Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنجيل لوقا والأصحاحُ التَّاسِعُ هُوَ النَّصُّ الَّذي سنتأمَّلُ فيهِ في هذا الصَّباح. ونحنُ نَعودُ إلى مَقطَعٍ أَسمَيتُهُ: "مُفارَقَةُ التَّلمَذة". ومُفارَقَةُ التَّلمذةُ مَوجودة في الأصحاحِ التَّاسِعِ والأعداد 23-27 في الحَقيقة. واسمَحوا لي أن أَقرأَ هذا المَقطَعَ على مَسامِعِكُم كي يَكونَ حَاضِرًا في أذهانِكُم.

إنجيل لوقا 9: 23: "وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟ لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ. حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ»".

في سنة 1988، صَدَرَ كِتابٌ أَلَّفتُهُ. وقد كانَ عُنوانُ ذلكَ الكِتاب: "الإنجيلُ بِحَسَب يَسوع" (The Gospel According to Jesus). وقد سَحَبْتُ ذلكَ الكِتاب مِنْ عَلى الرَّفِّ في هذا الأسبوع وقَرأتُهُ. وأنا لا أَقرأُ عَادَةً الكُتُبَ الَّتي أَلَّفتُها، ولكنِّي أردتُ أن أُلِمَّ بِكُلِّ شَيءٍ كَتَبتُهُ قبلَ سَنواتٍ عَديدة لأنِّي أردتُ أن أَطَّلِعَ على النَّصِّ الَّذي أتحدَّثَ عنهُ في هذا الأسبوع، وَمِنَ المُؤكَّدِ في الأسبوعِ القادِمَ أيضًا.

وقد كانَ "الإنجيلُ بِحَسَب يَسوع" كِتابًا ظَنَّ النَّاشِرُ أنَّهُ سيَترُكُ تَأثيرًا ضَئيلاً. وما زِلتُ أَذكُرُ أنَّ النَّاشِرَ قالَ إنَّهُم كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم سيبيعونَ خَمسةً وعِشرينَ ألفَ نُسخةٍ مِنهُ في السَّنةِ الأولى، ولكنَّهُم باعوا ثَلاثَمِئَة ألفِ نُسخة. ولماذا حَدَثَ ذلك؟ فهل كانت هُناكَ خُطَّة تَسويقيَّة عَظيمة؟ لم تَكُن هُناكَ خُطَّة تَسويقيَّة أَصلاً. ولكِنَّ ذلكَ الكِتابَ شَقَّ طَريقَهُ فَقرأَهُ أُناسٌ كَثيرونَ بالرَّغمِ مِن أنَّهم لم يَكونوا يَفهمونَ المُشكلةَ الَّتي كانت مَحجوبَةً حَتَّى ذلكَ الوقتِ عَن راداراتِ الحَركةِ الإنجيليَّة. وقد كَشَفَ الكِتابُ تلكَ المشكلة بقوَّة شديدة حَتَّى إنَّهُ أَدَّى إلى رَدِّ فِعْلٍ هَائِلٍ جدًّا. والحَقُّ البَسيطُ الَّذي يُبَيِّنُهُ ذلكَ الكِتابُ (الَّذي ما زَالَ يُطْبَعُ ويُنشَرُ بِصورَتِهِ المُنَقَّحة) الحَقُّ البَسيطُ الَّذي يُبَيِّنُهُ ذلكَ الكِتابُ هو أنَّ الخَلاصَ والتَّلمذةَ هُما وَجْهانِ لِعُملَةٍ واحِدَة، وأنَّ اتِّباعَ يَسوعَ والخَلاصَ هُما وَجهانِ لِعُملة وَاحِدَة.

أو إنْ أردنا أن نُعَبِّرَ عن ذلكَ بنفسِ المُفرَداتِ الوارِدَةِ في النَّصِّ الَّذي أمامَنا، انظُروا إلى العَدد 23: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي". فهذهِ ليست دَعوة إلى نَوعٍ أَسْمَى مِنَ الحياةِ المَسيحيَّة، بل هي دَعوة إلى الخَلاص. وذلكَ هُوَ (بِبساطَة) الحَقُّ الَّذي يُبَيِّنُهُ الكِتاب. وقد كانَ هذا الحَقُّ مَخفيًّا جدًّا وَمَدفونًا جدًّا تحتَ النَّظرةِ الإنجيليَّةِ السَّائدةِ عنِ الكِرازةِ والتي كانتْ تَقولُ (في الوقتِ الَّذي كَتبتُ فيهِ ذلكَ الكِتابَ) إنَّهُ مِنَ التَّجديفِ أن نَقولَ إنَّهُ لكي تَخلُصَ، يجبُ عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ، وأنْ تَحمِلَ صَليبَكَ، وأنْ تُطيعَ المَسيحَ لأنَّ الفِكرةَ السَّائدةَ في الكَثيرِ مِنَ الأوساطِ الإنجيليَّةِ في أمريكا (والتي كانت تَرْعاها أَبْرَزُ كُليَّاتِ اللَّاهوتِ والمَعاهِدِ الكِتابيَّةِ، والعَديدُ مِنَ المَنابِرِ) كانت تَقولُ إنَّ كُلَّ ما تَحتاجُ إليهِ كي تَخلُصَ هُوَ أنْ تُؤمِنَ بيسوعَ فَتَخلُص. وفي نُقطَةٍ مَا في ذلكَ الطَّريق، يجب عليكَ أنْ تَجعَلَهُ رَبًّا على حَياتِكَ وأنْ تَنظُرَ نَظرةً جِدِّيَّةً إلى الطَّاعَة. ولكِنَّ الأمرَ المُؤكَّدَ هو أنَّ هذهِ ليستِ النَّظرة الصَّحيحة إلى الخَلاص.

وما زِلتُ أَذكُر عندما كُنتُ صَبِيًّا أنِّي تَرَعْرَعْتُ على سَماعِ الوُعَّاظِ هُنا وهُناكَ، وعلى حُضورِ المُخَيَّماتِ والمُؤتَمراتِ الَّتي مِنَ المَألوفِ أن يَقولوا فيها: "قد يَكونُ يَسوعُ مُخَلِّصًا لَكَ، ولكِنْ هَلِ اتَّخَذتَهُ رَبًّا؟ أَلا تَعتقدُ أنَّ الوقتَ قد حَانَ لِقَبولِهِ رَبًّا؟ رُبَّما آنَ الأوانُ للتَّفكيرِ بِجِدِّيَّةٍ في إطاعَتِه".

وقد كُنتُ أتَكَلَّمُ في أسبوعِ المُؤَسِّسينَ في مَعهد مودي للدِّراساتِ الكِتابيَّة قبلَ سَنواتٍ خَلَتْ في وَقتٍ كانَ فيهِ هذا الجَدَلُ مُسْتَعِرًا. وكانت لَديَّ خَمْسُ جَلَساتٍ في الصَّباحِ، وكنتُ أتكلَّمُ عن موضوعِ الدَّعوةِ الحَقيقيَّةِ إلى الخَلاصِ؛ وهي دَعوة تَنطوي على التَّلمذةِ، والطَّاعَةِ، واتِّباعِ المَسيحِ، وكُلِّ هذهِ الأمور. وكانَ هُناكَ مُتكَلِّمٌ آخرُ لَديهِ خَمسُ جَلَساتٍ أخرى في ذلكَ الأسبوع ويَقولُ العَكس. وقد كانَ ذلكَ أُسبوعًا حَافِلاً.

ولكِنَّ تَوَجُّهَهُ كانَ لِذلكَ المَعهدِ هو: "آمِنُوا وَحَسْب بأنَّهُ يجبُ عليكم فقط أن تَقولوا: ’يا يَسوع، لا أريدُ أن أذهبَ إلى جَهَنَّم. أرجوكَ أن تَغفِرَ لي خَطايايَ وأنْ تُبقيني خَارِجَ جَهَنَّم". وفي وقتٍ لاحِقٍ مِن حَياتِك، يُمكِنُكَ أن تَعتَرِفَ بِهِ رَبًّا. وإنْ قُمْتَ بالجُزءِ الأوَّلِ وَحَسْب، سَتَدخُلُ المَلكوت، ولكنَّكَ لن تَحصُلَ على المُكافآت. وإنْ فَعلتَ الجُزءَ الثَّاني ستَدخُلُ المَلكوتَ وتَرِثُ المَلكوتَ.

والحَقيقةُ هي أنَّني لن أَنْسَ يَومًا شَيئًا مُحَدَّدًا قَالَهُ في ذلكَ الأسبوع لأنِّي سَمِعتُهُ بنفسي يَقولُهُ. فقد قال: "أيُّها الشُّبَّانُ، في هذهِ النُّقطةِ مِن حَياتِكُم، لا تَقلَقوا بشأنِ المُستوى الثَّاني مِن إعلانِهِ رَبًّا إلى أنْ تَصيروا في أواخِرِ العَقْدِ الثَّالِثِ مِنْ عُمْرِكُم".

وما تَزالُ هذهِ القَضيَّةُ مَطروحَةً اليوم. والرِّسالةُ البَسيطَةُ الَّتي يُنادي بِها ذلكَ الكِتابُ هي (وقد اضْطُرِرْتُ إلى تَأليفِ كِتابٍ آخَر. فالأمرُ لم يَقتَصِر على كِتابِ "الإنجيل بِحَسَب يَسوع" فقط، بل أيضًا: "الإنجيلُ بِحَسَبِ الرُّسُل" (The Gospel According to the Apostles). لِذا فقد كَتَبتُ ذلكَ الكِتابَ الثَّاني. والرِّسالةُ هي بِبساطَة كَما يَلي: الخَلاصُ والتَّلمذةُ شَيءٌ واحِد. وفي كُلِّ مَرَّةٍ قالَ فيها يَسوعُ: "إنْ أردتَ أنْ تَتبَعَني، يجب عليكَ أنْ تَحسِبَ النَّفَقَةَ، ويجب عليكَ أنْ تَحمِلَ صَليبَكَ، وأنْ تُنكِرَ نَفسَكَ، وأنْ تُطيعَني، وأنْ تَتبَعَني، وأنْ تَحفَظَ كَلامي"، لم يَكُن يَدعو النَّاسَ الَّذينَ كانُوا أَصلاً مَسيحيِّينَ إلى مُستوىً أَعلى، بل كانَ يَدعو النَّاسَ الَّذينَ لم يَكونوا أصلاً مَسيحيِّينَ إلى الحُصولِ على الخَلاصَ.

فالإنجيلُ الَّذي نَادَى بِهِ يَسوعُ كانَ دَعوةً إلى اتِّباعِهِ بِوَصْفِهِ رَبًّا. فقد كانَ دَعوةً إلى اتِّباعِه بِطَاعَةٍ تَامَّةٍ. وقد كانَ أكثرَ بِكثير مِن مُجَرَّدِ بُوليصَةِ تَأمين. وكانَ أكثرَ بِكثير مِن مُجَرَّدِ مُناشَدَةِ النَّاسِ كي يُصَلُّوا صَلاةً، أو مُناشَدَةِ النَّاسِ كي يَرفعوا أيديهم، أو يَتقدَّموا إلى الأمام، أو يُوَقِّعُوا بِطاقَةً، أو مُناشَدَةِ النَّاسِ كي يَفعلوا شَيئًا طَقْسِيًّا كي يَنْجُوا مِنَ الغَضَبِ الإلهيِّ. وفي حينِ أنَّ إنجيلَ يَسوعَ كانَ (وما يَزالُ) عَرْضًا للحُصولِ على الغُفرانِ عن كُلِّ الخَطايا، وَوَعْدًا بالحَياةِ الأبديَّةِ، فإنَّهُ في الوقتِ نَفسِهِ دَعوة إلى إنكارِ الذَّاتِ، وَحَمْلِ الصَّليبِ، واتِّباعِ المَسيح. ولا تُوجَد دَعوة أقَلُّ مِن هذهِ تَستحِقُّ أنْ تُسَمَّى دَعوةً حَقيقيَّة. لِذا، عندما يُقَدَّمُ الإنجيلُ الحَقيقيُّ، مِنَ اللَّازِمِ جِدًّا أنْ يَحوي تُوبيخًا للسَّطحيَّةِ، وتَوبيخًا للضَّحالَةِ، وتَوبيخًا للتَّجاوُبِ الخَارِجِيِّ القائِمِ على الرِّياء.

فالإنجيلُ الحَقيقيُّ، كَما كَرَزَ بِهِ يَسوعُ، وكما كَرَزَ بِهِ الرُّسُل...وإنْ أردتُم تَفاصيلَ أكثر يُمكنكم أن تَقرأوا هَذَيْنِ الكِتابَيْن...الإنجيلُ الحَقيقيُّ هو أنَّ اللهَ يُقَدِّمُ غُفرانًا للخطيَّةِ وحَياةً أبديَّةً لأولئكَ الَّذينَ يَملِكونَ إيمانًا ليسَ سَطحيًّا. فَهُوَ إيمانٌ عَميقٌ يَدُلُّ على نَفسِهِ بنفسِه مِن خِلالِ إنكارِ الذَّاتِ، وحَمْلِ الصَّليبِ، والخُضوع.

وهُناكَ هذهِ الحَركة في الأوساطِ الإنجيليَّة، وهي مَا تَزالُ مَوجودة. وأعتقدُ أنَّ الكِتابَ تَرَكَ تأثيرًا وَساعَدَ أُناسًا كثيرينَ كانوا مُشَوَّشينَ بهذا الخُصوص. ولكِنَّ الحَركةَ ما تَزالُ مَوجودةً. وهذهِ الحَرَكة تَفصِلُ الخَلاصَ عنِ الطَّاعَة، وتَفصِلُ يَسوعَ بِوَصفِهِ مُخَلِّصًا عن يَسوعَ بِوصفِهِ رَبًّا، وتَفصِلُ الإيمانَ عنِ الطَّاعة، وتَفصِلُ التَّبريرَ عنِ التَّقديس. وَهَذهِ تَفرِقَة غير صَحيحة، وغير سَليمة، وغير كِتابيَّة بِصُورة مُؤسِفَة. والحقيقة هي أنَّها فَضيحَة إنجيليَّة...فَضيحَة إنجيليَّة.

فَهُم يَقولونَ للخُطاةِ إنَّهُ إنْ أرادوا أن يَنالوا الخَلاصَ وأنْ يَذهبوا إلى السَّماءِ فإنَّ كُلَّ ما يَحتاجونَ إليهِ هُوَ أن يَقبَلوا يَسوعَ المَسيحَ، وأن يَقبَلوا حَقيقةَ أنَّهُ مَاتَ لأجلِهم. فَكُلُّ مَا هُمْ في حَاجَة إليهِ هو أن يَطلُبوا مِن يسوعَ أن يَدخُلَ قُلوبَهُم، أوْ أن يَدعوهُ إلى الدُّخول. وهَذِهِ [بالمُناسَبة] عِبارات شَائِعَة وغير كِتابيَّة وُضِعَتْ لِتُلائِمَ الإنجيلَ السَّطحِيَّ. ولكِنَّهُم لا يَقولونَ لَهُم شَيئًا عن كيفَ يَنبغي لَهُم أن يَنظُروا إلى أنفُسِهم.

والأشخاصُ الَّذينَ يَتَبَنَّوْنَ هذا المَوقِفِ يَتجاهَلونَ القَصْدَ الكِرازِيَّ القائِمَ وَراءَ كُلِّ دَعوةٍ مُدَوَّنَةٍ قَدَّمَها يَسوع. فَهُم يُصَوِّرونَ يَسوعَ وكأنَّهُ مُجَرَّدُ مُعَلِّمٍ عَميقٍ لأُصولِ الحَياةِ، أو مُجَرَّد مُعَلِّمٍ أَعلى للمبادِئِ الحَياتيَّةِ، أو مُجَرَّد شَخصٍ يَقولُ للنَّاسِ المُخَلَّصينَ أصلاً: "يجب عليكُم أن تَتَقَدَّمُوا خُطوةً أخرى وتَصيروا تَلاميذي، ويجب عليكُم أن تَتقدَّمُوا خُطوةً أخرى وتَأخُذوا الأمرَ على مَحمَلِ الجِدِّ، ويجب عليكُم أن تَبتَدِئوا في إطاعَتي. ويجب عليكُم أن تَبتَدِئوا في إنكارِ أنفُسِكُم. فهذا هو المُستوى الثَّاني مِنَ اختِبارِ المُخَلَّصين". لِذا فإنَّهُم يَأخذونَ كُلَّ ما قالَهُ يَسوعُ (مِثلَ: "اتبَعْني"، وَ "أَنكِر نَفسَكَ"، وَ "احمِل صَليبَكَ" وَ "أطعني"، وَ "احفَظ كَلامي" وَ "احفَظ وَصايايَ" وَ "أَحببني" وَ "أحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا") لا على أنَّها مُوَجَّهة إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَنبغي أن يَفهموا أنَّ هَذا هو مَوقِفَ الشَّخصِ الَّذي يأتي إلى الخَلاص، بل على أنَّها مَوقِفُ الشَّخصِ المُخَلَّص أصلاً والَّذي يَنبغي أن يَنتقِلَ إلى المُستوى الثَّاني.

لِذا، عِوَضًا عن أن يَكونَ يَسوعُ مُبَشِّرًا يَكرِزُ بالإنجيل، فإنَّهُ مُعَلِّمٌ حَياتِيٌّ عَميق. فَهُوَ أَشبَهُ بِمُتَكَلِّمٍ حَماسِيٍّ يُريدُ أن يَدعو النَّاسَ إلى مُستوىً آخرَ مِنَ الرُّوحيَّة. ولكِنْ لا وُجودَ لهذا التَّفريق...لا وُجودَ لهذا التَّفريق. فتَفريقٌ كَهذا بينَ الخَلاصِ والتَّلمذة مِنْ خِلالِ جَعلِهِما شَيئَيْنِ مُختَلِفَيْن قد أَدَّى أكثرَ مِن أيِّ تَفريقٍ آخَرَ إلى تَقويضِ سُلطانِ وصِحَّةِ الرِّسالةِ الإنجيليَّةِ الَّتي قَدَّمَها يَسوع. فكُلُّ شَيءٍ يَتَبَنَّى ذلكَ المَوقِف يُجَرِّدُ يَسوعَ مِنَ القَصدِ الإنجيليِّ لما يَقولُهُ. وهذه ليست مُشكلةً يُستَهانُ بها.

فطَالَما أنَّ يَسوعَ قالَ: "لقد جِئتُ إلى العَالَمِ لِكَيْ أَطْلُبَ وَأُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ"، يجب علينا أن نَحرِصَ على أن نُدركَ أنَّ ما قالَهُ يَعني ذلك. فهو لم يَقُل: "لقد جِئتُ لكي أُعَلِّي مِن شأنِ الأشخاصِ المُخَلَّصين"، بل قالَ: "لقد جِئتُ لأجلِ أولئكَ الضَّالِّين". وأنا لا أريدُ أن أُصَوِّرَ يَسوعَ بِصُورةٍ أخرى. وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ الوَقاحَةِ الشَّديدةِ أنْ نَفعلَ ذلك.

وقد كَتَبَ "جيم بويس" (Jim Boice)، وَهُوَ صَديقٌ عَزيزٌ جدًّا رَقَدَ في الرَّبِّ، وَقد خَسِرناهُ جَميعًا، كَتَبَ كِتابًا بعُنوان: "دَعوةُ المَسيحِ إلى التَّلمذة" (Christ’s Call to Discipleship). وقد كَتَبَ أيضًا التَّمهيدَ لكِتاب "الإنجيل بِحَسَبِ يَسوع"، أو وَاحِدًا مِنْ تَمْهيدَيْنِ في الكِتاب لأنَّهُ كانَ بِكُلِّ تأكيد واحِدًا مِنَ المُدافِعينَ عنِ التَّقليدِ العَظيمِ الَّذي يَضُمُّ أولئكَ الأشخاصَ الَّذينَ فَهِموا بِحَقّ كلمةَ اللهِ. وقد كانَ مَسرورًا بكِتابةِ ذلكَ التَّمهيد. ولكِنَّهُ كَتَبَ كِتابًا بعُنوان "دَعوةُ المَسيحِ إلى التَّلمذة". وهُناكَ فَقْرَةٌ في ذلكَ الكِتابِ جَديرةٌ بالاقتباس.

فقد قال: "هَذا خَلَلٌ شَائِعٌ [وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى هذا الفَصْلِ بينَ الخَلاصِ والتَّلمذة]. هذا خَلَلٌ شَائعٌ في أوقاتِ الرَّخاء. أمَّا في أوقاتِ الضِّيق، ولا سِيَّما في أوقاتِ الاضطِهاد، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُفَكِّرونَ في أن يَصيروا مَسيحيِّينَ يَحسِبونَ نَفَقَةَ التَّلمذةِ بِدِقَّة قبلَ أنْ يَحْمِلوا صَليبَ النَّاصِرِيِّ".

وَهُوَ مُحِقٌّ تَمامًا. وسوفَ أتوقَّفُ هُنا لَحظةً. إنَّهُ مُحِقٌّ تَمامًا. فعندما يَكونُ هُناكَ ضِيقٌ واضطِهادٌ، لا نَجِدُ تَفرِقَةً كَهذِهِ لأنَّ كُلَّ مَا يَنبغي لكَ أن تَفعلَهُ هو أن تَعتَرِف عَلَنًا أنَّ يَسوعَ مُخَلِّصٌ لِحياتِكَ. وهَذا كَفيلٌ بِزَجِّكَ في السِّجن. لِذا، في تلكَ النُّقطة، لا بُدَّ أن تكونَ مُستعدًّا في حالِ قَوْلِ ذلكَ إلى دَفْعِ ثَمَنٍ بَاهِظٍ، بل رُبَّما إلى بَذْلِ حَياتِكَ. لِذا فإنَّهُ مُحِقٌّ.

وَهُوَ يَقول: "في أوقاتٍ كهذه..." [وأنا أقتَبِسُ المَزيدَ مِمَّا كَتَبَهُ] "...لا يَجوزُ للكَارِزينَ أن يُضَلِّلوا النَّاسَ بوعودٍ زائفةٍ بحياةٍ سَهلَة، أو بالانغماسِ في الخطيَّة. ولكِنْ في أوقاتِ الرَّخاءِ، لا تَبدو الكُلْفَةُ عَاليةً جدًّا. لِذا فإنَّ النَّاسَ يُنادونَ باسمِ المَسيحِ مِن دونِ اختبارِ تَغييرٍ جَذريٍّ في حَياتِهم كَما يَنبغي للاهتِداءِ الحَقيقيِّ أن يَكون" [نِهايةُ الاقتباس].

لِذا فإنَّ ما أعنيه هو أنَّ النَّاسَ قد يَتَبَنُّونَ هذا الرَّأيَ في أمريكا فقط، أو في مُجتمعٍ آخرَ يَعيشُ في رَفاهِيَة، أو في مُجتمعٍ مُسالِمٍ لا يَعْمَدُ إلى اضطِهادِ المُؤمِنينَ وإعدامِهم. فالدَّعوةُ إلى الخَلاصِ هي دَعوةٌ إلى اتِّباعِ المَسيح. وهي دَعوةٌ إلى اتِّباعِ المَسيحِ بِتَكريسٍ شَديدٍ يَتطلَّبُ مِنكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ، وأنْ تَحمِلَ صَليبَكَ، وأنْ تُطيع. فهذا هو مَعنى أنْ تَكونَ مُخَلَّصًا. وأيُّ شَيءٍ أقَلُّ مِن ذلكَ هو ليسَ إيمانًا مُخَلِّصًا.

فعندما أَعطَى يَسوعُ المَأموريَّةَ العُظمَى قالَ: "فَاذْهَبُوا [وافعَلوا ماذا؟] وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ". فهذا هو ما نَفعَلُهُ. فالتِّلميذُ شخصٌ مُؤمِنٌ ومَسيحيٌّ. والكلمة "تِلميذ" تُستخدَمُ في كُلِّ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل للإشارةِ إلى المُؤمِنين (في أعمالِ الرُّسُل 6: 1، و 2 و 7؛ وفي أعمالِ الرُّسُل 11: 26؛ وأعمال 14: 20 و 22؛ وأعمال 15: 10). فهي كلمة مُرادِفة وَحَسْب للكلمة "مُؤمِن". لِذا عندما يَدعو يَسوعُ شَخصًا إلى أن يَكونَ تِلميذًا، فإنَّهُ يَدعوهُ إلى أن يَكونَ مَسيحيًّا وَتَابِعًا لَهُ.

فالمؤمنونَ الحَقيقيُّونَ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ جَاءوا إلى يَسوعَ كي يَتبَعوه. وَهُم أولئكَ...ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ ما قَرأناهُ في المَرَّةِ السَّابقةِ مِن إنجيل لوقا والأصحاح 14...فَهُمْ أولئكَ الَّذينَ حَسَبوا نَفَقَةَ بِناءِ البُرجِ ثُمَّ ابتدأوا في بِنائِهِ بعدَ أن عَرَفوا النَّفَقَة. فَهُم ليسوا سَطحِيِّينَ مِثلَ الأرضِ المُحْجِرَةِ الَّتي تَقَعُ فيها البُذورُ فَيتجاوبونَ مَعَها عَاطِفيًّا وسَطحيًّا فقط إذْ إنَّهُ عندما يأتي الضَّغطُ والضِّيقُ والاضطهادُ فإنَّ النَّبْتَةَ تَموتُ لأنَّها لم تَكُن تَملِكُ جُذورًا حَقيقيَّة.

وَهُمْ ليسوا مِثلَ التُّربةِ الَّتي تَكثُرُ فيها الأعشابُ الضَّارَّةُ لأنَّ مَحَبَّةَ الأشياءِ الَّتي في العَالَمِ ومَحَبَّةَ الغِنى ما تَزالُ تُهَيمِنُ على القَلبِ. لِذا فإنَّ البُذورَ تَقَعُ فيها فَيَحدُثُ تَجاوُبٌ آنِيٌّ فقط، ولكِنَّ الحَياةَ لم تَنْبَثِق مِنْها حَقًّا. لِذا فإنَّها لا تُثمِرُ يَومًا، بل إنَّ النَّبتَةَ تَذبُلُ وتَموت.

فالخَلاصُ الحَقيقيُّ (أيِ التُّربةُ الحَقيقيَّةُ) يَحدُثُ عندما أُدركُ أنِّي عندما أطلُبُ مِنَ الرَّبِّ يَسوعَ أن يُخَلِّصَني مِن جَهَنَّمَ، وأنْ يَغفِرَ لي خَطايايَ، وأنْ يُعطيني حَياةً أبديَّةً، فإنِّي أُخضِعُ في الوقتِ نَفسِهِ كُلَّ شَيءٍ إلى رُبوبيَّتِه.

وقد كَتَبَ "جون ستوت" (John Stott) قبلَ سَنواتٍ في كِتابٍ لَهُ بعُنوان "المَسيحيَّة الأساسيَّة" (Basic Christianity): "الأرضُ المَسيحيَّة تَعِجُّ بِرُكامُ أبراجٍ مَهجورةٍ لم يَكتَمِل بِناؤُها. إنَّها أَطلالُ أولئكَ الَّذينَ ابتدأوا في البِناءِ ولم يَتمكَّنوا مِنْ إنهائِه لأنَّ هُناكَ آلاف الأشخاصِ الَّذينَ ما زَالوا يَتجاهَلونَ تَحذيرَ المَسيحِ ويَتعهَّدونَ باتِّباعِهِ مِن دونِ أن يَتوقَّفوا أوَّلاً لحسابِ نَفَقَةِ القِيامِ بذلك. والنَّتيجةُ هي الفَضيحَةُ الكُبرى في العَالَمِ المَسيحيِّ اليوم والتي تُسَمَّى: ’المَسيحيَّةُ الاسميَّة‘.

"ففي البلادِ الَّتي انتَشرت فيها الحَضارةُ المسيحيَّة، هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ كَسَوْا أنفُسَهُم بطبقةٍ رَاقِيَةٍ ولكِنَّها رَقيقة مِنَ المَسيحيَّة. فقد سَمَحُوا لأنفُسِهم أن يَنخَرِطوا فيها إلى الحَدِّ الَّذي يَضْمَنُ حُصولَهُم على الاحترام، ولكِنْ ليسَ إلى الحَدِّ الَّذي يَشعرونَ فيهِ بعدمِ الرَّاحَة. فَدِيانَتُهم وِسادَة ضَخمة مُريحة تَحميهم مِن مُنَغِّصاتِ الحَياةِ غيرِ المُبهِجَة، مَعَ القُدرةِ على تَغييرِ مَكانِها وشَكلِها بما يُوافِقُ رَاحَتَهُم. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ النَّاقِدينَ يَتحدَّثونَ عنِ المُرائينَ في الكَنيسةِ ويَصِفونَ الدِّينَ بأنَّهُ هُروبٌ مِنَ الواقِع" [نِهايةُ الاقتباس].

ومَرَّةً أخرى فإنَّهُ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي قالَهُ "بويس". فالحَضارةُ الغَربيَّةُ بِما تَنطوي عليهِ مِن مُستوىً عَالٍ مِنَ الرَّاحَة هي المَكانُ المُناسِبُ تَمامًا لوجودِ المَسيحيَّةِ الإسميَّة. ولكنِّي لم أرَ ذلكَ يَومًا في المَسيحيَّةِ الشَّرقيَّة. فأنتُم لا تَرَوْنَ ذلكَ في ظِلِّ الاضطِهادِ الشُّيوعِيِّ لأنَّهُ إنْ أردتَ أن تَكونَ مَسيحيًّا فإنَّ ذلكَ سَيُكَلِّفُكَ حَياتَكَ. لِذا، لا يُوجَدُ مَسيحيُّونَ ضَحْلونَ أو سَطحِيُّونَ أو نِصْفُ مُكَرَّسين لأنَّ ذلكَ سيُؤدِّي إلى نَفسِ نَتائِجِ التَّكريسِ التَّامِّ إذْ إنَّكَ سَتَخسَرُ حَياتَك. لِذا، لا أحدَ سِوى الأشخاص المُستعدُّونَ للقيامِ بذلكَ يَقبَلونَ الإنجيل.

لِذا فإنَّ الدَّعوةَ إلى الخَلاصِ هي دَعوة إلى التَّكريسِ الكَامِلِ مِن دُونِ حَجْبِ أيِّ شَيءٍ عَنْ قَصْد...مِن دونِ حَجْبِ أيِّ شَيءٍ عَنْ قَصْد. ولا يُوجَد نَصٌّ آخَرُ أَوْضَحُ مِن هذا النَّصِّ الَّذي نَتأمَّلُ فيه والنُّصوصِ الأخرى الشَّبيهَةِ جِدًّا بِهِ والتي صَدَرَتْ عنِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ نَفسِهِ. ويجب علينا أن نَفهَمَ ما نَتحدَّثُ عنهُ هُنا. فهذه دَعوة إلى الخَلاص. فهل تُريدونَ أن تَعلموا كيفَ تَشهَدونَ إلى النَّاس؟ وكيفَ تُقَدِّمونَ الإنجيلَ؟ هذه هي الطَّريقة. إنَّها مَذكورة هُنا. فَهَكذا فَعَلَ يَسوعُ ذلك. وبصراحَة، إنَّها تَسقُطُ كالقُنبُلة. فهي طَريقة مُتَفَجِّرَة في الكِرازَة.

وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي وُصِفَ بِها كِتابي بِصورة رَئيسيَّة. فقد وُصِفَ بأنَّهُ قُنبُلَة أُسْقِطَتْ في سَنة 1988. وقد أَحْدَثَتْ تلكُ القُنبلةُ حُفْرَةً في الحَقلِ الإنجيليِّ، وكَشَفَتْ تحتَ السَّطحِ عن وُجودِ ضُعفٍ رَهيبٍ ومُريعٍ في الإنجيلِ الَّذي يُكرَزُ به. وَهُوَ أمرٌ يَتكرَّرُ حُدوثُهُ اليوم؛ وَهُوَ أمرٌ يُؤسِفُني أن أقولَهُ. فالإيمانُ الهَيِّنُ قد عَادَ اليوم. ونحنُ نَسمَعُ نَفسَ الكِرازَةِ الرَّخيصَةِ اليوم. بل إنَّ الأمرَ أسوأُ الآن. فأنتَ لستَ بحاجةٍ إلى الإيمانِ بيسوعَ، بل إنَّكَ ستَذهبُ وَحَسْب إلى السَّماءِ إنْ فَكَّرْتَ في أنَّهُ يُوجَدُ إلَهٌ في السَّماء خَلَقَ الأشياء؛ فَما بالُكَ بالاعتِرافِ بيسوعَ رَبًّا.

ولكِنَّ هذهِ ليست شُروطُ اللهِ، ولا هِيَ شُروطُ يَسوع. فقد جاءَ يَسوعُ بِصِفَتِهِ الكَارِزَ النَّموذَجِيَّ بحسبِ المَعاييرِ الإلهيَّة. وقد أَعطانا نَموذَجًا لكيفيَّةِ الكِرازة. وما تَفعلونَهُ حينَ تَكرِزونَ هو أنَّكُم تُساعِدونَ الآخرينَ على إدراكِ أنَّ الخَلاصَ، واتِّباعَ المَسيحِ، والتَّلمذةَ الحَقيقيَّةَ، والإيمانَ المَسيحيَّ الحَقيقيَّ يَتطلَّبُ مِنهُم أنْ يَقوموا بهذهِ الأمورِ الثَّلاثة: أن تُنكِرَ نَفسَكَ، وتَحمِلَ صَليبَكَ، وتَتْبَعْهُ. وهذه هي الرِّسالةُ الصَّعبةُ في الكِرازَة.

وقد تَقولونَ: "ولكِنَّ النَّاسَ لن يَقبَلوا هذهِ الرِّسالة". إنْ لم يَقبَلوها فإنَّ هذا يَعني أنَّهُم لن يَخلُصوا. فلا يُمكِنُنا أن نُغَيِّرَ الشُّروطَ مِن أجلِ الحُصولِ على التَّأثيرِ المَرغوبِ فيه. لِذا، لِنَرجِع إلى النَّصِّ، ولنَرجِع إلى المَبدأ، ونَذكُر المَبدأَ لكي نُرَسِّخَ أقدامَنا على أرضيَّةً صُلبَةٍ هُنا.

لِنَعُد إلى العَدد 23: "وَقَالَ لِلْجَمِيعِ..." [أيْ للرُّسُلِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وأيضًا للأشخاصِ الآخَرينَ الَّذينَ كانوا يَمْشُونَ خَلَفَهُ]: وقالَ للجَميع: "يجب عليكم أن تَفهموا هذا الحَقَّ الأساسِيَّ والجَوهريَّ". "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي...". لنتوقَّف هُنا قَليلاً.

فالعِبارَةُ "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي..." هي دَعوةٌ إنجيليَّة. فهل تُريدُ أن تَكونَ تَابِعًا حَقيقيًّا لي؟ وهل تُريدُ أن تَكونَ تَابِعًا بِكُلِّ مَعنى الكَلمة؟ إليكَ ما أَطلُبُهُ: "فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي". فالأمرُ لا يَختصُّ بِإشباعِ حَاجاتِك. وَهُوَ لا يَختصُّ بِحُصولِكَ على مَا تَتَمَنَّاه، بل إنَّهُ يَعني أن تَقولَ "لا" لِكُلِّ حاجاتِكَ، ورَغباتِكَ، وآمالِكَ، وطُموحاتِكَ، وأحلامِكَ، وبَرامِجِكَ، وخُطَطِك. فهي دَعوة مُوَجَّهة إليكَ لِقَبولِ خُطَّتي. فهي ليست دَعوة إلى إشباعِ حَاجاتِك، بل هي دَعوة إلى التَّضحية.

فهُناكَ مُستوى مِنَ اليأسِ هُنا. وقد تَقول: "ولكِنَّ النَّاسَ لن يَقبلوا بسهولة تلكَ الدَّعوة". مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُم لن يَقبلوها. ولكِن مَنِ الَّذي قالَ إنَّ الخَلاصَ سَهلٌ، أو إنَّهُ حَتَّى مُمكِنٌ مِن دونِ مَعونَةِ الرُّوحِ القُدُس؟ ولكِن بالرَّغمِ مِن ذلك، هذهِ هي العَناصِرُ الثَّلاثةُ في هذا المَبدأ الأوَّل. فلننظُر إليها عُنصُرًا تِلوَ الآخَرِ لأنَّها ستُساعِدُنا في فَهمِ المَزيدِ حينَ نَنظُرُ إلى كُلِّ عَنصُرٍ مِنها.

أوَّلاً، هُناكَ ثَلاثَةُ عَناصِرَ في هذا المبدأ العَظيم. فهذهِ هي العَناصِرُ الثَّلاثةُ في هذا الإيمانِ المُخَلِّص. فهو يَفتَرِضُ أنَّ يَسوعَ رَبٌّ، وأنَّهُ المَسيحُ، وأنَّهُ اللهُ، وأنَّهُ المُخَلِّصُ. لِذا، أنتَ تُريدُ أن تَتْبَعَهُ. أليسَ كذلك؟ وهل تُريدُ أن تَأتي وَراءَهُ؟ فهل تُؤمِنُ؟ وأنتَ تَقولُ: "أجل، إنَّهُ الرَّبُّ"، وَ "أجل، لقد مَاتَ"، وَ "أجل، لقد قَامَ". إذًا، أنتَ تُريدُ أنْ تَتبَعَني؟ أليسَ كذلك؟

أوَّلاً، إنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ إنكارَ الذَّاتيِ ("أرنيساسثو" – “arnesastho”)، وهذا تَعبيرٌ قَوِيٌّ. وَهُوَ يَعني حَرفيًّا: "يَتَخَلَّى عن شَيء". فيجبُ عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ، وأن تَتخلَّى عن نَفسِك. وقد كانت هذهِ الكلمة تُستخدَمُ للإشارةِ إلى رَفضِ الاقترانِ بشيءٍ مَا. فيجب عليكَ أن تَرفُضَ الاقترانَ بنفسِك. وهذا أمرٌ مُتَطَرِّفٌ جدًّا. وقد كانت تُستخدَمُ للإشارةِ إلى رَفضِ مُرافقةِ شخصٍ مَا إذْ إنَّكَ تُعَبِّرُ حَرفيًّا عن عَدَمِ رَغبَتِكَ في رِفْقَتِه.

لِذا إنْ أردتَ أن تأتي إلى المَسيح، هذا هو أوَّلُ شَيء. فيجبُ عليكَ أن تأتي وتقول: "أنا لا أُطيقُ الاقترانَ بنفسي. فقد قَطَعْتُ عَلاقتي بنفسي. وأنا لا أريدُ أيَّ شيءٍ آخَرَ مِن حَياتي". فهذا هُوَ عُمْقُ ذلكَ الفَهم. فهو لا يَعني: "أنا أُحِبُّ حَياتي، وأُحِبُّ عَالَمي، وأُحِبُّ الوُجهَةَ الَّتي أسيرُ فيها، ولكِن يا يَسوعُ، هل يُمكِنُكَ أن تَنقِلَني إلى مُستوىً أعلى بسُرعة أكبر، وإلى ارتِفاعٍ أكبر؟" إنَّ اتِّباعَهُ لا يَعني ذلك، بل يَعني أن تَقولَ: "لقد انتَهَيْتُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يَخُصُّني. فقد تَعِبْتُ مِن طَبيعَتي، وفَسادي، وضُعفي، وخَطيئَتي". وَهو يَعني أن تُنكِرَ نَفسَكَ. وَهُوَ يَعني أنَّكَ لم تَعُد تَرغَبُ في الارتباطِ بنفسِكَ بالكَيفيَّةِ الَّتي أنتَ عَليها الآن. "لقد فَرَغْتُ مِن نَفسي. وقد تَعِبْتُ مِن نَفسي. وأنا لا أريدُ أيَّ شَيءٍ يَختصُّ بي. فقد حَاولتُ كُلَّ السُّبُلِ المُمكِنَةِ كي أصنَعَ شَيئًا مِن حياتي، ولكنِّي لم أُفلِح. فأنا غَارِقٌ في ضُعفي. وأنا غَارِقٌ في خَيبةِ أَملي. وأنا غَارِقٌ في فَراغي. وأنا غَارِقٌ في خَطيَّتي".

هذا هو مَعنى الاهتِداءِ الحَقيقيِّ. فالقَلبُ يَرى في ذاتِهِ الخَطيَّةَ فقط، والعَجزَ فقط، والإخفاقَ فقط، وعَدَمَ الاستحقاقِ فقط. وَهُوَ يَسعى إلى العُثورِ عن مُنقِذٍ لَهُ. وهُوَ لا يُمْلي أيَّ شُروط. انظُروا! أنا في حَالَةٍ يائِسَةٍ جدًّا. أخبرني فقط ما يَنبغي لي أن أفعلَهُ. فالذَّاتُ مُستَثناةٌ تَمامًا. فأنتَ تَتَخَلَّى عن كُلِّ اتِّكالٍ على الذَّاتِ، وكُلِّ ثِقَةٍ في نَفسِك، وكُلِّ ثِقَةٍ في طَبيعَتِك. فأنتَ تَتخلَّى عن كُلِّ شَيءٍ وأيِّ شَيءٍ.

وهذا يُشبِهُ الرَّجُلَ الَّذي اشتَرى اللُّؤلؤةَ الكَثيرَةَ الثَّمن، وباعَ كُلَّ شَيءٍ مِن أجلِ شِراءِ تلكَ اللُّؤلؤة. واللُّؤلؤةُ هي المَسيح. والرَّجُلُ الَّذي اشتَرى الكَنزَ المَوجودَ في الحَقلِ بَاعَ كُلَّ شَيءٍ كي يَشتري الكَنْزَ الموجودَ في الحَق. فقد تَخَلَّى حَرفيًّا عن كُلِّ شَيءٍ لَديهِ، وعن كُلِّ شَيءٍ جَمَعَهُ يَومًا لأنَّ المَسيحَ كانَ ثَمينًا جدًّا في نَظَرِه. فالأمرُ يَعني حَقًّا أنَّكَ بَلَغْتَ نِهايَةَ نَفسِكَ. فهذا هو ما يَحدُثُ عندما يَخلُصُ النَّاسُ. فهذا هو ما يَحدُثُ حَقًّا عندما يَخلُصون، وعندما يَفهمونَ فَهمًا جَيِّدًا جدًّا يأسَهُم الرُّوحِيَّ.

والحقيقةُ هي أنِّي سأُقَدِّمُ لكم مَثَلاً تَوضيحيًّا على ذلكَ مِنْ رِسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالث. افتَحوا على رِسالةِ فيلبِّي والأصحاح الثَّالثِ لأنَّ هَذا المَثَلَ هُوَ مَثَلٌ كلاسيكيٌّ عَمَّا نَتحدَّثُ عنهُ؛ أيْ عن إنكارِ الذَّاتِ هَذا. والرَّسولُ بولسُ هُوَ المَثَلُ التَّوضيحِيُّ. ونحنُ نَقرأُ هُنا عن حَادِثَةِ اهتِدائِهِ مِنَ الدَّاخِل. فأنتُم تَقرأونَ عنِ الحادثةِ التَّاريخيَّةِ الخارجيَّةِ، أوِ الحَدَثِ التاريخيِّ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ التَّاسِعِ عندما كانَ في طَريقِهِ إلى دِمَشْق. ولكِنَّكُم تَقرأونَ هُنا عَمَّا كانَ يَجري في دَاخِلِ بولُس. وهذا هُوَ العَمَلُ الذي عَمِلَهُ اللهُ في حَياتِه. وهذا مَثَلٌ تَوضيحيٌّ جَيِّدٌ جدًّا على إدراكِ نِهايَةِ الذَّات.

فهو يَقولُ في العَددِ الرَّابِع: "إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ..." [في النِّصفِ الثَّاني مِن هذا العَدد] "إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى". فإن أردتُم أن تَتَحَدَّثوا عنِ الإنجازات، وإن أردتُم أن تَتكلَّموا عنِ الإنجازات، اسمَعوني! فسوفَ أكونُ الأوَّلُ بَينَكُم. فقد حَقَّقْتُ إنجازاتٍ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر".

فقد كانَ في العَقْدِ الثَّالِثِ مِنْ عُمْرِهِ في هذا الوقت، وكانَ قد عَاشَ حَياتَهُ كُلَّها في تَحقيقِ هذهِ الإنجازات. "مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ" بِحَسَبِ تَعريفِ العهدِ القديمِ. وكَانَ "مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ". فقد مَارَسَ الطُّقوسَ الصَّحيحةَ وكانَ يَنتَمي إلى شَعبِ الله. وكانَ "مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ". فقد كانَ يَنتمي إلى سِبْطٍ يَملِكُ مَزايا عَظيمة، وسِبْطٍ مَرموقٍ جدًّا. وَكانَ "عِبْرَانِيًّا مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ". وهذا يَعني أنَّهُ كانَ [بِبَساطَة]: "نَقِيًّا". وكانَ يَحفَظُ كُلَّ التَّقاليدِ حَرفيًّا. وَمِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ، كانَ شَغَفُهُ وتَكريسُهُ للنَّاموسِ قد بَلَغَ أَعلى مُستوىً مَوجودٍ في بَني إسرائيل. فقد كانَ "فَرِّيسيًّا". وقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ مُدَقِّقينَ ومُتَمَسِّكينَ جدًّا بالنَّاموس.

فقد كانَ قد بَلَغَ أقصى حَدٍّ مُمكِن. "مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ"؛ أيْ مِنْ جِهَةِ الغَيرَةِ لِدينِهِ، كانَ غَيورًا جِدًّا على نَقاوَةِ اليَهوديَّةِ والدِّفاعِ عنها حَتَّى إنَّهُ كَانَ "مُضْطَهِدَ الكَنِيسَة" لأنَّهُ كانَ يَظُنُّ أنَّها هُجومٌ على الحَقِّ، وهُجومٌ على اللهِ، وهُجومٌ على العهدِ القديم. وقد كَانَتْ مَشاعِرُهُ مُتَأجِّجَةً جِدًّا حَتَّى إنَّهُ حَصَلَ حَرفيًّا (إنْ كُنتُم تَذكرونَ) على رَسائِلَ تُتيحُ لَهُ أنْ يَذهَبَ إلى أماكِنَ مُعَيَّنةٍ للقَبضِ على المَسيحيِّينَ وَوَضْعِهم في السِّجن. "مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ [كَانَ خَارِجِيًّا] بِلاَ لَوْمٍ". فنحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ قد حَقَّقَ كُلَّ تلكَ الإنجازاتِ الشَّخصيَّة. وقد قامَ بذلكَ...لقد حَقَّقَ ذلكَ طَوالَ حَياتِه. فقد صَرَفَ حَياتَهُ في مُحاولةِ بُلوغِ هذهِ النُّقطةِ العُليا مِنَ الغَيْرَةِ الدِّينيَّةِ والأخلاقِ العالية. وقد جَاءَ إلى المَسيح.

وما المَوقِفُ الَّذي قد تَقودُ إليهِ هذِهِ الإنجازاتُ؟ أنا إنسانٌ صَالِحٌ. وأنا بأفضَلِ حَالٍ يُمكِنُ لأيِّ إنسانٍ أن يَبلُغَها. وأنا مُكَرَّسٌ للحَقِّ الكِتابِيِّ أكثرَ مِن أيِّ إنسانٍ آخر. وأنا مُجتَهِدٌ في دراسةِ الكتاب المقدَّس أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. وأنا غَيورٌ على حِمايةِ الحَقِّ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. فقد حَقَّقتُ كُلَّ ذلك. فقد طَبَّقْتُ كُلَّ الوَصايا. وقد حَفِظْتُ كُلَّ وَصِيَّةٍ وَطَبَّقتُها.

والآن، ها هو قدِ التَقى المَسيحَ على الطَّريقِ إلى دِمَشق. وقد فَهِمَ الإنجيلَ. وَهُوَ يَقولُ حَالاً في العَددِ السَّابعِ: "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا..."؛ أيْ إنَّ كُلَّ الأشياءِ الَّتي كُنْتُ أَضَعُها في خَانَةِ المُمتَلَكاتِ، وكُلَّ الأشياءِ الَّتي كُنتُ أضَعُها في خَانَةِ الرِّبحِ، وكُلَّ حَياتِهِ الَّتي أَنفَقَها في القِيامِ بذلك كانت مَكْسَبًا في نَظَرِه. "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ [حَالاً]...خَسَارَةً". فقدِ انتَقَلت تلكَ الأشياءُ مِن خَانَةِ المُمتلكاتِ إلى خَانَةِ الخَسائِر. فهي لم تَكُن مُحايِدَةً، ولم تَكُن مَحدودَةَ القيمةِ، بل كانت خَسارَةً.

والحَقيقةُ هي أنَّهُ يُمكِنُكم أن تُدركوا مُستوى الخَسارَةَ إذْ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ التَّالي: "بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً". وهَذا هُوَ إنكارُ الذَّات. فأنا لا أُبالي بِتلكَ الأشياءِ. فهي لا تُساعِدُ في شَيء. وهي لا تُسهِمُ في شَيء. وهي لا تُضيفُ أيَّ شَيء. فيجبُ عليكَ أن تَنظُرَ وَحَسْب إلى حَياتِكَ بأسرِها مَهْما كُنتَ مُتديِّنًا، ومَهما كُنتَ غَيورًا، ومَهما كُنتَ حَريصًا على الحِفاظِ على تَقاليدِ آبائِكَ، ومَهما كُنتَ مُجتَهِدًا...فيجبُ عليكَ أن تَنظُرَ إلى كُلِّ شيءٍ وتَقول: "إنّها خَسارَة. كُلُّها. كُلُّ شَيءٍ فِيَّ هُوَ خَسارة". لماذا؟ رُومية 7: 18: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، [ماذا؟] شَيْءٌ صَالِحٌ". وَحَتَّى إنَّهُ يَقولُ أيضًا: "بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً". وَهُوَ يَقولُ في نِهايةِ العَددِ الثَّامِن: "وَأَنَا أَحْسِبُهَا..." والكَلِمَةُ اليونانيَّةُ هِيَ "سكوبالون" (skubalon) ومَعناها: "نُفَايَة". وهي أَحَطُّ كَلِمَةٍ تَمَكَّنَ مِنَ العُثورِ عليها. فهكذا حَسِبَ كُلَّ شَيء.

ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ يَفهَمُ إنكارَ الذَّات. وفي هذه النُّقطةِ مِن لائِحَتِهِ لم يُنكِر حَتَّى حَقيقةَ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ الخَطيَّةَ، وأنَّهُ كانَ يُحِبُّ الإثمَ، وكُلَّ تلكَ الأشياء. فَهُوَ لا يُنْكِرُ ذلكَ، بل إنَّهُ يَتَخَلَّى عن أسوأ خَطِيَّةٍ في حَياتِهِ وَهِيَ البِرُّ الذَّاتِيّ. فَحَتَّى ذلكَ كانَ في نَظَرِهِ نُفايَةً أو قُمامَةً.

عندما رأيتُ المَسيحَ تَخَلَّيْتُ عن كُلِّ شَيءٍ كانَ يَعني شَيئًا لبولُس...كُلَّ شَيء. وهذه هي الطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ أن تأتي بها. وقد لا يَكونُ العَائِقُ هُوَ التَّديُّنُ والبِرُّ الذَّاتِيُّ بالنِّسبةِ إليكَ، بل قد يَكونُ الفَساد الأخلاقِيّ، أوِ الغِشّ، أو أيُّ شَيءٍ آخرَ مِثلَ الكَذِبِ أوِ السَّرِقَةِ أو أيِّ شَكلٍ آخرَ مِن أشكالِ الفَساد. وقد يَكونُ مُجَرَّدَ انشغالِكَ بوعودِكَ وتَعَهُّداتِكَ مِن أجلِ تَحقيقِ أُمورٍ مُعيَّنة في ذِهنِكَ كي تُحَقِّقَ مُستوىً مُعَيَّنَ مِن تَقديرِ الذَّاتِ أو أيِّ شَيءٍ آخر.

فأنتَ تأتي. وأوَّلُ شَيءٍ ينبغي أن تُدرِكَهُ هو أنَّ هذا يَعني مَوتَكَ، ومَوتَ آمالِكَ، وأحلامِكَ، وطُموحاتِكَ، ورَغْباتِك. فالإيمانُ لا يَعني أنْ تُحَقِّقَ كُلِّ الأشياءِ الصَّغيرةِ الَّتي تَرغَبُ فيها، وأنْ تَجعَلَ يَسوعَ يَخرُجُ مِنْ قُمْقُمٍ صَغيرٍ ويُلَبِّي لَكَ ثَلاثَ أُمنيات، بل إنَّهُ يَعني مَوتَكَ.

لِذا فإنَّ التَّطويباتِ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِسِ تَبتدئُ في العَددِ الثَّالِثِ وما يَليه بالقولِ إنَّكَ إن أردتَ أن تَدخُلَ المَلكوتَ يجبُ عليكَ أن تَبتدئَ بأن تَكونَ مِسْكينًا بالرُّوح. وما الَّذي يَعنيهِ ذلك؟ إنَّها كلِمَة تَعني "مُفْلِسٌ رُوحِيًّا". فهي كلمة تُشيرُ إلى الفَقْرِ وتَعني حَرفيًّا: "مُتَسَوِّل". فهي لا تَعني أنَّكَ تَملِكُ القَليل، بل تَعني أنَّكَ لا تَملِكُ أيَّ شَيءٍ وَلا تَستطيعُ أن تَكسَبَ أيَّ شَيء. فأنتَ مُعْدِمٌ. لِذا فإنَّكَ تُدرِكُ أنَّ أيَّ شَيءٍ لَديكَ لا يُساوي شَيئًا. فإنْ جَمَعْتَ كُلَّ مَا لديكَ فإنَّ المُحَصِّلَةَ هي صِفْر. فهي نُفاية. وهي لا شَيء.

لِذا هذه هي الفَضيلةُ الرَّئيسيَّة. فهذه هي الفَضيلةُ الرَّئيسيَّةُ للقلبِ الَّذي يأتي إلى المَسيحِ مِن أجلِ الخَلاص: الإفلاسُ...الإفلاسُ الرُّوحِيُّ، والفَقْرُ المُدْقِعُ، واليأسُ، والبُؤسُ. لِذا فإنَّكَ لا تَقولُ: "صَحيحٌ أنِّي أُحِبُّ يَسوعَ مُخَلِّصًا لي، ولكنِّي لا أَعلمُ إنْ كُنتُ أريدُ أن أجعَلَهُ رَبًّا لي. فأنا أُحِبُّ الاحتفاظَ ببِضعَةِ أُمورٍ تَخُصُّني". فقد تَجاوزتَ ذلك. وقد أدركتَ إفلاسَكَ الرُّوحِيَّ. وقد اتَّضَعْتَ بسببِ بُؤسِك. فأنتَ تُشبِهُ العَشَّارَ المَذكورَ في لوقا 18 الَّذي كانَ يَقرَعُ على صَدرِهُ قائلاً: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". فأنتَ تأتي مِسكينًا بالرُّوح. وأنتَ تأتي مُتواضِعًا. وأنتَ تَأتي نَائِحًا على خَطاياكَ (كَما تَقولُ التَّطويبات). وأنتَ تَأتي جَائِعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ. وأنتَ لا تَفرِضُ أيَّ شُروطٍ أو مَطالِب. بل إنَّكَ تَأتي وأنتَ عَالِمٌ مِقدارَ بُؤسِكَ وَمِقدارَ شَقاوَتِكَ.

وأنتَ تَفهَمُ قِيمةَ غُفرانِهِ، ورَوعَةَ هِبَةِ الحَياةِ الأبديَّةِ الَّتي يُقَدِّمُها. لِذا فإنَّكَ لا تُمْلي شُروطَكَ. فَمِن ذلكَ الجَافي يَخرُجُ عَسَلٌ. ومِن ذلكَ المَوت تَخرُجُ الحَياة. فنحنُ نأتي كَما قالَ المُرَنِّمُ في المَزمور 34: 18: "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوح". فعندما تُسْحَقُ حَرفيًّا في الرُّوحِ، تَكونُ قد بَلَغْتَ نِهايَةَ ذاتِكَ.

وأنتُم لا تَسمعونَ وَعْظًا كَثيرًا يَرمي إلى تَوصيلِ النَّاسِ إلى تلكَ النُّقطة. ولكِنَّنا نَقرأُ في المَزمور 51: 17: "ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اَللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ". فاللهُ يَبحَثُ عنِ المُنْسَحِقينَ والمُنكَسِرين. إشعياء 66: إلى مَنْ يَنْظُرُ اللهُ؟ إلى الشَّخصِ المُنسَحِقِ الرُّوحِ. وليسَ فقط إلى الشَّخصِ المُنسَحِقِ الرُّوحِ، بل أيضًا إلى الشَّخصِ المُرتَعِدِ مِنْ تأثيرِ كلمةِ اللهِ: "المُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي".

وكما تَرَوْنَ، هذا هو السَّببُ في أنَّ النَّاموسَ أُعْطِيَ، والسَّببُ في أنَّ العِظَةَ على الجَبَلِ قُدِّمَتْ. فالنَّاموسُ أُعْطِيَ كي يَسحَقَ البَشَر. فَهُوَ لم يُعْطَ ليكونَ المِعيارَ الَّذي يُحَقِّقُ البَشَرُ مِن خلالِهِ الخَلاصَ، بَل أُعطِيَ ليكونَ المِعيارَ الَّذي يُدرِكُ النَّاسُ مِن خِلالِهِ إفلاسَهُم الرُّوحِيَّ. فيُمكِنُكَ أنْ تُحاوِلَ أن تَحفَظَ النَّاموسَ، ولكنَّكَ لن تَتَمَكَّنَ مِن ذلك. لِذا فإنَّ النَّاموسَ (كما يَقولُ بولُسُ) يَقتُلُكَ.

لِذا عندما تَكرِزونَ بالإنجيلِ، يجبُ عليكم أن تَكرِزوا بالنَّاموس. فيجب عليكم أن تَقتُلوا الخَاطِئَ. فيجب عليهِ أن يَموتَ قَبلَ أنْ يَحيا. لِذا عِندما نُقدِّمُ الإنجيلَ، يجبُ علينا أن نُرَكِّزَ على هذهِ الحقائقِ كي لا نُسْهِمَ في انتشارِ المَسيحيَّةِ السَّطحيَّةِ والمَسيحيَّةِ المُمْعِنَةِ في الاسميَّة.

لِذا فقد أُعطِيَ النَّاموسُ لكي يَكونَ ضَربةً سَاحِقَةً مُوَجَّهَةً إلى رأسِ الخاطِئِ الَّذي لا يَستطيعُ أن يَحفَظَ النَّاموسَ. لِذا فإنَّهُ يُسحَقُ تحتَ النَّاموس. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ غَلاطِيَّة والأصحاحِ الثَّالثِ إنَّكَ إنْ تَعَدَّيتَ على النَّاموسِ في مَوضِعٍ وَاحِدٍ تَكونُ قد تَعَدَّيتَ على النَّاموسِ كُلِّه وتَكونُ تَحتَ غَضَبِ اللهِ الأبديِّ. فالنَّاموسُ يَسحَقُنا.

ولكِن هذا هو السَّبَبُ في تَقديمِ العِظَةِ على الجَبَل. وأعتقدُ أنَّ هذا هو السَّبب في أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ وَضَعَها في بِدايةِ العهدِ الجديد. فأنتَ تَقرأُ العِظَةَ على الجَبَل. وما الَّذي تَفعَلُهُ العِظَةُ على الجَبل؟ إنَّها تُقَدِّمُ لكَ النَّاموسَ وتَشرَحُ لكَ عُمْقَ النَّاموسِ حَتَّى إنَّها لا تَقولُ لكَ فقط إنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تَقتُلَ، بل إنَّهُ لا يَجوزُ لكَ حَتَّى أنْ تَكرَه. فَالأمرانِ سِيَّان. وهي لا تَقولُ لكَ فقط إنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أنْ تَزني، بل إنَّهُ لا يَجوزُ لكَ حَتَّى أنْ تَفعلَ ذلكَ في قَلبِك. فالأمرانِ سِيَّانِ أمامَ الله.

لِذا فإنَّ النَّاموسُ قد أُعطِيَ مَرَّةً أخرى. ويَسوعُ يَضَعُ النَّاسَ أمامَ النَّاموسِ ويَقول: "إنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ على عَدَمِ حِفظِكُم للنَّاموسِ بِمُستواهِ السَّطحِيِّ، بل إنَّهُ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُم لا تَحفظونَهُ بمُستواه الأعمَق. فأنتُم مُذنِبونَ بانتِهاكِ نَاموسِ الله". لِذا فإنَّنا نَقولُ إنَّكُم لن تَفهموا الإنجيلَ إلَّا حينَ تَفهمونَ النَّاموس. لِذا، لا يُمكِنُ أن تَكونَ الكِرازَةُ استراتيجيَّةً تَسويقيَّةً لاجتِذابِ النَّاسِ إلى أن يُقَرِّروا أنْ يَقبَلوا يَسوعَ في حَياتِهم. فالنَّاموسُ شَيءٌ سَاحِقٌ ومُحَطِّمٌ لأنَّ الخَاطِئَ الَّذي يَأتي تحتَ نَاموسِ اللهِ إمَّا أنْ يَثورَ على عَمَلِ النَّاموسِ ويَرجِعَ إلى خَطيَّتِهِ وَيَرغَبُ في الابتِعادِ عنِ الضَوْءِ السَّاطِعِ للنَّاموسِ قَدْرَ استِطاعَتِهِ، وإمَّا أنْ يُسْحَقَ تَحتَ ذلكَ النَّاموسِ فَيُدرِكُ في تلكَ اللَّحظةِ إفلاسَهُ الرُّوحِيَّ فَيَصرُخُ طَلَبًا للغُفرانِ والرَّحمة.

وفي تلكَ اللَّحظةِ الَّتي يَفعلُ فيها ذلك فإنَّهُ لا يُساوِمُ اللهَ، بل يَفهَمُ فَقرَهُ، ويُدرِكُ أنَّهُ لا يَملِكُ أيَّ شَيءٍ في حَياتِهِ يُمكِنُه أن يُقَدِّمَهُ للهِ، وأنَّهُ لا يَملِكُ أيَّ شَيءٍ قَيِّمٍ في كُلِّ إنجازاتِهِ. لِذا فإنَّهُ يَطرَحُ نَفسَهُ على رَحمَةِ اللهِ الَّذي يَستطيعُ أن يُوَفِّرَ لَهُ كُلَّ الغِنى السَّماوِيِّ الَّذي تَتَحَدَّثُ عنهُ كلمةُ الله. فهذا هو المَوقِفُ السَّليم. فأنتَ تَقبَلُ المَسيحَ بِشُروطِهِ، لا بِشروطِك.

فالخَاطِئُ المَغرورُ يُريدُ المَسيحَ وَمُتَعَهُ الشَّخصيَّة. والخاطئُ المَغرورُ يُريدُ المَسيحَ وشَهواتِهِ الشَّخصيَّة. والخاطئُ المَغرورُ يُريدُ المَسيحَ وفَسادَهُ الأخلاقِيَّ. أمَّا الخَاطِئُ المُنكَسِرُ فَهُوَ شَخصٌ يَائِسٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ مُستعَدٌّ للتخلِّي عن أيِّ شَيءٍ في سَبيلِ الحُصولِ على المَسيح، وفي سَبيلِ الحُصولِ على الغُفرانِ، والحَياةِ الأبديَّةِ، والرَّجاءِ، والنَّجاة.

يَقول "توماس واطسون" (Thomas Watson) في كِتابِهِ الرَّائعِ عنِ التَّطويبات: "القَلعَةُ الَّتي مَضَى على حِصارِها وَقتٌ طَويلٌ وصارَتْ جَاهِزَةً للاحتِلال سَتَستَسلِمُ بأيِّ شُروطٍ لإنقاذِ حَياتِها. وعندما يَكونُ قَلبُ الإنسانِ مَعْقِلاً للشَّيطانِ، ويَكونُ قد مَضَى عليهِ وَقتٌ طَويلٌ مِنَ العَداوَةِ للمَسيح، ثُمَّ يَأتي بِهِ اللهُ إلى نُقطَةٍ يُدرِكُ فيها إفلاسَهُ الرُّوحِيَّ، ويَرى نَفسَهُ مَلعونًا مِن دونِ المَسيح، فإنَّهُ يَسمَحُ للهِ أنْ يُملي شُروطَهُ، ويَسمَحُ للهِ أنْ يُقَدِّمَ عَرْضَهُ. وَهُوَ سَيَقولُ ببساطَة: "يا رَبُّ، ماذا تُريدُ مِنِّي أن أفعَل؟" [نِهايةُ الاقتباس.] وهذا هو المَوقِفُ الصَّحيح. هذا هو المَوقِفُ الصَّحيح. وهذا يَصيرُ حَقًّا نَهْجَ حَياة. فَهُوَ يَصيرُ نَهجَ حَياة.

فأنتَ تَأتي إلى المَسيحِ في ذلكَ اليأسِ، بعدَ أن تَكونَ قد يَئِسْتَ مِن نَفسِكَ، وبعدَ أن تَكونَ مُتَشَوِّقًا لإنكارِ ذاتِكَ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّهُ لا تُوجَدُ أيُّ قيمةٍ فيكَ. وحينئذٍ، بعدَ أنْ تَصيرَ مُؤمِنًا يَبقى ذلكَ المَوقِفُ حَاضِرًا. فهو يَبقى حَاضِرًا. وهو يَصيرُ نَهْجَ حَياة. وحينَ تَنمو في مَعرفةِ اللهِ، وفي مَعرفةِ المَسيحِ، فإنَّ جُذورَ إنكارِ الذَّاتِ تَتَعَمَّقُ أكثر. ولكي تَفهَموا هذا المَبدأَ فإنَّ النُمُوَّ في النِّعمةِ هُوَ نُمُوٌّ إلى أسفَل. إنَّهُ نُمُوٌّ إلى الأسفَل. فحينَ تَنمو في النِّعمةِ، سَتَستَمِرُّ في النَّظَرِ إلى نَفسِكَ نَظرةَ اتِّضاع. ويُمكِنُكم أن تُدرِكوا نُضْجَ الإنسانِ الرُّوحِيِّ بسهولة شَديدة. فالنُّمُوُّ في النِّعمةِ هُوَ نُمُوٌّ إلى أسفَل. وَهُوَ يُؤدِّي إلى زِيادَةِ اتِّضاعِنا. فَهُوَ يَجعَلُنا نُدرِكُ أكثرَ فأكثر أنَّنا لا شَيء. وَهُوَ يَجعَلُنا نَشعُرُ في قُلوبِنا أكثرَ فأكثرَ أنَّنا لا نَستَحِقُّ أيَّ شَيء.

لقد كُنتُ أُقَدِّمُ المَشورةَ لأحدِ الأشخاصِ يَومَ أمس فقالَ هذا الشَّخصُ: "أُريدُ...أريدُ وَحَسْب أن أكونَ قادِرًا على القِيامِ بِشيءٍ مَا لأجلِ الرَّبِّ". وقد كانَ المَعنى الضِّمنِيُّ لكلامِهِ هُوَ: "أريدُ أن أكونَ مِثلَكَ". فقلتُ: "حسنًا، أتَعلَمُ شَيئًا. كُلَّما مَضى على إيمانِي وقتٌ أطولَ، زَادَ إدراكي لحقيقةِ أنِّي لا أفعلُ أيَّ شَيءٍ لأجلِ الرَّبِّ. والأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنِّي لا أفعلُ أيَّ شَيءٍ لأجلِ الرَّبِّ، بل إنِّي لا أستطيعُ أن أفعلَ أيَّ شَيءٍ لأجلِ الرَّبِّ. والعَجَبُ العُجابُ هو أنَّ الرَّبَّ يَستطيعُ أن يَفعلَ ما يَفعَلَ مِن خِلالي".

لِذا فإنَّكَ تَقولُ عندما تَكونُ مَسيحيًّا حَديثَ الإيمانِ: "أريدُ أن أفعلَ شَيئًا لأجلِ الرَّبِّ"، ثُمَّ إنَّكَ تَنضُجُ خِلالَ السِّنينَ وتقول: "يا رَبُّ، كيفَ اخترتَ بِنَعمَتِكَ أنْ تَفعَلَ أيَّ شَيءٍ مِن خِلالي؟" فالتَّواضُعُ يُظْهِرُ نُضْجَ الشَّخصِ رُوحِيًّا لأنَّكَ حينَ تأتي إلى الرَّبِّ بهذهِ الشُّروطِ، فإنَّكَ تَزدادُ تَواضُعًا. فأنتَ تَظُنُّ أنَّكَ كُنتَ مُتواضِعًا في وقتِ اهتِدائِكَ. ولكِنْ إنْ سَلَكْتَ معَ الرَّبِّ وقتًا طَويلاً جدًّا، يَنبغي أن تَكونَ أكثرَ تَواضُعًا مِمَّا كُنتَ عليهِ آنَذاك. وأنتَ تُدركُ الآنَ عُمْقَ الخَطيَّةِ لأنَّهُ حَتَّى بعدَ أن صِرتَ مُؤمِنًا، فإنَّكَ تَفهَمُ أنَّ هذا جُزء مِن كِيانِكَ. والعَجَبُ العُجابُ هُوَ أنَّ الرَّبَّ اختارَ أن يَفعلَ أشياءً مُعَيَّنَةً مِن خِلالِك. وحينئذ يَصيرُ إنكارُ الذَّاتِ نَهْجَ حَياة.

والآن، ما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ لَكَ بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا؟ إليكُم بعضَ الأمورِ العَمليَّة. فعندما يُغفَرُ لَكَ، أوْ يَتِمُّ إهمالُكَ، أو يَتِمُّ تَجاهُلُكَ ... أوْ بالحَرِيِّ: كانَ يَنبغي أن أقولَ: عندَما لا يُغفَرُ لَكَ، أو يَتِمُّ إهمالُكَ، أو يَتِمُّ تَجاهُلُكَ عَمْدًا، وتَشعُرُ بالحُرقَةِ أوِ الألمِ بسببِ الإساءةِ أوِ الإهمالِ، ولكِنَّ قَلبَكَ يَكونُ سَعيدًا، وتَكونُ رَاضِيًا بأنْ تُحسَبَ مُستَحِقًّا للتألُّمِ لأجلِ المَسيح، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

وعندما تَكونُ إنسانًا صَالِحًا ويَقولُ عنكَ شخصٌ آخَرُ كَلامًا شِرِّيرًا، أو عندما يَتِمُّ تَجاهُلُ مَشاعِرِكَ، أوْ يَتِمُّ إهمالُ نَصيحَتِكَ، أو يَسْخَرُ الآخرونَ مِن آرائِكَ، وتَرفُضُ أنْ تَسمَحَ باضطِرامِ الغَضَبِ في قَلبِكَ أوْ تَرفُضُ حَتَّى أنْ تُدافِعَ عَن نَفسِكَ، بل تَقبَلُ ذلكَ كُلَّهُ بِصَبْرٍ، وَصَمْتٍ مُطْبِقٍ، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

وعندما تَحتَمِلُ بمحبَّة وَصَبْر أيَّ اضطِرابٍ، أو أيَّ خَلَلٍ، أو أيَّ إزعاجٍ. وعِندما تَتَمَكَّنُ مِنَ الوُقوفِ في وَجْهِ الحَماقَةِ، والشَّطَطِ، وعَدَمِ الحَساسِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، ومِنَ احتِمالِ ذلكَ كما احتَمَلَهُ يَسوعُ، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

وعندما تَقبَلُ أيَّ طَعامٍ، وأيَّ شَيءٍ يُقَدَّمُ إليكَ، وأيَّ مَلابِسَ، وأيَّ مُناخٍ، وأيَّ مُجتمعٍ، وأيَّ عُزلةٍ، وأيَّ مُقاطَعَةٍ بسببِ مَشيئةِ اللهِ، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

وعندما لا تُبالي بالإشارةِ إلى نَفسِكَ، أوْ بأن تُدَوِّنَ أعمالَكَ الشَّخصيَّةَ الصَّالحةَ، أو بالحُصولِ على مَدْحِ الآخرينَ، وعندما تُحِبُّ حَقًّا أنْ تَكونَ مَجهولاً، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

وعندما تَرى أخًا آخَرَ يَنجَحُ وتُشْبَعُ حَاجاتُه، وتَفرَحُ مِن قَلبِكَ مَعَهُ في الرُّوحِ مِن دونِ أن تَشعُرَ بالحَسَد، ومِن دُونِ حَتَّى أنْ تَحْتَجَّ على اللهِ لأنَّ حَاجاتِكَ الشَّخصيَّةَ مُلِحَّة أكثر بكثير مِن حَاجاتِه، ولأنَّكَ تَختَبِرُ أحوالاً عَصيبَةً، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

وعِندما تَقبَلُ التَّقويمَ والتَّوبيخَ مِن شخصٍ أَدنى مِنْكَ، وتَخضَعُ بتواضُعٍ دَاخليًّا وخَارجيًّا، ولا تَشعُرُ بأيِّ تَمَرُّدٍ أوِ امتِعاضٍ في قَلبِكَ، فإنَّ مَوقِفَكَ هَذا هُوَ مَوْتٌ عَنِ الذَّات.

لِذا، يجبُ عليكَ أن تَأتي إلى المَسيحِ بموقِفِ إنكارِ الذَّاتِ وأن تَبتدئَ في النُّمُوِّ مِن تلكَ النُّقطَة. فإنكارُنا لِذاتِنا ليسَ كامِلاً. ومَوتُنا عن ذَاتِنا ليسَ كَامِلاً. فنحنُ نُقيمُ ذَواتِنا وإرادَتَنا ونَطرَحُها خَارِجًا، ونَدخُلُ إلى صُلْبِ مَشيئةِ اللهِ. ويجبُ علينا أن نَطلُبَ نِعمَتَهُ وغُفرانَهُ حينَ نَفعلُ ذلك. ولكِنَّ تلكَ هيَ أعمقُ وأطهَرُ وأصدَق رَغبَةٍ وشَوقٍ وتَطَلُّعٍ لِقلوبِنا المَفْدِيَّة؛ مَعَ أنَّها تَبقى بَعيدةً جِدًّا عَمَّا نُريدُ أن تَكونَ عليه.

حسنًا! إنَّ العُنصُرَ الثَّاني مِنْ أصلِ العَناصِرِ الثَّلاثةِ الَّتي تُشَكِّلُ هذا المَوقِفَ الضَّروريَّ لاتِّباعِ المَسيحِ هُوَ حَمْلُ الصَّليب...حَمْلُ الصَّليب. فيسوعُ لا يَقولُ فقط إنَّهُ يجبُ عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ، بل يُضيفُ قَائِلاً: "وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ". فأيُّ شَخصٍ يَتبَعُني ينبغي أن يَحمِلَ صَليبَهُ كُلَّ يوم. ونحنُ نَقرأُ في الأصحاح 14 والعَدد 27، وهذا شَيءٌ قالَهُ يَسوعُ مِرارًا، ولكِنْ هُناكَ جُملة مُشابِهَة في الأصحاح 14: "وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (كَما هُوَ مُدَوَّنٌ في الأناجيلِ الأُخرى أيضًا).

والآن، ما الَّذي يَعنيهِ أنْ تَحمِلَ صَليبَكَ؟ لقد سَمِعتُ الكَثيرَ مِنَ الآراءِ المَجنونَةِ، والغَريبَةِ، والعَجيبَةِ، والسَّخيفةِ عن ذلك. فهُناكَ مَن يَقولُ إنَّ حَماتَكَ هِيَ صَليبُكَ، وإنَّ مُديرَكَ هُوَ صَليبُكَ، وإنَّ سَيَّارَتَكَ هي صَليبُكَ، وإنَّ حَنَفِيَّتَكَ المَعطوبَةَ هي صَليبُكَ، وإنَّ لِكُلِّ شَخصٍ صَليبَهُ، وإنَّ ابنَكَ المُراهِقَ الضَّالَّ هُوَ صَليبُكَ، وآراءً أُخرى كَثيرة.

اسمَعوني! لا يُمكِنُنا أن نَفهَمَ هذهِ الآيةَ هَكذا. فإنْ كُنتُم تَستَمِعونَ إلى يَسوعَ في ذلكَ اليوم وقالَ: "يجبُ عليكَ أن تَحمِلَ صَليبَكَ كُلَّ يَومٍ"، ما الَّذي سَتُفَكِّرون به؟ فَهُم لم يَذهبوا يَومًا لحُضورِ مُؤتَمَرٍ عنِ الأمورِ العَميقةِ في الحَياة. فما الَّذي سيَفهمونَهُ مِن كَلامِه؟ قبلَ أكثرِ مِن مِئةِ سَنَةٍ مِن مَجيءِ يَسوعَ إلى الأرضِ، صَلَبَ المَلِكُ "الإسكندَر يانُّوس" (Alexander Jannaeus) 800 مُتَمَرِّدٍ في أورُشَليم بينَما كانَ يَحتَفِلُ أمامَ الشَّعب. وقد صَلَبَ "أنطيوخُس إبيفانيس" (Antiochus Epiphanes)، ذلكَ الحَاكِمُ اليُونانِيُّ الَّذي حَكَمَ في الفَترةِ الواقعةِ بينَ العَهْدين، صَلَبَ أيضًا الكَثيرَ مِنَ اليَهودِ بسببِ ثَورةٍ اندَلَعَتْ بعدَ موتِ هيرودُس الكَبير. وقد صَلَبَ الحَاكِمُ "فاروس" (Varus) ألفَيَّ يَهودِيٍّ. وقد قيلَ إنَّ الرُّومانَ صَلبوا ثلاثينَ ألفَ يَهودِيٍّ في فَلسطينَ خِلالَ الفترةِ الَّتي عَاشَها يَسوعُ.

عندَما قالَ يَسوعُ "احمِل صَليبَكَ" لم يُفَكِّروا سِوى في شَيءٍ واحِدٍ: المُعاناة الشَّديدة، والألم، والموت. فقد كانَ يَسوعُ يَقولُ: "إلى هَذا الحَدِّ المُتَطَرِّفِ يَنبغي أن يَكونَ تَكريسُكُم. فيجب أن تَكونوا مُستعِدِّينَ لاحتمالِ الاضطِهاد. ويجب أن تَكونوا مُستعِدِّينَ لاحتِمالِ الكَراهِيَة، والعَداوَةِ، والرَّفضِ، والتَّوبيخِ، والعَارِ، والمُعاناةِ، وحَتَّى الموت". وقد كانوا يَعلمونَ تَمامًا ما كانَ يَعنيه. ويجب أن تَكونوا مُستعِدِّينَ لفِعلِ ذلكَ كُلَّ يَوم...كُلَّ يَوم.

وَمَنِ الَّذي يُمكِنُ أن يُقَدِّمَ دَعوةَ الإنجيلِ بهذهِ الطَّريقة؟ وَمَنِ الَّذي يُمكِنُ أن يَقِفَ أمامَ حَشْدٍ كَبيرٍ مِنَ النَّاسِ ويَقول: "مَنْ مِنكُم مُستَعِدٌّ الآنَ للموتِ (إنِ اقتَضى الأمرُ ذلك) مِن أجلِ يَسوعَ المَسيح؟ يُمكِنُكَ أن تَأتي وأن تَخلُص"؟ فهذا هو ما يَطلُبُهُ: أنْ تُميتَ نَفسَكَ حَرفيًّا، وأنْ تَتخلَّى عن أحلامِكَ، وآمالِكَ، ورَغْباتِكَ، وطُموحاتِكَ، وخُطَطِكَ، ثُمَّ أن تَقولَ: "هذِهِ هي حَياتي. فإنْ كُنتُ سأعيشُ، هَذا حَسَنٌ. وإنْ كُنتُ سأموتُ، هذا حَسَنٌ. فأنا لا أُبالي حَقًّا. فأنا يَائِسٌ جدًّا. وأنا أُريدُ غُفرانَكَ، وأريدُ الحَياةَ الأبديَّةَ أيًّا كانَ الثَّمن. فسوفَ أتخلَّى عن كُلِّ شَيءٍ".

وصَدِّقوني أنَّ اليَهودَ كانوا يَعرِفونَ الصَّلْب. فقد كانَ يُمارَسُ في أرضِهم. وقد كانَ يُمارَسُ في مِصْر. وقد كانَ يُمارَسُ في بِلادِ فَارِس، وأسيَّا الغَربيَّة، وحَتَّى في أجزاءٍ مِن إيطاليا. وفي أغلبِ الأحيان، كانَ الشَّخصُ المُدان يَحمِلُ قِطعةً مِنَ الصَّليب (القَطعَةَ المُستعرَضَةَ مِنه). وأحيانًا يَحمِلُ كُلَّ الصَّليب. وكانت هذهِ الصُّورة حَيَّة جدًّا في أذهانِهم. فما يَتحدَّثُ عنهُ هو ليسَ شَيئًا مُبْهِجًا، ولا يَحمِلُ رِسالَةً تَقولُ إنَّ يَسوعَ يُحِبُّكَ أو إنَّ اللهَ يُحِبُّكَ ولديهِ خُطَّة رائعة لحياتِك، بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عن حَمْلِ الصَّليب. وَهُوَ الصَّليبُ الَّذي قد تُصلَبُ عليهِ أنتَ نَفسَكَ.

لِذا فإنَّها لا تَتحدَّثُ عنِ الاقترانِ بالمَعنى الرُّوحِيِّ بموتِ المَسيح، بل إنَّ الرِّسالةَ هي: قد تُضْطَرُّ إلى التَّألُّمِ مِن أجلِ اتِّباعي. وما أعنيه هو أنَّ يسوعَ قالَ: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ لا تَندَهِشوا. فقَدْ أَبْغَضَنِي. وإنْ قَتَلَكُمُ العَالَمُ لا تَندَهِشوا. فسوفَ يَفعلونَ هذا بي. لا تَتوقَّعوا أن يُعامِلوكُم مُعاملةً مُختلفةً عنِ الطَّريقةِ الَّتي عَامَلوا بها مُعَلِّمَكُم. أليسَ كذلك؟"

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العَاشِر: "إن أردتُم أن تَكونُوا تَلاميذي، استَعِدُّوا. لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ. فالطَّريقةُ الَّتي عَامَلوا بها مُعَلِّمَكُم سيُعامِلوكُم بها. لِذا، اعلَموا ما يَلي: أنَّهُ يجبُ عليكم أن تَعترِفوا بي قُدَّامَ النَّاسِ. وسوفَ تَعترفونَ بي قُدَّامَ النَّاسِ وأنتُم تَعلمونَ أنَّ ذلكَ قد يُكَلِّفُكم حُريَّتَكُم، وأنَّهُ قد يُكَلِّفُكم سَنواتٍ مِن حَياتِكم في حَالِ سَجْنِكُم، وأنَّهُ قد يَجلِبُ عليكُم الكَراهِيَةَ، والعُزلةَ، وإنَّهُ قد يُكَلِّفُكم الاستِشهادَ.

لِذا فإنَّ كُلَّ هذا الأمرِ المُختصِّ باتِّباعِ يَسوعَ يَعني بِصورة رئيسيَّة: "لا" للذَّاتِ، وَ "لا" للشُّعورِ بالأمان. فأنا مُستعِدٌّ لاحتمالِ عَارِ المَسيح. وأنا مُستعِدٌّ لاحتمالِ عَواقِبِ الإيمانِ بالمسيحِ في البيئةِ الَّتي أعيشُ فيها. فهذه هي الرِّسالةُ الَّتي تُفْهَمُ بوضوحٍ مِن قِبَلِ النَّاسِ في أجزاءٍ عَديدةٍ مِنَ العَالَم. فهُناكَ مَسيحيُّونَ اليومَ يَستَشهِدونَ أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ آخَرَ في التَّاريخ إذْ إنَّ عَدَدَهُم يَصِلُ إلى عَشراتِ الآلافِ كُلَّ سَنة، ولا سِيَّما في الأنظمةِ الإسلاميَّة. فلا يوجدُ التِباسٌ في أذهانِهم بهذا الشَّأن. فَهُم يَعلمونَ مَعنى أن يُسَمُّوا باسمِ المَسيح. وَقد عَلِموا ذلكَ في سَنواتِ الاضطهادِ الشُّيوعيِّ في أوروبا الشَّرقيَّة. فقد كانوا يَعلمونَ تَمامًا ثَمَنَ ذلك. ولكِنَّ الإنجيلَ كانَ ثَمينًا جِدًّا، والمَسيحُ كانَ ثَمينًا جدًّا، والحياةُ الأبديَّةُ كانت مُهمَّةً جدًّا، وغُفرانُ الخَطايا كانَ قَيِّمًا جدًّا حَتَّى إنَّهُم كانوا مُتَلَهِّفينَ ومُتَحَمِّسينَ لِدَفعِ أيِّ ثَمَن.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ المَوقِفَ الَّذي يُرافِقُ الاهتِداءَ الحَقيقيَّ هو مَوقِفٌ يَقولُ إنَّ يَسوعَ يَستحِقُّ أيَّ شَيءٍ وكُلَّ شَيء. فلا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ في هذهِ الحَياةِ الزَّائلةِ يُمكِنُ أن يُضاهي قيمةَ الأشياءِ الأبديَّة. لِذا، هذا هو الإنجيل. ولكِنَّ الدَّعوةَ ليست: "يَسوعُ يُريدُ أن يَجعلَكَ سَعيدًا ومُعافَى وغَنِيًّا"، بل إنَّهُ يُريدُ حَياتَكَ، وقد تَكونُ مَشيئَتُهُ هي أن تَموت.

وبولسُ يَقولُ لِشُيوخِ أفسُس في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20: "وَالآنَ هَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّدًا بِالرُّوحِ، لاَ أَعْلَمُ مَاذَا يُصَادِفُنِي هُنَاكَ. غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلاً: إِنَّ وُثُقًا وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي". فأنا لا أحتَسِبُ حَياتي مُهِمَّةً. وهذا هو إنكارُ الذَّات. أنا لا أُبالي حَقًّا. فالأمرُ لا يَتمحوَرُ حَولَ حَياتي. "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ". "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غَلاطِيَّة 2: 20).

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "أنا لا أعيشُ بعدَ الآن، بل هُوَ مَنْ يَعيش. "إِنْ عِشْتُ فَلِلرَّبِّ أَعِيش، وَإِنْ مُتُّ فَلِلرَّبِّ أَموت. فأنا كُلِّي للرَّبّ". هذه هي الخُلاصَة. وهذه هي شُروطُ الخَلاص.

إنَّ العَالَمَ مُعادٍ لَهُ. وسوفَ يَكونُ مُعادِيًا لي. وَهُوَ يَقولُ ذلكَ في إنجيل مَتَّى 10: 24-38؛ وَهُوَ نَصٌّ رائِعٌ. فالاعترافُ العَلَنِيُّ بالمسيحِ رَبًّا ومُخَلِّصًا قد يَكونُ مُكْلِفًا، ولكنَّهُ أيضًا دَليلٌ على إيمانِي الحَقيقيِّ. فأنا قد أخسَرُ عَائلتي. وقد يَصيرُ هُناكَ سَيْفٌ بيني وبينَ أفرادِ عائلتي، ولكِنَّ يَسوعَ قالَ إنَّهُ جاءَ لكي يَجلِبَ سَيفًا. ولا توجد لديَّ أيُّ مَصلحةٍ شَخصيَّةٍ تَفوقُ حَاجَتي إلى المَسيح. هل تَفهمونَ ذلك؟ فلا تُوجَدُ لديَّ أيُّ مَصلَحة شَخصيَّة، ولا يُوجَدُ لديَّ أيُّ طُموحٍ يَفوقُ حَاجَتي المَاسَّة إلى المَسيح. وإنْ كانَ لا بُدَّ أن أموتَ كُلَّ يوم، لا بأسَ في ذلك. فهذا ثَمَنٌ بَسيطٌ أدفَعُهُ لأنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِيَّ في المَسيح.

وقد قالَ بولس في رسالة كورِنثوسَ الأولى 15: 31: "أَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ". ففي كُلِّ يَومٍ كانَ يَنهَضُ فيه، كانَ يَعلمُ أنَّهُ قد يَكونُ اليوم الأخير في حَياتِه. ففي مَكانٍ مَا، كانت هُناكَ مُؤامَرَةٌ تُحاكُ أوْ تُنَفَّذُ لِسَلبِهِ حَياتَهُ. وقد قال: "كُلُّ يَومٍ في حَياتي هُوَ يَومٌ على شَفيرِ المَوت". ولكِنْ ليست كُلُّ الآلامِ صَليبًا. أمَّا احتِمالُ عَارِ المَسيحِ فَهُوَ الصَّليب. والتَّألُّمُ لأجلِ الإنجيلِ هُوَ الصَّليب.

فهل أنتَ مُستعدٌّ للتَّألُّمِ لأجلِ الإنجيل؟ وهل هُوَ مُهِمٌّ بِهذا المِقدارِ لديكَ؟ وبسببِ الارتباطِ الوَثيقِ بينَ الاثنينِ، لن يَكونَ هُناكَ إكليلٌ ما لم يَكُن هُناكَ صَليب. لِذا، إنْ جِئتَ إلى المَسيحِ مِن دونِ أن تَقولَ لنفسِك: "الحياةُ الأبديَّةُ، أيِ الحياةُ العَتيدَةُ، وغُفرانُ الخَطايا، وما أعَدَّهُ اللهُ لي في السَّماءِ ثَمينٌ جِدًّا عندي، وقَيِّمٌ جِدًّا في نَظري، وقد مَلَلْتُ مِن نَفسي حَتَّى إنِّي مُستَعِدٌّ لِبَذْلِ كُلِّ مَا لَدَيَّ لأنَّها جَميعُها لا تُساوي شَيئًا، وأنا مُستعِدٌّ (إنِ اقتَضَتِ الضَّرورةُ ذلكَ) أنْ أحمِلَ كُلَّ عَارِ يَسوعَ المَسيحِ أيًّا كانَ الثَّمن حَتَّى لو كَلَّفَني ذلكَ حَياتي". فهذا هو ما قَالَهُ يَسوعُ.

لِذا فإنَّها دَعوةٌ جِدِّيَّةٌ هُنا...دَعوةٌ جِدِّيَّة. إذًا، الصَّليبُ هُوَ دَليلٌ، أوْ بالحَرِيِّ: الاستعدادُ لِحَمْلِ الصَّليبِ هُوَ دَليلٌ على التِّلميذِ الحَقيقيِّ. فيجبُ عليكَ أن تَحمِلَ الصَّليبَ وأنْ تَستمرَّ في حَمْلِهِ كَنَهْجِ حَياةٍ...يَوميًّا. فهو نَهْجُ حَياة. وقد قالَ كاتِبُ التَّرنيمَةِ:

هل يَنبغي ليسوعَ أن يَحمِلَ الصَّليبَ وَحْدَهُ،

وأنْ يَصيرَ العَالَمُ كُلُّهُ حُرًّا؟

لا، بل هُناكَ صَليبٌ لِكُلِّ واحِدٍ،

وهُناكَ صَليبٌ لي.

الصَّليبُ المُقَدَّسُ أَحْمِلُهُ،

إلى أنْ يُحَرِّرَني الموتُ،

ثُمَّ سأمضي إلى السَّماءِ كي يُوضَعَ إكليلٌ لي،

لأنَّ هُناكَ إكليلٌ لي.

لِذا كما تَعلمونَ، أنتَ تَنظُرُ إلى الحياةِ وتَقول: "أنا لا أُبالي بحياتي، بل أنا أشكُرُ الرَّبَّ على الحَياةِ الَّتي وَهَبَها لي. بل إنِّي أشكُرُهُ أكثر على المَوتِ الَّذي وَهَبَني حَياةً جَديدة. وأيًّا كانَ الثَّمن، وأيًّا كانتِ الأشياءُ الَّتي ينبغي لي أن أتَخَلَّى عنها فإنِّي أتخلَّى عنها بِشَوقٍ لأنِّي بَلَغْتُ نِهايَةَ نَفسي وَاكتشفتُ أنَّهُ لا قِيمةَ لي. وأنا أَصرُخُ طُلَبًا للإنقاذِ كَما لو كُنتُ شَخصًا غَريقًا لا يُجادِلُ في الشُّروطِ الَّتي سَتُفرَضُ عليهِ بعدَ إنقاذِهِ مِنَ الماء".

ثالِثًا، في لوقا 9 يُضيفُ عُنصُرَ الطَّاعة. "أَنْكِرْ نَفسَكَ، واحمِلْ صَليبَكَ، واتْبَعْني". وحَرفيًّا: "وَيَتْبَعْني باستمرار". فَهُوَ نَمَطٌ مُستمِرٌّ مِنَ الطَّاعة. فمَشيئَتُكَ لم يَعُد لها وُجود. ومَشيئَتُهُ هي العَامِلَة فيك. فيجبُ عليكَ أن تَمضي حيثُ أمضي. ويجبُ عليكَ أن تَقولَ ما أقول. ويجبُ عليكَ أن تَفعلَ ما أقولُهُ لَك. ويجبُ عليكَ أن تَفعلَ ما أفعل.

وكما تَعلمونَ، في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابعِ، نُلاحِظُ أنَّ مَسألةَ الطَّاعَةِ بأسرِها تَأتي في صَميمِ العِظَةِ على الجَبل. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 7: 21: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". إنَّهُم الفَاعِلونَ، لا القَائِلون. إنَّهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يُطيعون. ولا شَكَّ في أنَّ إنجيلَ يُوحَنَّا يَزْخُرُ بهذا النَّوعِ مِنَ التَّركيز إذْ إنَّ يَسوعَ يَتحدَّثُ فيهِ عن كيفَ أنَّ الإيمانَ الحَقيقيَّ...الإيمانَ المُخَلِّصَ الحَقيقيَّ، يَظْهَرُ جَلِيًّا مِن خِلالِ الطَّاعَة.

ولا يُمكِنُني أن أقرأَ لَكُم كُلَّ الشَّواهِدِ الكِتابيَّةِ، ولَكِنَّ الآيَةَ يوحنَّا 14: 21 هي واحِدة مِنها وَحَسْب: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا [أيْ: يُطيعُها] فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي". فالأمرُ كُلُّهُ يَتَمَركَزُ حولَ الطَّاعة. وَهُوَ يَدورُ دَائِمًا حولَ الطَّاعة، ويَدورُ دائِمًا حَولَ اتِّباعِه. فالرُّبوبيَّةُ ليسَت خِيارًا. والطَّاعةُ ليست شَيئًا تَفعَلُهُ بعدَ أنْ تَبلُغَ سِنَّ الخَامِسَةِ والثَّلاثين.

ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 15: 10: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي". وإنْ لم تَحفظوها فإنَّكُم لا تَثبُتونَ فيها. فالأمرُ بَسيط. ونَقرأُ في الأصحاح 15 والعَدد 14: "أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ". إنْ فَعلتُم ما أُوصيكُم بِهِ. وهُناكَ آياتٌ كثيرة أخرى.

لِذا يجبُ عليكَ أن تَأتي قَائِلاً: "لقد بَلَغْتُ نِهايَةَ نَفسي. فأنا أُقَدِّمُ لَكَ حَياتي أيًّا كانَ الثَّمَن. أَرِني ما تُريدُ مِنِّي أن أفعل، وسوفَ أفعَلُهُ". فهذا هو ما فَعَلَهُ بولسُ في الطَّريقِ إلى دِمَشق. فهو يَقولُ: "ماذا تُريدُ مِنِّي أن أفعَل؟ ماذا تُريدُ مِنِّي أن أفعَل؟" وهذا هو المَوقِفُ السَّليمُ عندَ الاهتِداء. ماذا أفعلُ الآن؟ فقدِ انتَهَيْتُ. وأنا مُستعِدٌّ أنْ أَمُوتَ مِن أجلِكَ وأن أعيشَ مِن أجلِك. وأنا أريدُ أن أَتبَعَكَ. لِذا، ماذا يَنبغي أن أفعَل؟ والآن، هذا يَضَعُكَ في مَوضِعِ الخُضوعِ لهذا. أليسَ كذلك؟ فالأمرُ كُلُّهُ يَختصُّ بالخُضوع. فهو نَهْجُ حَياةٍ قائمٍ على إنكارِ الذَّاتِ، وَحَمْلِ الصَّليبِ، واحتِمالِ تَعييرِ المَسيحِ، والطَّاعَةِ المُخلِصَة.

والآن، في هذهِ النُّقطة، لا أُريدُ أنْ يَتِمَّ انتِقادي بسببِ شَيءٍ لم أَقُلْهُ. لِذا، اسمَحوا لي أن أُوَضِّحَ شَيئًا في الخِتام. أنا لا أقولُ إنَّهُ لكي تَكونَ مَقبولاً مِنَ اللهِ، يجبُ عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ وتَجعَلَ العَجَلَةَ تَدُورُ، أيْ أنْ تُنكِرَ نَفسَكَ قَليلاً ثُمَّ تَنتَقِل إلى المَرحلةِ الثَّانيةِ الَّتي تُبدي فيها الاستعدادَ لِبَذلِ حَياتِكَ حَتَّى لو اقتَضَى الأمرُ مَوتَكَ، ثُمَّ تَنتَقِلُ إلى المَرحلةِ الثَّالثةِ وَهِيَ الطَّاعَةُ الكَامِلَةُ لِوَصايا اللهِ؛ وأنَّكَ إنْ فَعلتَ ذلكَ فإنَّ اللهَ سيأتي ويُخَلِّصُكَ.

اسمَعوا ما سأقولُ بِعناية شَديدة: إنَّ هذهِ الحقائقِ الرُّوحيَّةِ ليست شَيئًا يَتِمُّ على مَراحِل. فهي ليست شَيئًا يَتِمُّ على مَراحِل. فهي ليست أمورًا تَفعَلُ واحِدَةً مِنْها الآنَ، ثُمَّ بعدَ مُرورِ وقتٍ مُعَيَّنٍ تَفعلُ الأخرى بعدَ حين، ثُمَّ بعدَ مُرورِ وقتٍ مُعَيَّنٍ تَفعلُ الأخرى. فهي ليست شَيئًا يَتِمُّ على مَراحِل، بل هي خَليطٌ وَحَسْب. فهي العَناصِرُ المَنطقيَّةُ للإيمانِ المُخَلِّصِ الَّذي يُؤمِنُ بيسوعَ رَبًّا ومُخَلِّصًا، ويُؤمِنُ بيسوعَ بِوَصفِهِ المُخَلِّصَ المَصلوبَ والمُقامَ، ويُظْهِرُ هذا المَوقِفَ في إطارِ ذلكَ الإيمان. فهي عَناصِرُ تَسيرُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ. وهي عَناصِرُ مُجتمعةً تَسيرُ جَنْبًا إلى جَنْب.

والشَّيءُ الثَّاني الَّذي أريدُ منكُم أن تَفهموهُ هو ليسَ فقط أنَّ هذهِ العَناصِرَ ليست شَيئًا يَتِمُّ على مَراحِل، بل أيضًا أنَّها ليست شَيئًا يُمكِنُكَ أنْ تُتْقِنَهُ بِمَهارَتِك. فهي ليست شَيئًا يُمكِنُكَ أن تَفعَلَهُ بِقُدرَتِك. فيُمكِنُكَ بِقُدرَتِكَ أنْ تُحِبَّ نَفسَكَ، وأنْ تَحمي نَفسَكَ، وأنْ تَفعَلَ مَا تَشاء. فهذا هو ما يَفعَلُهُ البَشَرُ السَّاقِطون. لِذا، يجب أنْ يَحدُثَ تَغييرٌ جَذرِيٌّ فيكَ. ويجبُ عليكَ أنْ تَختَبِرَ تَحَطُّمَ كُل شُعورٍ لَديكَ بالذَّات. ويجب أن يَتَحَطَّمَ كُلُّ شَيءٍ طَبيعيٍّ فيكَ. ولا يُمكِنُ أن يَحدُثَ هَذا مِنْ خِلالِكَ أنتَ، بل ينبغي أن يَحدُثَ مِنْ مَصدَرٍ خَارِجِيٍّ. وهذا هو العَمَلُ الخَارِقُ لِروحِ اللهِ الَّذي يَعمَلُ في حَياةِ الإنسانِ، ويُبَكِّتُ ذلكَ الإنسانَ على خَطِيَّة، ويُنْهي ثِقَةَ ذلكَ الشَّخصِ بنفسِه، ويُعطي ذلكَ الشَّخصَ المَيِّتَ في الذُّنوبِ والخَطايا حَياةً، ويُنْهِضُهُ فيَصيرُ قادرًا على الرُّؤيةِ، ويَصيرُ قادرًا على السَّمْعِ، ويَصيرُ قادرًا على الفَهْم. فهذا هو عَمَلُ اللهِ القَدير. فلا يوجد جُزءٌ يَنبُعُ مِنْ إيمانِكَ، ولا مِنْ إرادَتِكَ، بل إنَّهُ عَمَلُ رُوحِ اللهِ مِن خِلالِ إرادَتِكَ يَتِمُّ التَّعبيرُ عنهُ مِن خلالِ إيمانِكَ. وَهُوَ عَمَلُ اللهِ القَدير.

لِذا، عندما تَذهبونَ للكِرازةِ بالإنجيل وتَقولونَ: "إنْ فَعلتُ ذلكَ بهذهِ الطَّريقةِ، لن يَتجاوَبَ أيُّ شَخصٍ" اعَلموا أنَّهُ لا قِيمةَ للطَّريقةِ الَّتي تَستخدِمونَها. فلا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يَتجاوَبَ مِن ذاتِهِ بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوال. لِذا، يَجبُ عليكُم أن تَفعلوا ذلكَ بالطَّريقةِ الصَّحيحةِ كي يَحصُلوا على الرِّسالةِ الصَّحيحةِ حَتَّى إنَّهُ إنْ حَثَّهُمْ رُوحُ اللهِ فإنَّهم سَيُؤمِنونَ ويَخلُصون.

لِذا، أنتَ تُريدُ أن تَكونَ تَابِعًا ليسوع. أليسَ كذلك؟ إذًا، وَدِّعْ نَفسَكَ، واحمِل صَليبَكَ، وافعَل كُلَّ ما يَطلُبُهُ مِنكَ. فهذه هي الشُّروط. أَلا تَشعُرونَ بالغِبطَةِ لأنَّنا نَعيشُ هذهِ الشُّروطَ تَحتَ النِّعمة؟ لأنَّنا نُخفِق. ولكِنَّ رَغبَتَنا في القيامِ بهذهِ الأشياءِ هي الدَّليلُ على أنَّ نُفوسَنا قدِ اختبرتِ التَّغيير.

يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح على وُضوحِ الحَقِّ. ونحنُ نُصَلِّي أنْ تَستخدمَنا، وأنْ تَستخدِمَ في المَقامِ الأوَّلِ هذهِ الحَقائقَ كي تُساعِدَنا على أنْ نَفْحَصَ أنفُسَنا لِنَرى إنْ كُنَّا في الإيمان، وإنْ كانت هذهِ هي المَواقِفُ الَّتي تَعْمَلُ وَتَسودُ في قُلوبِنا فَتُظهِرُ حينئذٍ أنَّ هذا العَمَلَ هُوَ عَمَلُ رُوحِ اللهِ فينا. كذلكَ، سَاعِدنا في أثناءِ مُناداتِنا بالإنجيلِ على أن نَكونَ أدواتٍ تَجعلُ الخُطاةَ يُدركونَ أنَّهُمْ قد بَلَغوا نِهايَةَ أنفُسِهم، ويَشعرونَ باليأسِ الشَّديدِ الَّذي يَبلُغُ حَدَّ الانكِسارِ الَّذي يُوَلِّدُ إنكارَ الذَّاتِ، وَحَمْلَ الصَّليبِ، والإطاعَةَ التَّامَّة. استَخدِمنا، يا رَبُّ، واعَمل عَمَلَكَ فينا لأنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَعمَلَ أيَّ شَيءٍ مِن ذَواتِنا، ولكِنَّ ضَعْفَنا يُكْمَلُ في قُوَّتِك. نُصَلِّي هذا لِمَجْدِكَ باسمِ المَسيح، آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize