إذْ نُهَيِّئٌ قُلوبَنا لِمائدةِ الرَّبِّ في هذا المساء، أَوَدُّ أن نُتابعَ سِلسلتَنا مِنَ الأصحاح الثَّاني مِن رسالةِ رُومية... رسالة رُومية والأصحاح الثَّاني. وأرجو أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ، أو أيَّ كِتابٍ مُقدَّسٍ مِنَ المَقاعِدِ الَّتي أمامَكُم، وأن تُتابِعوا معي دراسةَ كلمةِ الله. رسالة رُومية والأصحاح الثَّاني. والحقيقةُ هي أنَّ الأعدادَ مِن 1 إلى 16 هي مَقطعٌ واحد. وهي تُرينا مبادئَ الدَّينونةِ الإلهيَّة، أوِ مَبادئَ إدانةِ اللهِ للبشَر. دَعونا نَحني رؤوسَنا في كلمةِ صَلاةٍ قبلَ أن نَتأمَّلَ في كلمةِ الله.
يا أبانا، نَشعُرُ بأنَّنا في حَضرتِكَ المُقدَّسة في هذا المَساء. فقد عَمِلَت التَّرانيمُ على تَسكينِ قُلوبِنا، وساعَدتنا في أن نَتأمَّلَ في شَخصِكَ الرَّائع. نَشكُرُكَ على جَمالِ هذه التَّرانيمِ وعلى الحَقائقِ الَّتي تُعلِنُها لنا فيما نُهَيِّئُ قُلوبَنا. ويا رَبّ، صلاتُنا الآنَ هي أن تَعملَ مِن خلالِ كلمتِكَ على تَهيئةِ قُلوبِنا لمَائدتِك. ونحنُ نَشكُرُكَ على مَا نَترقَّبُهُ. في اسْمِ المسيح. آمين!
لقد تَعلَّمنا مِن خلالِ الأصحاحِ الأوَّلِ والأعداد مِن 18 إلى 32 أنَّ غَضبَ اللهِ مُعلنٌ مِن خلالِ الدَّينونة، وأنَّ اللهَ أَعلنَ غَضبَهُ ودينونتَهُ على العالمِ الوثنيِّ الخاطئِ لأنَّ العالمَ الوثنيَّ الخاطئَ مُذنبٌ بسببِ رَفضِهِ لإعلانِهِ، ولأنَّ النَّاسَ غارِقونَ في الوثنيَّةِ والرَّذيلةِ المُريعة. وقد رأينا ذلكَ كُلَّهُ في الأصحاحِ الأوَّل. وقد رَسَمَ لنا الرَّسولُ بولُسُ صُورةً حَيَّةً ومُدهشةً عن سِماتِ النِّظامِ الوثنيِّ البعيدِ عنِ اللهِ بِكُلِّ ما فيهِ مِن شَرٍّ وفِسْق. كما أنَّه بَيَّنَ لنا بوضوح أنَّ غضبَ اللهِ يَعملُ حاليًّا في العالمِ مِن خلالِ تَراكُمِ خطايا البشرِ الَّذينَ رَفَعَ اللهُ يَدَهُ عنهم. فقد تَخلَّى البشرُ عنِ اللهِ فَتَخَلَّى اللهُ عنِ البشرِ وأَسْلَمَهُم لعواقبِ خطاياهُم. لِذا فإنَّ غَضبَ اللهِ عَامِلٌ.
والآن، عندما تَصِلونَ إلى نهايةِ الأصحاحِ الأوَّل، إن فَكَّرتُم حَقًّا في ذلك ستَجدونَ سُؤالاً مُهمًّا جدًّا لم يُجاوِب عنهُ وهو التَّالي: ماذا عنِ الأشخاصِ الصَّالِحين؟ ماذا عن ذَوي الأخلاقِ الحسنة؟ أيْ: ماذا عنِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يَقتُلوا أحدًا، ولا يَكذِبون، ولا يَسرِقون، ولا يَزْنون، ولا يَفْسِقون، ولا يُمارِسونَ الجِنسيَّةَ المِثليَّة؟ ماذا عنِ الأشخاصِ الصَّالِحينَ والمُهَذَّبينَ الَّذينَ لم يَزْنوا، ولم يَتَخَلَّوْا يَومًا عن مَبدأِ الصَّوابِ والخطأِ والأخلاق؟ ماذا عنِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يُمارسونَ خارجيًّا هذهِ الرَّذائِل؟ أينَ هو مَوقِعُهُم مِن ذلك؟
أعتقدُ حَقًّا أنَّ هناكَ أناسًا كثيرينَ يَتَحَلَّوْنَ بأخلاقٍ حَميدة، وأنَّهم في الظَّاهرِ أشخاصٌ صَالِحون، وأنَّهم على الأرجَحِ يُوافقونَ بولسَ الرَّأيَ بشأنِ ما يَقولُهُ عن إدانةِ العالمِ الوَثنيِّ البعيدِ عنِ الله في الأصحاحِ الأوَّل. بَل رُبَّما يَقولونَ لبولُس: "آمين! نحنُ نُوافِقُكَ الرَّأي". فَطَوالَ تَاريخِ العالمِ، هُناكَ أشخاصٌ يُعرَفونَ بأخلاقِهم الحَميدة. فمثلاً، ماذا عن ذلكَ الرَّجُلِ الَّذي كانَ مُعاصِرًا لبولُس ويُدعَى "سِنيكا" (Seneca)؟ فرُبَّما استمعَ "سينيكا" إلى الأصحاحِ الأوَّل مِن رسالة رُومية وقال: "أنا أُوافِقُكَ الرَّأيَ يا بولُس. أنا أتَّفِقُ تمامًا مَعَك". ورُبَّما قالَ "سينيكا" شَيئًا كَهذا: "أجل! هذا يَصِحُّ تَمامًا على الأغلبيَّةِ السَّاحِقةِ مِنَ البَشَر. وأنا أُوافِقُكَ الرَّأيَ في الحُكْمِ الَّذي أَصدرتَهُ عليهم؛ ولكن يوجدُ أشخاصٌ آخرونَ، مِثلي أنا مَثلاً، يَستَهجِنونَ تَصرُّفاتِهم بِقَدْرِ ما تَستَهجِنُها أنت". فقد كانَ سِينيكا رَجُلاً ذَا خُلُق.
وكانَ بمقدورِ سِينيكا أن يَكتُبَ كَلامًا بَليغًا عنِ الحياةِ المسيحيَّةِ حَتَّى إنَّهُ بِمقدورِ المَسيحيِّينَ اللاَّحِقينَ أن يُسَمُّونَهُ: "سِينيكا المَسيحيّ" على الرَّغمِ مِن أنَّهُ لم يكن مسيحيًّا. ولكنَّهُ كانَ يُؤمِنُ إلى حَدٍّ كبيرٍ بالأخلاقيَّاتِ المسيحيَّة. وكانَ يُقَدِّرُ الفضيلةَ الأخلاقيَّةَ جدًّا. وكانَ يَفضَحُ الرِّياء، وكانَ يُنادي بالمُساواةِ بينَ جميعِ البَشر، وكانَ يُقِرُّ بطبيعةِ الشَّرِّ المُؤذية، وكانَ يُمارسُ فَحصَ الذَّاتِ ويَدعو الآخرينَ إلى القيامِ بذلك، وكانَ يَسخَرُ مِنَ الوثنيَّةِ البَغيضَة، وكانَ يُمارِسُ في المُجتمعِ دَورَ الحَكيمِ الأخلاقِيّ، وكانَ يَبدو خارجيًّا حَسَنَ الأخلاقِ جدًّا. وما أعنيه هو أنَّه لم يَكُن في الظَّاهرِ [على أقَلِّ تَقدير] مُتورِّطًا في كُلِّ تلك الأشياءِ المُريعة، بَل كان مِن السَّهلِ أن يُوافقَ بولسَ في إدانَتِهِ لهؤلاء.
ولكِنْ مِن المُدهشِ أن نُلاحظَ أيضًا أنَّ "سينيكا" نَفسَهُ قد تَوَرَّطَ في العديدِ مِن الرَّذائلِ الشَّخصيَّةِ الَّتي كانَ يَدينُ مُقتَرِفيها. وأبرَزُ تِلكَ الخطايا هو أنَّه تَورَّطَ في جريمةِ قَتل. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فقد كانَ مِن السَّهلِ عليه أن يُوافقَ الرَّسولَ بولُس. والآن، إليكُم المِفتاح: يوجدُ في العالمِ أشخاصٌ لا يَبدو أنَّهُم زُناة، بَل رُبَّما كانوا يَقولونَ إنَّهُم يَنتمونَ إلى الدِّيانةِ الحقيقيَّة. وفي زَمنِ بولُس، كانَ هؤلاءِ هُم اليَهود. وفي زَمَنِنا هذا، قد يَصِحُّ ذلكَ على مَن يَزْعُمونَ أنَّهُم مَسيحيُّونَ ويُقِرُّونَ بالمبادئِ الأخلاقيَّةِ المذكورةِ في الكتابِ المقدَّس. ولكِنْ كما هي حالُ سينيكا فإنَ هؤلاءِ أيضًا ليسوا مُؤمنينَ حَقيقيِّينَ بالله. فَمعَ أنَّهم يَرغبونَ في الإعلاءِ مِن شأنِ نِظامِ القيمِ الأخلاقيَّةِ فإنَّهُم لا يَستطيعونَ الحفاظَ عليها في حياتِهم الشَّخصيَّةِ لأنَّهم لا يَستطيعون أن يَكبَحُوا طَبيعتَهُم الخاطِئة. لذا فإنَّهم يُغَطُّونَ قُلوبَهُم السَّوداءَ بعَباءةٍ بيضاء.
لِذا فإنَّ بولسَ عَاقِدٌ العَزمَ في الأصحاحِ الثَّاني على كَشْفِ زِيْفِ المُعَلِّمينَ الأخلاقيِّينَ، أو كَشْفِ زِيْفِ اليَهودِ القائلين: "نحنُ لم نَلجأ إلى الوثنيَّة، ولم نَنحدِر إلى هذا المُستوى. نحنُ نُوافِقُكَ الرَّأيَ بشأنِ الدَّينونة. لِذا فإنَّنا مُختلفونَ عن هؤلاء. ونحنُ بِمَنأى عنِ الدَّينونة". ولكنَّ شُعورَهُم بالأمانِ هو شُعورٌ زائِف. وإذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعدد 19 (في نهايةِ هذا المَقطعِ الَّذي يَدينُ الإنسان)، ستَجِدونَ أنَّ بولسَ كانَ يَرمِي إلى قَصدٍ مُحَدَّد. فهو يقول: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوس..." – ثُمَّ لاحِظوا ما يَقول: "...لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ الله". والآن، تَوقَّفوا هناك وارجِعوا إلى الوراء.
فلا يُمكِنُ للنَّاسِ أن يَفهَمُوا الفِكرةَ بِمُجملِها مِن رِسالةِ الإنجيلِ المسيحيَّةِ إلاَّ إذا فَهِموا أنَّهُم مُذنِبونَ أمامَ اللهِ سَواءَ كانُوا الأشخاصَ الفاسِدينَ أخلاقيًّا (المَذكورينَ في الأصحاحِ الأوَّل)، أوِ الأشخاصَ المُلتَزِمينَ أخلاقيًّا (المَذكورينَ في الأصحاحِ الثَّاني)؛ أي سَواءَ كانوا الأُمَمَ المَذكورينَ في الأصحاحِ الأوَّلِ، أوِ اليهودَ المَذكورينَ في الأصحاحِ الثَّاني. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ عندما كَتبَ بولسُ ما كَتبَهُ في الأصحاحِ الثَّاني، كانَ يُفكِّرُ في المُعَلِّمينَ الأخلاقيِّينَ الوَثنيِّينَ على غِرارِ سينيكا؛ أي في الإنسانِ الَّذي يَظُنُّ أنَّهُ يَتَحَلَّى بأخلاقٍ حَميدة ويُريدُ أن يُنادي بالمبادئِ الأخلاقيَّةِ الرَّفيعة. ولكِنْ فَضْلاً عن ذلك، كانَ بولسُ يُفَكِّرُ أيضًا في اليهود. فقد كانَ اليهودِيُّ يُسارِعُ إلى الإعرابِ عن مُوافَقتهِ على ما قالَهُ بولسُ عن إدانَةِ العالَمِ الأُمَمِيّ، ولكنَّهُ كان يَقولُ أيضًا إنَّهُ يَعلمُ أنَّهُ بِمَنأى عَن أيَّة دَينونَة مُماثِلَة. فقد كانُوا يُؤمنونَ حَقًّا بأنَّهُم بِمنأى عَنها.
فقد كانَ اليهودُ التَّقليديُّونَ يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ سيَمسَحُ الوَثنيِّينَ عَنِ الوجودِ بسببِ خَطاياهم. فَكما حَدثَ في قِصَّةِ يُونان، كانَ اللهُ سيَمسَحُ أهلَ نِينَوى مِنَ العالَم ما لم يَتوبوا. ولكنَّهم كانوا يُؤمِنونَ أيضًا بأنَّهُ مَا مِن يَهودِيٍّ سيَختبرُ ذِلكَ النَّوعَ مِنَ الدَّينونةِ معَ الوثنيِّين. فقد كانوا يُؤمنونَ بأنَّهُ بِسَببِ كَونِهِم يَهودًا، وبسببِ أنَّهُم وُلِدُوا مِن نَسلِ إبراهيم، ولأنَّهُم خُتِنوا، ولأنَّهُم حَفِظوا دَقائِقَ الدِّيانةِ اليهوديَّة فإنَّهم بِمَنأى عن أيَّة دَينونة.
فمثلاً، كانَت هناكَ أقوالٌ غَريبةٌ عندَهم، مِن بينِها أنَّ "اللهَ يُحِبُّ إسرائيلَ فقط مِن بينِ كُلِّ الأُمَم". وكانوا يَقولونَ أيضًا إنَّ "اللهَ سيُحاسِبُ الأُممَ بِمكيالٍ ويُحاسِبُ اليهودَ بِمكيالٍ آخر". وكانوا يَقولون: "سوفَ يَجلسُ إبراهيمُ عندَ بَوَّاباتِ جَهنَّمَ ولن يَسمحَ لأيِّ إسرائيليٍّ شِرِّيرٍ بالدُّخولِ إلى جَهنَّم". فحتَّى إن كانَ هناكَ إسرائيليٌّ شِرِّيرٌ، لَن يَسمَحَ إبراهيمُ بأن يَذهبَ ذلكَ الإسرائيليُّ إلى جَهنَّم!
وعندما حَاورَ "يوستيانوس الشَّهيد" (Justin Martyr) اليهودَ في كِتابٍ لَهُ بعُنوان "حِوارٌ مَعَ ترايفو" (Dialogue with Trypho)، قالَ اليهودُ مَا يَلي: "أولئكَ الَّذينَ هُم مِن نَسلِ إبراهيمَ حَسَبَ الجسد سيكونُ لهُم في كُلِّ الأحوال، حَتَّى إن كانوا خُطاةً وغيرَ مُؤمِنينَ ولا يُطيعونَ اللهَ، سيكونُ لهُم نَصيبٌ في المَلكوتِ الأبديّ". هذا هو ما كانوا يُؤمنونَ به. فقد كانوا يُؤمنونَ بأنَّهم بِمنأى عنِ الدَّينونة. ولم يكونوا يُؤمنونَ بأنَّهم سيُدانونَ مَعَ العالَم، ولا أنَّهم سيُدانونَ معَ الوَثنيِّينَ لأنَّهم كانوا أبرارًا في أعيُنِ أنفسِهم وَيَنتَمونَ إلى بَني إسرائيل.
والآن، يُمكنكم أن تَنظروا إلى هذا الأمرِ مِن زاويتَيْن: الأولى هي أنَّهم كانوا يُؤمنونَ بالخلاصِ بالأعمال. فقد كانوا يُؤمنونَ بما يُسَمَّى بالنَّاموسيَّةِ أوِ الخَلاصِ بالأعمال. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ بسببِ كَونِهِم جُزءًا مِنَ الأُمَّة، ولأنَّهم كانوا يَحفَظونَ التَّقاليد، وبسببِ نَسلِهِم حَسَبَ الجسد وانتمائِهم الدِّينيِّ فإنَّهم بِمَنأى عنِ الدَّينونة. فقد كانوا الشَّعبَ المُختار. وكانوا يَتوقَّعونَ أن يُنْظَرَ إليهِم وَأنْ يُعامَلوا... استَمِعوا إلى ما سَأقول... لا بِصِفتِهم أفرادًا، بَل كانوا يَتوقَّعونَ فقط أنَّهُ سيُنظرُ إليهم بِصفتِهم أُمَّة. وكانوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ مُلزَمٌ تُجاهَ كُلِّ الأُمَّة. لِذا، حيثُ إنَّهُم جُزءٌ مِنَ الأُمَّةِ فإنَّهُم بِمنأى عنِ الدَّينونة. لِذا، لا تُوجدُ أيَّة عَواقب لِخطاياهم الشَّخصيَّة البَتَّة لأنَّهم كانوا مَحمِيِّينَ بِخلاصِ الأُمَّةِ بأسرِها.
كذلك، يُمكنكم القولُ أيضًا إنَّهم كانوا يُؤمنونَ لا فقط بالخلاصِ بواسطةِ أعمالِهم، بَل أيضًا بالخلاصِ بواسطةِ عَهدِهم. فَقد كانوا يُؤمِنونَ لا فقط بالنَّاموسيَّة، بَل كانوا يُؤمنونَ أيضًا بما يُمكنُنا أن نُسَمِّيهَ "الطُّقوس الدِّينيَّة". فلأنَّهم خُتِنوا في اليومِ الثَّامن، ولأنَّهم كانوا يُمارِسونَ ذلكَ الأمرَ أو ذلكَ الطَّقْس فإنَّهم في العهد.
والآن، خَشيةَ أن تَظُنُّوا أنِّي أُبالِغ، اعلَموا أنَّ هذا هو ما يُؤمِنُ بهِ أُناسٌ كَثيرينَ في الكنائسِ البروتستنتيَّة اليوم؛ أي أنَّهُ إن كانَ الطِّفلُ قد عُمِّدَ في طُفولتِه فإنَّهُ قد مَارَسَ طَقسًا يَدخُلُ مِن خلالِهِ العَهد. فالطِّفلُ يَدخُلُ العَهدَ في طُفولتِه، ثُمَّ إنَّ ذلكَ العَهدَ يَتَثَبَّتْ عندما يَبلُغُ الطِّفلَ سِنَّ الثانيةَ عشرة. لِذا، مِن خلالِ ذلكَ الطَّقْسِ يَضْمَنُ ذلكَ الطِّفلُ مَكانًا في مَلكوتِ اللهِ ولن يُدانَ معَ العالَم. لِذا فإنَّ لاهُوتَ العَهدِ الَّذي نَراهُ اليومَ هُوَ نُسخةٌ مُعَدَّلةٌ عنِ الضَّماناتِ المَغلوطَةِ الَّتي حَصَلَ عليها اليهودُ مِن مُعَلِّميهم الَّذينَ أساءُوا فَهمَ العَهدِ تَمامًا. لِذا فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّهُ مِن خلالِ حِفظِ التَّقاليدِ ظَاهريًّا، ومِن خلالِ مُمارسةِ الطُّقوسِ المُقترنةِ بالعهدِ فإنَّهُم بِمنأى عنِ الدَّينونة.
وهناكَ أشخاصٌ كهؤلاءِ اليوم. فقدِ اعتَمَدوا. وَهُم يَذهبونَ إلى الكنيسة، ويَنتمونَ إلى الكنيسة، ويَحفظونَ الوصايا، ويَسلُكونَ سُلوكًا أخلاقيًّا في الظَّاهر، وَهُم أبرارٌ في أعيُنِ أنفسِهم، ويحاولونَ أن يَفعلوا الصَّواب. وَهُم لا يَظُنُّونَ أنَّهُم سيُدانون. إنَّهُم لا يَظُنُّونَ ذلكَ حَقًّا. أجل! وكما قالَ أحدُ اللاَّهُوتِيِّين: "هناكَ صَوتٌ خَافِتٌ في أعماقِ كُلِّ شخصٍ يُقنِعُهُ باستمرار أنَّ كُلَّ شيءٍ سيكونُ في نِهايةِ المَطافِ على ما يُرام". لِذا فإنَّكُم تَسمعونَ النَّاسَ يَقولونَ عادةً: "لا يُمكِنُ أن يَفعَلَ اللهُ بي هذا الأمر! فأنا إنسانٌ صَالِح!" والحقيقةُ هي أنَّ أصحابَ الأخلاقِ الحَميدةِ، والَّذينَ هُم أبرارٌ في أعيُنِ أنفسِهم، هُم أصعبُ فِئةٍ مِنَ النَّاسِ يُمكِنُ الوُصولُ إليها. فالوُصولُ إلى هؤلاءِ أصعبُ بكثير مِنَ الوُصولِ إلى الخُطاةِ الَّذينَ بَلَغُوا الحَضيضَ وليسَت لديهم خِياراتٌ أخرى.
لِذا فإنَّ بولسَ يَنتقلُ مِنَ التَّحدُّثِ عَنِ الخُطاةِ في الأصحاحِ الأوَّل إلى التَّحدُّثِ عن ذَوي الأخلاقِ الحَميدةِ في الأصحاحِ الثَّاني. وَهُوَ يُبَيِّنُ بكُلِّ صَرامَةٍ وَوُضوحٍ أنَّ الإنسانَ الَّذي يَتحلَّى بأخلاقٍ حَميدةٍ، وَحَتَّى اليَهوديَّ، سيَجِدُ نَفسَهُ في نَفسِ جَهنَّمَ الَّتي يَذهبُ إليها الأُمَمِيُّ الوَثنيُّ إنِ استَمَرَّ في السَّيرِ في نَفسِ الاتِّجاهِ الَّذي يَسيرُ فيه. والحقيقةُ هي أنَّهُ يَنبغي أن تَفهَمُوا النُّقطةَ التَّالية: أنَّهُ إن كانَ الوَثنيُّ بِلا عُذرٍ فإنَّ اليهوديَّ بِلا عُذْرٍ البَتَّة لأنَّهُ حَصلَ على مَعلوماتٍ أكثر وَعِلْمٍ أكبر. لِذا، عندما يَختصُّ الأمرُ بالإنسانِ الأخلاقِيِّ، وعندما يَختصُّ الأمرُ بالإنسانِ المُتديِّنِ الَّذي لم يَصِر وَثنيًّا، بَل يَنتمي إلى اليَهوديَّةِ [أوِ المَسيحيَّةِ] ظاهِريًّا، فإنَّ بولسَ يُريدُ منهُ أن يَعرفَ أنَّهُ سيُدانُ أيضًا إن كانَ تَدَيُّنُهُ خَارجيًّا فقط.
والآن، هناكَ سِتَّة مَبادئ للدَّينونة في هذهِ الأعدادِ الأولى السِّتَّة عَشَر. وفي هذا المَساء، سَنُمَهِّدُ لها ونَرى عَددَ النِّقاطِ الَّتي سنتمكَّنُ مِنَ التَّحدُّث عنها. سِتَّة مَبادئ، وهي كالتَّالي. سوفَ أذكُرُها لكُم. دَوِّنوها إذْ إنَّنا سَنتوسَّعُ فيها: المعرفة، والحَقّ، والذَّنب. هذه هي أوَّل ثَلاثة... المَعرفة، والحَقّ، والذَّنب. أمَّا الثَّلاثةُ الأخيرة فهي: الأعمال، وعدم المُحاباة، والدَّافِع. فاللهُ يَدينُ على أساسِ هذهِ الأمورِ السِّتَّة. فهو يَدينُ البَشرَ على أساسِ مَعرفتِهم، ويَدينُهم على أساسِ الحَقّ، ويَدينُهم على أساسِ ذَنبِهم، ويَدينُهم على أساسِ أعمالِهم، ويَدينُهم دُونَ مُحاباة، ويَدينُ دَوافِعَهُم. هذه هي العَناصِرُ السِّتَّةُ الَّتي تَتَّحِدُ مَعًا وتُرينا كيفَ يَدينُ اللهُ البَشَر.
والآن، لِننظُر إلى المبدأِ الأوَّل في العددِ الأوَّل وهو: "المَعرفة": "لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا!" والآن، لنتأمَّل في مَعنى ذلك؛ فهي آيةٌ رائعة. فهي تَبتدئُ بالكلمة "لذلك". فما يَقولُهُ هوَ التَّالي، والكلمة "لذلك" تُعيدُنا إلى الأصحاحِ السَّابق. وهناكَ أُناسٌ شَعروا بالتَّشويشِ بسببِ الكلمة "لذلك"؛ ولكن لا يوجدُ مُبرِّرٌ حَقيقيٌّ لذلك. اسمَعوني: حيثُ إنَّ ما ذُكِرَ عَن هؤلاءِ في الأصحاحِ الأوَّلِ والأعداد مِن 18 إلى 32 يَصِحُّ عليكُم، فإنَّكُم أيضًا بِلا عُذر. هذهِ هي الصِّلَة. فإذا رَجعتُم إلى العدد 18، اسمَعوا ما يَقول: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْم". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 19: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ".
بِعبارةٍ أخرى، لأنَّهم يَعرفونَ الحَقَّ (بحسب ما جاءَ في نهايةِ العدد 20) فإنَّهم بِلا ماذا؟ عُذر. والآن، انظروا مُباشرةً إلى العددِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ الثَّاني: "لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ". لماذا؟ المَغزى: لأنَّكَ أنتَ أيضًا تَعرفُ الحَقّ. وهل تَعلمُ كيفَ تُبَرهِنُ على أنَّكَ تَعرِفُ الحَقَّ؟ أنتُ تُبَرهِنُ على ذلكَ مِن خلالِ إدانَتِكَ للآخرين. فإن كانَ لَديكَ مِعيارٌ تَستخدِمُهُ لإدانةِ الآخرين فإنَّكَ تُبَرهِنُ على أنَّكَ تَعرفُ الحَقّ. وعليهِ فإنَّكَ بِلا عُذر.
إذًا، لقد كانوا يَعرفونَ الحَقَّ. مِنَ الواضحِ أنَّهم كانوا يَعرفونَ الحَقَّ. ومِنَ الواضحِ أنَّ جَميعَ البَشرِ يَعرفونَ الحَقَّ [بِحسبِ ما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّل]. وما يَصِحُّ على هؤلاءِ الأشخاصِ يَصِحُ أيضًا على اليهودِ في الأصحاحِ الثَّاني. فقد كانوا يَعرفونَ ذلكَ لا فقط مِن خلالِ الإعلانِ الخارجيِّ في الطَّبيعة، بَل كانوا يَعرفونَهُ مِن خلالِ ضَميرِهم. انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 14. فالأُمَمُ يَفعلونَ بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوس. وإن كانت تِلكَ هِيَ طَبيعةُ الأُمَمِيّ، أيْ إن كانَ الضَّميرُ جُزءًا مِنه، لا بُدَّ أنَّ الضَّميرَ جُزءٌ مِنَ اليَهوديِّ أيضًا. فإن كانَ الضَّميرُ موجودًا في الإنسانِ عَديمِ الأخلاقِ، لا بُدَّ أن يكونَ موجودًا أيضًا في الإنسانِ الَّذي يَتَحَلَّى بالأخلاق. لِذا فقد كانوا يَعرفونَ أيضًا مِن خلالِ الإعلانِ الطَّبيعيِّ، ويَعرِفونَ مِن خلالِ الضَّمير. فَضلاً عن ذلك، كانَ اليهوديُّ، أوِ الإنسانُ الَّذي يَتَحَلَّى بالأخلاقِ، أوِ الإنسانِ الَّذي يَقولُ إنَّهُ يَعبُدُ اللهَ الحَقيقيَّ، يَعرفُ ذلكَ أيضًا مِن خلالِ نَاموسِ اللهِ نَفسِه. انظروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الأوَّل: "إِذًا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ؟" مَا الفائِدَةُ مِن أن يكونَ المَرءُ يَهوديًّا؟ "أو مَا هُوَ فَضْلُ أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟ كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ! أَمَّا أَوَّلاً فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ".
إذًا، لقد كانوا يَعرِفون. لِذا فإنَّهُم بِلا عُذر، أو بِلا عُذرٍ أكثر مِن غَيرِهم لا فقط لأنَّهم حَصَلوا على نُورِ الإعلانِ الطَّبيعيِّ، ولا فقط لأنَّهم حَصَلوا على نُورِ الضَّمير، بَل أيضًا لأنَّهم حَصلوا على نُورِ كلمةِ اللهِ ذاتِها. وفي الأصحاحِ التَّاسع، يُؤكِّدُ بولسُ نَفسَ الفكرةِ في العددِ الرَّابعِ فيقول: "الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَد". بِعبارةٍ أخرى، لَقد حَصَلُوا على كُلِّ المَزايا، وعلى كُلِّ الإعلان.
لِذا فإنَّهُ يَقول: أنتَ بِلا عُذر "أَيُّهَا الإِنْسَان". وهذا يُشيرُ إلى كُلِّ إنسان. فهذا يُشيرُ حقًّا لا إلى اليهوديِّ فقط، بل إلى أيِّ إنسانٍ أخلاقِيٍّ يَظُنُّ أنَّهُ بِمنأى عنِ الدَّينونةِ لأنَّهُ لم يَغرَق في مُستنقعِ الوثنيَّة، أو لأنَّهُ لم يَغرَق في مُستنقَعِ الجِنسيَّةِ المِثليَّة، أو لأنَّهُ لم يَغرَق في مُستنقَعِ الخَطايا المَذكورةِ في المَقطعِ السَّابق. وَهُوَ مُوَجَّهٌ إلى أيِّ إنسانٍ أخلاقِيٍّ يَقول: "انظروا! أنا لستُ في تلكَ الفِئة". فهو يَقولُ لهُ: "أنتَ أيضًا بِلا عُذر أيُّها الإنسان". وهذه العبارةُ الصَّغيرةُ "أيُّها الإنسانُ" تُستخدَمُ أيضًا في العَددِ الثَّالثِ، ولاحقًا في الأصحاحِ التَّاسع. فهي لفظةٌ عامَّةٌ جدًّا وحسب. "أنتَ بِلا عُذر". وقد تقول: "لماذا؟" لأنَّكَ تَعرِف... لأنَّ لَديكَ المَعرفة. والحقيقةُ هي أنَّكَ تَعرِفُ الكثير. لِذا فإنَّكَ بِلا عُذرٍ أكثر مِن غَيرِك.
ورُبَّما يَهُمُّكُم أن تَعرفوا أيضًا أنَّ اليهودَ الَّذينَ يَتحدَّثُ عنهُم هذا الأصحاحُ كانوا يَعرفونَ أيضًا المَسيح. وَهذا يَضَعُهم في رَأسِ لائحةِ الأشخاصِ الَّذينَ هُمْ بِلا عُذر. أليسَ كذلك؟ إنَّهم الأشخاصُ المُشار إليهم في الأصحاحِ العاشِرِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ والَّذينَ سيَنالونَ عُقوبةً أشَدَّ لأنَّهم حَسِبُوا دَمَ العَهْدِ دَنِسًا وَدَاسُوا بأقدامِهم دَمَ المَسيح. وكما تَرَوْنَ، إنَّهُم في رأسِ لائحةِ الأشخاصِ الَّذينَ بِلا عُذر، وَهُم يَعرفونَ مَعاييرَ الله. وكيفَ نَعلَمُ ذلك؟ انظروا العِبارةِ الَّتي تَليها: "كُلُّ مَنْ يَدِينُ". فأنتَ تُظهِرُ أنَّكَ تَعرِفُ مَعاييرَ اللهِ عندما تُطَبِّقُها على الآخرين. فأيُّ شخصٍ يَجلسُ في كُرسِيِّ القَضاءِ الأخلاقِيِّ، وَأيُّ شَخصٍ يَجلسُ في كُرسِيِّ إدانةِ الآخرينَ على خَطاياهم يُبَرهِنُ على أنَّهُ هوَ نَفسُهُ بِلا عُذر. فإن كانَ بمقدورِهِ أن يَدينَ خَطايا الآخرين فإنَّهُ يُبَرهِنُ على أنَّهُ يَعرِفُ المِعيار.
وهل تُريدونَ أن تَعرِفوا شَيئًا مُدهشًا؟ انظروا إلى العدد 32 في نهايةِ الأصحاحِ الأوَّل. فهو يقولُ إنَّ حَتَّى الوَثنيِّينَ الَّذينَ يَعرِفونَ حُكْمَ اللهِ ويَفعلونَ هذهِ الأشياءَ يَستوجبونَ الموت. فحَتَّى إنَّ الوثنيِّينَ يَعرفونَ أن يُمَيِّزوا بينَ الصَّوابِ والخطأ. وحَتَّى إنَّهُم يَعرفونَ كيفَ يُطَبِّقونَ مِعيارَ اللهِ في حياتِهم إن أرادُوا ذلك. لِذا فإنَّكُم أنتُم الَّذينَ حَصلتُم على إعلانِهِ وتَدينونَ الوَثنيِّينَ تُبرهِنونَ على أنَّكُم تَعرِفون. وَهذا يُشبِهُ قاضِيًا يَدينُ مُجرمًا مِن خِلالِ تَطبيقِ القانون. لِذا، مِنَ الواضحِ أنَّهُ يَجعلُ نَفسَهُ مَسؤولاً عنِ الالتزامِ بنفسِ القانونِ إن أرادَ أن يُحاكِمَ شَخصًا آخر.
ثُمَّ يُتابِعُ بولسُ حَديثَهُ فيقولُ جُملةً أخرى قَويَّة: "لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ". والآن، عندما تُبَيِّنُ أنَّ نَاموسَ اللهِ يُطَبَّقُ على الآخرين فإنَّكَ تُبَرهِنُ على أنَّكَ تَعرفُ ذلكَ النَّاموس. ومِن خلالِ مَعرفتِكَ لِذلكَ النَّاموسِ فإنَّكَ تَحكُمُ على نَفسِك. يا لها مِن جُملةٍ قَويَّة! أنتَ تَحكُمُ على نَفسِك. وهذا هو في الحقيقةِ ما قالَهُ يَسوع. فإذا نَظرتُم قليلاً إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع، يُمكنكم أن تَرَوْا مِن أينَ جاءَ بولسُ بكُلِّ هذا الكلام. فَقد كَتَبَ بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وكانَ في الحقيقةِ يُعيدُ ما قَالَهُ رَبُّنا في إنجيل مَتَّى 7: 1: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا".
والآن، هذا لا يَعني أنَّهُ لا يَجدُرُ بِكُم أن تُحْسِنُوا الحُكْمَ على الأشياء. فيجبُ عليكُم أن تَحكُموا على الأمورِ حُكْمًا صَحيحًا. وَحَتَّى إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُوصيكُم بأن تَفعلوا ذلكَ في مَقطعٍ لاحقٍ مِن نفسِ الأصحاحِ عندما تَصِلونَ إلى الأعدادِ مِن 15 إلى 20 إذْ إنَّهُ يُوصيكُم بأن تَتَفَحَّصُوا الأمورَ وتَتَّخِذوا القراراتِ بناءً على الثَّمرِ الَّذي تَرَونَهُ في حياةِ الآخرين. ولكنَّ المقصودَ هنا هو: تَوقَّفوا عنِ انتقادِ الآخرين، وتَوقَّفوا عنْ إدانَتِهم، وَوَضعِهِم تَحتَ المِجهَرِ، والحُكمِ عليهم، والعُثورِ على عُيوبِهم، وتَوقَّفوا عَنِ البِرِّ الذَّاتِيِّ. تَوَقَّفوا عَنِ القيامِ بِدَورِ الله. وتَوقَّفوا عن مُحاولةِ مَعرفةِ دَوافعِ النَّاسِ في الوقتِ الَّذي لا تُحْسِنونَ فيهِ قِراءةَ قُلوبهم. وتَوقَّفوا عن مُمارسةِ انتقاداتِكُم إلى الحَدِّ الَّذي تَظهرونَ فيهِ بِمَظهَرِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقومونَ بِدورِ اللهِ "لأنَّكُم... [بحسبِ ما جاءَ في العددِ الثَّاني] ...بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ".
بِعبارةٍ أخرى، إن أَظهرتَ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَحكُمَ على الآخرين فإنَّكَ تُظهِرُ أنَّهُ يَنبغي أن يُحكَمَ عليكَ بنفسِ المِعيار. فإن كُنتَ تَعرِفُ ذلكَ جيِّدًا حتَّى إنَّكَ تُطَبِّقُهُ على الآخرين، يَجدُرُ بكَ أن تَتيقَّنَ مِن أنَّ ذلكَ المِعيارَ لن يُطَبَّقَ عليكَ أنت. لِذا فإنَّ الآيةَ يَعقوب 3: 1 تَقول: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!" ولكِنْ لماذا تكونُ دَينونةُ المُعَلِّمِ أعظم؟ لأنَّهُ كُلَّما زادت مَعرفتُه، زادَ حُكمُهُ على نفسِه. ثُمَّ يُتابعُ الرَّبُّ حَديثَهُ في الأصحاحِ السَّابعِ قائلاً: "وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟" فهذا مَيْلٌ قَاتِل. أليسَ كذلك؟ أيْ أن تُضَخِّمَ حَجْمَ أخطاءِ الآخرينَ وتُصَغِّرَ حَجْمَ أخطائِك. وكانَ هذا هو المَوقفُ المُعتادُ لليهودِ الَّذينَ كانوا يَدينونَ الجميعَ ويظُنُّونَ أنَّهُم بِمنأى عنِ الدَّينونة. ولكنَّ اللهَ يقول: أنتُم لَستُم بِمَنأى عنِ الدَّينونة. وليسَ هذا وحسب، بل إنَّكم بِلا عُذرٍ أكثرَ مِنهم. وقد بَرهنتُم على ذلكَ لأنَّكُم تُطَبِّقونَ النَّاموسَ على كُلِّ شخصٍ آخر. وهذا يُبرهِنُ على أنَّكُم تَعرفونَ النَّاموس. لِذا فإنَّ هذا النَّاموسَ سيَدينُكم أيضًا.
ولكِنْ ما السَّببُ في أنَّ النَّاموسَ سيَدينُهم؟ هذا هو المِفتاحُ في نهايةِ الآية: "لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ [ماذا؟] تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا!" أنتَ تَفعلُ تِلكَ الأمورَ نَفسَها. والآن، أيًّا كانَ هذا اليَهوديُّ الخَيالِيُّ الَّذي يُخاطِبُهُ بولُس فإنَّهُ سيقول: "ماذا تَعني؟ أنا لا أفعلُ هذه الأشياء. أنا لا أقتَرِفُ تلكَ الخطايا. أنا أتَحَلَّى بأخلاقٍ حَميدة وأحفظُ ناموسَ الله". وهذا يُشبِهُ ما قالَهُ الحاكِمُ الشَّابُّ: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي". ولكن يا لَهُ مِن وَهْم! "أنا إنسانٌ ذُو أخلاقٍ حَميدة. ماذا تَعني بقولِكَ إنِّي أفعلُ هذه الأمور؟"
لِنَنظُر إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامسِ لمعرفةِ الإجابة. استمعوا إلى ما قَالَهُ الرَّبُّ عن هذه المُشكلة في العدد 21. وكانَ قد قَالَ قَبلَ ذلك: "لقد جِئتُ لأُكَمِّلَ النَّاموس". وسوفَ أقولُ لَكُم الآنَ ما هو النَّاموس: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ" – وهذه عِبارةٌ تَعني أنَّ مُعَلِّمي اليَهودِ قَالوا لَكُم كَذا وكَذا". فقد قَالَ لَكُم أَحْبارُ اليَهود: "لاَ تَقْتُلْ". ولكنَّكُم تَقولون: "نحنُ لا نَقتُل! لا يُمكِنُنا أن نَفعلَ شَيئًا كهذا". "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ". وما قَصَدَهُ رَبُّنا هُوَ التَّالي: "أنتُم لا تَقتُلونَ خارجيًّا، ولكنَّكُم تَقتُلونَ في قُلوبِكُم. وأنتُم تَمتَنِعونَ عنِ اقترافِ جَرائمِ القَتلِ الحقيقيَّةِ لأنَّكُم تَسعَوْنَ جاهِدينَ إلى تَبريرِ أنفسِكُم، ولأنَّكم تُريدونَ أن يَنظُرَ الجميعُ إليكُم نَظرةَ تَوقير؛ ولكنَّكم مِنَ الدَّاخِلِ قَتَلَة على الرَّغمِ مِن أنَّ ذلكَ قد لا يَظهَرُ عليكُم خَارجِيًّا".
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ هذا هو ما تَفعلُهُ الدِّيانةُ الباطلة. فهي لا تَستطيعُ حَقًّا أن تَمنعَ الخطيَّةَ في القلب على الرَّغمِ مِن أنَّها تَستطيعُ أن تُخفيها باستخدامِ قِناعِ البِرِّ الذَّاتِيّ. فرُبَّما تَسألُ نفسَكَ كيفَ يُعقَلُ أنَّ أشخاصًا مُعَيَّنينَ يَنتمونَ إلى بِدَعٍ مِثلَ المورمون وغيرهم يَستطيعونَ أن يَظهروا بمَظهرِ التَّقوى. لأنَّهم يَمتَنِعونَ عنِ اقترافِ خطايا مُعيَّنة بسببِ رَغبتِهم في الانتماءِ إلى تِلكَ البِدعة، وبسببِ رَغبتهم في دُخولِ السَّماءِ بأعمالهم، وبسببِ رَغبتهم في الظُّهورِ بمظهرِ الأشخاصِ الأتقياءِ مَعَ أنَّهُم في الحقيقةِ لا يَستطيعونَ في الدَّاخلِ أن يُسيطروا على أيٍّ مِن تلكَ الأمور.
وإذا تَابعتُم القراءةَ سَتَقرأونَ في العدد 27: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ". وأنتُم تقولون: "نَحنُ لا نَفعلُ ذلك! نَحنُ لا نُقْدِمَ على الزِّنى!" "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". صَحيحٌ أنَّكُم تَمتنعونَ عنِ الزِّنى خارجيًّا لكي تُعَزِّزوا رِياءَكُم، ولكنَّكُم لا تَمتنعونَ عنهُ داخليًّا.
ثُمَّ إنَّهُ يَمضي قَائلاً: أنتُم تَزنونَ أيضًا بسببِ طَلاقِكُم (في العَددَيْن 31 و 32). هَل تَعلَمونَ ماذا كانوا يَفعلون؟ عندما كانُوا يَرغبونَ في الزِّنَى، لم يكونوا يَذهبونَ ويُمارسونَ الزِّنى وحسب، بَل كانوا يُطَلِّقونَ زوجاتِهم ويَتزوَّجونَ المرأةَ الَّتي يُريدونَ أن يَزنُوا بها لكي يُحَلِّلُوا زِناهُم. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ إنَّكُم عندما تُطَلِّقونَ زَوجاتِكُم فإنَّكُم تَنشُرونَ الزِّنَى في كُلِّ مكان. فأنتُم في حقيقةِ الأمرِ تَرغبونَ في مُمارسةِ الزِّنَى. لِذا فإنَّكُم تُطَلِّقونَ زوجاتِكُم لكي تَفعلوا ذلك. وهذه خطيَّة.
العدد 33: "أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ". فَهَل تَعرِفونَ ماذا كانوا يَفعلون؟ لقد كانت لديهم طُرُقٌ كثيرةٌ للقَسَم. فقد كانوا يَقولون: أُقسِمُ بِكذا وكَذا"، أو "أَحلُفُ بِكذا وكذا". وإن كُنتَ تُقسِمُ بأيِّ شيءٍ غير الله فإنَّ ذلكَ لا يُحسَب. وعندما تَقول: "أَعِدُ وأحلُفُ بالسَّماءِ بأن أَحفظَ وَعدي وبأن أدفعَ دَيْني"، يُمكِنُكَ أن تَتجاهَلَ ذلكَ وتَقول: "لقد حَلَفْتُ بالسَّماء. وهذا حَلْفٌ لا قِيمةَ لَهُ". لِذا فإنَّكَ تَفعلُ ذلكَ وتَحلُفُ مُتظاهرًا بالتزامِكَ بالنَّاموسِ خَارِجيًّا؛ ولكنَّكَ كَذَّابٌ داخليًّا.
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 38: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ". هل تَعلمونَ ماذا كانَ أحبارُ اليهودِ يَقولون؟ "انتقِم أيُّها الإنسان. انتقم لنفسِك. إن أساءَ إليكَ شَخصٌ رُدَّ لَهُ الإساءة وَقُل إنَّ ذلكَ هُوَ مَا يُوصي بهِ الكتابُ المقدَّس. عَيْنٌ بعين وسِنٌّ بِسِنّ". ولكنَّ تلكَ الجُملةَ قِيلَت للمَحاكِمِ القانونيَّة، لا للتَّطبيقِ الشَّخصيّ. فهناكَ قوانين مَدنيَّة تَأخُذُ لكَ حَقَّك. "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا [في عَلاقاتِكَ الشَّخصيَّة]". فكما تَرَوْنَ، لقد أخطأتُم في فَهمِ المَعنى المَقصود. وأنتُم خُطاةٌ مُنتَقِمون.
وَهُوَ يَمْضي في كُلِّ الأصحاحِ الخامسِ ويَتحدَّثُ عن تلكَ الأمور. وكما قُلتُ، لقد كانَ بمقدورهم أن يَمتنعُوا عن تلكَ الأمورِ خَارجيًّا. "نحنُ لا نَقتُل! نَحنُ لا نَزني، نحنُ لا نَكذِب، بَل رُبَّما نَقولُ أمورًا لا نَعنيها وَحَسْب. فقد كُنَّا نَقولُ أمورًا بأفواهِنا دُونَ أن نَعنيها حَقًّا. ونحنُ نَفعلُ ما يُوصينا بهِ الكتابُ المقدَّس: ’عَيْنٌ بعين وسِنٌّ بِسِنّ‘"؛ ولكنَّهم كانوا يَقولونَ ذلكَ لِتبريرِ رَغبتِهم الحقيقيَّةِ في الانتقام. وكما تَرَوْنَ فإنَّ الأشخاصَ الأبرارَ في أعيُنِ أنفسِهم يَقترفونَ غَلطَتَيْنِ فَادِحَتَيْن. فَهُم يُسيئونَ فَهمَ سُمُوِّ نَاموسِ اللهِ الَّذي يَتحدَّثُ عن دَواخِلنا، وَهُم يُسيئونَ فَهْمَ عُمْقِ خطيَّتهم. لِذا فإنَّهُم يُسيئونَ فَهْمَ هَذينِ الأمرَيْن.
وهكذا فإنَّ مَنْطِقَ رَبِّنا واضِحٌ ومُقنِع. أنتُم يا مَن تَحكُمُونَ على الآخرينَ تُبَرهِنُونَ على أنَّكُم تَعرِفونَ النَّاموس. وبسببِ مَعرفتِكُم للنَّاموسِ فإنَّكُم تَحكُمُونَ على أنفسِكُم لأنَّكم تَفعلونَ هذهِ الأمورَ بِعينِها. فالضَّميرُ الَّذي يَجعلُكم تُدركونَ الأخطاءَ الَّتي يَقترفُها الآخرونَ يَدينُكم أنتُم أيضًا. وهذا شيءٌ مُدَمِّرٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ فهو يقولُ للأشخاصِ الأبرارِ في أعيُنِ أنفسِهم، أي لليهودِ المُتديِّنينَ والمُعَلِّمينَ الأخلاقيِّينَ: أنتُم خُطاةٌ كالبقيَّة لأنَّكُم تُغَطُّونَ خَطاياكُم بمظاهِرِكُم الخارجيَّة. ولكنَّ اللهَ سيَدينُ النَّاسَ جَميعًا على أساسِ مَعرفتهم.
إذًا، هناكَ شخصٌ يأتي ويقول: "أنا لستُ واحِدًا مِن هؤلاءِ المَذكورينَ في رُومية 1. أنا لا أفعلُ ذلك. أنا شخصٌ صَالحٌ. أنا لا أعيشُ تلكَ الحياةِ المُزرِيَة. أنا ذُو أخلاقٍ حَميدة، وأنا مُتَديِّنٌ وأذهبُ إلى الكنيسة، وقد اعْتَمَدْتُ، وأنا أذهبُ إلى دُروسِ الكتابِ المقدَّس". ورُبَّما كانَ يَمتَنِعُ لسببٍ أو لآخر عنِ اقترافِ الخطايا ظاهريًّا، ولكنَّهُ في الدَّاخِلِ لا يَمتَنِعُ عن تِلكَ الشُّرور. لِذا، إن كُنتَ واحدًا مِن هؤلاءِ فإنَّكَ ستُدانُ على ذلك، ولن تَكونَ بِمنأى عنِ الدَّينونة لمُجرَّدِ أنَّكَ تَنتمي إلى بني إسرائيل، أو لن تَكونَ بمِنأى عنها لمُجرَّدِ أنَّكَ تَنتمي إلى الكنيسة".
المبدأُ الثَّاني للدَّينونةِ هو مبدأُ "الحَقّ" – الحَقّ. فنحنُ نَقرأُ في العَددَيْنِ الثَّاني والثَّالث: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ [كما يَقولُ بولُس] أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ". إنَّهُ نفسُ الكلامِ المذكور في العددِ الأوَّل. وَهُوَ نفسُ الكلامِ المذكور في الأصحاحِ الأوَّل. "وَنَحْنُ نَعْلَمُ" ["أويدامين" – "oidamen"]. نَحنُ نَعلمُ. والكلمةُ اليونانيَّةُ المُستخدمةُ هنا بِمعنى "نَعلَمُ" تَعني أنَّنا نَعرِفُ شَيئًا مَعروفًا لَدى الجَميع، أو شَيئًا وَاضِحًا للجميع، أو شَيئًا مَعروفًا لأنَّهُ حَقيقة بَديهيَّة. فالمبدأُ الرَّئيسيُّ الواضحُ هُوَ أنَّ دينونةَ اللهِ ستكونُ حَسَبَ الحَقّ. لماذا؟ لأنَّ اللهَ لا يُمكِنُ أن يَفعلَ ماذا؟ أن يَكذِب. واللهُ حَقٌّ. فهذه هي طَبيعتُه. "أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ [كما تَقولُ كلمةُ اللهِ] لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟" فنحنُ سَنُدانُ حَسَبَ الحَقّ.
ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الرَّابع: "لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا". فاللهُ صَادقٌ. فطبيعَتُهُ هي أنَّهُ صَادِق. وَهُوَ سيَدينُ كُلَّ شيءٍ حَسَبَ الحَقّ. وقد قالَ بولُس في الأصحاحِ التَّاسعِ والعدد 14: "أَلَعَلَّ عِنْدَ اللهِ ظُلْمًا؟ حَاشَا!" فلا يُمكنُ أن يَفعلَ اللهُ شيئًا غيرَ صَحيح. ولا يُمكنُ أن يُقَيِّمَ اللهُ أيَّ شَيءٍ تَقييمًا مَغلوطًا. وإذا رَجعتُم إلى العهدِ القديمِ ستَجدونَ أنَّهُ يُشيرُ مِرارًا وتَكرارًا إلى أمانَةِ اللهِ لأنَّ هذهِ هي طَبيعتُه. وفي المزمورِ التَّاسعِ، هُناكَ جُملةٌ رائعةٌ في العددِ الرَّابعِ تَقول: "لأَنَّكَ أَقَمْتَ حَقِّي وَدَعْوَايَ. جَلَسْتَ عَلَى الْكُرْسِيِّ قَاضِيًا عَادِلاً". وفي العددِ الثَّامن: "وَهُوَ يَقْضِي لِلْمَسْكُونَةِ بِالْعَدْل".
وهُناكَ أيضًا كلمة رائعة في المزمور 96 والعدد 13: "[افرَحُوا] أَمَامَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ جَاءَ... لِيَدِينَ الأَرْضَ. يَدِينُ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ وَالشُّعُوبَ بِأَمَانَتِهِ". فاللهُ سيَدينُ حَسَبَ الحَقّ. والآن، قَد يَكونُ فَهمُنا مُشَوَّشا، ولكِنْ لا يُوجدُ أيُّ تَشويشٍ في فَهمِ الله. فَلا يوجدُ أحدٌ بِمنأى عنِ الدَّينونة. فسوفَ يَنظُرُ اللهُ إلى ذلكَ ويَرى الحَقَّ. وَهُوَ سيَدينُ حَسَبَ ذلكَ الحَقّ. فنحنُ نَقرأُ في المزمور 145: 17: "الرَّبُّ بَارٌّ فِي كُلِّ طُرُقِهِ، وَرَحِيمٌ فِي كُلِّ أَعْمَالِه". وهذا يَصِحُّ على دَينونتِهِ وكُلِّ أعمالِهِ الأخرى.
لقد خطَرَتْ ببالي الآنَ آية في سِفْر إشَعْياء [إنْ كانَ بمقدوري العُثور عليها!] أجل، فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 45 والعدد 19: "لَمْ أَتَكَلَّمْ بِالْخِفَاءِ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَرْضِ مُظْلِمٍ. لَمْ أَقُلْ لِنَسْلِ يَعْقُوبَ: بَاطِلاً اطْلُبُونِي. أَنَا الرَّبُّ مُتَكَلِّمٌ بِالصِّدْقِ، مُخْبِرٌ بِالاسْتِقَامَة". فكما تَرَوْنَ، إنَّ اللهَ لا يَعملُ أيَّ شَيءٍ خَطأ. وهو لا يُقَيِّمُ الأمورَ تَقييمًا مَغلوطًا. صَحيحٌ أنَّهُ يوجدُ تَشويشٌ في عَالمِ الإنسان، ولكِن لا يوجدُ تَشويشٌ في عَالَمِ الله.
وكما قُلتُ سابقًا، هناكَ شيءٌ فينا يُريدُ أن يُبْرِأَنا في كُلِّ وقت. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَقول: "لا يُعقَلُ أن يَفعلَ اللهُ ذلك"، أو: "أنا أصلاً شَخصٌ صَالِح"، أو: "سوفَ يَكونُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام في النِّهاية. سوفَ يكونُ الكُلُّ جَيِّدًا". اسمَعوني: لَقَدْ صِرْنا مُعتادينَ كثيرًا على الرَّحمةِ حَتَّى إنَّنا نَستَغِلُّها. وقد صِرنا مُعتادينَ كثيرًا على أنَّ اللهَ لن يُميتَنا إنْ أخطأنا حتَّى إنَّنا لا نَتوقَّعُ الموت. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ أُجرةَ الخَطيَّةِ هي ماذا؟ مَوت. ففي كُلِّ مَرَّةٍ تُخطِئُ فيها فإنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أَخْذِ حَياتِك. ولكنَّنا صِرنا مُعتادينَ جدًّا على الرَّحمة حتَّى إنَّنا لم نَعُد نَراها على حَقيقتِها، بَل صِرنا نَستَغِلُّها. أتَرَوْن! "لا! لا يُعقَلُ أنَّ اللهَ سيُميتُني بسببِ هذا الأمر. سوفَ أكونُ على ما يُرام". ولا شَكَّ في أنَّ اللهَ مُنعِم. ولكِنْ عوضًا عن أن تَدفعَنا مَحبَّتُهُ لنا إلى إظهارِ الامتِنانِ لَهُ على نِعمتِه فإنَّنا نَميلُ، نحنُ البَشر، إلى استغلالِها؛ وبذلكَ فإنَّنا نُشَوِّهُ النَّظرةَ الصَّحيحة.
انظُروا إلى الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ الرَّابع. وأعتقدُ أنَّ بولسَ يُعطينا جُملةً رائعةً في العددِ الثَّالث. وسوفَ أقولُ المزيدَ عَن هذا الموضوعِ إمَّا في هذا المساء أو في المَرَّةِ القادمة. والأرجَحُ هو أن أفعلَ ذلكَ في المرَّة القادمة. ولكِنْ في العددِ الثَّالثِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ مِن رسالةِ كورنثوسَ الأولى، يَقولُ بولُس: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقَلُّ شَيْءٍ عِنْدِي أَنْ يُحْكَمَ فِيَّ مِنْكُمْ، أَوْ مِنْ يَوْمِ بَشَرٍ. بَلْ لَسْتُ أَحْكُمُ فِي نَفْسِي أَيْضًا". والآن، هذا إقرارٌ رائع. فبولُس يَقول: "اسمعوني! أنا لا أُبالي بأن يُحكَمَ فِيَّ مِن قِبَلِ بَشَر لأنِّي أعلَمُ تَمامًا أنَّ حُكمَ الإنسانِ مُشَوَّهٌ جدًّا، وأنَّهُ لا يَستطيعُ أن يُقَيِّمَ الأمورَ تَقييمًا سَليمًا، وأنَّهُ لا يُحْسِنُ الحُكمَ على الأشياءِ لأنَّهُ لا يَعرِفُ الحَقَّ".
فهو لا يُبالي حَقًّا بأحكامِ الآخرينَ ولا يُبالي حتَّى بِحُكمِهِ هو شخصيًّا. فَهُوَ يَقول: "بَلْ لَسْتُ أَحْكُمُ فِي نَفْسِي أَيْضًا". "فَإِنِّي لَسْتُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي" (في العددِ الرَّابع). ولكِن حتَّى عندما لا أَجِدُ عِلَّةً فِيَّ فإنَّني لَسْتُ بِذلِكَ مُبَرَّرًا لأنَّ هذا يُريني عَدمَ قُدرتي على رُؤيةِ الحقيقة. "وَلكِنَّ الَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرَّبُّ. إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ".
فقُدرةُ الإنسانِ على الحُكمِ لا تَنسجِمُ معَ الحَقائق؛ ولكنَّ قُدرةَ اللهِ تَنسَجِمُ معها. ومُشكلةُ الإنسانِ الَّذي يَحسَبُ نَفسَهُ ذَا أخلاقٍ حَميدة هي أنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ على ما يُرام لأنَّهُ كما قالَ بولسُ للكورِنثيِّينَ لاحقًا: يَحكُمُ على نَفسِهِ بنفسه. استمعوا إلى ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 4: 13: "وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ...". ثُمَّ استمعوا إلى ما يَقولُهُ هُنا: "...بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا". هل يَضَعُنا هذا الكلامُ في مَوقِفٍ حَرِج؟ فكُلُّ خَطيَّةٍ اقترفتَها يَومًا هي خَطيَّةٌ اقترفتَها عَلَنًا على مَرأى مِنَ الله. وكُلُّ فِكرةٍ شِرِّيرةٍ فَكَّرتَ فيها يَومًا، وكُلُّ كلمةٍ شِرِّيرةٍ نَطَقْتَ بها يَومًا، وكُلُّ عَملٍ شِرِّيرٍ فَعلتَهُ يَومًا إنَّما فَعلتَهُ أمامَ الله. وهل تَعرفونَ مَا هُوَ رَأيُ اللهِ في الخطيَّة؟ إنَّهُ يُبغِضُها. ولكنَّنا نَستَمِرُّ في فِعلِها على مَرأى مِنه.
"فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ...يَسُوعُ ابْنُ اللهِ..."، ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ". بعبارةٍ أخرى، إن كُنَّا نَعرِفُ أنَّنا مَكشوفونَ أمامَ الله، يَجدُرُ بنا أن نَلتَجِئَ إلى ذاكَ الَّذي يَستطيعُ أن يَتوسَّطَ بينَنا وبينَ الله. أليسَ كذلك؟ أي أن نَلتَجِئَ إلى الرَّبِّ يَسوع. فَدينونةُ اللهِ لا تُبنَى على المَظهرِ الخارجيّ، ولا تُبنَى على الاعترافِ الخارِجيّ، بَل تُبنَى على الحَقّ. وبِصراحَة، وهذا شَيءٌ قَد يُساعِدُكم قَليلاً: إنَّ ما يَرجوهُ الإنسانُ المُرائي... ما يَرجوهُ الإنسانُ المُرائي هُوَ أن يَحكُمَ اللهُ عليهِ بِمعيارٍ آخرَ غَير الحَقّ. هذا هو ما يَرجوهُ الإنسانُ المُرائي. فإن كُنتَ تَجلسُ في هذه الكنيسةِ ولم تُسَلِّم قَلبَكَ حَقًّا للهِ، ولم تأتِ يَومًا للمَسيح، بَل إنَّكَ تَلعَبُ لُعبةَ التَّدَيُّن، وتُريدُ أن تَتظاهَرَ بالتَّديُّنِ وأن تَجعلَ النَّاسَ يَعتقدونَ أنَّكَ مُتديِّن، وأنَّكَ جُزءٌ مِنَ النِّظامِ كُلِّه، فإنَّ ما تَرجوهُ هو أَلاَّ يُحكَمَ عليكَ بناءً على الحَقِّ، بَل أن يُحكَمَ عليكَ بِناءً على الكِذْبَةِ الَّتي تَعيشُها. ولكنَّ هذا لَن يَحدُث.
وكما تَرَوْنَ فإنَّ الإنسانَ المُرائي لا يُريدُ أن يُحكَمَ عليهِ استِنادًا إلى حَقيقتِه، بَل يُريدُ أن يَختبِئَ [إن كانَ يَهوديًّا] وراءَ الهُويَّةِ القَومِيَّةِ، أو وَراءَ انتِمائِهِ الكَنَسِيِّ، أو وراءَ مَعموديَّتِهِ، أو وَراءَ حِفْظِهِ للتَّقاليدِ، أو وراءَ أخلاقِهِ، أو وراءَ حَقيقةِ أنَّهُ إنسانٌ صَالِح. ولكنَّ "الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ [بحسب الآية 1صموئيل 16: 7]، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ" وَيَحكُمُ عليهِ وَفقًا لِمَا يَعرِفُهُ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العددِ الثَّالث أنَّهُ حيثُ إنَّ اللهَ يَدينُ الإنسانَ حَسَبَ مَعرفَتِهِ وحَسَبَ الْحَقِّ: "أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟" أَتَظُنُّ أنَّكَ ستَنجو؟ فإنْ كانَ اللهُ يَحكُمُ عليكَ حَسبَ الحَقِّ وحسبَ مَعرفتِكَ، وإنْ كُنتَ أنتَ تُظهِرُ مَعرفتِكَ لأنَّكَ تَحكُمُ على الآخرينَ، وإن كانَ اللهُ يَعرِفُ أنَّكَ تَفعلُ نَفسَ الأشياءِ الَّتي تَدينُ الآخرينَ بسببِ قِيامِهم بها، أَتَظُنُّ أنَّكَ ستَنجو في حين أنَّهُم سَيُدانون؟ إنَّ ظَنَّكَ ليسَ في مَحَلِّه.
والآن، هذا كلامٌ يُخاطِبُ الضَّميرَ يا أحبَّائي. فهذا كَلامٌ مُباشِر. فهو ضَربةٌ مُباشِرةٌ وتَطبيقٌ شَخصيٌّ لأنَّ المُعَلِّمينَ الأخلاقيِّينَ واليهودَ يَظُنُّونَ أنَّهم سيَنجون. وهناكَ أشخاصٌ اليومَ يَذهبونَ إلى الكنيسة. فرُبَّما هُم يَذهبونَ إلى كنيسةٍ لُوثريَّة، أو إلى كنيسةٍ مَشيخيَّة، أو إلى كنيسةٍ مَعمدانيَّة، أو إلى كنيسةٍ كاثوليكيَّة، أو إلى كنيسةٍ أُسقُفيَّة، أو إلى أيَّةِ كنيسةٍ أخرى ويَظُنُّونَ أنَّهُم سيَنجون. ورُبَّما يَجلسونَ ويَحكُمونَ على العالَمِ الفاسِقِ في حينِ أنَّ قُلوبَهُم مُمتلئة بنفسِ الخطايا. فَهُم يُشبِهونَ قُبورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَات.
لِذا فإنَّهُ يَقول: "أَتَظُنُّ؟" وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمةَ اليونانيَّةَ "لوغيتزوماي" (logizomai) بِمَعنى: "أَتَظُنُّ، أو تَحسَبُ، أو تَعتقدُ أنَّكَ ستَنجُو في حينِ أنَّ اللهَ يَعلمُ أنَّكَ تَعرِفُ القواعِدَ لأنَّكَ تَدينُ تلكَ الخَطايا في الآخرينَ ولكنَّكَ تَفعلُ تلكَ الأمورَ نَفسَها؟" ومِنَ المُدهشِ أنَّ قُوَّةَ تِلكَ الآيةِ فُقِدَت في التَّرجمةِ الإنجليزيَّة. وقد شَرَحَ الدُّكتور "بارنهاوس" (Dr. Barnhouse) هذه الآية. وأعتقدُ أنَّهُ شَرَحها شَرحًا رائعًا إذْ قال: "إليكُم تَرْجَمتي: ’أَتَظُنُّ حَقًّا أيُّها الإنسانُ الغَبِيُّ أنَّكَ مُختبِئٌ في مَكانٍ تَستطيعُ مِنهُ أن تَعصِي اللهَ وتَنجو بِفِعلتِك؟ إنَّ فُرصَتَكَ مَعدومَة. فلا مَهرَبَ مِن دَينونَتِه. هَل تَفهَمُ هذا؟ لا مَهرَب! وهذا يَعني أنَّ هَذا الكَلامَ مُوَجَّهٌ إليكَ أنتَ أيُّها الإنسانُ الَّذي تَحكُمُ على الآخرينَ دُونَ أن تَتوبَ عن شُرورِ قَلبِك. أنتَ غَبِيٌّ!"
فأنتَ لَن تَنجو. فالسُّؤالُ الاستِنكارِيُّ "أَتَظُّنُّ أنَّكَ تَنجو؟" مُوجَّهٌ إلى الإنسانِ الَّذي يَظُنُّ أنَّهُ ذُو أخلاقٍ حَميدة. فأوَّلاً، لا يُمكِنُهُ أن يَنجو مِنَ الدَّينونة. ثانيًا، عندما يُدانُ، لَن يَتمكَّنَ مِن تَجَنُّبِ تلكَ الإدانة. ثالثًا، عندما يُدانُ، لَن يَتمكَّنَ مِن تَجَنُّبِ تَنفيذِ تلكَ الدَّينونة.
قبلَ سَنواتٍ طَويلةٍ، كَتبَ أحَدُ الكُتَّابِ المَسيحيِّين: "إنَّهُ غيرُ قادرٍ على النَّجاةِ مِن دَينونَتِهِ هُوَ شَخصيًّا. فكيفَ يَتوقَّعُ أن يَنجو مِن دَينونةِ الله؟ فإنْ كُنَّا نَحكُمُ على أنفسِنا بأنفسِنا، كَم بالحَرِيِّ سيَحكُمُ علينا اللهُ القُدُّوس!"
وفي رِسالةِ يُوحنَّا الأولى 3: 20، وسوفَ أَختِمُ بهذه النُّقطة. فَنَحنُ لَن نَنتقلَ إلى النُّقطةِ الثَّالثة مَعَ أنَّها رائعة. ولكنَّنا نَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 3: 20 نَفسَ الكلامِ الَّذي قُلتُهُ للتَّوّ. استَمِعوا إلى هذا: "[أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ] إِنْ لاَمَتْنَا قُلُوبُنَا فَاللهُ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا، وَيَعْلَمُ [ماذا؟] كُلَّ شَيْءٍ". بِعبارةٍ أخرى، إن كانَ ضَميرُنا يَحكُم علينا، هل يُمكنكم أن تَتخيَّلوا كم ستكونُ دَينونةُ اللهِ القُدُوسِ الَّذي يَعلَمُ كُلَّ شيء؟ فكما تَعلمونَ، لقد وَضَعَ اللهُ فينا ضَميرًا. والضَّميرُ يُشبِهُ الألم. فكما أنَّ الألمَ يُخبرُكَ أن تَتوقَّفَ عندما يُصابُ الجَسَدُ بجُرح فإنَّ الضَّميرَ يُخبرُكَ بأن تَتوقَّفَ عندما تُصابُ النَّفسُ بجُرح. فالضَّميرُ يَفعلُ مَا يَفعلُهُ الألمُ؛ ولكنَّهُ يَفعلُ ذلكَ في النِّطاقِ الرُّوحِيّ. لِذا، إن كانَ ضَميرُنا يُخبرُنا أنَّنا أشرار، وإن كانَ ضَميرُنا يَدينَنا على الرَّغمِ مِن أنَّ ضَميرَنا جُزءٌ مِن سُقوطِنا، هل يُمكنكم أن تَتخيَّلوا دَينونةَ اللهِ لنا لا سِيَّما أنَّهُ لَم يَسقُط مِثلَنا، بَل إنَّهُ أزَلِيٌّ وقُدُّوسٌ بِلا حُدود؟ لِذا فإنَّ مَا يَقولُهُ في العَددِ الثالثِ هُوَ: "هَل تَظُنُّونَ أنتُم، يا مَن تَعرِفونَ نَاموسَ اللهِ وتَحكُمونَ مِن خلالِهِ على الآخرين، هل تَظُنُّونَ أنَّهُ يُمكِنُكم أن تَتَعَدَّوْا على النَّاموسِ دُونَ أن تُدانُوا؟"
انظُروا إلى الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الثَّاني عشر. وسوفَ أَختِمُ حَديثي بهذا المَقطع. الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 25. والحقيقةُ هي أنَّنا تَحدَّثنا عَنِ الرِّياءِ في هذا المساء. أليسَ كذلك؟ "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ! الَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ الأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً: «إِنِّي مَرَّةً أَيْضًا أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضًا». فَقَوْلُهُ «مَرَّةً أَيْضًا» يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْيَاءِ الْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى الَّتِي لاَ تَتَزَعْزَعُ. لِذلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لأَنَّ «إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ»".
والآن، ما الَّذي يَتحدَّثُ عنه؟ إنَّ المُقارنةَ هُنا هي مَعَ بَني إسرائيلَ عندَ جَبلِ سِيناء. وهو يَقولُ إنَّهُم لم يَنجُوا عندما رَفضوا أن يَسمعوا ذاكَ الَّذي تَكلَّمَ على الأرض، وعندما رَفضوا أن يَسمعوا صَوتَ اللهِ الَّذي أرعَدَ مِن جَبلِ سِيناء. فَهُم لم يَنجُوا. فقد مَاتتِ الأُمَّةُ كُلُّها في البَريَّة. وإن كانَ هؤلاءِ لم يَنجُوا عندما تَكلَّمَ اللهُ مِن الأرض، هَل تَظُنُّونَ أنَّهُ عندما تَكلَّمُ بكلامِ الإنجيلِ مِن السَّماء أنَّكُم ستَنجونَ إن لم تَقبَلوه؟ فَلا شَكَّ في أنَّ دَينونةَ اللهِ الَّذي تَكلَّمَ مِن عَرشِ السَّماءِ ستكونُ أعظمَ جدًّا مِن دَينونتِهِ عندما تَكلَّمَ مِن جَبَلٍ أرضِيّ. فاللهُ سيَدينُ لأنَّهُ نَارٌ آكِلَة.
وهو يَقولُ في الأصحاحِ الثَّاني: "إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً"؛ وهذا يُشيرُ إلى نَاموسِ مُوسَى الَّذي أُعطِيَ على جَبلِ سيناء. أيْ: إن كانَ نَاموسُ مُوسَى الَّذي أُعطِيَ بواسطةِ مَلائكةٍ ثابتًا "وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً". بِعبارةٍ أخرى، إن كانَ اللهُ قَد دَانَ شَعبَهُ في العهدِ القَديمِ بعدَ أن حَصَلُوا على النَّاموسِ، "كَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ [وَفَّرَهُ الرَّبُّ لَنا]؟" فإن كانَ هؤلاءِ قد دِينوا لأنَّهم رَفضُوا نَاموسًا تَكلَّمَ بِهِ مَلائكة، كم بالحَرِيِّ ستكونُ دَينونَتُنا نَحنُ إنْ رَفَضْنا الكَلامَ الَّذي نَطَقَ بهِ المَسيحُ نَفسُهُ الَّذي هو أعظمُ مِنَ الملائكة؟ وهذا سُؤالٌ مُهِمٌّ جدًّا.
فاللهُ هُوَ الوحيدُ الَّذي يَعرِفُ حَقيقةَ الأمورِ المُختصَّةِ بنا. أمَّا الأشخاصُ المُحيطونَ بنا فلا يَعرفونَها. صَحيحٌ أنَّهُم قَد يَعرفونَ بَعضًا منها، ولكنَّهم لا يَعرفونَها كُلَّها. وحتَّى إنَّكَ لا تَعرفُ كُلَّ دوافِعكَ الدَّاخليَّة. ولأنَّنا مُنحازونَ جدًّا لأنفسنا فإنَّنا نَميلُ حتَّى إلى تَصويرِ الأمورِ الرَّديئَةِ بأنَّها حَسَنة. ولكنَّ اللهَ يَعلَمُ الحَقيقة. وسوفَ يُحْكَمُ عليكَ حَسَبَ الحَقِّ المُختصِّ بِكَ، وعلى أساسِ ما تَعرفُهُ. فاللهُ سيَحكُمُ على الأشخاصِ المُتمسِّكينَ بالأخلاقِ على أساسِ هَذَيْنِ الأمْرَيْن. وقد تَحدَّثنا عن مَبدأينِ فقط مِن أصْلِ سِتَّة، يا أحبَّائي. ونحنُ لم نَصِل إليكُم بعد، ولكنَّنا سنكونُ قد وَصلنا إليكُم بِكُلِّ تأكيد عندما نُنهي هذه السِّلسلة.
وَقد تَقول: "حسنًا يا جون! ماذا أفعل؟ فإن نَظرتُ إلى قَلبي ورأيتُ أنِّي لستُ مُستقيمًا معَ الله؟ فأنا أعرفُ الحَقَّ ولكنِّي ألعَبُ لُعبةَ التَّديُّن. ورُبَّما أَدينُ الخَطيَّةَ في الآخرينَ وأَعلمُ أنَّ تِلكَ الخَطايا مَوجودة فِيَّ ولكنِّي أُخفيها بسببِ بِرِّي الذَّاتِيّ. كَما أنِّي أعرِفُ أنَّ اللهَ يَعلَمُ كُلَّ شيء، وأنَّهُ عندما يَراها كُلَّها فإنَّهُ سيَطرحُني في جَهنَّم. فماذا أفعل؟ وكيفَ أنجو؟" هناكَ حَلٌّ واحدٌ فقط وهو أن تَلتَجِئَ إلى يَسوعَ المَسيحِ لأنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ دَفَعَ أُجرةَ خَطاياك. أليسَ كذلك؟ فقد احتَمَلَ دَينونةَ اللهِ عنك.
لقد حَكى لي "فريد بارشاو" (Fred Barshaw) قِصَّةً. وأريدُ أن أُشارِكَ هذهِ القِصَّةَ معكم فيما نُهَيِّئ قُلوبَنا للاشتراكِ في مائِدةِ الرَّبّ. عندما انتشرتِ القَبائِلُ في رُوسيا كما انتشرتِ القَبائِلُ الهِنديَّةُ في الأمريكيَّتَيْن، كانتِ القَبائلُ الَّتي حَازَتْ أكبرَ نَصيبٍ مِنَ الصَّيدِ وحَصلت على أفضلِ المَوارِدِ الطَّبيعيَّةِ هي تِلكَ الَّتي سَارَتْ وراءَ أقوى القادةِ وأحكمِهم. وكانتِ القبيلةُ الَّتي حَصلت على أفضلِ مِنطقةٍ هي القبيلةُ الَّتي تَبِعَت أقوى وأحكمِ قائد. وقد حافظتْ قَبيلةٌ مُعَيَّنةٌ على أرضِها لا فقط لأنَّ زَعيمَها كانَ الأقوى جَسديًّا، بل أيضًا لأنَّه كانَ أحكمَ مِنَ الجميع. وكانَ نَجاحُ القَبيلةِ يُعزَى إلى عَدالةِ وإنصافِ وحِكمةِ القوانينِ الَّتي فَرَضَها هَذا الزَّعيمُ العَظيمُ على شَعبِه. وكانت كلمَتُهُ قانونًا. وواحدٌ مِن أعظمِ القوانينِ الَّتي فَرَضَها هو أنَّهُ يَنبغي إظهارُ المَحبَّةِ والإكرامِ للوالِدَيْن. وقد قالَ أيضًا إنَّ القاتِلَ سيُعاقَبُ بالإعدام، وَإنَّ السَّارقَ سيُعاقَبُ عِقابًا صَارِمًا.
وقَدِ ازدهرتِ القبيلةُ ازدهارًا عَظيمًا إلى أن حَدثَ شَيءٌ مُريع. فقد كان هناك شخصٌ في القبيلةِ يَسرِق. وقد عَلِمَ زَعيمُ القبيلةِ أنَّ هذا الأمرَ يَحدُث فأصدرَ إعلانًا يقول إنَّهُ إنْ تَمَّ القبضُ على اللِّصِّ فإنَّهُ سيَنالُ عِقابًا صَارمًا: عَشْرَ جَلْداتٍ مِن رَئيسِ جَلاَّدِي القبيلة. ولكنَّ السَّرقةَ استمرَّت على الرَّغمِ مِن هذا التَّحذير. لِذا فقد رَفَعَ الزَّعيمُ القَصاصَ إلى عِشرينَ جَلْدَة. ولكنَّ السَّرقةَ استمرَّت. فَما كانَ مِنهُ إلاَّ أن رَفَعَ العِقابَ إلى ثَلاثينَ جَلْدَة. وأخيرًا، رَفَعَهُ إلى أربعينَ جَلدة. وكانَ يَعلمُ أنَّهُ يوجدُ شَخصٌ واحدٌ فقط يَستطيعُ أن يَحتملَ تِلْكَ الجَلْدات وَهُوَ هُوَ شخصيًّا لأنَّهُ كانَ فَائقَ القُوَّة.
وأخيرًا، تَمَّ القبضُ على اللِّصّ. والشَّيءُ الَّذي صَعَقَ الجميعَ هو أنَّ السَّارقَةَ كانَتْ أُمَّ زَعيمِ القبيلة. فقد كانت تلكَ صَدمة للقبيلة. فماذا سيَفعلُ الزَّعيم؟ فقد سَنَّ قانونًا يَقضي باحترامِ الأبَوَيْنِ وإكرامِهما في كُلِّ شَيء. ولكِنْ مِن جِهةٍ أخرى، يَنبغي مُعاقبةُ اللُّصوصِ بالجَلْد. وقد دَارَ جَدَلٌ حَادٌّ في يَومِ تَنفيذِ العِقاب. فهل سيُطَبِّق مبدأَ المَحبَّة ويُنقِذ أُمَّهُ، أَم أنَّهُ سيُطَبِّقُ القانونَ ويَترُكُها تَموتُ تَحْتَ ضَرَباتِ السَّوْطِ لأنَّها لَن تَتمكَّنَ مِنَ احتمالِ تِلكَ الجَلْدات؟ وسُرعانَ ما انقسمَ أعضاءُ القبيلةِ وتَراهَنُوا على ما سيَفعلُه. وأخيرًا، جاءَ يَومُ تَنفيذِ العِقابِ فاجتمعتِ القبيلةُ حَولَ سَاحةٍ ضَخمةٍ يُوجدُ في وسطِها عَمودٌ قَوِيٌّ دُقَّ في الأرض. وكانَ كُرسِيُّ الزَّعيمُ قائِمًا هُناك. وبعدَ أنْ صَدَحَتِ المُوسيقا وعَلا الهُتاف، دَخَلَ الزَّعيمُ وَجلسَ على العرش فَسادَ صَمْتٌ مُطْبِق.
وسُرعانَ مَا تَمَّ جَلْبُ أُمِّهِ النَّحيلةِ والضَّعيفةِ يَحرُسُها حُرَّاسٌ أقوياء، وَتَمَّ تَقييدُها إلى العَمود. وَما كانَ مِنَ الحَشْدِ إلاَّ أنْ راحوا يَصيحونَ ويَتجادلون. فَهل سيُنَفِّذُ الزَّعيمُ وَصيَّةَ المَحبَّةِ على حِسابِ الشَّريعَة، أم أنَّهُ سيُنَفِّذُ الشَّريعَةَ على حِسابِ المحبَّة؟ دَخَلَ رَئيسُ الجَلاَّدينَ؛ وَهُوَ رَجُلٌ قَوِيٌّ مَفتولُ العَضلات. وكان يَحمِلُ في يَدِهِ سَوْطًا جِلْدِيًّا ضَخمًا. وعندما اقتربَ مِنَ المرأةِ النَّحيلة، مَزَّقَ المُحاربونَ رِداءَها عنها وكَشفُوا عن ظَهرها النَّحيلِ الَّذي سيَتلقَّى جَلَداتِ السَّوْطِ القويَّة. فَغَرَ الجَميعُ أفواهَهُم. فهل سيَسمَحُ الزَّعيمُ بأن تَموتَ أُمُّه؟
جَلَسَ الزَّعيمُ دُونَ حِراك. وكانت كُلُّ العُيونِ تَتَنَقَّلُ بينَهُ وبينَ رَئيسِ الجَلاَّدين. وَقفَ رَئيسُ الجَلاَّدينَ وَقفةَ استعدادٍ، وحَرَّكَ بِذراعِهِ القويَّةِ السَّوْطَ في الهواءِ استِعدادًا لِجَلدِها أوَّلَ جَلدة. وكانَ هُناكَ سُؤالٌ في قَلبِ كُلِّ شخصٍ حَاضِرٍ هُناك: هَل سيَسمحُ الزَّعيمُ بانتهاكِ مَحبَّتِه أَم شَريعتِه؟
وعندما هَمَّ رَئيسُ الجَلاَّدينَ بتحريكِ ذِراعِهِ القويَّةِ لإنزالِ أوَّلِ جَلْدَةٍ على ذلكَ الظَّهْرِ النَّحيلِ الوَاهِن، أَمسكَ القائدُ يَدَهُ وَمَنَعَهُ مِن تَنفيذِ العِقاب. صَدَرَتْ شَهْقاتٌ عَاليةٌ مِن أعضاءِ القبيلة. سَوفَ يُؤْثِرُ مَحَبَّتَهُ! ولكِن ماذا عن شَريعتِه؟ ولكنَّهُمْ شاهَدوهُ يُغادِرُ عَرشَهُ ويَتحرَّكُ باتِّجاهِ أُمِّه. وبينما كانَ يَسيرُ، خَلَعَ قَميصَهُ وَطَرَحَهُ جانبًا، ثُمَّ لَفَّ ذِراعَيْهِ القَويَّتينِ حَولَ أُمِّهِ النَّحيلة كَاشِفًا عن ظَهرِهِ الضَّخمِ المُكَدَّس بالعَضلاتِ أمامَ رَئيسِ الجَلاَّدين. ثُمَّ إنَّهُ مَزَّقَ الصَّمتَ الرَّهيبَ وَأَمَرَ الجَلاَّدَ قَائلاً: "نَفِّذ العِقاب". لِذا فقد نَفَّذَ شَريعَتَهُ ومَحبَّتَه.
والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ أُجرةَ الخطيَّةِ هي ماذا؟ مَوت. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ يَسوعَ مَاتَ عَن خَطايانا. فَقد أَظهرَ مَحبَّتَهُ لنا بأن مَاتَ عَنَّا. وقد نَفَّذَ شَريعَتَهُ بأن ماتَ عنِ الخطيَّة. وإن جِئتَ إلى المسيحِ فإنَّ يَسوعَ سيَأخُذُ عنكَ العِقابَ الَّذي تَستحقُّهُ أنت. يا لها مِن هِبَةٍ رائعة!
This article is also available and sold as a booklet.
