Grace to You Resources
Grace to You - Resource

رِسالةُ رُومية والأصحاح الأوَّل هُوَ نَصُّنا. وأودُّ أن أدعوكُم إلى أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مَعي فيما نَتأمَّلُ في هذا المَقطعِ الأكثر أهميَّةً مِن رِسالةِ بُولُس إلى أهلِ رُومية والأعداد مِن 19-23. رِسالة رُومية 1: 19-23.

كُنَّا قَد تَأمَّلنا في العَدد 18 الَّذي يَتحدَّثُ عن أنَّ غَضَبَ اللهِ مُعلَنٌ، ثُمَّ ابتدأنا بالتَّحدُّثِ عَنْ أسبابِ غَضبِ اللهِ المَذكورة في الأعداد مِن 19 إلى 23:

"لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".

إذْ يَبتدِئُ بُولسُ رِسالَتَهُ عَن إنجيلِ المَسيح، فإنَّهُ يَبتدِئُها بتأكيدِ حَقيقةِ أنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ غَضَب. وَبعدَ أنْ قَدَّمَ لَنا نَفسَهُ وفِكرَتَهُ في الآياتِ السَّبع عشرةَ الأولى فإنَّهُ يَبتدِئُ في التَّحدُّثِ عَن إنجيلِ الله. وَهُوَ يَبتدِئُ بالجُملةِ التَّاليةِ في العَدد 18: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاء". لِذا فإنَّ الإنجيلَ يَبتَدِئُ بجُملةٍ افتِتاحِيَّةٍ تَقولُ إنَّ اللهَ غَاضِبٌ جدًّا مِنَ البَشَر. ومِن هُنا يَنبغي أن يَبتدِئَ الإنجيل. فيجبُ مُواجَهَةُ النَّاسِ بحقيقةِ أنَّهُم مُعَرَّضونَ للدَّينونَةِ مِن إلَهٍ قُدُّوسٍ يَنبغي أنْ يَفعلَ شَيئًا بِخُصوصِ خَطاياهم.

ومِنَ المُؤسِفِ أنَّ المَسيحِيِّينَ لَطَّفُوا على مَرِّ السِّنين فِكرةَ الدَّينونَة. وَقد تَمَّ حَذْفُ جَهَنَّمَ بِهدوء مِنْ عِظاتِنا. وَقد تَمَّ نَزْعُ الصِّفَةِ الشَّخصيَّةِ عَنِ الغَضَبِ كَما لو أنَّ اللهَ لا يَغضَبُ شَخصيًّا، بَلْ إنَّ الغَضَبَ هُوَ مُجَرَّدُ آلَةٍ بَشريَّةٍ وَحَسْب. ولكِنَّ اللهَ يَغضَبُ شَخصيًّا. فَهُوَ يُظْهِرُ غَضَبَهُ بِقَدرِ مَا يُظْهِرُ نِعمَتَهُ، أو رَحمَتَهُ، أو مَحبَّتَهُ، أو أيَّ جَانِبٍ آخرَ مِن جَوانبِ طَبيعَتِه.

والكتابُ المقدَّسُ يَرسُمُ صُورةً مُخيفةً ومُرعبةً جدًّا عَن غَضَبِ الله. وَهِيَ صُورةٌ يَنبغي للبَشَرِ أنْ يَطْبَعوها بِقُوَّةٍ في أذهانِهم. فمَثلاً، نَقرأُ في سِفْر المَزامير عِباراتٍ كَهذِهِ: "يَفْرَحُ الصِّدِّيقُ إِذَا رَأَى النَّقْمَةَ. يَغْسِلُ خُطُواتِهِ بِدَمِ الشِّرِّير". "وَلكِنَّ اللهَ يَسْحَقُ رُؤُوسَ أَعْدَائِهِ". "اِجْعَلْ إِثْمًا عَلَى إِثْمِهِمْ، وَلاَ يَدْخُلُوا فِي بِرِّكَ". "وَرُدَّ عَلَى جِيرَانِنَا سَبْعَةَ أَضْعَافٍ فِي أَحْضَانِهِمِ الْعَارَ الَّذِي عَيَّرُوكَ بِهِ يَا رَبُّ". "لاَ يَكُنْ لَهُ بَاسِطٌ رَحْمَةً، وَلاَ يَكُنْ مُتَرَأِفٌ عَلَى يَتَامَاهُ". "طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ أَطْفَالَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ". "أَلاَ أُبْغِضُ مُبْغِضِيكَ يَا رَبُّ، وَأَمْقُتُ مُقَاوِمِيكَ؟ بُغْضًا تَامًّا أَبْغَضْتُهُمْ. صَارُوا لِي أَعْدَاءً".

إنَّ هذهِ الآياتِ هِيَ جُمَلٌ مُدهشةٌ تَعكِسُ غَضَبَ اللهِ بألفاظٍ دراميَّة جدًّا. وَهُناكَ أُناسٌ لم يَقبَلوا هذهِ الجُمَل.

قَبلَ سَنواتٍ، وَتَحديدًا في سَنَة 1962، صَدَرَتْ مَقالَةٌ في مَجَلَّةِ "لُندن تايمز" (London Times) جَاءَ فيها مَا يَلي: "في وَقتٍ مُبَكِّرٍ مِن هذهِ السَّنة، نَظَرَتْ 14 مَجموعة دِراسِّيَّة في وودفورد Woodford إلى مَزاميرِ العهدِ القديمِ واستنتجَت أنَّ أربعةً وثمانينَ مَزمورًا مِنَ المَزامير لا يَليقُ بالمَسيحيِّينَ أن يُرَنِّموها". بِعبارةٍ أخرى، لم يَتمكَّن هؤلاءِ الأشخاصُ مِن قَبولِ غَضَبِ اللهِ المُعلَنِ في أربعةٍ وثمانينَ مَزمورًا مُختلِفًا حَتَّى إنَّهُم استأصَلوها مِن الأسفارِ المُقدَّسَةِ المَسيحيَّة.

وَقد قَامَ "جيه. سي. وانسي" (J.C. Wansey)، في بريطانيا بِجَمْعِ مَجموعةٍ مِنَ المَقاطِعِ مِنَ العهدِ الجديدِ تُستخدَمُ في التَّرانيمِ الكَنَسِيَّةِ تَحتَ عُنوان "مَزامير العَهد الجَديد" (A New Testament Psalter) وَقالَ مَا يَلي: "هُناكَ أجزاءٌ مِنَ المَزامير تَزْخُرُ بالغَيْرَةِ القَبَلِيَّةِ، والتَّهديداتِ واللَّعْناتِ المُتَعَطِّشَةِ للدِّماء، والأنينِ والنَّوْح؛ وَهِيَ صَادِمَةٌ في ذاتِها وَهَدْرٌ لِوقتِ اللهِ والإنسان. أمَّا مَزاميرُ العهدِ الجديد فَهِيَ مَسيحيَّةٌ جُمْلَةً وَتَفصيلاً". لِذا فإنَّهُ يَرفُضُها جَميعًا. ولكِنْ أن فَعلتُم ذلكَ بالمَزامير يَنبغي أن تَنطَلِقُوا مِن هُناكَ لأنَّ إرْميا فَهِمَ غَضَبَ الله. وَهُوَ يَقولُ في نُبوءَتِه: "أَصْغِ لِي يَا رَبُّ، وَاسْمَعْ صَوْتَ أَخْصَامِي. هَلْ يُجَازَى عَنْ خَيْرٍ بِشَرّ؟ لأَنَّهُمْ حَفَرُوا حُفْرَةً لِنَفْسِي. اذْكُرْ وُقُوفِي أَمَامَكَ لأَتَكَلَّمَ عَنْهُمْ بِالْخَيْرِ لأَرُدَّ غَضَبَكَ عَنْهُمْ. لِذلِكَ سَلِّمْ بَنِيهِمْ لِلْجُوعِ، وَادْفَعْهُمْ لِيَدِ السَّيْفِ، فَتَصِيرَ نِسَاؤُهُمْ ثَكَالَى وَأَرَامِلَ، وَتَصِيرَ رِجَالُهُمْ قَتْلَى الْمَوْتِ، وَشُبَّانُهُمْ مَضْرُوبِي السَّيْفِ فِي الْحَرْبِ... لاَ تَصْفَحْ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ تَمْحُ خَطِيَّتَهُمْ مِنْ أَمَامِكَ". هَذا هُوَ مَا قَالَهُ إرْميا.

وَقد أَجابَ اللهُ طِلبةَ إرْميا بالكلماتِ التَّالية: "هأَنَذَا جَالِبٌ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ شَرًّا، كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذْنَاهُ. مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ... مَلأُوا هذَا الْمَوْضِعَ مِنْ دَمِ الأَزْكِيَاءِ، وَبَنَوْا مُرْتَفَعَاتٍ لِلْبَعْلِ لِيُحْرِقُوا أَوْلاَدَهُمْ بِالنَّارِ مُحْرَقَاتٍ لِلْبَعْلِ... لِذلِكَ هَا أَيَّامٌ تَأتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلاَ يُدْعَى بَعْدُ هذَا الْمَوْضِعُ تُوفَةَ وَلاَ وَادِي ابْنِ هِنُّومَ، بَلْ وَادِي الْقَتْلِ... وَأَجْعَلُ جُثَثَهُمْ أُكْلاً لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ. وَأَجْعَلُ هذِهِ الْمَدِينَةَ لِلدَّهَشِ وَالصَّفِير". فَكُلُّ شَخصٍ سَيَعبُرُ بِها سيَرتَعِبُ وَيُصَفِّرُ بِسَببِ كُلِّ مَصائِبِها. "وَأُطْعِمُهُمْ لَحْمَ بَنِيهِمْ وَلَحْمَ بَنَاتِهِمْ".

ثُمَّ هُناكَ النَّبِيُّ نَاحوم: "اَلرَّبُّ إِلهٌ غَيُورٌ وَمُنْتَقِمٌ. الرّبُّ مُنْتَقِمٌ وَذُو سَخَطٍ. الرّبُّ مُنْتَقِمٌ مِن مُبْغِضِيهِ وَحَافِظٌ غَضَبَهُ علَى أَعْدَائِهِ. الرَّبُّ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَعَظِيمُ الْقُدْرَةِ، وَلكِنَّهُ لاَ يُبَرِّئُ الْبَتَّةَ... مَنْ يَقِفُ أَمَامَ سَخَطِهِ؟ وَمَنْ يَقُومُ فِي حُمُوِّ غَضَبِهِ؟ غَيْظُهُ يَنْسَكِبُ كَالنَّارِ، وَالصُّخُورُ تَنْهَدِمُ مِنْهُ... وَيْلٌ لِمَدِينَةِ الدِّمَاء".

وكذلكَ إشَعْياء: "هُوَذَا يَوْمُ الرَّبِّ قَادِمٌ، قَاسِيًا بِسَخَطٍ وَحُمُوِّ غَضَبٍ، لِيَجْعَلَ الأَرْضَ خَرَابًا وَيُبِيدَ مِنْهَا خُطَاتَهَا... وَتُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ أَمَامَ عُيُونِهِمْ، وَتُنْهَبُ بُيُوتُهُمْ وَتُفْضَحُ نِسَاؤُهُمْ". إنَّها لُغَةٌ مُرعِبَة!

ويُمكِنُكم أن تَقرأوا في سِفْرِ التَّثنيةِ كيفَ أنَّ مُوسَى قَالَ أشياءً مُشابهة. فقَبْلَ الدُّخولِ إلى أرضِ المَوعِد، أَوْصَى مُوسَى الشَّعْبَ بإقامَةِ احتفالٍ مَهيبٍ للبَرَكَةِ واللَّعنَةِ في الوادي الَّذي يَفصِلُ جَبَلَ جِرِزِّيم عَن جَبَلِ عِيبال. وَكانَ يَنبغي قِراءةُ اثنَتَيْ عَشْرَةَ لَعَنةٍ مِنْ قِبَلِ اللاَّوِيِّين. وَكانَ يَنبغي للشَّعبِ أنْ يَقولَ عِندَ سَماعِ كُلِّ لَعنةٍ: "آمين". وَكانَ يَنبغي لَهُم أن يُعلِنُوا لَعْنَةَ اللهِ على كُلِّ مَنْ لم يُطِعْ مِنهُم وَصَايا الله. ثُمَّ تَقرأونَ بعدَ ذلكَ أكثرَ مِن خَمسينَ آية تَذْكُرُ الدَّينوناتِ بالتَّفصيل على الأشخاصِ الَّذينَ يَتَعَدَّوْنَ على وَصَايا الله... خَمسينَ آية. وَهِيَ مُرعِبَة... آياتٌ عَنِ الدَّينونة.

وَنحنُ نُدرِكُ أنَّ هذهِ جُمَلٌ مَذكورةٌ في كلمةِ الله، وَأنَّها قِيلَتْ بِسُلطان، وَأنَّها تَذكُرُ حَقَّ اللهِ المُطلَق. فَإلَهُ العهدِ القديمِ هُوَ إلَهُ غَضَب. وَهُناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّ إلَهَ العهدِ القديمِ هُوَ فقط إلَهُ الغَضَب؛ ولكِنَّ هَذا غَير صَحيح البَتَّة. استَمِعوا إلى يُوحَنَّا المَعمَدان في العهدِ الجديد: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ... وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ".

واستَمِعُوا إلى يُوحَنَّا الرَّسول: "وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ". وَنَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل: "وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ [إشارةً إلى بُولُس] عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ".

ويَتحدَّثُ بُولسُ في رَسائِلِهِ عَنْ غَضَبِ اللهِ فيقول: "وَلكِنَّكَ... تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ... وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ، وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ، شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ... فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيح".

وَهُوَ يَقول: "لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِل، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذِهِ الأُمُورِ يَأتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَة". وَالرِّسالةُ إلى العِبرانِيِّينَ تُتابِعُ على المِنوالِ نَفسِه: "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّين".

وَنَقرأُ أيضًا في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين: "إِنْ كَانَ أُولئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاء". ويُمكنُكم أن تَقفِزوا عَنِ الآياتِ المَذكورةِ في رِسالَتَيّ بُطرسَ الأولى والثَّانية ورِسالةِ يَهوذا وتَذهبوا مُباشرةً إلى سِفْر الرُّؤيا لِتَجُدوا هُناكَ جُمَلاً أخرى عَنِ الغَضبِ والدَّينونَة.

فَنحنُ نَقرأُ أنَّ خَمْرَ غَضَبِ اللهِ سَيُصَبُّ صِرْفًا فِي كَأْسِ غَضَبِهِ، وَأنَّ النَّاسَ سَيُعَذَّبونَ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، وَأنَّ دُخَانَ عَذَابِهِمْ سَيَصْعَدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ لَهُم لا نَهَارًا وَلا لَيْلاً. وَنَقرأُ أنَّهُ يَخرُجُ مِن فَمِهِ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ، وأنَّهُ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَيَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ اللهِ وَغَضَبِه.

وَحَتَّى إنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ الَّذي لم تَكُن تُوجَدُ في كَلامِهِ أيَّةُ قَسوة، والَّذي كانَتْ حَياتُهُ وقَلبُهُ مُمتلِئَيْنِ بالعَطفِ والمحبَّةِ والاهتمامِ والرَّحمة، تَحَدَّثَ مِرارًا عنِ الدَّينونة، وتَحدَّثَ مِرارًا عنِ الهَلاكِ والدَّمارِ والنَّقمةِ وجَهنَّم.

وَما الَّذي نَقولُهُ تَلخيصًا لهذا كُلِّه؟ إنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ غَضَب. وَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يُنكرونَ هَذا اليوم. والإنكارُ يَأتي عَادَةً في شَكْلَيْنِ رَئيسيَّيْن: الأوَّلُ هُوَ الإنكارُ الَّذي يَأتي مِن خِلالِ رُقادِ النَّفس؛ أيْ مِن خِلالِ الأشخاصِ الَّذي يُعَلِّمونَ أنَّكَ حينَ تَموتُ فإنَّكَ تَنامُ وَحَسْب، وإنَّكَ إنْ كُنتَ تَستَحِقُّ أنْ تُدانَ فإنَّكَ لن تَتألَّمَ البَتَّة. وَهُناكَ أصحابُ الخَلاصِ الشُّمولِيِّ الَّذينَ يَقولونَ إنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ الجَميعَ وَحَسْب. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُعَلِّمُ شَيئًا هَذا أو ذَاك، بَل يُعَلِّمُ أنَّهُ يَنبغي تَحذيرُ البَشَرِ مِنَ الغَضَبِ الآتي. وَهذا يَعني أنَّ الغَضَبَ حَقيقيّ.

واسمَحُوا لي أن أُحَذِّرَكُم مِن أربعةِ أشياء: احذَرُوا مِنَ الدَّعوةِ القَويَّةِ الَّتي يُوَجِّهُها أنصارُ الخَلاصِ الشُّمولِيِّ وَرُقادِ النَّفس. فَهُم يَتَهَرَّبونَ مِنَ العَذابِ الأبديِّ؛ وَهذهِ مُشكلةٌ يَنبغي أن نَتَصَدَّى لَها. ولكِنَّهُم يَفعلونَ ذلكَ مِن خِلالِ تَحريفِ تَفسيرِ الكتابِ المقدَّس. لِذا احذَروا مِن ذلكَ لأنَّكُم قَد تَنخَدِعونَ بِسُهولة وَتُؤمِنونَ بذلكَ لأنَّكُم تَرغبونَ في أن يَنْجو جَميعُ النَّاسِ مِنَ الدَّينونَة. وَقد يُحاصِرُكم النَّاسُ وَيقولونَ لَكُم: "كيفَ يُعقَلُ أنْ يُرسِلَ اللهُ الصَّالِحُ النَّاسَ إلى جَهنَّم؟"

ثَانيًا، احذَروا مِنَ التَّأثيرِ السَّلبيِّ لِحَركةِ التَّحرُّرِ الَّتي تَنظُرُ دائِمًا إلى يَسوعَ كما لو أنَّهُ مُحِبٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُعقَلُ أنْ يَدينَ أيَّ شَخص. ثَالِثًا، احذَروا مِن حَقيقةِ أنَّ مِثلَ هذهِ التَّعاليمِ هِيَ مُجَرَّدُ بِدَع. فالشَّكلُ التَّقليديُّ لِطَّائفةِ السَّبتيِّينَ الأدفنتست (Seventh Day Adventist) هُوَ بِدعَة. وَهُناكَ تَغييراتٌ كَثيرةٌ تَحدُثُ في تلكَ الطَّائفةِ اليوم؛ وَهِيَ تَغييراتٌ إيجابيَّة؛ ولكنَّ النَّهْجَ القَديمَ لَهُم هُوَ بِدعَة. وكذلكَ هِيَ حَالُ شُهودِ يَهوه (Jehovah Witnesses)، وجَماعة إخوان المَسيح (Christadelphians) إذْ إنَّهُم جَميعًا يُريدونَ أن يُعَلِّموا هذهِ العقائدَ الَّتي تَتَمَلَّص مِنَ العِقاب.

واسمَحُوا لي أن أُضيفَ تَحذيرًا رَابِعًا: احذَروا مِن فُقدانِ حَماسَتِكُم لِرِبْحِ النُّفوس. فإنْ اقتَنعتَ بأنَّهُ مَا مِن أحدٍ مِنَ النَّاسِ سيَذهبُ إلى جَهنَّمَ في النِّهاية، لَن تُبالي بإخبارِ أيِّ شَخصٍ عَنِ الحَقِّ بعدَ الآن. فَما الحَاجَةُ إلى ذلك؟

"النَّظرةُ السَّطحيَّةُ إلى الخَطيَّةِ وقَداسَةِ اللهِ..." [بِحَسَبِ قَول "ر.أ. توري" (R.A. Torrey) "...والنَّظرةُ السَّطحيَّةُ إلى مَجْدِ يَسوعَ المَسيحِ وَما يَقولُهُ عَنَّا هِيَ أَحَطُّ وَأضعفُ النَّظرياتِ عَن مَصيرِ غَيرِ التَّائِبين. فعندما نَرى الخَطيَّةَ بكُلِّ فَداحَتِها وَبَشاعَتِها، وَنَرى قَداسَةَ اللهِ بِكُلِّ كَمالِها، ونَرى مَجْدَ يَسوعَ المَسيحِ بِكُلِّ بَهائِهِ، نُدرِكُ أنَّهُ مَا مِن عَقيدةٍ سِوى تِلكَ الَّتي تُعَلِّمُ أنَّ أولئكَ الَّذينَ يُصِرُّونَ على اختيارِ الخَطيَّةِ ويُحِبُّونَ الظُّلمَةَ أكثرَ مِنَ النُّورِ، والَّذينَ يُصِرُّونَ على رَفْضِ ابنِ اللهِ سيُعاقَبونَ بِعِقابٍ أبديٍّ يُمكِنُ أن تُشبِعَ مَطالِبَ حَدْسِنا الأخلاقِيّ. وَكُلَّما سَلَكَ النَّاسُ أكثر مَعَ اللهِ وزَادَ تَكريسُهُم لخِدمتِه، زَادَ إيمانُهم بهذهِ العَقيدة".

وَهَذا يَقودُنا إلى السُّؤالِ المُختصِّ بالآيات مِن 19 إلى 23. فإنْ كَانَ اللهُ سَيَدين، وإنْ كَانَ سَيَسكُبُ غَضَبَهُ، هَل هذا عَدْلٌ، وهَل هَذا إنصافٌ، وَهَل هَذا صَحيح؟ والجَوابُ مَوجودٌ في هذهِ الأعداد. فَهُناكَ أربعةُ أسبابٍ لِغَضبِ الله. وَهِيَ أيضًا أربعُ مَراحِل لانحِدارِ الإنسانِ وسُقوطِه. وهذهِ المَراحِلُ الأربعُ تَصيرُ أربعةَ أسبابٍ تُبَيِّنُ كيفَ أنَّ اللهَ عَادِلٌ في إدانَةِ البَشَرِ في جَهَنَّم. وهذهِ الأسبابُ الأربعةُ هِيَ: الإعلان، والرَّفض، والتَّسويغ، والتَّديُّن. الإعلان، والرَّفض، والتَّسويغ، والتَّديُّن.

أوَّلاً، الإعلان. وَقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في دَرسِنا السَّابِق. والآيتان 19 و20 هُما المِفتاحُ لِذلك. فنحنُ نَقرأُ أنَّ السَّببَ الأوَّلَ في أنَّ اللهَ سيَسكُبُ غَضَبَهُ بِحَسَبِ مَا جَاءَ في العَدد 18 هُوَ: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ".

بِعبارةٍ أخرى، إنَّ الخَليقَةَ تُعطي نُورًا كَافِيًا للإنسانِ كي يُدركَ إعلانَ الله. والمَعنى الواضِحُ هُوَ أنَّ الإنسانَ رَفَضَ الحَقَّ وَانحَدَر. ولو أنَّهُ قَبِلَ الحَقَّ المُختصَّ باللهِ والمَنظُور في الخَليقة لَصَعِدَ إلى أعلى. بِعبارةٍ أخرى، لو أنَّهُ عَاشَ بِحَسَبِ النُّورِ الَّذي أعطاهُ اللهُ إيَّاه لأعطاهُ اللهُ نُورًا أكبر.

وَهَذا يَحدُثُ مِرارًا في العهدِ الجديد. فَإذا نَظرنا إلى لِيديَّة، أو كَرْنِيلِيُوس، أوِ الخَصِي الحَبَشِيُّ وَزِير كَنْدَاكَة مَلِكَةِ الحَبَشَة، نَرى أنَّهُم جَميعًا قَبِلوا النُّورَ الَّذي أعطاهُم اللهُ إيَّاهُ فَحَصَلُوا على فُرصةٍ للحُصولِ على نُورٍ أعظَم. وعندما فَعَلوا آمَنُوا حَالاً. فالرِّسالةُ تَأتي إلى قَلبٍ مَفتوح، وإلى شَخصٍ يَعيشُ وَفْقًا للنُّورِ الَّذي حَصَلَ عليه. لِذا فإنَّ النَّصَّ يُخبرُنا أنَّ اللهَ أعلنَ نَفسَهُ للإنسانِ في عَالَمِه.

وباستِطاعةِ الإنسانِ أن يَرى قُوَّةَ اللهِ السَّرمديَّة وَلاهوتَهُ. لِذا، إنْ عَاشَ حَسَبَ ذلكَ الإقرار وذلكَ الإعلان، سَيُعطيهِ اللهُ مَزيدًا مِنَ النُّور. وإنْ رَأى قُدرةَ اللهِ الكامِلَة وصِفاتِهِ الإلهيَّةَ كَما هِيَ ظَاهِرَةٌ في الخَليقة، سيُعطيهِ اللهُ مَزيدًا مِنَ النُّور. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هُناكَ مَعلوماتٍ كَثيرةً مُتاحَة للإنسانِ في الخَليقَة. لِذا فإنَّ نِهايةَ العَدد 20 تَقول إنَّهُ بِلا عُذْر.

والآن، هَذا هُوَ المِفتاح. فَهَل غَضَبُ اللهِ عَادِلٌ؟ أجل. وَهَل هُوَ مُنصِفٌ؟ أجل. وَهَل هُوَ مُبَرَّرٌ؟ أجل. لأنَّ الإنسانَ بِلا عُذْر. فالإنسانُ بِلا عُذْر. وإنْ ذَهَبَ الإنسانُ إلى جَهنَّمَ فإنَّهُ سيَذهبُ إليها لأنَّهُ اختارَ طَوعًا وَشَخصيًّا أنْ يَرفُضَ إعلانَ الله. وَقد تَقول: "ولكِن ماذا لو لم يَسمَع يَومًا بِالإنجيل؟" إنْ عَاشَ بِحَسَبِ النُّورِ الذي أُعْطِيَ لَهُ فإنَّ اللهَ سَيُعلِن كُلَّ رِسالَةِ الفِداء لَهُ. هَذهِ هِيَ النُّقطَةُ الجَوهريَّة.

وَهَذا يَقودُنا إلى السَّبَبِ الثَّاني مِنَ الأسبابِ الأربعةِ الَّتي تَجعَلُ اللهَ عَادِلاً وَهُوَ: الرَّفْض... الرَّفْض. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 21: "لأَنَّهُمْ" – مَرَّةً أخرى – "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ..."؛ والمَعنى المَقصودُ هُنا هُوَ أنَّ جَميعَ البَشَرِ يَعرِفونَ اللهَ دَاخِليًّا. هَل تَذكُرونَ الآية يُوحَنَّا 1: 9؟ فَالمَسيحُ هُوَ "النُّورُ الحَقيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَم". بِعبارةٍ أخرى، كُلُّ إنسانٍ لَديهِ نُورُ المَسيحِ في دَاخِلِهِ وإعلانُ الخَليقَةِ مِن حَولِهِ لاقتيادِهِ إلى الله. وإنْ لم يَقْبَلْهُ فإنَّهُ بِلا عُذْر. "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ".

والإعلانُ يَعني ببساطَة أنَّ اللهَ كَشَفَ نَفسَهُ للبَشَر. والرَّفضُ يَعني أنَّ البَشَرَ تَجاهَلُوا ذلكَ الإعلان. فعندما يَجِدُ الإنسانُ اللهَ في الخَليقَةِ فإنَّهُ يَرفُضُ الله. وَقد فَعَلَ لُوسيفَر ذلك. وَقد فَعَلَ آدَمُ ذلك. وَحَتَّى إنَّ آدَمَ سَارَ وَمَشَى مَعَ اللهِ ثُمَّ رَفَضَهُ.

وَقد كَتَبَ الدُّكتور "بارنهاوس" (Dr. Barnhouse) الفِقْرَةَ القَويَّةَ التَّالية: "هَل يُعطي اللهُ الإنسانَ عَقلاً كَي يَرى هذهِ الأشياءَ ثُمَّ يَعجَزُ عَن مُمارسةِ إرادَتِهِ في الاقترابِ إلى الله؟ الجَوابُ المُؤسِفُ هُوَ أنَّ كِلا هَذَيْنِ الأمرَيْنِ صَحيح. فاللهُ يُعطي الإنسانَ عَقلاً كَيْ يَصْهَرَ الحَديدَ ويَصنَعَ رأسَ مِطرَقَةٍ وَمَسامير. واللهُ يُنَمِّي شَجَرَةً ويُعطي الإنسانَ القُوَّةَ كي يَقطَعَها، وَعَقْلاً كَيْ يَصْنَعَ يَدًا للمِطرقةِ مِن خَشَبِها. وعندما يَنْجَحُ الإنسانُ في صُنْعِ المِطرَقَةِ والمَسامير فإنَّ اللهَ يَمُدُّ يَدَهُ ويَسْمَحُ للإنسانِ بِدَقِّ تِلكَ المَسامير فيها وَتَعليقِهِ على صَليبٍ كَيْ يُعْطي للنَّاسِ بُرْهانًا دَامِغًا عَلى أنَّهُم بِلا عُذْر".

وَما يَقولُهُ هُوَ إنَّ تِلكَ الأشياءَ الَّتي أعطاها اللهُ للإنسانِ كَي يُرْشِدَهُ إليهِ هِيَ نَفسُ الأشياءِ الَّتي استَخدمَها الإنسانُ لِصَلْبِ المَسيح. فالبَشَرُ لا يَتصرَّفونَ بِحَسَبِ الحَقِّ، بَلْ هُمْ يُعارِضونَ الحَقَّ مُعارضةً شِرِّيرةً وَيُحارِبونَهُ. لِذا فإنَّهُم يَعرِفونَ اللهَ كَما جَاءَ في العَدد 21. فَهُم يَعرِفونَ اللهَ، ولكِنَّهم لا يَعرِفونَهُ حَقًّا لأنَّهُم ابتَعَدُوا عَنه.

وَخَطِيَّةُ الرَّفْضِ مُبَيَّنة بِوُضوح في العَدد 21. انظروا إليهِ قَليلاً. "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِلهٍ". وهذهِ هِيَ أبشعُ جَريمةٍ على الإطلاق. فَأسوأُ عَمَلٍ اقتُرِفَ في الكَون هُوَ عَدَمُ تَمجيدِ الله. فَالشَّيءُ الأكثرُ أهميَّةً هُوَ تَمجيدُ الله.

وَأودُّ أن أتوقَّفَ هُنا وأُشارِكَ مَعَكُم بِضعَة مَبادِئ أعتقدُ أنَّها جَوهريَّة جدًّا. وَقد سَمِعتُموني، أو على الأقَلِّ جُزءٌ مِنكُم، أُشارِك هذهِ المَبادِئ مِن قَبل. ولكِنْ يَنبغي أنْ أُشارِكَها مَعَكُم في سِياقِ رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فَهُوَ يُصْدِرُ الدَّينونَةَ التَّاليةَ الرَّهيبةَ على رَفْضِ الإنسانِ عندما يَقولُ إنَّهُم "لم يُمَجِّدوهُ كَإلَه".

والآن، هَذا هُوَ أساسُ وَجَوهَرُ سُقوطِ الإنسان. فَهُوَ يَرفُضُ أن يُمَجِّدَ اللهَ. والآن، مَا المَقصودُ بِتَمجيدِ الله؟ المَقصودُ بِذلكَ هُوَ أن نُعَظِّمَهُ، أو أن نُكْرِمَهُ، أو أن نُعامِلَهُ بِإجْلال. والمَقصودُ بذلكَ هُوَ أن نُقِرَّ بِصفاتِهِ لأنَّ صِفاتِ اللهِ هِيَ مَجدُه. فَمَجْدُ اللهِ هُوَ كُلُّ كِيانِه. وَمَجْدُ اللهِ هُوَ كُلُّ صِفاتِه. وَمَجدُ اللهِ هُوَ كُلُّ ما أعلَنَهُ الله.

وعندما لا يُقِرُّ الإنسانُ بذلك، وعندما لا يُعطي الإنسانُ المَجدَ لِصاحِبِ المَجد فإنَّ هَذا السُّلوكَ هُوَ أَكبرُ وَقاحَةٍ تُجاهَ الله. فاللهُ يَستَحِقُّ أن يُمَجَّد. فَهذا هُوَ السَّببُ الَّذي مِن أجلِهِ خُلِقَ الإنسان: كَي يُمَجِّدَ الله. ويَقولُ كِتابُ التَّعليمِ المَسيحيِّ القَديم: "مَا هِيَ الغَايَةُ الأسمَى للإنسان؟" والجَوابُ هُوَ: الغَايَةُ الأسمَى للإنسانِ هِيَ أن يُمَجِّدَ اللهَ ويَتَمَتَّع بِهِ إلى الأبد". وَهَذا صَحيحٌ تَمامًا. فينَبغي أنْ يُمَجَّدَ اللهُ.

والمَجدُ يَعني بِبساطَةٍ صِفاته. فَمَثلاً، نَقرأُ في رِسالة رُومية 6: 4: "...كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ...". أيُّ جُزءٌ مِن مَجدِهِ؟ جُزءُ القُوَّةِ مِن مَجدِه. ونَقرأُ في سِفْر الخُروج والأصحاح 33 أنَّ مُوسَى قَال: "أَرِنِي مَجْدَك". وَهُوَ يَقول: "أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ". إذًا، مَجدُهُ هُوَ قُوَّتُهُ، وَمَجدُهُ هُوَ رَحمَتُهُ، ومَجدُهُ هُوَ إحسانُهُ وَنِعمَتُهُ".

ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الأوَّل أنَّ المَسيحَ مَملوءٌ مِن مَجْدِ اللهِ، ومَملوءٌ نِعْمَةً وَحَقًّا. فَالحَقُّ جُزءٌ مِن مَجدِه. وكُلُّ صِفاتِ اللهِ هِيَ مَجدُه. ويَنبغي للبَشَرِ أن يُقِرُّوا بذلك. وَهَذا هُوَ تَمامًا ما لم يَفعَلوه. "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ [مَاذا؟] مَجْدُ الله". فَهُم لا يَرَوْنَ مَجدَهُ. وَهُم لا يُعلِنونَ مَجْدَهُ في حَياتِهم. وَحَتَّى إنَّهُم لا يَنْسِبونَ إليهِ المَجْدَ الَّذي يَستَحِقُّهُ اسمُهُ.

اقرأوا ذاتَ يَومٍ مَا جَاءَ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والأصحاح 16. فَنحنُ نَقرأُ مِرارًا ابتداءً مِنَ العَدد 24 فَصاعِدًا: "هَبُوا الرَّبَّ مَجْدًا... هَبُوا الرَّبَّ مَجْدًا... هَبُوا الرَّبَّ مَجْدًا". والحَقيقةُ هِيَ أنَّ العَالَمَ المَخلوقَ يَفعلُ ذلك. "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ الله". أليسَ كذلك؟ فَهِيَ لا تُجادِل. فالنُّجومُ لم تُشْعِلْ ثَورةً يَومًا، بَل إنَّها تُمَجِّدُ اللهَ وَحَسْب. وَقد قالَ الله عَلى لِسانِ إشَعْياءُ: "يُمَجِّدُنِي حَيَوَانُ الصَّحْرَاء". فالحَيَواناتُ تَفعَلُ وَحَسْب مَا خَلَقَها اللهُ لِتَفعلَه. فَهِيَ تُظْهِرُ عَمَلَ يَدِهِ القَويَّة. والأزهارُ تُزْهِر، واليَرَقاتُ تَتَحَوَّلُ إلى فَراشات، وكُلُّ الخَليقةِ تَفعلُ الأشياءَ الَّتي خُلِقَتْ لِتَفعلَها. وَهِيَ لا تُجادِل، بَل تُمَجِّدُ اللهَ وَحَسْب.

ولكِنْ في وَسَطِ هذا كُلِّه، نَجِدُ أنَّ الإنسانَ يَتمرَّدُ ويَرفُضُ أن يُمَجِّدَ اللهَ، ويَرفُضُ أن يَعتَرفَ بالله. وبِصراحَة، إذا كانَ بِمَقدورِكَ أن تَقِفَ في وَسَطِ كُلِّ هَذا الكَونِ المَخلوقِ، وأنْ تَنظُرَ حَولَكَ في يَومِنا وَزَمانِنا هَذا وتَقول إنَّكَ لا تُؤمِنُ بالله، وَلا تُؤكِّدُ مَجْدَ اللهِ وَجَلالَهُ وَعَظَمَتَهُ وقُدرَتَهُ، فإنَّكَ أكبرُ أحمق عَاشَ يَومًا. فالدَّليلُ صَارِخٌ جدًّا. وَكُلُّ تَكريسِ الإنسانِ للحَياةِ يُمكِنُ أن يُلَخَّصَ في جُملةٍ واحِدَة: "أيًّا كَانَ مَا تَفعلونَهُ، افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ الله". فَهَذا هُوَ السَّبَبُ الَّذي نَعيشُ لأجلِه.

واللهُ يُريدُ دائِمًا أنْ يَرى الإنسانُ مَجدَهُ. وأريدُ أن أَصحَبَكُم في جَولةٍ سَريعةٍ في هذهِ الفِكرة. لِذا، انظُروا إلى سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الثَّالِث... سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الثَّالِث. فَقد خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَوَضَعَهُما في هذهِ الجَنَّةِ الرَّائعة. وَكانَ حُضورُ اللهِ مَاثِلاً هُناكَ أيضًا. وَنَقرأُ أنَّهُ كَانَ حَاضِرًا في الجَنَّة. والكلمةُ القَديمةُ الَّتي تَعني "حُضور" هي "شَكينَة". وَهِيَ ليسَت كلمةً كِتابِيَّةً، ولكنَّها الكلمة الَّتي كانَت تُستخدَمُ بِمَعنى "حُضور". ونَحنُ نُسَمِّي حُضورَ اللهِ هُناكَ "مَجْد الشَّكينَة".

فَقد أعلنَ اللهُ نَفسَهُ في نُورٍ مِن نَوعٍ مَا، أو في نُورٍ في شَكلٍ مَا. وَحَتَّى إنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ كَانَا يَمشيان مَعَ اللهِ ويَتحدَّثانِ إليه عِنْدَ هُبوبِ رِيْحِ النَّهار. وَكانَا يُدرِكانِ مَجْدَ الله. وَقد شَاهَدا مَجدَ الله. وَقد كَانا في شَرِكَةٍ مَعَ الله. وَكانَا يُسَبِّحانِ الله. وَقد قَبِلا مَجدَهُ. ثُمَّ إنَّهُما وَقعا في الخَطيَّةِ في الأصحاحِ الثَّالث. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَار". فَنحنُ نَقرأُ هُنا عَنِ الشَّكينَة، أو نَقرأُ عَن حُضورِ اللهِ مَرَّة أخرى. وَقد سَمِعا اللهَ يَتكلَّمُ وَهُوَ يَتحرَّكُ في الجَنَّة. "فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ..." – وَهَذا تَغييرٌ جَذريٌّ - "...مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ". لماذا؟ لأنَّهُما لم يَعودا مُهْتَمَّانِ بالشَّرِكَةِ مَعَ مَجدِه. فَقد صَارَ هَذا الأمرُ شَيئًا مِنَ المَاضي.

ثُمَّ انظروا إلى نِهايةِ الأصحاحِ إذْ نَقرأُ في العَدد 23: "فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاة".

لَقد تَمَرَّدَ آدَم فَطُرِد. وَقد رأى آدَمُ مَجدَ اللهِ وأدارَ ظَهرَهُ. وَهُوَ نَموذَجٌ كلاسيكيٌّ على مَا جَاءَ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِلهٍ". فَقد قالَ اللهُ: "أَطِعْني ولا تَأكُل مِن شَجرةِ مَعرفةِ الخَيرِ والشَّرّ. هَذا هُوَ مَا أطلُبُهُ مِنك. مَجِّدني مِن خِلالِ إطاعَتِكَ لِوصيَّتي". ولكنَّ آدَمَ تَمَرَّدَ على الله بأنْ سَارَ وَراءَ زَوجَتِهِ وَسَمَحَ لِنفسِهِ أنْ يُجَرَّبَ مِن قِبَلِ الشَّيطان. "سَوفَ تَصيرانِ مُعادِلَيْنِ لله. احصُلاَ على شَيءٍ مِنَ المَجدِ لِنَفسيكُما. كُونا مِثلَ الله". فَقَد طَلَبا مَجدَهُما فَطُرِدا. بِعبارةٍ أخرى، هَذا يُشبِهُ تَمامًا مَا جَاءَ في رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِلهٍ".

هَل يُمكِنُكم أن تَقولوا إنَّ آدَمَ كَانَ مَعذورًا إنْ كَانَ سَيُدان؟ البَتَّة. فَقد طُرِدَ مِنَ الجَنَّةِ لأنَّهُ اتَّخَذَ قَرارَهُ. فَقد كانَ بمَقدورِهِ أن يُطيع. وَكانَت لَديهِ المَعرفة اللاَّزِمَة. فَقد كانَ يَعلَمُ مَعنى أنْ يَفهَمَ اللهَ ويَعرِفَهُ، ولكِنَّهُ أَدارَ ظَهرَهُ لَهُ. وَقد أَقامَ اللهُ لَهيبَ سَيْفٍ وَقال: "هَذا يَكفي!"

والآن، كانَ بِمقدورِ اللهِ في تلكَ اللَّحظةِ أن يُهْلِكَ الجِنسَ البَشريَّ وَيَبتَدِئَ مِنَ الصِّفْر. ولكِنَّ اللهَ أرادَ أن يَرْحَمَ الجِنسَ البَشريَّ وَأنْ يَسْمَحَ للإنسانِ بأنْ يَرى مَجدَهُ. فاللهُ يُريدُ أن يَطلُبَ الإنسانَ الخَاطِئَ السَّاقِطَ وَأنْ يَرُدَّهُ. لِذا، نَقرأُ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ أنَّ اللهَ يَسعَى دَائِمًا لإظهارِ مَجدِه.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن سِفْرِ التَّكوين أنَّهُ أَقامَ أُمَّةً خَاصَّة. وَقد تَمَّ اختيارُ تِلكَ الأُمَّة لتَكونَ الأداةَ الَّتي سيَستخدِمُها اللهُ لإظهارِ مَجدِه. وَقد أعطاهُمُ اللهُ قَائِدًا عَظيمًا اسمُهُ مُوسَى. افتَحُوا على الأصحاحِ الثَّالث والثَّلاثين مِن سِفْر الخُروج. فَقد قالَ اللهُ لِمُوسَى: أريدُ مِنكَ أن تَقودَ شَعبي. أريدُ مِنكَ أن تُمَثِّلَني أمامَهُم".

وَقد جَاءَ اللهُ إلى مُوسَى كَي يَعْهَدَ إليهِ بِتلكَ المَهَمَّة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الخُروج 33: 11 أنَّ الرَّبَّ كانَ يُكَلِّمُ مُوسَى "وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ". فَقد جَاءَ اللهُ وَكَلَّمَ مُوسَى. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "وَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: «انْظُرْ. أَنْتَ قَائِلٌ لِي: أَصْعِدْ هذَا الشَّعْبَ، وَأَنْتَ لَمْ تُعَرِّفْنِي مَنْ تُرْسِلُ مَعِي". هَذهِ مُهِمَّةٌ صَعبةٌ يا رَبّ. لا بُدَّ أنَّكَ تَمْزَح! هَل تُريدُني أن أَقودَ مَليونَيّ شَخص؟ هَل تُريدُني أن أقودَهُم جَميعًا؟ مَن سَيُساعِدُني؟ "وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: عَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ، وَوَجَدْتَ أَيْضًا نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ". بِعبارةٍ أخرى، أنا أَعرِفُ أنَّكَ سَتُحسِنُ إلَيَّ، وأعرِفُ أنَّكَ تَعرِفُني، وأعرِفُ أنَّكَ هُنا مَعي، ولكنِّي لا أعرفُ إنْ كُنتُ أستطيعُ القِيامَ بذلكَ بمُفردي.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 13: "فَالآنَ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ..." – وَهَذا هُوَ كَلامُ مُوسَى إلى الله: "...فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ". بِعبارةٍ أخرى، افعَل شَيئًا مَلمُوسًا أو مَادِّيًّا. أَرِني شَيئًا. أَظهِر نَفسَك.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 14 أنَّ اللهَ قَالَ: "وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ". مَا مَعنى ذلك؟ إنَّهُ نَفسُ الحُضورِ الَّذي رَأيناهُ في تَكوين 3. فَها هُوَ يَعودُ مَرَّةً أخرى. فَهُوَ مَجدُ الله. إنَّهُ شَكينَةُ الله. فَاللهُ يَقول: "سَأُريكَ مَجدي". فَاللهُ يُريدُ أن يَرى النَّاسُ مَجدَهُ وَأنْ يَتجاوَبُوا تَجاوُبًا سَليمًا. سَأُريكَ مَجدي. مَجْدي سَيُرافِقُك.

ولكِنَّ مُوسَى كَانَ مَا زَالَ مُتَشَكِّكًا. لِذا فإنَّهُ يَتَوَسَّلُ إلى اللهِ ويَقولُ لَهُ في العَدد 18: "أَرِنِي مَجْدَكَ". أنا عَاجِزٌ عَن قَبولِ ذلكَ بالإيمان. يا رَبّ، اعلِن ذاتَك. "فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ»".

بِعبارةٍ أخرى، يَقولُ اللهُ: "سَوفَ أُريكَ اسْمي. فَهُوَ يَضُمُّ كُلَّ صِفاتي. وَسَأُريكَ جُوْدي، وسَأُريكَ نِعمَتي، وسَأُريكَ رَحمَتي، وسأُظهِرُ مَجدي". ولكِنَّهُ يَقول: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي [في العَدد 20]، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيش".

لِذا فقد قالَ الرَّبُّ: "هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ، فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ..." [في العَدد 22]. "...وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي". وَهَذهِ تُسَمَّى "تَأنيسيَّة". واللهُ يَحجُبُ مَظْهَرَهُ ويَقولُ: "سوفَ أجتازٌ". "ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى"؛ وَإلاَّ فإنَّكَ ستَحترِق. لِذا فإنَّ اللهَ يَقول: "لا يُمكِنُني أن أُريكَ كُلَّ شَيء، ولكنِّي سأسمَحُ لَكَ برؤيةِ جُزءٍ صَغيرٍ مِن مَجْدي بَعدَ اجتيازي".

لِذا فقد وَضَعَ اللهُ مُوسَى في نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَة. وَكانَ مُوسَى على الجَبَل. وَقد اجتازَ اللهُ قُدَّامَهُ. وعندما رَأى مُوسَى المَجدَ، انعَكَسَ على كُلِّ وَجْهِه. ثُمَّ إنَّ اللهَ أرسَلَهُ إلى أسفَل. وبعدَ هذا المَشهَدِ الرَّائعِ الَّذي رآهُ مُوسَى، تَغَيَّر وَجْهُهُ. فَقدِ انعَكَسَ مَجْدُ اللهِ على كُلِّ وَجهِه.

فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي السَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَنَادَى بِاسْمِ الرَّبِّ. فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى الرَّبُّ: «الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّة". وَكَما تَرَوْنَ، فَقد ذَكَرَ اللهُ كُلَّ صِفاتِهِ. وَقد أُعلِنَت كُلُّها في نُورٍ قَوِيّ.

والآن، أنا لا أَفهَمُ كُلَّ ذلك، ولكِنَّ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ النَّصُّ. ثُمَّ قَالَ مُوسَى: "دَعْني أنزِل وَأُخبِر الشَّعب". لِذا فقد نَزَلَ مُوسَى مِن عَلى الجَبل. ثُمَّ انظُروا إلى الأصحاح 34 والعَدد 29: "وَكَانَ لَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِ مُوسَى، عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَهُ". فَقد نَزَلَ مُوسَى دُونَ أن يَعلَمَ أنَّ جِلْدَ وَجهِهِ صَارَ يَلمَعُ كالمِصباح. فَقد انعَكَسَ مَجْدُ اللهِ على كُلِّ وَجهِه.

وَقد جاءَ لِيُعلِنَ مَجدَ الله، وَجاءَ لِيُرِي الشَّعبَ مَجدَ الله. فَهل قَبِلوه؟ لا، لا. فَهُم لَم يُمَجِّدُوا اللهَ قَطّ، بَلْ اشتَكُوا وَتَذَمَّرُوا وَتَبَرَّمُوا في كُلِّ أرجاءِ المَكانِ إلى أنْ مَاتَ الجِيلُ كُلُّهُ في البَرِّيَّة. وَكانَ اللهُ يَقول: "انظُروا مَجدي". وَحَتَّى إنَّهُ وَضَعَهُ على وَجْهِ مُوسَى.

وبالمُناسَبة، يَقولُ بُولُس في رِسالَتِهِ إلى الكُورِنثيِّينَ إنَّ المَجْدَ كَانَ يَزولُ عَن وَجْهِ مُوسَى حَتَّى إنَّهُ كَانَ يَصعَدُ الجَبَلَ ثَانيةً، ويَضَعُ وَجْهَهُ في نُقْرةٍ مِنَ الصَّخرةِ، ويَحصُلُ على المَزيدِ مِنَ المَجدِ وَينزِل. وأخيرًا، وَضَعَ مُوسَى بُرقُعًا على وَجهِهِ لِئَلاَّ يَرى النَّاسُ أنَّهُ يَزول. فَهُوَ لم يَكُن مَجدُهُ هُوَ، بَل كانَ مَجد الله. فَقد كانَ مَجدُ اللهِ دَائِمًا، ولكِنَّهُ كَانَ مُوقَّتًا بالنِّسبةِ إلى مُوسَى.

وَكانَ اللهُ يَقولُ لِشعبِهِ: "انظُروا مَجدي... انظُروا مَجدي". ولكِن عِوَضًا عَن ذلك، رَاحُوا يَشتكونَ ويَتَذمَّرونَ إلى أنْ مَاتُوا في البَرِّيَّة. وأعتقدُ أنَّهُ كَانَ بِمَقدورِ اللهِ أنْ يُهلِكَهُم جَميعًا آنذاك، ولكنَّهُ لم يَفعَل، بَل أعطاهُم خُطَطًا لِبناءِ خَيمةِ الاجتِماع. انظروا إلى الأصحاحِ الأربَعين حينَ انتَهُوا مِن بِناءِ خَيمةِ الاجتِماع. فَقد تَاهُوا في البَرِّيَّةِ أربَعينَ عَامًا. وَطَوالَ تِيْهِهم، أرادَ اللهُ مِنهُم أن يَرَوْا مَجدَهُ.

لِذا، عندما اكتَمَلَ بِناءُ خَيمةِ الاجتِماع، نَقرأُ في العَدد 34: "ثُمَّ غَطَّتِ السَّحَابَةُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ وَمَلأَ بَهَاءُ الرَّبِّ الْمَسْكَن". وكانَت كُلُّ الأسباطِ تَسْكُنُ حَولَ خَيمةِ الاجتِماع. فَقد كَانُوا جَميعًا يُخَيِّمونَ هُناك؛ أيْ جَميعُ الأسباطِ الاثنا عَشَر، حَولَ خَيمةِ الاجتماع. وَكانُوا جَميعًا يُواجِهونَ خَيمةَ الاجتماع. فَقد كانَتْ مَكانَ عِبادَتِهم. وعندما كَانُوا يَرتَحِلونَ في تِلكَ السَّنواتِ الأربَعين، كَانوا يَحمِلونَ خَيمةَ الاجتِماعِ وَيَرحَلون. وَكانَ المَجدُ يُرافِقُ الخَيمَة.

وَجاءَ مَجدُ اللهِ وَحَلَّ بينَ أجنحةِ الكَرُوبَيْنِ على تَابوتِ العَهدِ في قُدسِ الأقداس. وَكانَ كُلُّ المُخَيَّمِ يُرَكِّزُ على ذلكَ المَجْد. وبالمُناسَبة، طَوالَ ذلكَ التِّيْه، كَانَ مَجدُ اللهِ يَقودُهُم في رَحيلِهم نَهارًا بواسِطَةِ سَحابَة، ويَقودُهُم في رَحيلِهم لَيلاً بواسِطَةِ عَمودِ مَاذا؟ نَار. وَقد كانَ ذلكَ هُوَ مَجد الله. فَقد حَلَّ مَجْدُ اللهِ في وَسَطِ المُخَيَّم؛ أيْ في وَسَطِ حَياتِهم، وفي وَسَطِ نَشاطِهم قَائِلاً: "أَلاَ رَأيتُم مَجدي؟ ألا رَأيتُموني على حَقيقَتي؟ أَلاَ أكرَمتُموني كَما يَليقُ بِي؟"

وعلى الرَّغمِ مِن كُلِّ ذلكَ المَجدِ الَّذي نَزَلَ، والَّذي نَقرأُ في العَدد 35 أنَّهُ "مَلأَ الْمَسْكَن"، وأنَّهُ كَانَ يَقودُهُم نَهارًا وليلاً... على الرَّغمِ مِن ذلك، عندما حَانَ الوقتُ لِدُخولِ الأرض، لم يَكُن لَديهم أيُّ إيمان. فَقد آمَنَ شَخصانِ مِنهُم فقط بأنَّهُم سيَتمكَّنونَ مِنَ القِيامِ بذلك. وَحَتَّى إنَّ مُوسَى نَفسَهُ لم يَدخُل أرضَ المَوعِدِ بِسَببِ خَطيئَتِه. وكانَ اللهُ يَقول: "أَلاَ رَأيتُم مَجدي؟ أَلاَ رَأيتُم مَجدي؟" ولكِنَّ البَشَرَ رَفَضُوا.

وأخيرًا، وَصَلُوا إلى الأرض فَقالَ اللهُ: "أريدُ أن أُظهِرَ مَجدي مَرَّةً أخرى". وَقد قَال: "أريدُ مِنكُم أن تَبْنُوا هَيكلاً، وَمَجدي سَيَحِلُّ عَليه". انظروا إلى سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل والأصحاحِ الثَّامِن. فَقد انتَهُوا مِن بِناءِ الهَيكَلِ وَأحضَروا تَابوتَ العَهدِ إلى الهَيكَل. وبعدَ الانتِهاءِ مِن هَذا كُلِّه، وَضَعُوا لَوْحَيّ الحَجَر فيه. ونَقرأُ في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 10: "وَكَانَ لَمَّا خَرَجَ الْكَهَنَةُ مِنَ الْقُدْسِ أَنَّ السَّحَابَ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ السَّحَابِ، لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ".

وَها هُوَ مَرَّةً أخرى الهَيكلُ الدَّائِم في وَسطهم. وَهذا عَظيمٌ وَرائعٌ. إنَّهُ هَيكلُ سُليمان. وفي الوسطِ كانَ مَجدُ الله. وَكانَ اللهُ يَقول: "أَلاَ رَأيتُم مَجدي؟ وَكما فَعَلَ مُوسَى، أَلاَ عَكَسْتُمْ مَجدي إلى العَالَم؟" لأنَّهُ كَانَ يَنبغي لِبَني إسرائيلَ أن يَكونَ القَناةَ الَّتي يَعمَلُ مِن خِلالِها.

وَقد طَلَبَ مِنهُم ذلكَ هُناك. فَهل تَجاوَبُوا؟ وَهَل صَاروا قَناةَ الوُصولِ إلى العَالَم؟ وَهل بَقِيَ الهَيكَلُ مَكانًا يَسكُنُ فيهِ مَجدُ الله؟ لا، لا. فَقد رَفَضُوا أن يَرَوْا المَجدَ. وَقد أَدارُوا ظُهورَهُم لَهُ كَما يَفعلُ البَشَرُ دَائِمًا.

انظُروا إلى سِفْرِ حِزْقيال والأصحاحِ الثَّامِن. وَهَذا مَقطَعٌ مُدهِشٌ جدًّا. وَهُوَ مَقْطَعٌ نَموذَجِيٌّ يُرينا كَيفَ أنَّهُم دَنَّسُوا الهَيكَل. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 4: "وَإِذَا مَجْدُ إِلهِ إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ...". فَقد رَأى حِزْقيالُ رُؤيا عن مَكانِ العِبادَة، أو بَيتِ الله. وَقد رَأى المَجْدَ هُناك. فَهذا هُوَ مَكانُه. ولكِنَّنا نَقرأ: "ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ عَيْنَيْكَ نَحْوَ طَرِيقِ الشِّمَالِ». فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ نَحْوَ طَرِيقِ الشِّمَالِ، وَإِذَا مِنْ شِمَالِيِّ بَابِ الْمَذْبَحِ تِمْثَالُ الْغَيْرَةِ هذَا فِي الْمَدْخَل". وَيا للأسَف! فَقد كانَ يُوجَدُ صَنَمٌ في مَدخَلِ الهَيكَل.

«يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ مَا هُمْ عَامِلُونَ؟ الرَّجَاسَاتِ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَيْتُ إِسْرَائِيلَ عَامِلُهَا هُنَا لإِبْعَادِي عَنْ مَقْدِسِي. وَبَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ». ثُمَّ جَاءَ بِي إِلَى بَابِ الدَّارِ، فَنَظَرْتُ وَإِذَا ثَقْبٌ فِي الْحَائِط". بِعبارةٍ أخرى، إنَّها فَوضَى. فَهُمْ لم يَكونوا حَتَّى يَعْتَنونَ بِهِ. وَقَد نَظَرَ مِنَ الثَّقْب. «ادْخُلْ وَانْظُرِ الرَّجَاسَاتِ الشِّرِّيرَةَ الَّتِي هُمْ عَامِلُوهَا هُنَا». فَدَخَلْتُ وَنَظَرْتُ وَإِذَا كُلُّ شَكْلِ دَبَّابَاتٍ وَحَيَوَانٍ نَجِسٍ، وَكُلُّ أَصْنَامٍ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، مَرْسُومَةٌ عَلَى الْحَائِطِ عَلَى دَائِرِهِ".

والآن، اسمَحُوا لي أن أطرَحَ عليكُم سُؤالاً. هَل كَانُوا مَسؤولينَ وَبِلا عُذْر؟ يَنبغي أن تُصَدِّقُوا ذلك. على غِرارِ أيِّ شَخصٍ آخر. فَقَد عَبَدوا الأفَاعي، وَعَبَدُوا الحَيَواناتِ النَّجِسَة، وَعَبَدُوا الأصنامَ لأنَّهُم أدارُوا ظَهْرَهُم لِمَجدِ الرَّبّ. فَقد رَفَضُوا أنْ يَرَوْا اللهَ على حَقيقَتِه.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "وَوَاقِفٌ قُدَّامَهَا سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ شُيُوخِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، وَيَازَنْيَا بْنُ شَافَانَ قَائِمٌ فِي وَسْطِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِجْمَرَتُهُ فِي يَدِهِ، وَعِطْرُ عَنَانِ الْبَخُورِ صَاعِدٌ". فَقد كَانَتْ تُوجَدُ مَجموعَةٌ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَقومونَ بِدورِ الكَاهِن. وَكانَ هَذا العَمَلُ تَدنيسًا وتَجديفًا يَستوجِبُ المَوت.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 13: "«بَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ هُمْ عَامِلُوهَا». فَجَاءَ بِي إِلَى مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَإِذَا هُنَاكَ نِسْوَةٌ جَالِسَاتٌ يَبْكِينَ عَلَى تَمُّوزَ. فَقَالَ لِي: «أَرَأَيْتَ هذَا يَا ابْنَ آدَمَ؟ بَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ مِنْ هذِهِ»".

"فَجَاءَ بِي إِلَى دَارِ بَيْتِ الرَّبِّ الدَّاخِلِيَّةِ، وَإِذَا عِنْدَ بَابِ هَيْكَلِ الرَّبِّ، بَيْنَ الرِّوَاقِ وَالْمَذْبَحِ [الَّذي هُوَ أَقْدسُ مَوضِعٍ]، نَحْوُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً ظُهُورُهُمْ نَحْوَ هَيْكَلِ الرَّبِّ وَوُجُوهُهُمْ نَحْوَ الشَّرْقِ، وَهُمْ سَاجِدُونَ لِلشَّمْس... وَقَالَ لِي: «أَرَأَيْتَ يَا ابْنَ آدَمَ؟ أَقَلِيلٌ لِبَيْتِ يَهُوذَا عَمَلُ الرَّجَاسَاتِ الَّتِي عَمِلُوهَا هُنَا؟... فَأَنَا أَيْضًا [في العَدد 18] أُعَامِلُ بِالْغَضَب".

وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ أَعلَنَ مَجدَهُ في الجَنَّةِ؛ ولكِنَّ الإنسانَ أدارَ لَهُ ظَهرَهُ. وَقد أعلَنَ مَجدَهُ على وَجْهِ مُوسَى؛ ولكِنَّ بَني إسرائيل أدارُوا لَهُ ظَهرَهُم. وَقد أعلَنَ مَجدَهُ في خَيمةِ الاجتِماعِ؛ ولكنَّهُم فَعلُوا الشَّيءَ نَفسَهُ. وَقد كَانَ مَجدُهُ في الهَيكَلِ؛ ولكِنَّهُم نَجَّسُوا الهَيكلَ الَّذي يَحِلُّ فيهِ مَجدُهُ. فَهذِهِ هِيَ حَالُ الإنسان.

وفي الأصحاحِ العَاشِر، تَجِدونَ أكثرَ حَدَثٍ مُحزِنٍ في تَاريخِ بَني إسرائيل. فالكلمة "إِيخَابُود" تَعني: "زَالَ المَجْد". ويُمكِنُكُم أن تَقرأوا الأصحاحَ العاشِرَ بأنفسِكُم وتُراقِبُوا مَجْدَ اللهِ يُغادِرُ الهَيكَل. فَهُوَ يُغادِر. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الرَّابع: "فَارْتَفَعَ مَجْدُ الرَّبِّ عَنِ الْكَرُوبِ إِلَى عَتَبَةِ الْبَيْتِ. فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنَ السَّحَابَةِ، وَامْتَلأَتِ الدَّارُ مِنْ لَمَعَانِ مَجْدِ الرَّبِّ".

هَذا هُوَ المَكانُ الأوَّل. فَقد غَادَرَ وَحَسْب قُدْسَ الأقداس وانتقلَ إلى الدَّار. وإنْ تَابَعتُموه سَتَجدونَ أنَّهُ يَرتفِع إلى أعلى، ثُمَّ إنَّهُ يَنتقِلُ فَوقَ جَبَل، ثُمَّ إنَّهُ يَختفي. فَقد رَفَضَ البَشَرُ دَائِمًا مَجدَ الله. وَقد تَقول: "وَهَل حَلَّ مَجدُ اللهِ مَرَّةٍ أخرى؟" أجل، مَرَّةً واحِدَةً فقط.

فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا". وَمَن يَكونُ هَذا؟ إنَّهُ المَسيح. "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا..." استَمِعُوا جَيِّدًا الآن: "وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا [مَاذا؟] مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا". إذًا، أينَ أعلَنَ اللهُ مَجدَهُ؟ في المَسيح. وذاتَ مَرَّة، صَعِدَ يَسوعُ إلى جَبَلِ التَّجَلِّي فَتَغَيَّرَتْ هَيئَتُهُ (كَما يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ) وَأَظْهَرَ مَجدَهُ في نُورٍ سَاطِع.

فَهُوَ مَجدُ الله. وَهُوَ نَفسُ المَجدِ الَّذي مَشَى وَتَكَلَّمَ في الجَنَّة، ونَفسُ المَجدِ الَّذي ظَهَرَ على وَجْهِ مُوسَى، ونَفسُ المَجدِ الَّذي حَلَّ في خَيمةِ الاجتِماع، ونَفسُ المَجدِ الَّذي تَرَكَ الهَيكَل، ونَفسُ الحَقيقةِ القائِلَةِ إنَّ اللهَ الحَيَّ جَاءَ في خَيمَةٍ بَشريَّةٍ أو هَيْكَلٍ بَشَرِيٍّ أو في وَجْهٍ بَشريٍّ، وَإنَّهُ مَشَى وتَكَلَّمَ في هذا العَالَم. فَمَجدُ اللهِ يَقولُ مَرَّةً أخرى للإنسان: أَلاَ رَأيتَني على حَقيقَتي؟" وَقد أَظهَرَ مَحبَّةً، وَأَظهَرَ رَحمَةً، وَأَظهَرَ صَلاحًا، وأَظهَرَ قُوَّةً، وأَظهَرَ قُدرةً، وأَظهَرَ حِكمَةً، وأَظهَرَ حَقًّا، وأَظهَرَ كُلَّ صِفَةٍ مِن صِفاتِ الله.

وماذا فَعَلوا بِهِ؟ مَاذا فَعَلوا بِهِ؟ لَقد قَتلوه. ولكنَّ هَذِهِ هِيَ حَالُ الإنسان. أَتَرَوْن؟ لِذا، قَبلَ أن تَأتي وتَقول: "هَلِ اللهُ عَادِلٌ في إدانَتِهِ للبَشَر؟" اسأل نَفسَكَ السُّؤالَ التَّالي: هَلِ عَرَفَ الإنسانُ اللهَ مِرارًا وتَكرارًا طَوالَ تَاريخِهِ، وَرأى مَجدَهُ، وَأدارَ ظَهرَهُ لَهُ؟ فَحَتَّى إنَّ بَني إسرائيلَ الَّذينَ حَصَلُوا على أكْمَلٍ إعلانٍ عَنهُ فَعَلُوا ذلك. فلِماذا نَتوقَّعُ شَيئًا غَيرَ ذلكَ مِنَ الأُمَمِ الوَثنيَّة؟

وعندما يَختصُّ الأمرُ بالدَّينونَةِ، يا أحبَّائي، عندما يَختصُّ الأمرُ بِدينونَةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يَدينُ البَشَرَ لأنَّهُم يَرفُضونَ مَجدَهُ المُعلَن. وأوضَحُ مَثَلٍ على ذلكَ هُوَ فِرْعَوْن. فَكَم مَرَّةً أَظهَرَ اللهُ مَجدَهُ؟ وَكَم مَرَّةً رَفَضَهُ فِرْعَوْن؟

انظُروا مَعي قَليلاً إلى سِفْر إرْميا والأصحاح 13 – سفْر إرْميا والأصحاح 13. وهَذا هُوَ المَقطَعُ الَّذي قَرأتُهُ سَابِقًا. فَهُوَ أَحَدُ المَقاطِعِ الَّتي تَتحدَّثُ عَنِ الدَّينونة. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 13: "فَتَقُولُ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ" – في الأصحاح 13 والعَدد 13: " هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَمْلأُ كُلَّ سُكَّانِ هذِهِ الأَرْضِ وَالْمُلُوكَ الْجَالِسِينَ لِدَاوُدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَالْكَهَنَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَكُلَّ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ سُكْرًا. وَأُحَطِّمُهُمُ الْوَاحِدَ عَلَى أَخِيهِ، الآبَاءَ وَالأَبْنَاءَ مَعًا، يَقُولُ الرَّبُّ. لاَ أُشْفِقُ وَلاَ أَتَرَأَّفُ وَلاَ أَرْحَمُ مِنْ إِهْلاَكِهِمْ". لماذا؟ كَيفَ تَفعلُ شَيئًا كَهَذا؟ "اِسْمَعُوا وَاصْغَوْا [في العَدد 15]. لاَ تَتَعَظَّمُوا لأَنَّ الرَّبَّ تَكَلَّمَ. أَعْطُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ مَجْدًا...". أَتَرَوْن؟ هَذا هُوَ مَا كَانُوا يَرفُضونَ القِيامَ بِهِ. "...قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ ظَلاَمًا، وَقَبْلَمَا تَعْثُرُ أَرْجُلُكُمْ عَلَى جِبَالِ الْعَتَمَةِ، فَتَنْتَظِرُونَ نُورًا فَيَجْعَلُهُ ظِلَّ مَوْتٍ، وَيَجَعْلُهُ ظَلاَمًا دَامِسًا".

بِعبارةٍ أخرى، أعْطُوا اللهَ مَجدًا وإلاَّ! هذهِ هِيَ كُلُّ الرِّسالة. أعْطُوا اللهَ مَجدًا وإلاَّ! والنَّاسُ يَعرِفونَ كَيفَ يُعطونَ مَجدًا لله لأنَّ اللهَ أعلنَ ذلكَ لَهُم. وَقد تَقول: "هَلِ اللهِ يَستمتِعُ بِمُعاقبةِ البَشَر؟" لا. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 17: "وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا ذلِكَ، فَإِنَّ نَفْسِي تَبْكِي فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةً مِنْ أَجْلِ الْكِبْرِيَاءِ". فَهِيَ خَطيئةُ مَاذا؟ الكِبرياء. "وَتَبْكِي عَيْنَيَّ بُكَاءً وَتَذْرِفُ الدُّمُوع". لا، فاللهُ لا يُسَرُّ بإنزالِ غَضَبِه، بَل هُوَ يَحزَنُ حينَ يُنْزِلُ غَضَبَهُ.

انظروا إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني عَشَر. ولننظُر إلى مَقطعٍ مُقارَنٍ مِنَ العهدِ الجديد. أعمال الرُّسُل 12: 20. والحَديثُ هُنا هُوَ عَن هِيرودُس. وَقد قَرَّرَ هيرودُس أن يُعلِنَ ذلكَ اليَومَ "يَومَ هيرودُس". فَقد قَرَّرَ أنْ يُعَظِّمَ نَفسَهُ قَليلاً في أعينُ الجَميع. فَقد كانَت هُناكَ أحداثُ شَغَبٍ في المَناطِقِ المُجاوِرَة. لِذا فقد قَرَّرَ أن يُؤكِّدَ قُوَّتَهُ، وقَرَّرَ أن يُعلِنَ ذلكَ اليَومَ بأنَّهُ "يَوم هِيردوُس"، وَأنْ يُعَظِّمَ نَفسَهُ جِدًّا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العَدد 21: "فَفِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لَبِسَ هِيرُودُسُ الْحُلَّةَ الْمُلُوكِيَّةَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمُلْكِ وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ". فَقَد عَظَّمَ نَفسَهُ. "فَصَرَخَ الشَّعْبُ: «هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ!»". أَلاَ تَظُنُّونَ أنَّهُ رَائع؟ إنَّهُ إلَه! وَقد أَحَبَّ هُوَ ذلك. لَقد أَحَبَّ ذلكَ جدًّا. "فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ".

ولم يَكُن هيرودُس يَتوقَّعُ أنْ تَكونَ نِهايَتُهُ هَكذا في يَومِ هيرودُس! ولماذا ضَرَبَهُ اللهُ؟ لأنَّهُ لم يُعْطِ مَاذا؟ لم يُعْطِ اللهَ المَجد. وَقد تَقول: "وَهل كَانَ يَعرِفُ كَيفَ يَفعل ذلك؟" بِكُلِّ تَأكيدٍ كَانَ يَعرِفُ كَيفَ يَفعلُ ذلك. فَجميعُ البَشَرِ يَعرِفونَ أن يَفعلوا ذلك. جَميعُ البَشَرِ يَعرِفونَ أن يَفعلوا ذلك. لِذا فإنَّ الإنسانَ بِلا عُذْر.

وَقد تَقول: "وَماذا عنِ المُستقبَل؟ هَل سَيَأتي مَجدُ اللهِ مَرَّةً أخرى؟" أَجل. انظُروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرين. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 24: 29: "وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ". وَهُناكَ كلمةٌ واحِدَةٌ تَخطُرُ بِبالي عندما أقرأُ هذهِ الآية. مَا الكلمةُ الَّتي تَخطُرُ بِبالِكُم؟ إنَّها تَبتَدِئُ بحَرفِ الظَّاء. "ظَلام".

هَل فَهِمتُم ذلك؟ فالشَّمسُ تُظلِم. والقَمَرُ لا يُعطي ضوْءَهُ. فإنْ أَظلمَتِ الشَّمسُ فإنَّ القَمَرَ لَن يُعْطِ ضَوْءَهُ. والنُّجومُ تَسقُطُ مِنَ السَّماء. وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. فَسَوفَ يَكونُ هُناكَ ظَلامٌ دَامِس. "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ..." – وَهذِهِ هِيَ أوَّلُ مَرَّةٍ نَقرأُ فيها هذهِ الكلماتِ بهذهِ الطَّريقة: "وَمَجْدٍ كَثِيرٍ". أَتَرَوْن؟ فَكُلُّ الأنوارِ ستَنطَفِئ، ثُمَّ تَأتي الشَّكينَةُ مُعلِنَةً مَجدَ الله. ثُمَّ إنَّ مَجدَهُ سيَملأُ الأرضَ في مَمْلَكَتِهِ العَجيبَة.

فَتاريخُ الكتابِ المقدَّسِ بِمُجمَلِهِ هُوَ تَاريخُ إعلانِ اللهِ عَن مَجدَهُ. وَقد تَقول: "وَماذا عَنِ الوقتِ الحَاضِر؟" اللهُ يُعلِنُ مَجدَهُ في العَالَمِ اليوم. هَل تَعلَمونَ ذلك؟ وَهَل تُريدونَ أن تَعلَموا كَيف؟ نَقرأُ في رِسالةِ كُولوسي: "الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ [مَاذا؟] الْمَجْد". "لَهُ الْمَجْدُ [في رِسالةِ أفسُس] فِي الْكَنِيسَة". وأعتقدُ أنَّنا بَهاءُ مَجدِ المَسيح في العَالَمِ اليوم. وَهُم لا يَستَمِعونَ إلينا أيضًا. وَكما تَرَوْنَ فإنَّ الإنسانَ يَرفُضُ دَائِمًا مَجدَ الله.

والآن، لِنَعُد إلى رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فَقد صَارَ لَدَيكُم سِياقٌ لِهذهِ الآية: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ...". فَجميعُ النَّاسِ عَرَفوه بِسَببِ إعلانِهِ في الخَليقَة، ولأنَّ المَسيحَ هُوَ النُّورُ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إنسانٍ يَأتي إلى العَالَم. فَهذا هُوَ وَعدُ الكتابِ المقدَّس. ولكِنْ "لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِلهٍ" وذلكَ بسببِ كِبريائِهم. ثُمَّ لاحِظُوا مَا يَلي: "أو يَشكُروه". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُم لا يَنْسِبونَ كُلَّ شَيءٍ يَحصُلونَ عليهِ إلى اللهِ الَّذي أعطاهُم إيَّاه.

وإخفاقُ الإنسانِ لا يَنحَصِرُ في أنَّهُ لا يُقِرُّ بوجودِ اللهِ، بَل يَتَعَدَّاهُ إلى رَفضِ تَمجيدِ الله. وإنْ لم يَقبَلِ اللهَ بِصِفَتِهِ المَصدرَ فإنَّهُ لَن يَشكُرَهُ. وَعَدَمُ شُكْرِ اللهِ هُوَ تَجديفٌ لأنَّ اللهَ يُوَفِّرُ كُلَّ شَيءٍ لَنا، وَهُوَ صَالِحٌ جدًّا. وحَتَّى إنَّهُ "يُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِين". ولكِنْ عِوِضًا عَن أن يُمَجِّدُوا اللهَ وأنْ يَكونُوا شَاكِرينَ في قُلوبِهم، لاحِظُوا ما يَقولُه: "حَمِقُوا [أو صَارُوا فَارِغينَ] فِي أَفْكَارِهِمْ". وهذهِ عِبارَةٌ مُدهشةٌ جدًّا.

فالكلمة "أفكارِهم" تُشيرُ إلى مَا يُفَكِّرونَ فيه. وَقد صَاروا فَارِغينَ في أفكارِهم. بِعبارةٍ أخرى، إذا رَفَضْتَ اللهَ فإنَّ ذِهنَكَ أجوَف لأنَّكَ تَكونُ قَد وَضَعْتَ نَفسَكَ في مَوقِفٍ لا مَعنَى لَهُ. فهذهِ فَلسفةٌ بَشريَّةٌ جَوفاء، وَتَبريراتٌ وأفكارٌ باطِلَةٌ نَابِعَةٌ مِنَ الذَّات. فَقَد تُرِكُوا لأفكارِهِم الجَوفاءِ الَّتي لا مَعنى لَها، وَلا فَائِدَةَ مِنها، وَلا تَنفَعُ في شَيء. لِذا فإنَّهُم يَترُكونَ الحَقَّ ويَلتفِتونَ للبُطْل. ولكِنَّ ذلكَ الفَراغَ لا يَبْقى فَراغًا مُدَّةً طَويلة، بَل إنَّ العَددَ الحَادي والعِشرين يَقول إنَّهُم يَغرَقونَ في الظَّلام.

وَهذِهِ هِيَ حَالُ كُلِّ عَالَمِ النَّجاسَةِ، والرَّجاسَةِ، والخَطيَّةِ، والإثْمِ، والشَّرّ. فَتاريخُ الإنسانِ تَراجُعِيٌّ وليسَ تَقَدُّمِيًّا. فَهُوَ يَعرِفُ اللهَ، ولكِنَّهُ يَرفُضُ أن يُمَجِّدَ الله، ويَرفُضُ أن يَكونَ شَاكِرًا. فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ جدًّا. وعندما يُخرِجُ اللهَ مِن حَياتِهِ فإنَّهُ يَصْنَعُ فَراغًا. وَذلكَ الفَراغُ هُوَ أفكارُهُ الجَوفاء. وَلكِنَّ ذلكَ الفَراغَ يُمْلأُ بِظُلمةِ الشَّرِّ الَّتي تَملأُ قَلبَهُ الغَبِيّ.

وبعدَ أن يَرفُضَ الإنسانُ اللهَ فإنَّهُ لا يَعودُ قَادِرًا على العُثورِ على الحَقّ. وَهَذا هُوَ مَا قَالَهُ يَسوعُ في إنجيل يُوحَنَّا 8: 45: "وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي" لأنَّهُ لا يَرُوقُ لَكُم. "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ [مَنْ؟] اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ"؛ أيْ لأنَّ عَقلَهُ مَملوءٌ بالأفكارِ الباطِلَةِ والفارِغَةِ والشِّرِّيرة. وَهَذا هُوِ مِيراثُ رَفْضِ الإنسانِ لِتَمجيدِ الله. وَهِيَ ليسَت ظُلمةً فِكريَّةً فقط، بَل ظُلمة أخلاقيَّة أيضًا.

ويُمكِنُكم أن تَرَوْا ذلكَ طُولَ الوقت. فيُمكِنُكُم أن تَقرأوا كُلَّ الأشياءِ الحَمقاء الَّتي يَكتُبُها الفَلاسِفَة. ويُمكنُكم أن تَستمعوا إلى البَرامِجِ الحِوارِيَّة، وأن تَقرأوا المَقالاتِ الَّتي تُنشَرُ في الصُّحُف، وأن تَسمَعُوا كُلَّ هذا الكَلامِ الأجوفِ والغَبِيِّ والبَاطِلِ النَّابِعِ مِنَ الفَلسفةِ البَشريَّةِ الَّتي تَخلو مِن ذَرَّةِ حَقّ. ولكِنَّ هَذا هُوَ كُلُّ ما تَبَقَّى للإنسان.

وَهذا يُذَكِّرُني بواحِدٍ مِن أنصارِ نَظريَّةِ التَّطوُّر كَتَبَ في الصَّفحةِ الأولى مِن مَقالةٍ قَرأتُها في مَجَلَّةٍ عَن نَظريَّةِ التَّطوُّر. فَقد قال: "أنا أرفُضُ أن أُوْمنَ بالله. لِذا، مَا الخِيارُ البَديلُ أمامي سِوى التَّطوُّر؟" وعلى أقَلِّ تَقديرٍ، لَقد كَانَ صَادِقًا. فَكُلُّ مَا تَبَقَّى لَديهِ هُوَ حَفْنَة مِنَ الهُراءِ الأجوَف. وَأحيانًا أُصْدَمُ جدًّا مِن هذا فيما أُشاهِدُ العالَمَ يَقومُ بِما يَقومُ بِهِ حَتَّى إنِّي أرتَعِبُ مِن حَماقَتِهِ، وَسُخْفِهِ، وَيَأسِهِ المُطْبِق. والشَّيءُ الَّذي يَجعلُ ذلكَ أمرًا يَصعُبُ تَصديقُهُ هُوَ أنَّ الإنسانَ يَظُنُّ أنَّهُ ذَكِيٌّ جدًّا. ولكنَّ العَددَ الثَّاني والعِشرينَ يَقول: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ [ماذا؟] حُكَمَاءُ، صَارُوا جُهَلاَء".

وَهَذا يَقودُنا إلى الكلمةِ الثَّالثة؛ وهي كلمة سنَتحدَّثُ عَنها يَومَ الأحدِ المُقبِل، وهي: التَّسويغ. فالبَشَرُ سَمِعُوا الحَقَّ وَعَرَفوه [وَهذا هُوَ الإعلان]. وَقد أدارَ البَشَرُ ظَهرَهُم للحَقِّ [وَهَذا هُوَ الرَّفْض]. والبَشَرُ الآنَ يُؤكِّدونَ أنَّ حَماقَتَهُم هِيَ الحَقيقة [وَهذا هُوَ التَّسويغ]. وَسوفَ نَرى في الأسبوعِ المُقبِلِ أيضًا أنَّ هذهِ الأسباب الثَّلاثةِ تَقودُ إلى التَّديُّن.

وَهل يُمكِنُني أن أقولَ لَكُم مُلاحَظَةً للأسبوعِ القادِم؟ التَّديُّنُ هُوَ ليسَ صُعودًا إلى أعلى مِن قِبَلِ الإنسان، بَل إنَّ التَّديُّنَ يَعكِسُ صُورةَ الإنسانِ في الحُفرة، أو في الأسفل. وسَوفَ نَرى ذلكَ في المَرَّةِ القَادِمَة. وَهذا كُلُّهُ يَقودُ إلى الشَّهَواتِ، والمِثليَّةِ الجِنسيَّةِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَسوفَ نَرى ذلكَ خِلالَ الأسبوعَيْنِ القَادِمَيْن عندما نَتأمَّلُ في العَدد 24. هَل عَرَفْتُم سَبَبَ إدانَةِ اللهِ للإنسان؟ لأنَّ الإنسانَ بِلا عُذْر. أَلاَ صَلَّيْتُم مَعي؟

في هَذا المَكانِ وهَذهِ الكنيسةِ في هذا المَساء، أَعلَمُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا مِنكُم يَنطَبِقُ عليكُم مَا جَاءَ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فأنتَ قَد عَرفتَ اللهَ لأنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيكَ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَكَ مِن خِلالِ المَصْنُوعَاتِ؛ أيِ العَالَمِ المَخلوق. لِذا فإنَّكَ مَسؤولٌ عنِ العَيشِ وَفْقًا لِذلكَ النُّور. وَكَما قَالَ بُولُس في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17 فإنَّ اللهَ ليسَ بَعيدًا عَنكَ إن طَلبتَهُ. فَقد حَاولَ أن يُعلِنَ مَجدَهُ لَك. وَقد أظهَرَ مَجدَهُ؛ ولكِنَّكَ أَدَرْتَ ظَهرَكَ لَهُ. وَأنتَ لا تَشكُرُهُ لأنَّكَ لا تُقِرُّ بأنَّهُ مَصدرُ كُلِّ الخَيرات. لِذا فإنَّكَ لم تَستَرشِد بالنُّورِ الحَقيقيِّ؛ أيْ بيسوعَ المَسيح. وأنتَ تَقِفُ بِلا عُذْرٍ أمامَ دَينونَةِ الله.

وهَذهِ ليسَت رِسالتي أنا إليكَ، بَل هِيَ رِسالة الله. فإنْ لم تَكُن تَعرِفُ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ، وإنْ لم تَقبَل يَومًا الابنَ، وإنْ لم تَقبَل تَدبيرَ اللهِ للخَلاص، أُصَلِّي أن تَفعلَ ذلكَ في هذا المَساء. قُل: "يا رَبّ، أنا لم أُمَجِّدكَ بحياتي، بَل أَدَرْتُ ظَهري لَك، وَعِشْتُ في حَماقَتي، وصِرْتُ تحتَ الدَّينونة. ولكنِّي أريدُ الغُفرانَ، وأريدُ الخَلاصَ، وأريدُ الحَياةَ الأبديَّةَ، وأريدُ أن أعرفَ يَسوعَ المَسيح".

فيما تَجلِسُ في مَكانِك، هَذا هُوَ كُلُّ ما يَنبغي أن تَقولَهُ لَهُ. وَقُدرَتُهُ العَجيبةٌ تَقدِرُ أن تُغَيِّرَكَ في لَحظةٍ وَأن تَجعلَكَ ابنًا لَهُ. وَحينئذٍ، سَتَنتَقِلُ مِنَ المَوتِ إلى الحَياةِ، وَمِنَ الغَضَبِ إلى المُكافأةِ، وَمِنَ الدَّينونَةِ إلى التَّبرير. أرجو أن تُصَلِّي تِلكَ الصَّلاة.

يا أبانا، أُصَلِّي في هذهِ اللَّيلة الَّتي شَارَكْنا فيها هذهِ الرِّسالةَ العَظيمةَ أنْ تَكونَ قُلوبُنا قد تَبارَكَتْ، وَأنْ تَكونَ الشَّرِكَةُ حُلوة، وَأنْ نَكونَ قدِ استَمتعنا بالضَّحِكِ وفَكَّرنا بِعُمقٍ شَديد. ولكنِّي أُصَلِّي تَحديدًا أن يَعملَ ذلكَ كُلُّه بِقُوَّةٍ في قُلوبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحتاجونَ إلى يَسوعَ المَسيحِ اللَّيلة حَتَى لا يُواجِهُوا سَاعَةَ الدَّينونَةِ المَحتومَة. لَيتَكَ يا رَبّ تُخَلِّصُهم. ولَيتَهُم يَرَوْنَ مَجدَكَ كَما أردتَ للبَشَرِ أنْ يَرَوْهُ مُنذُ جَنَّةِ عَدْن. وَليتَهُم يَفعلونَ كُلَّ مَا يَفعلون لِمَجْدِ الله.

فِيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم، أريدُ أن أقولَ مُلاحَظَةً: إنَّ كُلَّ شَيءٍ يَبتدِئُ مِن هُنا. فَقد قالَ بُولُس: "وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في رِسالة فيلبِّي 2: 11). فَلا يُمكِنُكَ أن تَبتَدِئَ في تَمجيدِ اللهِ إلاَّ إذا اعترفتَ بِيَسوع رَبًّا لأنَّهُ أصدقُ وأسمَى إعلانٍ عَنِ الله. فَهُوَ مَجدُ الله. فَهل فَعلتَ ذلك؟

هُناكَ أشخاصٌ مِنكُم قَبِلوا المَسيح. ولكِن مَاذا عَنِ الشَّغَفِ المَفقودِ لَديكَ تُجاهَ الخُطاة؟ اطلُب مِنَ اللهِ أن يُعطيكَ حَماسَةً جَديدة، وَأنْ يُظْهِرَ مَجْدَهُ في وَجهِكَ كَما أَظهَرَهُ في وَجْهِ مُوسَى لكي يَجعَلَكَ أداةً للإعلانِ عن طَبيعَتِهِ للنَّاسِ مِن حَولِك كي يَرَوْا مَجدَهُ.

يا أبانا، نَشكُرُكَ على هذا المَساءِ الرَّائِع. يا لَهُ مِن وَقتٍ مُبارَك! أَطْلِقْنا مِن هَذا المَكان بِقُلوبٍ تَفيضُ بالشُّكر. وَلَكَ كُلُّ التَّسبيحِ باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize