في هذا الصَّباح، أريد منكم أن تَفتحوا كِتابكم المقدَّسَ على إنجيل يوحنَّا والإصحاح التَّاسع... الإصحاح التَّاسع مِن إنجيل يوحنَّا. فنحنُ نتابعُ دراسَتَنا لسيرةِ حياةِ يسوعَ هذه الَّتي تُركِّز على لاهُوتِه: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". هذهِ هي الآيةُ الرَّئيسيَّة (في الإصحاح العشرين والعَددَيْن 30 و 31). إذًا، لقد كُتِبَتْ هذهِ الأمورُ لكي تُبرهِنَ على أنَّ يسوعَ هو اللهُ الَّذي جاءَ في جسدٍ بَشريٍّ، ولكي تُبرهِنَ على أنَّه المُخَلِّص، وعلى أنَّ الإيمانَ بهِ يُعطي خلاصًا أبديًّا. هذا هو القصدُ مِن إنجيل يوحنَّا. فهو ليسَ تاريخًا مَحْضًا، بَل هو رسالة إنجيليَّة تَرْمي إلى اقتيادِ النَّاسِ إلى الإيمانِ بالرَّبِّ يسوعَ المَسيحِ لأنَّه المُخلِّصُ الوحيد.
وفي أثناءِ حياتِهِ الَّتي نَراها مِن خلالِ عَدسةِ إنجيلِ يوحنَّا، يَستمرُّ يسوعُ في إظهارِ لاهوتِه. في الوقتِ نفسه، يَستمرُّ النَّاسُ في أُمَّتِه، أيْ بَني إسرائيل، في تَصعيدِ رَفضِهم له. وبوصولِنا إلى الإصحاح التَّاسع، هناك مَعلومةٌ صَغيرةٌ مُضافةٌ هُنا تُخبرُنا أنَّنا وَصَلنا إلى نُقطةِ تَحوُّل. ففي المَقطعِ الَّذي سنتأمَّلُ فيه، في العددِ الثَّاني تَحديدًا، ستَجدونَ إشارةً إلى تلاميذه. وهذهِ هي أوَّلُ مَرَّةٍ يُشارُ فيها إلى تَلاميذه في سِياقِ خِدمتِهِ في أورُشليم تَحديدًا لأنَّه ما زال يُركِّزُ على الجُموع. فهو ما زال يتفاعلُ معَ النَّاس، ويُظهِرُ شَخصيَّتَهُ، ويُعلِنُ مَن هو، ويكشِفُ عن هُويَّتِه مُدَعِّمًا ذلكَ بأمورٍ تَدُلُّ على قُدرتِهِ مِن خلال الآياتِ الَّتي كانَ يَصنعُها. فقد كانَ يُرَكِّزُ [إن جازَ القَول] على النَّاسِ والقَادَة.
ولكِنْ لم يَبْقَ هناكَ سِوى بِضعة أشهُر على موتِه. وكان الرَّفضُ الدَّائمُ للشَّعبِ قد صارَ واضحًا وظاهرًا جدًّا للعِيان. والآن، نَحنُ نَراهُ هنا يُحَوِّلُ انتباهَهُ (كما نَرى ذلكَ أيضًا في الأناجيلِ الأخرى) إلى تلاميذهِ في الأشهرِ الأخيرةِ مِن مُنطَلَقِ حَرصِهِ على الإجابةِ عن أسئِلَتِهم وتأهيلهِم لما يَنتظرُهم.
وهذا يَعني، مِن جِهَة، أنَّه تَخَطَّى تِلك النُّقطة وابتدأَ الآن في الابتعادِ عنِ الجُموع، وعن بَني إسرائيل، وعنِ القادةِ الَّذينَ عَقدوا النِّيَّةَ بشأنِه، وأنَّه ابتدأَ في التَّركيزِ على تلاميذه. وهذا لا يَعني أنَّ هذا المقطعَ تَحديدًا عَديمُ التَّأثيرِ أو أنَّهُ لا يَنبغي أن يَترُكَ تأثيرًا على النَّاسِ والقادةِ لأنَّهُ في الحقيقةِ تَرَكَ تأثيرًا. ولكنَّ هذا المقطعَ يُشيرُ إلى نُقطةِ تَركيزٍ جديدة.
اسمحوا لي أن أقرأَ الآياتِ الاثنتي عشرةَ الأولى مِن هذا الإصحاح. فالإصحاحُ كُلُّهُ (حتَّى نِهايَتِهِ) يَدورُ في الحقيقةِ حول مُعجزةِ شِفاءٍ واحدة – الإصحاحُ كُلُّه. كما أنَّ أغلبيَّةَ الإصحاحِ يَدورُ حولَ هذهِ المُعجزةِ ذاتِها. وهذا هو ما دَفعني إلى عَنْونَةِ هذهِ السِّلسلة: "عدمُ الإيمانِ يَتَحَرَّى مُعجزةً" لأنَّ هذا هو بالضَّبط ما سيحدُث. ولكن قبلَ ذلك، ينبغي أن نَبتدئَ بالمعجزةِ نفسِها الَّتي سَيَتَحَرَّوْنَها.
العَددُ الأوَّل: "وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟». أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ». قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلاً أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟» آخَرُونَ قَالُوا: «هذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ». وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ: «إِنِّي أَنَا هُوَ». فَقَالُوا لَهُ: «كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟» أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ: «إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ». فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ ذَاكَ؟» قَالَ: «لاَ أَعْلَمُ»".
لا شَكَّ في أنَّ الإعياءَ والمَرضَ والتَّشويهَ والموتَ هي أمورٌ شَائعةٌ جدًّا في الحياةِ وفي العالمِ مُنذُ سُقوط آدم! وهذا يعني بصورةٍ رئيسيَّةٍ أنَّها مُهيمنةٌ على كُلِّ التَّاريخِ البشريّ. فهي تَمَسُّنا جميعًا. ونحنُ جميعًا في طريقِنا إلى الموت. فنحنُ جميعًا أُصِبْنا وتأثَّرنا بالفسادِ الَّذي جاءَ بسببِ الخطيَّة. لِذا فإنَّنا نُعاني بسببِ الأسقامِ، ونُعاني بسببِ الأمراضِ، ونُعاني بسببِ التَّشوُّهات. فهذهِ كُلُّها جزءٌ مِن الحياة. وهي تُهيمِنُ حَرفيًّا على الحياةِ مُنذُ البداية؛ أيْ مُنذُ السُّقوطِ المُدوَّن في سِفْر التَّكوين والإصحاح الثَّالث. وإذا نَظرتُم إلى العهدِ القديمِ تَرَوْنَ أنَّ هذهِ التَّأثيراتِ النَّاجمةَ عنِ الفَسادِ والَّتي تَمَسُّ الجانبَ الجسديَّ مِنَ الحياةِ مُهيمنةٌ واعتياديَّة، وأنَّها دائمةٌ ولا تَتوقَّفُ حَتَّى إنَّنا إنْ تَصَفَّحْنا كُلَّ العهدِ القديمِ نَجِدُ أنَّ الشِّفاءَ كانَ نَادرًا جدًّا. فهو غيرُ موجودٍ تقريبًا.
فنحنُ نَقرأُ عن شِفاءِ نُعمانِ الأبرَص الَّذي كانَ إرهابِيًّا يُهاجِمُ اليَهود (في سِفْر المُلوكِ الأوَّل). ثُمَّ نَقرأُ عنِ المَلِكِ حَزَقِيَّا الَّذي أُصيبَ بمرضٍ مُميتٍ ولكنَّ اللهَ نَجَّاهُ وشَفاهُ مِن ذلكَ المَرضِ المُميت (في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني). ثُمَّ نَقرأُ في سِفْرِ العَددِ والإصحاح الحادي والعِشرين أنَّ اللهَ أرسلَ حَيَّاتٍ لَدَغَتْ بَني إسرائيلَ بِسُمٍّ مُميت. وكانَ مَصيرُهم هُوَ المَوت لولا أنَّ الرَّبَّ رَحَمَهُم وشَفاهُم مِن لَدغاتِ الحَيَّات.
لِذا، نَقرأُ عَن شِفاءِ نُعْمانَ بِصِفَتِهِ فَرْدًا، وشِفاءِ حَزَقِيَّا بِصِفِتِهِ فَرْدًا، وشِفاءِ بَني إسرائيلَ أوِ اليهودِ الَّذينَ لَدَغَتْهُمُ الحَيَّات.
لِذا، كانتْ حَالاتُ الشِّفاءِ الفَرديَّةِ نادرةً جدًّا جدًّا وغيرَ شَائعةِ الحُدوث. وعندما تَأتونَ إلى العهدِ الجديدِ، أو عندما يَبتدِئُ العهدُ الجديدُ، نَقرأُ عن حادِثَتَيْ شِفاءٍ جَسديّ: الأولى حَدَثَتْ لأليصَابات الَّتي كانت عاقِرًا طَوالَ حَياتِها ولكنَّها صارت قادرةً على الإنجابِ إذْ أنْجبتْ يُوحنَّا المَعمدان. فهذه مُعجزةُ شِفاء. ثُمَّ هُناكَ، بلا أدنى شَكٍّ، مَريم. وحَتَّى إنَّ ما حدثَ لمريم لم يَكُن شِفاءً؛ بَل إنَّ مَريمَ حَصلت على الحَقِّ أوِ الامتيازِ أوِ القُدرةِ في أن تَحبَلَ بطفلٍ مِن دُونِ أبٍ؛ أيْ مِن دُونِ أبٍ بَشريٍّ، وأنْ تَلِدَهُ ولادةً عَذراويَّة. ولكِنْ إذا نَظرتُم إلى العهدِ القديمِ ستَجدونَ سِتَّ مُناسباتٍ فقط حَدثتْ فيها مُعجزاتٌ جسديَّةٌ حَقيقيَّةٌ تَختصُّ بالشِّفاءِ الجسديّ.
وفي العهدِ القديم، هناكَ ثلاثُ قِياماتٍ. هذا هُوَ عَدَدُها فقط. ثَلاث! ابنُ الأرملة (في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل والإصحاح 17)، وابنُ الأرملةِ الشُّونميَّة (في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والإصحاح الرَّابع)، والرَّجُلُ الَّذي طَرَحوهُ في قبرِ أليشَع (في سِفْرِ المُلوك الثَّاني والإصحاح 13). ثلاثُ قِيامات. هذا هو عَددُها فقط. فقد كانتِ المُعجزاتُ نادرةً جدًّا جدًّا طَوالَ التَّاريخِ كُلِّه مُنذُ السُّقوطِ إلى وقتِ مَجيءِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح.
وبالمناسبة، قَد تقول: "ولكنَّكَ تَقتبِسُ مِنَ العهدِ القديم". أجل، ولكن إذا نَظرتُم إلى العهدِ القديم فإنَّما تَنظرونَ إلى مَركِزِ الدِّيانَة. أليسَ كذلك؟ فهناكَ نَرى اللهَ يَعملُ دائمًا. فاللهُ يَعملُ هُناك. فقد كانَ يَعملُ مِن خلالِ الآباء، ومِن خلالِ الأنبياء، ومِن خلالِ تاريخِ بني إسرائيل أو الأُمَّةِ الإسرائيليَّة. وفي كُلِّ تلك الفترةِ التَّاريخيَّةِ الَّتي كانَ اللهُ يَعملُ فيها، لم تَحدُثُ أيَّةُ مُعجزاتٍ إلاَّ في حَالاتٍ نادرةٍ جدًّا (أيْ مُعجزاتِ شِفاءٍ) إلى أن جاءَ يَسوع.
وعندما جاءَ يَسوع، صارتِ المُعجِزاتُ تَحدُثُ بِكَثرة في كُلِّ نَاحيةٍ خلالَ سنواتِ خِدمتِهِ الثَّلاث. وبالمُناسبة، لم يَصنَع يسوعُ أيَّةَ مُعجزاتٍ خلالَ السَّنواتِ الثَّلاثين الأولى مِن حياتِه. ولا مُعجزة. لأنَّه عندما بَلغَ سِنَّ الثَّلاثين وذهبَ إلى العُرسِ في قَانَا، وحَوَّلَ الماءَ إلى خَمْر، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ تلكَ المُعجزةَ هي أوَّلُ مُعجزةٍ صَنَعها يَسوع. لِذا فإنَّ كُلَّ تِلكَ الأناجيلِ المَزعومةِ المُمتلئة بالهُراءِ والكلامِ الفارغِ عن أنَّ يسوعَ صَنَعَ مُعجزاتٍ عندما كانَ طِفلاً هي مُجرَّدُ حَماقات. فلا توجدُ مُعجزاتُ شِفاءٍ في التَّاريخ. ولا يوجدُ شيءٌ مُعجِزيٌّ يُغيِّرُ حقيقةَ المرضِ والتَّشَوُّهات. ولا تُوجدُ قِيامات. ولا يوجدُ أشخاصٌ يعودونَ مِن الموت. فهذه أمورٌ نادرةُ الحدوثِ جدًّا.
ولكِنْ عندما نأتي إلى حياةِ المسيحِ وخِدمتِه، نَرى أنَّ الشِّفاءاتِ كانت تَحدُثُ يَوميًّا تقريبًا. وهذا أمرٌ مُفاجِئٌ يَهدِفُ إلى إظهارِ أنَّ المَسِيَّا، أوِ ابنَ اللهِ، أوِ اللهَ الظَّاهرَ في الجسد قد جاءَ إلى الأرض. ونقرأُ في إنجيل مَتَّى 12: 15 أنَّهُ كانَ يَشفي الجميع. فقد كانَ يَشفي الجميع. لِذا فقد كانَ يَشفي جميعَ النَّاسِ في كُلِّ مَكان. لِذا فقد قُلتُ مِرارًا إنَّه استأصلَ الأمراضَ بصورةٍ رئيسيَّةٍ مِن أرض إسرائيل.
وبحسبِ ما جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 22 على فَمِ بُطرس (وهو أمرٌ تأمَّلنا فيهِ في أثناء دراستِنا لسِفْرِ أعمالِ الرُّسُل)، كانَ اللهُ يَشهَدُ أنَّ يَسوعَ هو المَسِيَّا مِن خلالِ المعجزات. فهذهِ شِفاءاتٌ خارقةٌ للطَّبيعة. وهذه مُعجزاتٌ لا تَخلو مِن عُنصرِ الخَلْق. فهناكَ أشخاصٌ فَقدوا أطرافًا فَأُعطوا أطرافًا. وهناكَ أشخاصٌ أُصيبوا بتشوُّهاتٍ أو أمراضٍ في أعضائِهم فأُعطوا أعضاءً جديدة. وهناكَ أشخاصٌ فَقدوا حَاسَّةَ البَصَر فأُعطوا بَصرًا جديدًا. وهناكَ أشخاصٌ فَقدوا حَاسَّةَ السَّمْعِ فأُعطوا قُدرةً جديدةً على السَّمع. فكُلُّ مُعجزةٍ لا تَخلو مِن عُنصرُ الخَلْق. وهذا يَنسجِمُ معَ ما قالَهُ يُوحَنَّا في افتتاحيَّةِ إنجيلهِ إذْ نَقرأُ: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". "بِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ... كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَان". فهو الخالِق. ونحنُ نَراهُ يَخلُق. فجميعُ مُعجزاتِ الشِّفاءِ هذهِ هي أعمالٌ خارقةٌ للطَّبيعةِ تَنطوي على الخَلْق. فهو يأخذُ شيئًا فاسدًا أو معطوبًا أو مَريضًا أو مُصابًا ويُعطي مكانَهُ شيئًا جديدًا تمامًا. إنَّها أعمالُ اللهِ مِن خلالِ المسيح.
ولا يوجدُ تفسيرٌ طَبيعيٌّ لهذه المُعجزات! ولا يوجدُ تفسيرٌ طِبِّيٌّ لها. ولا يوجدُ تفسيرٌ نَفسيٌّ لها. فهذهِ لا تَنتمي إلى فئةِ الاضطراباتِ النَّفسيَّةِ-الجسديَّةِ الَّتي يَتخيَّلُ النَّاسُ أنَّهُم مُصابونَ بها ولكنَّهم شُفُوا مِنها مِن خلالِ قُدرةِ يسوعَ بِصفتِهِ مُعالِجًا نَفسيًّا. كما أنَّه لا توجد أدويةٌ استَخدمَها. ولا توجد صيغةٌ مُعيَّنةٌ استَخدمها في علاجِ أيٍّ مِن هذه الأمراض. فلا توجدُ عمليَّةٌ طبيعيَّة، بل إنَّها مُعجزاتٌ إلهيَّةٌ خارقةٌ للطَّبيعةِ تَحدثُ حالاً وتُحدِثُ تَغييرًا مِن خلالِ عمليَّةِ خِلْقٍ تَعملُ عَملَها بكلمةٍ أو لَمسةٍ تُحدِثُ تأثيرًا فورِيًّا وكاملاً. فلا يوجد مثيلٌ لها في التَّاريخ. وقد تَفَجَّرت تلك المُعجزاتُ في فترةِ ثلاثِ سنوات.
وقد قالَ النَّبيُّ إشعياءُ في الإصحاح الثَّاني والأربعينَ والعددِ السَّابعِ إنَّ المَسِيَّا سيأتي ويَشفي. فهو سيأتي ويَشفي. وهذا هو تَحقيقُ تلكَ النُّبوءةِ المَسيحانيَّةِ في أُنشودةِ العَبدِ الَّتي أنشدَها إشعياءُ في الإصحاح الثَّاني والأربعين.
والآن، أريدُ أن أقولَ شيئًا. مِنَ الواضِحِ... اسمحوا لي أن أقولَ شيئًا في البداية: مِن الواضحِ أنَّ هناكَ مُعجزاتٍ كثيرةً جدًّا حَدثت ولم تُذكَر في العهدِ الجديد. ولكنَّ يوحنَّا يُخبرنا بذلك لأنَّه يقولُ في نهايةِ إنجيله: "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَة". ولكنَّنا حَصلنا على هذا الامتيازِ في الإصحاح التَّاسعِ للنَّظرِ إلى واحدةٍ مِن عشراتِ الآلافِ مِنَ المُعجِزاتِ؛ وَتحديدًا مُعجزاتِ الخَلْقِ الَّتي صَنَعها يَسوع. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذهِ المُعجزةِ وفي رَدَّةِ فِعلِ غيرِ المؤمنين. وسوفَ نَرى كيفَ يَتَحَرَّى عدمُ الإيمانِ المُعجزة.
كانت هذه المُعجزةُ وحدُها كافيةً لِتغييرِ نَظرتِهم تَغييرًا جَذريًّا إلى يَسوع. فإن لم يكونوا قد فَهِموا بَعد أنَّه الله، كانت هذهِ المُعجزةُ كافيةً لتأكيدِ ادِّعائِه بأنَّه الله. لكِنْ عِوضًا عن ذلك، أيْ عِوَضًا عنِ الإيمان، وعِوَضًا عنِ الإقرارِ بأنَّه لا يوجدُ تَفسيرٌ بَشريٌّ لما رَأوهُ واختَبروه، كانَ كُلُّ ما فَعلتهُ تلكَ المُعجزةُ هو أنَّها زَادَت عَداوتَهُم، وزادت غَضبَهُم. فكُلَّما قَدَّمَ يسوعُ بُرهانًا أكبر، زَادوا غَضَبًا، وزادت كَراهيَّتُهم لَهُ، واحتَدَمَ الصِّراعُ أكثر!
لِذا، حَدثَ أمرٌ لا مَفَرَّ منه. فقد ابتدأَ يسوعُ في التَّخلِّي عنهم. وهذا هو السَّببُ في أنَّنا نَرى أنَّ بِدايةَ الكلامِ هُنا هي ليسَت معَ الفَرِّيسيِّينَ، بَلْ معَ التَّلاميذ. فقد عَقدوا العَزمَ على تَرسيخِ جَهلِهم أكثر فأكثر في أغلبِ الحالات. وكانَ كُلُّ ما يَسْعَوْنَ إليهِ هو تَوجيهُ المَزيدِ والمزيدِ مِنَ الاتِّهاماتِ ضِدَّ يسوعَ لكي يُنَفِّذوا رَغبتَهُم في إعدامِه. وهذا تَحقيقٌ مُحزِنٌ ومأسَويٌّ لما جاءَ في الإصحاح الأوَّل مِن إنجيل يُوحنَّا إذْ نَقرأ: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ".
والآن، نُلاحظُ أنَّ الإصحاحَ التَّاسعَ يُخَصَّصُ للحديثِ عنِ المُعجزةِ وَتَحَرِّيها. الإصحاحُ كُلُّه. لِذا، لا بُدَّ أن نُجَزِّئَ هذا الإصحاحَ إلى أجزاءٍ صغيرةٍ نَدرُسُها خلالَ الأسبوعَيْنِ القادِمَيْن. فهي مُعجزةٌ أخرى يَعْقُبُها نِقاشٌ وحِوار. وقد رأينا ذلكَ في الإصحاح الخامِس، ورأيناهُ في الإصحاح السَّادس، وها نَحنُ نَراهُ هُنا مَرَّةً أخرى. والآن، أريدُ أن أُجَزِّئَ هذا المَقطعَ إلى أجزاءٍ صغيرة. لِذا، لننظُر في هذا الصَّباح إلى الآياتِ مِن 1 إلى 12. وهذا مَقطعٌ كبيرٌ في نَظري، كما تَعلمون! ولكنَّها قِصَّة. لِذا، يُمكنُنا أن نُنهي هذا الجُزء.
ولكنِّي أودُّ أن أُجَزِّئَ هذهِ الآياتِ الاثني عشرة إلى نِقاطٍ يَسهُلُ فَهمُها: الظُّلمة، ثُمَّ النُّور، ثُمَّ البَصَر، ثُمَّ العَودة إلى الظُّلمة. الظُّلمة، ثُمَّ النُّور، ثُمَّ البَصَر، ثُمَّ العَودة إلى الظُّلمة. لِذا، لنبتدئ بالظُّلمة في العددِ الأوَّل: "وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِه". العَمى! ويُمكنُنا أن نَرى العَمَى في كُلِّ العهدِ الجديد. فقد كانَ أمرًا شائعًا جدًّا في أزمنةِ العهدِ الجديد. وكانَ أمرًا شَائعًا جدًّا جدًّا في العالَمِ القَديم. ولكنْ حَتَّى إذا رَجَعْتُم إلى ما قبلَ ذلك، أو إذا نَظرتُم إلى العهدِ القديمِ؛ وَتحديدًا إلى التَّوراةِ، أيْ إلى زَمَنِ مُوسَى والآباءِ الأوائل، سَتجدونَ أنَّ العَمى مَذكورٌ مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا. فهو مَذكورٌ في سِفْر اللاَّويِّين، ومَذكورٌ في سِفْر التَّثنية، ثُمَّ إنَّهُ مَذكورٌ في الأسفارِ التَّاريخيَّة، ومَذكورٌ في الأسفارِ النَّبويَّة. فقد كانَ العَمى حقيقةً لا مَفَرَّ منها في العالَمِ القديم. وهذا واحدٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي نَقرأُ فيها في سِفْر إشعياء 42: 7 أنَّهُ عندما يأتي المَسِيَّا فإنَّهُ سيَفتَحُ عُيونَ العُمْي.
ونَجِدُ هُنا نَموذجًا حَيًّا على هذا النَّوعِ مِنَ العَمى. فقد رأى يسوعُ رَجُلاً أعمى مُنذُ وِلادتِه. فقد كانَ أعمى طَوالَ حياتِه. وقد وُلِدَ أعمَى. والآن، اسمَحوا لي أن أُوَضِّحَ لكُم الصُّورة. كانَ يسوعُ قد صَرَّحَ في العددِ الثَّامِنِ والخَمسين مِنَ الإصحاح الثَّامنِ قائِلاً إنَّهُ "أَهْيَة"؛ أيْ أنَّهُ الله. وقد غَضِبوا جدًّا لأنَّهم حَسِبوا ذلكَ تَجديفًا حَتَّى إنَّهم رَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الهَيْكَل. فقد غَادَرَ الهيكَل.
والآن، بعدَ أن خَرجَ مِنَ الهيكل: "فِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِه". وكانَ هذا الرَّجُلُ يَجلسُ عندَ إحدى بَوَّاباتِ الهيكل وَيَستعطِي في الوقتِ الَّذي اجتازَ فيهِ يَسوع. وكيفَ نَعلَمُ ذلك؟ لأنَّ هذهِ حقيقة واضحة جدًّا إذْ كانَ المُتَسوِّلونَ يَجلسونَ عادةً عندَ أبوابِ الهيكل. وقد كانَ هذا الرَّجُلُ يَجلِسُ هناك. وأودُّ أن أقولَ مُلاحظةً هُنا وهي أنَّ يَسوعَ لم يَكُن خائفًا جدًّا على حياتِه. فقد تَوقَّفَ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كانَ مُعرَّضًا لخطرٍ شَديد. فقد كانَ في خَطرٍ لأنَّهم أوشَكُوا على رَجمِه. ولكنَّهُ تَوقَّفَ لكي يُظهِرَ نِعمتَهُ، وقُدرتَهُ، ورَحمتَهُ، وعَطفَهُ، وَحَتَّى خَلاصَهُ لمُتَسَوِّلٍ أعمَى! وهذا يُشبِهُ جدًّا ما فَعلَهُ يَسوعُ عندَ موتِهِ إذْ إنَّهُ قَبِلَ لِصًّا وهو شَخصيًّا مُوشِكٌ على الموت!
وهُناكَ أَوْجُهُ شَبَهٍ جَميلة بينَ هذا المُتَسَوِّلِ وذلكَ المُتَسَوِّلِ المَذكورِ في الإصحاح الثَّالثِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فَكلاهُما مُتَسَوِّلٌ يَجلسُ عندَ بابِ الهيكل. والمُتَسَوِّلُ هُنا أعمَى؛ أمَّا المُتسوِّلُ في الإصحاح الثَّالثِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل فهو أعرَجُ مُنذُ وِلادتِه. فهذا المُتسوِّلُ مُصابٌ بِعَمىً مُنذُ وِلادتِه، وذلكَ المُتسوِّلُ مُصابٌ بِعاهَةٍ مُنذُ وِلادتِه. وكلاهُما يَجلسُ عندَ بابِ الهيكل. وكلاهُما التَقى يَسوع. وكلاهُما نَالَ الشِّفاءَ مِن يَسوع. ومعَ أنَّ الرَّسولَيْنِ (بُطرسَ ويوحَنَّا) استَخدَما سُلطانَ يَسوعَ في الإصحاح الثَّالثِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل فإنَّهُ، أوَّلاً وأخيرًا، سُلطانُ يَسوع. لِذا فإنَّ هَاتينِ المُعجِزَتَيْنِ أَظْهَرتا سُلطانَ الشِّفاءِ الَّذي أَظْهَرَهُ يَسوع، وحَقيقةَ أنَّ المُتَسَوِّلينَ كانُوا يَجلسونَ عَادةً عندَ الهيكل. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في إنجيلِ مَتَّى 21: 14: "وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ عُمْيٌ وَعُرْجٌ فِي الْهَيْكَلِ فَشَفَاهُمْ".
انظُروا! أنتُم تَعلمونَ ذلك. فالمُتَسَوِّلونَ يَذهبونَ إلى الأماكنِ المُزدحمة. أليسَ كذلك؟ فالمُتسوِّلونَ يَذهبونَ دائمًا إلى الأماكنِ الَّتي يَحتشِدُ فيها النَّاسِ... حَتَّى يَومِنا هذا. فإذا ذَهبتُم إلى مَكانٍ مُزدحمٍ ستجدونَ أشخاصًا يَتَسَوَّلون. فَهُم لا يَعمَلونَ في عُزلَة، بل إنَّهم يَعرفونَ أينَ يَذهبون. لِذا فقد كانوا يَجلسونَ عِندَ الهيكل. ولكِنْ لماذا كانوا يَجلسونَ عندَ الهيكل؟ لأنَّهُ، مِن جِهَة، كانَ أكثرُ النَّاسِ وَرَعًا يَذهبونَ إلى الهيكل. فَقد كانَ النَّاسُ الأتقياءُ والوَرِعونَ يَذهبونَ إلى الهيكل؛ أيِ الأشخاصُ الشَّفوقينَ، واللُّطَفاء، والَّذين يَهتمُّونَ بالآخرين. كذلكَ، كانَ النَّاسُ يَذهبونَ أيضًا إلى الهيكلِ لِتقديمِ الذَّبائحِ في الصَّباحِ وفي المَساء. وَهذا يَعني أنَّهم يُدركونَ خَطاياهُم. والنَّاسُ الَّذينَ يَشعرونَ بالذَّنْبِ بسببِ خَطاياهُم يكونونَ في أغلبِ الأحيانِ أسْخياء.
لِذا، كانَ ذلكَ المَكانُ يَعِجُّ بالأشخاصِ الأتقياءِ والأشخاصِ الَّذينَ يَشعرونَ بالذَّنب. وَكانَ يَعِجُّ أيضًا بأشخاصٍ يُحاولونَ أن يَنالوا خَلاصَهُم في ذلكَ النِّظام. وكانت واحدةٌ مِنَ الطُّرُقِ الَّتي تَكسَبُ فيها خَلاصَكَ بِجدارَتِكَ [بِحسبِ تَعليمِ مُعَلِّمي اليَهودِ] هِيَ أنْ تَتَصَدَّقَ بأموالِك. لِذا فقد كانَ ذلكَ المَكانُ يَعِجُّ بأشخاصٍ يَعملونَ أعمالَ اللُّطفِ والإحسان. كذلكَ، كانَ المَكانُ مُزدحمًا بالنَّاسِ هُناك. لِذا فإنَّكَ أمامَ فُرُصٍ أكثر [إنْ جازَ القَولُ] لأنَّ النَّاسَ كانُوا يَدخلونَ الهيكلَ ويَخرجونَ مِنهُ بأعدادٍ غَفيرةٍ طَوالَ اليوم. عَدا عن ذلكَ، كانَ المُتسوِّلونَ يَعلَمونَ أنَّهُ حَيثُ يُوجَدُ أُناسٌ مُتديِّنونَ يَسْعَوْنَ إلى عَملِ الخَيرِ فإنَّهُم بِمَأمَنٍ مِنَ اللُّصوصِ الَّذينَ كانوا يَسرقونَ كُلَّ ما يَجْمَعُهُ المُتَسَوِّلون.
لِذا فقد كانوا يَجلسونَ عِندَ الهيكل. وقد كانوا يَجلسونَ هُناكَ لأنَّهُ أنسبُ مَكانٍ لَهُم. ولم يَكُن بمقدورِ ذلكَ المُتَسوِّلِ أن يَرى المَسيح، بَل لم يَكُن بمقدورِهِ أن يَرى أيَّ شيء. ولكنَّنا نَقرأُ أنَّ المَسيحَ رَأى مُتَسَوِّلاً "فيما هُوَ مُجتازٌ". فالنِّعمةُ الإلهيَّةُ هِيَ سَيِّدةُ المَوقِفِ في هذهِ المُعجِزة. والمَشيئةُ الإلهيَّةُ هِيَ سَيِّدةُ المَوقِفِ في هذهِ المُعجِزة. فالرَّجُلُ الأعمَى لم يَكُن يَرى أيَّ شَيء، ولم يَكُن يَعرِفُ أيَّ شَيءٍ عَن مُرورِ يَسوعَ مِن هُناك. ولكنَّ يَسوعَ رَآهُ. والرَّجُلُ الأعمَى يَرمِزُ إلى الإنسانِ الأعمَى بسببِ الخطيَّةِ ولا يَستطيعُ أن يَرى يَسوعَ، بَل إنَّهُ غَارِقٌ تَمامًا وبِكُلِّ مَعنى الكلمةِ في عَمَىً رُوحِيٍّ يَجعلُهُ بائِسًا وغيرَ قادرٍ على رُؤيةِ المُخلِّص. لِذا فإنَّ التَّشبيهَ واضحٌ جدًّا.
والحقيقةُ هِيَ أنَّ الأناجيلَ تَستخدِمُ هذا التَّشبيه. وَبولسُ يَتحدَّثُ عنِ العَمى الرُّوحيِّ مَرَّاتٍ عَديدة. والأناجيلُ تُدَوِّنُ قِصَصَ أُناسٍ عُمْيٍ نَالوا الشِّفاءَ أكثرَ مِمَّا تُدَوِّنُ قِصَصَ أيَّةَ إعاقَةٍ مُحَدَّدةٍ أخرى. فَهُناكَ مُعجزةُ شِفاءٍ واحدة فقط لرَجُلٍ أَصَمُّ وَأبْكَم. وهُناكَ مُعجزةُ شِفاءٍ واحدة فقط لشخصٍ مَشلول. وهُناكَ مُعجزةُ شِفاءٍ واحدة فقط لسَيِّدةٍ مُصابَةٍ بالحُمَّى. وهُناكَ مُعجِزَتا شِفاءٍ فقط لأشخاصٍ مُصابينَ بالبَرَص – مَجموعةٍ مِنهُم. وهُناكَ ثلاثةُ أشخاصٍ قَاموا مِنَ الموت. ولكِنْ هناكَ خمسُ مُعجزاتِ شِفاءٍ لأشخاصٍ مُصابينَ بالعَمى.
فالعَمى هُوَ أقوى مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على ظُلمةَ الإنسانِ الرُّوحيَّةِ وَضَلالِه. ولأنَّ هذا المُتَسَوِّلَ كانَ أعمَى مُنذُ وِلادتِه، كانَ تَحتَ رَحمةِ أيِّ شخصٍ يُمكِنُ أن يَأتي ويُقدِّمَ المُساعدةَ لَهُ. فَهُوَ يُشبِهُ الخاطِئ. لِذا، كانَ لا بُدَّ أن يأخُذَ اللهُ زِمامَ المُبادرةِ مَعَ الرَّجُلِ الأعمَى مِن خلالِ المَسيحِ كما أنَّهُ لا بُدَّ أن يأخُذَ اللهُ زِمامَ المُبادَرةِ مِن خلالِ المَسيحِ مَع الإنسانِ الخاطِئ. فهكذا تَعملُ النِّعمَة. فنحنُ ضَالُّونَ، وأمواتٌ، وعُمْيٌ، ولا نَعرِفُ الحَقَّ، ولا نَرى المَسيحَ، ولا نُؤمِنُ باللهِ؛ ولكنَّ اللهَ يَرانا ويأتي بِشَفَقَتِهِ ونِعمَتِهِ ويُعطينا نُورًا رُوحيًّا.
ويا لَها مِن صُورةٍ بَديعَةٍ مُوَضَّحَة مِن خلالِ هَذا الشِّفاء! لِذا فإنَّنا نَرى الظُّلمةَ في العَددِ الأوَّل. وفي العَددِ الثَّاني، نَرى النُّورَ في الأعداد مِنَ الثَّاني إلى الخامِس. "فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟»" وَهَذا يُريكُم حَقيقةَ مُعتقداتِهم إذْ كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ إن كانَ المَرءُ مُصابًا بِعِلَّةٍ مَا فإنَّ الخَطيَّةَ هي السَّبب؛ لا بِصورةٍ غيرِ مُباشِرَة، بَل بِصورةٍ مُباشِرَة. والآن، نَحنُ نَتَّفِقُ جَميعًا على أنَّ جَميعَ الأمراضِ مُرتبطة بِسقوطِ آدَم. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ لا يُمكنكم أن تَقولوا إنَّ السَّببَ في مَرضي قبلَ ثلاثة أشهُر هُوَ أنِّي اقترفتُ خَطيَّةً مَا. ولكِنْ وَفْقًا لمُعتقدِهم، كانَ هذا هُوَ تَفسيرُهم. فإن كُنتَ مُصابًا بِعاهَةٍ، أو إن كُنتَ مَريضًا أو مُصابًا بِعِلَّةٍ مَا، فإنَّ السَّببَ المُباشِرَ هو الخطيَّة – ليسَ نَتيجَةَ سُقوطِ العالَم، بَل بسببِ وجودِ ذَنْبٍ تَحمِلُهُ.
لِذا فقد سَألوا: "مَنْ أَخطأ؟" وَهذا هُوَ مَا قَصدوه. وَقد عَبَّروا عَن ذلكَ قَائِلين: "هذَا أَمْ أَبَوَاهُ؟" فَقد كانوا يُفَكِّرونَ بهذهِ الطَّريقة. وَهذا هُوَ مَا تَعَلَّموهُ في نِظامِهم؛ أيْ أنَّ الأشخاصَ المَرضَى أوِ المُعاقينَ أوِ المُصابينَ بأيِّةِ عِلَّةٍ هُمْ على تلكَ الحالةِ إمَّا لأنَّهم أخطأوا، وَإمَّا لأنَّ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم أخطأوا.
والآن، إنَّ هذا السُّؤالَ يَنطوي على بُعدٍ جَسديٍّ أو فِسيولوجِيٍّ أو طِبِّيٍّ [إنْ جازَ القَول] لأنَّ العامِلَ الأكبرَ المُسَبِّبَ للعَمى في العُصورِ القديمةِ هو دَاءُ السَّيَلان. وحيثُ إنَّهُ لم يكن يوجدُ عِلاجٌ لِداءِ السَّيلان، إنْ أُصيبتِ الأُمُّ بِداءِ السَّيلان، وخَرَجَ الطِّفْلُ مِن قَناةِ الوِلادةِ، قَد يُصابُ بالعَمى بِصورةٍ رَئيسيَّة. وكانَ هذا الدَّاءُ مُتَفَشِّيًا جدًّا. وحَتَّى في العالَمِ الحَديث، وَتحديدًا في دُولِ العالَمِ الثَّالِث، لا يوجد عِلاجٌ لذلك. فلا يُفيدُ استعمالُ نَتراتِ الفِضَّة أو أيِّ شَيءٍ آخر لأنَّهُ لا يُوجدُ عِلاجٌ لِداءِ السَّيلان. لِذا، كان العَمى مُتَفَشِّيًا.
وفي وقتٍ مِنَ الأوقاتِ ليسَ بَعيدًا جدًّا، وَفقًا لِمَرجِعٍ قَرأتُهُ، كانَ ما نِسبَتُهُ تِسعونَ بالمِئَة مِنْ حالاتِ العَمى (أيْ لَدى الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ وَهُمْ مُصابونَ بالعَمى) نَاجِمًا عنِ الأمراضِ التَّناسُليَّة. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّهُ حَتَّى يومِنا هذا، هُناكَ بُلدانٌ لا تَمْتَلِكُ الإمكانيَّاتِ اللاَّزِمَةَ لمُعالجةِ هذهِ الأمراض. لِذا فإنَّ حَالاتِ العَمى تَزداد. إذًا، هَل كانوا يَتحدَّثونَ عن خَطيَّةِ الأُمِّ أوِ الأب؟ أيْ عن مَرَضٍ تَناسُلِيٍّ مُعْدٍ؟ رُبَّما... رُبَّما كانُوا يُفَكِّرونَ في ذلك؛ ولكِنَّ الأرجَحَ هُوَ أنَّهم كانوا يَتحدَّثونَ مِن نَاحيةٍ عَقيديَّة لا فِسيولوجيَّة.
فقد كانَ مُعَلِّمو اليهودِ يُؤمِنونَ بأنَّ خَطايا الآباءِ تُفْتَقَدُ في الأبناء. ومِن أينَ جَاءوا بهذا الفِكر؟ مِن خَطأِ تَفسيرِهم لما جاءَ في سِفْر الخروج والإصحاح العِشرين. وسوفَ أَتطرَّقُ إلى ذلكَ بعدَ قليل. ولكنَّهم كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ خَطايا الآباءِ يُمكِنُ أن تُفْتَقَدَ في الأبناءِ وتُؤدِّي إلى مُعاقبتِهم.
ولكِنْ قبلَ أن نَتحدَّثَ عن هذهِ النُّقطة، إذا رَجعنا قَليلاً نَجِدُ أنَّهم كانوا يَقرِنونَ مُباشرةً بينَ الألمِ والخطيَّةِ في حياةِ الإنسان. والآن، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُم تَذكرونَ أنَّ المَثَلَ الإيضاحِيَّ الكلاسيكيَّ على ذلكَ هُوَ أصدقاءُ أيُّوب. فأيُّوبُ لم يَفعل شيئًا؛ ولكنَّهُ عَانى أَشَدَّ مُعاناة. وقد جاءَ أصدقاؤُهُ وراحُوا يُوَبِّخونَهُ إصحاحا تِلوَ الآخرِ تِلوَ الآخرِ مُحاولينَ إلصاقَ الذَّنْبِ بِه لكي يَجدوا خَطيَّةً اقتَرَفَها ويَقرِنوها مُباشرةً بآلامِه. وقدِ استَمَرَّ أيُّوبُ في إنكارِ ذلكَ المَرَّةَ تِلو الأخرى. ولكنَّ تَصَرُّفَهُم ذاكَ كانَ يَعكِسُ عَقيدتَهُم. فَحيثُما وُجِدَت خَطيَّة وُجِدَ ألَم. وحيثُ وُجِدَ ألَمٌ وُجِدَت خَطيَّةٌ مُحَدَّدةٌ اقترَفَها الشَّخصُ المُتألِّم.
ويُمكنُكم أن تَرَوْا ذلكَ في إنجيل لُوقا والإصحاح الثَّالث عشر. هَل تَذكرونَ البُرجَ الَّذي سَقَطَ وَقَتَلَ كُلَّ هؤلاءِ النَّاس؟ وَهل تَذكرونَ كيفَ أنَّ رِجالَ بيلاطُسَ ذَهبوا وقَتلوا الجَليليِّينَ المُتَعَبِّدينَ وَالسُّؤالَ الَّذي طَرَحَهُ النَّاس؟ فَقد قالوا: "هل كانَ هؤلاءِ خُطاةً أكثرَ مِنَ البَقيَّة؟" فإنْ حَلَّتْ مُصيبَةٌ، وإن سَقَطَ بُرجٌ عليكَ وَقتلَك، أو إن طَعَنَكَ شَخصٌ بِسِكِّين فإنَّ ذلكَ يَدُلُّ على أنَّكَ أسوأُ مِن أيِّ شخصٍ آخر. أليسَ كذلك؟ فأسوأُ النَّاسِ هُم مَن تَلْحَقُ بِهم المَصائِب. أمَّا أفضلُ النَّاسِ فَيَنْجُون. إنَّها نَفسُ العَقيدة.
لِذا فقد كانَ سُؤالُ التَّلاميذِ نَابِعًا مِن تَعليمِ مُعَلِّمي اليهود. وَلكِنْ كانَ يَنبغي لِمُعَلِّمي اليهودِ أن يُفَسِّروا الأمراضَ التَّناسُليَّةَ، والعِلَلَ التَّناسُليَّة، والعَمَى الخِلقِيّ؛ أيْ حقيقةَ أنَّ هناكَ أطفالاً يُولَدونَ وَهُمْ مُصابونَ بالعَمى! ولكِنْ كيفَ يُعقَلُ أن تَكونَ تِلكَ الخَطيَّةُ خَطيَّةَ الشَّخصِ الَّذي وُلِدَ أعمَى؟ لِذا، عندما قالَ التَّلاميذُ: "أَهذا أَخطأَ؟" كيفَ يُعقَلُ أن يُخطِئ؟ فقد كانَ في الرَّحِم؟ وَحَتَّى إنَّ مُعَلِّمي اليهودِ ابتكروا فِكرةَ الإثْمِ قبلَ الولادة؛ أيْ فِكرةَ الإثْمِ في الرَّحِم!
وهُناكَ نِقاشاتٌ عَجيبةٌ جدًّا بينَ مُعَلِّمي اليهودِ حَولَ هذا الموضوع. فَهُناكَ مُعَلِّمٌ يَحْتَكِمُ إلى الآيةِ المَذكورةِ في سِفْر التَّكوين 4: 7 والَّتي تقول: "فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ" مُفَسِّرًا أنَّ البابَ يُشيرُ إلى بابِ الرَّحِم. لِذا فقد كانَ يُفَسِّرُ ذلكَ على أنَّهُ إثْمٌ اقتُرِفَ قَبلَ الوِلادَة. وكانَ مُعَلِّمٌ آخرُ يَقول: "إن كانَ الطِّفلُ يُخطِئٌ في الرَّحِمِ فإنَّهُ سَيَرْكُلُ بَطْنَ أُمِّهِ بقوَّة أكبر". وهذا هُوَ الجُنونُ بِعينِهِ!
وكانَ هُناكَ أُناسٌ يُؤمِنونَ (على غِرارِ أفلاطون) بالوجودِ المُسَبَّقِ للرُّوح؛ وهو تَفكيرٌ تَأثَّرَ بالثَّقافةِ اليُونانيَّة ويقولُ إنَّ رُوحَكَ تَقترِفُ الخَطايا حَتَّى قبلَ أن يُحْبَلَ بِك! لِذا فقد كانوا يُؤمِنونَ، أو كانَ جُزءٌ مِنهُم على الأقلِّ يُؤمِنُ بأنَّهُ إنْ أخطأَ الجَنينُ في الرَّحِم، أو إنْ أخطأتْ رُوحُهُ قَبلَ الحَبَلِ بِهِ، فإنَّ خَطيئَتَهُ تِلكَ تُسْهِمُ في هذهِ الحالَة. مِن جِهةٍ أخرى، كانوا يُؤمِنونَ أيضًا بأنَّ الأطفالَ يُعانونَ بسببِ خَطايا آبائِهم.
وَهَذا هُوَ مَا جَاءَ في سِفْرِ الخُروج 20: 5 إذْ نَقرأ: "لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابع...". ولا شَكَّ في أنَّكُم سَمِعتُم أُناسًا يَستخدِمونَ هذهِ الآيةَ قَائِلينَ إنَّهُ يُوجَدُ أطفالٌ مَلعونون، وإنَّهُ تُوجَدُ أجيالٌ مَلعونَة. فهذهِ الفِكرةُ القائِلَةُ إنَّكَ تَدفَعُ أُجْرَةَ خَطايا أبيكَ وأُمِّكَ نَجَحَتْ بِطريقةٍ مَا في البَقاءِ حَتَّى يَومِنا هذا. إذًا، كانَ يُوجَدُ في اليهودِ مَنْ يُؤمِنونَ بأنَّ النَّاسَ قَد يُعاقَبونَ لأجيالٍ عَديدةٍ بسببِ خَطايا اقترَفَها آباؤُهم.
وَقد تَقول: ما مَعنى ذلك؟ أوَّلاً، إنَّها جُملةٌ عَامَّةٌ تُشيرُ إلى خَطايا الآباءِ، والقادةِ، والجِيلِ، ورُؤساءِ الجيل. فالخطايا الَّتي يَقتَرِفُها هؤلاءِ وَتُدَنِّسُ ذلكَ الجيلِ تَتركُ تأثيرًا بالغًا حتَّى إنَّهُ يَتَعَذَّرُ التَّخلُّصُ مِنها واستئصالُها لِثلاثةِ أو أربعةِ أجيال. هَذا هُوَ المَبدأُ الَّذي تَقولُهُ هذهِ الآية. فهي لا تَقولُ إنَّ الخَطايا الفَرديَّةَ سَتُفْتَقَدُ لثلاثةِ أو أربعةِ أجيالٍ مِنَ الأبناءِ والأحفادِ، وأبناءِ الأحفادِ في شَكلِ لَعْنَة. فَهذا مُخالِفٌ تَمامًا لما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وسوفَ أُبَيِّنُ لَكُم ذلكَ بعدَ قليل.
فَكُلُّ ما تَقولُهُ الآيةُ هُوَ التَّالي: يَجدُرُ بِكُم أن تَعْتَنُوا بِجيلِكُم لأنَّهُ إنْ عِشتُم في الإثمِ والخطيَّةِ فإنَّ الأمرَ سيَستغرِقُ ثلاثةَ أو أربعةَ أجيالٍ للتَّخلُّصِ مِن تأثيرِ ذلك.
فَكِّروا في ذلكَ عندما تَنظُرونَ إلى الجيلِ الَّذي نَعيشُ فيهِ الآن. فَالتَّأثيرُ لا يَزولُ سَريعًا، بَل يَتَغلغَلُ عَميقًا. وهذا ليسَ أمرًا شَخصيًّا. افتحوا على سِفْرِ حِزْقيال لأنِّي أريدُ أن أُبَيِّنَ لَكُم شَيئًا. سِفْر حِزْقيال والإصحاح الثَّامن عشر. وهو واحدٌ مِن أهَمِّ الإصحاحاتِ في الأسفارِ النَّبويَّة (سِفْر حِزْقيال والإصحاح الثَّامن عشر) لأنَّهُ يَتحدَّثُ مُباشَرةً عن هذا الأمر: "وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً" (في الإصحاح الثَّامن عشر والعَددِ الأوَّل – حِزْقيال 18: 1): "وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: «مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هذَا الْمَثَلَ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، قَائِلِينَ: الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ؟" إنَّ هَذا مَثَل. وَالمَثَلُ يَعني أنَّ الأبناءَ يُعانونَ بسببِ سُلوكِ آبائِهم وأُمَّهاتِهم. لِذا فإنَّ اللهَ يَقولُ لِحِزْقيال: "مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هذَا الْمَثَلَ؟" ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، لاَ يَكُونُ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ أَنْ تَضْرِبُوا هذَا الْمَثَلَ فِي إِسْرَائِيل". أيْ: تَوَقَّفوا عنْ ضَرْبِ هذا المَثَل!
ثُمَّ إنَّهُ يُوَضِّحُ السَّببَ في العدد 20: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُون".
فهي مَسؤوليَّةٌ فَرديَّةٌ وحَسْب. ولكِنْ بِحَسبِ ذلكَ اللاَّهوتِ اليهوديِّ – والآن، لِنَعُد إلى إنجيل يوحنَّا والإصحاح التَّاسع، كانَ اليهودُ يَقولونَ إنَّ الأجيالَ يُمكنُ أن تُصابَ باللَّعنة. لِذا فقد أرادَ التَّلاميذُ أن يَعرفوا: هَل أخطأَ ذلكَ الرَّجُلُ بِصورةٍ مِنَ الصُّوَر؟ هَل أخطأً بِشكلٍ مِنَ الأشكال؟ هَل أخطأَ في الرَّحِم أَو أخطأَ أبَواه فَلُعِنَ بالعَمَى؟
وكانَ بِمَقدورِهم أن يَستَشهِدوا بِحادِثَتَيْن. فقد كانَ بمقدورِهم أن يَستَشهِدوا بما حَدثَ لِعَخَان قَائِلين: عندما سَرَقَ عَخَانُ أشياء لم يَكُن يُفترَضُ به أن يَسرِقَها عندما دَخَلوا الأرضَ، ودَفَنَ تِلكَ المَسروقاتِ في خَيمَتِه، أَتَذكُرونَ أنَّ اللهَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ هُوَ وَعائلتِهِ بأسرِها؟ ولكِنْ لماذا عَاقَبَ اللهُ كُلَّ العائلة؟ الجَوابُ هُوَ: بِسَببِ التَّواطُؤ. فقدِ اشتَركوا جَميعًا في تلكَ الخطيَّة. وكانوا جَميعًا مُذنِبين. وهناكَ أوقاتٌ عَاقَبَ اللهُ فيها مُباشَرَةً شَخصًا على خَطيئةٍ اقترَفَها بأن أصابَهُ بِمَرضٍ، أو حَتَّى بأنْ قَتَلَ أُناسًا في العهدِ القديم. فقد أُصيبَتْ مَريمُ بالبَرَص في سِفْرِ العَدد والإصحاح الثَّاني عَشَر نَتيجةَ عِقابٍ مُباشِرٍ مِنَ الله. وقد عُوقِبَ عُزَّةَ عِقابًا مُباشِرًا مِنَ اللهِ فَمات. فلأنَّهُ لَمَسَ تَابوتَ العَهدِ، عَاقَبَهُ اللهُ عِقابًا مُباشِرًا بأنْ أَماتَهُ.
لِذا، هناكَ قِصَصٌ مِن هذا النَّوعِ في العهدِ القديم. ولكنَّ الأسئلةَ تَعكِسُ وَحَسْب كُلَّ هذا اللاَّهوت. وَجوابُ يَسوعُ مُدَوَّنٌ في العَددِ الثَّالث: "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ". فالأمرُ ليسَ كَما تَظُنُّون. فقد قالَ يَسوعُ جُملةً واحدةً أطاحَتْ بكُلِّ ذلكَ النِّظامِ اللاَّهُوتِيِّ لأنَّ يَسوعَ يَقولُ الآن: قد يُصابُ الإنسانُ بِمرضٍ عُضالٍ وخِلْقِيٍّ طَويلِ الأجَلِ لا صِلَةَ لَهُ بِخطاياه أو بَخطايا أبَوَيْه. فقد أَطاحَ يَسوعُ بِكُلِّ ذلكَ النِّظامِ بجُملةٍ واحدة. لا يُمكِنُكم أن تَستَنتِجوا ذلك.
إليكُم سَبَبُ إصابَتِهِ بالعَمى: "لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيه". فَهُوَ أَعمَى لِمَجدِ الله! إنَّهُ أَعمَى لِمَجدِ الله. إنَّهُ أَعمَى لكي نَصِلَ إلى هذهِ اللَّحظةِ، وإلى هذا الشِّفاءِ لكي تَظهَرَ قُدرةُ اللهِ، وتُستَعلَنَ أعمالُ اللهِ، ويَتَمَجَّدَ الله.
فليست كُلُّ الأمراضِ والعِلَلِ والآلامِ ناجمة عَنْ خَطيَّةٍ شَخصيَّة. صَحيحٌ أنَّها قَد تَحدُثُ لهذا السَّبب. فقد تكونُ مُؤمِنًا. وإنِ استمرَّيْتَ في اقترافِ الخطيَّةِ قد يَجعَلُكَ اللهُ ضَعيفًا ومَريضًا، أو قد يُميتُك. "تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْت". ولكِنْ لا يُمكِنُكَ بالضَّرورةِ أن تَربطَ المَرضَ بالخطيَّةِ دائمًا وَإلاَّ فإنَّكَ ستَصيرُ مِثلَ أصدقاءِ أيُّوب وتقول: "لَقد عَرَفْنا سَببَ آلامِكَ يا أيُّوب! لا بُدَّ أنَّكَ اقترفتَ خَطيَّةً مَا! هَيَّا، اعتَرِف بها!" وحينئذٍ، لَن تَكونَ أفضلَ حَالاً مِن أصدقاءِ أيُّوب.
ولكِنْ لا! فهذا العَمَى ليسَ نَاجِمًا عَن خطيَّةٍ اقتَرَفها أحدُ أَبَوَيِّ هذا الرَّجُل. هَل كانا خَاطِئَيْن؟ بِكُلِّ تأكيد. وَهل كانَ خَاطئًا؟ بِكُلِّ تأكيد. ولكنَّ هَذا العَمى لا شَأنَ لَهُ بِذلك. فَهُناكَ خُطاةٌ يَتمتَّعونَ بِالصِّحَّةِ في العَالَم. هَل لاحَظتُم ذلك؟ وهُناكَ أشخاصٌ مِنهُم أشرارٌ جدًّا. فَبعضٌ مِنهُم خُطاةٌ أشرارٌ جدًّا؛ ولكنَّهم يَعيشونَ عُمرًا طَويلاً، ويَتمتَّعونَ بالصِّحَّة. وهُناكَ مُؤمِنونَ مَرضَى على الرَّغمِ مِن أمانَتِهم للرَّبّ. لِذا، لا يُمكِنُكم أن تَقرِنُوا المَرضَ بالخطيَّة.
وكانَ يَسوعُ يُبغِضُ ذلكَ اللاَّهوتَ المَغلوط. لِذا فقد قَطَعَ الشَّكَّ باليَقينِ وَقال: "...لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيه". فالغَايَةُ مِن عَمَى ذلكَ الرَّجُلِ هِيَ إظهارُ قُدرةِ اللهِ الخَارقة للطَّبيعة مِن خلالِ ابنِ اللهِ لِتَدعيمِ قَولِهِ بأنَّهُ المَسِيَّا، ولِتَدعيمِ قَولِهِ بأنَّهُ الله. فَسوفَ يَصنَعُ مُعجِزاتٍ تَنطَوي على الخَلْقِ لكي يَتَّضِحَ للجميعِ بأنَّهُ هُوَ الخَالِق (كَما أعلَنَ يُوحَنَّا في مُسْتَهَلِّ إنجيلِه). فهو آنِيَةٌ مُهَيَّأةٌ لإظهارِ قُدرةِ اللهِ مِن خِلالِ المَسيح. فَلَمْ يَكُن يسوعُ راغِبًا في مُناقشةِ هذا اللاَّهوتِ المَغلوطِ بِقَدْرِ مَا كانَ رَاغِبًا في الإطاحَةِ بِهِ واستِئصالِهِ مِن جُذورِه.
لِذا، نُلاحِظُ في العَددِ الرَّابِعِ أنَّهُ لا يَلجَأُ إلى المَزيدِ مِنَ المُجادلاتِ اللاَّهوتيَّةِ، بَلْ يُؤكِّدُ عَدَمَ صِحَّةِ رَبْطِهِمْ بينَ المَرضِ والخطيَّةِ قائِلاً: "يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ". وهل تَعرِفونَ شَيئًا؟ مِنَ الجَيِّدِ أن تَكونَ هُناكَ مُناقَشاتٌ لاهوتيَّة. ولكِنْ عَاجِلاً أَم آجِلاً، يَنبغي أن يَعمَل. فهو لن يَقِفَ هُناكَ ويُقْحِمَ نَفسَهُ في مُناقَشةٍ لاهوتيَّةٍ مَعَهُ في هذهِ النُّقطةِ، بَل إنَّ الوقتَ هُوَ وَقتُ عَمَل.
لِذا فإنَّهُ يَقول: "يَأتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَل". وهو لا يَتحدَّثُ هُنا عنِ اللَّيلِ المَادِّيِّ. فأعتقدُ أنَّ الوقتَ كانَ نَهارٌ، وأعتقدُ أنَّهُ أرادَ أن يَشفي الرَّجُلَ في النَّهارِ لكي يُدركَ الرَّجُلُ أنَّهُ قَادِرٌ على الرُّؤية. بِعبارةٍ أخرى، قَد لا يَكونُ مُلائِمًا [إن أردتَ أن تَشفي شَخصًا] أن تَنتَظِرَ حُلولَ الظَّلام! فهذا غيرُ لائقٍ! فالأمرُ مُهِمٌّ جدًّا. لِذا، على أقَلِّ تَقدير افعَل ذلكَ في النَّهار! لِذا، أعتقدُ أنَّ يسوعَ قَصَدَ أن يَشفيهِ في النَّهار؛ ولكنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا ليسَ هَذا، بَلْ إنَّهُ يَقولُ بِصيغةِ الجَمْع: "يَنبغي أن نَعملَ". وأنا أُحِبُّ صِيغةَ الجَمْعِ هَذِه. وأريدُ أن أُعَلِّقَ على ذلكَ قَليلاً. "يَنْبَغِي أَنْ نَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". وفي الإصحاح الخامِسِ والعَدد 17 وَما يَليه، قَالَ يَسوع: "أَبِي يَعْمَلُ... وَأَنَا أَعْمَلُ". فأنا والآبُ نَعملُ مَعًا. وَما يَعمَلُهُ الآبُ أَعمَلُهُ أنا. وَما يَقولُهُ الآبُ أقولُهُ أنا. وَما يَشاءُ الآبُ هُوَ مَا أَشاء. أنا والآبُ نَعملُ مَعًا. وَقد أَوْشَكُوا على رَجْمِهِ بسببِ ذلك لأنَّهُ عَادَلَ نَفسَهُ بالله. أَتَذكرونَ ذلك؟
وَهُنا، يَضُمُّ يَسوعُ التَّلاميذَ في صِيغةِ الجَمْعِ تِلْكَ بِمَعنى أنَّنا نَحْنُ جَميعًا قد دُعينا إلى أنْ نَعملَ "أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ". وَما مَعنى العِبارة "مَا دَامَ نَهار"؟ إنَّهُ لا يُشيرُ إلى الجُزءِ المُشرِقِ مِنَ اليوم، بَل إلى فَترةِ الحَياةِ كُلِّها... فَترةِ الحَياةِ كُلِّها. وَنَجِدُ هُنا مَعنىً رُوحِيًّا أعظَم. فالمَوتُ يَلوحُ في الأُفُق. وَقد بَقِيَتْ أمامُهُ أشهُر قَليلة. وهُناكَ تَلاميذٌ لن يَعيشوا طَويلاً. فَقد بَقِيَتْ أمامُهم سَنواتٌ قَليلةٌ قبلَ أن يَستَشهِدوا.
وهُناكَ حَقيقةٌ أعظمُ جدًّا هنا. فَالوقتُ المُتاحُ لَنا قَصير. لِذا، لا يَجدُرُ بِنا أن نُهدِرَ وَقْتَنا في مُجادَلاتٍ لاهوتيَّة، بَل يَنبغي أن نَستأصلَ ذلكَ اللاَّهوت المَغلوط مِن جُذورِهِ وأن نَعمل. وأنا أُحِبُّ صِيغةَ الجَمْعِ هُنا. وقد قالَ يَسوعُ في الإصحاح الخامِسِ مِن إنجيلِ يوحنَّا: "أنا أعملُ مَعَ الآب". وَهُوَ يَقولُ هُنا: "وَنَحنُ جَميعًا نَعملُ مَعَ الآب". ويا لَها مِن دَعْوَة! إنَّها مُذهلَة ومُدهِشَة! لِذا، أنا أُحِبُّ صِيغةَ الجَمعِ هُنا. وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى حَقيقةِ أنَّ اللَّيلَ قَريب؛ أيْ إلى قُرْبِ انتهاءِ حَياتِكُم.
فَنَحنُ لا نَدري كمِ الوَقتُ المُتَبَقِّي لدينا! نَحنُ لا نَدري! أشهُر؟ سِنين؟ لا نَدري! فَحياتُنا تَقصُرُ مَعَ كُلِّ شَهيقٍ، وتَقصُرُ في كُلِّ يَوم. لِذا فإنَّ الوقتَ هُوَ وَقتُ عَمل. فأنا لا أَعلمُ كَم سَأعيش، ولكنِّي لا أَظُنُّ أنِّي تَقاعَسْتُ يَومًا عَنِ القيامِ بالأمورِ الَّتي أريدُ القيامَ بها لأجلِ مَلكوتِ الله. فَلا يُمكنُني أن أَهْتَمَّ بِكُلِّ شَيءٍ آخر لأنَّهُ يُوجَدُ شَيءٌ واحدٌ فقط أعيشُ مِن أجلِهِ وَهُوَ أن أعملَ مَعَ المُخَلِّصِ والآبِ، وأن أعملَ العَمل. لِذا، أنا مُتَحَمِّسٌ جدًّا في أن أكونَ مَشمولاً في صِيغةِ الجَمْعِ تِلْك: "يَنْبَغِي أَنْ نَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ". وَالوقتُ نَهار. وَهذهِ كلمةٌ تُشيرُ إلى الحياةِ؛ أيْ قَبلَ أن يَنطَفِئَ سِراجُ الحَياةِ تَمامًا، أو قَبلَ أن تُغادِرَ هذا العَالَم.
وفي رِسالةِ أفسُس 5: 16، يُعَبِّرُ بُولسُ عن ذلكَ قَائِلاً: "مُفْتَدينَ الوَقتَ". "مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ [ماذا؟] شِرِّيرة". فَما الَّذي تَفعلُهُ بحياتِك؟ وَما الَّذي تَفعلُهُ بوقتِك؟ هَل تُهدِرُهُ في أمورٍ تَافِهَةٍ لا قيمةَ لها؟ لِذا، أنا أُحِبُّ حَقيقةَ أنَّنا مَشمولينَ بِصيغَةِ الجَمْعِ هُنا. فَهذا يُرَسِّخُ الفِكرةَ بأسرِها. أليسَ كذلك؟ "مَا دَامَ نَهار". اسمَعوني إنْ كُنتَ مُؤمِنًا: طَهِّرْ حَياتَك، وانطَلِق، وتَخَلَّص مِنَ الخَطيَّة، وتَحَرَّرْ مِن حُبِّكَ للحَياةِ الدُّنْيا، وتَخَلَّص مِنَ الأمورِ التَّافِهَةِ وَمِنَ المُساوَمة. تَوَقَّفْ عن هَدْرِ الوقت. وَتوقَّف عَن مُغازَلَةِ العالَم. وتَوقَّف عنِ القيامِ بتلكَ الأمورِ الَّتي لا قيمَةَ لها البَتَّةَ في المستقبَل، وانطَلِق يَدًا بِيَدٍ مَعَ الرَّبِّ وَيَدًا بِيَدٍ مَعَ الآب. فَيا لِرَوعةِ أن نَعملَ مَع ذَاكَ الْقَادِر أَنْ يَفْعَلَ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِر. اعمَلوا!
وَقد كانَ يَسوعُ يَعلمُ أنَّهُ سيَموتُ بَعدَ أشهُر قَليلة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الخامِس: "مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَم". ولكِنَّ هذا لَن يَدومَ إلاَّ فَترةً قَصيرةً وَحَسْب. صَحيحٌ أنَّهُ سيَبقى النُّورَ دَائِمًا مِنْ جِهَة، ولكِنَّ نُورَهُ لن يُنيرَ العَالَمَ بِنفسِ القُوَّةِ كَما حَدَثَ في تلكَ السَّنواتِ الثَّلاث. لِذا، يَجِبُ عَليَّ أن أستَخدِمَ قُدرَتي وَنُوري ما دُمْتُ هُنا. وَهُوَ سيَستخدِمُ قُدرَتَهُ كي يُعطي هَذا الرَّجُلَ نُورًا مَادِّيًّا. ولكِنَّ الأَهَمَّ مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُ سيُعطي هذا الرَّجُلَ نُورًا رُوحِيًّا.
فإذا نَظرتُم إلى العَدد 38 ستُلاحِظونَ أنَّ الرَّجُلَ نَفسَهُ قال: "أُومِنُ يَا سَيِّدُ! وَسَجَدَ لَهُ". لِذا فإنَّهُ لم يَشْفِ الرَّجُلَ الأعمَى وَحَسْب، بَل خَلَّصَهُ أيضًا. لِذا، نَرى في الأعداد مِن 2 إلى 5 أنَّ النُّورَ يُشرِقُ في الظُّلمة. فأوَّلاً، إنَّهُ نُورٌ مَادِّيٌّ حَتَّى إنَّهُ صَارَ بِمقدورِهِ أن يَرى. ثُمَّ إنَّهُ نُورٌ رُوحِيٌّ حَتَّى يَرى الله. فأوَّلاً، صَارَ بمقدورِهِ أن يَرى العالَمَ مِن حَولِه، ثُمَّ صَارَ بِمقدورِهِ أن يَرى العالَمَ؛ أيِ العَالَمَ غير المَنظور. "أنا هُوَ نُورُ العالَم" كَما قالَ في الإصحاح الثَّامِن. "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاة".
فَقد كَانَ يَسوعُ يَعلَمُ أنَّ نِهايةَ حَياتِهِ قدِ اقتربَت. لِذا فإنَّهُ يَقول: "يا رِفاق! يَنبغي أن نَعمَل. يُمكِنُني فقط أن أُعطي هذا القَدرَ مِنَ النُّورِ مَا دَامَ نَهار؛ ولكنَّ هذا النَّهارَ سيَزول". وَقد كَرَّرَ الكلماتِ نَفسِها مَرَّاتٍ عَديدة؛ أربَعَ مَرَّاتٍ على أَقَلِّ تَقدير في الأناجيل حيثُ تَحَدَّثَ عَن أنَّهُ النُّور؛ وَعن حَقيقةِ أنَّ الأمرَ لن يَستَمِرَّ على المِنوالِ نَفسِه. فَذلكَ الوَقتُ مَحدود.
إذًا هُناكَ الظُّلمةُ، وهُناكَ النُّور. ثُمَّ نَأتي ثَالثًا (في العَدَدَيْنِ السَّادِسِ والسَّابع) إلى البَصَر: "قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا".
والآن، إذا قَرأتُم كُتُبَ تَفسيرٍ سَتَجدونَ سُؤالاً يُطرَحُ وَهُوَ: لماذا استَخدَمَ يَسوعُ هذهِ الطَّريقة؟ الحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ فَعلَ ذلكَ مَرَّاتٍ عَديدة. فَفي الإصحاح السَّابعِ مِن إنجيلِ مَرقُس، استَخدَمَ اللُّعابَ المَمزوجَ بالطِّينِ كَي يَشفي أُذُنَيِّ شَخصٍ. وفي الإصحاح الثَّامنِ مِن إنجيلِ مَرقُس، فَعلَ الشَّيءَ نَفسَهُ بِأعمَى آخر. فَقد كَانَ يَفعلُ ذلك. والنَّاسُ يَتساءلون: لماذا كانَ يَفعلُ ذلك؟ لَقد عَثَرْتُ على آراءٍ مُدهشة. فَهُناكَ مَن قَال: لكي يَستخدِمَ الخَواصَّ العِلاجيَّةَ المَوجودةَ في اللُّعاب. حَقًّا؟ هَذهِ مُبالَغة! وَقد قالَ مُفَسِّرٌ آخر: لكي يَزيدَ عَماهُ أكثر! ولكِنْ لا يُمكِنُكَ أن تَصيرَ أعمَى أكثر إنْ كُنتَ أعمَى تمامًا! فَإنْ وَضعتَ طِينًا على عَينيينِ لا تُبصِران فإنَّ ذلكَ لا يَزيدُ العَمى! لِذا فإنَّهُ ليسَ تَفسيرًا صَحيحًا. وقد قالَ آخر: لكي يَرمِزَ إلى أنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ مِنْ طِيْن. ولكنِّي لا أرى صِلَةً هُنا! وقد قالَ آخر: لكي يُعطي العَينينِ وَقتًا للشِّفاء. ولكنَّ هَاتَيْنِ العَينينِ لم تَكونا بِحاجةٍ إلى الشِّفاء، بَل إلى الاستبدال. لِذا فإنَّ هذهِ التَّفسيراتِ هَزيلة.
ولكِن لماذا استَخدَمَ يَسوعُ هذا الأسلوب؟ لا أدري! كذلك، لا أُبالي بالسَّبب. فقد فَعلَ ذلك. لَقد فَعلَ ذلك. وهُناكَ عُنصُرٌ أفهَمُهُ. فقد كانَ بمقدورِهِ أن يَلمَسَ عَينيهِ ويَجعلَهُ يَرى حَالاً بأنْ يَخلِقَ عَيْنَيْنِ في الحَال. ولماذا أرسَلَهُ إلى مَكانٍ مَا؟ لأنَّهُ، في اعتقادي، يَدعوهُ إلى الطَّاعةِ هُنا. فَهُوَ يَدعو ذلكَ الرَّجُلَ إلى الخُضوع. والآن تَذَكَّروا أنَّ الرَّجُلَ لا يَدري مَنِ الَّذي يُكَلِّمُهُ. فَهُوَ لم يَرَ أيَّ شَخصٍ في حَياتِه. ولكِنَّهُ أَطاع. فَقد ذَهَبَ وَفَعَلَ مَا طُلِبَ مِنه: "فَمَضَى..." [في العَددِ السَّابعِ] "...وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا". ولماذا فَعلَ الأعمَى ذلك؟ فإن اقتربتَ مِن مُتَسَوِّلٍ أعمَى وَتَفَلْتَ، وَوَضَعْتَ طِينًا على عَينيهِ فإنَّهُ سيَصفَعُكَ على الأرجَح؛ ولا سِيَّما إن لم يَكُن يَعرِفُ مَن أنت. وقد لا يُبالي بِمَنْ تَكون.
ولكِنْ لماذا فَعلَ الأعمَى ذلك؟ لأنَّ الإلحاحَ الإلهِيَّ النَّابِعَ مِنَ السُّلطانِ الَّذي تَعْسُرُ مُقاوَمَتُهُ ابتدأَ يَعمَلُ في إرادَتِه. فَقد ابتدأَ في التَّغيُّر. وَهل نَرى هُنا نَموذَجًا على الوِلادةِ الجديدة؟ فَهُناكَ حَياةٌ جَديدةٌ سَطَعَتْ في نَفسِهِ المُظلِمَة. ولا أعتقدُ أنَّهُ تَرَدَّدَ البَتَّة، بَل أعتقدُ أنَّ شَرارةَ الإيمانِ اضْطَرَمَتْ في قَلبِهِ عندما ابتدأَ رُوحُ اللهِ في تَغييرِهِ مِنَ الدَّاخِل. ونَجِدُ اكتمالَ ذلكَ في العَدد 38 حينَ قَال: "أُومِنُ يَا سَيِّدُ!" وَسَجَدَ لَهُ.
هَل كانت هَذِهِ أُوْلَى أعمالِ الرُّوحِ القُدُسِ لِحَفْزِ هذا الرَّجُلِ على الخُضوعِ للمَسيح؟ فلماذا أرسَلَهُ إلى بِرْكَةِ سِلوام؟ إنَّهُ مَكانٌ خَاصٌّ جدًّا. فقد كانَ يُوجَدُ خَارِجَ السُّورِ مَكانٌ يُدعَى "نَبْع جِيحُون". فقد كانَت تُوجدُ مِياهُ كثيرة؛ ولكنَّ المدينةَ كانت ضَعيفةً جدًّا. فقد كانت تَحتَ الحِصار. وكانوا قَلِقينَ في أيَّامِ حَزَقِيَّا مِنْ مُحاصَرةِ الأشورِيِّينَ للمدينةِ وَقَطْعِ المَاءِ عنها. لِذا، أَمَرَ حَزَقِيَّا ببناءِ قَناةٍ تَمتَدُّ مِنْ أَصْلِ النَّبْعِ إلى أسفلِ سُورِ المَدينة وُصولاً إلى أورُشليم لكي يَكونَ لَديهم إمدادٌ مِنَ المَاء. وكانتِ المِياهُ تَتَجَمَّعُ في بِركَةِ سِلوام؛ وهي كلمة مَعناها "مُرسَل" لأنَّ الماءَ كانَ مُرْسَلاً مِنَ النَّبْعِ (أيْ نَبْعِ جِيحونَ) إلى المَدينة. وكانَ هَذا هُوَ مَصدَرُ الماءِ الَّذينَ يَذهبونَ إليهِ في عيدِ المَظَالِّ لِجَلْبِ الماءِ في ذلكَ العيدِ العَظيمِ لأنَّهُم عندما كانُوا يَسكُبونَ الماءَ، كانوا يَتذكَّرونَ أنَّ اللهَ أعطاهُم مَاءً في البَريَّة. وقد قالَ يَسوعُ إنَّهُ المَاء. فَهُوَ المَاءُ الحَيّ. أَتَذكرونَ ذلك؟
إذًا، كانَ ذلكَ يُشيرُ إلى النِّعمةِ الإلهيَّة، ويُشيرُ إلى التَّطهيرِ الإلهيِّ، ويُشيرُ إلى مَاءِ الحَياة. وَهِيَ صُورةٌ بَديعَةٌ حَقًّا! وَهُوَ مَاءٌ مُرسَلٌ إلى المَدينة. لِذا فإنَّهُ رَمْزٌ جَميلٌ آخر. فقد كانَتِ المِياهُ تَجري مِن تَلَّةِ الهَيكلِ وَتَرمِزُ (حَتَّى في العهدِ القديمِ) إلى البَرَكةِ الرُّوحيَّة. وقد تَحَدَّثَ الإصحاح الثَّامنُ مِن سِفْرِ إشَعْياء عن ذلك.
لِذا عندما ذَهبَ الرَّجُلُ ليَغتسِلَ في بِركةِ سِلوام، كانَ هُناكَ مَغزى مِن ذلك. فقد كانَ ذاهِبًا إلى سِلوام الحَقيقيّ؛ أيْ إلى نَبْعِ الحَياةِ المُرسَل مِنَ الله. فالمَسيحُ هُوَ سِلوامُ الحَقيقيّ. وَحَتَّى إنَّهُ قَالَ ذلكَ في الإصحاح السَّابعِ والعَدد 37: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ". لِذا فإنَّنا هُنا أمامَ صُورةٍ بَديعةٍ وَتَشبيهٍ جَميل!
فَهَكذا يَعملُ الخَلاصُ في هذا التَّشبيه. فالنِّعمةُ الإلهيَّةُ تَلتقي خَاطِئًا أعمَى بائِسًا وَلا رَجاءَ لَهُ. فَهُوَ لا يَستطيعُ أن يَرى، ولا يَستطيعُ أن يَرى اللهَ، ولا يَستطيعُ أن يَرى المَسيح؛ ولكِنَّ النِّعمةَ الإلهيَّةَ تَأتي إليهِ، وتَلْمَسُ بِيَدِها المُنعِمَةِ والرَّحيمةِ نَفسَهُ، ولا تَطلُبُ مِنهُ سِوى أنْ يُؤمِنَ وَحَسْب، وَتَحْفِزُهُ على التَّجاوُب. وَهُوَ يَشُقُّ طَريقَهُ إلى الماءِ المُطَهِّرِ الَّذي يَرمِزُ إلى الخَلاصِ المَسيحانِيِّ في سِفْرِ إشَعْياء. ثُمَّ إنَّهُ يَعودُ مُبصِرًا رُوحِيًّا. إنَّها صُورةٌ جَميلةٌ حَقًّا!
وَهَذا يَقودُنا إلى الجُزءِ الأخيرِ مِنَ الآياتِ الافتتاحيَّة. وهذا يُعيدُنا إلى الظُّلمةِ مَرَّةٍ أخرى لأنَّ الجَميعَ كانُوا في ظُلمةٍ بشأنِ مَا يَحدُث: "فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلاً أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟»". وَهذا يَعني أنَّهُ كانَ يَفعلُ ذلكَ كُلَّ يَوم كي يَعيش. وهذا أمرٌ شَائعٌ جدًّا. فَهُوَ المُتَسَوِّلُ نَفسَهُ. وكانَ يَجلِسُ دائمًا في نَفسِ المَكان.
ولكنَّهُم عَجِزوا عَن تَفسيرِ إبصارِ ذلكَ الرَّجُل. لِذا فقد قالوا: "أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟" "آخَرُونَ قَالُوا: «هذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ»". إنَّهُ يُشبِهُهُ. هَذا غيرُ مَعقول! "وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»". "لا حَاجَةَ إلى الجِدال! يُمكنُني أن أقولَ لَكُم إنِّي أنا هُوَ". ولا يُمكنُني أن أتخيَّلَ بَقيَّةَ المُحادثة بينَهُم إذْ راحَ يُحاولُ أن يُفَسِّرَ لَهُم إنَّهُ لم يَكُن قادِرًا على رُؤيةِ أيِّ شيءٍ في حَياتِهِ ويُحاولُ أن يَستوعِبَ كُلَّ العالَمِ الَّذي أمامَهُ! ولا أدري مِقدارَ الفَرَحِ والسَّعادةِ الَّتي كانَ يَشعُرُ بِها وَهُوَ يَقولُ لَهُم إنَّهُ هُوَ!
"فَقَالُوا لَهُ: «كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟»". وأنا أُحِبُّ ذلك؛ أيْ ما جاءَ في العَددِ الحادي عَشَر: "أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ". فالأمرُ بَسيطٌ. فَقد قَدَّمَ تَفسيرًا بَسيطًا: "إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ". ولا شَكَّ في أنَّ أَحَدًا قالَ لَهُ ذلك. "إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ". وَهذا لا يُفَسِّرُ كَيفَ حَدَثَ ذلك، بَل يُفَسِّرُ فقط ما فَعَلَهُ. فلا يُوجَدُ تَفسيرُ لما حَدَث. فهذهِ مُعجِزَةٌ تَنطوي على الخَلْق.
ولكنَّ هذا الرَّجُلَ لا يَستطيعُ إلاَّ أنْ يَصِفَ مَا اختَبَرَهُ وَحَسْب. لِذا فقد كانَ يُحاوِلُ أن يُزيلَ الظَّلامَ عَن بَقيَّةِ النَّاس: "إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ". "فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ ذَاكَ؟» قَالَ: «لاَ أَعْلَمُ»". رُبَّما قالَ: "أينَ ماذا؟ أنا لم أَرَ أيَّ مَكانٍ أو شَيءٍ آخر! ماذا تَقصِدون؟ هل تُريدونَ أن أُخبِرَكُم كيفَ تَصِلونَ إليه؟ أنا لا أعرِفُ مَكانَ أيِّ شَيء!"
لِذا فقد كانتْ هذهِ الظُّلمةُ واقِعَةً وَحَالَّةً على الجَميع. ولكِنْ كيفَ يُمكِنُهم أن يَطرُدوا تلكَ الظُّلمة؟ نَقرأُ في العَدد 13: "فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى". فَقد أَخذوهُ إلى الخُبراء! وَهُنا رَاحَ عَدمُ الإيمانِ يَتَحَرَّى مُعجزةً نَتيجَتُها مَعروفة. يا لَها مِن قِصَّةٍ عَجيبةٍ حَقًّا! إنَّها قِصَّةٌ مُدهشة! فَقِصَّةُ شِفاءِ يَسوعَ لِرجُلٍ أعمَى تُوَضِّحُ إيضاحًا جَميلاً حَقًّا عَمليَّةَ الخَلاص. فَنحنُ نَقْبَعُ في حَالَةِ عَمَى بِسَببِ الخطيَّةِ على غِرارِ المُتَسَوِّلين. فَنَحنُ لا نَستطيعُ أن نَرى الله، ولا نَستطيعُ أن نَرى المَسيح، ولا نَستطيعُ أن نُدركَ المُخَلِّصَ، ولا نَستطيعُ أن نَقومَ بأيَّةِ عَمليَّةِ تَحريرٍ أو إنقاذ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ بِرَحمَتِهِ، أوِ المَسيحَ بِرَحمَتِهِ يَجِدُنا. وهَذا هُوَ الخَلاص. وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ لَنا في عَمانا ويُعطينا بَصَرًا. وكُلُّ ما يَطلُبُهُ مِنَّا هُوَ بِبَساطَةٍ أن نُؤمِن. وَهُوَ مَنْ يُعطينا القُدرةَ على ذلك. وَهُوَ يَغسِلُنا فَنَرى إلى الأبد. وَهذا هُوَ مَا حَدَثَ لِهذا الرَّجُل. فأوَّلاً، لَقد حَصَلَ على الشِّفاءِ الجَسديّ، ثُمَّ إنَّ عَمَى الرُّوحِ زَال. ولكِنَّنا سَنُرْجِئُ الحَديثَ عَن ذلكَ إلى المَرَّةِ القادِمَة. دَعونا نُصَلِّي:
يا لَها مِن بَرَكَةٍ عَظيمةٍ، يا رَبُّ، في أن نَعيشَ هذهِ المَشاهِدَ، ونَشعُرَ كما لو أنَّنا هُناكَ إلى حَدٍّ مَا بِسَببِ اللُّغةِ الواضحةِ والبَديعةِ والبسيطةِ للكِتابِ المُقدَّس. وَمَا أروعَ أن نَعودَ إلى الخَلفيَّاتِ، وَأنْ نَسيرَ مَعَ يَسوعَ في هذهِ المَواقِف! وَحَتَّى إنَّ الشَّيءَ الأروعَ مِن أن نَرى التَّاريخَ كَما هُوَ بِكُلِّ عَظَمَتِهِ هُوَ أن نَعلَمَ أنَّ هذهِ هِيَ حَقيقَتُنا نَحنُ أيضًا لأنَّنا كُنَّا عُميانًا، ولم نَكُن نَرى اللهَ، ولم نَكُن نَرى المَسيحَ، ولم نَكُن نَعرِفُ النُّور. وَحَتَّى إنَّنا لم نَكُن نَعلَمُ أنَّ هُناكَ عَالَمًا يُمكِنُنا أن نَراه، أو كيفَ هُوَ إلى أنْ جئْتَ بالرَّحمةِ والنِّعمةِ، واخْتَرْتَ بِمِلْءِ سِيادَتِكَ أنْ تُعطينا نُورًا رُوحيًّا. وكُلُّ ما تَطلُبُهُ هُوَ أنْ نُؤمِنَ وحَسْب؛ وَهُوَ أمرٌ تُعطينا أنتَ القُدرةَ على القِيامِ به! وَقد جِئْنا إليكَ فَغَسَلْتَنا وَطَهَّرْتَنا فَصرْنا قَادِرينَ على الإبصار! نَشكُرُكَ على الخَلاصِ الَّذي وَهَبْتَهُ لَنا بِسِيادَتِكَ وَنِعمَتِك. يا رَبُّ، أسألُكَ أن تُعطي هذا الخَلاصَ للأشخاصِ الحاضِرينَ هُنا اليومَ والَّذين ما زَالوا عُميانًا، وما زَالوا يَجلِسونَ ويَسْتَعْطونَ دُونَ بَصَرٍ وَدُونَ رَجاء. يا رَبُّ، تَوَقَّفْ عِنْدَ هَؤلاء. تَوقَّف عِندَ تِلكَ النُّفوسِ، ومُدَّ يَدَكَ لَهُم، والمِسْهُم، وأعْطِهِم بَصَرًا، وحَفِّزِ الإيمانَ في حَياتِهم لكي يَقبَلوكَ رَبًّا ومُخَلِّصًا.
ومَرَّةً أخرى يا رَبُّ، نَأتي بِكُلِّ امْتِنانٍ إلى خِتامِ هذهِ السَّاعَة. وَنحنُ نَشعُرُ بالانتعاشِ الشَّديدِ في الشَّرِكَةِ بَعضُنا مَع بَعضٍ وَمَعَكَ، ونَشعُرُ بأنَّنا اغْتَنَيْنا جِدًّا وتَبارَكْنا جِدًّا. رَسِّخْ في قُلوبِنا هذهِ الحَقائقَ العَظيمةَ الَّتي نُصَلِّي أن تَصيرَ جُزءًا مِنَّا، وأنْ تَصيرَ جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِن تَفكيرِنا. وَلَيْتَنا نَصيرُ مُتاحينَ لِروحِكَ القُدُّوسِ كي نَنْطِقَ بِكَلِماتِ الرَّجاءِ والخَلاصِ على مَسْمَعٍ مِن أولئكَ الَّذينَ نَلتَقيهِم. استَخْدِمْنا لِمَجدِكَ. هَذِهِ هِيَ صَلاتُنا باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
