افتَحُوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ العاشِر – إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ العاشِر. هَذا مَقطَعٌ مَألوفٌ جدًّا في الكتابِ المقدَّس. وَهُوَ نَصٌّ كَبيرٌ في الإصحاحِ العاشِرِ ويَمتَدُّ إلى ما بَعدِ المَقطعِ الَّذي سَنتأمَّلُ فيهِ اليَوم. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَنِ الرَّاعي الحَقيقيِّ - الرَّاعي الحَقيقيّ.
وهذه واحدةٌ مِن أجملِ الصُّوَرِ البَلاغيَّةِ في كُلِّ العهدِ الجديد. وَهِيَ تُسَمَّى في العَددِ السَّادسِ "مَثَلاً" ("بارويميا" – paroimia")؛ ولكنَّها ليسَت مَثَلاً بالمَعنى المَألوفِ لأنَّها لا تَبتدِئُ بالعِبارة: "يُشْبِهُ مَلَكوتُ اللهِ..."، بَل هِيَ صُورةٌ بَلاغيَّة. وكما قُلتُ، إنَّها واحدةٌ مِن أجملِ الصُّوَرِ البَلاغيَّةِ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ حَقًّا. وهي صُورةٌ بَلاغيَّةٌ ليسَت مُقتصِرَةً على الإصحاحِ العاشرِ مِن إنجيل يوحنَّا. فالحقيقةُ هيَ أنَّ الإصحاحَ العاشرَ مِن إنجيل يوحنَّا يَستَخدِمُ استِعارةَ الرَّاعي المَوجودة في الكتابِ المقدَّسِ مِن بِدايتِهِ إلى نِهايتِه.
وَقد وَجَدتُ نَفسي أقول: "لا يُمكنُني أن أتخيَّلَ كلمةً مُشَجِّعَةً يُمكنُ أن تُقَدَّمَ للمُرسَلينَ ولَنا جَميعًا أكثرَ مِنَ النَّظرِ إلى هذهِ الصُّورةِ البَديعة. فهي تَتحدَّثُ عنِ الرَّاعي الحَقيقيّ. وَسِياقُها مُهِمٌّ جدًّا. وسوفَ تُلاحِظونَ أنَّهُ لا يوجدُ فاصِلٌ حَقيقيٌّ بينَ الإصحاحِ التَّاسعِ والإصحاحِ العاشِر. أنا أعرِفُ أنَّنا نَقرأُ العِبارةَ "الإصحاح العاشِر"؛ ولكنَّهُ نَفسُ اليَومِ، ونَفسُ المَشهدِ، وَهُم نَفسُ الأشخاصِ، ويَسوعُ يَتعاملُ مَعَ نَفسِ الحَدث. فالإصحاحُ التَّاسعُ يَتحدَّثُ عن رَجُلٍ أعمَى مُنذُ وِلادتِه صَارَ مُتَسَوِّلاً. وقد رَدَّ إليهِ يَسوعُ بَصَرَه. ثُمَّ لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ المُتَسَوِّلَ وَيَسوعَ لاقَيَا مُقاومةً مِن قَادةِ إسرائيلَ الَّذينَ لم يُظهِروا سِوى الازدراءَ بالمُتَسَوِّلِ، والكَراهيةَ العَنيفةَ لِيَسوع. فَقد طَرَدوا المُتَسَوِّلَ خَارجًا وعَقدوا العَزمَ على قَتْلِ يَسوع.
وَمِن جِهَة، إنَّ الشَّخصيَّاتِ الرَّئيسيَّةَ في الإصحاحِ التَّاسعِ هُم قَادةُ إسرائيل. وَهُم رُعاةٌ زَائِفونَ – رُعاةٌ زَائِفونَ يَفتَرِسونَ شَعبَهُم، ويَستغِلُّونَ شَعبَهُم. على النَّقيضِ مِن ذلك، نَرى في الإصحاحِ العاشرِ نَفسَ التَّلاميذِ، ونَفسَ الفَرِّيسيِّينَ، ونَفسَ المُتَسَوِّلِ الَّذي كانَ أعمَى يَقفونَ هُناكَ في مَكانٍ احتَشَدَ فيهِ بَقيَّةُ اليَهود. ويَسوعُ يُبايِنُ بَيْنَهُ وبَينَهم قَائلاً في العَددِ الحادي عَشَر: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَاف".
وأريدُ وَحَسْب أن نَنظُرَ إلى الأعدادِ العَشْرةِ الأولى: "«اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الَّذِي لاَ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ إِلَى حَظِيرَةِ الْخِرَافِ، بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ". في هذهِ الآية، يِصِفُ يَسوعُ الفَرِّيسيِّينَ والرُّعاةَ الزَّائِفين. فَهُم سُرَّاقٌ ولُصُوصٌ ليسَ لَديهم سُلطانٌ ولا حَقٌّ ولا مِلكيَّةٌ فيما يَختصُّ بالخِراف، بَل هُم يَسرِقونَها ويُهْلِكونَها. "وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ فَهُوَ رَاعِي الْخِرَافِ. لِهذَا يَفْتَحُ الْبَوَّابُ، وَالْخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا. وَمَتَى أَخْرَجَ خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ يَذْهَبُ أَمَامَهَا، وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ». هذَا الْمَثَلُ قَالَهُ لَهُمْ يَسُوعُ، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُمْ بِهِ".
"فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى. اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ".
لَقد كانَ قَادةُ بَني إسرائيلَ سُرَّاقا ولُصوصا جاءوا ليَقتُلوا، وَجاءوا لِيُهلِكُوا. أمَّا يَسوعُ فَهُوَ الرَّاعي الحَقيقيُّ الَّذي جاءَ ليُعطي حَياةً. وصُورةُ الرَّاعي هُنا هِيَ [ببساطةٍ] صُورةٌ بَلاغيَّة. وكما قُلتُ، لم يُقَدِّم يَسوعُ نَفسَهُ بِصِفَتِهِ الرَّاعي إلاَّ في العَددِ الحادي عَشَر. والقِصَّةُ وَاضحةٌ جدًّا لأنَّها مَألوفةٌ جدًّا لسُكَّانِ أورُشليم ويَهوذا. وَقَد كانُوا يَفهمونَ لا فقط حَقيقةَ المُجتمعِ الزِّراعِيِّ ورِعايةِ الخِرافِ والاعتناءِ بالقَطيع، بَل كانوا يَعرفونَ أيضًا ما يَكفي عنِ العهدِ القديمِ ليَعلَموا أنَّ اللهَ نَفسَهُ كانَ يُوصَفُ بأنَّهُ رَاعٍ. لِذا فقد كانوا يَفهمونَ الجانبَ الأرضيَّ المُؤقَّتَ مِنَ رِعايةِ القَطيعِ، ويَفهمونَ أيضًا أنَّ ذلكَ يُشيرُ إلى رِعايةِ اللهِ لشَعبِه.
فَمِنَ الجانبِ البَشريِّ، كانَت رِعايةُ القَطيعِ شَيئًا شَائعًا جدًّا في أرضِ إسرائيل. فالجُزءُ الرَّئيسيُّ مِنَ اليهوديَّةِ هُوَ تَلٌّ مَركَزِيٌّ. وَهُوَ صَخْرِيٌّ جدًّا ولا يَصلُحُ للزِّراعة. لِذا فقد صارَ مَكانًا تَرعَى فيهِ الخِراف. فالمَسافةُ مِن بيتِ إيْل إلى حَبْرون هِيَ تِلالٌ تَمتَدُّ إلى نَحوِ خمسةٍ وثلاثينَ مِيلاً. أمَّا عَرضُها فرُبَّما يَمتَدُّ مِن خمسةَ عَشَرَ إلى سَبعةَ عَشَرَ مِيلاً. أمَّا الأرضُ فهي وَعِرةٌ وصَخريَّة. وكانَ العُشبُ قَليلاً؛ ولكنَّ الخِرافَ كانَت تَرعَى هُناكَ عادةً. وكانتِ الصُّورةُ المَألوفةُ لتِلالِ اليهوديَّةِ والرَّاعي مَعروفةً للجَميع.
ولكنَّ حَياةَ الرَّاعي كانت قَاسيةً وشَاقَّة. فقد كانت حَياةً في وَجهِ عَناصرِ الطَّبيعةِ مِن حَرارةٍ وبُرودَة. وكانَ العُشبُ قَليلاً في المِنطقة. وكانتِ الخِرافُ تَضِلُّ في أوقاتٍ كَثيرة. ولم يَكُن هُناكَ سُورُ حِمايةٍ هُناكَ في التَّلِّ، أو في سَفْحِ التَّلِّ أو في أيِّ مَكانٍ آخر. وكانَ التَّلُّ الضَّيِّقُ مُحاطًا بالمُنحدراتِ والجُروفِ الَّتي يُمكِنُ أن تَسقُطَ فيها الخِراف. وكانَ مِنَ السَّهلِ أن تَضِلَّ الخِرافُ. وكانَ مِنَ السَّهلِ أيضًا أن تُهاجِمَها الحَيَواناتُ المُفترِسَةُ وتَقتُلَها. لِذا فقد كانتَ مَهمَّةُ الرَّاعي تَتطلَّبُ يَقَظَةً دائمةً وانتباهًا مُستمرًّا لأنَّ الخَطرَ كانَ مُحْدِقًا دائمًا. فهناكَ خَطرٌ مِنَ الحَيواناتِ، وخَطرٌ مِنَ السُّرَّاقِ واللُّصوصِ الَّذينَ يأتونَ لِسَرِقَةِ الخِرافِ مِن أجلِ أصْوافِها ولُحومِها.
ويَقولُ أحدُ المُؤرِّخينَ القَدامَى: "يُمكِنُكَ في المَساءِ أن تَرى الرَّاعِيَ عَائِدًا إلى الحَظيرةِ نَعِسًا ومُتْعَبًا ومُتَّكِئًا على عَصَاه". فقد كانَ كُلُّ يَومٍ طَويلاً وشَاقًّا. وكانَ هُناكَ رُعاةٌ في العهدِ القديمِ مَعروفونَ تَمامًا للشَّعبِ اليَهودِيّ. فقد كانَ إبراهيمُ رَاعِيًا، وكانَ إسحاقُ رَاعِيًا، وكانَ يَعقوبُ رَاعِيًا، وكانَ مُوسَى رَاعِيًا. فقد كانَ يَرعَى الخِرافَ في مِدْيان؛ أيْ خِرافَ حَمِيه. وكانَ دَاوُدُ رَاعِيًا في صِبَاه. وكانتِ اليَقظةُ الدَّائمةُ، والشَّجاعةُ الَّتي لا تَعرفُ الخَوفَ، والمَحبَّةُ الصَّبورةُ للقَطيعِ صِفاتٍ مُهِمَّةً للرَّاعي الصَّالِح.
ولكنَّ الرَّاعي الأكثرَ شُهرةً في العهدِ القديمِ هُوَ الله. فالمَزمورُ الثَّالثُ والعِشرون يَقول: "الرَّبُّ [مَاذا؟] رَاعِيَّ". والمَزمور 77: 20 يَقول: "هَدَيْتَ شَعْبَكَ كَالْغَنَم". والمَزمور 79: 13 يَقول: "أَمَّا نَحْنُ شَعْبُكَ وَغَنَمُ رِعَايَتِكَ نَحْمَدُكَ إِلَى الدَّهْر". والمَزمور 80: 1 يَقول: "يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ، اصْغَ، يَا قَائِدَ يُوسُفَ كَالضَّأْنِ". والمَزمور 95 يَقول: "لأَنَّهُ هُوَ إِلهُنَا، وَنَحْنُ شَعْبُ مَرْعَاهُ وَغَنَمُ يَدِهِ". فَكَما نَرى، كانَ الرَّعْيُ شَيئًا حَميمًا جدًّا.
ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تُلاحِظُوا مَقطعًا واحدًا في العهدِ القديمِ وَهُوَ مِنْ سِفْرِ النَّبيِّ حِزْقيال والإصحاحِ الرَّابعِ والثَّلاثين. وأريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا عَليه. فهذا المَقطعُ يُعطينا صُورةً دراميَّةً للتَّباينُ المَذكورِ في الإصْحاحينِ التَّاسعِ والعَاشِرِ مِن إنجيلِ يُوحَنَّا بينَ رُعاةِ بني إسرائيلَ الزَّائفينَ في زَمَنِ رَبِّنا وبينَهُ هُوَ بِصِفَتِهِ الرَّاعي الصَّالِح. حِزْقيال 34. فقد كَلَّمَ الرَّبُّ حِزْقيالَ النَّبيَّ. وإليكُم مَا قَالَهُ الرَّبُّ ابتِداءً مِنَ العَددِ الثَّاني:
"يَا ابْنَ آدَمَ..." [وهذا لَقَبٌ أَطلَقَهُ اللهُ على حِزْقيال]. "يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ عَلَى رُعَاةِ إِسْرَائِيلَ، تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِلرُّعَاةِ: وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ. أَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ الْغَنَمَ؟ تَأْكُلُونَ الشَّحْمَ، وَتَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَتَذْبَحُونَ السَّمِينَ، وَلاَ تَرْعَوْنَ الْغَنَمَ. الْمَرِيضُ لَمْ تُقَوُّوهُ، وَالْمَجْرُوحُ لَمْ تَعْصِبُوهُ، وَالْمَكْسُورُ لَمْ تَجْبُرُوهُ، وَالْمَطْرُودُ لَمْ تَسْتَرِدُّوهُ، وَالضَّالُّ لَمْ تَطْلُبُوهُ، بَلْ بِشِدَّةٍ وَبِعُنْفٍ تَسَلَّطْتُمْ عَلَيْهِمْ. فَتَشَتَّتَتْ بِلاَ رَاعٍ وَصَارَتْ مَأْكَلاً لِجَمِيعِ وُحُوشِ الْحَقْلِ، وَتَشَتَّتَتْ. ضَلَّتْ غَنَمِي فِي كُلِّ الْجِبَالِ، وَعَلَى كُلِّ تَلٍّ عَالٍ، وَعَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ. تَشَتَّتَتْ غَنَمِي وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يَسْأَلُ أَوْ يُفَتِّشُ".
"فَلِذلِكَ أَيُّهَا الرُّعَاةُ اسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً وَ صَارَتْ غَنَمِي مَأْكَلاً لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي، فَلِذلِكَ أَيُّهَا الرُّعَاةُ اسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ، وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلاً".
ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا. كَمَا يَفْتَقِدُ الرَّاعِي قَطِيعَهُ يَوْمَ يَكُونُ فِي وَسْطِ غَنَمِهِ الْمُشَتَّتَةِ، هكَذَا أَفْتَقِدُ غَنَمِي وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ وَالضَّبَابِ. وَأُخْرِجُهَا مِنَ الشُّعُوبِ وَأَجْمَعُهَا مِنَ الأَرَاضِي، وَآتِي بِهَا إِلَى أَرْضِهَا وَأَرْعَاهَا عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ وَفِي الأَوْدِيَةِ وَفِي جَمِيعِ مَسَاكِنِ الأَرْضِ. أَرْعَاهَا فِي مَرْعًى جَيِّدٍ، وَيَكُونُ مَرَاحُهَا عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ الْعَالِيَةِ. هُنَالِكَ تَرْبُضُ فِي مَرَاحٍ حَسَنٍ، وَفِي مَرْعًى دَسِمٍ يَرْعَوْنَ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ. أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ".
مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ هُنا؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ المُلْكِ الألفِيّ؟ أيْ عَنِ المَلكوتِ الآتي. وكيفَ سيَفعلُ الرَّبُّ ذلك؟ ومَن سيَضطَلِعُ بهذهِ المَسؤوليَّة؟ انظروا إلى العَددِ الثَّالثِ والعِشرين: "وَأُقِيمُ عَلَيْهَا رَاعِيًا وَاحِدًا فَيَرْعَاهَا عَبْدِي دَاوُدُ، هُوَ يَرْعَاهَا وَهُوَ يَكُونُ لَهَا رَاعِيًا. وَأَنَا الرَّبُّ أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَعَبْدِي دَاوُدُ رَئِيسًا فِي وَسْطِهِمْ. أَنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ".
ولكِنْ لِنَتوقَّف قليلاً! فقد عَاشَ دَاوُدُ قَبلَ وَقتٍ طَويلٍ مِن ذلك! لِذا، عَمَّن يَتكلَّم هُنا؟ إنَّهُ يَتكلَّمُ عَنِ ابنِ دَاوُد؛ أيْ عَنِ المَسِيَّا. فالمَسِيَّا سيَصيرُ الرَّاعيَ الَّذي سَيَجمَعُ شَعبَهُ؛ لا فقط مِن إسرائيل، بَل أيضًا مِن جَميعِ البِلادِ والأُممِ، ويَقودُهم إلى مَجْدِ المَلكوتِ الأخير. إنَّها صُورةٌ بَديعَة! صُورةٌ بَديعة!
"وَأَقْطَعُ مَعَهُمْ عَهْدَ سَلاَمٍ، وَأَنْزِعُ الْوُحُوشَ الرَّدِيئَةَ مِنَ الأَرْضِ، فَيَسْكُنُونَ فِي الْبَرِّيَّةِ مُطْمَئِنِّينَ وَيَنَامُونَ فِي الْوُعُورِ. وَأَجْعَلُهُمْ وَمَا حَوْلَ أَكَمَتِي بَرَكَةً، وَأُنْزِلُ عَلَيْهِمِ الْمَطَرَ فِي وَقْتِهِ فَتَكُونُ أَمْطَارَ بَرَكَةٍ". هَذا هُوَ المَلَكوتُ عندما يَعملُ اللهُ مِن خِلالِ رَاعٍ وَاحدٍ [أيِ الرَّاعي العَظيمِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح] على جَمْعِ كُلِّ شَعبِه.
فهذهِ نُبوءةٌ وَرَدَت في سِفْرِ حِزْقيال 34 وتَحَقَّقَتْ في يَسوع. فَهُوَ ذلكَ الرَّاعي الواحِد. لِنَرجِع مِن هُنا إلى إنجيل يُوحنَّا والإصحاحِ العاشرِ مَرَّةً أخرى. فعندما تَصِلونَ إلى العهدِ الجديد، هناكَ بِضعةُ مَواضِع يُشارُ فيها إلى يَسوعَ بأنَّهُ ذلكَ الرَّاعي الواحِد. ففي إنجيل مَتَّى والإصحاحِ الثَّامن عَشَر، نَرى أنَّ يَسوعَ هُوَ الرَّاعي الَّذي سيُضَحِّي بحياتِهِ لكي يَطلُبَ ويُخَلِّصَ الخِرافَ الضَّالَّة. وفي إنجيل مَتَّى والإصحاحِ التَّاسع، نَرى أنَّ يَسوعَ هُوَ الرَّاعي الَّذي يُشْفِقُ على النَّاسِ لأنَّهُم "كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا". وفي إنجيل لُوقا والإصحاحِ الثَّاني عشر، نَرى أنَّهُ يَدعو تَلاميذَهُ الحَقيقيِّينَ خَاصَّتَهُ "القَطيعَ الصَّغير". وَأنا أُحِبُّ ما يَقولُهُ بُطرسُ عَنهُ. فَهُوَ يَقولُ عَنِ الرَّبِّ يَسوعَ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 2: 25: "رَاعِي نُفوسِنا". كَما أنَّ كَاتبَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 13: 20 يَقولُ في تلكَ الصَّلاةِ الخِتاميَّةِ إنَّهُ "رَاعِيَ الخِرَافِ العَظِيم".
فَهُوَ اللهُ الَّذي كانَ في العهدِ القديمِ يَرعَى شَعبَهُ. وَهُوَ اللهُ الَّذي يَجلِبُ الدَّينونةَ على الرُّعاةِ الزَّائِفينَ ويَجمَعُ خِرافَهُ في النِّهايةِ مُسْبِغًا عَليهِم بَرَكَةً خِتاميَّةٍ عَظيمة. ولكنَّ كُلَّ ذلكَ يَتحقَّقُ مِن خِلالِ الرَّاعي الوحيدِ الَّذي هُوَ يَسوعُ المَسيح. لِذا، هذهِ هِيَ خَلفيَّةُ هذا المَقطعِ العَظيمِ مِنَ الكتابِ المقدَّس. فَهُوَ مُختلفٌ تَمامًا عنِ الرُّعاةِ الزَّائِفينَ؛ أيْ عَن أولئكَ الفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ يَظهَرونَ في الإصحاحِ السَّابِق. فَهُم يُشبِهونَ أولئكَ الرُّعاةَ المُدانينَ في سِفْرِ حِزْقيال والإصحاحِ الرَّابعِ والثَّلاثين. فالفَرِّيسيُّونَ والقادةُ الدِّينيُّونَ اليَهودُ نَصَّبُوا أنفسَهُم بأنفسِهم رُعاةً، وَجَلَسُوا على كُرْسِيِّ مُوسَى [كَما قالَ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى والإصحاحِ الثَّالثِ والعِشرين]. فَقَد أخذوا شَيئًا ليسَ مِن حَقِّهم. وقد كانوا رُعاةً زَائِفين، وكانُوا رُعاةً مُهْلِكين. فَقد نَهَبوا القَطيع؛ أيْ أنَّهُم سَلبوهُ وذَبَحُوا القَطيعَ وَأهلَكوه. أمَّا الآنَ فيوجدُ رَاعٍ آخرُ هُوَ الرَّاعي الحَقيقيّ. ولا شَكَّ في أنَّ هذا الرَّاعي هُوَ المَسِيَّا.
والآن، بعدَ هذهِ الخَلفيَّةِ المُوجَزَة، لِننظُر إلى القِصَّةِ ونَتأمَّل في ما يَحدُثُ فيها. فهي تَبتدئُ بكلمتَيْنِ مَألوفَتَيْنِ تَتكرَّرانِ كَثيرًا في إنجيلِ يوحنَّا: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ" لأنَّ الأمرَ جِدِّيٌّ وعَميقٌ ورَزين؛ ولكنَّهُ أيضًا جَديد. فَهُوَ جَديد. إنَّهُ جَديد. فهو شَيءٌ لم تَسمَعوهُ مِن قَبل. والصُّورةُ هُنا هِيَ صُورةُ حَظيرَة. ويُمكنكم أن تُلاحِظوا الكلمةَ "حَظيرَة" في العَددِ الأوَّل.
ومَا هيَ الحَظيرَة؟ كانَت تُوجدُ في كُلِّ قَريةٍ أو بِجوارِها حَظيرةٌ للخِراف؛ أيْ مَأوى للخِراف. ففي كُلِّ قَرية، كانت تِلكَ الحَظيرةُ مَكانًا تُجْمَعُ فيهِ الخِرافُ في اللَّيل لكي تَكونَ في مَأمَن. فَهِيَ تَخرُجُ إلى المَراعي لِتَرعَى في أثناءِ النَّهارِ، ثُمَّ إنَّ الرَّاعِيَ يَتَقَدَّمُها مَساءً وهي تَتبَعُهُ. فَهُوَ يَقودُها وَيَأتي بِها إلى الحَظيرة. وهُناكَ تَاريخٌ طَويلٌ عَن ذلك. فقد كانَ الرَّاعي يَأتي بِها. فَكُلُّ راعٍ في القَريةِ يَجلِبُ خِرافَهُ. وكانَ كُلُّ رُعاةِ القَريةِ يَقودونَ خِرافَهُم إلى حَظيرةٍ واحِدَة. فَهِيَ مَكانُ الحِمايَة. لِذا فقد كانَت هُناكَ خِرافٌ في الحَظيرةِ تَنتَمي إلى رُعاةٍ مُختَلِفين.
ولكنَّها كانَت تَدخُلُ واحدةً تِلوَ الأخرى. وكانَ الرَّاعي يُوْقِفُ كُلَّ خَروفٍ بِعَصاه ويَتَفَقَّدُهُ للتَّحقُّقِ مِن خُلُوِّهِ مِنَ الجِراحِ أو رُبَّما مِن أيِّ شَيءٍ آخرَ قد يَكونُ مُقلِقًا أو مُؤذِيًا في نَظرِه. فقد كانَ يَتَفَقَّدُ كُلَّ خَروفٍ بِدِقَّةٍ ولا سِيَّما ظَهرَهُ لأنَّهُ يُوجدُ شَحمٌ كَثيرٌ في صُوفِهِ حَتَّى إنَّهُ إنْ نُزِعَ فإنَّهُ قَد يَموتُ بسهولة. وقد كانَ ذلكَ العَملُ صَعْبًا وأحيانًا قَذِرًا جدًّا؛ ولكنَّهُ عَملُ الرَّاعي. وَكانَ الرَّاعي يُدْخِلُ الخِرافَ الواحِدَ تِلوَ الآخر. وكانَ يَمُدُّ عَصاهُ بَعدَ كُلِّ خَروفٍ، ويَتَفَحَّصُ الخَروفَ الَّذي يَليه، ثُمَّ يَسمَحُ لَهُ بالدُّخول. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ حِزْقيال والإصحاحِ العِشرين أنَّ اللهَ سيَجعلُ شَعبَهُ ذاتَ يَومٍ يَمُرُّ مِن تَحتِ عَصَاه [في سِفْرِ حِزْقيال 20: 37-38]. فَهُوَ سيَجعلُهم يَعبُرونَ الواحِدَ تِلوَ الآخَر.
لِذا فقد كانَتِ الحَظيرةُ مُحاطةً بِسِياج. وعندما كانَ الظَّلامُ يُخَيِّمُ، كانَ جَميعُ الرُّعاةِ يَأتونَ إلى تِلكَ الحَظيرة. وكانُوا يُدخِلونَ الخِرافَ الواحِدَ تِلوَ الآخر لكي يَتَسَنَّى لكُلِّ رَاعٍ أنْ يَتَفَحَّصَ خِرافَهُ. وكانَ يُوجَدُ في القُرَى رُعاةٌ عَديدون. وكانَ الرُّعاةُ يَمْلِكونَ عَددًا مِنَ الخِراف. ولكنَّهُم لم يَكونوا أثرياءَ بِصورةٍ عَامَّة. فَهُم لم يَكونوا يَملِكونَ عَددًا هَائلاً مِنَ الخِراف. وقد كانوا يَعرِفونَ خِرافَهُم. لَقد كانوا يَعرِفونَ خِرافَهُم. ثُمَّ إنَّهُم كانوا يُوَظِّفونَ حَارِسًا. فقد كانَ الرُّعاةُ يَذهبونَ كي يَستريحوا ويَناموا بعدَ يَومٍ في الحُقول. وكانُوا يُعَيِّنونَ أجيرًا. فَسوفَ تُلاحِظونَ في العَددِ الثَّاني عَشَر أنَّهُ يُشيرُ إلى شَخصٍ أجيرٍ؛ لا إلى رَاعٍ. وَهذا يُشبِهُ البَوَّابَ في العَددِ الثَّالث. وَكانَ عَمَلُهُ يَقتضي مِنهُ أن يُغلِقَ البَابَ في اللَّيلِ عندما تَدخُلُ جَميعُ الخِرافِ إلى الحَظيرةِ ويَذهبُ الرُّعاةُ إلى بُيوتِهم كَيْ يَستريحوا. وكانَ ذلكَ الأجيرُ هُوَ الحَارِسُ طَوالَ اللَّيل. فَقد كانَ يَسهَرُ طَوالَ اللَّيلِ لِحراسَةِ الخِراف. فقد كانَ هذا هُوَ عَملُه.
وفي الصَّباح، عندما تُشرِقُ الشَّمسُ، كانَ الرُّعاةُ يَعودونَ مَرَّةً أخرى ويُنادونَ على خِرافِهم. فَقد كانوا يَدعونَ خِرافَهُم إلى الخُروجِ مِنَ الحَظيرةِ ويَقودونَها مَرَّةً أخرى إلى المَراعي. ولم يَكُن يُسمَحُ لأحدٍ سِوى الرُّعاةِ باجتيازِ الحَارِسِ أوِ البَوَّاب. أمَّا في حَالِ مَجيءِ سُرَّاقٍ أو لُصوصٍ في اللَّيلِ فكانوا يَقفِزونَ مِن فَوقِ السِّياج. وهذهِ هِيَ الصُّورةُ هُنا. فنحنُ نَقرأُ عَنِ اللُّصوصِ الَّذينَ يَطلَعونَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ في العَددِ الأوَّل.
وَهذهِ صُورةٌ حَيَّةٌ حَقًّا. ولكِنْ ما الَّذي تَقولُهُ هذهِ الصُّورةُ هُنا؟ وَما الشَّيءُ الَّذي نَنظُرُ إليه؟ فيسوعُ لا يَقولُ في الحقيقةِ إنَّهُ الرَّاعي الصَّالحُ قَبلَ العَددِ الحادي عَشَر. ولكِنْ ما هِيَ الصُّورة؟ إنَّها ببساطَةٍ كما يَلي: يَرى أُناسٌ أنَّ الحَظيرةَ هِيَ الكَنيسة. ولكنَّها ليست كذلك لأنَّ الرَّاعي يَقودُ الخِرافَ خَارِجَ الحَظيرة؛ ولكنَّ الرَّاعي لا يَقودُ النَّاسَ خَارجَ كَنيسَتِه. وَهُناكَ مَن يَقولُ إنَّ الحَظيرَةَ هِيَ السَّماء. كَلاَّ! فَهُوَ لا يُخرِجُ النَّاسَ مِنَ السَّماءِ أيضًا. فالأمرُ بَسيطٌ جدًّا. وَقد تَقول: "إذًا ما هِيَ الحَظيرة؟" في هذهِ الحالةِ، إنَّها إسرائيل. إنَّها إسرائيل. فَهِيَ اليَهوديَّة. فالحَظيرةُ هِيَ اليَهوديَّة. والخِرافُ هُمُ الشَّعبُ اليَهودِيّ. والرَّاعي العَظيمُ، أوِ الرَّاعي الصَّالحُ، أوِ الرَّاعي الحَقيقيُّ يَأتي إلى حَظيرةِ بَني إسرائيلَ بِصِفَتِهِ المَسِيَّا الحَقيقيَّ ويَدعو خِرافَهُ إلى الخُروجِ مِنَ اليَهوديَّة.
وليسَ هذا فقط، بَلِ انظروا إلى العَددِ السَّادس عَشَر. فهذا يَنسَجِمُ مَعَ ما قَرأناهُ في سِفْرِ حِزْقيال: "وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ". وَمَنْ يَكونُ هَؤلاء؟ خِرافٌ أخرى؟ "يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ". فَهُناكَ رَاعٍ واحِد. ومَن هِيَ الخِرافُ الأخرى؟ غيرُ اليَهودِ، أوِ الأُمَمُ، أو بُلدانُ العالَم. إنَّهُم اليهودُ والأُمَمُ؛ تَمامًا بِحسبِ الوَعدِ المَذكورِ في سِفْرِ حِزْقيال بأنَّ اللهَ سيَجمَعُ رَعِيَّتَهُ مِن كُلِّ الأُمَمِ وَكُلِّ البُلدان. لِذا فإنَّ الحَظيرةَ هِيَ الشَّيءُ الَّذي يَضُمُّ مُؤقَّتًا الخِرافَ الَّتي تَنتَمي إلى الله: اليَهوديَّةُ أوِ العالَم.
وما هُوَ البَاب؟ فالرَّاعي يَدخُلُ [بِحسبِ العَددِ الثَّاني] مِنَ البَاب. إنَّ رَاعي الخِرافَ يُسمَحُ لَهُ بالدُّخولِ مِنَ الباب. فما هُوَ الباب؟ إنَّهُ امتيازٌ أو حَقٌّ أو سُلطانٌ أو مِلكيَّة. فالحارِسُ لا يَسمَحُ لأيِّ شَخصٍ بالدُّخولِ سِوى الرَّاعي. وَهذا يَعني أنَّ المَسيحَ هُوَ الرَّاعي الحَقيقيُّ لِخرافِه. وَهُوَ صَاحِبُ الامتيازِ في الدُّخولِ وَدَعوةِ خِرافِهِ وإخراجِهم. فَقد تَمَّمَ كُلَّ النُّبوءاتِ المَسيحانِيَّة. وَقد أَظهَرَ مِن خِلالِ كَلامِهِ وأفعالِهِ أنَّهُ المَسِيَّا ابنُ الله.
وفي كُلِّ إنجيلِ يوحَنَّا، نَرى الرُّوحَ القُدُسَ يَشهَدُ لَهُ. ففي بِدايةِ إنجيلِ يوحنَّا، يَشهَدُ لَهُ تَلاميذُهُ الأوائلُ، ويوحنَّا المَعمدانُ، ويَشهَدُ لَهُ كَلامُهُ، وتَشهَدُ لَهُ أعمالُهُ، وَحَتَّى إنَّ الشَّياطينَ شَهِدَت لَهُ. فقد تَمَّمَ يَسوعُ كُلَّ وَعْدٍ مَسيحانِيّ. فَهُوَ الرَّاعي الحَقيقيّ. وَهُوَ المُرسَلُ مِنَ الآبِ ليكونَ الرَّاعي الوَحيدَ الَّذي يَقودُ مُختاري بَني إسرائيلَ خَارِجَ حَظيرةِ اليَهوديَّةِ إلى مَراعي الخَلاصِ الخَضراءِ ومِياهِ الرَّاحَة.
وَمَن هُمُ السُّرَّاقُ واللُّصوصُ الَّذينَ يَقفِزونَ مِن فَوقِ السُّورِ ويَطلَعونَ مِن مَوضِعٍ آخَر؟ إنَّهُم أيُّ رُعاةٍ زَائِفين. وفي هذهِ الحَالَةِ، إنَّهُم الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ الَّذينَ عَيَّنُوا أنفسَهُم بأنفسِهم. وَهُمُ الرُّعاةُ الَّذينَ يُمَجِّدونَ أنفسَهُم بأنفسِهم ولكنَّهُم يُريدونَ أن يَنهَبوا الخِرافَ ويَذبَحوها. إنَّهُمُ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ المُرائينَ الَّذينَ يَصنَعونَ أولادًا لِجَهَنَّمَ ضِعْفَ مَا هُمْ عَليهِ مِنَ المُتَهوِّدينَ؛ أيْ مِن ضَحاياهُم لأنَّهُم يَنهَبونَهُم ويَذبَحونَهُم بِعقيدتِهم الزَّائفة. فالرُّعاةُ الزَّائِفونَ مَوجودونَ في كُلِّ مَكان. إنَّهُم مَوجودونَ في كُلِّ مَكانٍ في كُلِّ الأوقاتِ؛ ليسَ فقط في ذلكَ الزَّمانِ أو في زَمَنِ حِزْقيال، بَل في كُلِّ التَّاريخِ البَشريِّ مُنذُ سُقوطِ الإنسان.
وَحَتَّى إنَّهُ سَيأتي رَاعٍ زَائفٌ فَريدٌ مِن نَوعِهِ بِحَسَبِ النُّبوءةِ المَذكورةِ في سِفْرِ زَكريَّا 11: 15 إذْ نَقرأُ: "فَقَالَ لِي الرَّبُّ: «خُذْ لِنَفْسِكَ بَعْدُ أَدَوَاتِ رَاعٍ أَحْمَقَ، لأَنِّي هأَنَذَا مُقِيمٌ رَاعِيًا فِي الأَرْضِ لاَ يَفْتَقِدُ الْمُنْقَطِعِينَ، وَلاَ يَطْلُبُ الْمُنْسَاقَ، وَلاَ يَجْبُرُ الْمُنْكَسِرَ، وَلاَ يُرَبِّي الْقَائِمَ. وَلكِنْ يَأْكُلُ لَحْمَ السِّمَانِ وَيَنْزِعُ أَظْلاَفَهَا». وَيْلٌ لِلرَّاعِي الْبَاطِلِ التَّارِكِ الْغَنَمِ! اَلسَّيْفُ عَلَى ذِرَاعِهِ وَعَلَى عَيْنِهِ الْيُمْنَى. ذِرَاعُهُ تَيْبَسُ يَبْسًا، وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى تَكِلُّ كُلُولاً!". وَهَل تَعلَمونَ مَن هُوَ ذلكَ الرَّاعي؟ إنَّهُ ضدُّ المَسيح. فَهُوَ الرَّاعي الباطِلُ الأخير.
لِذا فإنَّ يَسوعَ مُختلِفٌ كُلَّ الاختلافِ عَنِ الرُّعاةِ الزَّائِفينَ في المَاضي، وعَنِ الرُّعاةِ الزَّائِفينَ في المُستقبلِ، وعنِ الرَّاعي الزَّائفِ الأخيرِ لأنَّ يَسوعَ هُوَ الرَّاعي الحَقيقيُّ الصَّالِحُ الَّذي لا يَسلُبُ الحَياةَ؛ بَل يُعطيها. وَنَحنُ نَراهُ يَقِفُ هُناكَ ويَنظُرُ إلى هؤلاءِ الرُّعاةِ الزَّائِفينَ في ذلكَ اليوم. وكانَ المُتَسَوِّلُ الَّذي كانَ قَبلاً أعمَى واقِفًا هُناكَ. وكانَ التَّلاميذُ هُناكَ. وكانَ هُناكَ أُناسٌ آخرونَ أيضًا. فَقد جاءَ يَسوعُ كَيْ يُخرِجَ خَاصَّتَهُ [الَّذينَ يَعرِفُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُم باسمِهِ] مِنَ اليَهوديَّةِ إلى المَراعي الخَضراءِ للعَهدِ الجَديدِ، وكَي يُسْبِغَ عليهم البَركةَ الَّتي يُقدِّمُها اللهُ مِن خِلالِ الخَلاص. فَهُوَ يَقِفُ هُناكَ على النَّقيضِ تَمامًا مِنَ الرُّعاةِ الزَّائِفين. لِذا، نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "لِهذَا يَفْتَحُ الْبَوَّابُ" لأنَّهُ صَاحِبُ السُّلطانِ والحَقّ. فَهُوَ يَفتَحُ البابَ للرَّاعي الحَقيقيِّ كي يَأتي ويُخرِجَ خِرافَهُ: "...وَالْخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا".
إنَّها صُورةٌ جَميلَة! فالخِرافُ تَعرِفُ صَوتَ سَيِّدِها كَما يَعرِفُ الكَلبُ الأليفُ صَوتَ صَاحِبِه. وبالمُناسبة، كانَ الرُّعاةُ الصَّالِحونَ يُطلِقونَ أسماءً على خِرافِهم. وهذا أمرٌ ليسَ عَصِيًّا على الفَهم. فَنحنُ نُطلِقُ أسماءً على الحَيَوانات. فأنتَ لا تُحضِرُ كَلبًا أليفًا دُونَ أن تُطلِقَ عليهِ اسْمًا. وَحَتَّى إنَّكَ لا تُحضرُ سَمَكَةً دُونَ أن تُطلِقَ عليها اسمًا. وَقد كانتِ الخِرافُ تَعرِفُ صَوتَ رَاعيها لأنَّها تَسمَعُهُ طُولَ الوقت. لِذا فقد صَارَ مَألوفًا لَها. ورُبَّما كانَ الرَّاعي يُسَمِّي خَروفًا "جيمبي" (Gimpy) ويُسَمِّي خَروفًا آخرَ "بلاكي" (Blacky)، أو يَختارُ أيَّةَ أسماءٍ أخرى كَما يَحلو لَهُ أن يُسَمِّيها. ولكنَّ الرَّاعي كانَ يَعرفُ خِرافَهُ لأنَّهُ كانَ يَتَفَقَّدُها كُلَّ يَومٍ ويَصرِفُ كُلَّ أيَّامِ العَملِ مَعَها. وكانَ يَعرِفُ كُلَّ عَلامَةٍ في كُلِّ خَروفٍ مِنها. فَقد كانَ يَعرِفُ كُلَّ خَروفٍ مِن فَوق إلى أسفل، ومِنَ الأمامِ والخَلف.
وكما هِيَ حَالُ ذلكَ الرَّاعي في إسرائيلَ، فَإنَّ الرَّاعِيَ العَظيمَ يَعرِفُ خِرافَهُ أيضًا. فَهُوَ يَعرِفُها بأسمائِها لأنَّ أسماءَها كُتِبَتْ في سِفْرِ حَياةِ الخَروفِ مُنذُ تَأسيسِ العَالَم. فَهُوَ يَعرِفُ مَن تَكون. والصُّورةُ هُنا مُدهشةٌ حَقًّا. فالرَّاعي الحَقيقيُّ جاءَ لكي يَدعو الشَّعبَ اليَهوديَّ إلى الخُروجِ مِنَ اليَهوديَّةِ، ولكي يَدعو الأُمَمَ إلى الخُروجِ مِن حَظيرةِ الدِّياناتِ الزَّائفةِ والدَّينونةِ في كُلِّ العالَم. فَهُوَ يَعرِفُ مَن هِيَ. وَهُوَ يَدعوها بأسمائِها. وَهيَ تَعرفُ صَوتَهُ. وَهُوَ يُخرِجُها خَارِجًا.
عندَ التَّأمُّلِ قَليلاً في مَادَّةِ هذا السِّفْرِ عنِ الأمثالِ نُلاحظُ أنَّ الإصحاحَ الأوَّلَ جَدَلِيٌّ لأنَّهُ يَعتَرِضُ على التَّيَّارِ السَّائِدِ اليَوم. فالوُعَّاظُ يَقولونَ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَكونَ حَكَواتِيِّينَ، وإنَّهُ يَنبغي لنا أن نَتوقَّفَ عَن تَعليمِ العَقيدةِ، وَأن نَتوقَّفَ عَن تَعليمِ اللاَّهُوتِ، وَأن نَتوقَّفَ عَنِ الحَديثِ عنِ الأمورِ العَويصةِ والعَميقة. فقد كانَ يَسوعُ حَكَواتِيًّا. فَهُوَ الَّذي سَرَدَ تِلكَ القِصَصَ البَسيطة. لِذا فَقد صَارَ هَؤلاءِ يُعَادونَ اللاَّهُوتَ ويَلجَأونَ إلى سَرْدِ القِصَص. ولكنَّ هذا السِّفْرَ لَهُ عُنوانٌ فَرعِيٌّ. والعُنوانُ الفَرعِيُّ هُوَ: "لاهوتُ يَسوعَ عنِ الخَلاصِ في شَكلِ قِصَص". فالقِصَصُ الَّتي سَرَدَها يَسوعُ عَميقةٌ جدًّا حتَّى إنَّهُ يَعسُرُ استيعابُها تَقريبًا. ويُمكِنُكم أن تَشعُروا بذلكَ في هذهِ القِصَّة. أليسَ كذلك؟ فالقِصَّةُ تَبتدِئُ بِدايةً سَهلةً جدًّا. ولكِنْ كُلَّما أطلتُم التَّفكيرَ فيها، والتَّعَمُّقَ فيها، زَادَ عُمْقُها اللاَّهُوتِيُّ.
إنَّ الرَّاعي يَعرِفُ دَائِمًا خِرافَهُ. وَهِيَ تَعرِفُهُ دائِمًا. وَهُوَ يَدعوها بأسمائِها. والخِرافُ تَتبَعُهُ لأنَّها تَعرِفُ صَوتَهُ. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الخامِس: "وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاء". والآن، سوفَ تَتَعَمَّقونَ الآنَ جدًّا في اللاَّهوت. فَنحنُ نَجِدُ لاهوتًا عَميقًا جدًّا هُنا. فنحنُ نَقرأُ عنِ السِّيادةِ الإلهيَّة، وعنِ النِّعمةِ الَّتي لا تُقاوَم، وعنِ الدَّعوةِ الفَعَّالة. فهذهِ كُلُّها مَواضيعٌ لاهُوتيَّة. وما الَّذي يَقولُهُ رَبُّنا هُنا؟ إنَّهُ يُقَدِّمُ لَنا لاهُوتَ الخَلاص. وإليكُم خُلاصَةُ هذا اللاَّهُوت: لقدِ اختارَ الرَّاعي الصَّالِحُ خِرافَهُ. وَقَد أَطلَقَ عَليهم أسماءً. وَهُوَ يَعرِفُ مَن هِيَ. وَهُوَ يَملِكُ سُلطانًا كَامِلاً وسُلطانًا مُنفرِدًا يُتيحُ لَهُ أن يَأتي إلى اليَهوديَّةِ وإلى أُمَمِ العالَمِ وبِلادِ العالَمِ مِن أجلِ العُثورِ على خِرافِه. وَهُوَ يَعرِفُها. وَهُوَ يَدعوها بأسمائِها. وَهِيَ تَعرِفُ صَوتَهُ وتَتبَعُهُ. ثُمَّ استَمِعوا إلى هذا: إنَّها لا تَتبَعُ شَخصًا غَريبًا. فهي لا تَفعلُ ذلك.
وأريدُ أن أقولَ لأصدقائي المُرْسَلين: يَنبغي أن يُشَجِّعَ هذا الكَلامُ قُلوبَكُم. فأنتُم لن تَفقِدوا أيًّا مِن خِرافِ اللهِ بِسببِ المُعَلِّمينَ الزَّائِفينَ الَّذينَ تَخوضونَ حَربًا مَعَهُم. فَالخِرافُ لَن تَتبَعَ هَؤلاء، بَل هِيَ تَعرِفُ صَوتَ رَاعيها. وهذهِ هيَ مُعجِزةُ التَّجديد. وما هُوَ عُمْقُ هذا اللاَّهوت؟ إنَّهُ أعمقُ مِمَّا يُمكِنُني التَّحدُّثُ عنهُ في عِظةٍ كهذه؛ ما لَم تَرغَبوا في البَقاءِ هُنا حتَّى السَّاعةِ السَّادِسَةِ مَساءً! فالنَّاسُ يَقولون: "أتَدري أنَّ يَسوعَ سَرَدَ قِصَصًا بَسيطة. وَهُوَ يُخاطِبُ هُنا هؤلاءِ الأشخاصِ غَيرِ المُؤمِنينَ، ويُخاطِبُ هؤلاءِ التَّلاميذِ الَّذينَ لا يَتعلَّمونَ بسهولةٍ لأنَّهم على ما يَبدو لم يَكونوا يَفهَمونَ مَا يَجري. لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نُعَقِّدَ الأمورَ على النَّاسِ، بَل يَنبغي لنا أن نُبقي الأمرَ بَسيطًا جدًّا".
لا أَظُنُّ ذلك. فهذا النَّصُّ عَميقٌ جدًّا. وهذا يُتَمِّمُ وَعدَ العهدِ القديمِ بأنَّ اللهَ سيَجمَعُ قَطيعًا مِنَ العالَمِ ويَأتي بهذا القَطيعِ إلى مَجدِ المَلكوت. وَهُوَ مَلكوتٌ سيَحصلونَ فيهِ على البَرَكةِ تِلوَ البَرَكَةِ تِلوَ البَرَكَة. وَهذا سَيَؤولُ إلى حَالةٍ أبديَّةٍ مِنَ البَرَكَة.
لِذا فإنَّهُ يَأتي ويَدعوها بأسمائِها. وَهِيَ تَعرِفُ صَوتَهُ وتَتبَعُهُ. وَهُوَ يُخرِجُها خَارِجًا. ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ مَا يَلي في العَددِ الرَّابع: "وَمَتَى أَخْرَجَ خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ..." – والكلمةُ اليُونانيَّةُ المُستخدمةُ هُنا هِيَ "إيكبالو" (ekballo). فلا بُدَّ أن يُخرِجَها خَارِجًا. لا بُدَّ أن يَفعلَ ذلك. والأمرُ يَتَطَلَّبُ جُهدًا لإخراجِها مِنَ الحَظيرَة. ونحنُ نَفهَمُ ذلك. ويُمكنُنا أن نَتحدَّثَ عَن ذلك. فَمِنَ الصَّعبِ أن يُؤمِنَ النَّاسُ، وَمِنَ الصَّعبِ أن يَتوبوا. فالطَّبيعةُ البَشريَّةُ تُقاوِمُ ذلك. فهي مَعركةٌ لأجلِ النُّفوس. أليسَ كذلك؟ ولكنَّهُ يَدعوها بأسمائِها. وَهِيَ تَسمَعُ؛ ولكِنْ ليسَ مِن دُونِ صِراع، وليسَ مِن دُونِ ألَم. لِذا، لا بُدَّ أن يُخرِجَها مِن نِطاقِ رَاحَتِها الدُّنيويَّةِ، وَمِنَ الفِخاخِ الدِّينيَّة.
ولكِنْ بعدَ أن يُخرِجَها خَارِجًا فإنَّهُ يَسيرُ أمامَها. والخِرافُ تَفعلُ ماذا؟ تَتبَعُهُ. فَهِيَ تَتبَعُهُ. "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي" [إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ الثَّامن]. فَهُوَ ليسَ بِحاجةٍ إلى الاستمرارِ في دَفْعِنا إلى السَّيْر، بَلْ بِمُجَرِّدِ أنْ يُخرِجَنا خَارِجًا مِن خلالِ مُعجزةِ التَّجديدِ، وبِمُجَرَّدِ أنْ يَجعَلَنا خَاصَّتَهُ، وبِمُجَرَّدِ أنْ نُمَيِّزَ صَوتَهُ، وبِمُجَرَّدِ أن نَبتدِئَ بِمُشاركتِهِ حَياتَهُ، وبِمُجَرَّدِ أن نَتحرَّرَ مِن عُبوديَّةِ حَظيرةِ العالَمِ فإنَّنا نَتْبَعُهُ طَوْعًا. وَحينئذٍ، لَن نَتبَعَ غَريبًا.
وأرجو أن تُلاحِظُوا أنَّ الرَّاعي يَقود. فهو يَتقدَّمُ الخِرافَ لِيُمَهِّدَ لَها الطَّريقَ، ويُزيلَ الأخطارَ، ويَجِدَ الماءَ والمَرعَى ويُوفِّرَ لها الطَّعام. وهذهِ طُمأنينةٌ، وحِمايةٌ، ورِعاية. وكُلُّ شَيءٍ يَرْمِي إلى تَقديسِنا فيما يَقودُنا إلى المَجدِ الأبديِّ والبَرَكة. ويا لَهُ مِن أمرٍ رَائعٍ أن نَعلمَ كُلَّ هذا. أَلاَ تَندهشونَ حَقًّا حينَ تَعلمونَ أنَّ يَسوعَ يُقدِّمُ هذا اللاَّهوتَ المُدهشَ والعَميقَ لأُناسٍ لا يَستوعِبونَ ذلكَ وَلا يَفهمونَهُ [كَما يَقولُ العَددُ السَّادسُ]، وإلى التَّلاميذِ الَّذينَ كانوا حَديثِي العَهْدِ بهذهِ المَفاهيم؟ ولكنَّ هذهِ الحَقائقَ هيَ أمورٌ يَنبغي لنا جَميعًا أن نَعرفَها. فَهُوَ يُحَرِّرُها مِنَ العُبوديَّة. وَهُوَ يَقودُها إلى المَراعي الخَضراءِ والمِياهِ العَذبَة.
أَذكُرُ عندما كُنتُ صَبِيًّا صَغيرًا أنَّ أبي كانَ يُحِبُّ تَرنيمةً مُعَيَّنةً ويُرَدِّدُها دائمًا. لِذا فقد كُنَّا نُرَنِّمُها كَثيرًا في الكنيسة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَها. فَهِيَ تَقول: "الرَّبُّ يَقودُني. يا لَها مِن فِكرةٍ مُبارَكَة! ويا لَها مِن كَلِماتِ سَماويَّةٍ مُفعَمَةٍ بالتَّعزية. فَأينَما كُنتُ، ومَهما فَعلتُ، فإنَّ يَدَهُ تَقودُني". وهذهِ هيَ الحَقيقة. فالرَّاعي العَظيمُ يُلاحِظُ الأخطارَ، ويُمِهِّدُ الطَّريقَ، ويَجِدُ المَرعَى، ويَجِدُ المَاءَ فيما يَقودُنا. فهذا هُوَ الخَلاصُ بِكُلِّ بَهائِهِ وَغِناه. إنَّهُ خَلاصٌ إلَهِيٌّ. وَنَحنُ نَتبَعُهُ.
وهُناكَ مُلاحظةٌ أخرى [أو مُلاحَظتانِ] على العَددِ الخامِس: "وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاء". إنَّها نَتيجةٌ بَسيطَة. فالنَّاسُ المُوالُونَ للمُعَلِّمينَ الكَذبَة لا يَعرفونَ الرَّاعي الحَقيقيّ. ولكِنْ ما أنْ نَصيرَ خَارِجًا، أيْ مَا أن يُخرِجَنا مِنْ حَظيرةِ الخَطيَّةِ والمَوتِ والدَّينونةِ حَتَّى نَتبَعَهُ. فَنحنُ نَتبَعُهُ. وحينئذٍ، لا نَعودُ نَستَمِعُ إلى الغَريب، بَل إنَّنا نَتبَعُهُ بأمانَة. وَهذا لا يَعني بالضَّرورةِ أنَّنا نَتبَعُهُ مِئة بالمِئَة؛ ولكنَّنا لن نَستَمِعَ إلى أيِّ صَوتٍ آخر. وبالمُناسَبة، نُلاحِظُ في العَددِ الخامِسِ أنَّ هُناكَ نَفْيًا مُزدَوَجًا ("أُوْ ميه" "ou me"). "وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ". ونَقرأُ في إنجيلِ مَتَّى 24: 24: "لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا". ولكِنْ هَلْ هذا مُمكِنٌ؟ كَلاَّ. فهذا هُوَ سَببُ النَّفيِ هُنا. فَهذا غَيرُ مُمكِن.
لِذا، تَشَجّع يا صَديقي المُرسَل! تَشَجَّع! فالأشخاصُ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى اللهِ، والأشخاصُ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى الرَّاعي الحَقيقيِّ يَسمَعونَ صَوتَهُ ويَتبَعونَهُ. فَهُم لَن يَسمَعُوا صَوتَ غَريبٍ. ولا يُوجدُ شَيءٌ يُمكِنُ أن يَقطعَ العَلاقةَ بينَ أيِّ خَروفٍ حَقيقيٍّ والرَّاعي. "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ... [بِحسبِ إنجيل يُوحَنَّا والإصحاحِ السَّادسِ] ...فَإِلَيَّ [مَاذا؟] يُقْبِل". "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". ولا شَكَ في أنَّ السُّرَّاقَ واللُّصوصَ لم يَفهَموا هَذا. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّادس: "هذَا الْمَثَلُ قَالَهُ لَهُمْ يَسُوعُ، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُمْ بِهِ".
ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يُضيفُ صُورةً مَجازيَّةً أخرى. وهذهِ واحدةٌ مِنَ المَرَّاتِ الَّتي يَقولُ فيها يَسوعُ "أنا هُوَ" في إنجيلِ يُوحَنَّا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى". وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا الصُّورةَ هُنا. فهذهِ استِعارةٌ أخرى. فَهُوَ ليسَ فَقَط الرَّاعي الَّذي يَدخُلُ لِيَأخُذَ خِرافَهُ، بَل إنَّهُ أيضًا البَاب. فَهُوَ المَخْرَجُ الوَحيد. فالأمرُ لا يَختصُّ بالدُّخولِ فقط، بَل بالخُروجِ أيضًا. أمَّا فِكرةُ الدُّخولِ والخُروجِ فإنَّها تَعني التَّحرُّكُ بحُريَّةٍ عندما يَقودُكُم للخُروجِ مِن تِلكَ الحَظيرَة. وَهذا لا يَحدُثُ إلاَّ مِن خِلالِه. فَهُوَ الوَحيدُ الباب. وَهُوَ يُكَرِّرُ ذلكَ في العَددِ التَّاسع. فَهُوَ يَقودُكُم خَارِجًا حيثُ تَتحرَّرونَ مِنَ العُبوديَّة.
"إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ [حَرفِيًّا؛ أيْ مِن خِلالي] فَيَخْلُصُ". ضَعُوا عَلامةً عِندَ تِلكَ الكلمة، أو ضَعُوا خَطًّا تَحتَها، أوِ ارسُمُوا دَائرةً حَولَها. فهذهِ هِيَ أوَّلُ مَرَّةٍ تَنتقِلونَ فيها مِنَ الصُّورةِ المَجازيَّةِ، أوْ مِنَ الاستِعارةِ إلى الوَاقِع، أوْ إلى العِبارةِ اللاَّهُوتيَّةِ الَّتي تُعَبِّرُ عَنِ الحَقيقة. فالصُّورةُ هُنَا هِيَ عَن مَاذا؟ إنَّها عَنِ الخَلاص. إنَّها عَنِ الخَلاص. فهذا هُوَ الرَّاعي المُخَلِّص. "إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ". وَحينئذٍ فإنَّهُ سيَتحرَّرُ ويَصيرُ بمقدورِهِ أن "يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى".
ويُمكِنُنا القَولُ إنَّ هذهِ هِيَ الحُريَّة الَّتي نَتمتَّعُ بها. فقد خَرَجْنا مِنْ تِلكَ الحَظيرةِ وصِرنا الآنَ أحرارًا بطريقةٍ جَميلةٍ جدًّا. وَمِنَ الرَّائعِ حَقًّا أن تُفَكِّروا في ذلك. فيُمكِنُنا أن نَجُوبَ العَالَم. ويُمكِنُنا أن نَذهبَ إلى أيِّ مَكان. ويُمكِنُنا أن نَتمتَّعَ بنِعمةِ اللهِ الَّتي يُسْبِغُها على كُلِّ العالَم. فَنَحْنُ نَمْلِكُ الحَقَّ في التَّمَتُّعِ بِكُلِّ ذلك. ولا مُبَرِّرَ لِخَوفِنا. أليسَ كذلك؟ فَما الَّذي يُمكِنُ أن يَفصِلَنا عَن مَحبَّةِ اللهِ في المَسيح؟ هَل يُمكِنُ لأيِّ شَيءٍ أن يَفصِلَنا [بِحَسَب رُومية 8]؟ لا يُمكِنُ لأيِّ شَيءٍ أن يَفصِلَنا. لِذا فإنَّنا نَدخُلُ ونَخرُجُ بِحُريَّةٍ كَامِلَة. فَهُناكَ حُرِّيَّة. وَلا يُوجَدُ عَدُوٌّ يَستطيعُ أن يُهْلِكَنا. لِذا، ليسَ هُناكَ شَيءٌ يُخيفُنا. فَنَحنُ في مَأمَن. ويُمكِنُنا أن نَجُولَ كَما نَشاء عَالِمينَ أنَّهُ لا يُوجَدُ خَطَرٌ يُحَوِّمُ فَوقَ رُؤوسِنا.
رُومية 8. إنَّهُ نَصٌّ يَنبغي لَنا أن نَقرأَهُ كَثيرًا لأنَّهُ يَرْمي [مِن خِلالِ استِخدامِ أسلوبِ المُبالَغَةِ] إلى إظهارِ الحِمايةِ الَّتي يَتَمَتَّعُ بها كُلُّ مُؤمِن. فَما الشَّيءُ الَّذي يَستطيعُ أن يَفصِلَنا عَن مَحَبَّةِ رَاعينا؟ "أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟" كَلاَّ! "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا". وَنَحنُ مُلتَصِقونَ بِراعينا التِصاقًا يَضْمَنُ أنَّنا سنَمضي إلى المَلكوتِ حيثُ نَبقى هُناكَ إلى الأبد.
لِذا فإنَّ الرَّبَّ هُوَ الرَّاعي. والرَّاعي هُوَ الباب. واللهُ يَقوتُنا ويَرعانا بواسطةِ المَراعي الخَضراءِ طَوالَ حَياتِنا الرُّوحيَّة. فَقَد حَصَلنا على كُلِّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ [الرُّوحيَّةِ] وَالتَّقْوَى. أليسَ كذلك؟ كُلِّ الأشياء. فَقد حَصلنا على رِعايةٍ كاملةٍ وقُوتٍ كَامِل. ولكِنْ مَا هُوَ طَعامُنا؟ مَا هُوَ ذلكَ المَرعَى؟ إنَّها الكَلِمَة. أليسَ كذلك؟ إنَّها الكَلِمَة. "وُجِدَ كَلاَمُكَ..." [كما يَقولُ إرْميا] "...فَأَكَلْتُهُ". فَنحنُ نَسمَعُ صَوتَهُ. ونَحنُ نَعرِفُ صَوتَهُ. ومِن أينَ يَأتينا صَوتُهُ؟ مِن هُنا. مِنَ الكَلِمَة. فالرُّوحُ يُعطي حَياةً للكَلِمَة. ونَحنُ نَتبَعُ الكتابَ المُقدَّسَ، ونُحِبُّ الكَلِمَة، ونَقولُ مَعَ دَاوُد: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" فَهِيَ مَصدَرُ فَرَحِنا!
والتَّبايُنُ يَنتهي في العَددِ العاشِرِ. وَهُوَ تَبايُنٌ صَارِخ! فالرُّعاةُ الزَّائِفونَ يَأتونَ كَي يَسرِقُوا ويَذبَحُوا ويُهلِكُوا. وأعتقدُ أنَّنا جَميعًا، وأنا أيضًا بِكُلِّ تَأكيدٍ، قَدْ نِلْنا نَصيبَنا مِنَ الذَّمِّ بِسَببِ فَضْحِنا للعَقيدةِ الباطِلَة. ولكنِّي لا أستطيعُ أن أكونَ رَاعِيًا أمينًا أمامَ رَاعِيَّ أنا شَخصيًّا ما لم أفعل ما يَنبغي لِحمايةِ الخِراف. فَإنْ قُلتُ شَيئًا عَن أمرٍ مَا فإنَّهُ يَظهَرُ عَادةً في أحدِ العَناوينِ الرَّئيسيَّةِ بِطريقةٍ مُشَوَّهَةٍ تُثيرُ الغَضَبَ والعَداوَة. ولكنَّ الأمرَ لا يَعني البَتَّةَ أنَّني غَاضِبٌ، بَل إنَّني أُحاولُ وَحَسْب أنْ أُمارِسَ مَسؤوليَّتي وَأُظهِرَ تَعاطُفي تُجاهَ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ وَقَعُوا ضَحِيَّةَ رُعاةٍ زَائِفينَ لا يَسْعَوْنَ إلاَّ إلى تَجريدِهم مِن كُلِّ شَيءٍ يَملِكونَهُ قَبلَ أن يَلتَهِموهُم.
فالسَّارِقُ لا يَأتي إلاَّ لِيُهلِكَ الخِراف. وهُناكَ قِصَصٌ مُدهِشَةٌ على ذلك. فإذا جاءَ لِصٌّ في اللَّيلِ وقَفَزَ مِن فَوقِ السِّياجِ فإنَّهُ سيُلاقي صُعوبةً بالِغةً في إخراجِ الخِرافِ مِنَ الحَظيرةِ طَوعًا لأنَّ الخِرافَ لا تَعرِفُ صَوتَهُ. لِذا، غالبًا ما يَذبَحُ اللُّصوصُ الخِرافَ في الحَظيرةِ قَبلَ أن يَطرَحوها مِن فَوقِ السِّياج. وَقد كانُوا يَعلَمونَ ذلك. فَقد كانُوا يَعلَمونَ نَوعَ العَملِ الَّذي يَعمَلُهُ اللُّصوص. فَقد كانُوا يَأخُذونَ الصُّوفَ ويَأكُلونَ الخَروف. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ ["بيريوسوس" – "periossos"] أَفْضَلُ".
مَا هُوَ الخَلاصُ إذًا؟ لِتَلخيصِ الإجابة: لَقد جَاءَ المَسِيَّا، أو جَاءَ المُخَلِّصُ إلى حَظيرةِ اليَهوديَّةِ وحَظيرةِ العالَمِ الأُمَمِيّ. وَخِرافُهُ تَعرِفُهُ لأنَّ الآبَ عَرَفَهُم، وأعطاهُم اسمًا، وكَتَبَ أسماءَهُم مُنذُ تَأسيسِ العالَم. فَهُوَ يَعرِفُ مَن هُم. وَهُوَ يَدخُلُ مِنَ البابِ لأنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ سُلطانٍ وحَقٍّ في القِيامِ بذلك. وَهُوَ يَختارُ مِنَ العالَمِ وَمِنَ اليَهوديَّةِ خَاصَّتَهُ ويَدعوهُم بأسمائِهم. وهذه هِيَ النِّعمَةُ الَّتي لا تُقاوَم. وهَذِهِ هِيَ الدَّعوةُ الفَعَّالة. وهذهِ هِيَ الدَّعوةُ إلى الحَياة. وَهذهِ هِيَ الوِلادةُ الجَديدة. "وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ".
وَهِيَ تَتبَعُهُ لأنَّ هذا العَملَ هُوَ عَمَلٌ خَارِقٌ للطَّبيعةِ يَقومُ بِهِ اللهُ إذْ إنَّهُ يُخَلِّصُها مِنَ الخَطيَّةِ والمَوتِ والظُّلمةِ والعَمَى. لِذا فإنَّها تَتْبَعُهُ. فَالخِرافُ تَعرِفُ صَوتَهُ وَتَتبَعُهُ. وَهِيَ تَدخُلُ مِن خِلالِهِ لأنَّهُ الوَحيدُ البَاب. وَهِيَ تَخرُجُ وَتَجُوبُ العَالَمَ وتَتَمَتَّعُ بِكُلِّ الغِنَى والحِمايةِ الَّتي يُوَفِّرُها رَاعيها لَها. هذا هُوَ الخَلاص. وذَاتَ يَومٍ، سَوفَ نَتَمَتَّعُ بهذا على المُستوى المَذكورِ في الإصحاحِ الرَّابعِ والثَّلاثين مِن سِفْرِ حِزْقيال في المَلكوتِ الألفِيِّ عندما يَتِمُّ تَجديدُ الأرضِ ورَدُّها تَمامًا. وبعدَ ذلكَ تأتي الحَالةُ الأبديَّة. ولكِنْ ويا للأسف، فإنَّ الرُّعاةَ الزَّائِفينَ والمُعَلِّمينَ الزَّائِفينَ يُهلِكونَ النَّاس. وبُطرسُ يَقولُ إنَّ كَثيرينَ يَتبَعونَ تَهْلُكَاتِهِم.
وأريدُ أن أختِمَ وَحَسْب بالنَّظرِ إلى شَيءٍ كَتَبَهُ بُطرسُ في رِسالتِهِ الأولى والإصحاحِ الخامِس. ويُمكنكُم أن تَنظُروا إلى رِسالةِ بُطرسَ الأولى والإصحاحِ الخامسِ قَليلاً. ولكي نُبقي الأمورَ في نِصابِها الصَّحيح، فإنَّ هذا الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلَيَّ وإلى جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَخدِمونَ الرَّبَّ بِصِفَتِهم مُرسَلينَ ورُعاةً وَقادَة: "أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ، وَشَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ". والمُتَكَلِّمُ هُنا هُوَ بُطرُس. وَهُوَ يَقولُ مَا يَلي: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ". يا لَهُ مِن وَصفٍ رَائِع: "رَعِيَّةَ الله"! وَيا لَها مِن مَسؤوليَّةٍ عَظيمةٍ في أنْ نَرعَى رَعِيَّةَ الله! فهذا هُوَ ما نَفعَلُهُ جَميعًا. فَهؤلاءِ الأشخاصُ الَّذينَ يَتحدَّثُ عَنهُم هُمْ لَهُ. فَهُوَ الَّذي دَعاهُم. وَقد جَاءُوا. فَقد سَمِعُوا صَوتَهُ وتَبِعوه. وَهُم سَوفَ يَتبعونَهُ إلى أنْ يَدخُلوا المَجدَ الأبديّ.
"ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ"؛ أيْ لا لأنَّكُم مُضطَرُّونَ "بَلْ بِالاخْتِيَارِ"؛ أيْ لأجلِ ذلكَ الامتيازِ بِحَسَبِ مَشيئةِ الله. "وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ"؛ أيْ لا لأجلِ المَالِ، "بَلْ بِنَشَاطٍ. وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّة". يا لِرَوعةِ ذلك! إذًا، يجبُ علينا أن نَتَشَبَّهَ بالمَسيحِ في عَلاقَتِنا بالرَّعيَّة. فَنَحنُ نَرعَى حَرفِيًّا رَعيَّةَ اللهِ بِصِفَتِنا رُعاةً ثَانَوِيِّينَ نَعْمَلُ تَحتَ إمْرَةِ المَسيحِ الَّذي هُوَ رَئيسُ الرُّعاة. ثُمَّ إنَّ العَددَ الرَّابعَ يَقول: "وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى". وأعتقدُ أنَّهُ عندما نَذهبُ إلى السَّماءِ فإنَّنا سنَعرِفُ الرَّبَّ يَسوعَ بِصِفَتِهِ رَئيسَ الرُّعاةِ، وَأنَّهُ سيَكونُ قَد هَيَّأَ لِجَميعِ الرُّعاةِ الثَّانَويِّينَ الأُمَناءَ مِلْءَ البَرَكَةِ مِن خلالِ إكليلِ المَجدِ الَّذي لا يَبْلَى.
لِذا، تَشَجَّعُوا أيُّها المُرسَلونَ الأُمَناء. فالرَّبُّ يَعرِفُ خِرافَهُ. وَهُوَ الَّذي اختارَها، وأطلَقَ عَليها أسماءً. فالرَّاعي الوَحيدُ؛ أيِ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ، لَهُ كُلُّ السُّلطانِ في أنْ يَأتي إلى هذا العَالَمِ ويَدعو خِرافَهُ. فَهُوَ يَدعوها إلى الخُروجِ مِن هذا العالَم. وَهُوَ يَدعوها إليه. وَهُوَ يَدعوها بأسمائِها. وَهِيَ تَتبَعُهُ. وَهِيَ لَا تَتبَعُ أيَّ شَخصٍ آخر. وَهُوَ يُخرِجُها مِن حَظيرةِ العالَمِ إلى بَرَكاتِ الخَلاصِ في هذا الدَّهرِ، والدَّهرِ الآتي، والمَلكوتِ الأبديّ. وَهُوَ يَتَقَدَّمُها لكي يُوفِّرَ لَها كُلَّ ما تَحتاجُ إليه، ولكي يُوَفِّرَ لَها حِمايةً كامِلَة. كَما أنَّهُ هُوَ الَّذي دَعَاكُم إلى أن تَكونوا رُعاةً ثَانَوِيِّينَ تَعملونَ تَحتَ إمْرَتِهِ في هذهِ الخِدمةِ الرَّائعة.
يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ أعطيتَنا هذهِ الكلمةَ الغَنيَّة. ونَحنُ نَعلَمُ أنَّنا لم نَتَعَمَّق بعد في كُلِّ هذهِ المَواضيع؛ ولكنَّ مَا تَعَلَّمناهُ كانَ أكثرَ مِن كَافٍ لإثارةِ دَهْشَتِنا. فَما أروعَ كَلِمَتَكَ! وَما أَصْدَقَها! فَكُلُّ مَقطَعٍ فيها يُشِعُّ كَألماسَةٍ بَديعَةٍ؛ ولكِنْ في تَناسُقٍ جَميلٍ مَعَ كُلِّ مَقطعٍ آخر. وكُلَّما أَطَلْنا التَّحديقَ فيها أكثر، زَادَ لَمَعانُها وُضوحًا لأنَّها قُطِعَتْ بِيَدٍ إلهيَّة. لِذا، نَشكُرُكَ على هذا الحَقِّ، ونَشكُرُكَ لأنَّكَ تَدعونا خِرافَك.
كَما أنَّنا نَشكُرُكَ، يا رَبّ، لأنَّكَ قُلتَ إنَّ مَنْ يَأتي إليكَ فإنَّكَ لا تُخرِجُهُ خَارِجًا. وصَلاتُنا في هذا اليومِ هِيَ أنْ يَحْفِزَ رُوحُكَ القُدُّوسُ قُلوبَ الأشخاصِ الَّذينَ هُمْ لَكَ وَلَكِنَّكَ لم تَدْعُوهُم بَعد. نَرجوكَ أن تَدعوهُم في هذا اليَوم لِئَلاَّ يَعيشوا يَومًا آخرَ مِن دُونِ بَرَكاتِ وَفَوائدِ عِنايَتِكَ وحِمايَتِك. ونَرجوكَ أنْ تَدعو أشخاصًا مِن هذهِ الكنيسةِ في هذا اليوم، وأن تَدعو أشخاصًا مِن كُلِّ مَكانٍ حَولَ العالَمِ حيثُ يُنادَى بالحَقِّ إلى حَظيرَتِك ورَعِيَّتِك. حَرِّرهُم مِنَ الأسْرِ وَمِن عُبوديَّةِ العالَم. أَطْلِقْهُمْ أحرارًا كَيْ يَدخُلوا ويَخرُجوا ويَجِدوا بَرَكَةً. اعمَل عَمَلَكَ يا رَبّ! هذهِ هي صَلاتُنا.
ويا أبانا، نَسألُكَ أن تَفعلَ ما نَعجَزُ نَحنُ عَن فِعلِهِ بِكُلِّ تَأكيد، وَأنْ تُتَمِّمَ مَشيئَتَكَ في كُلِّ نَفس. نُصَلِّي هذا باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
