Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذهِ اللَّحظةِ تَحديدًا، عَرَفَ بولسُ أنَّ أيَّ يَهودِيٍّ سيَطرحُ سُؤالاً. فَهُوَ سيَقولُ مَا يَلي: "مَهلاً يا بُولُس! نَحنُ الأوصياءُ على النَّاموس، ونَحنُ الوُكلاءُ الَّذينَ أَعلَنَ اللهُ لَهُم النَّاموس، ونحنُ الَّذي كَتَبْناهُ وَأعَدْنا كِتابَتَهُ وحَفِظناهُ. لِذا، يَنبغي أن نَحصُلَ على أعلى كَرامَة لا على أقسَى دَينونة! فَنَحنُ الَّذينَ حَصَلنا على النَّاموسِ يَنبغي أن نَكونَ بِمَنأى عَن دَينونةِ الله!" وهُناكَ أشخاصٌ قَد يَنضمُّونَ إلى اليهودِ اليومَ قَائِلين: "أجل! فأنا أذهبُ إلى الكنيسةِ طَوالَ حَياتي، وأحاولُ أن أكونَ مُتَدَيِّنًا. وقدِ اشتريتُ كِتابًا مُقدَّسًا. أنا أحاولُ أن أكونَ مُتديِّنًا. فكيفَ يُعقَلُ أن أُدان؟ فَنَحنُ جَماعَةُ المُتَدَيِّنين. وَقد حَفِظْنا النَّاموس". وَهُناكَ مَن سيَقول: "أنا أُعَلِّمُ في كُليَّةِ اللاَّهُوت. أنا أُعَلِّمُ في كُليَّةِ اللاَّهُوتِ طَوالَ حَياتي المِهَنيَّة! وَقد أَعْدَدْت أُناسًا للذَّهابِ إلى حَقْلِ الخِدمةِ في الكنائس! صَحيحٌ أنَّ هُناكَ كُليَّاتِ لاهُوتٍ لا تُؤمِنُ بالكِتابِ المُقدَّسِ، وَأنَّ هُناكَ كَنائسُ لا تُؤمِنُ بِهِ أيضًا؛ ولكنَّنا جَماعةُ المُتديِّنين. ونحنُ مُرتبطونَ جدًّا بالمسيحيَّة! هَذا نَحنُ كما تَعلَم... نَحنُ جَماعةُ المُتديِّنين!"

وبُولُسُ يَرُدُّ على ذلكَ قَائِلاً في العَددِ الثَّالث عَشَر: "لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ [مَاذا؟] يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ". والكلمة "يَسمَعونَ: هي ليست الكلمة المُعتادة. فهي ليست الكلمة العاديَّة "أَكُوُو" (akouo) الَّتي تُترَجم عادةً: "يَسمَع"، بَل هِيَ الكلمة "أكرواتيس" (akroates)؛ وهي تُستخدَمُ تَحديدًا للإشارةِ إلى التَّلاميذِ الَّذينَ يَسمعونَ لأنَّهم مُنخَرِطونَ دائمًا في عَمليَّةِ التَّعلُّم. وأعتقدُ أنَّ تَرجمةَ "فينسنت" (Vincent) هيَ تَرجمةٌ جَيِّدة إذْ قالَ إنَّها تُشيرُ إلى الأشخاصِ المُنهَمِكينَ في السَّمَع. وَهَذا هُوَ تَمامًا ما كانَ اليهودُ يَفعلونَهُ في المَجامِع. أليسَ كذلك؟ فقد كانُوا يَسمَعونَ ويَسمَعونَ ويَسمَعونَ ويَسمَعون. وكانتِ الشَّريعَةُ تُقرَأُ على مَسامِعِهم أسبوعًا تِلوَ الآخَر، تِلوَ الآخَر، تِلوَ الآخَر، تِلوَ الآخَر. وَكانَ يُفَسَّرُ لَهُم. لِذا فقد كانُوا سَامِعينَ مُحتَرِفين! ولكنَّ التَّبريرَ لا يُمْنَحُ للمُنهَمِكينَ في الاستماعِ إلى النَّاموسِ، بَل يُمْنَحُ لهؤلاءِ الَّذينَ يَعْمَلونَ بِه. فالتَّبريرُ لا يَتوقَّفُ على الأداءِ الخارِجيِّ يا أحبَّائي، بَل على المَقام.

لِذا فإنَّ يَعقوبَ يُحَذِّرُنا بالطَّريقةِ نَفسِها إذْ يَقول: "وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ [ماذا؟] سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ". وَيا لَهُ مِن خِداع! فَناموسُ اللهِ لا يَحمي السَّامِعينَ مِنَ الدَّينونَة. كَلاَّ، بَل إنَّهُم كُلَّما سَمِعوا أكثر، زادَتْ شِدَّةُ الدَّينونة. وأنا أَعلَمُ أنَّهُ سيكونُ هُناكَ أشخاصٌ يأتونَ إلى الدَّينونةِ ويَقولون: "يا رَبّ، هَل لَديكَ سِجِلٌّ بِعَددِ السَّاعاتِ الَّتي صَرَفْتُها في الاستِماعِ إلى جون ماك آرثر؟ لا بُدَّ أن تَكون تلكَ السَّاعاتُ مُفيدةً في شَيءٍ مَا! فَقد كانت زَوجَتي فُلانَة تُسَجِّلُ تِلكَ العِظاتِ وأنا أستَمِعُ إليها طَوالَ الوقت. أليست هُناكَ فَائدة مِن كُلِّ ذلك؟ وَحَتَّى إنَّها كانت تَضَعُ تَرانيمَ مَسيحيَّة، ثُمَّ إنَّها اشتَرَتْ أشرطةً مُسَجَّلَةً لكُلِّ الكِتابِ المُقدَّسِ إذْ إنَّ هُناكَ شَخصًا يَقرأُ الكتابَ المقدَّسَ طَوالَ الوقت! وقد كُنتُ أجلِسُ في المَطبَخِ عندما كانت زَوجَتي وصَديقاتُها يَدرُسْنَ الكتابَ المقدَّسَ في غُرفةِ الضُّيوف!"

ورُبَّما سَيُحاوِلُ عَدَدٌ مِنَ الآباءِ الدِّفاعَ عَن أبنائِهم، أو رُبَّما سيَقولون: "لَقد سَمِعتُ كلَّ الكتابِ المقدَّس. فقد كُنتُ أجلِسُ هُناكَ وأستَمِع. وقد فَعلتُ كُلَّ ما في وُسْعي لكي أُوَفِّرَ لِزوجتي وصَديقاتِها مَكانًا مُريحًا. فأنا لم أَتخلَّص مِن تِلكَ التَّسجيلات، ولم أطرُد زَوجَتي خَارجًا! وقد كُنتُ أذهبُ إلى الكنيسة. أَلاَ يُفيدُ ذلكَ في شَيء؟" أجل، إنَّهُ يَضْمَنُ لَكَ دَينونَةً أَشَدّ. فَكما تَرَوْنَ، إنَّ نَاموسَ اللهِ لا يَحمِي، بَل إنَّهُ كُلَّما زَادَتْ مَعرفتُكَ بناموسِ اللهِ، زادتِ العَواقِبُ إنْ لم تُطِعْهُ.

ولكِنَّكَ ستَشعُرُ بإحباطٍ شَديدٍ لأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تُطيعَهُ بِقُوَّتِكَ الذَّاتيَّة. لِذا فإنَّهُ يَحْشُرُهُم في الحَقيقةِ في الزَّاويةِ قائِلاً: أنتُم تَسمَعونَ النَّاموسَ دائمًا ولكنَّكُم لا تَعمَلونَ به. لِذا، هُناكَ حُكْمٌ قَضائِيٌّ بِحَقِّكُم. "بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ [في العَدد 13] هُمْ يُبَرَّرُونَ"؛ لاَ أولئكَ الَّذينَ يَكْتَفونَ بالاستماعِ فقط.

لِذا فإنَّ اللهَ يُطالِبُنا بالطَّاعةِ الكاملة. واللهُ يُطالِبُنا بإظهارِ البِرِّ؛ ولكِنْ لاَ أَحَدَ مِنَّا يَستطيعُ القِيامَ بذلك. لِذا فإنَّ الغَايَةَ مِنَ النَّاموسِ هِيَ أن يُوصِلَنا إلى نُقطةِ اليأسِ لكي نَلتَجِئَ إلى اللهِ مِن أجلِ الحُصولِ على القُوَّةِ للقيامِ بالأشياءِ الَّتي لا يُمكِنُنا القِيامَ بها مِن ذَواتِنا. لِذا فإنَّ السُّؤالَ الَّذي قَد يَطرَحُهُ اليَهودُ قَد تَمَّتِ الإجابةُ عَنه. فَلاَ فائِدَةَ تُرجَى مِنَ الاستِماعِ إلى النَّاموسِ إلاَّ إذا عَملتُم بِه. فالاستِماعُ يُفاقِمُ ذَنبَكُم لأنَّ الَّذينَ يَعمَلونَ بِهِ هُمُ الوَحيدونَ الَّذينَ يَتبرَّرون. لِذا فإنَّنا أمامَ حُكْمٍ قَضائِيٍّ هُنا.

هَل أنتُم مُستعِدُّونَ لِسَماعِ السُّؤالِ الثَّاني؟ هَا هُوَ! وَهذا سُؤالٌ يَطرَحُهُ الأُمَمِيُّ أوِ الوَثَنِيُّ أوِ الشَّخصُ الَّذي ليسَ عِندَهُ النَّاموس. فَهُوَ سيَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! عَلى رِسْلِك! لم يَكُنِ النَّاموسُ عِنْدَنا يَومًا! لِذا، إنْ لم نَسمَع بالنَّاموسِ يَومًا كَيفَ يُعْقَلُ أنْ نُدانَ على عَدَمِ طَاعَتِنا لَه؟" هَل هَذا سُؤالٌ مَنطِقِيٌّ؟ فاليَهودُ يَقولونَ: "يَجِبُ أن نُعْفَى مِنَ الدَّينونَةِ بِسَببِ مَكانَتِنا الخَاصَّة". ولكنَّ اللهَ يَقولُ: كَلاَّ! والأُمَمُ يَقولونَ: "يَجِبُ أن نُعفَى مِنَ الدَّينونَةِ بِسَببِ عَدَمِ مَعرِفَتِنا بالنَّاموس". أليسَ كذلك؟ فماذا عنْ أولئكَ الوَثَنِيِّينَ؟ وماذا عَنِ الأُمَمِ الَّذينَ لم يَرَوْا يَومًا نَاموسَ اللهِ، ولم يَقرأوا يَومًا الكتابَ المقدَّسَ، ولم يَسمَعُوا يَومًا رِسالةَ الإنجيل؟ هَل يُمكِنُكَ أن تَدينَ شخصًا كَهذا لأنَّهُ لم يُطِعِ الكلمةَ المَكتوبة؟

فَفي نِهايةِ المَطافِ، نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 4: 15: "حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ". ونَقرأُ في رِسالة رُومية 5: 13: "فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ". ونَقرأُ في رِسالة رُومية 7: 7: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟ حَاشَا! بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوس". لِذا، إن لم يَكُن هُناكَ تَعَدٍّ في غِيابِ النَّاموس، ولم يَكُنِ بالإمكانِ مَعرفةُ الخَطيَّةِ بِدونِ النَّاموس، كيفَ يُعقَلُ أن نَكونَ مَسؤولينَ في حين أنَّهُ لم يَكُن لدينا نَاموسٌ مَكتوب؟ وهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يَطرَحونَ ذلكَ السؤال. هَلْ سَيُحاسِبُ اللهُ الأشخاصَ الَّذينَ لم يَسمَعُوا يَومًا بناموسِ اللهِ المَكتوب؟

لِنَعرِفِ الإجابة. نَقرأُ في العَددِ الرَّابع عَشَر: "لأَنَّهُ الأُمَمُ..."؛ أيِ الوَثنيُّونَ، أو غَيرُ اليَهودِ؛ وهي تَرجمةٌ للكلمةِ اليُونانِيَّةِ "إثني" [ethne]. "...الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ..."؛ أيِ الشَّريعَةُ المَكتوبة. تَذَكَّروا ذلك. فَهُوَ يُشيرُ إلى الشَّريعةِ المَكتوبة. فَهِيَ ليسَت عِندَهُم. "...مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً".

والآن، مَا مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب مَا يَلي: لاَ حَاجَةَ إلى أن يَكونَ عِندَكُم النَّاموسُ المَكتوبُ لكي تَكونوا مَسؤولينَ لأنَّ هُناكَ نَامُوسًا في دَاخِلِكُم يَظْهَرُ مِن خِلالِ سُلوكِكُم، ويَظهَرُ مِن خِلالِ ضَميرِكُم، ويَظهَرُ مِن خِلالِ طَريقَةِ تَفكيرِكُم. وهناكَ أربعةُ أسبابٍ رَئيسيَّة لِهَلاكِ الوَثَنِيِّين، وَهِيَ كَما يَلي: السَّببُ الأوَّلُ: الخَليقَة... الخَليقَة. ارجِعوا إلى الأصحاحِ الأوَّلِ ابتداءً مِنَ العَددِ الثَّامِن عَشَر: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ". والآن، يُمكنُكم أن تَرَوْا أنَّهُ لا يَتحدَّثُ فقط عَنِ الأشخاصِ المُتَدَيِّنين، ولا فقط عَنِ الأشخاصِ الَّذينَ عِندَهُم نَاموسُ اللهِ، بَل يَتحدَّثُ عَن جَميعِ النَّاس... عَن جَميعِ النَّاس... جَميعِ النَّاس. فَغضبُ اللهِ مُعلَنٌ على جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِم سَواءَ كَانَ عِندَهُم النَّاموسُ المَكتوبُ أَم لا. لماذا؟ لأنَّهُم يَحجِزونَ الحَقَّ.

وَكيفَ يَحجِزونَ الحَقَّ؟ نَقرأُ في العَددِ التَّاسع عَشَر: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ". وَكيفَ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِيهِم؟ "لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ". وكيفَ أَظْهَرَها لَهُم؟ "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ [مَاذا؟] خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ... حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ". لِذا، نَرى مُنذُ الأصحاحِ الأوَّلِ السَّببَ الأوَّلَ لِهلاكِ الوَثنيِّين: الخَليقَة. فيُمكنُهم أن يَنظُروا مِن حَولِهم ويَعرِفوا أنَّ هُناكَ إلَه. ويُمكنُهم أن يَنظُروا مِن حَولِهم ويُدركوا أنَّهُ خَارِقٌ للطَّبيعَةِ، وأنَّهُ أقوى مِن أيِّ كَائِنٍ يَعرِفونَهُ في مُحيطِهم. لِذا فإنَّهُم يَتَحَمَّلونَ المَسؤوليَّةَ لأنَّهُم يَعلَمونَ ذلك.

والآن، عندما نَصِلُ إلى الأصحاحِ الثَّاني، نَجِدُ الأسبابَ الثَّلاثةَ الأخرى لِهَلاكِ الوَثَنِيِّينَ. وَهِيَ تُبَيِّنُ ضَرورةَ إرسالِ مُرْسَلينَ إليهِم لِتَبشيرِهم. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الرَّابع عَشَر السَّببَ الثَّاني وَهُوَ: "السُّلوك". فأوَّلاً، إنَّهُم هَالِكونَ بسببِ الخَليقَة. ثانيًا، بِسببِ السُّلوك: "لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ [أو فَعلوا بِطريقةٍ طَبيعيَّةٍ] مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِم". بِعبارةٍ أخرى، على الرَّغمِ مِن أنَّهُ لا يُوجَدُ عِندَهُم نَاموسٌ خَارِجيٌّ فإنَّهُ يُوجَدُ عِندَهُم نَاموسٌ داخِلِيٌّ يَجعلُهم نَاموسًا لأنفسِهم. وَهُوَ يَظهَرُ مِن خِلالِ سُلوكِهم.

والآن، "مَتَى فَعَلُوا [أيِ الأُمَمُ] بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوس" – وهَذا يُشيرُ إلى أنَّ ذلكَ حَدَث. فَهُم يَفعَلونَ ذلك، بَل يَفعلونَهُ دَائِمًا. فالأُمَمُ يَفعلونَ بالطَّبيعةِ أُمورًا مَكتوبةً في نَاموسِ الله. هَل تَعلَمونَ ذلك؟ أيْ مِن دُونِ أن يَقرأوا نَاموسَ الله. لِذا فإنَّ سُلوكَهُم... استَمِعوا إلى ما سأقولُهُ الآن... لِذا فإنَّ سُلوكَهُم يُبَرهِنُ على أنَّهُم يَعرِفونَ الصَّوابَ والخَطأ. فَسُلوكُهُم يُبرهِنُ على أنَّهُ يُوجَدُ فيهم أو يَسكُنُ فيهِم نَاموسُ الله.

فأحيانًا يَدفَعُ الوَثَنِيُّونَ مَا عَليهِم مِن دُيون. وَهل هَذا مَكتوبٌ في نَاموسِ الله؟ أجل. وَهُم يُكْرِمونَ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم. فَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ لا يَعرِفونَ يَسوعَ المَسيحَ، وَلا يَعرِفونَ اللهَ، ولم يَقرأوا يَومًا الكتابَ المقدَّسَ؛ ولكنَّهُم يُحِبُّونَ زَوجاتِهم. وَهُناكَ زَوجاتٌ كَثيراتٌ يُحْبِبْنَ أزواجَهُنَّ. وَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ لم يَسمَعُوا يَومًا إنجيلَ يَسوعَ المَسيحِ ولكنَّهُم يَعْتَنونَ بأبنائِهم. وَهُناكَ أبناءٌ كَثيرونَ يَعْتَنونَ بآبائِهم وأُمَّهاتِهم. وهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ مِنهُم يُؤمِنونَ بأنَّهُ مِنَ الخَطأِ أن تَقتُل. وهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ لم يَعرِفُوا يَومًا يَسوعَ المسيحَ أو رِسالَةَ المَسيحِ أوِ الكتابَ المقدَّسَ أو مَعنى الإنجيل ولكنَّهُم يُطْعِمونَ الجِياعَ ويُساعِدونَ رَجُلاً مَريضًا أوِ امرأةً مَريضَة. والوَثنيُّونَ قَد يَقولونَ الصِّدْقَ أحيانًا. وَحَتَّى إنَّهُم قَد يَسْعَوْنَ إلى تَطبيقِ العَدالَة، وقَد يُجاهِدونَ في سَبيلِ إحْقاقِ الحَقّ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ هذهِ الأمورِ تُظهِرُ المِعيارَ الأخلاقِيَّ البَشريَّ الدَّاخِليَّ الَّذي يَجعلُهم نَاموسًا لأنفسِهم.

ويُمكِنُنا أن نَرى ذلكَ في نِظامِ العَدالَةِ البَشريِّ لَدينا. ويُمكنُنا أن نَرى ذلكَ في بَشريَّتِنا، ونَظرتِنا البَشريَّةِ للأشياء، وفي العَدالةِ حَولَ العَالَمِ حَتَّى عِنْدَ الشُّعوبِ النَّائيةِ والمَعزولةِ جدًّا. وأحيانًا، قَد يكونُ هذا النِّظامُ مُعْوَجًّا؛ ولكِنْ في أيِّ مُجتمعٍ تَرَونَهُ سَتجدونَ عَددًا مِن هؤلاءِ الوَثنيِّينَ يُمارِسونَ بالطَّبيعةِ أُمورًا مُتوافقةً تَمامًا مَعَ نَاموسِ الله. لِذا فإنَّهُم يُظهِرونَ بأنَّ ذلكَ النَّاموسَ مَوجودٌ في دَاخِلِهم.

وكانَ الرِّواقِيُّونَ يَقولونَ إنَّهُ تُوجدُ في الكَونِ قَوانينٌ مُعيَّنةٌ عَامِلَةٌ تَعَدَّى الإنسانُ عليها فَجَلَبَ على نَفسِهِ البَلاء. وقد قالَ الرِّواقِيُّونَ [الَّذينَ كانُوا فَلاسفةً وَثنيِّينَ تَمامًا] إنَّ تلكَ القَوانينَ هِيَ قَوانينُ الصِّحَّةِ، وقَوانينُ الأخلاقِ، والقَوانينُ الَّتي تُنَظِّمُ الحَياةَ والمَعيشَة. وقد سَمَّى الرِّواقِيُّونَ كُلَّ تِلكَ القَوانين "فوسيس" (phusis) ومَعناها: "طَبيعَة". فَقد قالوا إنَّهُ يَنبغي للنَّاسِ أن يَعيشُوا "كاتا فوسين" (kata phusin)؛ أيْ أنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَعيشُوا بِما يُوافِقُ الطَّبيعَة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الرِّواقِيِّينَ قَالوا إنَّ هذهِ القوانينَ طَبيعيَّةٌ للإنسان. وكما تَرَوْنَ فإنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يُدركَ أنَّ هناكَ صَوابًا، وأنَّ هناكَ مِعيارًا للأخلاق. والحقيقةُ هِيَ أنَّ الإنسانَ يَشعُرُ بِوَخْزِ الضَّميرِ لأنَّهُ يَتَعَدَّى على النَّاموسِ الأخلاقِيِّ المَزروعِ فيه. فهُناكَ إحساسٌ بالصَّوابِ والخَطأ. وعندما يَفعلُ البَشَرُ بالطَّبيعةِ شَيئًا يُوافِقُ نَاموسَ اللهِ، ولا سِيَّما عِندما يَفعلونَ ذلكَ دائمًا، فإنَّهُم يُؤكِّدونَ حَقيقةَ أنَّ نَاموسَ اللهِ مَكتوبٌ في دَاخِلهم.

والأشخاصُ الَّذينَ لم يَختبِروا الولادةَ الثَّانيةَ يَعملونَ الصَّلاحَ البَشريَّ نِسبيًّا. صَحيحٌ أنَهُم لا يَعملونَ الصَّلاحَ مِنْ مُنطَلَقِ البِرِّ الرُّوحِيِّ، ولا يَعملونَ الصَّلاحَ مِن مُنطَلَقِ الدَّافِعِ السَّليمِ لأنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شَيءٍ أن يكونَ صَالِحًا حَقًّا إلاَّ إذا عُمِلَ لِمَجدِ الله. أليسَ كذلك؟ ولكنَّهُم يَعملونَ الصَّلاحَ بالمَعنى البَشريِّ النِّسبيّ. وعندما يَفعلونَ ذلك فإنَّهُم يُظهرونَ أنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّ نَاموسَ اللهِ غَيرُ مَكتوبٍ، فإنَّهُ يَعمَلُ في قُلوبِهم. لِذا فإنَّهُم يَعملونَ الصَّلاحَ بالطَّريقةِ السَّليمةِ على الرَّغمِ مِن أنَّهُم لا يَعملونَهُ بِدَافِعٍ سَليم.

وَهذا يُذكِّرُني بِكُورَش في العهدِ القديمِ إذْ إنَّهُ صَنَعَ خَيرًا. فَقد سَمَحَ لِشعبِ اللهِ بالعَودة. وَهذا يُذكِّرُني أيضًا بِدارِيُوس، ويُذَكِّرُني بأَرْتَحْشَسْتَا. وَهؤلاءِ جَميعًا يُمْدَحون. ففي سِفْرِ عَزْرا والأصحاحِ السَّابعِ، نَقرأُ مَدْحًا لأَرْتَحْشَسْتَا. فَهُمْ وَثنيُّونَ صَنَعُوا خَيرًا لِشعبِ الله. وماذا عنِ كَاتِبِ المَدينةِ في أفسُس؟ فَعلى الرَّغمِ مِن كَونِهِ وَثنيًّا فقد نَجَحَ في تَهدئةِ الحُشودِ الغَاضِبَة. وماذا عنْ الرُّومانِيِّينَ أصحابِ المَراكِزِ المَرموقَةِ [في الأصحاحِ الثَّالثِ والعِشرين مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل] الَّذينَ وَفَّرُوا الحِمايةَ لبُولُس؟ وماذا أيضًا عنِ البَرابِرَةِ الَّذينَ أظهَرُوا لُطفًا غيرَ عَادِيٍّ لبُولُس بأنْ أَوْقَدُوا نَارًا [في الأصحاحِ الثَّامنِ والعِشرين مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل] لِتَدفئتِه؟

فالإنسانُ فَاسِدٌ تَمامًا بِمَعنى أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ شَيئًا صَالِحًا مِن ذَاتِهِ، أو شَيئًا صَالِحًا تُجاهَ اللهِ، أو شَيئًا يُمَجِّدُ اللهَ؛ ولكنَّهُ يَستطيعُ أن يَفعلَ الصَّلاحَ بالمَفهومِ البَشريّ. ولكِنْ في كُلِّ مَرَّةٍ يَفعلُ فيها ذلك فإنَّهُ يُبَرهِنُ على أنَّ هُناكَ نَاموسًا في داخِلِهِ يُوَجِّهُهُ إلى ذلكَ الصَّلاح. هَلِ الوَثنيُّونَ ضَالُّون؟ أجل. وهل يُمكِنُهم أن يَدَّعُوا أنَّهُم جَهَلَة؟ كَلاَّ. أوَّلاً، بسببِ الخَليقةِ لأنَّها مُحيطَةٌ بهم. فَيُمكِنُهم أن يُدرِكُوا في أذهانِهم أنَّ هُناكَ إلَهًا خَلَقَ تِلكَ الخَليقَة. وَثانيًا، بِسَببِ سُلوكِهم إذْ إنَّهُم يُبَرهِنونَ على أنَّ النَّاموسَ مَكتوبٌ في داخِلِهم.

والآن، قَد تُصْعَقونَ بِسَببِ ما سأقولُه. فإذا نَظرتُم إلى هذا الأمرِ مِن وُجهةِ نَظرِ الخَيرِ البَشريِّ العامّ فإنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَعيشونَ خَارِجَ السُّجون. أليسَ كذلك؟ فَعَددُ الأشخاصِ المَسجونينَ قَليلٌ نِسبيًّا. وما مَعنى ذلك؟ هَذا لا يَعني أنَّ الإنسانَ صَالِحٌ بِصورةٍ رَئيسيَّة. صَحيحٌ أنَّهُ فَاسِدٌ أدبيًّا، ولكِنْ تُوجَدُ فيهِ بِذْرَةُ صَلاحٍ تَحْميهِ مِنْ أن يَكونَ أسوأَ شَخصٍ في الوُجود وذلكَ بِسَببِ نَاموسِ اللهِ المَوجودِ فيه.

والآن، دَعونا نَتوسَّع قليلاً في هذهِ الفِكرةِ ونُلقي نَظرةً على السَّببِ الثَّالثِ الَّذي يَجعلُنا نَقولُ إنَّ الوَثنيِّينَ ضَالُّونَ وَهُوَ: الضَّمير. وَهَذا جُزءٌ مِن نَفسِ تِلكَ الفِكرةِ المَذكورةِ في العَددِ الرَّابع عَشَر؛ ولكنَّهُ سَبَبٌ مَذكورٌ في العَددِ الخامِس عَشَر. فَهُم يُظهِرونَ عَملَ النَّاموسِ فيهم لا فقط مِن خِلالِ سُلوكِهم عندما يَفعلونَ بالطَّبيعةِ مَا هُوَ في النَّاموسِ، بَل إنَّهُم يُظهِرونَ أنَّ نَاموسَ اللهِ مَكتوبٌ في قُلوبِهم عندما يَعْمَلُ ضَميرُهم شَاهِدًا عَليهم. تَوَقَّفوا هُنا قَليلاً. فَنحنُ جَميعًا نَعلَمُ ما الضَّمير. فالكلمة المُتَرجَمَة "ضَمير" تَعني ببساطَة "مَعرفة مُشترَكة". لِذا، أعتقدُ أنَّهُ يُمكنُنا أن نَقولَ إنَّها تَعني المَعرفة المُشتركة مَع الذَّات. فأصلُ الكلمةِ سَواء في اللُّغةِ اليُونانيَّةِ أوِ اللاَّتِينيَّةِ أوِ الإنجليزيَّةِ مُشتَقٌّ مِن نَفسِ الجَذْر. والفكرةُ هِيَ المَعرفة المُشتركَة. لِذا فإنَّ الضَّميرَ هُوَ ذلكَ الشَّيءُ المَوجودُ فيكَ ويَعرِفُ مَعَكَ الأشياءَ الصَّحيحَة. وَهُوَ يُشيرُ إلى إحساسِ الإنسانِ الدَّاخِليِّ بالصَّوابِ والخَطأ، أو إلى الإدراكِ الأخلاقِيِّ الَّذي يُصْدِرُ الأحكامَ على الأفكارِ والمَواقفِ والكَلامِ والأفعال.

أَذْكُرُ أنِّي قَرأتُ عَن قَبيلةٍ في إفريقيا تَستخدِمُ طَريقةً مُدهشةً جدًّا لِمعرفةِ الشَّخصِ المُذنِب. فإنْ حَدَثَتْ سَرِقَة في القبيلة، فإنَّهُم يَطْلُبونَ مِن جَميعِ الرِّجالِ أنْ يَقِفوا في صَفٍّ واحِدٍ لأنَّ الرِّجالَ هُمْ مَنْ يَسْرِقونَ عَادَةً. وكانَ القُضاةُ يَقِفونَ أمامَ كُلِّ واحِدٍ مِن هؤلاءِ ويَسألونَهُ إنْ كانَ قَد سَرَق. وينبغي لكُلِّ شَخصٍ أن يَقولَ "نَعم" أو "لا". بعدَ ذلك، كانُوا يَطلُبونَ مِن كُلِّ شخصٍ أن يُخرِجَ لِسانَهُ، ويُحضِرونَ سِكِّينًا سَاخِنَةً وَيَضعونَها على اللِّسان. فإن كانَ يُوجَدُ لُعابٌ على اللِّسان، كانوا يَرفَعونَ السِّكِّين بِسهولة. أمَّا إنْ لم يَكُن يُوجَدُ لُعابٌ على اللِّسان، فإنَّ السِّكِّينُ تَلتَصِقُ بِهِ وتَحرِقُ اللِّسان. لِذا فقد كانَ باستطاعتهم دائمًا أن يَعرفوا الشَّخصَ الكاذِبَ بسببِ عَدَمِ وُجودِ لُعابٍ على لِسانِه.

وما الَّذي يَجعَلُ لُعابَكَ يَجِفُّ عندما تَفعلُ شيئًا خَطأً؟ إنَّهُ الضَّميرُ المَزروعُ فيك. فَهُناكَ عَمليَّةُ تَفكيرٍ تَحدُثُ في ذِهنِكَ تَعرِفُ الصَّوابَ وتَعرِفُ الخَطأَ وتُوَبِّخُكَ عندما تَفعلُ أيَّ خَطأ. وهذا يُشبِهُ ما يَحدُثُ عندما تَغِشُّ وتَعيشُ في حَالَةِ خَوفٍ دائمَةٍ مِن أنْ يُفْضَحَ أمْرُك. هَذا هو الضَّمير. فالضَّميرُ يَتجاوبُ معَ المِعيارِ الدَّاخِليّ. ولا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلتُ إنَّ الضَّميرَ يَعمَلُ، بِلا أدنى شَكٍّ، بِقوَّةٍ هائلةٍ في المُؤمِنِ لا فقط لأنَّ النَّاموسَ الرَّئيسيَّ مَزروعٌ فيكَ، بل أيضًا لأنَّ نَاموسَ المَسيحِ يُضافُ مِن خِلالِ كَلمتِهِ إلى النَّاموسِ الطَّبيعيِّ المُعتاد. والدَّمْجُ بينَ الاثنينِ يَحْفِزُ الضَّميرَ أكثر على التَّجاوُب.

وقد كانَ بُولسُ يُصغي إلى صَوتِ ضَميرِه. فَقد قالَ في مُناسَباتٍ عَديدة: "وَضميري يَشهَد". أليسَ كذلك؟ بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقول: "إنَّ ضَميري يَتَّفِقُ مَعي على أنَّ ما أفعلُهُ صَواب، وعلى أنَّ قَلبي طَاهِرٌ". كما أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ ضَميرَكَ قَد يَصيرُ مَوسُومًا. والضَّميرُ المَوسومُ لا يَشعُر بشيء. لِذا فإنَّ بُولسَ يُخبرُنا في رِسالتِهِ إلى أهلِ رُومية قَائِلاً: "لا تُهمِلُوا ضَميرَكُم... لا تُهمِلوا ضَميرَكُم". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الحُريَّةِ المَسيحيَّةِ ويقول: إنْ أخبرَكَ شَخصٌ أنَّهُ يُمكِنُكُ القيامُ بشيءٍ ما ولكنَّ ضَميرَكَ أخبركَ أنَّهُ لا يُمكِنُكَ القِيامُ بذلك، لا تَفعل ذلكَ الأمرَ حَتَّى وإنْ كانَ لا بأسَ مِنْ فِعلِه لأنَّكَ إنِ اعتَدْتَ على إهمالِ ضَميرِكَ فإنَّكَ سَتُخَدِّرُ شيئًا أنْتَ في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ إليهِ لِحمايتِك. وكأنَّكَ بذلكَ فَقدتَ الشُّعور.

وكما تَعلمونَ، لَقد شارَكْتُ مَعَكُم قبلَ بِضعةِ أشهُر أنِّي قَرأتُ كِتابًا عنِ البَرَص. وقدِ اكتشفوا أنَّ البَرَصَ مُختلفٌ عَمَّا كانوا يَظُنُّونَ في الأصل. فقد كانَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّهُ عندما تُصابُ بالبَرَصِ فإنَّ جِلْدَكَ يَلْتَهِمُ نَفسَهُ إلى أنْ تَختفي أطرافُك. ولكنَّهُم يَعرفونَ الآنَ أنَّ البَرَصَ يُؤدِّي إلى الموتِ التَّامِّ لكُلِّ الحَواسِّ حَتَّى إنَّكَ تُؤذي أطرافَكَ وَتَفقِدُها. فلأنَّكَ لا تَشعُرُ بأيِّ شَيءٍ فإنَّكَ تَستَمِرُّ في قَضْمِ أصابِعِكَ إلى أن تَسقُط، أو تَستَمِرُّ في حَكِّ أنفِكَ إلى أن يَسقُط لأنَّكَ لا تَشعُرُ بأيِّ شَيء. وَهذا هُوَ ما يَحدُثُ عندما يُوْسَمُ الضَّمير. لِذا فإنَّ بُولُسَ يَقول: لا تَفعلوا ذلك. فحتَّى إنَّ الوَثنيِّينَ لَديهم ضَمير. ولكِنَّهُم قد يَعملونَ على مَدى فَترةٍ طَويلةٍ على تَخديرِ ذلكَ الضَّمير. ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّهُم يَستطيعونَ دائمًا أن يُلغوه، بَل أعتقدُ أنَّهُ يَبقى عَامِلاً ويُخبرُهم بالصَّوابِ والخَطأ. ولا يَهُمُّ إنْ كُنتَ تَعيشُ في مُجتمعٍ بِدائِيٍّ أو أيِّ مُجتمعٍ آخر. فالإنسانُ الَّذي يَقترِفُ جَريمةً قد يَفعلُ كُلَّ ما في وُسعِهِ لتَبريرِ تلكَ الجريمة، ولكنَّهُ يَستمرُّ في التَّلَفُّتِ حَولَهُ ليَرى إنْ كانَ هُناكَ شَخصٌ يُلاحِقُهُ لأنَّهُ يَعرِفُ الصَّوابَ ويَعرِفُ الخَطأ.

والأطفالُ الصِّغارُ هُمْ أوضَحُ مَثَلٍ على ذلك. فعندما تكونُ هُناكَ عَائلةٌ غيرُ مُؤمنةٍ تُرَبِّي ابْنًا غيرَ مُؤمِنٍ يَفعلُ شَيئًا خَطأً ويَعودُ إلى البيتِ فتقولُ لَهُ أُمُّهُ: "هَل فَعلتَ ذلك؟" ما هُوَ أوَّلُ شَيءٍ يَفعلُه؟ إنَّهُ يَكذِب. لماذا؟ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ مَا فَعَلَهُ كَانَ ماذا؟ خَطأً – حَتَّى إنْ لم يَكُن قدِ اقترفَ هذا الخَطأَ مِن قَبل. فَهُناكَ مِعيار. وضَميرُهُ هُوَ الَّذي يُخبِرُهُ بذلك.

لِذا فإنَّ الوَثنيِّينَ ضَالُّونَ بسببِ الخَليقةِ، والسُّلوكِ، والضَّمير. رابعًا، الوَثنيُّونَ ضَالُّونَ بسببِ قُدرتِهم على التَّفكير. وَهذا مُؤشِّرٌ آخرَ على ضَلالِ الوَثنيِّين. "وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً". بِعبارةٍ أخرى، نَحنُ نَمْتَلِكُ القُدرةَ على التَّمَعُّنِ أوِ التَّفكيرِ ومعرفةِ إنْ كانَ مَا فَعلناهُ صَوابًا أَمْ خَطأً. فمثلاً، إنْ سَمِعَ شَخصٌ لا يُؤمِنُ باللهِ وَلا يُؤمِنُ بالمَسيحِ ولا يُؤمِنُ بالكِتابِ المُقدَّسِ عَن شَخصٍ قَتَلَ طِفلاً، ماذا ستَكونُ رَدَّةُ فِعلِه؟ مَا لم يَكُن ذلكَ الشَّخصُ أثيمًا جدًّا، سَوفَ يَقول: "هَذا مُريع!" فسوفَ يَقول: "يَجِبُ علينا أن نَجِدَ ذلكَ الشَّخصَ ونُعاقِبَهُ".

ولماذا يُوجَدُ، في رأيِكُم، نِظامٌ جَزائِيٌّ في مُجتمعِنا؟ ولماذا يُوجَدُ، في رأيِكُم، نِظامٌ جَزائِيٌّ في كُلِّ مُجتمَع؟ لأنَّ النَّاسَ يَعرفونَ الصَّوابَ والخَطأ. فَهُم قَادِرونَ في أذهانِهم على تَوجيهِ الاتِّهاماتِ أوِ العُثورِ على مُبَرِّرات. فَهُم يَعلَمونَ أنَّهُ لا بأسَ في هذا الأمر. ونَحنُ نَعلَمُ أنَّهُ يُمكنُنا أن نَتغاضَى عَن هذا الأمرِ؛ ولكِنْ ليسَ ذلكَ الأمر. والوَثنيُّونَ يَفعلونَ ذلك. فالنَّاسُ في مُجتمعِنا، على الرَّغمِ مِن أنَّهُم لا يُؤمِنونَ باللهِ، وَعلى الرَّغمِ مِن وَثنيَّتِهم، فإنَّهُم يُحاربونَ الجَريمة. أليسَ كذلك؟ ولا أظُنُّ أنَّ كُلَّ مَنْ يُؤيِّدُ عُقوبةَ الإعدامِ والمَوتِ هُوَ مَسيحيّ. أليسَ كذلك؟ ففي اعتقادي، هُناكَ أشخاصٌ يَرَوْنَ أنَّهُ يَنبغي القِيامُ بشيءٍ مَا بِخصوصِ الجَرائمِ لأنَّها خطأ.

لَقد شَاهدتُ امرأةً تَتَلَفَّظُ بألفاظٍ نَابِيَةٍ على الأخبار. وأنا أعلَمُ أنَّها ليسَت مَسيحيَّة. وقد قالت إنَّ رَجُلاً اغتَصَبَ ابنَتَها الصَّغيرةَ وَقَتَلَها. وقد قالَت: "أريدُ أن تُزْهَقَ حَياةُ ذلكَ الرَّجُلِ مُقابِلَ حَياةِ ابنَتي الَّتي قَتَلَها". لماذا؟ لماذا تَشعُرُ بهذهِ المَشاعِر؟ لأنَّها تَمْتَلِكُ القُدرةَ على التَّفكيرِ في الصَّوابِ والخَطأ، وتَمتلِكُ القُدرةَ على مَعرفةِ الأمورِ المُبَرَّرة والأمورِ غَيرِ المُبَرَّرة. فَهذا يَصِحُّ على الوَثنيِّين.

والخُلاصَةُ يا أحبَّائي هِيَ أنَّ هُناكَ الخَليقةَ، والسُّلوكَ، والضَّميرَ، والتَّفكير. فما يَفعلونَهُ، والطَّريقةُ الَّتي يَتعامَلونَ بها مَعَ الخَيرِ والشَّرِّ في حَياتِهم الشَّخصيَّةِ، والطَّريقةُ الَّتي يَتعامَلونَ بها مَعَ ذلكَ في حياةِ الآخرينَ تُشيرُ إلى أنَّهُم يَعرفونَ نَاموسَ اللهِ المَكتوب في دَاخِلِهم. والآن، إليكُم أَهَمَّ شَيءٍ قُلتُهُ حَتَّى الآن. هذهِ هِيَ الخُلاصَة: إنْ عاشَ هؤلاءِ بِحسبِ ذلكَ النُّورِ، وَقَبِلُوا ذلكَ النُّورَ، سَوفَ يَكشِفُ اللهُ لَهُم كُلَّ نُورِ يَسوعَ المَسيح. وأنا أُوْمِنُ بذلكَ بِكُلِّ قلبي. فكما تَرَوْنَ، هَذا هُوَ ما يَقولُهُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ السَّابِع عَشَر. فاللهُ لَيسَ بَعيدًا عَنَّا إنْ كُنَّا نَطلُبُهُ. أَتَرَوْن؟ فيَكفي أن يَأخُذوا هذهِ العَطيَّةَ وأن يَقبلوها. ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 7: 17: "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ". فإنْ كانَ يَتوقُ في قَلبِهِ إلى المَعرفةِ فإنَّهُ سيَعرِف.

وقد رأينا مَثَلاً حَيًّا على ذلكَ في كنيستِنا في الأسبوعِ الماضي مِن خلالِ رَجُلٍ اسمُهُ "أوغسطس مارواي" (Augustus Marway). وقد حَضَرَ أُناسٌ مِنكُم يومَ الأربعاء مَساءً وسَمِعُوا شَهادَتَه. فهو دَليلٌ حَيٌّ يُؤكِّدُ ذلك. وقد حَصَلْتُ على نُسخةٍ مَكتوبةٍ مِن شَهادَتِه. وسوفَ أقرأُ بِضْعَةَ أجزاءٍ مِنها. لقد عاشَ هذا الرَّجُلُ في قَريةٍ شَهِدَتْ حُروبًا قَبَلِيَّة. وَهُوَ لم يَضَع قِطعةَ مَلابِس على جَسَدِهِ إلى أنْ صَارَ عُمرُهُ 14 سَنة. وَهذا شَيءٌ مَألوفٌ جدًّا في إفريقيا. وهذهِ هِيَ شَهادَتُهُ الشَّخصيَّة.

كنتُ أستاءُ عندما يَمُرُّ غُرباء مِن قَريتِنا وتَتِمُّ دَعوتُهم إلى بَيتِنا. بادِئَ الأمر، كانت أُمِّي تَسمَحُ لنا أنا وإخوتي أن نَأكُلَ مَعَ الضَّيف. ولكنِّي كُنتُ أتصرَّفُ بِقِلَّةِ أَدَبٍ إذْ كُنتُ أَحْشُو فَمي بِحُفْنَةٍ مِنَ الأَرُزِّ أُلْحِقُها بِحُفْنَةٍ أخرى قبلَ أن أَبلَعَ الأولى. وكانت أُمِّي تَخْجَلُ مِن تَصَرُّفي هَذا. ثُمَّ إنَّها مَنَعَتْني مِنَ الأكلِ مَعَ الضُّيوفِ بعدَ ذلك. لِذا فقد كنتُ أجلسُ وأُحَدِّقُ في الضُّيوفِ، وأجعَلُهُم يَشعرونَ بعدمِ الرَّاحةِ إلى أنْ يَدعوني إلى المائِدَة.

مِن ذلكَ الوقت فَصاعِدًا، صارتَ أُمِّي تأمُرُني بالجُلوسِ خارِجَ البيتِ إلى أنْ يُنهي الضُّيوفُ طَعامَهُم. ولا أدري ما الَّذي جَعَلَني فَاسِدَ الأخلاقِ هَكذا! والحقيقةُ هِيَ أنَّ كُلَّ القَريةِ كانت تَسأل: "مَا قِصَّةُ ابنِ مارواي ذاك؟" فَقد كانوا يَتساءلونَ، وكانَ أبي وأُمِّي المِسكينانِ يَخجلانِ بِسَببي خَجلاً شَديدًا!

وعلى الرَّغمِ مِن مَحبَّتي الشَّديدةِ لأمِّي، كُنتُ أفعلُ أمورًا مُريعة! وما زِلتُ أَذكُرُ أنِّي رأيتُها يَومًا تَجلِسُ على مِقعَدٍ خارجَ البيتِ، فالتَقَطْتُ خَشَبَةً وألقَيْتُها على سَاقَيْها؛ ولكنِّي أخطأتُ الهَدفَ وأصَبْتُ طِفلاً صَغيرًا فَتأذَّى بِشِدَّة.

في مِثلِ تلكَ الأوقات، كانَ أهلُ القَريةِ يَنْضمُّونَ إلى أبي وأُمِّي في مُعاقبتي. وفي تِلكَ الحادِثَة، ثَبَّتوني على الأرضِ، وأمسَكوني مِن سَاقَيَّ وذِراعَيَّ، وسَكَبُوا حَساءً مُشَبَّعًا بالفُلفُل الحارِّ في أنفي. وقد أَوْشَكْتُ على الاختناقِ حتَّى الموت. وقد شَعَرْتُ بحَرَقانٍ في أنفي لِساعاتٍ بعدَ ذلك.

إليكُم هَذا الحَساءَ الجَديد يا أبي ويا أُمِّي! آهِ لو عَرَفَتْ شَرِكَة "كامبلز" (Campbell's) للطَّعامِ المُعَلَّبِ بأمْرِ ذلكَ الحَساء! اسمَحُوا لي أن أتوقَّفَ قَليلاً عندَ هذهِ النُّقطةِ مِن هذهِ الشَّهادَة. لماذا أَصَرَّتْ هذهِ القَبيلةُ الَّتي تَضُمُّ أُناسًا بِدائِيِّينَ لم يَسمَعُوا يَومًا عنِ اللهِ الحَقيقيِّ، ولم يَسمَعُوا يَومًا بالإنجيل، ولم يَسمَعُوا يَومًا اسمَ يَسوع، لماذا أَصَرُّوا على مُعاقبةِ صَبِيٍّ صَغيرٍ لأنَّهُ رَمَى خَشَبَةً أصابَتْ طِفلاً آخر؟ لماذا؟ مَن أخبَرَهُم أنَّ ذلكَ خَطأ؟ ولماذا شَعَرَ هذا الصَّبيُّ بالذَّنب؟ فَقد أخبرَنا عندما تَحدَّثَ إلى العامِلينَ لدينا ذاتَ يَومٍ وقال: "كُنتُ أشعُرُ بالانكسارِ في قَلبي كُلَّ يَومٍ لأنِّي كُنتُ أُحِبُّ أُمِّي وأعلَمُ أنِّي أَجْلِبُ العَارَ لها؛ ولكنِّي لم أكُنْ قادِرًا على تَقويمِ سُلوكي". لماذا كانَ يَشعُرُ هكذا؟ ومِن أينَ جَاءَ بهذا الشُّعورِ بالذَّنب؟ مِن أينَ جَاءَ ذلكَ الشُّعور؟ ولماذا كانت أُمُّهُ تشعُرُ بالعارِ بِسَببِه؟ مَنِ الَّذي أخبَرَها عَنِ المِعيار؟

ويَمضي قَائِلاً: لم أتمكَّن مِن فَهْمِ نَفسي! وبعدَ أن كُنتُ أشعُرُ بهذهِ المَشاعِر، كُنتُ أذهبُ إلى الغابَة، وأَرْطُمُ رأسي بِشَجرةٍ، وأصرُخُ قَائلاً: "مَا خَطْبي؟ يَنبغي أن أنتَحِر! فقد كُنتُ أَكرَهُ أن أكونَ الشَّخصَ الوَحيدَ العَاقِلَ في العائلة!"

إنَّ كُلَّ شَيءٍ يَتوقَّفُ على وُجهَةِ نَظرِك!

وَهُوَ يَقول: ولكِنْ ذاتَ يَومٍ، عندما كُنتُ في سِنِّ الثَّانية عشرة تقريبًا، عَادَ صَبِيٌّ إلى قَريتِنا مِنَ السَّاحِلِ بعدَ أن ذهبَ لزيارةِ أبيه. وبالمُناسبة، كانت تِلكَ الرِّحلةُ رِحلةً طَويلةً جدًّا جدًّا جدًّا على الأقدام. ولم يَكُن أَحَدٌ مِنَّا نَحنُ الصِّغارَ قد رَأى المُحيطَ مِن قَبل. لِذا فقد احْتَشَدْنا حَولَهُ لكي نَسمَعَ عنِ المُحيط. فكأنَّهُ ذَهَبَ في رِحلةٍ إلى القَمَرِ وَعَادَ مِنَها! ولأنَّهُ كانَ يَستمتِعُ بِاهتمامِنا ذَاك، رَاحَ يُدْهِشُنا باختباراتِهِ وَهُوَ يَروي لنا الأشياءَ العَجيبةَ الَّتي رآها. ومِن بينِ تلكَ الأشياءِ، أخبَرَنا كيفَ أنَّ هُناكَ أُناسًا يَعيشونَ بالقُربِ مِنَ الشَّاطِئ يَجتمعونَ في بَيتِ أحدِهم يَومَ الأحدِ ويُرَنِّمونَ ويَقضونَ معًا وقتًا طَويلاً.

لم يَكُن ذلكَ الصَّبِيُّ يَعلَمُ ما يَفعلُهُ هؤلاء. وأخيرًا، انتابَهُ الفُضولُ الشَّديدُ فَسألَ واحِدًا مِن سُكَّانِ القَرية: "ماذا تَفعلونَ هُناكَ كُلَّ هذا الوقتِ الطَّويل؟" فأخبروهُ بأنَّهم يُصَلُّونَ إلى اللهِ؛ أيْ إلى الإلَهِ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شَيء. وَقَد قَالوا إنَّهُم يُؤمِنونَ بأنَّهُ يَسمَعُ صَلواتِهم.

لم أَكُن قَد سَمِعتُ شَيئًا كَهذا مِن قَبل! إلَهٌ يَسمَعُ صَلواتِك؟ لِذا فقد شَعرتُ بِفُضولٍ شَديد وأردتُ أن أُصَلِّي إلى اللهِ أنا أيضًا. لِذا فقد طَلبتُ مِن ذلكَ الصَّبِيِّ أن يَلتقيني يَومَ الأحد حيثُ إنَّهُ اليومُ الَّذي يَجتمعُ فيهِ هؤلاءِ النَّاسُ في ذلكَ البيت. وقد طَلبتُ مِنهُ أن نَذهبَ إلى مَكانٍ مَا خَارجَ القَريةِ وأن يُخبرني كيفَ أُصَلِّي. ولكنَّهُ لم يَكُن مُهتمًّا. وبِسَببِ الإحباطِ الَّذي شَعرتُ بِه، قَرَّرتُ أن أُجَرِّبَ الأمرَ بنفسي يَومَ الأحدِ القادِم.

ذَهبتُ إلى كُوْخٍ كانَ ابنُ خَالَتي ما زالَ مُنشَغِلاً في بِنائِه. وبعدَ أن تَحَقَّقْتُ مِن عَدَمِ وُجودِ أيِّ شَخصٍ هُناك، حاولتُ أن أُصَلِّي أوَّلَ مَرَّة. فأنا لم أسمَع قَطّ أحدًا يُصَلِّي؛ ولكنِّي قَرَّرتُ أن أتكلَّمَ إلى هذا الإلهِ كما لو أنَّهُ أبي. ولا يُمكنُني أن أُفَسِّرَ ما حَدَث، ولكنَّها كانت مُحاولةً مُدهشة. وقد أردتُ أن أعرفَ المَزيدَ عنِ الله؛ ولكِنْ لم يَكُن هناكَ شَخصٌ في قَريتِنا يَعرفُ أيَّ شَيءٍ عنه. لِذا فقد واظَبْتُ طَوالَ سَنتينِ على الصَّلاةِ وَحدي أيَّامَ الأحَد على أملِ أن يأتي شَخصٌ ذاتَ يَومٍ ويُخبرُني عنه.

أَتَرَوْن؟ لَقد عاشَ بِحسبِ النُّورِ الَّذي أُعطِيَ لَهُ. أليسَ كذلك؟ فقد تَبِعَ ذلكَ النُّور.

في ذلكَ الوقت، ابتدأتِ الحُكومةُ في بِناءِ طَريقٍ للسيَّاراتِ استِعدادًا للاختراعِ الجَديدِ الَّذي يُسَمَّى "سَيَّارة". وَقد صَرَفْتُ مَعَ العَديدِ مِنْ أقارِبي نَحوَ أُسبوعَيْنِ في الشَّهر في السَّنتَيْنِ التَّالِيَتَيْن في إنشاءِ الطَّريقِ في ظُروفِ عَمَلٍ مُريعَة. ثُمَّ عُدتُ إلى "سادور" (Sadore) مَسْقِطِ رَأسي للمُكوثِ مَعَ ابنِ خالَتي. وعندما وَصلتُ إلى سادور، اكتشفتُ أروعَ اكتشافٍ في حَياتِي بأسرِها لأنَّهُ كانَ يُوجدُ في سَادور بَيتٌ يَجتمعُ فيهِ النَّاسُ كي يُصَلُّوا إلى اللهِ الَّذي خَلَقَ العالَم.

كَم فَرِحْتُ لذلك! وقدِ انتظرتُ بفارِغِ الصَّبْرِ يَومَ الأحد. وقد بَقَيْتُ طَوالَ اللَّيلِ نائمًا على حَصيرَتي بانتظارِ سَماعِ ذلكَ الجَرسِ الَّذي قالَ ابنُ خَالَتي إنَّهُ سيَقرَعُ مُعلِنًا وقتَ الذَّهابِ إلى ذلكَ البيت. في ذلك الصَّباح، جَلستُ في الخَلف، واستمعتُ إلى رَجُلٍ يَتحدَّثُ عنِ الله! وهيَ أوَّلُ مَرَّةٍ أسمَعُ فيها ذلكَ في حَياتي. وقد وَجدتُ أنَّ اللهَ أعظمَ بكثير مِمَّا تَخيَّلت. وقد قالَ الواعِظُ إنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حُبًّا جَمًّا حَتَّى إنَّهُ أرسَلَ ابنَهُ الوَحيدَ الَّذي يُدعَى "يَسوع" لكي يَحمِلَ خَطاياي. وقد رُحْتُ أتساءَلُ إنْ كانَ اللهُ يَعلَمُ كَم أنا مُريع! وَرُحْتُ أتساءلُ أيضًا عَمَّا إذا كانَ يَعلَمُ الأشياءَ المُريعَةَ الَّتي فَعلتُها في قَريَتي! ولكنَّ الواعِظَ قالَ إنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا فَعلتُ، فإنَّ اللهَ سيَغفِرُ لي ويَجعلُ قَلبي طاهِرًا.

استَمِعُوا إلى الجُملةِ التَّالية: "لقد عَرَفْتُ أنَّ كُلَّ هذا صَحيح".

كيفَ عَرَفَ ذلك؟ كيفَ عَرَفَ أنَّ ذلكَ صَحيح؟ قَد تَقول: "لا بُدَّ أنَّهُ ذَهَبَ إلى غُرفةِ المَشورة، وأنَّهُم أعطوهُ نَشْرَةً عنِ الدِّفاعِيَّات". كيفَ عَرَفَ أنَّ ذلكَ صَحيح؟ لقد كانَ يَتبَعُ النُّورَ الَّذي أعطاهُ اللهُ له، وكانت تِلكَ هِيَ الخُطوةُ المَنطِقيَّةُ التَّالية. وكانَ قَلبُهُ قد صَارَ جَاهِزًا.

أَلَم يَسمَعِ هذا الإلَهُ صَلواتي عندما تَكلَّمتُ إليهِ وطَلبتُ مِنهُ أن يُساعِدَني؟ أَلَم يُرسِلني إلى هُنا (أيْ إلى سادور] مَعَ أنِّي لم أَكُن أعلمُ أنَّهُ يُوجَدُ هُنا بَيتُ مِن بُيوتِه؟ لقد سَلَّمتُ قلبي للهِ في ذلك الصَّباحِ، وكانَ مِنَ الرَّائعِ أن أعلَمَ أنَّهُ يُوجد ابنٌ لَهُ أيضًا. فقد كانَ أبًا حَقيقيًّا كما صَلَّيْتُ تَمامًا.

هل تَعلمونَ ما الَّذي حَدثَ لذلكَ الرَّجُل؟ لقد صَارَ ذلكَ الرَّجُلُ أَهَمَّ رَجُلٍ في جُمهوريَّةِ ليبيريا (Liberia) في وَقتِنا الحاضِرِ مِن جِهَةِ تأسيسِ الكَنائِسِ وبِنائِها.

هَل فَهِمتُم الصُّورة؟ استَمعوا إلى ما سَأقول: إنَّ حَقيقةَ حُدوثِ ذلك تُبَرهِنُ على أنَّ الوَثنيِّينَ يَحصُلونَ على المَعرفةِ إنْ عَاشُوا في ضَوْئِها. فاللهُ سيكونُ عَادِلاً ولن يُحابي أحدًا. ولكنَّ كُلَّ شَخصٍ مَسؤولٌ عنِ النُّورِ الَّذي يَحصُلُ عليه.

وأخيرًا، هناكَ مَبدأٌ سَادِسٌ للدَّينونة سَنَذكُرُهُ. فقد قُلنا إنَّ اللهَ يَدينُ بِحسبِ المَعرفةِ، وبحسبِ الحَقِّ، وبحسبِ الذَّنْبِ، وبحسبِ الأعمالِ، وبِدونِ مُحاباة. سَادسًا: بحسبِ الدَّوافِع. فَهُناكَ بُعْدٌ آخر. وَهذهِ كُلُّها تَتداخَلُ وتَتشابَك. فَهِيَ ليسَت مُنفصلةً كما فَصَّلْتُها في المُخَطَّط، بَل إنَّها عَناصِرُ الدَّينونة. فاللهُ سوفَ يَدينُ لا فقط على أساسِ أفعالِ الإنسانِ، بَل أيضًا على أساسِ أسبابِهِ أيضًا لأنَّكَ قَد تَنجَحُ في تَزييفِ الأعمالِ، ولكنَّكَ لا تَستطيعُ أن تُزَيِّفَ الدَّافِع. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ العَددَ السَّادِسَ عشَر يَقول: "فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ [ماذا؟] سَرَائِرَ النَّاس". فالدَّينونةُ، كَما تَرَوْنَ، ستَصِلُ في النِّهايةِ إلى السَّرائِرِ أوِ الدَّوافِع – الدَّوافِع.

ونَقرأُ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل 28: 9: "وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْرِفْ إِلهَ أَبِيكَ وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِل". لماذا؟ "لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ، وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَار". وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْبُد اللهَ مِنَ القَلبِ لأنَّ اللهَ يَعرِفُ القَلب. وَقَد قَالَ المُرَنِّمُ: "يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ... فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ" (في المَزمور 139 الرَّائعِ ذاك). "أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا. مِنْ خَلْفٍ وَمِنْ قُدَّامٍ حَاصَرْتَنِي، وَجَعَلْتَ عَلَيَّ يَدَكَ... أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ. فَقُلْتُ: «إِنَّمَا الظُّلْمَةُ تَغْشَانِي». فَاللَّيْلُ يُضِيءُ حَوْلِي! الظُّلْمَةُ أَيْضًا لاَ تُظْلِمُ لَدَيْكَ، وَاللَّيْلُ مِثْلَ النَّهَارِ يُضِيءُ. كَالظُّلْمَةِ هكَذَا النُّورُ".

بِعبارةٍ أخرى، لا يُوجَدُ مَكانٌ يُمكنُني أن أهرُبَ إليه. فأنتَ تَعرِفُ أعماقي. وقد عَبَّرَ إرْميا عن ذلكَ في سِفْر إرْميا 17: 10 بالكلماتِ التَّالية: "أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ". أجَل! فاللهُ يُجازي بِحسبِ الأعمال، واللهُ يُجازي بِحسبِ الطُّرُق؛ ولكنَّهُ يُجازي بِحسبِ الدَّوافِعِ أيضًا. فقد قالَ يَسوعُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادس: "فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً". صَحيحٌ أنَّ أسرارَنا العَميقةَ مَخفيَّة عَنِ النَّاس، ولكنَّها ليسَت مَخفيَّةً عنِ الله. وَهُوَ سيُجازينا بِحسبِ دَوافِعنا.

فإمَّا أنَّكَ تَفعلُ ما تَفعل لِتَمجيدِ اللهِ، وَإمَّا أنَّكَ تَفعلُ ذلكَ لِتَمجيدِ البَشَر. والأمرُ كُلُّه يُتَلَخَّصُ في هَذا يا أحبَّائي: سَوفَ يَتَقَرَّرُ ذلكَ [بحسبِ العَدد 16] "فِي الْيَوْم...". في اليوم؟ أيُّ يَوم؟ "فِي اليَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ...". وَما هُوَ ذلكَ اليَوم؟ "اليَومُ الَّذي فيهِ يَدينُ اللهُ... بِيَسُوعَ الْمَسِيح". إنَّهُ اليَومُ الأخير، أوِ اليَومُ النِّهائِيّ، أو إنَّهُ يَوْمُ العَرشِ العَظيمِ الأبيَضِ الَّذي سَتُعطَى فيهِ كُلُّ الدَّينونَةِ للمَسيح. فَفي ذلكَ اليومِ المَجيدِ والحاسِمِ والنِّهائيِّ عندما يَدينُ يَسوعُ المَسيحُ النَّاسَ، سَوفَ تُطَبَّقُ كُلُّ تِلكَ المَعايير.

وَهل يُمكنُني أن أَخْتُمَ حَديثي بالعَودةِ إلى العَددِ الخامِس؟ إنْ لم تُعالَجْ خَطاياكَ قَبلَ ذلكَ اليومِ مِن خِلالِ دَمِ المَسيح، وإنْ لم تَعتَرِف بيسوعَ رَبًّا ولم تَقبَل ذَبيحَتَهُ نِيابةً عَنكَ، ولم تَقبَل كَفَّارَتَهُ، ولم تَقبَل أنْ يَدفَعَ أُجْرَةَ خَطاياكَ، فإنَّكَ تَذْخَرُ لِنفسِكَ غَضَبًا في يَومِ الغَضَب. فسوفَ يَكونُ هُناكَ حِسابٌ كَبيرٌ يَكفي لإدانَتِك. لِذا، لا تُفَكِّرْ بَتَّةً [كما جاءَ في نِهايةِ العَددِ الثَّالثِ] أنَّكَ سَتَنجو مِن دَينونةِ الله. دَعونا نَحنِي رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نَحنُ نَعلَمُ أنَّهُ ذَاتَ يَومٍ سَوفَ يَسطَعُ نُورُ الدَّينونةِ الإلهيَّةِ ويُنيرُ الكَونَ كُلَّهُ. ونَحنُ نَعلَمُ أنَّهُ في تلكَ اللَّحظةِ، سَوفَ تُواجِهُ النُّفوسُ حَقيقةَ الدَّينونَة. وَهُمْ سَيَمْشُونَ [إنْ جازَ التَّعبيرُ] في دِهْليزٍ تَمتلِئُ جُدرانُهُ بِشَاشَاتٍ تَعرِضُ الأعمالَ الَّتي عَمِلوها في حَياتِهم على الأرضِ حيثُ يُمكِنُ أن تُرَى مِن جَميعِ الأوجُه مَرَّةً وَمرارًا. وَهُمْ سَيُدانُون. يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّنا في يَسوعَ المَسيحِ لَسْنا مُضطرِّينَ البَتَّةَ إلى مُواجَهَةِ ذلكَ اليوم لأنَّهُ لا تُوجَدُ الآنَ أيَّة دَينونَة على أولئكَ الَّذينَ هُمْ في المَسيحِ يَسوع. ولَيتَكَ يا رَبُّ لا تَسْمَحُ بوجودِ أيِّ شخصٍ في هذا المَكانِ خَارِجَ المَسيحِ بانتظارِ انسِكابِ غَضبِ الله. نَحنُ نَعلَمُ أنَّكَ سَتَدين، وَأنَّهُ لا مَهْرَبَ مِنَ الدَّينونة؛ ولكنَّنا نَعلَمُ أنَّكَ حَكَمْتَ على يَسوعَ المسيحِ بِسَببِ خَطايا أولئكَ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِه. وصَلاتُنا مِن أجلِ أولئكَ الَّذينَ لم يَفعَلوا ذلكَ حتَّى الآن هي أن يَفعلوا ذلكَ في هذا المَساء.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize