي قال: "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ [ماذا؟] نَجِيسٌ". انظروا إلى العدد 18: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّها الفكرة نفسُها. فهناك شيءٌ عميق في داخلي يُريدُ أن يَفعلَ الصَّواب.

ويُمكنكم أن تَرَوْا ذلكَ في العدد 19: "لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". ويُمكنكم أن تَروا ذلك في العدد 21: "إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي". إذًا، هُناك شيءٌ في القلبِ والنَّفسِ والذِّهنِ، أي في أعماقِ كِيانِ الإنسان، يَتوقُ إلى فِعْلِ الحُسْنَى. فالمَيْلُ هُوَ تُجاه الحُسْنَى. ولكِنْ يوجد شيءٌ شِرّير يَجعلُ ذلك أمرًا ليسَ سهلَ التَّحقيق.

وأيًّا كانَ هذا الشَّخص...افهَموا هذه النُّقطة...فإنَّهُ يَتوقُ إلى القيامِ بأشياءٍ صالحة، ولكنَّه يَجِدُ نَفسَهُ يَفعلُ ماذا؟ أشياء شرِّيرة. وبحسب فَهْمي لرسالة رُومية والأصحاح الثَّالث، فإنَّ الإنسانَ الشرِّير لا يَتوقُ البتَّة إلى عَمَلِ مشيئةِ الله. "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ". ففي رُومية 3، يَقولُ بولُسُ إنَّ كُلَّ شيءٍ في غير المؤمنين سَيِّئ...كُلَّ شيء. "لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ" (في العدد 11). فلا أحدَ يَسعى إلى تنفيذِ مَقاصِدِ الله، أو مشيئةِ اللهِ المُقدَّسة، أو شريعة الله الأدبيَّة المُقدَّسة. "لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِم". فَهُم لا يَحترمونَ اللهَ ولا شَريعَتَه.

والمعركةُ هُنا، أوِ الحربُ، أوِ الصِّراعُ بين ما يقولُهُ بولُس: ("أُسَرُّ، أو أُحِبُّ، أو أَرُومُ، أو أُريدُ، أو أَتوقُ إلى") وبين ما يَفعله في الحقيقة لا يُمكن، مِن وجهة نظري، أن يَحدُثَ إلَّا في الشَّخصِ المَفْدِيّ. فلا أعتقدُ أنَّه يوجد في الشَّخص الَّذي لم يُولَد ثانيةً، أو في الشَّخصِ غيرِ المَفْدِيِّ، أو في الشَّخصِ غير المُخَلَّص، لا أعتقدُ أنَّهُ يوجد صِراعٌ أصلاً. بعبارة أخرى، نحنُ لا نُؤمِن ولو قليلاً بأنَّ النَّاسَ الَّذينَ يعيشون مِن دونِ اللهِ هُم حقًّا أشخاصٌ صَالحون يَعجزونَ فقط عن أخذِ قَرارٍ حَاسِم، بل نحنُ نُؤمنُ بأنَّهم أشرارٌ حقًّا ويَفعلونَ الشَّرَّ الموجود فيهم.

وهناك سؤالٌ آخر يُطرَحُ في هذه النُّقطة. وهذا النِّقاشُ هو نقاشٌ مُحتَدِمٌ مِنْ كِلا الجانِبَيْن. حسنًا، لِنَقُل إنَّ هذا النَّصَّ يتحدَّث عن شخصٍ مسيحيّ...فقط مِن أجلِ إسعاد "ماك آرثر" (MacArthur). فلنقُل إنَّه يتحدَّث عن شخصٍ مسيحيٍّ. فما نَوعُ هذا المسيحيّ؟ هناك مَن يقولُ إنَّ النَّصَّ يَصِفُ مَسيحيًّا في أدنى المستوياتِ الرُّوحيَّة. بعبارة أخرى، فإنَّ هذا الشَّخصَ لا يُمَيِّز بعد ما يَجري. فهو يُحاول بقوَّتِه الشخصيَّة أن يَحفظَ النَّاموس.

ويقولُ أَحَدُ الكُتَّابِ إنَّ هذا هو البؤسُ الحقيقيُّ لإخفاقِ المؤمِن الَّذي يُحاول أن يُرضي اللهَ في ظِلِّ شريعةِ مُوسَى؛ أي المسيحيّ النَّاموسيّ جدًّا الَّذي يُحاول أن يُظهِرَ بِرَّهُ الذَّاتيَّ ولا يستطيعُ القيامَ بذلك في جَسَدِه.

ولكِنْ هلِ يَتحدَّثُ النَّصُّ عن مَسيحيٍّ ناموسِيٍّ؟ أو هل يتحدَّثُ عن مَسيحيٍّ يَرى نَفسَهُ بارًّا أو يَصِفُ مَسيحيًّا في أدنى مُستوىً رُوحِيٍّ؟ بِصراحة، لا أَظُنُّ ذلك. والسَّببُ في عدم اقتناعي بذلك هو أنَّ المسيحيِّينَ الَّذينَ يَنتمونَ إلى هذهِ الفئاتِ لا يَمتلكونَ عادةً هذا النَّوعَ مِنَ الإدراك. فإن كُنتم تعرفونَ شيئًا عنِ الشَّخصِ النَّاموسيِّ، لا بُدَّ أنَّكم تَعرفون أنَّهم يَتوهَّمونَ بأنَّهم روحيُّون جدًّا جدًّا. فَهُم لا يَظُنُّونَ لحظةً واحدةً أنَّهم هكذا.

وهل تَعلمون ما نوعُ المسيحيِّ الموصوف هُنا؟ إنَّهُ، يا صديقي، أكثرُ مَسيحيٍّ ناضجٍ روحيًّا مَوجود إذْ إنَّهُ يَرى بوضوحٍ ضَعفَ جسده في ضَوْءِ قداسةِ المِعيارِ الإلهيّ. أَتَرَوَنْ؟ وكُلَّما ازدادَ نُضجًا، وازدادَ رُوحيَّةً، زادت حساسيَّتُه لضَعفه. فإن أَريتُموني مسيحيًّا يُشبهُ الأطفالَ في جسديَّتِه أو سُلوكِهِ حسب الجسد، أو مسيحيًّا ناموسيًّا يَظُنُّ أنَّهُ بارٌّ، سأُريكُم شخصًا يعيش في وَهْمِ أنَّ كُلَّ شيءٍ يَفعلُه رُوحيٌّ جدًّا. وإن أَريتُموني شخصًا بهذا الانكسار، أو أَريتُموني شخصًا يَئِنُّ في أعماقِ نَفسِه لأنَّهُ لا يستطيعُ أن يَفعلَ كُلَّ شيءٍ مكتوب في ناموسِ اللهِ، سأُريكُم شخصًا رُوحيًّا.

لِذا، أعتقدُ أنَّ المقصودَ هُنا هو بولُس. أجل، بولس. ويمكنكم أن تَجِدوا ضَميرَ المُتكلِّم المُفرَد يَتكرَّر 46 مَرَّة في هذا الجُزءِ مِن الكتاب المقدَّس (في رُومية 7)، إن كانت ذاكرتي صحيحة. ولكِنْ لا تَعُدُّوها الآن. وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّهُ يَستخدِمُ ضميرَ المُتكلِّم كثيرًا. وهُناكَ مَن يقول: "الحديثُ هُنا هو عن بولس قبلَ خَلاصِه، أو عن بولس عندما آمَنَ وكانَ ما يَزالُ طِفلاً في الإيمان، وعندما كان ما يَزالُ جَسديًّا نوعًا ما". ولكنِّي أعتقد أنَّ الحديثَ هُنا هو عن بولس في أعلى درجاتِ إدراكِهِ المسيحيّ. فالحديثُ هُنا هو عن بولس في مَرحلةِ النُّضج. وما يَراهُ هو أنَّهُ لا يَعيشُ بحسبِ ناموسِ اللهِ المُقدَّس معَ أنَّه يَرغب في ذلك مِن كُلِّ قلبه. وهو يَجِد نفسَهُ مُحْبَطًا بسببِ هذا الواقعِ القَبيحِ المُتمثِّل في أنَّ بقايا الخطيَّة ما تزالُ موجودة. وهذا إدراكٌ بالغُ الحساسيَّة.

وفي رسالة كورنثوس الأولى 15: 9، يَقولُ بولسُ الشَّيءَ نَفسهُ بعباراتٍ أخرى: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا". أَتَرَوْنَ ذلك؟ فهو لا يَقول: "أنا لم أكُن أهلاً لأن أكونَ رَسولاً"، بل قالَ ماذا؟ "أَنَا لَسْتُ أَهْلاً الآنَ لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً. أنا أَصغَرُ الكُلِّ".

وَهُوَ يَقولُ في رسالة أفسُس 3: 8: "لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ". فهو يَتَّضِعُ أكثر فأكثر. فقد كانَ الأصغر، ولكنَّهُ الآنَ أصغر مِنَ الأصغر. وكما تَرَوْنَ، كُلَّما زادَ إدراكُهُ لمكانَتِه في ضَوْءِ ناموسِ اللهِ المُقدَّس (معَ أنَّهُ مِن وُجهةِ نَظرنا...إذا ما قُورِنَ بالرِّجالِ الآخرينَ...سيكونُ رَجُلاً فائقًا)، فإنَّهُ في نَظَرِ نَفسِهِ أقَلُّ مِن أصغرِ جَميعِ القِدِّيسين.

وأودُّ أن أَلفِتَ أنظارَكم إلى الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 1: 12 إذْ يَقول: "وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي، أَنَّهُ حَسِبَنِي أَمِينًا، إِذْ جَعَلَنِي لِلْخِدْمَةِ، أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا". وقد تقولون: "حسنًا! لقد كان كذلك بِكُلِّ تأكيد". "وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ. وَتَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا مَعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ما يَلي: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ [مَنْ؟] أَنَا". الَّذينَ أوَّلُهُم أنا. وبالرَّغمِ مِن ذلك، مِن أجلِ هذا السَّبب، رُحِمْتُ.

اسمعوني: أعتقد أنَّ هذا هو تمامًا ما يَقولُه في رومية 7. فهذا هو بولس بعد مِضِيِّ وقتٍ طويلٍ على كَونِهِ رَسولاً، وبعد أن صارَ ناضِجًا في الرَّبِّ، وبعد أن صار يَسلُكُ في أعماقِ الحياةِ الرُّوحيَّة، وبعد أن اختبرَ قُوَّةَ اللهِ العظيمة، وحِكمةَ اللهِ، ومَعرفةَ اللهِ. وكُلَّما زادت مَعرفتُه وخِبرتُه، زاد كُرهُهُ للخطيَّة الَّتي يَراها باقية. والعباراتُ الَّتي يَستخدِمُها في رُومية 7 دقيقة جدًّا حَتَّى إنَّنا (في رأيي) لا يُمكن أن نُفَوِّتَ هذه الصُّورة.

وأيًّا كان هذا الإنسان، فإنَّهُ يُبغِض الخطيَّة. فهو يَقول في العدد 15: "أنا أُبغِضُها". وأيًّا كان هذا الإنسان، فإنَّهُ يُحِبُّ البِرَّ إذْ إنَّهُ يقول في العددَيْن 19 و 21: "أنا أُريدُ أن أفعلَ الصَّالِح". وأيًّا كان هذا الإنسان، فإنَّهُ يُسَرُّ بناموسِ اللهِ مِن أعماقِ قلبِه (في العدد 22). وأيًّا كان هذا الإنسان، فإنَّهُ يَندَمُ بشدَّة على خطاياه (بحسب ما جاءَ في الأعداد 15 و 18 و 24) إذْ يَقول: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" وأيًّا كان هذا الإنسان، فإنَّهُ يَشكُرُ اللهَ على الخلاصِ الَّذي صارَ لَهُ بيسوعَ المسيحِ رَبِّنا. لِذا، لا تقولوا لي إنَّ هذا الشَّخصَ ليسَ مسيحيًّا.

إذًا، المسيحيُّ يعيشُ بينَ نَقيضَيْن. وَهُوَ يُحاولُ أن يَعيشَ حياةً مُتوازنةً بينَهُما. فهو يعيشُ مؤقَّتًا في هذا العالمِ كشخصٍ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ يَخضعُ لشروطِ الحياةِ الفانية. فهو ابنُ آدم. فآدمُ هُوَ رَفيقُهُ، وكذلك هي أيضًا حالُ جميعِ البشرِ الآخرينَ الَّذينَ وَرثوا البذرة الخاطئة. ولكِنَّهُ روحيًّا انتقلَ مِن الظُّلمةِ إلى النُّور، ومِنَ الموتِ إلى الحياة. وَهُوَ يَشترك الآنَ في موتِ المسيحِ ودَفنِه وقيامَتِه. وَهُوَ الآنَ وارثٌ لبذرةٍ أبديَّة لا تفسد، أي الطَّبيعة الإلهيَّة. وَهُوَ الآنَ خليقة جديدة. وَهُوَ لم يَعُد في آدم، بل هو في المسيح. ولكنَّ الخطيَّة ما تزالُ موجودة في بَشريَّتِه. لِذا فإنَّهُ ما يَزالُ يُدرك وجودَ وتأثيرَ الخطيَّة السَّاكنة فيه. وَهُوَ يُبغِضُها، ويَكرهُها، ويَشمئزُّ منها لأنَّهُ اختبرَ البِذرةَ غير القابلة للفساد. فهذا هو الإنسانُ المُشارُ إليه في رومية 7.

والآن، مِن أجل تأكيدِ ذلك، هناك تَغيُّرٌ كبيرٌ في أزمنةِ الأفعال في هذا الأصحاح. فالأفعالُ في الأصحاح السَّابع والأعداد مِن 7 إلى 13 هي في الزَّمن الماضي. وأعتقد أنَّها تُشيرُ إلى ما قَبْلَ اهتدائِهِ. وقد تحدَّثنا عن ذلك بالتَّفصيل لتوضيحِ أنَّ هذا يُشيرُ إلى تَبكيتِهِ الَّذي سَبَقَ اهتداءَهُ عندما تَقابلَ وجهًا لوجهٍ معَ ناموسِ الله. فالأفعالُ هُنا هي بصيغةِ الماضي البسيط. وما إن نأتي إلى العدد 14، تتغيَّرُ صيغةُ الأفعالِ إلى الزَّمنِ المُضارع حَتَّى نِهايةِ العدد 25. والتَّغييرُ في زَمَنِ الأفعال هو مُلاحظة لُغويَّة مُهمَّة جدًّا. فهو يُخبرنا أنَّ بولس خَرَجِ مِن نِطاقِ الماضي (قبل أن يصيرَ مَفْدِيًّا) إلى الحاضِر.

وهناكَ أيضًا تَغييرٌ مُدهشٌ جدًّا في الظَّرفِ المُختصِّ بالخطيَّة. فَمِنَ العدد 7 إلى 13، الخطيَّةُ تَقتُلهُ. الخطيَّة تَقتُلهُ. وهو يقولُ ذلك في العدد 11: "لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ، خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي". فالخطيَّة قَتَلَتْهُ. فقد قَتَلَتْ كُلَّ بِرِّهِ الذَّاتيِّ، وكُلَّ آمالِهِ، وكُلَّ شُعورِهِ بالأمان. فعندما اكتشفَ أنَّهُ خاطئٌ حقًّا يقفُ أمامَ ناموسِ اللهِ، دَمَّرَتْهُ هذه الحقيقة، وَقَضَتْ عليه. فالخطيَّة قَتَلَتْهُ.

ولكن فجأةً، عندما تأتونَ إلى العدد 14، تَقرأونَ أنَّهُ يُحارِبُ الخطيَّة ولن يَسمحُ لها أن تَقتُلَهُ. فهو لن يَستسلِمَ لها. لِذا، أعتقدُ أنَّ هذه هي شَهادة بولس الشَّخصيَّة عن معنى أن يَعيشَ بوصفِهِ مؤمنًا ناضجًا مُنقادًا بالرُّوحِ، ويُحِبُّ مِن كُلِّ قلبِه ناموسَ اللهِ الثَّمين والجميل والمُقدَّس والعظيم، ومَعنى أن يَجِدَ نَفسَهُ يعيشُ في جسدٍ بشريٍّ، وأن يكون عاجزًا عن تنفيذِ ناموسِ اللهِ بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُ مِنهُ قلبُهُ أن يَقومَ بها.

وأعتقدُ أيضًا أنَّهُ يُواصِلُ في هذا المقطعِ حديثَهُ عنِ النَّاموس. وَهُوَ يُؤكِّدُ لليهودِ، كما رأينا في المَرَّةِ السَّابقة، أنَّهُ لا يوجد خطأ في النَّاموس. فالنَّاموسُ لا يَقدِرُ أن يُخَلِّص. وقد رأينا ذلكَ. والنَّاموسُ لا يَقدِرُ أن يُقَدِّس. ولكنَّهُ ما يَزالُ صَالِحًا لأنَّهُ يَفعلُ ماذا؟ يُبَكِّتُ على ماذا؟ على خطيَّة. وهذا مبدأٌ صحيحٌ قبلَ أن تَخلُصوا. واحزروا ماذا؟ إنَّهُ مَبدأٌ صحيحٌ بعدَ ذلكَ أيضًا.

وأعتقدُ أنَّهُ في الأصحاح السَّابع والأعداد مِن 14 إلى 25 يَتْبَعُ الحُجَّة نَفسَها. لِذا فإنَّ الكلمة "فإنَّنا" تَظهرُ في العدد 14. فهي تُتابِعُ ما سَبَق وَحَسْب. فكما أنَّ الخطيَّة لم تُلغِ صَلاحَ النَّاموسِ قبلَ أن يَخلُص، فإنَّها لا تُلغي صَلاحَ النَّاموسِ بعدَ أنْ نالَ الخلاص. فالنَّاموسُ يُظْهِرُ أنَّ الخطيَّة خاطئة قبلَ أن تَخلُص، و يُظْهِرُ أنَ الخطيَّة خاطئة بعدَ خَلاصِك.

فعندما تصيرُ مَسيحيًّا وتقرأُ عنِ الخطيَّة في الكتابِ المقدَّس، هل تشعرُ أنَّ قَلقَكَ مِنَ الخطيَّة قد تَضاءلَ لأنَّكَ صِرْتَ مَسيحيًّا؟ لا، بل ينبغي أن تكونَ ماذا؟ أكثر قَلقًا بشأنها. والنَّاموسُ سيَكشِفُها دائمًا. فعندما قالَ داود: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ"، كانَ يَقولُ إنَّ كلمةَ اللهِ في القَلبِ تَصيرُ هي نُقطة التَّبكيت. فهي ليست مَعلوماتٍ فقط. هل تَفهمونَ ذلك؟ فنحنُ لا نَعيشُ حياتَنا في ضَوْءِ المعلوماتِ فقط، بل إنَّنا نحتاجُ إلى التَّبكيت. والنَّاموسُ يَمتلك تلكَ القُدرة.

لِذا، معَ أنَّ بولسَ يُخبرُنا أنَّ النَّاموسَ لا يَقدِرُ أن يُخَلِّص، وأنَّ النَّاموسَ لا يَقدِرُ أن يُقَدِّس، فإنَّهُ يؤكِّد أنَّ النَّاموسَ صَالِحٌ، ومُقدَّسٌ وعادلٌ لأنَّهُ يُبَكِّتُكَ على الخطيَّة قبلَ خلاصِكَ ويأتي بِكَ إلى المسيح، ويُبكِّتُكَ بعدَ خلاصِكَ كي تَفهمَ معيارَ قداسةِ اللهِ وتَتوقُ بِكُلِّ قلبِك إلى بُلوغِه. فالمشكلةُ لا تَكمُن في النَّاموس، بل فينا نَحن. وقد قالَ "بوغو" (Pogo) ذلك: "لقد التقينا العَدُوَّ، وهو نَحن".

والآن، لنتعرَّف إلى نَمَطِ النَّصِّ...في العدد 4. فهو صُورة عن سُكنَى الخطيَّة في حياة المؤمن. وسوف نحاول أن نُفَسِّر عددًا مِن المشاكل خِلال دراستِنا للنَّصّ. ولكنِّي أعتقد أنَّ إعطاءَكُم تلك النَّظرة العامَّة في البداية هو أمرٌ مُهِمٌّ لتوضيح الصُّورة الإجماليَّة. فهذا مقطعٌ عاطفيٌّ. وهو مَقطعٌ نادرٌ في الكتابِ المقدَّس لأنَّهُ يَفعل شيئًا نادِرَ الحُدوث. ولا يُمكنني [في هذه اللَّحظةِ] أن أتذكَّرَ مقطعًا آخر يَفعلُ ذلك. فهو سِلسلة مِن الرِّثاء. وهو سِلسلة مِنَ الأنَّاتِ الحزينة. وهو سِلسلة مِنَ العبارات اليائسة المُحزِنة. وهي مُتكرِّرة. فهناك الأولى، ثُمَّ تأتي الثَّانية، ثُمَّ تأتي الثَّالثة. وهي تقولُ بصورة رئيسيَّة الشَّيءَ نَفسَهُ ثلاثَ مَرَّات. فهي صَرخةُ قلبٍ مَكسور، ونفسٍ مَوجوعة، ونفسٍ تُعاني كثيرًا.

وكُلُّ مَرثاة مِن هذه المَراثي تَتبعُ النَّمَطَ نفسَه. فبولُس يَصِفُ حالتَه، ويُقدِّمُ دليلاً عليها، ثُمَّ يَصِفُ مَصدَرَها. فَهُوَ يَصِفُ حالَتَه، ويُقدِّمُ الدَّليلَ على أنَّهُ في تلكَ الحالة، ثُمَّ يَذكُر مَصدرَ مُشكلتِه.

لِنَنظُر إلى المرثاةِ الأولى في الأعداد 14-17. وقد نَصرِفُ وقتًا أطول في المرثاة الأولى إذْ إنَّهُ بعد أن نُفَسِّرَها ستكون المَرثاتان الأخيرتان واضِحَتَيْن بالنِّسبة إلينا. فالحالة مذكورة في العدد 14. وهو يَبتدئ كُلَّ مَرثاةٍ بِذِكْرِ الحالة. والمَرثاةُ الأولى تبتدئ في العدد 14. والثَّانية تبتدئ في العدد 18. والثَّالثة تبتدئ في العدد 20. وكُلُّ مَرثاة تبتدئ بجُملة تَصِف الحالة. "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة".

والكلمة "فإنَّنا" تُخبرُنا أنَّ بولسَ لا يُمَهِّد لموضوعٍ جديد، بل إنَّهُ يُتابع نَفسَ الموضوعِ مِن المقطعِ السَّابق؛ أيْ عن صَلاحِ النَّاموسِ وفَضيلةِ النَّاموس إذْ إنَّهُ يُرينا خطيَّتَنا. فالمُشكلة لا تَكمُن في النَّاموس، بل تَكمُنُ فينا نحن. والسَّببُ في أنَّه يتحدَّثُ عن النَّاموس هو أنَّ المُشَكِّكينَ الَّذينَ كانوا يَشُكُّونَ في تعليمه كانوا سيقولون: "عندما تَكرِز عنِ الخلاصِ بالنِّعمة مِن خلالِ الإيمانِ بمعزِلٍ عنِ النَّاموس، فإنَّكَ تُسيءُ إلى النَّاموس وتُقَلِّلُ مِن شأنِ النَّاموس". وهو يقول: "لا، البَتَّة! فالنَّاموسُ صَالحٌ. وأنا خاطئ. فالنَّاموسُ يَقومُ بعملٍ جَيِّد. إنَّهُ لا يُخَلِّص ولا يُقَدِّس، ولكنَّهُ يُبَكِّتْ على خطيَّة".

لِذا فإنَّهُ يقول: "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة". وَهُوَ يَبتدئُ بتأكيدٍ مُباشِر بأنَّ النَّاموسَ رُوحِيٌّ. وما الَّذي يَعنيه؟ أيْ إنَّهُ يأتي مِن رُوحِ الله. وَهُوَ يأتي مِنَ اللهِ نَفسِه. لِذا فإنَّهُ يَعكِسُ الطَّبيعةَ الإلهيَّةَ المُقدَّسةَ لله. وهذا يُشبِه تمامًا ما قالَهُ في العدد 12. أَتَذكرونَ ذلك؟ "إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ".

ومَرَّةً أخرى، اسمحوا لي أن أُذكِّرَكُم بأنِّي أعتقد أنَّكُم تَجدونَ هُنا شَهادةَ إنسانٍ وُلِدَ ثانيةً. فأنا لا أرى أُناسًا لم يختبروا التَّجديدَ ولا الفِداءَ، وليسوا أبرارًا، ولا يَعرفونَ يسوعَ المسيح ولكنَّهم يَملِكونَ هذا الإدراكَ لناموسِ اللهِ المُقدَّس. وَفي العدد 18، يَقولُ بولسُ الشَّيءَ نَفسَهُ حَقًّا: "أريدُ أن أفعلَ ما يَقولُهُ ناموسُ اللهِ". وفي العدد 19: "أريدُ أن أُطَبِّقَ ناموسَ الله". وفي العدد 21: "أريدُ أن أُطَبِّقَ ناموسَ الله". وفي العدد 22: "أنا أُسَرُّ بناموسِ الله". فأنا لا أرى مِثلَ هذا السُّرور في قلبِ الشَّخصِ الَّذي لم يُولد ثانيةً.

ولكِنَّ بولسَ يَمضي قائلاً: "هُناكَ عائقٌ يَحُولُ دُونَ قِيامي بذلك، معَ أنَّ النَّاموسَ رُوحِيٌّ". وإليكُم المُفارقة. أنا جسديٌّ ("ساركينوس" – “sarkinos”). أنا إنسان. وأنا أَرْضِيٌّ. وأنا مَادِّيٌّ. فهو لا يقولُ: "أنا في الجسد". وَهُوَ لا يقولُ: "أنا خاضعٌ تمامًا للجسد". فهذا غير صحيح. انظروا إلى الأصحاح السَّابع والعدد الخامِس: "لأَنَّهُ لَمَّا كُنَّا فِي الْجَسَدِ كَانَتْ أَهْوَاءُ الْخَطَايَا الَّتِي بِالنَّامُوسِ تَعْمَلُ فِي أَعْضَائِنَا، لِكَيْ نُثْمِرَ لِلْمَوْت". فقد كُنَّا في الجسد. ولكنِّي لم أَعُد في الجسد الآن. وَهُوَ يقول في العددِ الثَّامِن مِنَ الأصحاحِ الثَّامن: "فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَد". ويجب عليكم أن تَضَعوا خَطًّا تحت العبارة "في الجسد" في 7: 5 و 8: 8. فالعبارة "في الجسد" تُشيرُ إلى حالةِ الإنسان الَّذي لم يُولد ثانيةً. وعباراتُ بولُس دقيقة جدًّا هُنا. فالعبارة "في الجسد" تُشيرُ إلى حالةِ الإنسان الَّذي لم يَختبر التَّجديدَ أوِ الفِداء. وَهُوَ يقول: "أنا لستُ في الجسد". ولكنَّهُ يقول: "أنا جَسديٌّ". أنا جَسديٌّ. أنا جسديٌّ.

وقد تقول: "هل يُعقَل أن يكونَ المؤمنُ هكذا؟" استَمِعوا إلى ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى 3: 1: "وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيح". وفي العدد 3: "لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَر؟" فهو يقولُ لمُؤمِني كورِنثوس: أنتُم جَسَدِيُّون. أنتُم جَسَدِيُّون. وأنتُم تَتصرَّفونَ بطريقة خَاطِئَة وجَسَدِيَّة".

نحنُ لسنا في الجسد، ولكن اسمعوني: إنَّ الجسدَ ما يزالُ فينا. فنحنُ لسنا في الجسد مِن جِهَةِ عُبوديَّتِنا لَهُ. والآن، انظروا إلى العدد 18: "فَإِنِّي أَعْلَمُ" (رومية 7: 18) "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ". فهو يقولُ إنَّ الجسدَ ما يزالُ موجودًا. صحيحٌ أنِّي لستُ فيه، ولكنَّهُ ما يَزالُ فِيَّ. وفي العدد 25: "إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة".

فأنتُم لستُم بعد في الجسد، ولكِنَّ الجسدَ ما يَزالُ فيكم. وهذا، ببساطة، لَفْظٌ يُشيرُ إلى طبيعتِنا البشريَّة. وَهُوَ يُشبِهُ التَّعبيرَ المذكورَ في 6: 12: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ [أين؟] فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ". فهو لا يَملِك في ذِهنِك. فهو ذِهْنٌ مُتَجَدِّد. وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "ذِهْن" بتلك الطَّريقة في رومية 7. فهو لا يَملِك في خَليقَتِكَ الجديدة أو طَبيعتِك الجديدة. فهو يَملِك في جَسَدِكَ المَائِت. لِذا فإنَّ الألفاظَ الَّتي يَستخدِمُها مُتوافقة جدًّا.

إنَّ الخطيَّة موجودة في طبيعتكم البشريَّة. لِذا، يا أحبَّائي، فقد قُلتُ لكم ما يَلي قبلَ بِضعة أسابيع: عندما تموتونَ فإنَّكم تذهبونَ حالاً إلى السَّماءِ لأنَّكم مُلائمونَ تمامًا للسَّماء. وكُلُّ ما ينبغي أن تفعلوهُ هو أن تَتخلَّصوا مِنَ الجسد. وعندما تُفارقونَ الجسد، هذا هو الشيءُ الوحيدُ الَّذي سيحدُثُ لكم.

وباستطاعةِ أيِّ مُؤمنٍ أن يُرَدِّدَ الجُملةَ المذكورة في العدد 14، ولكِنَّ النَّاسَ يواجهونَ صُعوبةً في قولِها. وسأحاولُ أن أُبَسِّطَ الأمر. أنا جَسديٌّ. هل يمكنكَ أن تقولَ ذلك؟ يمكنني أن أقولَ ذلك. وما أعنيه هو أنَّ هذا صحيح. وقد تقول: "أجل، ولكن مِن المؤكَّدِ أنَّك لا تتحدَّث بالمعنى اللَّاهوتيِّ الاصطِلاحيِّ". لا، لا، لا. كُلُّ ما في الأمر هو أنَّني أقول...هل يمكنني أن أقولَ بوصفي مسيحيًّا إنِّي خاطئٌ مُخَلَّصٌ بالنِّعمة؟ هل ما زلتُ خاطئًا؟ لِيَكُنِ اللهُ في عَوْني إن لم أقُل كذلك. فإن قُلتُ: "مُنذُ أن نِلتُ الخلاصَ لم أَعُد أُخطئ"، ستَصعدُ زوجتي إلى هُنا وتُدلي بِشَهادَتِها.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ النُّقطة هي أنِّي أستطيعُ أن أقولَ ذلك. فيمكنني أن أقولَ إنِّي جسديٌّ...إنِّي جسديٌّ...جسديٌّ. وهناك أشياءٌ فِيَّ تُظْهِرُ ذلك. فأنا أغضب. وأنا أَسخَط. وأنا لا أقومُ بواجباتي كما ينبغي أن أقومَ بها طَوالَ الوقت. وأنا لا أُثابِرُ كما ينبغي أن أُثابرَ في سُلوكي معَ اللهِ كما أتمنَّى. وأنا أرى طبيعتي البشريَّة والجسديَّة تَقِفُ عَثْرَةً في طريقِ تحقيقِ كُلِّ الأشياء الَّتي ينبغي أن أقومَ بها. وأنا لستُ مُرْهَفَ الحِسِّ تُجاهَ النَّاسِ إذْ إنَّهُم عندما يَحتاجونَ إلى لُطفي لا أكونُ لطيفًا معهم، أو عندما يَحتاجونَ إلى رِفْقي لا أكونَ رَفيقًا بهم، وَهَلُمَّ جَرَّا. فأنا أرى نفسي بِصفَتي بَشَرًا. وأنا أرى نفسي بِصفَتي خاطئًا. وأنا لا أتكلَّمُ دائمًا كلامًا بَارًّا مع جميع النَّاس الَّذينَ يتكلَّمونَ إليَّ ولا أُعاملهم كما ينبغي لي أن أفعل. ويمكنُنا جميعًا أن نقولَ ذلك. فهي جُملة عامَّة.

ثُمَّ تأتي العِبارةُ التَّالية، وهي تبدو التَّحدِّي الحقيقيُّ أمامَ الشُرَّاح: "مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة". وأنتُم هُنا حَقًّا أمامَ كلماتٍ قويَّة. والآن، مَهلاً مِن فَضلِكُم. فإن تَحرَّرنا مِنَ الخطيَّة، كيف يمكننا أن نكون مَبيعينَ تحتَ الخطيَّة؟

حسنًا، انظروا إلى العدد 23: "وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّة". وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّة. يا لها مِن جُملة مُدهشة! وعندما أَصِلُ إلى هُناك، سأُخبركُم معناها. وأنا أَجِدُ صُعوبة بالغة في مُقاومةِ قولِ ذلك لكم الآن، ولكنِّي سأُقاوِم.

ولكِنَّهُ يَقولُ هُنا الشَّيءَ نَفسَهُ: "لقد سُبِيْتُ لناموسِ الخطيَّة" (في العدد 23). و "أنا مَبيعٌ تحتَ الخطيَّة" (في العدد 14). وما الَّذي يَعنيه؟ حسنًا، إنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقولُ في الحقيقة: "مَبيعٌ تحتَ الخطيَّة" – أيْ لمبدَإِ الخطيَّة، أو واقعِ الخطيَّة؛ فلا توجَد أعمالٌ كثيرة، ولكنِّي أَرى نفسي مَبيعًا تحتَ الخطيَّة. فبِمَعنى مِنَ المعاني، أنا تحتَ عُبوديَّة مُعيَّنة. والآن، تَذكَّروا أنَّهُ في الأصحاحِ السَّادسِ يتحدَّث عن خليقَتِكُم الجديدة، وعنِ الزَّرعِ الأبديِّ الطَّاهرِ لتلكَ الخليقةِ الجديدة الَّتي تمتاز بأنَّها لا تفسَد، وبأنَّها أبديَّة؛ أيْ عنِ الطَّبيعةِ الإلهيَّة، أوِ الطَّبيعةِ الجديدة، أو كُلِّ ما أنتُم عليهِ في يسوعَ المسيح إذ أنتُم مُقدَّسونَ وطاهرونَ وغيرُ دَنسينَ. وأنتُم أبرار لأنَّ بِرَّ يسوعَ المسيحِ قد حُسِبَ لكم. ولكنَّهُ لا يتحدَّثُ عن ذلكَ هُنا، بل يقول: "أنا، لا بطبيعتي الجديدة، بل أنا [بصورةٍ عامَّةٍ] أَرى نفسي مَبيعًا تحتَ الخطيَّة".

ثُمَّ إنَّه يَصِفُ ذلكَ في العددين 23 و 25 قائلاً: "نَامُوس الخَطِيَّة الكَائِن [أين؟] فِي أَعْضَائِي". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ مُفرداتِهِ مُنسجمة بعضُها مع بعض. فالكلمة "أعضاء" تُشيرُ إلى الأعضاءِ الجسديَّة، أوِ الماديَّة، أوِ اللَّحْمِيَّة. وهي تُشيرُ إلى ما هو أكثر مِن الأعضاء الجسديَّة إذْ إنَّها تُشيرُ أيضًا إلى العواطفِ والمشاعرِ والذِّهنِ والتَّفكير. ولكنَّها دائمًا الأعضاء، أو الجسد، أو الجسم. فهي موجودة في طبيعتنِا البشريَّة.

وهل يُمكن لهذا الرِّثاءِ أن يَصْدُرَ عَنِ مؤمِن؟ أي أن يقول: "وأمَّا أنا فَجَسَدِيٌّ مَبيعٌ تحتَ الخطيَّة؟" وماذا عنِ الكلماتِ الواردة في المزمور 51: 5؟ فداودُ يقول...استمعوا وَحَسْب إلى هذه الكلمات: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي". يبدو المُتكلِّمُ هنا شخصًا لم يختبر يومًا الفِداء. أليسَ كذلك؟ ولكن هل كانَ داود مَفديًّا؟ أجل. ولكنَّهُ يَنظُرُ، ببساطة، إلى واحدة مِن الحقائق المُختصَّة به. إنَّهُ الإدراكُ يا أحبَّائي. ونحنُ هُنا أمامَ مؤمنٍ ناضج. وَهُوَ رَجُلٌ ينظر إلى حياته. وقد نكونُ أوَّلَ مَن يَقولُ لَهُ: "يجب عليكَ أن تُحَسِّنَ نَظرتكَ إلى نفسك. فهذا الكلامُ الَّذي تَقولُهُ عن نفسِك سَيِّئ جدًّا".

وهذا يُذَكِّرُنا، بصراحة، بما جاءَ في سِفْر إشعياء والأصحاح السَّادس عندما وقفَ إشعياء أمامَ اللهِ وكانَ يَعبُدُ اللهَ، ورأى اللهَ في رؤيا عظيمة فقال: وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ". بعبارة أخرى: "أنا أستحقُّ الهلاكَ واللَّعنةَ والموتَ يا رَبّ...لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْن". وكُلُّ ما يستطيعُ النَّبيُّ أن يَراهُ أمامَ عَظَمَةِ اللهِ وقداسَتِه هو أنَّهُ إنسانٌ خاطئ. وهُنا يَكمُنُ نُضْجُ الرَّسولِ بولس الَّذي صارَ يَفهَمُ الآنَ رُوحيَّةَ النَّاموس. فقد كانَ يَظُنُّ أنَّ النَّاموسَ شيءٌ خارجيٌ. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ لم يَكُن يَعلم أنَّهُ شيءٌ يَختصُّ بالقلب. لِذا فإنَّ الشَّريعةَ المُختصَّةَ بالشَّهوةِ والاشتهاءِ في القلبِ (في العدد السَّابع) أَصابَتْهُ بقوَّة وقَتَلَتْهُ. وَهُوَ يَرى الآنَ أنَّ النَّاموسَ شيءٌ مُتأصِّلٌ وعميقٌ ورُوحيٌّ ومُقدَّسٌ (في العدد 12)، وأنَّهُ عادلٌ وصالح. وعندما فَهِمَ حَقًّا ناموسَ اللهِ ونَظرَ إلى نفسه، رأى الحقيقة وقالَ: "أنا جَسَدِيٌّ". وهذا إدراكٌ مَشروع.

وَهُوَ المعنى نَفسُهُ الَّذي قَصَدَهُ في رسالتهِ الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الأوَّل عندما قال: "لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ [مَنْ؟] أَنَا". فالمسألةُ مَسألةُ إدراكٍ وحَسْب. فلا يَكفي أن يقولَ المؤمنُ إنَّهُ عَبْدٌ للخطيَّة بالرَّغمِ مِن أنَّهُ مَفْدِيٌّ لأنَّنا مُستعبَدونَ للخطيَّة. ولكِن هل يمكنكَ أن تَتحرَّرَ مِن عبوديَّة الخطيَّة الَّتي أنت فيها؟ ليسَ في هذه الحياة. ليسَ في هذه الحياة. وكُلَّما ازددتَ رُوحيَّةً، ازددتَ نُضجًا، وزادت احتماليَّةُ أن تقولَ هذا الكلام.

لِذا فإنَّ العبارة "مَبيعٌ تحتَ الخطيَّة" لا ينبغي أن تُفَسَّرَ حَرفيًّا. فهي لا تعني أنَّهُ باعَ نَفسَهُ حَقًّا للخطيَّة كي يَقترفَ الخطيَّة كما قِيلَ عن أَخآب في سِفْر المُلوك الأوَّل والأصحاح 20، وعن بَني إسرائيل عندما عبدوا آلهةً أخرى في سِفْر المُلوك الثَّاني والأصحاح 17. فهي لا تعني أنَّهُ مَضَى وباعَ نَفسهُ للخطيَّة، بل إنَّ المقصودَ هو أنَّهُ يُقِرُّ بوجودِ عُبوديَّة للخطيَّة.

وكما تَعلمون، لقد جاءت أوقاتٌ كُنتَ فيها عبدًا للخطيَّة. وسوفَ أقولُ لكَ متى حدثَ ذلك. في كُلِّ مَرَّةٍ أخطأتَ فيها...في كُلِّ مَرَّةٍ أخطأتَ فيها، خَسِرتَ فيها المعركة وصِرْتَ فيها مَسْبِيًّا للخطيَّة. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ بولسَ يُعَبِّرُ عن كُلِّ مشاعرِنا بالكلمات مُبَيِّنًا أساسَ الصِّراعِ المُحْتَدِمِ داخلِ المؤمِن. ونحنُ جميعًا نَفهمُ هذه الفكرة. ويمكننا جميعًا أن نَرى أنَّ هناكَ خطيَّة في حياتِنا. ولا ينبغي أن تكونَ الخطيَّة موجودة. وهي ليست أفضلَ تَعبيرٍ عَنَّا. وهي ليست ذاتنا الجديدة. ولكنَّها موجودة. وهذا هوَ وَحَسْب صِراعُ كُلِّ مؤمِن. فبالرَّغمِ مِن أنَّنا صِرنا أحرارًا في طبيعَتِنا الجديدة، فإنَّنا ما نَزالُ مُقَيَّدينَ بالطَّبيعةِ البشريَّةِ الَّتي نَسكُنُ فيها.

واسمَحوا لي أن أقولَ مَرَّةً أخرى: لا أَظُنُّ أنَّ الإنسانَ الَّذي لم يَختبِر التَّجديد يستطيعُ أن يقولَ هذه الكلمات لأنِّي لا أعتقد أنَّهم يَعرفونَ أنَّ النَّاموسَ رُوحِيٌّ (مِن جِهَة)، ولا أعتقد أنَّهم يَعرفونَ أنَّهُم جَسديُّونَ (مِن جِهَة أخرى). ولا أعتقد أيضًا أنَّهم مَبيعونَ تحتَ الخطيَّة. فَهُم يعيشونَ في وَهْمِ الاعتقادِ بأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. وهذا هو تمامًا ما يقولُهُ العدد 11: أنَّ الخطيَّة قادرة على ماذا؟ على الخِداع.

ولكِن عندما يُرَى النَّاموسُ بوصفِهِ رُوحيًّا حقًّا، فإنَّ الإنسانَ يُدركُ أنَّهُ بعيدٌ جدًّا عن تحقيقِ ناموسِ اللهِ المُقدَّس، ويُدركُ أنَّهُ غيرُ رُوحِيّ. والحقيقة، يُمكنُنا أن نقرأَ هذا العددَ كما يَلي: "النَّاموسُ رُوحِيٌّ، ولكنِّي غير رُوحِيّ. فأنا تحتَ عُبوديَّة الخطيَّة".

وقد قالَ المُفسِّر العظيم "كرانفيلد" (Cranfield): "كُلَّما زادَ اهتمامُ المؤمنُ بأن يعيشَ بالنِّعمة وبأن يَخضعَ لما يَقولُهُ الإنجيل، زادت رَهافَةُ حِسِّهِ لحقيقةِ أنَّ حَتَّى أفضلَ أعمالِه وأنشطتِه هي قبيحَة بسببِ الأنانيَّة الَّتي ما تَزالُ موجودة فيه بقوَّة، وبسبب عدم تضاؤل الشَّرِّ لأنَّهُ يَتَنَكَّرُ بمهارةٍ أكثر مِنَ السَّابق".

والآن، اسمحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا سيَصدُمُكم. إنَّهُ مُحِقٌّ. فأنتم لستُم أقَلَّ شَرًّا الآنَ مِمَّا كُنتُم عليه في حالَتِكُم غير المَفديَّة وطبيعتكُم البشريَّة. فأنتَ ما تَزالُ شِرِّيرًا. ولا توجد درجات كثيرة لذلك الشَّرّ. فالأمرُ يتطلَّبُ خطيَّةً واحدةً فقط لكي تكونَ شِرِّيرًا. صحيحٌ أنَّكَ تمتلك طبيعة جديدة مُقدَّسة، ولكنَّ ذلك الحُضور الخاطئ للجسد ما يزالُ موجودًا.

وقد كَتَبَ المُفَسِّر المُبارَك "توماس سكوت" (Thomas Scott): "عندما يُقارِنُ المؤمنُ إنجازاتِهِ الحقيقيَّة بروحيَّة النَّاموسِ، وبرغبتهِ وتَوْقِهِ إلى أن يُطيعَهُ، فإنَّهُ يَرى أنَّهُ ما يزالُ إلى حَدٍّ كبيرٍ إنسانًا جسديًّا وتحتَ سُلطانِ النَّزعاتِ الشِّرِّيرةِ الَّتي يَعجَزُ، على غِرارِ الإنسان الَّذي بيعَ عَبْدًا، أن يَتحرَّرَ منها تمامًا. فهو جسديٌّ بذاتِ المِقدار حَتَّى إنَّهُ عاجزٌ عن الانصياع تمامًا لناموسِ الله". وهذه كلمات رائعة. فهو جسديٌّ بذاتِ الدَّرجةِ، أو بِذاتِ المِقدارِ حَتَّى إنَّهُ عاجزٌ عن الانصياع تمامًا لناموسِ الله.

وَألا تَرَوْنَ، يا أحبَّائي، أنَّ هذا هو حَقًّا ما يقولُهُ العدد 13؟ فالخطيَّة خاطئة جدًّا. والخطيَّة بائسة جدًّا. وهي شرِّيرة جدًّا حَتَّى إنَّهُ بعد أن يَنالَ الإنسانُ الفِداءَ فإنَّ الخطيَّة تُحافِظ على وجودها وتَشبُّثِها بنا بهذهِ الصُّورة البائسة. فهذه هي حالَةُ بولُس، وحالَتُكُم، وحالتي بوصفِنا مسيحيِّين.

والدَّليلُ على ذلك موجود في العدد 15. فَهذا هو الدَّليل: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". فالإنسانُ البارُّ في عَيْنِ نَفسِه، والذي يَظُنُّ أنَّهُ على خُلُق يَخدَعُ نَفسَهُ. ولكنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ المُنقادَ بالرُّوح لا يَنخَدِع. فهو يَرى الدَّليلَ فيهِ على سُكنَى الخطيَّة. لاحِظوا الآية جَيِّدًا: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ بعدَ ذلك: "بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ".

والكلمة "أعرِف" تُشيرُ إلى المحبَّة الحميمة. فقد قيلَ عن يوسُف إنَّهُ لم يَعرِف مَريم. وأعتقدُ أنَّ استخدامَ هذه الكلمة هُنا كنقيضٍ للكلمة "أُبغِض" يُعطينا الحُريَّة في أن نَفهمها بتلك الطَّريقة. وما يَقولُهُ هو: "ما أفعلُهُ لا أُحِبُّهُ. وما أبغِضُهُ فإيَّاهُ أفعَل". فهذه طريقة أخرى لقولِ الشَّيءِ نَفسِه.

وهذا ضيقٌ أو صِراعٌ نَفسيٌّ حقيقيٌّ على الصَّعيدِ الشَّخصيِّ الدَّاخليِّ مِن أصعبِ نَوعٍ مُمكِن. فهو يقول: "إنَّ إرادَتي مُحبَطَة". والأمرُ لا يَقتصِر فقط على أنَّه عندما يُريدُ أن يَفعل شيئًا صالحًا فإنَّهُ لا يَستطيعُ ذلك، بل إنَّهُ عندما يَرى ناموسَ اللهِ ويُريدُ أن يُطَبِّقَهُ كُلَّهُ فإنَّهُ لا يستطيعُ ذلك. هل تَفهمونَ هذا؟ فهو ليسَ شيئًا مُوْهِنًا للعَزيمة يَقول: "هأنذا مُؤمِنٌ، وأودُّ أن أقولَ شيئًا لطيفًا عن هذا الأمر، أو أودُّ أن أفعلَ شيئًا صالحًا، وأودُّ أن أفعلَ شيئًا جَليلاً ومُقدَّسًا، ولكنِّي لا أعرفُ كيفَ أفعلُ ذلك". فهذه ليست الفِكرة؛ أي أنَّهُ يتحدَّثُ عن جانبُ مُحَدَّد لا يستطيعُ القيامَ به. بل إنَّ ما يَقوله هو: "أُريدُ أن أُطَبِّقَ كُلَّ ناموسِ اللهِ وأن أُطيعَهُ، ولكنِّي مُحبطٌ تمامًا بسببِ عدمِ قُدرتي على القيامِ بذلك".

وأنتُم تَعرفونَ ذلكَ الإحباط. فبعدَ أن تَفعلوا شيئًا صحيحًا، وبعدَ أن يُهَنِّئكَ الآخرونَ على قيامكَ بذلك، سُرعانَ ما تَفعلُ شيئًا خاطئًا إذْ إنَّكَ تَشعُرُ بالكِبرياء. وأنتَ تُحبِطُ نَفسكَ وتقولُ ما قالَهُ: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَتى سأتخلَّصُ مِن هذا الصِّراع؟"

فإرادَتُهُ مُحْبَطَة. وهذا لا يَعني أنَّ الشَّرَّ يَفوزُ طَوالَ الوقتِ، ولكنَّهُ يَنظُرُ إلى مِعيارٍ عالٍ جدًّا لأنَّ النَّاموسَ مُقدَّسٌ جدًّا، وعادِلٌ جدًّا، وصالحٌ جدًّا، ورُوحِيٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ عندما يَرى المِعيارَ العالي للنَّاموسِ فإنَّهُ يريدُ أن يَفوزَ طَوالَ الوقتِ ويكونَ في صَفِّ الله. وأيُّ فَوزٍ للشَّرِّ يبدو في نَظرِهِ هَزيمةً نَكْراء. لِذا فإنِّي أقول (وقد قُلتُ ذلكَ مِرارًا) إنَّ الطَّريقَ إلى الرُّوحيَّة مَفروشٌ بشعوركَ بشقاوتك...دائمًا...لا بِعَظَمَتِكَ الشخصيَّة. وهذا رَجُلٌ رُوحيٌّ بِحَقّ. وهذا قلبٌ مكسورٌ ونادِم. فهذا رَجُلٌ يَصرخُ قائلاً: "يا رَبّ، لا يمكنني أن أكونَ كُلَّ ما تُريدُ مِنِّي أن أكون. ولا يُمكنُني أن أُحَقِّقَ كُلَّ ناموسِكَ المُقدَّس والعادِل والصَّالح".

وهل تَعلمونَ أنَّ هناكَ مَسيحيِّينَ كثيرينَ لم يَبلُغوا هذه النُّقطة. والسَّببُ في ذلكَ لا يَرجِعُ إلى أنَّهم مُقدَّسونَ جدًّا، بل لأنَّهم يمتلكونَ فَهمًا ضَحْلاً جدًّا لناموسِ اللهِ المُقدَّس. إذًا، فقد قَدَّمَ لنا الحالة، وقَدَّمَ لنا الدَّليل. والآن، إنَّهُ يُقدِّمُ لنا المَصدَر. وسوفَ نتوقَّفُ بعدَ هذه النُّقطة.

العدد 16: "فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ". وما أعنيه هو أنَّ الخطأَ لا يَكمُنُ في النَّاموس لأنِّي أريدُ أن أفعلَ ما يَقولُهُ النَّاموس. وقد تقول: "وما الَّذي يَجعلُكَ تُريدُ أن تَفعلَ ما يَقولُهُ النَّاموس؟" سوفَ أقولُ لكم ما الَّذي يَجعلُني راغبًا في القيامِ بِما يَقولُهُ النَّاموس: الخليقةُ الجديدة، أو تلكَ الطَّبيعةُ الجديدة فِيَّ، أو ذلكَ الزَّرعُ الأبديُّ الَّذي لا يَفنَى فِيَّ، أو ذلكَ الجُزءُ الموجودُ فِيَّ والذي تَحدَّثَ عنهُ يوحنَّا حينَ قال: "إنْ كُنتَ مولودًا ثانيةً حَقًّا، لن تُخطئ". فذلكَ الجُزءُ الجديدُ فِيَّ هو الَّذي يَتُوقُ حَقًّا إلى فِعْلِ ما يَقولُهُ النَّاموس. وَهُوَ يُريدُ حَقًّا أن يَفعلَ ما يَقولُهُ النَّاموس. لِذا فإنِّي أُؤكِّدُ أنَّ النَّاموسَ صالحٌ لأنَّ الجُزءَ الصَّالِح فِيَّ يُريدُ أن يَفعلَ ذلك. أَتَرَوْن؟ فالنَّاموسُ صَالحٌ.

ثُمَّ يأتي العدد 17. فإنْ لم يَكُنِ النَّاموسُ هو السَّيِّء، وإنْ لم يَكُنِ النَّاموسُ هو مُشكلتي، "فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَل [ماذا؟] الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". والآن، اسمعوا بعناية شديدة. فسوفَ تُضَيِّعونَ الفِكرة كُلَّها إن لم تَفهموا ما سأقول: يوجدُ في قلبِ المؤمنِ شُعورٌ بصَلاحِ ناموسِ الله. وكُلَّما زادَ نُضْجُ ذلكَ المؤمِن، وكُلَّما زادَ تَكريسُهُ لإرشادِ رُوحِ اللهِ في حياتِه، زادَ عُمْقُ محبَّتِه للرَّبِّ يسوعَ المسيح، وزادَ عُمْقُ شُعورِهِ بقداسةِ اللهِ، وزادَ شَوقُهُ لإطاعةِ النَّاموس. وحيثُ إنَّ أفضلَ جُزءٍ فيهِ يُريدُ أن يُتَمِّمَ ناموسَ اللهِ، إذًا، لا بُدَّ أنَّ مشيئةَ اللهِ، أو بالحَرِيِّ: ناموسَ اللهِ، هو الأفضل. لِذا فإنَّ المُشكلةَ لا تَكمُن في ناموسِ اللهِ، بل إنَّ المُشكلة تَكمُن في الخطيَّة السَّاكِنَة فِيَّ. إنَّها طبيعَتُنا البشريَّة مَرَّةً أخرى.

ولكِن هُنا في العدد 17، نَجِدُ الجُملة الرئيسيَّة لتفسيرِ المقطعِ كُلِّه. ففي العدد 14، تَحَدَّثَ وَحَسْب عنِ العُموميَّات. وَقد قَدَّمَ لنا نَظرةً إلى طبيعتِهِ البشريَّة غير المَفديَّة الَّتي تُهيمِنُ عليهِ. وأنتُم وأنا نَعرِفُ مَعنى ذلك. فنحنُ نَشعرُ أحيانًا أنَّ الخطيَّة تُسيطِر علينا وَحَسْب. ونحنُ نَعجَزُ عن تحقيقِ كُلِّ ما نُريدُ أن نَكونَ لأجلِ الله. ألم تَشعر يومًا هكذا؟ فنحنُ لا نستطيعُ أن نكونَ أقوياءَ كما نَتمنَّى. ونحنُ لا نستطيعُ أن نكونَ طَاهرينَ كما نَتمنَّى. ونحنُ لا نستطيعُ أن نكونَ قِدِّيسينَ بالكيفيَّةِ الَّتي نَعلمُ أنَّ ناموسَهُ يُريدُ مِنَّا أن نكونَ عليها. لِذا، يمكننا أن نقول في العدد 14: "أنا جَسَدِيٌّ، وأنا أرى نفسي تحتَ سُلطانِ الخطيَّة".

وهذه جُملة غير اصطلاحِيَّة. فهي جُملة عامَّة وَحَسْب. وَهُوَ يقول: "أنا جَسَدِيٌّ". وَهُوَ لا يُجَزِّئ نَفسَهُ إلى اثنين. وَهُوَ لا يَقول: "حسنًا، إنَّهُ ليسَ أنا، بل هي الخطيَّة عندَ هذه النُّقطة". بل هو يقولُ وَحَسْب: "أنا المَسؤول".

وأعتقد أنَّ العدد 14 مُهِمٌّ جدًّا لأنَّهُ يقولُ للمؤمنِ: إن أخطأتَ، مَنِ المسؤول؟ أنتَ. وَهُوَ يَحمينا مِن نوعٍ مِنَ الثُنائيَّة الفلسفيَّة. وهذهِ فَلسفة تُعَلَّم في العديدِ مِنَ الأوساطِ اليوم، وتَقومُ على فكرة أنَّكَ عندما تُخطئ فإنَّ المسؤولَ هُوَ طبيعَتُكَ القديمة. لِذا، دَعْها تُخطئ. فلا يُمكنُكَ أن تُصَحِّحَ طبيعةً قديمةً بأيِّ حال. لِذا، دَعها تَفعل ما تَشاء. وهي فلسفة تقولُ إنَّ اللهَ لن يُحَمِّلَكَ المسؤوليَّة لأنَّ المسؤولَ الحقيقيَّ هو طَبيعَتُكَ القديمة. ولكنَّهُ يقول: "أنا، أنا". وَهُوَ يَتحمَّل المسؤوليَّة. ويجب عليكم أنتم أيضًا أن تَتحمَّلوا المسؤوليَّة. أنا المَسؤول. وَهُوَ ليسَ شخصان، ولكنَّهُ يتحدَّث بألفاظٍ غير اصطِلاحيَّة. فعندما أرى ناموسَ اللهِ الطَّاهِر والمُقدَّس، أرى خطيئتي. وأنا أقول: "يا لي مِن شخصٍ خاطئ! وكُلَّما زادَ فَهمي لناموسِ اللهِ، زادت قُدرتي على رؤيةِ أنِّي عَبْدٌ للخطيَّة".

ولكنِّي لا أريدُكم أن تَتشَوَّشوا (كما يَقولُ في العدد 17). واسمحوا لي أن أُوَضِّحَ ذلك: "فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَل..." مَن؟ أليسَت هذه النُّقطةُ مُهِمَّة؟ وكما تَرَوْن، فإنَّهُ يُقدِّمُ لكم تَمييزًا اصطِلاحِيًّا. والآن، لاحِظوا ما يَلي: "فالآنَ لستُ بعدُ أنا". هل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ لا توجد عبارة "لستُ بعدُ أنا" في حياةِ غير المؤمِن. فكما كانَ في الماضي، ما يزالُ الآن. فلا توجد عبارة "لستُ بعدُ أنا" في حياةِ الشَّخصِ الَّذي لم يُولد ثانيةً. فهو لم يَكُن شيئًا ما في السَّابق، ولكنَّهُ صارَ شيئًا آخرَ الآن. وَهُوَ لا يستطيعُ أن يقولَ: "الآن، أنا مُختَلِف. وأنا لم أَعُد كما كُنتُ سابقًا". فلا توجد لديهِ الكلمة "الآن" وعبارة "في ما مَضَى". وعندما يقولُ بولس العبارة "دي أوكيتي" (de ouketi)، وهي ظَرفُ زَمانٍ بصيغة النَّفي، فإنَّ هذا يعني أنَّ شيئًا قد تَغيَّرَ مِنذُ هذه اللَّحظة. الآن، منذُ أن دَخَلَ المسيحُ حياتي، ومنذُ أن نِلتُ الفِداءَ، لم تَعُد ذاتي الدَّاخليَّة العميقة بالمعنى الاصطِلاحِيّ. ولم أَعُد أنا مَن يَفعل هذا، بل الخطيَّة السَّاكِنَة فِيَّ.

هل فَهِمتُم، أو ابتدأتُم في فَهْمِ، الفَرقِ الَّذي يُبَيِّنُه؟ يجب عليكم أن تَفهموا هذا لكي تَفهموا طبيعةَ التَّجديد. فهو يُوَضِّحُ فَرْقًا مُهِمًّا في العدد 17، لا في العدد 14. ففي العدد 14، يَقولُ جُملةً عامَّةً وَحَسْب. ولكنَّهُ في العدد 17 يُوَضِّح ذلك قائلاً: "الآن، افهَموا المسألةَ جَيِّدًا: لستُ بعدُ أنا. لقد كُنتُ أنا في السَّابق عندما كانَ باستطاعتي أن أقول: "أنا جَسَدِيٌّ مَبيعٌ تحتَ الخطيَّة". فقد كنتُ أنا آنذاك. أمَّا الآن فلستُ بعدُ أنا الجَديد حَقًّا. وهذا يُشبِه جدًّا ما جاءَ في رسالة غلاطيَّة 2: 20، يا أحبَّائي، إذْ يقولُ عن ذاتِهِ، أي عن ذاتِهِ القديمة: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا [أي: ليسَ أنا العتيق]، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي". وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يَقول: "إنَّهُ أنا، ولكن لستُ أنا، بل أنا الجديد". وهذا هو ما يَقولُهُ في العدد 17.

لِذا، بعدَ الخلاص، فإنَّ الجُزءَ الَّذي تَكمُنُ فيه الخطيَّة في الإنسان لا يَعودُ يَسكُنُ في أعماقِ ذاته، ولا يعودُ يَسكُنُ في الأنا، ولا يعودُ موجودًا في كِيانِ ذلكَ الإنسان. فذلكَ الجُزءُ قد أُعيدَ خَلقُه ليكونَ مُشابهًا للمسيح. ولكنَّ الخطيَّة تَسكُنُ في جسدِه، أو في طبيعَتِه البشريَّة. وهو يَقولُ ذلك في العدد 18: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ".

ما مَصدرُ مُشكلةِ بولُس؟ الحالة: الصِّراع. الدَّليل: أنا لا أفعلُ ما أريدُ أن أفعل، بل أفعلُ ما لا أريدُ أن أفعل. المَصدر (في نهاية العدد 17): الخطيَّة السَّاكنة أين؟ السَّاكِنة فِيَّ. الخطيَّة السَّاكِنَة فيه.

وأودُّ أن أقولَ لكم إنَّ هناكَ فَرقًا كبيرًا بين الخطيَّة النَّاجِيَة والخطيَّة المُهيمِنَة. فالخطيَّة لم تَعُد مُهيمِنَة، ولكنَّها نَجَتْ وَبَقيَتْ فينا. وسوفَ أختِمُ بما يَلي: نحنُ نُشبِهُ الفَنَّانَ غير البارع الَّذي لديه صُورة يريدُ أن يَرسمها: مَشهدٌ طبيعيّ. فرُبَّما يكونُ في الهَواءِ الطَّلْق ويَرى الجبالَ والأشجارَ والأنهُر. وَهُوَ يَحمِلُ حَامِلَ اللَّوحاتِ وكُلَّ أنابيبِ الألوانِ الصَّغيرة. وَهُوَ جاهزٌ لرسمِ هذا المنظرِ الطبيعيِّ الخَلاَّب. والمشكلةُ هي أنَّهُ أخرَق حَقًّا ولا يستطيعُ أن يَرسمَ أشكالاً بسيطةً؛ فما بالُكم برسم مناظرَ طبيعيَّة! فأمامهُ مَشهدٌ ينبغي أن يُرسَمَ بِكُلِّ روعَتِهِ وبهائِه. وهو يملِكُ الألوانَ الَّتي يَحتاجُ إليها، ولكنَّهُ لا يَملِكُ المهارة. وهو مُحْبَطٌ بسببِ عَجْزِهِ البدنيِّ. فالمشكلةُ لا تَكمُنُ في أنَّهُ عاجِزٌ عنِ استيعابِ المنظر، ولا في أنَّهُ لا يَملِكُ الأدواتِ اللَّازمة، بل تَكمُنُ وَحَسْب في أنَّ عَدَمَ براعَتِهِ تَقِفُ عَثْرَةً في طَريقِه. فالمشكلةُ لا تَكمُنُ في المشهد. أليسَ كذلك؟ فلا يوجد خطأ في المشهد. والمشكلة لا تَكمُنُ حتَّى في الألوان. بل إنَّ الخطأَ يَكمُنُ في قُدرةِ الفَنَّان. وهذا هو الشَّيءُ المُحبِطُ حَقًّا للمؤمِن.

وأعتقد أنَّ هذه هي النُّقطة الَّتي نَطلُبُ فيها مِنَ الفنَّانِ الأعظم أن يَضَعَ يَدَهُ على يَدِنا، وأن يُمسِكَ يَدَنا فيما نُمسِكُ الفُرشاةَ ونَرسُمُ أشياءً لم يكن بمقدورِنا وَحدِنا أن نَرسُمَها. لِذا، يجب علينا أن نُدركَ أنَّ النُّصرةَ الَّتي نَختبرُها لا تَتحقَّقُ إلَّا عندما نُسَلِّم أنفسَنا إلى ذاكَ الَّذي يستطيعُ أن يتغلَّبَ على الجسد.

وفي رسالة غلاطيَّة (وسوفَ أختِمُ بهذهِ الآية) نَقرأُ في الأصحاحِ الخامِسِ والعدد 17: "لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُون". هل يبدو هذا الكلامُ مألوفًا؟ إنَّهُ شَبيهٌ جدًّا برومية 7.

وقد تقول: "حسنًا، أنا أعرفُ تلكَ المعركة، ولكن كيف أُحَقِّقُ النَّصرَ فيها؟" ارجعوا آية واحدة إلى الوراء: "وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا [ماذا؟] شَهْوَةَ الْجَسَد". فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الرُّوحَ يَقدرُ أن يُعطينا نُصرةً. ولكِنِ اسمَحوا لي أن أُحَذِّرَكُم أنَّهُ كُلَّما حَقَّقتُم نصرةً أعظم، وكُلَّما أحرزتُم مَزيدًا مِنَ النُّضجِ في المسيح، وكُلَّما رأيتُم أكثر أنَّ البِرَّ يَنتصر على الخطيَّة، زادَ إدراكُكُم لبشاعةِ الخطيَّة، وزادَ إدراكُكُم لحقيقةِ أنَّكُم موجودونَ في رومية 7. فهو مَكانٌ مُخَصَّصٌ للأشخاصِ المُكَرَّسينَ جدًّا...للأشخاصِ المُكرَّسينِ مِن كُلِّ قُلوبهم، والَّذينَ يُظهِرونَ أنَّ أعمقَ وأعظمَ اشتياقٍ لديهم هو أن يُطَبِّقوا كُلَّ ناموسِ اللهِ المُقدَّس. وَهُم مُحبطونَ جدًّا لأنَّهم عاجزونَ عنِ القيامِ بذلك. وَهُم يَصرُخونَ: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" (في العدد 24) "مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ [ماذا؟] جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" فالألفاظُ مُنسجمة دائمًا. أيْ: "مَتى سأتخلَّصُ مِن هذه الحُمولة وأذهبُ إلى المَجْد، وأُتَمِّمُ إلى الأبد ناموسَ الله؟"

هذهِ هي المَرثاةُ الأولى. وقد بَقِيَتْ مَرثاتان. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا المساء على هذا المقطعِ المُنير جدًّا جدًّا الَّذي يَفتحُ قُلوبنا أمامَنا ويُساعدنا على رُؤيةِ الصِّراع. نَشكُرُكَ، يا رَبّ، لأنَّنا صِرْنا جُدُدًا في المسيح. فنحنُ نُفَكِّرُ في كلماتِ الرَّسولِ بولس إلى أهلِ كورِنثوس الَّذي كَتَبَ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". ونحنُ نَعلمُ، يا أبانا، أنَّهُ في الطَّبيعةِ الجديدةِ فإنَّ كُلَّ الأشياءِ جديدة، وإنَّهُ في تلك الذَّاتِ الجديدة في المسيح فإنَّ كُلَّ شيءٍ جَديد، وأنَّ هناكَ بِرًّا.

ولكِنْ يا أبانا، الجسدُ، أوْ جَسَدُ هذا الموت، أو أعضاؤنا، أو هذا الجسدُ المائِتُ بِصِفاتِهِ الجسديَّة الباقية ما زالَ موجودًا ويَشُنُّ مَعركةً ضِدَّنا. ساعِدنا على أن نَعلمَ أنَّ المُشكلةَ لا تَكْمُنُ في النَّاموس. فالنَّاموسُ مُقدَّسٌ وعادلٌ وصالِحٌ. ولكنَّ المشكلةَ تَكمُنُ في الخطيَّة.

يا رَبّ، أعْطِنا أن نَشتاقَ في قُلوبِنا إلى أن نُتَمِّمَ كُلَّ ناموسِكَ الصَّالح، وأن نَرى الخطيَّة مَهزومة. ونحنُ نَعلم أنَّ ذلكَ يتحقَّق عندما نَسلُك بقوَّةِ الرُّوح، ونَخضَعُ لَهُ، ونَذوقُ حَلاوةَ النَّصرِ إلى اليومِ الَّذي يأتي فيهِ يسوعُ ويُحَرِّرُنا مِنْ جَسَدِ هذا الموتِ فنصيرُ كُلَّ ما ينبغي أن نصير في حضرَتِكَ المَجيدة.

احفظ قُلوبَنا مَفتوحةً فيما نُواصِلُ دراسةَ هذا الأصحاحِ كي نَسمَعُكَ وأنتَ تتكلَّم. نَشكُرُكَ باسمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize