بطريقةٍ غريبة، المحبَّة مُرتبطة ارتباطًا بالكراهِيَة في الأناجيل. والحقيقة هي أنَّه عندما تَحدَّث يسوع إلى رُسُله في الأصحاح الخامس عشر مِن إنجيل يوحنَّا فإنَّه تحدَّث عن مَركزيَّة المحبَّة. فقد قال في العدد 17: "بِهذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". بعد أن قال ذلك مُباشرةً، وربَّما قبل حتَّى أن يَتنفَّس، فإنَّ العددَ التَّالي يقول إنَّه قال الكلماتِ التَّالية: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ". ثُمَّ إنَّه في العدد 19 حَذَفَ "إنْ" وقال: "لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ". وهذا مُدهش. أليس كذلك؟ فاللهُ مَحبَّة. والمسيحُ هو المحبَّة المُتجسِّدة. ونحن بمُقتضى ذلكَ أولادُ اللهِ إذْ إنَّه سَكَبَ في قلوبنا مَحبَّتَه. فنحنُ نُحبُّ اللهَ. ونحنُ نُحبُّ الإخوة ونُحِبُّ الأشخاص الَّذينَ خارج الملكوت.
وما الَّذي نَحصل عليه بالمُقابل؟ الكَراهِيَة. فالنُّور أَتى إلى العالم، ولكنَّ النَّاسَ أَحبُّوا الظُّلمةَ أكثرَ مِن النُّور. والحقيقة هي أنَّهم يُبغضون النُّور كما يقول الكتاب المقدَّس. وما دام ذلك صحيحًا، وسيَبقى صحيحًا طَوال التَّاريخ البشريّ، أي ما دامَ النَّاسُ يُحبُّون الظُّلمة أكثر مِن النَّور، وما دُمنا نُقدِّمُ المسيحَ ونقولُ إنَّه النُّور، وإنَّ المؤمنين أيضًا هُم أولادُ نُور، يجب علينا أن نتوقَّع أن نكونَ مُبغَضين، ولا سِيَّما وتحديدًا مِن قِبَل... وهذا في اعتقادي هو الجُزء الصَّاعِق... مِن قِبَل الأشخاص المُتديِّنين. فأغلبيَّة العالَم مُتديِّن. فالإنسان مَخلوقٌ في الأصل ليكونَ عَابِدًا. فَهُوَ مُتديِّن جدًّا. أمَّا الإلحادُ فهو حالة شاذَّة غريبة. فهو فكرة ومُعتقَد غير مألوف، وغريب عن طبيعة الإنسان الَّذي يَعبُد بطريقة أو بأخرى إلهًا مَا. فإن لم يكن يَعبد اللهَ الواحدَ الحقيقيَّ فإنَّه يَعبُد إلهًا مِن صُنعِ يَديه، أو إلهًا مِن صُنع الشَّياطين.
والأشخاصُ المُتديِّنون يُبغضون الحقَّ. وهُم يُبغضون مَن يُنادون بالحقِّ. وها نحن هنا نَتلقَّى أمرًا إلهيًّا بأن نُحبَّ العالَم بذات الطَّريقة الَّتي أَحبَّ بها هو العالَم، ويُعطينا قدرةً خارقة للطَّبيعة للقيام بذلك. ولكنَّنا نجد أنَّ ما نحصل عليه مُماثِل لما حَصَلَ هو عليه: الكَراهِيَة. وهناك سبب لذلك. وإليكم السَّبب: لأنَّه لا يوجد شيء أَغلى عند الخاطئ المُتديِّن مِن وَهْم فضيلته. فكما تَرَون، فإنَّ الشَّخص المُتديِّن مُنهمكٌ دائمًا في رسم صورة في ذِهنه لمكانته المرموقة عند إلَهِه. فالخُطاةُ... الخُطاةُ المُتديِّنون يَبنون ما يُشبهُ بُرْجَ بَابِل الَّذي كان مَعبدًا أو صَرْحًا بَنَوْهُ بأنفسهم لِمَدحِ أنفسهم.
فَمِن خلال قِيَمِهم الأخلاقيَّة ومُراعاتهم للواجبات الدِّينيَّة وَضعوا طُوبَةً فوق طُوبَةٍ فوق طُوبِةٍ فوق طُوبَة في محاولةٍ لبناء بُرجٍ قويٍّ وعالٍ. وَهُم يَعيشون في وَهْمٍ بأنَّه عندما يَحين وقتُ موتِهم في يومٍ ما فإنَّهم سينتقلون مباشرةً مِن قِمَّة ذلك البُرج إلى قاعة عَرشِ إلههم. وقد نَجح مِثلُ هذا الخاطئ المُتديِّن في عَزْلِ أوَّلِ أشكالِ تَبكيتِ الضَّمير، وحَقَّقَ انتصاراتٍ على ذلك الضَّمير الَّذي كان في وقتٍ مِن الأوقات لا يتوقَّف عن اتِّهامه بالخطيَّة والعار والذَّنب، ولكنَّه نَجَح مِن خلال الرَّفض المستمرِّ لتلك الرِّسالة على إسكاتِه. ومِن خلال الأخلاق السَّطحيَّة واللُّجوء إلى الدِّين، حَقَّقَ الخاطئُ سلسلةَ انتصاراتٍ على صوت الضَّمير الَّذي صار خافتًا الآن، والَّذي تَلقَّى بِشَتَّى الأشكال والصُّور معلوماتٍ خاطئة بصورة مُستمرَّة، وتَمَّ تجاهله إلى أن صار صوته مُجرَّد هَمْسٍ خافت.
والحقيقة هي أنَّ ضَميرَهُ قد تَدرَّب لا على اتِّهامه، بل على إيجاد عُذرٍ له. وقد صار ضميرُهُ الآن مُتوافقًا معه، ومُنسجمًا مع ذهنه الخاطئ حتَّى إنَّ إلهَهُ يَنظُر إليه في الأسفل (بصراحة) ولا يُبدي شيئًا سوى الأعجاب. ثُمَّ نأتي نحن بعقيدتنا المسيحيَّة. فنحن نأتي إلى الخاطئ المُتَديِّن بقصدٍ واحدٍ. فهَدَفُنا، إن أردنا أن نَتكلَّم بالعاميَّة هو أن نَطير إلى بُرجِهِ الدِّينيِّ العالي ونَهدمَهُ إلى أن يَستوي بالأرض فلا يعود له أثر. وهدفُنا هو بصورة أساسيَّة هو أن نَحرمه مِن أوهامه المُختصَّة بالفضيلة، وأن نَطمِسَ هُويَّته، وأن نَكبَحَ شُعورَهُ بالصَّلاح والتَّقوى، وأن نَهدم رجاءه بالسَّماء. والحقيقة هي أنَّنا قد دُعينا إلى النَّجاحِ في المَهمَّة الَّتي لم يَنجح ضَميرُه المُعذَّب والمَكتوم بكلِّ مَزاياه الدَّاخليَّة مِن القيام بها.
فالخاطئُ المُتديِّن ذَبحَ بفاعليَّة جُليات ضَميره. وقد شَيَّدَ صَرْحَ البِرِّ الذَّاتيِّ هذا، وعمل جاهدًا، وبَنى جاهدًا، وصارعَ جاهدًا. وهو صَرْحٌ ضخم. ثُمَّ إنَّنا نأتي ونخبره إنَّه خاطئ، وخارج ملكوت الله، ومُتمرِّد، ومَطرود، ومُراءٍ، وضَالّ، ومَحكوم عليه بالدَّينونة الأبديَّة، وبأنَّه لم يكن يومًا أيَّ شيءٍ آخر. وإن استمرَّ في الطَّريق الَّذي يَسلُكه الآن فإنَّه لن يكون يومًا أيَّ شيءٍ آخر. ثُمَّ إنَّ النِّهاية السَّعيدة للقصَّة هي أنَّه مُتَّجِه إلى جَهنَّم. وحقيقة الأمر هي أنَّه بِغَضِّ النَّظر عَمَّا يُفكِّر فيه بخصوص ذاته فإنَّه لا يَملك أيَّ قيمة حقيقيَّة قُدَّام الله. فهو مُصاب مِن الدَّاخل بسرطان تقدير الذَّات والدِّيانة الباطلة، ولا يوجد له رجاء. وهذه ليست مَهمَّة سهلة بالنِّسبة إلينا.
وإن أردنا أن نُقنع الخاطئَ المُتديِّنَ بهذا كُلِّه فإنَّ ذلكَ يُناقض كلَّ شيءٍ صَنَعَهُ بدقَّة مُتناهية. وهذا هو تمامًا ما فَعله يسوعُ عندما جاء إلى اليهوديَّة المُرتدَّة فقَتلوه بسبب ذلك. وقد حاولوا أن يَقتلوه بعد عظة واحدة قَدَّمَها في مَجمَع بلدته في النَّاصرة. فقد كانت عظة واحدة كافية لِدَكِّ بابل خاصَّتهم وتَسويتها بالأرض. لذا فقد قال يسوعُ في نفس ذلك الأصحاح الخامس عشر من إنجيل يوحنَّا: "إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي..." فسيَفعلون ماذا أيضًا "فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ". فلا يمكنكم أن تَجعلوا الإنجيل مَقبولاً لدى خاطئ مُتديِّن. ولكنَّ أغلبيَّة النَّاس يَندرجون تحت تلك الفئة. فقد قتلوا يسوع.
ولم يكن السَّبب في ذلك هو أنَّهم امتَعضوا مِن شِفاءاتِه، بل إنَّهم أحبُّوا تلك الشِّفاءات. فقد جَعلت النَّاس يَسعدون. ولم يكن السَّبب في ذلك هو أنَّهم امتَعضوا مِن الطَّعام المجَّانيِّ عندما أَطعمَ الجُموع. ولم يكن السَّبب في ذلك هو أنَّهم امتعضوا مِن قدرته على طَرد الشَّياطين مِن النَّاس وإعادتهم إلى رُشدِهم؛ بل إنَّ السَّبب هو أنَّهم أبغضوا فكرة أنَّه هَدَمَ أبراج البِرِّ الذَّاتيِّ خاصَّتهم. وفي ذلك المقطع نفسه في إنجيل يوحنَّا، أَعطى يسوعُ... الحقيقةُ هي أنَّه أعطى نفس قانون التَّلمذة الرَّئيسيّ الَّذي يُعَدُّ في نَظرنا عادةً قانونًا إيجابيًّا. فقد قال ما يلي: "ما فعلوه بي سيفعلونه بكم". وبتعبير لوقا لاحقًا: "كُلُّ مَنْ صَارَ [تِلميذًا] كَامِلاً يَكُونُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ". هذا هو المبدأُ الرئيسيُّ للتَّلمذة. فسوف تكونون مِثل الشَّخص الَّذي تَلمَذَكُم، وستُعاملون كما عُوِملَ الشَّخص الَّذي تَلمَذَكُم. وقد قال يسوع: "المُعاملة الَّتي ينبغي أن تَتوقَّعوا هي ذات المُعاملة الَّتي عَامَلوني بها".
إنَّها رسالة صعبة. وهي رسالة مُحَطِّمَة. والحقيقة هي أنَّ يسوع قال في العدد 25 مِن نفس الأصحاح الخامس عشر مِن إنجيل يوحنَّا: "إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلاَ سَبَبٍ. والحقيقة هي أنِّي قَدَّمتُ لهم الخَبرَ السَّارَّ. فقد قَدَّمتُ لهم الإنجيلَ. وقد كنتُ أقول لهم ما هُم بحاجة إلى مَعرفته. وقد شَخَّصْتُ بدقَّة حالَتَهم الروحيَّة. وقد كنتُ أُقدِّم لهم العلاجَ الإلهيَّ الوحيدَ فأبغضوني بسببِ حُبِّي لهم". لِذا فإنَّ السُّؤال هو: "كيف نَجعل هؤلاء الأشخاص يَقبلون هذه الرِّسالة؟ وكيف نَغلِب هذه الكَراهِيَة؟ وكيف نَغلِب هذه العَداوة، وهذه المَرارة، وهذا الامتعاض الشَّديد؟" والجوابُ هو: "المَحبَّة".
والآن، بالرَّغم مِن أنَّنا قد نُتَّهَم بالبساطة المُفرِطَة، لنَفتح على إنجيل لوقا والأصحاح السَّادس وننظر إلى نَصِّنا لنرى عُمْق ذلك. فكيف تَهدِمون ذلك الصَّرْحَ الَّذي بَناه الإنسان؟ أو كيف تَهدمونَ (إن أردنا أن نَستخدم لغة بولس في رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح 10) كيف تَهدمون تلك الحُصون؟ وكيف تُزيلونَ ذلك الوهم الدِّينيّ؟ أنتم تفعلون ذلك مِن خلالِ إظهارِ... لاحظوا هذا الآن... أنتم تفعلون ذلك مِن خلال إظهار الحياة الخارقة للطَّبيعة الَّتي تَنشأ عن تلك الرِّسالة الخارقة للطَّبيعة. فَهُم يَظُنُّون أنَّهم سَمِعوا كلمةً مِن الله. وَهُم يَظُنُّون أنَّهم تَلَقَّوا رسالةً مِن الله. وَهُم يَظُنُّون أنَّهم يَتبعون ديانةً خارقةً للطَّبيعة. وَهُم يَظُنُّون أنَّهم يَتبعونَ حَقًّا إلهيًّا.
كيف تُقنعونهم بأنَّهم ليسوا كذلك؟ مِن خلال إظهار الحياة الخارقة للطَّبيعة الَّتي لا يمكنهم أن يعيشوها. والمِفتاحُ لتلك الحياة هو المحبَّة الخارقة للطَّبيعة. فالنُّقطة الجوهريَّة هي أنَّ مِصداقيَّة الإنجيل مُرتبطة بمحبَّتنا بطرق لا يُمكن للخاطئ مِن خلالها أن يُحِبَّ. وفي الأعداد 32-34 مِن لوقا 6، يُعَرِّف يسوعُ محبَّة الخطاة: فَهُم "يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ" [في العدد 32]، ويُحسِنون إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْهمْ [في العدد 33]، ويُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ" كي يَستغلُّوا النَّاسَ. فهو يقولُ في كلِّ هذه الآيات الثَّلاث: "هكذا يُحِبُّ الخُطاةُ".
فسواء كانوا مُتديِّنين أَم غير مُتديِّنين (مع أنَّ الأغلبيَّة بكلِّ تأكيد مُتديِّنة) فإنَّ قُدرتهم على الحُبِّ محدودة جدًّا بسبب طبيعتهم السَّاقطة. ونحن نأتي إلى هذه البيئة ونُظهِر محبَّة ليست بحسب الحِكمة التَّقليديَّة وليست بحسب الأعراف السَّائدة. فهي ليست طبيعيَّة. وهي ليست حتَّى بشريَّة. وهي ليست حتَّى مُمكِنَة. ثُمَّ إنَّ هذه المحبَّة تصير الدَّليل على التَّدخُّل والتَّغيير الإلهيّ في حياتنا. فهي القاعدة الَّتي تَجعل الرِّسالة قابلة للتَّصديق. فيجب علينا أن نُحبَّ مَحبَّةً إنجيليَّة.
والآن، هذا هو ما يُعَلِّمُه يسوعُ لتلاميذه في نَصِّنا هذا. ونحن نجد أنفسنا في العِظة على الجبل (كما تُسَمَّى) إذ إنَّها تَلخيصُ لوقا للعِظة على الجبل مِن الأصحاح 6 والأعداد 20-49. ومَتَّى يُقدِّم تلخيصًا أكبر لتلك العظة الَّتي مِن المؤكَّد أنَّها كانت عند تقديمها أكبر مِن المُلَخَّص الَّذي يُقدِّمُه مَتَّى أو المُلخَّص الَّذي يُقدِّمُه لوقا. ولكنَّ لوقا يُعيد النِّقاط الرَّئيسيَّة لتلك العظة الَّتي قُدِّمَت في ذلك اليوم والَّتي كُتبت بوحيٍ مِن الرُّوح القُدُس ونافعة لنا جميعًا. وما يقوله في الأعداد 27-38 (أي في هذا المَقطع مِن العِظة) هو كلُّه عن المحبَّة.
العدد 27: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُون"؛ وهذا يعني: الأشخاص الَّذينَ ولدوا ثانيةً، والأشخاص الَّذينَ تَغيَروا وصاروا يَملكون القدرة على قَبولِ الحقِّ الإلهيِّ وفَهمِه وتطبيقِه. فقد كان يُخاطب مجموعة كبيرة مِن السَّامعين. وكان بَعضٌ منهم تلاميذَ حقيقيِّين، وبعضٌ منهم تلاميذَ زائفين، وبعضٌ منهم يَتقدَّمون نحو الإيمان الحقيقيِّ، وبعضٌ منهم يُديرون ظُهورهم ويَبتدئون في الرُّجوع. فهو حَشْدٌ مُختَلَط. ولكن بالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذينَ وُلدوا ثانيةً، أيِ الَّذين آمنوا، والَّذينَ تَغيَّروا، صاروا يَملِكون القدرة على استيعاب وفَهم ما لا يَستطيع غير المولودين ثانيةً أن يَستوعبوه. لِذا فإنَّه يتحدَّث إليهم ويُوصيهم بأن يُحبُّوا أعداءَهُم. لِذا فإنَّ المحبَّة شيءٌ مُهمٌّ جدًّا.
فهي السُّلوكُ الَّذي يُمَيِّزُ المُؤمِنين. وهي بكلٍّ تأكيد الموقف المُمَيِّز للهِ الَّذي أَحَبَّ العالَمَ كُلَّ هذه المحبَّة، وللمسيحِ الَّذي أَحبَّ الخُطاة كلَّ هذه المحبَّة حتَّى بَذل نَفسَهُ. لِذا فإنَّنا مَدعوُّون أيضًا إلى نفس تلك النَّوعيَّة من المحبَّة. وكما رأينا في المَرَّة السَّابقة في رسالة أفسُس، في نهاية الأصحاح الرَّابع وبداية الأصحاح الخامس، حيثُ إنَّنا أولادُ اللهِ، يجب علينا أن نَسلُك في المحبَّة لأنَّ هذا يُظهِر قلبَ اللهِ الحقيقيّ. فالحقيقةُ العظيمةُ في التَّاريخِ المسيحيِّ هي أنَّ المؤمنين أَحبُّوا بأروع وأعجب طُرُقٍ مُمكنة ابتداءً مِن استفانوس فصاعِدًا. فقد سُحِقَ تحت الحِجارة الَّتي ألقاها عليه قاتِلوه بدافعِ حِقدهم، ولكنَّه صَرخَ قائلاً: "لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ" في تَدَفُّقٍ مُدهشٍ للمحبَّة تُجاه قَتَلَتِه. وهذا هو ما استمرَّ في الحدوث طَوال تاريخ الاستشهاد المسيحيِّ حتَّى هذه السَّاعة.
والعالَم يَشعر بالذُهول حين يَرى محبَّة المسيحيِّين لمُضطَهديهِم. فهذه صِفة مُمَيِّزَة للولادة الجديدة. وهذا دليل على انسكاب حياة الله في نفس الإنسان كي يُحبَّ أعداءَهُ، ويُحبَّ مُضطَهِديه، ويُحبَّ قَتَلَتَه – بذاتِ الطَّريقة الَّتي أَظهَرَ اللهُ بها نفسه في المسيح. وفي هذا النَّصِّ تحديدًا مِن إنجيل لوقا والأصحاح السَّادس، يَجعل الربُّ المحبَّة عامِل التَّمييز الأهمّ الَّذي يُميِّز التَّلاميذ الحقيقيِّين عن أيِّ شخصٍ آخر. وأقول بصراحة إنَّ الدِّين تُربة خِصبة لزَرع الكَراهِيَة. وقد يقولُ أُناسٌ: "أتَدري ماذا؟ في كُلِّ مَرَّة تَنشُب فيها حَربٌ فإنَّها حَرب دينيَّة".
وأنتُم تسمعون ذلك كثيرًا في الأخبار اليوم. "في كُلِّ مَرَّة تَنشُب فيها حَربٌ فإنَّها حَرب دينيَّة. فلا شَكَّ في أنَّ للمُسلمين حُروبهم المُقدَّسة. ولكن انظروا إلى المسيحيِّين. فالمسيحيُّون كانت لديهم حَملات صَليبيَّة. والمسيحيُّونَ قَتلوا بعضُهم بعضًا، والكاثوليك كانت لديهم مَحاكِم التَّفتيش وقَتلوا المُحتجِّين. ومُؤيِّدو معموديَّة الأطفال قَتلوا مَن يُنادونَ بإعادة المَعموديَّة، وهَلُمَّ جَرَّا. والكاثوليك يُحاربون البروتستنت في إيرلندا، والبروتستنت يُهاجمون الكاثوليك. وما الفرق بين المسيحيَّة وأيَّة ديانة أخرى؟"
والحقيقة هي أنَّ الفرق يَكمُن في أنَّ هؤلاءِ ليسوا مسيحيِّين حقيقيِّين. فما يحدث غالبًا، وهو أمرٌ مؤسف، هو أنَّهُ تَمَّ جَرُّ "المسيحيِّين" إلى هذه الحروب، وأنَّ المسيحيِّين الاسميِّين يَقتلون مَسيحيِّين اسميِّين آخرين. ولكنَّ هذا هو التَّزييف الشَّيطانيُّ للمسيحيَّة الحقيقيَّة. وهذا هو الاستخدامُ الشَّيطانيُّ لاسم المسيح لتشويهِ سُمعة رَبِّنا القُدُّوس. ولكنَّ المسيحيِّين الحقيقيِّين يُحبُّون حتَّى أعداءَهُم. فَهُم يُحبُّونهم مَحبَّة إنجيليَّة لأنَّهم يَفهمون أنَّ تلك المحبَّة الَّتي لا يُمكن أن تُفَسَّر على المستوى البشريِّ، والَّتي هي مُستحيلة على المستوى البشريِّ، هي أقوى دليلٍ على أنَّهم تَغيَّروا بقوَّة إلهيَّة. لذا فإنَّنا ننظر إلى هذه المحبَّة. ونحن ننظر إلى سِماتِها هُنا.
والآن في المَرَّة السَّابقة نَظرنا إلى وصايا محبَّة المَلكوت. وقد أَطلَقنا اسم "مَحبَّة المَلكوت" على ما جاءَ في العَددين 27 و28. لنرجع إلى ذلك النَّصّ. وصايا محبَّة الملكوت. فهناك أربع وصايا في العَددين 27 و28: "أحبُّوا أعداءَكُم". هذه هي الأولى. ثانيًا: "أَحسِنوا إلى مُبغِضيكُم". ثالثًا: "باركوا لاعِنيكُم". رابعًا: "صَلُّوا لأجل الَّذينَ يُسيئون إليكم". فهذه هي الأشياء الَّتي نُبادر إلى القيام بها. فنحن مَدعوُّون هنا إلى الشُّعور بشعور مُعيَّن وهو: "أن نُحبَّهم"، وإلى القيام بأمرٍ مُعيَّن وهو: "أن نُحسِنَ إليهم"، وإلى التَّكلُّم بطريقة مُعيَّنة وهي: "أن نُبارِكَهم"، وإلى التَّضَرُّعِ بطريقة مُعيَّنة وهي: "أن نُصلِّي لأجلهم". فنحن نَشعر تُجاهَهم بالمحبَّة، ونحن نَتصرَّف تُجاهَهُم بالمحبَّة. ونحنُ نُكلِّمهم بمحبَّة. ونحنُ نُصلِّي بمحبَّة لأجلهم.
ولكنَّ المِفتاح هُنا هو أعداؤكَ، والأشخاصُ الَّذينَ يُبغضونكَ ويَلعنونَكَ ويُسيئون مُعاملتَك. ولا شَكَّ في أنَّ كلامَ يَسوعَ هذا كان ثَورويًّا. والحقيقة هي أنَّ ذلك كانَ بالنِّسبة إلى المؤسَّسة اليهوديَّة لا ثَورويًّا فقط، بل كانَ تَجديفًا بحسبِ تَعليمِ أحبارِ اليهود إذْ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 5: 43 أنَّ يسوعَ قال: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ"... "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ"، وهي عبارة قصيرة تُشيرُ إلى تَقاليدِ أحبارِ اليهود: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ". فقد كانت تلك هي اليهوديَّة في زمن يسوع: "أَبغِضوا أعداءَكُم". وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الآية لاويِّين 19: 18 تقول: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". فقد كانوا يَعلمون ذلك، ولكنَّهم حَصَروا الكلمة "قريبكَ" في دائرة صغيرة جدًّا إذْ قالوا إنَّ القريبَ هو الشَّخص الَّذي لا يُسيءُ إليكَ، والَّذي يُوافِقُكَ الرَّأيَ في كُلِّ شيء. فهذا هو قريبُك. فهو يَهوديٌّ يَتَّفِقُ معكَ في كلِّ شيء.
فإن كنتَ خارجَ هذا التَّعريف، كانَ يَحِقُّ لهم أن يُبغضوك. والحقيقة هي أنَّهم نادوا بفكرةٍ تقول إنَّ هذه... إنَّ هذه فَضيلة، وإنَّ هذه الكَراهِيَة هي جُزءٌ مِن الشَّهامة الَّتي تَنطوي عليه حَماستُهم الدينيَّة. فقد كانت لديهم نظرة مُشوَّهة للقريب حتَّى إنَّ محبَّتهم كانت المحبَّة الاعتياديَّة المحدودة الَّتي يَقدر عليها الخُطاة. أَحِبُّوا أقرباءَكُم بحسبِ هذا التَّعريف الضَّيِّق، واكرَهوا كلَّ الأشخاص الآخرين. فقد كانوا يَنظرون إلى ذلك الأمر على أنَّه فَضيلة. ومِن أين أخذوا تلك الفِكرة؟ لقد قالوا إنَّ الله قال لهم عندما جاءوا إلى الأرض: "اطردوا الكَنعانيِّين، والمِديانيِّينَ، والمُوآبِيِّينَ، والعَمُّونيِّينَ، والشُّعوبَ الوثنيَّة الأخرى. أَلَم يبغِض اللهُ كلَّ هؤلاءِ الأعداء؟"
ولكن هل نَسينا أنَّ سُكَّان إسرائيل القَدامى هؤلاء كانوا مِن بين أكثر النَّاس شَرًّا وفسادًا وإثمًا عَرَفهم التَّاريخُ البَشريُّ؟ فقد كانوا فاسدينَ جدًّا أخلاقيًّا، ومُتوحِّشين، وعبدةَ أوثان، ويُقدِّمون الذَّبائح البشريَّة كجزءٍ مِن عبادتهم حتَّى إنَّهم كانوا يَحرقون أطفالهم أحياءً كمُحرقاتٍ لآلهتهم الوثنيَّة. فقد كانوا سَرطانًا ينبغي استئصالُه مِن أجل إنقاذ شعب الله مِن الفساد الأخلاقيِّ والرُّوحيِّ المُستفحِل. ولكنَّ ذلك الاستئصال كان عملاً لا يستطيع أحد سوى الله أن يقوم به بالطَّريقةِ الَّتي يَشاء. وفي ذلك الوقت، اختارَ أن يَستخدمَ بني إسرائيلَ كأداةِ دينونة ضِدَّ تلك الأُمم الوثنيَّة الشرِّيرة.
وقد قال "ديتريك بونهوفر" (Dietrich Bonhoeffer)، وهو مُصيبٌ في قوله: "كانت حروبُ بني إسرائيل هي الحروب الوحيدة المُقدَّسة في التَّاريخ لأنَّها كانت حُروب شَنَّها اللهُ على عالمٍ مِن الأوثان". لقد أقام اللهُ إسرائيل وجَعلها حُكومةً دينيَّة. وقد استَخدمَ بني إسرائيل كَسيف. وقد جاءت أوقاتٌ تَصرَّفوا فيها نيابةً عن الله كأدواتِ دينونة إلهيَّة. ولكنَّ الله لم يَسمح قَطّ في العهد القديم بمُجازاةِ الشَّرِّ بِشَرّ، أو الوحشيَّة بالوحشيَّة، أو الكَراهِيَة بالكَراهِيَة على الصَّعيد الشَّخصيِّ. ولكنَّ الفكرة بأنَّ الأشخاص الَّذينَ لا ينتمون إلى الدِّيانة اليهوديَّة ينبغي أن يُحتقروا ويُبغَضوا هي فكرة نَبعَت مِن يهوديَّة هَرطوقيَّة مُرتدَّة نشأت آنذاك. فهي لم تأتِ مِن كلمة الله، بل مِن مُعتقداتهم. لِذا، عندما قال يسوع: "أَحِبُّوا أعداءَكُم"، كان كلامُه غيرَ أخلاقيٍّ، وغيرَ دينيٍّ، وغيرَ بَارٍّ؛ بل كان بِدعةً. وبالرَّغم مِن ذلك، هذا هو بالضَّبط ما يَطلبه مِنَّا. إنَّه ذلك النَّوع مِن المحبَّة الَّتي لا يُمكن تفسيرُها بشريًّا. فهي مَحبَّة تَجعل قوَّة الله ظاهرة.
حسنًا! هذه مُجرَّد نظرة عامَّة موجَزة عَمَّا تَحدَّثنا عنه في المَرَّة السَّابقة: وَصايا المحبَّة. فلننظُر إلى ردودِ أفعال المحبَّة في هذا الصَّباح... بإيجازٍ وحسب. فهذه هي الأشياء الَّتي يمكننا أن نُبادر إلى القيام بها. فيمكننا أن نَختار أن نُحبَّ. ويمكننا أن نَختار أن نَفعل الخير. ويمكننا أن نَختار أن نَنطق بالبركة. ويمكننا أن نَختار أن نُصلِّي. فهذه أشياء نُبادر إليها مِن مُنطلق المحبَّة. ولكن توجد أشياءٌ في حياتنا لا نُبادر إليها. لذا فإنَّنا نأتي إلى النُّقطة الثَّانية في تَعليم يسوعَ البَديع هذا في العَددين 29 و30 عن ردودِ الفعل على مَحبَّة الملكوت... عن ردودِ الفعل؛ أي عندما لا تكونُ أنت المُبادر، بل عندما يَقع عليك فِعلُ الفاعِل.
انظروا إلى العدد 29: "مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ". والآن، نجد هنا أربعة أمثلة على كيفيَّة التَّجاوبِ مع ما يَفعله الآخرون. ونجد هُنا أيضًا طريقةً أخرى (وربَّما هي طريقة دراميَّة بصورة أكبر) لإظهار محبَّة الملكوت.
أوَّلاً: "مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا". وهناك أشخاص يَضحكون بسبب هذا الكلام ويقولون إنَّه سَخيف. فإن جاء شخصٌ ولَكَمني في وَجهي، لن أقول له: "إليكَ الخَدُّ الآخر". فهذا ليس شيئًا طبيعيًّا لأنَّه توجد فينا آليَّة للدِّفاع عن النَّفس وضعها اللهُ فينا كي نَتمكَّن مِن حِفظ أنفسنا. وأنا أُقِرُّ بذلك. والنَّصُّ لا يَتحدَّث عن ذلك. فهو لا يتحدَّث عن شخصٍ يُباغِتُكَ ليلاً وأنتَ في موقفٍ ضَعيفٍ فتَنطرحُ أرضًا وتقول له: "اضربني مَرَّةً أخرى...اضربني مَرَّةً أخرى. فهذه فَضيلة... هذه فَضيلة". إنَّ النَّصَّ لا يَتحدَّث عن ذلك.
إذًا، ما الَّذي يَتحدَّثُ عنه؟ لقد قال يسوع في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 16، بعد ما قاله في الأصحاح 15 واقتبستُهُ سابقًا: "سيأتي الوقتُ الَّذي يَطردونكم فيه مِن المَجْمَع". وقد كان يقولُ ذلك لأتباعه. فسوف يَطردونكم خارج المَجمَع. وقد تحدَّثنا عن ذلك يوم الأحد الماضي. وقد فَعلوا ذلك. فقد تَمَّ طَردُهم مِن المجامع. ولم يكن هذا أمرًا ضئيلَ الأهميَّة لأنَّ المُجتمعَ اليهوديَّ كان يَتمحور حول المَجمَع. فقد كان المَجمعُ هو قلَبُ الحياةِ وقالَبُها. وكان أكبرُ إذلالٍ وعارٍ هو أن تُطرَدَ مِن المَجمَع. فقد كان ذلك يعني أنَّك مَنبوذٌ؛ وهو أمرٌ خطير جدًّا. وقد كانوا يَنظرون إلى ذلك نَظرة جادَّة جدًّا.
فعندما كان أحدُ الأشخاص يُطرَد مِن المَجمع، وهذا هو ما حَدث لهم بسبب إيمانهم بيسوعَ المسيح، كانوا في أغلب الأحيان يُجلَدون أمامَ كُلِّ مَن يَرغب في المُشاهدة. فقد كانت الثِّيابُ تُنزَع عن ظُهورهم فيَتلقَّوْنَ 39 جَلدة بِسِياطٍ جِلديَّة مُطَعَّمة بقطع حَجريَّة حَادَّة تُمَزِّق ظُهورَهم 39 مَرَّة. ويقولُ الرَّسولُ بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس 11: 24: "لقد فَعلوا ذلكَ بي خمسَ مَرَّات". خمس مَرَّاتٍ فَعلَ اليهودُ ذلك بي. ونقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل 5: 40 عن أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كانوا يَكرزون بالإنجيل في الكنيسة الأولى كانوا يُجلَدون. فقد كان هذا هو العِقابُ الجسديُّ المُقترِن بالطَّرد مِن المَجمَع بسبب الإيمانِ بيسوعَ المسيح.
ولكن كان هناك شيء آخر فعلوه. فإن أردتَ أن تُهينُ شخصًا ما، كانت واحدة مِن الطُّرُق الَّتي تُهين بها شخصًا آخر هي أن تَصفعه على وجهه. ومع أنَّه كان يوجد جَلْدٌ حَقيقيٌّ، وألمٌ جسديٌّ حقيقيٌّ، كان هناك إذلالٌ رَمزيٌّ أيضًا على مَرأى مِن رَعيَّة المَجمَع. فقد كان واحد مِن المسؤولين يَصْفَعُ الشَّخص على وجهه علامةً على الاحتقارِ والإذلال. وهذا هو المقصودُ هنا. فعندما يُحضرونك إلى الأمام لإذلالك، ويَصفعونك على وجهك، أَدِر الخدَّ الآخر، واحتمِل إهانتهم لك. والآن، لا تَفهموا هذه الآية فَهمًا حَرفيًّا مُبالغُا فيه. افتحوا قليلاً على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 18. واسمحوا لي أن أُريكُم شيئًا.
إنجيل يوحنَّا 18: 19. فنحن نَرى هنا يسوعَ أمامَ رئيس الكهنة. فقد جَرى اعتقالُه. وكان رئيسُ الكهنة يَستجوب يسوعَ (في العدد 19) بشأن تلاميذه، وبشأنِ تعليمه. وكان يسوعُ يَتصرَّف بطريقة قانونيَّة حتَّى لو لم يَفعلوا هُم ذلك. فما زال يوجد قانون حتَّى يومنا هذا يَنُصُّ على أنَّه لا يَجوزُ لأيِّ شخصٍ أن يُجَرِّمَ نَفسَهُ بنفسه. وقد كان يسوعُ يَعلم أنَّه إن كانت هناك تُهمة، ينبغي أن يَتِمَّ التَّحقُّق مِنها على فَمِ شاهدين أو ثلاثة شهود. لذا فقد كان رئيسُ الكهنة في الحقيقة يَتعدَّى على الشَّريعة عندما قال: "أخبرنا عن تَعليمك". "أَجَابَهُ يَسُوعُ..." أي أنَّه جَعله يَرجِع إلى ما تَقولُهُ الشَّريعة: "أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا". أي: استدعي الشُّهودَ. فَهُم سيقولون لك تمامًا ما قلت. فأنا لم أقل يومًا شيئًا في الخَفاء". فقد كان يُوَبِّخ هذا الرَّجُل لأنَّه وَضعهُ في موقفٍ غير قانونيٍّ يُجَرِّم به نفسَه عوضًا عن أن يَستدعي الشُّهودَ؛ وَهُوَ الإجراء العادِل. أمَّا رَدُّ الفعل فيأتي في العدد 22: "وَلَمَّا قَالَ هذَا..." فَهِموا مَا قَصَدَهُ يَسوعُ بكلامِهِ هذا وأدركوا أنَّه يُوَبِّخ رئيس الكَهنة. "...لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفًا". فهو الشَّيءُ نفسُهُ تمامًا. فقد لَطَمَهُ على وجهه قَائِلاً: "أَهكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟"
وهذا ليس عقابًا. وهو ليس ذلكَ الجلدَ أوِ الضَّربَ بالسَّوْطِ الَّذي تَلَقَّاهُ الربُّ لاحقًا على أيدي الرُّومان، بل إنَّ ما حدثَ كان طريقةً لإذلالِه وتَحقيرِه وتَعييرِه مِن خلالِ لَطْمِهِ على وجهه. وسوف تُلاحظون أنَّ يسوعَ لم يَقُل: "الطُمني على الخَدِّ الآخر". فهو نفسُهُ لم يُفسِّر كلامَهُ تفسيرًا حرفيًّا. "أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟»" لماذا تضربني؟ لِمَ لا تَستدعي الشُّهودَ وحسب؟
إذًا، ما معنى أن تُديرَ الخدَّ الآخر؟ إنَّه يعني ببساطة ما يلي: عندما تُعامل بإذلالٍ، وعندما تُعامَل مُعامَلة مُهينة، وعندما تُعامَل بغضب وعداوة، وعندما يَحتقرونكَ ويَهزأونَ بك ويَرفضونك، استمرَّ في إظهار المحبَّة لهم، وكُن مُستعدًّا لتلقِّي المزيد مِن الضَّرب. لا تَرُدَّ. فالمحبَّة الَّتي يدعونا إليها هنا لا تَرُدُّ. وهي لا تُدافع عن نفسها ضِدَّ هذا النَّوع مِن الإذلال والرَّفض والعَداوة. وهي لا تَغضب، ولا تَكرَه حين تُضرَب.
فعندما تُسلَب حقوقُك وأملاكُك ومُمتلكاتُك دون وَجْهِ حَقٍّ فإنَّ هذه المحبَّة تُسارع إلى المحبَّة ثانيةً وتَتعرَّض بسببِ ذلك للإساءة مَرَّةً أخرى لأنَّ الشَّخص يَظَلُّ في نفس المكان ويَستمرُّ في إظهار المحبَّة للعَدوِّ لأنَّه يَهتمُّ بمصيرِ العدوّ. لِذا، يمكننا أن نقول إنَّ هذه المحبَّة مُعرَّضة دائمًا للهُجوم. فمِن خلال توافُرِها المستمرِّ وانفتاحِها وصِدقها، فإنَّها تَبقى مُعرَّضةً للهُجوم. إذًا، الخَدُّ الآخر يعني ببساطة أنَّه يُمكنك أن تضربني مَرَّةً أخرى إن لم تُحِبَّ الطَّريقة الَّتي أُحبُّك بها لأنِّي سأستمرُّ في محبَّتي لكَ بهذه الطَّريقة. فبِغَضِّ النَّظر عن عدد المَرَّات الَّتي سيضربونك بها، استمرّ في حُبِّك لهم لأنَّ تلك المحبَّة هي الَّتي لا يُمكن تفسيرُها، ولأنَّ تلك المحبَّة تُشيرُ إلى عمل الله في قلبك. فها هو هذا المسيحيُّ يُحاولُ دون كَلَل أو مَلَل أن يَربحَ ذلك العدوَّ اللَّدودَ مِن خلال محبَّته لنفسِ ذلك العَدوّ.
ورَدُّ الفِعل الثَّاني في العدد 29 هو إساءة أخرى كانت تُوَجَّه إلى المسيحيِّين وما تَزال تُوجَّه إليهم بشكلٍ مِن الأشكال. "وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا"؛ أي: "مَن أخذَ رداءكَ الخارجيَّ فلا تَمنعهُ ثوبكَ الدَّاخليَّ أيضًا". وهذا يُشبه كثيرًا ما جاء في إنجيل مَتَّى 5: 40 وما دَوَّنَهُ مَتَّى مِن العِظة على الجبل. وهذا يُشير إلى مشكلة كانت قائمةً. فلا شَكَّ في أنَّ أشخاصًا كثيرين مِمَّن كانوا يعيشون في فِلَسطينَ لم يكونوا أثرياء. وكان مِن الشَّائع أن يَمتلكَ الإنسانُ رداءً خارجيًّا واحدًا فقط. فَهُم لم يكونوا يَملِكون خِزاناتِ ملابس كما هي حالُنا اليوم. وقد كانوا بحاجة إلى ذلك الرِّداءِ الخارجيِّ لحمايتهم، والحِفاظ على دِفئهم، وحتَّى لاستخدامه بَطَّانيَّةً في اللَّيل. ونحن نقرأ في سِفْر الخروج 22: 26 و 27: "إِنِ ارْتَهَنْتَ ثَوْبَ صَاحِبِكَ فَإِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَرُدُّهُ لَهُ، لأَنَّهُ وَحْدَهُ غِطَاؤُهُ، هُوَ ثَوْبُهُ لِجِلْدِهِ، فِي مَاذَا يَنَامُ؟" فلا يجوز لك أن تَجعله يَستلقي ليلاً في البَرد.
وواحدة مِن الطُّرق الَّتي كانوا يَستخدمونها لاضطهاد المؤمنينَ... المؤمنينَ الأوائل... هي أنَّهم كانوا يأخذون ثوبهم ويَتركونهم عُريانين. وصَدِّقوني أنَّ أرض إسرائيل تكون باردة جدًّا في فصل الشِّتاء. وهناك ثُلوجٌ تتساقط في أورُشليم. وقد كانت هذه إساءة مُعاملة شديدة لهؤلاء المؤمنين. وَهُوَ يقول: "إن أخذوا رِداءَكَ، استمرَّ في إظهار الحُبَّ لهم حتَّى لو أخذوا ثوبكَ". لا تَرُدَّ. ولا تَسعى إلى الانتقام. فَهُم ليسوا الأعداء الحقيقيِّين، بل هُم دائمًا حقل الخدمة. وهذا يَسري على مُناصري الإجهاضِ، واللُّواطِيِّينَ، والسُّحاقيَّاتِ، وكلِّ الأشخاص الَّذينَ يُشوِّهون ثقافتنا ويُفسدونها. لا تَنْسَوْا أنَّهم رُبَّما يَكرهونَ إيمانَنا، ويَكرهونَ إنجيلَنا، ولكنَّهم لا يَختلفون في شيء عن هؤلاء النَّاس. فيجب أن يُحَبُّوا. وهي ليست محبَّة تَحتمل إثمَهم، بل هي محبَّة تستمرُّ في تقديمِ الإنجيلِ إليهم بِغَضِّ النَّظر عن سوء معاملتهم لنا.
وقد تَمَّ توضيحُ ذلكَ عَمليًّا. فقد جاء يسوعُ ليُصلَب. وواحدٌ من الأشياء الَّتي فعلوها عندما صَلبوه هو أنَّهم أخذوا ثِيابه. أليس كذلك؟ وما الَّذي فَعلوه بها؟ لقد تَراهنوا عليها. فقد أخذوا رداءَهُ الخارجيَّ وثوبهُ الدَّاخليَّ وسَمَّروهُ هناكَ عاريًا. ويا له مِن مِثالٍ تَطبيقيٍّ. فقد أخذوا كلَّ شيءٍ. وها هو عُريان. وها هو يقول بشفتيه: "يا أبتاه" ماذا؟ "اغفِر لهم". وهذه هي المحبَّة الَّتي لا تَعرِفُ الكَلَل. يمكنكم أن تأخذوا ردائي، ويمكنكم أن تأخذوا ثوبي. فسوف أستمرُّ في حُبِّي لكم في جميعِ الأحوال مَهما كان الثَّمن.
والمَثلُ الإيضاحيُّ الثَّالث موجود في العدد 30: "وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ". والسِّياقُ هُنا هو سِياقُ اقتِراض. فقد يأتي شخص ويقول: "أريد منكَ أن تُقرضني شيئًا. فأنا في حاجة". أَقرِضْهُ. وذلك السِّياقُ يَتَّضِحُ في العددَيْن 34 و 35 لأنَّ يسوعَ يَعودُ إلى هذه الأمثلة التوضيحيَّة ويُوضِّح أنَّه يتكلَّم عن إقراض شخصٍ قد لا يَرُدُّ لك الدَّينَ يومًا. وهذا، مَرَّةً أخرى، إنكارٌ للذَّات. فالشَّخصُ مُحتاجٌ. وَهُوَ يأتي ويقول: "لديَّ حاجة، ولا أستطيعُ أن أَسُدَّ حاجتي. هل يمكنني أن أقترضَ منك لو سَمحت". وَهُوَ ليس... إنَّه ليس شخصًا مُتسوِّلاً. فهو ليس شخصًا يَحترفُ مِهنة التَّسوُّل، وليس شخصًا مُخادعًا، بل هو شخص مِن الواضح أنَّ لديه حاجة حقيقيَّة. ولكنَّ هؤلاءِ سيَستغلُّون سَخاءَكَ. وسوف يقولون: "آه، أنتَ مَسيحيّ! إذًا، أعطِني كَذا، وأعطِني كَذا، وأعطِني كَذا". فعليكَ أن تُعطيه. وهذا مَثلٌ مُهمٌّ على النِّعمة. أليس كذلك؟
ثُمَّ إنَّهُ يَختِمُ بمثلٍ إيضاحيٍّ رابعٍ عن السَّرقة. "وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ". فواحد من الأشياء الَّتي كانت تحدث أيضًا لهؤلاء المؤمنين الأوائل هو أنَّ النَّاس كانوا يَسرقونهم. فقد كانوا يُذلُّونهم، ويَصفعونَهم، ويُسيئون مُعاملتَهم، ويَستغلُّونهم بتلك الطريقة. وكانوا يَأخذون منهم ملابسهم، ويَستغلُّون طِيبَتَهُم، ويَقترضون منهم المال دون وجود نِيَّةٍ لإرجاعها. وقد كانوا يَسرقونهم. وهُم ما زالوا يَفعلون ذلك. فحتَّى الأزمنة المعاصرة، ما زال المسيحيُّون يُضطهَدون في أجزاءٍ مِن العالم وتُسلَب مُمتلكاتُهم. وهذا يحدث طَوال التَّاريخ. فالمسيحيُّون يُضطهدون، وتؤخذ مُمتلكاتُهم، وتُسلَب بيوتُهم. ولكن عندما يَفعلون ذلك بكم، لا تُطالبوهم بما أخذوه.
إنَّ العالَمَ لا يَعرف أيَّ شيء عن هذا النَّوع مِن المحبَّة. فهو غير مُستطاعٍ في نظرهم. وما أعنيه هو أنَّ المحبَّة البشريَّة تقول: "سوف أُحبُّك طالما أنَّك لا تُؤذيني ولا تَجرحني، وطالما أنَّك لا تُسيءُ إليَّ، وطالما أنَّك لا تَتحايَل عليَّ بأن تَأخذَ مِنِّي ولا تَرُدَّ ما أخذتَهُ، وطالما أنَّك لا تَسرقني. سوف أُحبُّك، ولكن في اليوم الَّذي تُسيءُ فيه إليَّ تكونُ قد انتهيت". وقد أخذنا ذلك الموقفَ وجَعلناه فَضيلة. وهذا وقت مُناسب جدًّا في العالم اليوم لكي نُظهِرَ هذا النَّوعَ مِن الحُبِّ لأنَّ العالمَ لا يَفهمه. فالخُطاةُ لا يمكنهم أن يُحبُّوا بهذه الطَّريقة.
ولكن كيف ستهدمون هذا الصَّرْحَ، أو بُرج بابل هذا؟ وكيف ستُقنعونهم بأنَّ هذا الحقَّ الَّذي نَملِكُهُ هو في الحقيقة الحقّ الإلهيَّ المُغَيِّر وبأنَّه الحقُّ الوحيد؟ بأن نُظهِرَ لهم قُوَّةَ ذلك الحقِّ الَّذي يُنشئ فينا مَحبَّةً لا يمكنهم أن يَستوعبوها. وقد لَخَّصَ الأصحاحُ الثَّاني مِن رسالة بطرس الأولى ذلكَ تلخيصًا جميلاً إذْ نقرأ في العدد 21 – رسالة بطرس الأولى 2: 21: "لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ". فهذا هو النَّموذج الَّذي تَرَكَهُ يسوعُ لنا: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ".
لِذا، فقد قُتِلَ حقًّا دون سبب. "الَّذِي إِذْ شُتِمَ [وسُخِرَ منهُ، وأُهينَ، ورُفِضَ، وأُذِلَّ] لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا. وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل". فقد استودَعَ نفسَهُ في يَدِ اللهِ ثُمَّ إنَّه "حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَة". فالحقيقة هي أنَّه في خِضَمِّ تَعرُّضِه لكلِّ هذا الشَّتْمِ مِن الخُطاة فإنَّه مَضى إلى الصَّليب ومات عن الخُطاة الَّذينَ كانوا يُعاملونه تلك المُعاملة. لذا فقد أَظهرَ المحبَّة بأنقى وأسمى أشكالها.
فقد أحبَّهم بالرَّغم مِن كَراهيتهم له. وهذا نوعٌ مُدهش مِن المحبَّة. وَهُوَ ليس مُمكنًا عند أهل العالَم. ويسوعُ يَقول: "عندما تُحبُّون هكذا، لا يوجد تفسير سوى التَّغيير". وهذا يَجعلُ الإنجيلَ قابلاً للتَّصديق. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
