Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد شَعرتُ بِشُعورٍ مُمتِعٍ في هذا الأسبوع عندما رأيتُ نُسخةً مِنَ العَددِ الأخيرِ مِن مَجلَّةِ "عِلْمِ النَّفسِ اليَوم" (Psychology Today)؛ وهي مَجلَّة تَختصُّ بالجانبِ المِهَنِيِّ مِن عِلْمِ النَّفس. وكانت هُناكَ مَقالةٌ في تِلكَ المَجلَّةِ عَنِ التَّكلُّمِ بِسُرعَة. وأَذكُرُ أنَّني عندما جِئتُ إلى كنيسةِ "النعمة" (Grace Church)، كان النَّاسُ يَنتقدونَني قَليلاً لأنِّي أتكلَّمُ بسُرعة. ولَمْ يَعُد أحَدٌ يَتكلَّمُ عن ذلك. ولا أدري إنْ كُنتُ قَد أبطأتُ، أمْ أنَّكُم حَسَّنْتُم قُدرَتَكُم على الاستماع. فقد حَدَثَ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْن. ولكنِّي كُنتُ أسمَعُ النَّاسَ يَقولونَ لي: "أنتَ تَتكلَّمُ بسُرعةٍ كبيرة. أنتَ تَتكلَّمُ بسُرعةٍ كبيرةٍ جدًّا".

وكُنتُ أقولُ للنَّاس: "هناك أمور كثيرة أريدُ أن أقولَها. وأعتقدُ أنَّني لا أستطيعُ أن أتكلَّمَ بنفسِ سُرعةِ تَفكيرِكُم. لِذا فإنِّي مُتأخِّرٌ أصلاً. وإنْ كُنتُ سَألحَقُ بِكُم، يجبُ عليَّ أن أتكلَّمَ بسُرعة كبيرة وإلاَّ فإنَّكُم سَتَشعُرونَ بالمَلَل". وَقَد كُنتُ أقولُ ذلكَ بِعَفويَّة. ورُبَّما يَتذكَّرُ بَعضٌ مِنكُم أنِّي كُنتُ أقولُ ذلكَ عندما تقولونَ لي إنِّي أتكلَّمُ بسُرعة كبيرة. وقد كُنتُ أُحاولُ أن أُطْري عليكُم بأن أقولَ إنِّي أتكلَّمُ بسُرعة لكي أَلْحَقَ بِعَقلِكُم السَّريع.

ولكِن في العَددِ الأخيرِ مِن مَجَلَّة "عِلْم النَّفس اليَوم" (Psychology Today)، قَرأتُ أنَّهُم أَجْرَوْا اختباراتٍ تُثْبِتُ أنَّهُ حَتَّى نُقطةٍ مُعيَّنة، كُلَّما أسرعتَ في التَّكلُّم، زادَ اهتِمامُ المُستَمِع، وَزادتِ الأشياءُ الَّتي يَستطيعُ أن يَتذكَّرَها. لِذا، نَحنُ في الطَّريقِ السَّليم.

ولكنِّي دُهِشْتُ حَقًّا عندما عَلِمْتُ ذلك. فقد كنتُ أُوْمِنُ بذلكَ دائمًا. وَها هُمْ قَد أَجْروا اختباراتٍ الآنَ واكتشفوا ذلك. والحَقيقةُ هي أنَّكُم قد تَرَوْنَ أنَّ البَرامِجَ التِّليفزيونيَّةَ الَّتي طُولُها 30 دقيقة، بِحَسَبِ هذهِ المَقالةِ، سَتُختَصَرُ إلى 15 دقيقة. فسوفَ يُسَرِّعونَها وَحَسْب دُونَ أن يَضيعَ عَليكُم شَيء. وَهُم يَقولونَ إنَّ الإعلاناتِ تُكَلِّف نَحوَ مِئةِ ألفِ دُولار لِكُلِّ ثَلاثينَ ثانية، ولكِنَّهُم يَستطيعونَ أن يَجعلوها الآنَ 15 ثَانية وَيُضاعِفُوا دَخلَهُم. وَهذا مُدهِش. ولكن عندما تُعَلِّمُ مَادَّةً كبيرةً بسُرعة فإنَّ النَّاسَ يَبقونَ مُنتَبِهينَ ويَتذكَّرونَ المَعلومات. لِذا، فقد تَشَجَّعْتُ حَقًّا لِسَماعِ ذلك. فالآن، هُناكَ مَنْ يُؤازِرُنِي في الطَّريقةِ الَّتي أتكلَّمُ بها. وَهَذا أمرٌ مُدهِش.

حسنًا، لِنَنتقل بسُرعة إلى سِفْر دانيال والأصحاحِ الأوَّل. وأرجوا أن تَتذكَّروا مَا تَسمَعونَهُ. دانيال والأصحاح الأوَّل. وقد كُنَّا نَتأمَّلُ، في دَرسِنا السَّابقِ، في الأعداد مِن 8 إلى 21. سِفْر دانيال 1: 8-21. وسوفَ أقرأُ هَذا النَّصَّ على مَسامِعِكُم لِتَهيئةِ أذهانِكُم لِدَرسِنا في هذا المَساء:

"أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ. وَأَعْطَى اللهُ دَانِيآلَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً عِنْدَ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ. فَقَالَ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ لِدَانِيآلَ: «إِنِّي أَخَافُ سَيِّدِي الْمَلِكَ الَّذِي عَيَّنَ طَعَامَكُمْ وَشَرَابَكُمْ. فَلِمَاذَا يَرَى وُجُوهَكُمْ أَهْزَلَ مِنَ الْفِتْيَانِ الَّذِينَ مِنْ جِيلِكُمْ، فَتُدَيِّنُونَ رَأْسِي لِلْمَلِكِ؟». فَقَالَ دَانِيآلُ لِرَئِيسِ السُّقَاةِ الَّذِي وَلاَّهُ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ عَلَى دَانِيآلَ وَحَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا: «جَرِّبْ عَبِيدَكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. فَلْيُعْطُونَا الْقَطَانِيَّ لِنَأْكُلَ وَمَاءً لِنَشْرَبَ. وَلْيَنْظُرُوا إِلَى مَنَاظِرِنَا أَمَامَكَ وَإِلَى مَنَاظِرِ الْفِتْيَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. ثُمَّ اصْنَعْ بِعَبِيدِكَ كَمَا تَرَى».

"فَسَمِعَ لَهُمْ هذَا الْكَلاَمَ وَجَرَّبَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَعِنْدَ نِهَايَةِ الْعَشَرَةِ الأَيَّامِ ظَهَرَتْ مَنَاظِرُهُمْ أَحْسَنَ وَأَسْمَنَ لَحْمًا مِنْ كُلِّ الْفِتْيَانِ الآكِلِينَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. فَكَانَ رَئِيسُ السُّقَاةِ يَرْفَعُ أَطَايِبَهُمْ وَخَمْرَ مَشْرُوبِهِمْ وَيُعْطِيهِمْ قَطَانِيَّ.

أَمَّا هؤُلاَءِ الْفِتْيَانُ الأَرْبَعَةُ فَأَعْطَاهُمُ اللهُ مَعْرِفَةً وَعَقْلاً فِي كُلِّ كِتَابَةٍ وَحِكْمَةٍ، وَكَانَ دَانِيآلُ فَهِيمًا بِكُلِّ الرُّؤَى وَالأَحْلاَمِ. وَعِنْدَ نِهَايَةِ الأَيَّامِ الَّتِي قَالَ الْمَلِكُ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ بَعْدَهَا [أيْ بَعْدَ ثَلاثِ سَنوات]، أَتَى بِهِمْ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ إِلَى أَمَامِ نَبُوخَذْنَاصَّرَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَلِكُ فَلَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمْ كُلِّهِمْ مِثْلُ دَانِيآلَ وَحَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا. فَوَقَفُوا أَمَامَ الْمَلِكِ. وَفِي كُلِّ أَمْرِ حِكْمَةِ فَهْمٍ الَّذِي سَأَلَهُمْ عَنْهُ الْمَلِكُ وَجَدَهُمْ عَشَرَةَ أَضْعَافٍ فَوْقَ كُلِّ الْمَجُوسِ وَالسَّحَرَةِ الَّذِينَ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ. وَكَانَ دَانِيآلُ إِلَى السَّنَةِ الأُولَى لِكُورَشَ الْمَلِكِ".

هَل سَمِعتُم القَولَ بأنَّ لِكُلِّ إنسانٍ ثَمَن؟ أنا مُتأكِّدٌ مِن ذلك. فَثَمَنُكَ هُوَ النُّقطةُ الَّتي تَبيعُ عندها قَناعاتِكَ، والنُّقطةُ الَّتي تَتَخَلَّى فيها عن مِعيارِكَ الأخلاقِيِّ مِن أجلِ رِبْحٍ شَخصيٍّ. هَل لِكُلِّ شَخصٍ ثَمَن؟ وَهَل يَبيعُ كُلُّ شَخصٍ مِنَّا قَناعاتِهِ عندَ نُقطةٍ أو أخرى؟ وَهَل لِكُلِّ إنسانٍ مِنَّا مِعاييرُهُ الأخلاقيَّةُ الَّتي تَبقى قَائمةً طَالَما أنَّها تُوافِقُ رَغَباتِنا؟ أَمْ أنَّنا عندما نَشعُرُ برغبةٍ أعظَم فإنَّنا نَضَعُها جَانِبًا في سَبيلِ تِلكَ المَعاييرِ الَّتي نَقولُ إنَّنا نُؤمِنُ بها؟

لَقد وَقَفَ "مارتن لوثر" أمامَ "مَجْمَع ڤورمز" (Diet of Worms). وَقَد طَالَبوهُ بإنكارِ أقوالِهِ وَإلاَّ فإنَّهُ سَيُعدَم. ولكِنَّهُ لم يُنكِر المَسيح. وَقَد تَمَّ رَبْطُ "لاتيمير" (Latimer) و "ريدلي" (Ridley) بِعَمودٍ لكي يُعْدَمَا حَرْقًا حَتَّى الموتِ بسببِ إيمانِهما بالمسيح. وقد طَلَبَ مِنهُما الجَلاَّدونَ أن يُنْكِرَا الرَّبَّ يَسوعَ المسيح. وعندما رَفَضَا ذلك، أَحرَقوهُما حَتَّى المَوت.

إنَّ أشخاصًا كَهؤلاءِ لا يُمكِنُ شِراؤُهُم بالمَال. فَلا يُمكِنُ شِراؤُهُم. وَلا تُوجَد نُقطةٌ يَبيعونَ فيها مُعتقداتِهم. وَقد قُلتُ لكم قبلَ بِضعة أسابيع أنَّني التقيتُ الدُّكتور "هونغ" (Hong) الَّذي كان مُديرَ أكبرِ مَدرسةٍ مَسيحيَّةٍ في العَالَمِ إذْ إنَّها تَضُمُّ سِتَّة آلاف طَالِب في مَدينة "سيؤول" بِكورِيَّا. وقد قالَ لنا الدُّكتور "هونغ" إنَّهُ عندما كَانَ صَبِيًّا، كانَ يَرى اليَابانِيِّينَ يَتَسَلَّلونَ إلى كُورِيَّا الشَّماليَّة حيثُ كَانَ يَعيش. وَقد جَاءوا إلى بَيتِهِ لأنَّ أباهُ كانَ قائدًا في الكنيسة. وقد طَلَبوا مِن أبيهِ أن يُنكِرَ يَسوعَ المسيحَ وَإلاَّ فإنَّهُم سَيَقطَعونَ إبهامَيْه. وقدِ ابتدأوا بِقَطعِ الإبهامِ الأوَّلِ ولم يُنكِرِ المَسيح. وقد قَطَعُوا إبهامَهُ الثَّاني ولكِنَّهُ لم يُنكِر المَسيح. فهُناكَ أشخاصٌ ليسَ لَهُم ثَمَن. فَهُم لا يَتَنازلونَ عَن مَبادِئِهم. وَهُمْ لا يُساوِمونَ أيًّا كانَ الثَّمَن.

ولكِن مِن جِهَة أخرى، نَحنُ نَسمَعُ غَالبًا عن أُناسٍ يَتَباهُونَ طَوالَ الوقتِ بمَعاييرِهم الأخلاقيَّةِ، ويَفتَخِرونَ بِبِرِّهم، ويُحاولونَ أن يَتَباهَوْا بِمُعتقداتِهم؛ ولكِنْ مِنْ أجْلِ مَصْلَحَتِهم فإنَّهُم يَتنازَلونَ عَنها. فَهُم يَتنازلونَ عن تلكَ المُعتقداتِ عندما يَشعرونَ، لسببٍ أو لآخر، بأنَّهُم قَد يَحصُلونَ على عَرْضٍ أفضلَ مِن ذلك.

إنَّ المُساومةَ شَيءٌ مَاكِرٌ جدًّا. اسمَعوني: هُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ إنَّهُم يُؤمِنونَ بالكِتابِ المُقَدَّسِ، ولكِنَّهُم يَبقونَ في كَنائس لا تُعَلِّمِ الكتابَ المقدَّس. وهُناكَ أشخاصٌ يَدَّعُونَ بأنَّ لَديهم قَناعات مُعيَّنة بخصوصِ الخطيَّةِ والدَّينونةِ إلى أنْ يَقَع أحدُ أبنائِهم في الخَطيَّة. وهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ إنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَفضَحُوا الكَذِبَ والفَسادَ إلى أنْ يَمَسَّ ذلكَ مُديرَهُم في العَمل وَيُعَرِّضَهُم لِخَطَرِ فُقدانِ وَظيفَتِهم. وَهُناكَ أشخاصٌ يَتَمَسَّكونَ بمَعاييرَ أخلاقيَّة عَالية إلى أنْ تتَأجَّجَ شَهَواتُهم وتُفْلِت مِنْ سِجْنِ الضَّميرِ المُقَدَّسِ بسببِ عَلاقةٍ غَير مُقَدَّسة فَيَبتدئونَ في تَبريرِ مُساومَتِهم. وَهُناكَ أشخاصٌ يُحافِظونَ على أمانَتِهم إلى أنْ يَكتَشِفوا أنَّ القَليلَ مِنْ عَدَمِ الأمانَةِ قد يُوَفِّرُ عَليهم مَبلغًا كبيرًا مِنَ المَال.

وهُناكَ أشخاصٌ يَعرِفونَ أنَّهُ لا يَجوزُ أن يَفعلُوا مَا يَفعلونَ؛ ولكنَّهُم مِن أجلِ صُنْعِ السَّلامِ يَتَغاضُونَ عَنِ الحَقّ. وهُناكَ أشخاصٌ يَفعَلونَ شَيئًا يُناقِضُ مُباشرةً القَناعَةَ الَّتي يُؤمِنونَ بها إنْ تَمَّ سُؤالُهُم عنها مِن قِبَلِ شَخصٍ يُحِبُّونَهُ، أو شَخصٍ يَخْشَوْنَهُ، أو شَخصٍ يُريدونَ مِنهُ مَعروفًا. وَهُناكَ أشخاصٌ لا يَقولونَ مَا يَنبغي أن يُقالَ لأنَّهُم يَخْشَوْنَ أن يَفْقِدُوا مَاءَ وَجْهِهم. وَهَذا هُوَ مَا يَقودُ إلى المُساوَمَة.

فَقد سَاوَمَ آدَمُ على وَصِيَّةِ اللهِ وتَبِعَ خَطِيَّةَ زَوجَتِه فَخَسِرَ الجَنَّة. وَقد سَاوَمَ إبراهيمُ على الحَقِّ وكَذَبَ بشأنِ سَارَة فَأوشَكَ أن يَفقِدَ زَوجَتَه. وَقد سَاوَمَتْ سَارة على كلمةِ اللهِ وَأرسَلَتْ إبراهيم إلى هَاجَرَ الَّتي حَبِلَتْ بِإسماعيل فَخَسِرتِ السَّلامَ في الشَّرقِ الأوسَط. وَقد سَاوَمَ عِيسُو لأجلِ وَجْبَةِ طَعامٍ مَعَ يَعقوب فَخَسِرَ بُكوريَّتَهُ. وَقد سَاوَمَ شَاوُل على كلمةِ اللهِ واحتْفَظَ بالحَيَواناتِ فَخَسِرَ النَّسْلَ المَلَكِيَّ. وَقد سَاوَمَ هَارونُ على مُعتقداتِهِ بشأنِ عِبادَةِ الأوثانِ فَخَسِرَ هُوَ وَالشَّعبُ الحَقَّ في دُخولِ أرضِ المَوعِد.

وَقد سَاوَمَ شَمْشُونُ على التَّكريسِ للبِرِّ بِصِفَتِهِ نَذيرًا مَعَ دَليلة فَخَسِرَ قُوَّتَهُ، وَعَينيهِ، وَحَياتَهُ. وَقد سَاوَمَ بَنو إسرائيلَ على وَصايا الرَّبِّ، وَعاشُوا في الخَطيَّةِ، فَخَسِرُوا في حَرْبِهِم مَعَ الفِلسطينيِّينَ تَابوتَ العَهدِ. وَقد سَاوَمَ دَاوُدُ على مِعيارِ اللهِ الأخلاقِيِّ والإلهيِّ عندما زَنَى بِبَثْشَبَعْ وَقَتَل أُورِيَّا فَخَسِرَ ابنَهُ. وَقد سَاوَمَ سُليمانُ على مُعتقداتِهِ بأن تَزَوَّجَ مِن أجنبيَّاتٍ فَخَسِرَ المَملكةَ المُتَّحِدَة.

وَقد سَاوَمَ أخآبُ بأنْ تَزَوَّجَ مِن إيزابَل فَخَسِرَ عَرشَهُ. وَقد سَاوَمَ بَنو إسرائيلَ على شَريعةِ اللهِ بأنْ أخطأوا وَزَنَوْا فخَسِروا أرضَهُم. وَقد سَاوَمَ بطرسُ على قَناعاتِهِ بخصوصِ المَسيحِ بأنْ أنكَرَهُ فَخَسِرَ فَرَحَهُ. وَفي وَقتٍ لاحِقٍ، سَاوَمَ بُطرسُ على الحَقِّ المُختصِّ بالكنيسةِ الواحِدَةِ في سَبيلِ مُجامَلَةِ المُهَوِّدينَ فَخَسِرَ حُرِّيَّتَهُ. وَقد سَاوَمَ حَنانِيَّا وَسَفِّيرة على كَلامِهِما بشأنِ العَطاءِ وَكَذَبَا على الرُّوحِ القُدُسِ فَخَسِرا حَياتَهُما. وَقد سَاوَمَ يَهوذا على مَحبَّتِهِ المَزعومَةِ للمَسيحِ مِن أجلِ ثَلاثينَ قِطعة مِنَ الفِضَّة فَخَسِرَ رُوحَهُ الأبديَّة.

المُساوَمَة! إنَّها كلمةٌ مُحزِنَة. ولكِنْ يُوجَدُ أشخاصٌ لا يُساوِمون. وَهُناكَ أشخاصٌ لا يُشْتَرَوْنَ بالمَال. فَلا يُمكِنُكَ أن تَشتريهم. انظُروا إلى مُوسَى أمامَ فِرْعَوْن، وَإلى دَاوُد في مَرَّاتٍ كَثيرة في حَياتِه، وَإلى بُولُس أمامَ فَسْتُوس وفِيلِكْس وَأغريباس، وَإلى دَانيال أمامَ نَبوخَذنَاصَّر.

دَانيال 1: 8: "أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ". وَبِصَراحَة يا أحبَّائي: إنْ أردنا مَثَلاً إيضاحِيًّا قَوِيًّا على الإنسانِ الَّذي لا يُريدُ أن يَتَنَجَّسَ وَلا أن يُساوِمَ في الكتاب المقدَّس، لا يُوجَدُ أفضلَ مِن دَانيال.

والآن، نَحنُ نَدرُسُ دَانيال. وَقد عَاشَ أكثرَ مِن سَبعينَ سَنة في هذهِ الأرضِ الأجنبيَّةِ الَّتي تُدعَى بَابِل في وَسْطِ الكَلدانِيِّينَ الوَثَنِيِّين. وَطَوالَ تلكَ السَّنواتِ السَّبعين، لم يُساوِم قَطّ على مَا يُؤمِنُ به. فَلم يَكُن بالإمكانِ شِراؤُهُ. وَلَم يَكُن لَهُ سِعْر. فَمِنَ اللَّحظةِ الَّتي نَبتَدِئُ فيها القِصَّةَ هُنا وَهُوَ في سِنِّ الرَّابعة عَشْرَة إلى أنْ صَارَ في الثَّمانيناتِ مِن عُمرِه، لم يُساوِم. فقد رَفَضَ أن يُساوِم.

وَقد رَأينا ذلكَ عندما أحضرَ البابِليُّونَ والكَلدانِيُّونَ هؤلاءِ الفِتيانِ في التَّرحيلِ الأوَّلِ في سَنة 606 قبلَ الميلاد؛ أيْ في المَرحلةِ الأولى مِنَ السَّبْيِ البَابِلِيِّ عندما أحضَروا هؤلاءِ الفِتيانِ الَّذينَ كانُوا جَميعًا مِنْ طَبَقَةِ النُّبلاءِ وَالأُسرَةِ الحَاكِمَةِ في إسرائيل أو يَهوذا. فَقد كَانُوا، أو على الأقَلِّ كَانَ بَعضٌ مِنهُم، مِنَ النَّسْلِ المَلَكِيِّ نَفسِه. فَقَدِ اختارُوا، كَما يَرى عَدَدٌ مِنَ المُؤرِّخينَ، مَا بينَ 50 إلى 75 مِنَ الفِتيانِ المُمَيَّزينَ مِن طَبَقَةِ النُّبَلاءِ وَأحضروهُم إلى بَابِل لِكَيْ يَغسِلُوا أدمِغَتَهُم وَيَجعلوهُم كَلدانِيِّينَ مِن خِلفيَّةٍ يَهوديَّةِ لكي يُساعِدوهُم في الحُكْمِ وإدارةِ الشُّؤونِ اليَهوديَّة.

فَقد كانَ البابِلِيُّونَ يُخَطِّطونَ لاحتلالِ العَالَم. وَكانُوا يُريدونَ أن يَجعلوا مِن يَهوذا دَولةً تَابِعَة. وَقد أرادُوا فِتْيانًا يَعرِفونَ الوَضْعَ اليَهوديَّ ويَستطيعونَ أن يَكونُوا وُلاةً بَابِلِيِّينَ نِيابَةً عَنهُم في وَسْطِ الشَّعبِ اليَهودِيِّ، وأنْ يُشرِفُوا عَليهم حَتَّى في فَترةِ السَّبْي.

لِذا فقد أرادُوا أن يَغسِلُوا أدمِغَةَ هَؤلاءِ الفِتيان. وَقد قَرَّرُوا أوَّلاً أن يُغَيِّرُوا أسماءَهُم لكي يَفصِلوهُم عن تُراثِهم. فَبعدَ أن أبعَدوهُم عَن بَلَدِهم، لم تَكُن لَهُم أيَّةُ جُذورٍ أو عَلاقاتٍ هُناك. ثُمَّ أرادُوا أن يُعَلِّموهُم بِحَسَبِ التَّعليمِ الكَلدانِيِّ. فَقد أرادُوا أن يُغَيِّروهُم مِن كُلِّ زَاويةٍ وَأن يُعطوهُم الهُوِيَّةَ الكَلدانِيَّة. والشَّيءُ الأخيرُ في عَمليَّةِ غَسْلِ أدمِغَتِهم هُوَ أنْ يُطعِموهُم مِن أطايِبِ المَلِكِ لكي يُغيِّرُوا نَمَطَ حَياتِهم إلى نَمَطِ الحَياةِ الوَثنيِّ في القَصرِ في بَابِل.

وَهُنا، بِكُلِّ تَأكيدٍ، رَسَمَ دَانيالُ الخَطَّ. لِماذا؟ لأنَّ العهدَ القديمَ لم يَقُل أيَّ شَيءٍ بخصوصِ اتِّخاذِ أسماءٍ أجنبيَّة، وَلأنَّ العهدَ القديمَ لم يَقُل أيَّ شَيءٍ بخصوصِ التَّعَلُّمِ مِن مُعَلِّمينَ أجانِب؛ ولكِنَّ العهدَ القديمَ قَالَ: "لا تَأكُلُوا طَعامًا مُقَدَّمًا لأوثانٍ، وَلا تَأكُلوا طَعامًا ليسَ مُعَدًّا بِحَسَبِ شَرائعِ اللهِ المُختصَّةِ بِطَعامِ شَعبِه". وَكانَ الخَطُّ الفَاصِلُ عِندَ دَانيال هُوَ كلمة الله.

فعندما يَكونُ أكلُ أطايِبِ المَلِكِ انتِهاكًا لكلمةِ اللهِ لأنَّ كُلَّ الطَّعامَ الَّذي كانَ يُقَدَّمُ في القَصْرِ كَانَ في نُقطةٍ مُعيَّنةٍ يُقَدَّمُ أمامَ الآلِهَةِ، لم يَتَمَكَّن دانيال مِنَ الأكلِ مِنْهُ. وَهُنا رَسَمَ دَانيالُ الخَطَّ. فقد رَسَمَ الخَطَّ في نَفسِ المَوضِعِ الَّذي تَرسِمُهُ فيهِ كلمةُ الله.

فهذه قَناعَة حَقيقيَّة. وهذهِ هي الشَّخصيَّة الرَّائعة جدًّا عندَ دانيال. فمُنذُ أن كانَ صَبِيًّا، هُوَ ورِفاقُهُ الثَّلاثة، مِن بينِ كُلِّ الفِتيانِ الخمسينَ أوِ الخَمسة والسَّبعين إذْ إنَّنا لا نَعلَمُ عَدَدَهُم بِدِقَّة، ولكِنَّنا نَعلَمُ أنَّ أربعةً مِنهُم أخذُوا مَوقِفًا ثَابِتًا. فَفي وَقتٍ لاحقٍ، عندما وَقَفُوا جَميعًا أمامَ المَلِك، في العَدد 18 وَما يَليه، كانَ هُناكَ أربعة فقط لاحظَ المَلِكُ أنَّهُم مُختلِفون. أمَّا بَقِيَّةُ الفِتيانِ الَّذينَ خَضَعُوا لهذا التَّعليمِ مُدَّةَ ثَلاثِ سَنواتٍ فقد فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَأكلوا مِن أطايِبِ المَلِك، وَتَأقلَمُوا مَعَ نَمَطِ الحَياةِ، وَصَارُوا كَلدانِيِّينَ. وبِذلكَ فَقَدوا المَكانَةَ الفَريدةَ الَّتي كَانَ اللهُ مُستعدًّا لإعطائِهِم إيَّاها لو أنَّهُم أَطاعُوا شَريعَتَه. لِذا فإنَّ دانيالَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ رَائعٌ على التَّمَسُّكِ بالقَناعاتِ؛ وَلا سِيَّما عندِ الشُّبَّانِ في سِنٍّ مُبَكِّرَة.

وكَما تَعلمونَ، لَقد كانت بَلَدُنا هَكذا في يَومٍ مَا. بينَما كُنتُ أقرأُ في هذا الأسبوعِ، عَثرتُ على شَيءٍ مُدهِشٍ جدًّا. فقد كانت هُناكَ في "الأكاديميَّة العَسكريَّة الأمريكيَّة" الَّتي تُعرَفُ باسم "ويست بوينت" (West Point) صَلاة تُعرَفُ باسم "صَلاةُ التِّلميذِ العَسكريّ". وَقد كانت تلكَ الصَّلاةُ تُتْلَى كُلَّ يَومِ أَحَدٍ في اجتماعاتِ العِبادَةِ في الكَنيسةِ مِن قِبَلِ طَلَبَةِ "ويست بوينت". ولا أدري إن كُنتُم قد سَمِعتُم يَومًا تِلكَ الصَّلاة، ولكِنَّها تَقولُ مَا يَلي:

"اجْعَلْنا نَختار الصَّوابَ الأصعَب على الخَطأِ الأسهَل، وَألاَّ نَرضَى يَومًا بأنصافِ الحَقائقِ عِوَضًا عَنِ الحَقِّ الكَامِل. وامْنَحْنا الشَّجاعَةَ النَّابعةَ مِنَ الوَلاءِ لكُلِّ مَا هُوَ نَبيلٌ وَشَريفٌ، والَّتي تَرفُضُ أنْ تُساوِمَ مَعَ الرَّذيلةِ والظُّلْم، وَلا تَعرِفُ الخَوفَ عندما يَكونُ الصَّوابُ والحَقُّ في خَطر. آمين".

إنَّها صَلاةٌ رَائعة. وَهِيَ صَلاةٌ مِن أجلِ عَدمِ المُساومَة. فَقد كُنَّا نَعرِفُ في وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ في بَلَدِنا مَعنى الحَياةِ الخَالية مِنَ المُساوَمة. وَحَتَّى إنَّ الكَاتِبَ الإغريقيَّ "إيسوب" (Aesop) تَحَدَّثَ في قِصَصِهِ الخَيالِيَّةِ عَن ثَمَنِ المُساوَمة. فَإيسوب يَتحدَّثُ في واحِدَةٍ مِن قِصَصِهِ الخَياليَّةِ عن وَقْتٍ حَدَثَتْ فيهِ حَرْبٌ بينَ الوُحوشِ والطُّيور. وَقد حَاولَ الخُفَّاشُ أن يَقِفَ في صَفِّ كِلا الخَصْمَيْنِ كَما يَقولُ إيسوب. فعندما كانتِ الطُّيورُ تَنتَصِر، كَانَ الخُفَّاشُ يُحَوِّمُ حَولَها ويَقولُ لها إنَّهُ طَائِر. وعنِدما كانتِ الوُحوشُ البَرِّيَّةُ تَنتصِر، كانَ يُحَوِمُ حَولَها ويُؤكِّدُ لِكُلِّ وَحْشٍ مِنها أنَّهُ وَحْشٌ. ولكِنْ سُرعانَ مَا كُشِفَ رِياؤُهُ فَرُفِضَ مِن كُلٍّ مِنَ الوُحوشِ والطُّيور. لِذا فقد اضْطُرَّ إلى الاختفاءِ طَوالَ النَّهارِ والظُّهورِ في اللَّيلِ فقط. هَذا هُوَ ثَمَنُ المُساوَمة!

ولكِنَّ دَانيال لم يُساوِم. وكذلكَ أيضًا مِيشَائِيل وَعَزَرْيَا وَحَنَنْيَا. وماذا كانت نَتائِجُ حَياتِهِم الخَالِيَة مِنَ المُساوَمة؟ لِنَرجِع إلى النَّصِّ وَنَنظُر إليهم. وَقد قُلنا إنَّهُ كانت هُناك صِفاتٌ شَخصيَّةٌ وَنَتائِجٌ لِلحياةِ الخَاليةِ مِنَ المُساوَمة. وَسوفَ أُشيرُ في عُجالةٍ إلى النَّتائِجِ الَّتي تَحَدَّثنا عنها في المَرَّةِ السَّابقةِ، ثُمَّ أَذكُرُ بَقيَّةَ النَّتائِج.

أوَّلاً، عندما تَعيشُ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساومةِ، ولا تَقَعُ فَريسةَ نَمَطِ حَياةِ العَالَم، وَلا تَرْتَضي أنْ تُباعَ بأيِّ ثَمَن، سَتَجِدُ [أولاً] شَجاعَةً خَاليةً مِنَ الشُّعورِ بالعَار... شَجاعَةً تَخلو مِنَ الشُّعورِ بالعَار. ففي العَددِ الثَّامِن، قَالَ دَانيال لرئيسِ الخِصْيان: "قُلْ للمَلِكِ إنِّي لا أستطيعُ أن آكُلَ هذا الطَّعامَ لأنَّهُ سَيُنَجِّسُني". وَقد قُلتُ لكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّهُ كانَ بِمَقدورِهِ أن يَتَذَرَّعَ بأمورٍ أخرى أكثرَ سُهولة.

فَهُوَ لم يَكُن مُضْطَرًّا إلى أن يَكونَ صَريحًا جدًّا بخصوصِ أَطايِبِ المَلِكِ بأنْ يَقولَ إنَّها سَتُنَجِّسُه. ولكِنَّ واحِدةً مِن سِماتِ المَوقفِ القَويِّ غَيرِ المُساوِمِ عندما يَكونُ الإنسانُ صَاحِبَ قَناعاتٍ هِيَ أنَّهُ يَمْتَلِكُ شَجاعَةً لا تَخجَلُ مِن قَولِ الحَقّ. فقد كانَ بِمَقدورِهِ أن يَتَذَرَّعَ بأنَّهُ ليسَ مُعتادًا على طَعامِ المَلِك، أو بأنَّهُ مُعتادٌ جدًّا على الطَّعامِ اليَهوديِّ وَأنَّ طَعامَ المَلِكِ لا يُلائِمُ مَعِدَتَهُ، وَبأنَّهُ سَيُعاني آلامًا في مَعِدَتِه في سَبيلِ التَّمَلُّصِ مِن ذلكَ المَوقِف. ولكِنْ لا! فقد كانَ كَلامُهُ وَاضِحًا جدًّا بأنَّ ذلكَ الطَّعامَ يُخالِفُ شَريعةَ اللهِ وَيُنَجِّسُه.

لِذا فإنَّنا نَجِدُ أنَّهُ كانَ يَملِكُ هذهِ الشَّجاعَةَ الَّتي تَخلو مِنَ الشُّعورِ بالعَار. وعندما جَاؤوا إليهِ وَقالوا: "لا يَجوزُ لَكَ أن تُصَلِّي"، ذَهَبَ إلى نَافِذَتِهِ، وَفَتَحَ النَّافذةَ، وَصَلَّى كَما كانَ يَفعلُ دَائِمًا، وبِنَفسِ الشَّجاعَةِ لأنَّ هَذِهِ هِيَ صِفَةُ الإنسانِ الَّذي لا يُساوِم.

ثَانيًا، لَقد رأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّهُ عَدا عَن أنَّ الحَياةَ الخَاليةَ مِنَ المُساومةِ تَمْلِكُ شَجاعَةً تَخلو مِنَ الشُّعورِ بالعَارِ فإنَّها [ثَانيًا] تُؤدِّي إلى اتِّباعِ نَمَطٍ غَيرِ مَألوف... نَمَطٍ غَيرِ مَألوف. فنحنُ نَقرأُ أنَّهُ لم يَأكُل مِن أطايِبِ المَلِكِ وَلم يَشْرَبْ مِنْ خَمْرِ مَشروبِه. وَنَقرأُ في العَدد 12 أنَّهُ كانَ يَأكُلُ القَطَاني فقط ويَشربُ المَاءَ فقط. وَهذا يَعني أنَّهُ لم يَكُن يأكُلُ أيَّ لَحْمٍ مِن أيِّ مَصدرٍ، ولم يَكُن يَشربُ أيَّ خَمْرٍ مِن أيِّ مَصدَر. ولم يَكُن هذا الأمرُ مَطلوبًا مِنهُ، بَلْ كَانَ مِعيارًا غَيرَ مَألوفٍ؛ أيْ مِعيارًا فَوقَ العَاديّ.

ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ في المَرَّةِ السَّابقةِ أنِّي قُلتُ لكم إنَّهُ في العهدِ القديمِ، عندما كانَ الأمرُ يَخْتَصُّ بالكَهَنَةِ، وعندما كَانَ يَخْتَصُّ بالأشخاصِ الَّذينَ يَرغبونَ في قَطْعٍ عَهْدٍ بِتَكريسِ أنفسِهم، وعندما تَصِلونَ إلى العهدِ الجديدِ وتَقرأونَ عن يُوحَنَّا المَعمَدان، الَّذي كَانَ أعظمَ رَجُلٍ عَاشَ حَتَّى ذلكَ الحِيْن، وليسَ إلى يُوحَنَّا المَعمدانِ فقط، بل إلى شُيوخِ الكَنيسةِ، تَجِدونَ أنَّهُ في كُلِّ تلكَ المَناصِبِ المُهِمَّةِ، لم يَكُن يَجوزُ لِهؤلاءِ أن يُدمِنُوا الخَمْرَ.

فالأشخاصُ الَّذينَ أُوْكِلَتْ إليهِم مَسؤوليَّة رُوحِيَّة عَالية يَتَّبِعونَ مِعيارًا غَيرَ مَألوف. وَقدِ اختارَ دَانيالُ أن يَعيشَ بِمَعيارٍ أعلى. وقد قُلنا لَكُم إنَّ الحَياةَ الخَاليةَ مِنَ المُساومةِ لا تَلعَبُ على حَافَةِ الأفضَل، بَل تَختارُ أعلى وأسْمَى مِعيارٍ على الإطلاق بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ الثَّمن.

على مَدى شُهورٍ طَويلة، تَدَرَّبَ "إريك ليديل" (Eric Liddell) على الرَّكضِ بِهَدَفِ الفَوزِ في سِباقِ المِئَةِ مِتْرٍ في أولمبياد سَنة 1924. وَقد تَنَبَّأَ المُحَلِّلونَ الرِّياضِيُّونَ في جَميعِ أنحاءِ البِلادِ أنَّ "ليديل" سيَفوزُ في سِباقِ المِئةِ مِتْر. ولكِنَّهُ عَلِمَ أنَّ سِباقَ المِئَة مِتْر في أولمبياد سَنة 1924 سيَكونُ يَومَ أحَد. وَكانت تِلكَ مُشكلة بالنِّسبةِ إليه. فقد كان "إريك" يُؤمِنُ بأنَّهُ لن يُكْرِمَ اللهَ إنْ شَارَكَ في ذلكَ السِّباقِ في يَومِ الرَّبّ. وَقَد ذُهِلَ مُعجَبوهُ مِن رَفضِهِ. وَمَعَ أنَّهُم كَانُوا يَمْتَدحونَهُ، ابتدأوا في وَصْفِهِ بالأحمَق. وَقَد سَخِرَتِ الصَّحافَةُ مِن "إريك ليديل" لأنَّهُ يَرفُضُ أن يَركُضَ يَومَ الأحَد.

وَفجأةً، انسَحَبَ أَحَدُ العَدَّائينَ مِن سِباقِ الأربعمئةِ مِتْر، ولم يَكُن يُوجَدُ بَديلٌ يَحِلُّ مَحَلَّهُ. وَكانَ ذلكَ السِّباقُ سَيُجرَى خِلالَ الأسبوع. لِذا فقد عَرَضَ "إريك" على اللّجنةِ أن يَحِلَّ مَحَلَّ ذلكَ الرِّياضِيِّ مَعَ أنَّ السِّباقَ أطول بأربعةِ مَرَّاتٍ مِنَ السِّباقِ الَّذي تَدَرَّبَ عليه. وعندما شَارَكَ في ذلكَ السِّباق، فَازَ "إريك ليديل" بالسِّباق. وفي سَنة 1924، أكمَلَ السِّباقَ في (47.8) ثانية؛ وَهُوَ وُقتٌ مُذهل. لِذا فقد فَازَ بالسِّباق.

فَقد مَنَحَهُ اللهُ الميدالِيَة الذَّهبيَّة. وَقد أَكْرَمَ اللهُ رُوحَهُ غَيرَ المُساوِم. وَفي وَقتٍ لاحقٍ، ذَهبَ "إريك ليديل" إلى الصِّينِ بِصِفَتِهِ مُرْسَلاً. وَفي سَنة 1945، مَاتَ هُناكَ في مُعَسْكَرِ حَرْبٍ دُونَ مُساوَمَةٍ؛ أيْ كَما فَعَلَ دَائِمًا.

يَبدو لي أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَصنَعونَ فَرْقًا في العَالَمِ هُمْ أولئكَ الَّذينَ يَعيشونَ بِمِعيارٍ أعلى مِنَ الجَميع. فَهُوَ ليسَ المِعيارَ المَطلوبَ وَحَسْب، بَل هِيَ تلكَ الخُطوةُ النَّبيلةُ الإضافِيَّةُ الَّتي تَجعَلُهُم مُمَيَّزين.

لِذا فإنَّ الحَياةَ الخَاليةَ مِنَ المُساومةِ تَتَّسِمُ بِشَجاعَةٍ لا تَعرِفُ العَارَ، وَبِمعيارٍ غَيرِ مَألوف. وَثالِثًا، لَقد قُلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّها تَتَّسِمُ بِحِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة... بِحِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة. وَأنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يُوفِّرُ حِمايةً غَيرَ عَاديَّة للأشخاصِ الَّذينَ لا يُساوِمون. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "وَأَعْطَى اللهُ دَانِيآلَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً عِنْدَ رَئِيسِ الْخِصْيَان". وَهَذا مُدهشٌ. "وَأَعْطَى اللهُ دَانِيآلَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً عِنْدَ رَئِيسِ الْخِصْيَان".

فَدانيالُ لم يَلجأ إلى التَّنازُلاتِ السِّياسِيَّةِ لِكَيْ يَحصُلَ على تلكَ النِّعمة. أليسَ كذلك؟ وَقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في الأسبوعِ المَاضي. فَاللهُ هُوَ الَّذي أعطى دَانيال تلكَ النِّعمَة، وَهُوَ الَّذي يُهَيْمِنُ على قَلبِ كُلِّ كَائِنٍ حَيٍّ. فَإنْ أرادَ اللهُ أن يَجعلَ الآخرينَ لُطفاءَ مَعَكَ فإنَّهُ سَيَهتَمُّ بذلك. فَلا حَاجةَ إلى المُساومةِ لكي تُحَقِّقَ غَاياتِك. وَلا حَاجةَ إلى المُساومةِ لكي تُحَقِّقَ الأهدافَ الَّتي تَظُنُّ أنَّهُ يَجِبُ عليكَ أن تُحَقِّقَها. فَإنْ سَاوَمْتَ فإنَّكَ تَتَخَلَّى عَنِ الحِمَايَةِ الإلهيَّةِ. أمَّا إنْ لم تُساوِم فإنَّكَ تَطلُبُ حِمايَةَ اللهِ لَك.

وَأنا أُفَضِّلُ أن أقفَ بشجاعَةٍ أمامَ المَلِكِ وَأَدينَ خَطيَّتَهُ عَالِمًا أنَّ اللهَ يَقِفُ إلى جَانِبي على أنْ أُساوِمَ على ذلكَ كي أكسَبَ المَلِكَ إلى صَفِّي وأخسرَ الله. أليسَ كذلك؟ لأنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُهَيمِنَ على قَلبِ المَلِك.

اسمَحُوا لي أن أقرأَ مَقطعًا مِنَ الكتابِ المقدَّسِ مِن سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 2: 22: "وَشَاخَ عَالِي جِدًّا..." – عَالي، رَئيس الكَهَنة. "...وَسَمِعَ بِكُلِّ مَا عَمِلَهُ بَنُوهُ بِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَبِأَنَّهُمْ كَانُوا يُضَاجِعُونَ النِّسَاءَ الْمُجْتَمِعَاتِ فِي بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاع". فَقَد كَانُوا أبناءً فَظيعين. "فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ الأُمُورِ؟ لأَنِّي أَسْمَعُ بِأُمُورِكُمُ الْخَبِيثَةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ. لاَ يَا بَنِيَّ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا الْخَبَرُ الَّذِي أَسْمَعُ. تَجْعَلُونَ شَعْبَ الرَّبِّ يَتَعَدُّونَ. إِذَا أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى إِنْسَانٍ يَدِينُهُ اللهُ. فَإِنْ أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى الرَّبِّ فَمَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِ؟» وَلَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ أَبِيهِمْ لأَنَّ الرَّبَّ شَاءَ أَنْ يُمِيتَهُمْ".

بِعبارةٍ أخرى، لَقد تَرَكَهُم اللهُ... استَمِعُوا إلى هَذا... لَقد تَرَكَهُم اللهُ في حَالةِ عِصيانٍ دَائمةٍ لكي يَدينَهُم. فَقد تَمَادَوْا جدًّا حَتَّى لم يَعُد بِمَقدورِهم أن يَتُوبُوا. وَقد ثَبَّتَ اللهُ حَرفِيًّا عِصيانَهُم.

ونَقرأُ في العَدد 30: "لِذلِكَ يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: إِنِّي قُلْتُ إِنَّ بَيْتَكَ وَبَيْتَ أَبِيكَ يَسِيرُونَ أَمَامِي إِلَى الأَبَدِ. وَالآنَ يَقُولُ الرَّبُّ: حَاشَا لِي! فَإِنِّي أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي، وَالَّذِينَ يَحْتَقِرُونَنِي يَصْغُرُون".

فاللهُ يَقول: "انظُر! صَحيحٌ أنَّكَ رَئيسُ الكهنة، وَأنَّكَ تَمْلِكُ كُلَّ الوُعودِ المُختصَّةِ بالكَهنوت، ولكنِّي لَن أُبالي بذلكَ إنْ لم تُكْرِمْني. فَإنْ أكرمتَني سَأُكرِمُكَ. وَإنِ احتَقرتَني سأحتَقِرُكَ". والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هِيَ التَّالية: الطَّريقةُ الَّتي نَعيشُ بِها إمَّا أنْ تَجعلَ اللهَ يُدافِعُ عَنَّا، وَإمَّا أنْ تَجعَلَهُ ضِدَّنا. وعندما نَكونُ مُطيعينَ للهِ وَنَعيشُ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساوَمَة، فإنَّ اللهَ يُكرِمُنا ويُدافِعُ عَنَّا. وَهذهِ حَقيقةٌ رَائعةٌ ومُدهشةٌ يا أحبَّائي. وأرجو، إنْ لم تَكونوا مَعَنا في الأسبوعِ المَاضي، أن تَحصُلوا على تلكَ العِظَةِ وَأن تَدرُسوها جَيِّدًا.

وأنا أُفَكِّرُ في يُوسُفَ كَثيرًا. فَيوسُفُ وَدانيالُ مُتَشابِهانِ جدًّا. فَقد بِيْعَ يُوسُفُ عَبْدًا مِنْ قِبَلِ إخوَتِهِ الأشرار. وَماذا حَدَثَ لَهُ؟ لَقد صَارَ في نِهايةِ الأمرِ رَئيسَ وُزراءِ مِصْر. فقد كانَ يُوسُفُ وَدانيالٌ في مَملكةٍ أجنبيَّة. وقد صَارَ كُلٌّ مِنهُما رَئيسًا للوُزراء. وَقد وَصَلَ كُلٌّ مِنهُما إلى ذلكَ المَنصِبِ بسببِ حِمايةِ الله. وَقد كانَ كُلٌّ مِنهُما يَملِكُ مَواهِبَ نَبويَّةً خَارقةً للطَّبيعةِ مَكَّنَتْهُما مِنَ الوُصولِ إلى أعلى المَناصِب. وَقد تَمَكَّنَ كُلٌّ مِنهُما مِنَ التَّصَدِّي للمُدَّعينَ والمُرائينَ في هَاتينِ المَملكتَيْن.

فَعلى الرَّغمِ مِن كُلِّ الدَّجَّالينَ الشَّيطانِيِّينَ الَّذينَ كانُوا مَوجودينَ في البَلاطِ المَلَكِيِّ في مِصْرَ وَبابِل، حَصَلَ كُلٌّ مِن هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، بسببِ حَياتِهما الخَاليةِ مِنَ المُساوَمَةِ، على الحِمايَةِ مِنَ اللهِ، وَوَصَلا إلى أعلى المَناصِب.

فالإنسانُ الَّذي يَعيشُ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساوَمَةِ سَيَرْفَعُهُ اللهُ. وَقد قَالَ أحدُ الأشخاصِ إنَّ السِّياسَةَ هِيَ فَنُّ المُساوَمَة. وَأعتقدُ أنَّ هَذا صَحيح. فَأنا أسمَعُ النَّاسَ يَقولونَ في أغلبِ الأحيانِ (وَرُبَّما قُلتُ ذلكَ أنا شخصيًّا أكثرَ مِمَّا أتخيَّل) إنَّهُ لا يُمكِنُ لأيَّ شَخصٍ أن يَصِلَ إلى مَنصِبٍ سِياسِيٍّ مَرموقٍ اليومَ مَا لَم يُساوِمْ هُنا أو هُناكَ في أثناءِ قِيامِهِ بذلك. وأعتقدُ أنَّ مَا يَجِبُ أن يُقالَ هُوَ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتبَوَّأونَ مَناصِبَ سِياسيَّة مَرموقَة يَصِلونَ عَادَةً إلى هُناكَ مِن خِلالِ المُساوَمَة. ولكِن إنْ أرادَ اللهُ مِنكَ أن تَصِلَ إلى هُناكَ ولم تُساوِم، فإنَّهُ سَيَضَعُكَ هُناكَ وَحَسْب. أمَّا إنْ سَاوَمْتَ فَهذا يَعني أنَّكَ وَصَلتَ إلى هُناكَ بِمُفرَدِك. لِذا فإنَّ المُساومةَ تُخْرِجُكَ مِن دَائرةِ الحِمايَة.

وَنَقرأُ في العَددِ العَاشِر: "فَقَالَ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ لِدَانِيآلَ: «إِنِّي أَخَافُ سَيِّدِي الْمَلِكَ الَّذِي عَيَّنَ طَعَامَكُمْ وَشَرَابَكُمْ. فَلِمَاذَا يَرَى وُجُوهَكُمْ أَهْزَلَ مِنَ الْفِتْيَانِ الَّذِينَ مِنْ جِيلِكُمْ، فَتُدَيِّنُونَ رَأْسِي لِلْمَلِكِ؟»".

بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، كَانَ مَا قَالَهُ رَئيسُ الخِصْيانِ (أشْفَنَز) هُوَ: "دانيال! أنا أُحِبُّكَ كَثيرًا. فأنتَ شَخصٌ رَائع. وَأنا مُعْجَبٌ برِفاقِكَ الثَّلاثة أيضًا. ولكن أريدُ أن أقولَ لكَ يا دانيال إنِّي أخافُ المَلِك. فإنْ لم أُطعِمْكُم طَعامَ المَلِك، أتَعلمونَ مَا الَّذي سيَحدُث؟ سَوفَ تُنْهُونَ هذهِ السَّنواتِ الثَّلاث وتَكونونَ ضُعفاءَ، وشَاحِبينَ، ومُنْهارينَ، وهَزيلينَ. وسَوفَ يَنظُرُ المَلِكُ إليكُم ويقول: ’مَا خَطْبُ هَؤلاء؟‘ وَسَوفَ يُكَلِّفُني ذلكَ رَأسي"؛ أيْ أنَّهُ سَيُعْدِمُهُ.

لِذا، كَانَ يُوجَدُ في الكَواليسِ خَوفٌ مِن نَبوخَذنَاصَّر. أَتَرَوْن؟ وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ المُدهشِ أنَّ "أشْفَنَز" كَلَّفَ نَفسَهُ عَناءَ تَقديمِ تَبريرٍ لِدانيال. وَهَذا يُريني أنَّهُ كَانَ يَتَحَنَّنُ عَليهِ حَقًّا. فَهُوَ لم يَكُن يَأمُرُهُمْ وَحَسْب دُونَ تَقديمِ المُبَرِّراتِ، بل إنَّهُ يَقولُ لَهُ السَّبب. وَهُوَ يُخبِرُهُ بِما يُفَكِّرُ فيه. فَعلى الرَّغمِ مِن حُبِّهِ الشَّديدِ لدانيال وَتَعاطُفِهِ مَعَهُ، لن يَخسَرَ رأسَهُ بسببِ أمرٍ كَهذا. لِذا، لم تَسِرِ الأمورُ حَسَنًا، بَل إنَّ دَانيال تَلَقَّى رَفْضًا بِخُصوصِ رَفضِهِ الأكلَ مِن أطايِبِ المَلِك.

والآن، اسمَعوني: لم يَتَمَرَّد دَانيالُ هُنا، ولم يَصِرْ مُشاكِسًا، ولم يَغضَب، ولم يُثَرثِر، بل إنَّهُ بَقِيَ ثَابِتًا، وَبَقِيَ مُمتلئًا نِعمةً؛ ولكنَّهُ ظَلَّ رَاسِخًا جدًّا... ظَلَّ رَاسِخًا جدًّا جدًّا. وَهُوَ لم يَستسلِم. فَهُوَ يَتَمَتَّعُ بالحِمايةِ الإلهيَّةِ ويَبحثُ عَن مَخرَج.

والآن، اسمَحُوا لي أن أُلَخِّصَ هذهِ النِّقاط الثَّلاث الأولى. فأنا أريدُ مِنكُم أن تَفهموها. عندما تَعيشُ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساوَمة: أوَّلاً، سَوفَ تَمتَلِكُ شَجاعَةً خَاليةً مِنَ الشُّعورِ بالعَار. ثَانيًا، سوفَ تَتْبَعُ مِعيارًا غَيرَ مَألوف. ثَالثًا، سَوفَ تَتمتَّعُ بِحمايةٍ غَير أرضِيَّة.

وقد فَكَّرْتُ في إعطائِكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا على هذهِ النِّقاطِ الثَّلاثِ مِن أجلِ تَلخيصِها. وَسوفَ أستَعينُ في ذلكَ بِمَقطعٍ مِن كِتابٍ قَرأتُهُ وأرجو أن تَكونوا قَد قَرأتُموه. وَقد عَلَّقْتُ عَليهِ قَبلَ طِباعَتِه، وَهُوَ قَيْد الطِّباعَةِ الآن. وَهُوَ بِعُنوان: "A Distant Grief". وهي قِصَّة "كيفا سيبمانغي" (Kefa Sempangi) ذلكَ الرَّجُل العَظيم الَّذي كانَ يَرعَى كنيسةً في أوغندا. وهي الكنيسةُ الَّتي تَعَرَّضَتْ لاضطهادٍ عَنيفٍ جدًّا على يَدِ "عيدي أمين" (Idi Amin) قبلَ الإطاحَةِ بِه. وَإليكُم مُقتَطَفات مِن هَذا الكِتاب.

جَاءَ أَحَدُ عِيْدِ الفِصْحِ المَجيدِ هَذا في وَقْتٍ كَانَ فيهِ المَسيحيُّونَ يَتعرَّضونَ لاضطهادٍ شَنيعٍ وأمورٍ أُخرى مُريعَةٍ إذْ كَانَ المُرتَزَقَةُ النُّوبِيُّونَ الَّذينَ يَأخُذونَ أوامِرَهُم مِن عِيدي أمين يَفعلونَ كُلَّ ما في وُسعِهم لِلقَضاءِ على المَسيحيَّة. وَإليكُم ما يَقولُهُ الكَاتِبُ "كيفا":

"على الرَّغمِ مِن الظِّلالِ الكَئيبةِ بِسَببِ فَظائِعِ عيدي أمين، ابتدأَ صَباحُ عِيدِ الفِصْحِ في سَنة 1973 بِدايةً مُبهِجَةً للكنيسةِ المَفدِيَّة. كانتِ الشَّمسُ قَد أشرَقَتْ للتَّوِّ، والسَّماءُ خَالية مِنَ الغُيومِ عندما ابتدأَتِ الدُّفعةُ الأولى بالوُصولِ إلى المُجَمَّعِ الَّذي كُنَّا نَعبُدُ الرَّبَّ فيه. وَقد جَاؤوا مِن كُلِّ قَبيلةٍ تَقريبًا: مِن قَبيلةِ بَغاندا (Baganda)، وبيسوغا (Besoga)، وبانيانكولي (Banyankole)، وأكولي (Acholi)، وَلانغي (Langi)، وباغويري (Bagweri)، وباغيسو (Bagisu). وقد جَاؤوا مِن أماكِن بَعيدة مِثلَ ماساكا (Masaka)؛ وهي بَلدة تَبعُد ثَمانينَ ميلاً إلى الجَنوبِ الغَربيِّ مِن كمبالا (Kampala).

"كان هناك رِجالٌ مُسِنُّونَ يَتَعَكَّزونَ على العَكاكيزِ، ونساءٌ يَحْمِلْنَ أطفالَهُنَّ على ظُهورِهِنَّ. وكانَ هُناكَ أطفالٌ يَحملونَ الزُّهورَ في أيديهم. وكانَ هُناكَ أطِبَّاءٌ ومُحَامونَ ورِجالُ أعمالٍ وَمُزارِعونَ، ومُزارِعو قُطْنٍ، وَموظَّفونَ حُكوميُّون. وقد جَاءَ عَددٌ قليلٌ مِنهُم بسيَّاراتِهم أو بِسَّياراتِ أُجرة؛ ولكِنَّ الأغلبيَّةَ جَاؤوا مَشْيًا على الأقدامِ أو على دَرَّاجاتِهم الهَوائِيَّة. وكانَ آخرونَ يَحشرونَ أنفسَهُم في شَاحِناتٍ تَميلُ إلى أحدِ الجَانِبَيْنِ وَتُوشِكُ على الانهيارِ في أيَّةِ لَحظة. وبِحُلولِ السَّاعةِ التَّاسعةِ صَباحًا، كانَ قَد تَجَمَّعَ أكثر مِن سبعةِ آلافِ شَخص. وكانَ ذلكَ أكبرُ حَشْدٍ تَجَمَّعَ يَومًا لحضورِ اجتماعِ يَومِ الأحد في كَنيسةِ المَفديِّين. وعندما لم يَعُد هُناكَ مَوضِعٌ في الكنيسة، رَاحَ النَّاسُ يَتَسَلَّقونَ الأشجارَ أو يَجلسونَ على أسطُحِ الشَّاحِنات. وقد جَلَسَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ النَّاسِ في سَاحاتٍ مُجاورةٍ يَستمعونَ إلى السَّمَّاعاتِ الكَبيرةِ، في حين أنَّ المِئاتِ وَقَفُوا في الشَّوارِع.

وقَبلَ الخِدمَة، التَقينا أنا والشُّيوخِ في مَكتبِ الكنيسة، وَهُوَ بَيتٌ فَارغٌ في المُجَمَّعِ، للصَّلاة. فقد شَعرنا بِعُمْقٍ بالجُوعِ المَوجودِ في قُلوبِ الأشخاصِ الَّذينَ اجتَمَعُوا للعِبادَة. وقد عَرَفنا شَوقَهُم لِسَماعِ كلمةِ اللهِ وَصَلَّيْنا أنْ تَتغيَّرَ حَياتهُم بِسُلطانِه. وعندما سَكَبْنا قُلوبَنا إلى الآبِ في صَلواتٍ شَفاعِيَّةٍ مُتألِّمة، لَمَعَتْ مَشاهِدُ كَئيبة مِنَ الأسبوعِ المَاضي أمامَ عَقلي.

"فقد رأيتُ وَجهًا مُحتَرِقًا جدًّا وامرأةً تَجلسُ في الزَّاويةِ وتَبكي. وَقد رأيتُ مَجموعةً مِنَ الجُنودِ يَقِفونَ في السَّاحَةِ فَرِحين. وَقد سَمِعتُ صَوتَ أحذيتِهم وَهِيَ تَسحَقُ العِظام. وَقد تَذكَّرتُ عَجْرَفَةَ المُرتَزَقَةِ واعتقدتُ في أعماقي أنِّي أرى كَابُوسًا. وَمَرَّةً أخرى، سَيطرَ عَليَّ الشُّعورُ بانتصارِ الشَّرِّ فَشَعرتُ بخوفٍ عَميق. لقد سَقَطْتُ أنا شَخصيًّا. لِذا، كيفَ أتوقَّعُ أن أتمكَّنَ مِن تَشجيعِ الآخرينَ في يَومِ الفِصْحِ هَذا؟ وَمَنْ أكونُ أنا لأُغَذِّي أولادَ اللهِ في هذهِ السَّاعةِ الحَالِكَةِ جدًّا. وما الكلماتُ الَّتي يُمكنُني أن أقولَها؟

"كانَ إخواني وأخواتي بِحَاجةٍ إلى الشَّجاعَةِ للوقوفِ بِثَباتٍ في خضَمِّ هَذا الرُّعبِ المُتزايِد. وَكانُوا بِحاجةٍ إلى القُوَّةِ لِتَشديدِهم في آلامِهم. فَهُم لم يَكونوا بِحاجَةٍ إلى عِظَتي، ولم يَكونوا بِحاجةٍ إلى أفكاري عنِ القِيامَة. لقد كانَ أبي مُحِقًّا. فقد قالَ: ’في أوقاتٍ كَهذهِ، لا يَحتاجُ النَّاسُ إلى كلماتٍ، بَل يَحتاجونَ إلى القُوَّة‘.

"أخذتُ كِتابي المُقدَّسَ وَذَهبتُ لأَعِظَ في صَباحِ يَومِ الفِصْحِ ذَاكَ بشجاعَةٍ جَديدة. كانت رِسالتي هِيَ عن آلامِ يَسوعَ المَسيح. وقد تَكلَّمتُ عنِ انتصارِهِ على الشَّرِّ وانتصارِهِ على المَوت. وَقد تَحدَّثتُ عن قُوَّةِ قِيامَتِهِ. وَكانَ الشُّيوخُ يَجلسونَ خَلفي على مِقعَدٍ ويُصَلُّون. وَكانَتْ أمامي آلافُ الوُجوهِ غيرِ المَألوفَة. وكانَ هُناكَ مُؤمِنونَ بِحاجَةٍ إلى التَّشجيعِ، وغيرُ مُؤمِنينَ بِحاجَةٍ إلى الخَلاص. وفي السَّاعةِ الثَّانية العَشرة والنِّصف بعدَ الظُّهر، كانتِ الشَّمسُ حَاميةً جدًّا على رُؤوسِنا فَحاولتُ أن أُنهي الخِدمَة". وَهَذا يَعني بعدَ ثَلاثِ سَاعاتٍ وَنِصف.

"رَفَضَ النَّاسُ المُغادَرة. وَصَاحَ بَعضٌ مِنهُم قَائِلينَ: ’ نَحْنُ لم نَأتِ لأجلِ خِدمةِ الكَنيسة، بَل جِئنا لِسماعِ كلمةِ الله. اذهَب واستَرِح، ثُمَّ عُدْ وَعِظْ مَرَّةً أخرى‘. راحَ النَّاسُ يُصَفِّقونَ وَيَصرُخونَ مُعَبِّرينَ عَن تَأييدِهم للفِكرة. ذَهبتُ إلى تِلكَ الغُرفةِ واستَرَحْتُ قَليلاً، ثُمَّ عُدْتُ في فترةِ مَا بعدِ الظُّهر. لم يَكُن أيُّ شَخصٍ قَد تَحَرَّكَ مِن مَكانِهِ. وَعَظْتُ ثَلاثَ سَاعاتٍ أخرى. وفي هَذا الوقتِ، عندما انتَهيتُ، لم يَعترِض أحَد. كانتِ الشَّمسُ على وَشْكِ المَغيبِ فَعَرَفَ الجَميعُ أنَّ الوقتَ قَد حَانَ لإنهاءِ الاجتماع. فالتَّنَقُّلُ ليسَ آمِنًا بَعدَ حُلولِ الظَّلام.

"لم نَكُن نَعلَمُ إنْ كُنَّا سَنَرى بَعضُنا بَعضًا أَم أنَّ اللهَ سَيَأخُذُنا إليه؛ ولكِنَّنا خَرَجنا في سَلامٍ لأنَّنا رأينا بأعيُنِنا خَلاصَ الرَّبّ. وقد قَالَ الجَميعُ بِصوتٍ عَالٍ: ’ آمين‘وَخَتَمَتِ الجَوْقَةُ الاجتماعَ بِتَرنيمةٍ، وانتَهَتْ خِدمةُ عِيدِ الفِصْحِ المَجيدِ، وَعُدْتُ إلى الشُّيوخِ فَتَعانَقْنا وَشَكَرْنا الله.

"كَانَ يَبدو أنَّ أيَّامًا قَد مَضَت وليسَ سَاعاتٍ مُنذُ أنِ اجتَمَعنا للصَّلاة. ومَعَ أنِّي كُنتُ مُنْهَكًا، كَانَ الفَرَحُ يَغمُرُ قَلبي. فقد استَجابَ الرَّبُّ صَلواتِنا إذْ إنَّهُ كَسَّرَ الخُبْزَ وَأطعَمَ شَعبَهُ. وَقدْ شَقَقْتُ طَريقي عَبْرَ الحَشْد. وعندما وَصَلتُ أخيرًا إلى البيتِ كُنتُ مُنْهَكًا ومُتعَبًا جدًّا حَتَّى إنِّي لم أُدرك أنَّ هُناكَ رِجالاً يَلحَقونَ بِي إلى أن أغلَقُوا البَاب.

كانَ هُناكَ خَمسةُ رِجال. وَقد وَقفي بيني وبينَ البَابِ وَوَجَّهُوا بَنادِقَهُم إلى وَجهي. كانت وُجوهُهُم مُعَلَّمَةً بالجُروحِ القَبَلِيَّةِ المُمَيِّزَةِ لقبيلةِ كاكوا (Kakwa)، وَكانُوا يَرتدونَ مَلابسَ عَاديَّة وأقمصةً مُزَركَشَةً، وبَناطيلَ بأزرار، وَنَظَّاراتٍ شَمسيَّة. وَمَعَ أنِّي لم أَرَ يَومًا أحدًا مِنهُم، عَرَفْتُ مَنْ هُمْ حَالاً. فَقد كانوا الشُّرطةَ السِّريَّةَ لمَركزِ أَمْنِ الدَّولة؛ أيْ أنَّهُم كَانُوا المُرتَزَقَةَ النُّوبِيِّينَ الَّذينَ يَعمَلونَ عِندَ عيدي أمين. أَوَّلَ وَهلَة، لم يَقُل أحدٌ مِنهُم شَيئًا إلى أنْ تَكَلَّمَ أطول رَجُلٍ فيهم، وَهُوَ قَائِدُهم، قَائلاً: ’ سَوفَ نَقتُلُكَ. إنْ كَانَ هُناكَ شَيءٌ تُريدُ أن تَقولَهُ، قُلْهُ الآنَ قَبلَ أن تَموت‘.

كَانَ يَتكلَّمُ بهدوءٍ ولكِنَّ وَجهَهُ كَانَ مُمتَلِئًا حِقْدًا. لم يَكُن بمقدوري سِوى النَّظر إليه. وقد شَعرتُ لِوَهلةٍ بِالحِقدِ الَّذي يَملأُه. لم نَكُن قدِ التقَيْنا مِن قَبل، ولكِنَّهُ كَانَ يَرغَبُ بِشِدَّة في تَمزيقي إرْبًا إرْبًا. شَعَرْتُ بِثِقْلٍ في فَمي، وابتدأت أطرافي تَرتَجِف، وَفَقَدْتُ السَّيطرةَ على نَفسي. وَقد قُلتُ لِنَفسي: ’لا حَاجَةَ إلى أن يَقتلوني لأنِّي سَأموتُ مِن تِلقاءِ نَفسي. سَوفَ أَسْقُطُ مَيِّتًا وَلَن أتمكَّنَ مِن رُؤيةِ عَائلتي مَرَّةً أخرى‘.

’ فَكَّرْتُ في بيناينا (Penina) وهي بِمُفردِها مَعَ دامالي (Damali). ما الَّذي سيَحدُثُ لَهُما عندما أموت؟ ولكنِّي سَمِعتُ صَوتًا قَادِمًا مِن بَعيدٍ. وقد دُهِشْتُ عندما أدركتُ أنَّهُ صَوتي أنا. فَقَدْ سَمِعْتُ نَفسي أقول: ’ لا حَاَجَة لي للدِّفاعِ عَن نَفسي. فأنا رَجُلٌ مَيِّتٌ أصلاً. فَحَياتي مَيِّتَةٌ وَمُسْتَتِرَةٌ في المَسيح. أمَّا حَياتُكُم أنتُم فهي في خَطَر. فأنتُم أمواتٌ في خَطاياكُم. سَوفَ أُصَلِّي إلى اللهِ وأطلبُ مِنهُ أن يُنَجِّيكُم بعدَ أن تَقتلوني مِنَ الهَلاكِ الأبديِّ‘.

’ تَقَدَّمَ الرَّجُلُ الطَّويلُ خُطوةً مِنِّي ثُمَّ تَوقَّف. وفي لَحظةٍ، تَغَيَّرَ وَجهُهُ وَتَحَوَّلَتْ كَراهِيَتُهُ إلى فُضول. وَقد خَفَّضَ سِلاحَهُ وَأَمَرَ الآخرينَ أن يُفعلُوا الشَّيءَ ذَاتَهُ. وَقدِ حَدَّقُوا فيهِ في ذُهولٍ ولكِنَّهُم أبعَدُوا أسلِحَتَهُم عَن وَجهي. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ الطَّويلَ تَكَلَّمَ مَرَّةً أخرى وَقال: ’ أَلاَ صَلَّيْتَ لأجلِنا الآن؟ ‘

’ ظَنَنْتُ أنَّ أُذُنَيَّ تَخْدَعانني. نَظرتُ إليهِ ثُمَّ إلى الآخرين. كانَ عَقلي مَشلولاً تَمامًا. كَرَّرَ الرَّجُلُ الطَّويلُ طِلبَتَهُ بِصوتٍ أعلى. وكنتُ أرى أنَّهُ كَانَ على وَشْكِ فُقْدانِ صَبْرِه. قُلتُ: ’ أجل، سَوفَ أُصَلِّي لأجلِكُم‘.

"صَارَ صَوتي أكثرَ جُرأةً حَتَّى لي أنا شَخصيًّا. قُلتُ: ’ سوفَ أُصَلِّي إلى الآبِ في السَّماء. أرجوكُم أن تُخفِضُوا رُؤوسَكُم وأن تُغمِضُوا أعيُنَكُم‘. تَحَدَّثَ الرَّجُلُ الطَّويلُ إلى الرِّجالِ الآخرينَ مَرَّةً أخرى فَطَأطَأَ الخَمسةُ رُؤوسَهُم. وَقَدْ طَأطَأتُ رأسي ولكنِّي أبقيتُ عَينيَّ مَفتوحَتَيْن.

"كانَ طَلَبُ القَائِدِ يَبدو وَكأنَّهُ خُدعة غَريبة. وَقد فَكَّرْتُ في نَفسي قَائلاً: ’ في أيَّةِ لَحظة، سَتَنتهي حَياتي. ولا أريدُ أن أموتَ مُغْمَضَ العَيْنَيْن‘.

"وَقد صَلَّيْتُ قَائِلاً ’ أبي السَّماويّ، كَما أنَّكَ غَفَرْتَ لأُناسٍ في المَاضي، اغفِر لهؤلاءِ الرِّجالِ أيضًا. لا تَدَع هَؤلاءِ يَهلِكونَ في خَطاياهُم، بل اجذِبهُم إليك‘.

"كانت صَلاةً بَسيطة. وقد صَلَّيتُ بِخَوفٍ شَديد، ولكنَّ اللهَ نَظَرَ إلى مَا وَراءِ مَخاوفي. وعندما رَفَعتُ رأسي، لم يَكُنِ الرِّجالُ الواقِفونَ أمامي هُمْ نَفسُ الأشخاصِ الَّذينَ لِحِقوا بِي مِنَ الكَنيسة. فقد تَغَيَّرَ شَيءٌ مَا في وُجُوهِهِم. وَكانَ الرَّجُلُ الطَّويلُ هُوَ أوَّلَ شَخصٍ تَكَلَّم. وكانَ صَوتُهُ قَوِيًّا ولكِنْ لم يَكُن هُناكَ ازدِراءٌ في كَلماتِه، وَقال: ’ لَقد سَاعَدْتَنا. وَسوفَ نُساعِدُكَ. سَوفَ نُخبِرُ الآخرينَ لكي يَتركوكَ وَشأنَك. لا تَخْشَ عَلى حَياتِك. فالأمرُ بِيَدِنا وَسَوفَ تَحْظَى بالحِمايَة‘.

"لقد مَنَعَتْني الصَّدمَةُ مِنَ الرَّدّ. وقد أشارَ الرَّجُلُ الطَّويلُ بيَدِهِ آمِرًا الرِّجالَ الآخرينَ بالمُغادَرة. وقد تَوَجَّهُ هُوَ أيضًا إلى البابِ ثُمَّ التَفتَ ليتكلَّمَ آخِرَ مَرَّة.

"قال: ’ لَقد رأيتُ أرامِلَ وَيَتامَى في رَعِيَّتِك. وَقد رأيتُهم يُرَنِّمونَ وَيُسَبِّحون. لماذا كانوا فَرِحينَ مَعَ أنَّ المَوتَ وَشيكٌ جدًّا؟ ‘

"كُنْتُ مَا زِلْتُ أشعُرُ بِصعوبةٍ بَالِغَةٍ في التَّكلُّمِ، ولكنِّي أَجَبْتُهُ: ’ لأنَّ اللهَ يُحِبُّهُم. وَلأنَّهُ أعطاهُم حَياةً وَسَيُعطي حَياةً للأشخاصِ الَّذينَ يُحِبُّونَهُ لأنَّهُم مَاتُوا فيه‘".

"لَقد بَدا سُؤالُهُ غَريبًا في نَظري، ولكِنَّهُ لم يَمْكُث ولم يُقَدِم تَفسيرًا، بَل هَزَّ رأسَهُ في حَيْرَةٍ وَخَرَجَ مِنَ البَاب. وَقد حَدَّقْتُ في بابِ الغُرفةِ قَليلاً ثُمَّ جَلستُ على حَصيرةً مِنَ القَشِّ بالقُربِ مِنِّي. لم تَكُن رُكبتايَ قَوِيَّتَيْنِ، بَلْ كانَ بِمَقدوري أن أشعُرَ بِجَسدي بأسْرِهِ يَرتَعِد. ولم يَكُن بمقدوري أن أُفَكِّرَ بوضوح.

"قَبلَ أَقَلِّ مِن عَشْرِ دَقائق، كنتُ أحسَبُ نَفسي إنسانًا مَيِّتًا. وَمَعَ أنِّي كُنتُ مُحاطًا بسبعةِ آلافِ شَخصٍ، لم يَكُن يُوجَدُ شَخصٌ واحِدٌ يُمكِنُني أن أحتَمي بِهِ. ولم يَكُن بمقدوري أن أطلُبَ مِن كيوانوكا (Kiwanuka) أن يَتَّصِلَ بِمَعارِفِه. ولم يَكُن بمقدوري أن أطلُبَ مِنَ الشُّيوخِ أن يُصَلُّوا. ولم يَكُن بمقدوري أن ألتَمِسَ الرَّحمةَ مِنَ القَتَلَةِ المَأجورين. وقد تَجَمَّدَ لِساني ولم أَجِد كلماتٍ أَتَفَوَّهُ بها. ولكِن في تلكَ اللَّحظةِ الَّتي أَوْشَكْتُ فيها أن أموتَ، لم تَكُن عِظَتي هِيَ الَّتي أَمَدَّتْني بالشَّجاعَة، ولم تَكُن فِكرةً مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، بَلْ كَانَ يَسوعُ المَسيحُ الرَّبُّ الحَيُّ".

سَوفَ أتوقَّفُ هُنا. اسمَعوني: إنْ عِشْتُم حَياةً تَتَّسِمُ بالمُواجَهِةِ، وإكرامِ اللهِ، وعَدمِ المُساوَمَةِ، لا يَهُمُّني مَا سَتُواجِهونَهُ لأنَّكُم سَتَمتَلِكونَ شَجاعَةً تَخلو مِنَ الشُّعورِ بالعَار. وَسوفَ تَتْبَعونَ مِعيارًا غيرَ مَألوف. وَسَوفَ يَمنَحُكُم اللهُ حِمايَةً غَيرَ أرضيَّة. آمين؟ فَقد فَعَلَ اللهُ ذلكَ في المَاضي. وَهُوَ ما زَالُ يَفعلُ ذلكَ في الحَاضِر.

ولكِنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ هُنا، بَل هُناكَ المَزيد. رَابِعًا: الحَياةُ الخَاليةُ مِنَ المُساومةِ تَقودُ إلى عَزيمَةٍ لا تَلين... إلى عَزيمَةٍ لا تَلين. وأنا أُحِبُّ هَذا وَحَسْب. فقد كانتِ الأمورُ حِيادِيَّةً كَما قُلتُ. فقد قالَ أشْفَنَز: "دانيال، لا يُمكِنُني أن أُلَبِّي طِلبَتَكَ. فالمَلِكُ سَيَقطَعُ رأسي".

ولكِنَّ دَانيالَ عَثَرَ بِأسلوبِهِ الرَّائعِ الخَالي مِنَ التَّمَرُّدِ أوِ المُشاكَسَةِ أوِ الإلحاحِ على بَديلٍ آخر إذْ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "فَقَالَ دَانِيآلُ لِرَئِيسِ السُّقَاةِ...". وَقد وَرَدتِ الكلمة "ميلزار" (Melzar) في عَددٍ مِنَ التَّرجمات. وقد تَكونُ الكلمةُ "ميلزار" اسْمَ عَلَم. ولكِنَّها تَرِدُ في اللُّغَةِ العِبريَّةِ مَعَ أداةِ التَّعريفِ "أل": "فَقالَ دَانيالُ للميلزار". وَهذا يُشيرُ إلى أنَّها عَوِضًا عَن أن تَكونَ اسمَ عَلَم، فإنَّها على الأرجَحِ كلمة يَنبغي أن تُتَرجَمَ: "مُشرِف".

فَقد كانَ "أشْفَنَز" رَئيسَ الخِصْيانِ. وَكانَ مَسؤولاً عَن جَميعِ هؤلاءِ الفِتيانِ في القَصر. وَقد عَيَّنَ عَدَدًا مِنَ المُشرِفينَ لكي يُشرِفَ كُلٌّ مِنهُم على عَددٍ مُحَدَّدٍ مِن هؤلاءِ الفِتيان. ويبدو أنَّ هذا الشَّخصَ قد أُوْكِلَتْ إليهِ مَهَمَّةُ الإشرافِ على هؤلاءِ الفِتيان. وَنَرى هُنا عَزيمَةً لا تَلين عِندَ دَانيال. فإن لم يَحصُل على الرَّدِّ الَّذي تَوَخَّاهُ مِن أشْفَنَز، فإنَّهُ يَذهبُ إلى شَخصٍ أدنى مِنه. وَهذا شَيءٌ مُدهش. فَهُوَ يَذهبُ إلى شخصٍ لا يَخشَى المَلِكَ حَقًّا لأنَّهُ لم يَكُن قَريبًا حَقًّا مِنَ المَلِك. فقد كانَ رَئيسُهُ هُوَ أشْفَنَز. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ أشْفَنَز كانَ رَجُلاً لَطيفًا ولن يَقطَعَ رَأسَهُ. لِذا فقد ذَهَبَ دانيالُ إلى الشَّخصِ التَّالي: "الَّذِي وَلاَّهُ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ عَلَى دَانِيآلَ وَحَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا". فَقد كانَ دَانيالُ إنسانًا لا يَستسلِم.

والآن، اسمَعوني. أريدُ أن أُشيرَ إلى شَيءٍ هُنا. إنَّ الإنسانَ الَّذي لا يُساوِمُ لا يَستَسلِم البَتَّة. وأريدُ أن أُريكُم فَرْقًا. هُناكَ أشخاصٌ يَقولون: "لقد كُنتُ أَعلمُ مَا يَنبغي أن أفعل. وقد حَاولتُ أن أفعلَ ذلكَ ولكِنَّهُ لم يَنجَح. وَكانَ هَذا هُوَ البَديلُ الوَحيدُ أمامي. لقد أردتُ أن أفعلَ الصَّواب، ولكنِّي كُنتُ مَعَ هَؤلاءِ الأشخاصِ، وَكانُوا يُهَدِّدونَني. وكانَ هذا هُوَ حَقًّا كُلُّ مَا يُمكِنُني فِعلُهُ. فقد كانَ يَنبغي لي أن أُسَايِرَهُم". لا! فالإنسانُ الَّذي لا يُساوِمُ لن يَحيدَ عَن مَبادِئِهِ حَالَ إغلاقِ أوَّلِ بَاب.

وَقَد دُهِشْتُ حَقًّا مِن مَقالةٍ قَرأتُها في هذا الأسبوعِ عَن سَيِّدةٍ ذَهبتْ إلى قِسْمِ الشُّرطةِ وطَلَبَتْ مِنهُم أن يَسجِنوها. لِذا فقد وَضَعوها في السِّجن. وقد وَضَعوها في السِّجنِ إلى أنْ مَرَّ يَومُ عُرْسِها. وَقد أرادُوا أن يَعرِفوا السَّببَ فقالت: "سَوفَ أتزوَّجُ مِن رَجُلٍ لا يَنبغي أن أتزوَّجَهُ. ولكِن في كُلِّ مَرَّةٍ أراهُ فيها لا أستطيعُ أن أُقاوِمَهُ. لِذا، احبِسوني إلى مَا بَعدَ يَومِ زِفافي". الحَقيقَةُ هِيَ أنَّ هَذهِ عَزيمَة قَوِيَّة. فقد رَفَضَتْ أن تُساوِمَ مَعَ أنَّها اضْطُرَّتْ إلى حَبْسِ نَفسِها لِكي تُقاوِمَ مَشاعِرَها. وَرُبَّما يَفعلُ بَعضٌ مِنكُم حَسَنًا إنِ اقتَدى بتلكَ السَّيِّدة العَزيزة.

ولكِن هَل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَفعلُهُ أُناسٌ؟ هُناكَ أشخاصٌ يَستَنفِدونَ بِضعَةَ مَصادِر في الظَّاهِر وَيَختارونَ شَيئًا شِرِّيرًا ويَقولون: "لَقد بَذَلْتُ أقصى جُهدٍ لَديَّ ولم أتمكَّن مِن فِعْلِ أيِّ شَيء". لا! فالإنسانُ الذي لا يُساوِمُ لا يَستسلِم البَتَّة... لا يَستسلِم البتَّة... لا يَستسلِم البتَّة... وَلا يَتراجَع.

وكَما تَعلمونَ، فيما يَختَصُّ بِذهابِ الرَّسولِ بولُس إلى أورُشَليم، كانَ يَستمرُّ في الذَّهابِ إلى أورُشليم. وبينَ الحينِ والآخر، كانَ أحدُ الأشخاصِ يَقولُ لَهُ: "بولُس! أنتَ تَعلمُ مَا سَيَحدُثُ لَكَ إنْ ذَهَبْتَ إلى أورُشليم. سَوفَ تَقَعُ في الكَثيرِ مِنَ المَتاعِب". وقد جاءَ النَّبيُّ أغَابُوس وَقال: "بولُس! أعطِنِي حِزامَك". وقد أخذَ حِزامَهُ وَرَبَطَ يَدَيهِ بِهِ وقال: "بولُس! هَذا هُوَ مَا سَيَحدُثُ لَكَ عندما تَذهبُ إلى أورُشليم".

وعندما ذَهَبَ بولسُ فإنَّهُ يَقولُ أخيرًا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20: "في كُلِّ مَكانٍ وَكُلِّ مَدينةٍ أذهبُ إليها يُخبرُني أُناسٌ أنَّني سأواجِهُ المَتاعِبَ عندما أذهبُ إلى أورُشليم. ولكِنَّ كُلَّ هَذا الكَلامِ لن [ماذا؟] يَمنَعَني مِنَ الذَّهابِ لأنَّ نَفسي ليست ثَمينة عِندي، بل إنَّ كُلَّ ما أريدُهُ هُوَ أن أُكمِلَ الخِدمةَ الَّتي أَوْكَلَها المَسيحُ إليَّ". فعندما كانَ البابُ يُغلقُ هُناكَ، كانَ يَذهبُ إلى هُنا. وعِندَما كانَ البَابُ يُغلقُ هُنا، كانَ يَذهبُ إلى هُناك. فهو لم يَكُن يَبحثُ عن مَخرَج، بَل كانَ رَجُلاً لا يُساوِم.

وهكذا كانَ دانيال أيضًا. فإنْ كانَ البابُ قَد أُغلِقَ مَعَ أشْفَنَز، فإنَّ الأمرَ لم يَنْتَهِ بَعْد. فقد كانَ يُمتَلِكُ عَزيمَةً لا تَلين. والأشخاصُ الَّذينَ يَمتَلِكونَ شَخصِيَّةً حَقيقيَّةً يَفعلونَ ذلك. فَهُوَ يَستمرُّ في اللَّكْمِ واللَّكْمِ واللَّكْمِ إلى أنْ يَصْنَعَ ثغْرَةً في النِّهايةِ لأنَّهُ لا يُساوِم. ويَبدو أنَّ المُشرِفَ لم يَكُن يَشعُرُ بالخَطَرِ الشَّديدِ مِنَ المَلِك. لِذا فإنَّهُ لم يُمانِعِ البَتَّة في الاستِجابَةِ لِطِلبةِ دَانيال.

والآن، مَا الَّذي تَعَلَّمناه؟ الشَّخصُ الَّذي لا يُساوِمُ يَمْتَلِكُ شَجاعَةً تَخلو مِنَ الشُّعورِ بالعَار، ويَختارُ مِعيارًا غَيرَ مَألوفٍ، ويَتمتَّعُ بِحمايةٍ غَير أرضيَّة، ويَمْتَلِكُ عَزيمَةً لا تَلين. والآن، إليكُم المِفتاح. خَامِسًا، إنَّهُ يَمْتَلِكُ إيمانًا لا تَشُوبُهُ شَائِبَة... إيمانًا لا تَشُوبُهُ شَائِبَة. وَهذا أمرٌ رَائع: إيمانًا لا تَشُوبُهُ شَائِبَة.

فكما تَعلمونَ، كانَ دانيال يُؤمِنُ حَقًّا بأنَّ اللهَ سيَجعلُ ذلكَ الأمرَ مُتاحًا. ومِن أينَ حَصَلَ على ذلكَ اليَقين؟ هل تَعلمونَ مَا الَّذي أُوْمِنُ به؟ أنا أُوْمِنُ مِنْ مُنْطَلَقٍ رُوحِيٍّ أنَّ الخطيَّةَ... اسمَعوني الآن: أنَّ الخطيَّةَ تَجلِبُ الشَّكَّ. أمَّا الطَّهارةُ فَتَجلِبُ الثِّقَة. فعندما يَعيشُ الإنسانُ حَياةً مُقَدَّسةً، أعتقدُ أنَّهُ سَيَكونُ هُناكَ شُعورٌ بالحَصانَةِ في تلكَ الحَياة؛ أيْ أنَّكَ تُؤمِنُ وَحَسْب أنَّ اللهَ سَيُنَجِّيك. لِذا فقد كانَ دَانيالُ يَمْتَلِكُ إيمانًا لا تَشُوبُهُ شَائِبَة وَشُعورًا بأنَّهُ مُحَصَّنٌ.

فَقَد تَمُرُّ في أيَّةِ تَجرِبة، وَقَد تَخْتَبِرُ أيَّةَ مُشكلةٍ أو ضِيقة، وَقَد تَتَعَرَّضَ لأيِّ خَطَر. ولكِن عندما يَكونُ قَلبُكَ طَاهِرًا سَتَعلمُ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ يُخيفُكَ لأنَّهُ إنْ كَانَ اللهُ مَعَنا (كَما جاءَ في رِسالة رُومية والأصحاح 8) فَمَنْ عَلينا. أليسَ كذلك؟

ونَقرأُ في سِفْر إشَعْياء 43: 2 الكلماتِ التَّالية الَّتي أُحِبُّها: "إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي الأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلاَ تُلْذَعُ، وَاللَّهِيبُ لاَ يُحْرِقُكَ". لِماذا؟ لأنِّي مَعَك.

فعندما يَكونُ القَلبُ طَاهِرًا، والحَياةُ طَاهرةً، سَتكونُ هُناكَ حَصانَةٌ تُؤدِّي إلى هذا النَّوعِ مِنَ الإيمانِ الَّذي لا تَشُوبُهُ شَائِبَة. وَقد كانَ دانيالُ وَاثِقًا حَقًّا. لِذا فقد قال: "أنا مُستعدٌّ للتَّضحيةِ بِعُنُقي" إذْ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "جَرِّبْ عَبِيدَكَ [كَما قَالَ للمُشرِفِ عَليهِم] عَشَرَةَ أَيَّامٍ. فَلْيُعْطُونَا الْقَطَانِيَّ لِنَأْكُلَ وَمَاءً لِنَشْرَبَ. وَلْيَنْظُرُوا إِلَى مَنَاظِرِنَا أَمَامَكَ وَإِلَى مَنَاظِرِ الْفِتْيَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. ثُمَّ اصْنَعْ بِعَبِيدِكَ كَمَا تَرَى".

وَقد تَقول: "إنَّها مُغامَرةٌ خَطِرة! فإنْ كانَ دانيالُ جَادًّا حَقًّا بهذا الشَّأنِ، فإنَّهُ يَضَعُ عُنُقَهُ تَحتَ المِقصَلَة!" هَذا صَحيح، ولكِنْ كَما قُلتُ، هُناكَ إيمانٌ وَاثِقٌ جدًّا يَنبُعُ مِنَ الرُّوحِ الَّذي لا يُساوِم. فعندما تُؤمنُ حَقًّا، يُمكِنُكَ أن تَخُوضَ الصِّعابَ وَأنتَ مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ اللهَ سَيُكْرِمُ إيمانَك.

وقد كانَ دَانيالُ رَجُلاً مُؤمِنًا. وكانَ إيمانُهُ يَنبُعُ مِن قَلبٍ طَاهِر. وَمَعَ أنَّهُ مَرَّ بكَارثةٍ مُريعةٍ، وَمَعَ أنَّ هُناكَ أشخاصًا ظَنُّوا أنَّ اللهَ تَخَلَّى عَن يَهوذا، وَأنَّ كَثيرينَ شَكُّوا، كَما هِيَ حَالُ النَّبِيِّ حَبَقُّوق، كانَ دانيالُ يُؤمِنُ بأنَّ اللهَ سَيُكرِمُ قَلبَهُ النَّقِيَّ. لِذا فقد قال: "أعطِنا القَطاني وَحَسْب".

وبالمُناسَبة، إنَّ الكلمة "قَطاني" هِيَ "زَرَع" وَمَعناها: "يَزرَع" في الأرض. وهي تُشيرُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى الطَّعامِ النَّباتِيِّ، والطَّعامِ العَادِيِّ، والبُذورِ، والخَضْراواتِ، والنَّباتاتِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهذا لا يَعني أنَّ الخَضْراواتِ أفضل مِن غَيرِها بِقَدْرِ مَا هِيَ طَعامُ الفُقَراءِ الَّذينَ لا يَستطيعونَ أن يَشتَرُوا اللُّحومَ وَالأطايِب. وَكأنَّ دَانيال يَقول: "لن آكُلَ إلاَّ طَعامَ الفُقراءِ، والطَّعامَ العَادِيَّ. أمَّا هَؤلاءِ فأطعِمْهُم مِنْ أَطايِبِ المَلِكِ وَسَنَرى مَن سيكونُ بِصِحَّةٍ أفضَل".

والآن، لِنُواجِه الحَقيقة يا أحبَّائي. اسمَعوني: إنْ أَكَلُوا عَشَرةَ أيَّامٍ القَطانِي عِوَضًا عَن أن يَأكُلُوا عَشَرَةَ أيَّامٍ طَعامَ المَلِكِ فإنَّ ذلكَ لَن يُثْبِتَ شَيئًا مِنَ النَّاحِيَةِ الجَسديَّة. فَهَذا لن يَصْنَعَ فَرْقًا كَبيرًا. ولكِنَّ دَانيالَ كَانَ يَعتَمِدُ على التَّدَخُّلِ الإلهِيِّ. وأعتقدُ شَخصيًّا، وَهَذا رَأيُ جون ماك آرثر الشَّخصيِّ وَحَسْب، أعتقدُ شَخصيًّا أنَّ اللهَ أعطاهُ هَذا الإعلان. فأنا أعتقدُ أنَّ اللهَ أعطاهُ هَذا الاختبار. وأعتقدُ أنَّ اللهَ قَال: "سَوفَ أُكْرِمُ هَذا". أعتقدُ أنَّ دَانيالَ حَصَلَ على هذهِ الفِكرةِ مِنَ الرَّبِّ بِسَببِ ثِقَتِهِ العَظيمةِ بِها، وبِسَببِ الطَّريقةِ الَّتي تَجاوَبَ بِها اللهُ مَعَها. إنَّهُ إيمانٌ لا تَشُوبُهُ شَائِبَة. فقد كانَ مُستعدًّا للمُخاطَرَةِ بِحياتِه.

وَهُوَ يَقولُ: "سَوفَ أسْلُكُ بالإيمان، وأقِفُ مَوقِفًا ثَابِتًا. واللهُ سَيُكرِمُ رُوحي الَّذي لا يُساوِم. فإنْ لم آكُل طَعامًا يُنَجِّسُني، وَإنْ أكلتُ طَعامًا طَاهِرًا، أنا أُوْمٍنُ بأنَّ اللهَ سَيُكْرِمُني". وَهَذا إيمانٌ لا تَشوبُهُ شَائِبَة.

هَل تُؤمِنُ حَقًّا بذلك؟ هَل تُؤمِنُ حَقًّا بأنَّكَ إنْ عِشْتَ حَياةً خَاليةً مِن أيَّةِ مُساوَمةٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّنْ سَيَغضَبُ عليكَ بسببِ اتِّخاذِكَ لهذا المَوقفِ الرَّاسِخ، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّنْ سيَنزَعِج مِنكَ بسببِ عَدمِ مُساوَمَتِك، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ عَددِ الأشخاصِ الَّذينَ سيَستاؤونَ مِنكَ بِسَبَبِ "نَقْصِ مَحَبَّتِكَ" [مِن وُجْهَةِ نَظَرِهم] إنِ اتَّخَذْتَ مَوقِفًا كَهذا، فإنَّ اللهَ سَيُكرِمُكَ. هَل تُؤمِنُ بذلك؟ هَل تُؤمِنُ بأنَّكَ إن تَصَدَّيْتَ للخَطيَّةِ والشَّرِّ فإنَّ اللهَ سَيَملأُ حَياتَكَ بالفَرحِ والسَّعادَة؟ وَهَل تُؤمِنُ بأنَّكَ إنْ وَقفتَ مَوقِفًا رَاسِخًا بِصِدْقٍ فإنَّ اللهَ سَيَملأُ حَياتَكَ بكُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي تَحتاجُ إليها للصُّمودِ والتَّشجيع.

إنْ كُنتَ تُؤمِنُ بذلكَ حَقًّا فإنَّكَ لَن تُساوِم، بَل سَتَثِقُ بِما يَقولُهُ اللهُ. لِذا، إنَّهُ إيمانٌ لا تَشُوبُهُ شَائِبَة. وَهَذا الإيمانُ الَّذي لا تَشُوبُهُ شَائِبَةٌ أدَّى إلى النَّتيجةِ السَّادسةِ وَهِيَ أنَّهُم اختَبَروا اختبارًا غَيرَ عَادِّيٍّ... اختبارًا غَيرَ عَادِيٍّ. "فَسَمِعَ لَهُمْ هذَا الْكَلاَمَ وَجَرَّبَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ". والآن، اسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا: كُلُّ تَكريسٍ يَخضَعُ للامتحان. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب والأصحاحِ الأوَّل عَنِ امتِحانِ إيمانِكُم. فَكُلُّ إيمانِنا سَيُمتَحَن. وَهُوَ لا يَتَزَكَّى إلاَّ عندما يُمْتَحَن. فيُمكِنُنا أن نَقولَ: "أريدُ أن أعيشَ حَياةً تَخلو مِنَ المُساوَمة"؛ ولكِن يجبُ عليكَ أن تَكونَ مُستعدًّا للإيمانِ بأنَّ اللهَ سَيَمْتَحِنُ ذلك. فَهُوَ سَيَمْتَحِنُ ذلك.

وَقد تَقول: "سَوفَ أبقى ثَابِتًا". وَنحنُ نَفعلُ ذلكَ كَثيرًا إذْ نَقول: "إنِ التَقيتُ فُلانًا سأقولُ لَهُ كَذا. سَوفَ أقولُ لَهُ ذلكَ في وَجهِه". وَهل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَحدُثُ عَادَةً؟ سُرعانَ مَا تَلتقي ذلكَ الشَّخص وَجهًا لِوَجهٍ فَتَتَلَعْثَمُ في الكَلام. أَتَرَوْن؟ وَأنتَ لا تَقولُ لَهُ ذلك. فَكُلُّ تلكَ الشَّجاعَةِ، أيْ كُلُّ تِلكَ الشَّجاعَةِ المَزعومَةِ، لا تَخْرُجُ مِنْ مَخْبَئِها.

ولكِنَّ دَانيال قَالَ هُنا: "أنا مُستَعِدٌّ لإخضاعِ إيماني لامتحانِ كلمةِ الله". وَقد جَاءَهُ الامتِحانُ سَريعًا. فَكُلُّ تَكريسٍ يُمْتَحَن. لِذا فقد جَرَّبَهُمُ المُشرِفُ عَشَرَةَ أيَّام. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 15 الكَلماتِ الرَّائعةَ التَّالية: "وَعِنْدَ نِهَايَةِ الْعَشَرَةِ الأَيَّامِ ظَهَرَتْ مَنَاظِرُهُمْ أَحْسَنَ وَأَسْمَنَ لَحْمًا". والكلمة "أَسْمَنْ" هُنا لا تَعني أنَّ وَزْنَهُمْ زَادَ أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل، بل إنَّ الكلمة "أَسْمَنْ" تُشيرُ إلى الصِّحَّةِ والقُوَّةِ والوَجْهِ المُشرِق. إذًا فَقَدْ "ظَهَرَتْ مَنَاظِرُهُمْ أَحْسَنَ وَأَسْمَنَ لَحْمًا مِنْ كُلِّ الْفِتْيَانِ الآكِلِينَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِك".

والآن، يا أحبَّائي، يَجِبُ عليَّ أن أُخبِرَكُم أنَّ مَا حَدَثَ كَانَ تَدَخُّلاً إلَهِيًّا. فَخِلالَ عَشَرَةِ أيَّامٍ، لَن تَتَحَسَّنَ صِحَّتُهُم بذلكَ القَدْرِ الكَبير. ولا أدري ما الَّذي حَدَثَ، ولكِنَّ صِحَّتَهُم تَحَسَّنَتْ. وَلا أدري مَا الَّذي كَانُوا يُقَدِّمونَهُ للفِتيانِ الَّذينَ يَأكُلونَ مِن أطايِبِ المَلِك، ولكنِّي أعتقدُ أنَّ ما حَدَثَ كَانَ بِتَدَخُّلٍ إلَهِيٍّ. وَنَقرأُ في العَدد 16 عَمَّا حَدَثَ في نِهايةِ تلكَ الأيَّامِ العَشَرة. فَما الَّذي حَدَث؟ ""فَكَانَ رَئِيسُ السُّقَاةِ يَرْفَعُ أَطَايِبَهُمْ وَخَمْرَ مَشْرُوبِهِمْ وَيُعْطِيهِمْ قَطَانِيَّ" طَوالَ ثَلاثِ سِنين. فَهُمْ لَم يَعودوا بِحاجَةٍ إلى إثباتِ أيِّ شَيءٍ لَهُ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّني إنْ كُنتُ أفهَمُ القِصَّةَ فَهْمًا صَحيحًا، رُبَّما كَانَ ذلكَ المُشرِفُ يَأكُلُ مِن أَطايِبِ المَلِكِ في تِلكَ السَّنواتِ الثَّلاث. فَلا أدري أينَ كَانَ يَذهَبُ بذلكَ الطَّعام. لِذا فقد كانتْ مُقايَضَة جَيِّدَة لَهُ. فَهُوَ لم يَكُن يُبالي بالقَطَانِي والمَاء. لِذا فقد كانَتْ صَفْقَةً جَيِّدَةً بالنِّسبةِ إليه.

لِذا، مَا الَّذي حَدَث؟ لقد أَكْرَمَ اللهُ حَياتَهُم الخَاليةَ مِنَ المُساوَمَة. وَقد رَبِحُوا المَعرَكة. فَقد تَجَنَّبُوا نَمَطَ الحَياةِ الَّذي أرادَ الكَلدانِيُّونَ أن يَفرِضُوهُ عَليهِم. وَهَذا يُذَكِّرُني بكلماتِ "تينيسون" (Tennyson) بِحَقِّ "السِّير جالاهاد" (Sir Galahad) إذْ إنَّهُ يَمْدَحُ ذلكَ الفَارِسَ البَارَّ الَّذي عَثَرَ على الكَأسِ المُقَدَّسَةِ فيقولُ مَا يَلي: "سَيفي الحَادُّ يَشُقُّ خُوَذَ المُحارِبينَ، وَرُمْحي القَوِيُّ يَختَرِقُ دُرُوعَهُم، وَقُوَّتي كَقُوَّةِ عَشَرَةِ رِجالٍ لأنَّ قَلبي طَاهِرٌ".

لَقد كانَ يُدركُ ذلكَ المَبدأَ الرُّوحِيَّ. فالقُوَّةُ تَنبُعُ مِنْ طَهارةِ القَلب. لِذا فقد نَجَحُوا في امتحانٍ غَيرِ عَادِيٍّ. والآن، اسمَعوني: إنَّ المَوقِفَ غَيرَ المُساوِمِ مِن كلمةِ اللهِ يَقودُ إلى شَجاعَةٍ خَاليةٍ مِنَ العَارِ، وَإلى مِعيارٍ غَيرِ مَألوفٍ، وَإلى حِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة، وَإلى عَزيمَةٍ لا تَلين، وَإلى إيمانٍ لا تَشُوْبُهُ شَائِبَة، وَإلى امِتحانٍ غَيرِ عَادِّيٍّ. هَل أنتُم مُستَعِدُّونَ لِهذا؟ إنَّهُ يَقودُ إلى بَرَكَةٍ تَفُوقُ الوَصْف... إلى بَرَكَةٍ تَفُوقُ الوَصْف. وَسَوفَ نَنظُرُ إلى هذهِ النَّتيجَةِ في عُجَالَة. العَدد 17: "أَمَّا هؤُلاَءِ الْفِتْيَانُ الأَرْبَعَةُ فَأَعْطَاهُمُ اللهُ مَعْرِفَةً وَعَقْلاً فِي كُلِّ كِتَابَةٍ وَحِكْمَةٍ، وَكَانَ دَانِيآلُ فَهِيمًا بِكُلِّ الرُّؤَى وَالأَحْلاَم".

مِن أينَ جَاءَ هَذا كُلُّه؟ "أَمَّا هؤُلاَءِ الْفِتْيَانُ الأَرْبَعَةُ..." لاحِظُوا مَا يَلي: "...فَأَعْطَاهُمُ [مَنْ؟] اللهُ". فَقد بَارَكَ اللهُ قُلوبَهُم الَّتي لَم تُساوِم. فَقد سَكَبَ اللهُ بَرَكَتَهُ. وَمِنَ الرَّائِعِ، يا أحبَّائي، أن نُدرِكَ هَذا الأمر. فَنَحنُ نَرى هُنا حَقَّيْنِ إلَهِيَّيْن رَائَعَيْن: فَنَحنُ نَرى البَرَكَةَ الَّتي يُعطيها اللهُ بِسيادَتِهِ، وَالتَّكريسَ البَشريَّ الكَامِل. فَقَدْ بَارَكَهُمُ اللهُ بِسيادَتِهِ عِندَما كَرَّسُوا أنفسَهُم تَمامًا للعَيشِ دُونَ مُساوَمَة.

وَمِن وُجهَةِ نَظَرِهم، كانَ كُلُّ شَيءٍ يَتوقَّفُ على تَكريسِهم الشَّخصيِّ. وَمِن وُجهَةِ نَظَرِ اللهِ، كَانَ كُلُّ شَيءٍ بِيَدِهِ هُوَ. ولكِن لا يُمكِنُكم أن تَحصُلوا على شَيءٍ مِنهُما دُونَ الآخَر. فَقد أعطاهُمُ اللهُ ذلك. وَالنَّصُّ يُلَخِّصُ ذلكَ بكلماتٍ عَديدة: "مَعْرِفَةً وَعَقْلاً فِي كُلِّ كِتَابَةٍ وَحِكْمَةٍ". فَقد أعطاهُمُ اللهُ كُلَّ مَا كَانُوا بِحاجَةٍ إليهِ مِن مَعرفةٍ وَحِكمةٍ للعَيشِ في ذلكَ المُجتَمع.

فَقد كانت بَابِلُ مَركِزَ المَعرفة. فقد كَانُوا مُتقدِّمينَ في العِلْمِ، ويَمْلِكونَ مَكتَباتٍ وَاسِعَة وَضَخمة. وَكانَ هُناكَ عُلماءٌ عُظَماءُ يَعيشونَ هُناك. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُم كانُوا رُوَّادَ العَالَمِ في تلكَ الأشياء. وقد أعطى اللهُ هؤلاءِ الأربعةَ مَعرفةً في تلكَ الأشياء. فقد أعطاهُم مَعرفةً حَقيقيَّةً لِتَطبيقِ الحَقِّ الكَامِنِ في كلمةِ اللهِ في تلكَ المَواقِف. وَقد أعطاهُمُ اللهُ حِكمةً. وَفوقَ ذلكَ، أعطى واحِدًا مِنَ الأربعةِ شَيئًا مُمَيِّزًا. وَهَذا هُوَ مَا يُمَيِّزُ دَانيال إذْ نَقرأُ: "وَكَانَ دَانِيآلُ فَهِيمًا بِكُلِّ الرُّؤَى وَالأَحْلاَم".

فَقد كانَ هذا الرَّجُلُ يَفْهَمُ في الرُّؤى والأحلام. والرُّؤى هِيَ مَا تَراهُ في يَقَظَتِك. والأحلامُ هِيَ مَا تَراهُ في نَومِك. وَكانتِ الرُّؤى والأحلامُ وَسيلةً لتوصيلِ الإعلاناتِ الإلهيَّة. فَقد كانَ هَذا الرَّجُلُ يَمْلِكُ مَوهبةَ الرَّائي أوِ النَّبِيّ. فَقد كانَ دَانيالُ يَمْلِكُ مَوهبةَ الإعلان. وَكانَ دَانيالُ سَيَصيرُ الوَاسِطَةَ البَشريَّةَ لتوصيلِ الحَقِّ الإلهيِّ. وَهَذِهِ الآيَةُ هِيَ الَّتي تُمَهِّدُ لِبقيَّةِ نُبوءَةِ دَانيال. فَهُوَ سيَكونُ الشَّخصَ الَّذي سيَتَلَقَّى كَلِمَةَ الله.

لِذا فقد بَارَكَهُم اللهُ بَرَكَةً فَائِقَةً في كُلِّ مَعْرِفَةٍ وَكِتَابَةٍ وَحِكْمَة. وَنَقرأُ أيضًا في العَدد 18: "وَعِنْدَ نِهَايَةِ الأَيَّامِ الَّتِي قَالَ الْمَلِكُ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ بَعْدَهَا..." [أيْ في نِهايَةِ سَنواتِ التَّدريبِ الثَّلاث]، "...أَتَى بِهِمْ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ إِلَى أَمَامِ نَبُوخَذْنَاصَّرَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَلِكُ". والضَّميرُ هُنا يُشيرُ إلى كُلِّ هَؤلاءِ الفِتيانِ الَّذينَ تَمَّ تَرحيلُهُم في سَنةِ 606 قَبلَ الميلاد. وَلم تَكُنِ المَجموعَةُ الثَّانيةُ قد وَصَلَتْ بَعد لأنَّها وَصَلَتْ في سَنَة 597 قبلَ الميلاد، ثُمَّ وَصَلتِ الدُّفعةُ الأخيرةُ في سَنة 586 قَبلَ الميلاد. لِذا فقد تَمَّ تَدريبُ هؤلاءِ الفِتيانِ في تلكَ الأثناءِ ثُمَّ كَلَّمَهُم نَبوخَذنَاصَّر. وَهَذا هُوَ الامتِحانُ الشَّفَهِيُّ. أَتَرَوْن؟ فَهذا هُوَ الامتِحانُ الأخيرُ كَي يَرى كَيفَ كَانَ تَدريبُهم.

فَقد تَمَّ فَحْصُهُم مِن قِبَلِ المَلِكِ وَمُساعِديهِ شَخصيًّا. "فَلَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمْ كُلِّهِمْ مِثْلُ دَانِيآلَ وَحَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا". أليسَ هَذا الأمرُ رَائعًا؟ فقد كانَ هَؤلاءِ الأربعةُ النُّخبَة. وَقد تَخَرَّجُوا وَكانُوا الأوائِلَ على صَفِّهِم دُونَ أن يُنَجِّسُوا أنفسَهُم، وَدُونَ أن يُساوِمُوا وَلَو قَليلاً.

فَيُمكِنُكَ أن تَعيشَ في هَذا العَالَمِ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساوَمَة. هَل تَعلَمُ ذلك؟ يُمكِنُكَ أن تَعيشَ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساومةِ في هَذا العَالَمِ، وَأن تَعيشَ حَياةً طَاهِرةً جدًّا وبَارَّةً جدًّا، ومُستقيمةً جدًّا، ومُمتلئةً جدًّا بِصِفاتٍ رَائعةٍ حَتَّى إنَّ العَالَمَ نَفسَهُ يَشهَدُ لكَ وَلِحَياتِك.

ونَقرأُ عَنِ الحُكْمِ النِّهائِيِّ في نِهايةِ العَدد 19: "فَوَقَفُوا أَمَامَ الْمَلِك". مَا مَعنى ذلك، أيْ أنْ يَقِفُوا أَمامَ المَلِك؟ لَقد ذَكرتُ ذلكَ قبلَ أُسبوعَيْن. فَهَذا يَعني أن يَخدِمُوا المَلِك. فَالمَلائِكَةُ تَقِفُ أمامَ الرَّبِّ. وفي العهدِ القديمِ، نَقرأُ عن أولئكَ الَّذينَ كَانوا يَقِفونَ أمامَ المَلِك. والوُقوفُ يُشيرُ إلى فِكرةِ انتظارِ تَلَقِّي رِسالةِ المَلِكِ وَتَسليمِها، وانتظارِ تَنفيذِ كَلامِه، وانتِظارِ إطاعَةِ أوامِرِه.

لِذا، نَقرأُ أنَّ هؤلاءِ الأربعةَ "وَقَفُوا أمامَ المَلِك". إنَّهُم مُعاوِنو المَلِكِ الأربعة الشَّخصيُّون. تَخَيَّلُوا أنَّهُم كَانُوا في سِنِّ السَّابعة عَشرة أوِ الثَّامِنَة عَشرة في البَلاطِ المَلَكِيِّ، وَأنَّهُم كَانُوا يَقِفونَ بِجانبِ المَلِكِ في أُمَّةِ أجنبيَّةٍ، وفي أُمَّةٍ لا يُمكِنُكَ فيها أن تُساوِمَ على قَناعاتِكَ. وَعلى الرَّغمِ مِن كُلِّ العَقَباتِ فإنَّكَ تَصِلُ بِمَعونَةِ اللهِ إلى تلكَ المَكانَةِ المَرموقَة! وَفي وَقتٍ لاحِقٍ، صَارَ دَانيالُ (دُونَ أن يُساوِمَ البَتَّة) يَعْمَلُ بِصِفَةِ رَئيسِ الوُزراءِ طَوالَ سَبعينَ سَنة. وَهَذا مُمْكِنٌ يا أحبَّائي. دَعُوا اللهَ يَرفَعُكُم بأنْ تَعيشُوا حَياةً خَاليةً مِنَ المُساوَمَة.

وَكَمْ كَانَ مِقدارُ المَوهبةِ الَّتي وَهَبَها اللهُ لِهؤلاءِ الفِتيان؟ نَقرأُ في العَدد 20: "فِي كُلِّ أَمْر..." [وَأنا أُحِبُّ ذلك] " فِي كُلِّ أَمْرِ حِكْمَةِ فَهْمٍ الَّذِي سَأَلَهُمْ عَنْهُ الْمَلِكُ وَجَدَهُمْ عَشَرَةَ أَضْعَافٍ فَوْقَ كُلِّ الْمَجُوسِ وَالسَّحَرَةِ الَّذِينَ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ". وَهَذا شَيءٌ مُمَيَّز. أليسَ كذلك؟ فَقد كَانَتْ هُناكَ قُوَّةٌ تُؤيِّدُهم وَهِيَ قُوَّةُ الله.

ويجب أن تَعلَمُوا أنَّ هَذا الأمرَ مُدهِشٌ. ولكِنْ إنْ كُنتَ مُؤمِنًا حَصَلَ على إعلانِ اللهِ وَسُكنَى الرُّوحِ فإنَّكَ أذكَى بِعَشَرةِ أضعافٍ مِن أذكى شَخصٍ في هَذا البَلَدِ لا يَعرفُ الله. فأنتَ أذكَى مِنهُ بعَشَرَةِ أضعافٍ لأنَّكَ تَعرِفُ الحَقَّ... الحَقَّ الإلهِيَّ. وَقد تَبارَكَ هَؤلاءِ الفِتيانِ في كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ عَشَرَةَ أضعافِ أيِّ شَخصٍ آخر.

اسمَعوني، يا أحبَّائي: دَعِ اللهَ يَرفَعُكَ. فَإنْ جَاءَ شَخصٌ إليكَ وَحَاوَلَ أن يُرْغِمَكَ على المُساوَمَةِ، وَهَدَّدَ حَياتَكَ، كُنْ ثَابِتًا في كلمةِ الله، وَقِفْ بِثَباتٍ وَجهًا لِوَجهٍ، وَقُلْ مَا تُؤمِنُ بِهِ، وَلا تَسْمَح لأيِّ شَخصٍ أن يُخيفَكَ، وَلا تَسْمَح لأيِّ شَخصٍ أن يَدَعَكَ تَتراجَع، وَلا تَسمَح لأيِّ شَخصٍ أن يَجعَلَكَ تَتنازَلُ عَمَّا تَعرِفُ أنَّهُ الحَقُّ الإلهيُّ المُطلَقُ الَّذي لا مَفَرَّ مِنهُ. فينبغي أن تَبقى ثَابِتًا في هذهِ القَناعاتِ، ويَنبغي أن تَتَشَبَّثَ بها بِمَحبَّة، وينبغي أن تَتَمَسَّكَ بها بِذاتِ اللُّطفِ والنِّعمةِ والدِّفْءِ الَّذي أَظْهَرَهُ دَانيال دُونَ أن تُساوِم. فَحينئذٍ، سَوفَ يُكْرِمُكَ اللهُ، وَيَرفَعُكَ إلى مَكانِ البَرَكَةِ، ويَجعلُكَ أعلى مِنَ الأشخاصِ المَرمُوقينَ، وَيَجعلُكَ الأفضلَ في أُمَّتِكَ وَنِطاقِكَ. هذهِ هِيَ الرِّسالة.

يَا لَها مِن كَلمةٍ عَظيمةٍ وَبَرَكةٍ تَفوقُ الوَصْف. وَهَل يُمكِنُني أن أُضيفَ نَتيجةً ثَامِنَةً وَأخيرة؟ سَتَترُكُ تَأثيرًا غَيرَ مَحدود. وَهَذا شَيءٌ رَائع. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 21: "وَكَانَ دَانِيآلُ إِلَى السَّنَةِ الأُولَى لِكُورَشَ الْمَلِك"؛ أيْ سَبعينَ سَنة... سَبعينَ سَنة. وَهَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ عندما أرى مَا جَاءَ في سِفْر عَزْرا والأصحاحِ الأوَّلِ عن كُلِّ الأشخاصِ الَّذينَ عَادُوا إلى أورُشليم، هَل تَعلمونَ مَن كَانَ وَراءَ ذلك؟ دانيال. وعندما أرى المَجوسَ الَّذينَ جَاءوا مِنَ الشَّرقِ فإنَّني أرى في الظِّلالِ دَانيال.

فقد أعطاهُ اللهُ نُفوذًا... نَفوذًا أدَّى، في اعتقادي، إلى أن يُصْدِرَ كُورَش مَرسُومًا يَسْمَحُ فيهِ لِبَني إسرائيلَ أن يَعودوا إلى أرضِهم. وَهُوَ نُفوذٌ أَدَّى إلى إعادَةِ بِناءِ السُّورِ مَعَ نَحَمْيا. وَهُوَ نُفوذٌ أَدَّى إلى إعادَةِ تَأسيسِ بَني إسرائيل. وَهُوَ نُفوذٌ أَدَّى إلى مَجيءِ المَجوسِ لِتَتويجِ المَلِكِ الَّذي وُلِدَ في بَيتِ لَحْم. فَهُوَ قَائِمٌ في كَواليسِ تَاريخِ المَسِيَّا وَشَعْبِ المَسِيَّا أيضًا. فَقد تَرَكَ تَأثيرًا لا حُدودَ لَهُ لأنَّهُ هُوَ الَّذي أعطَى الكَرامَةَ للمَلِكِ الَّذي هُوَ مَلِكُ المُلوكِ وَرَبُّ الأربابِ الَّذي يَمْلِكُ إلى الأبد. وَقد تَرَكَ دانيالُ تَأثيرًا غَيرَ مَحدودٍ لأنَّهُ كَتَبَ في نُبوءَتِهِ تَاريخَ العَالَمِ إلى أنْ يَمْلِكَ المَسيح. فَهُوَ تَأثيرٌ غَيرُ مَحدود.

اسمَعوني: إنَّ بَرَكَةَ الحَياةِ الخَاليةِ مِنَ المُساومةِ تَتَمَثَّلُ في امتِلاكِنا شَجاعَةً خَالِيَةً مِنَ الشُّعورِ بالعَارِ، وَفي دَعْوَتِنا إلى مِعيارٍ غَيرِ مَألوفٍ، وَفي تَوفيرِ الحِمايَةِ غَيرِ الأرضِيَّةِ لَنا. وعندما يَكونُ لَدينا إيمانٌ لا تَشُوبُهُ شَائِبَةٌ فإنَّنا نُواجِهُ الامتحانات غير العَاديَّة بِعَزيمَةٍ لا تَلين وَنَجِدُ بالمُقابِلِ أنَّ اللهَ بَارَكَنا بَرَكَةً تَفوقُ الوَصْفَ وَأعطانا تَأثيرًا غَيرَ مَحدود.

وفي النِّهاية، يا أحبَّائي، إنَّ خَيْرَ مَا يُمكِنُنا أن نَقولَهُ لَكُم هُوَ مَا يَلي: لا تُساوِمُوا، بَلْ دَعُوا اللهَ يَقود حَياتَكُم وَيَفعل بِها مَا يَحْسُنُ في عَيْنَيْهِ لأنَّ ذلكَ قَد يَكونُ أفضلَ بِعَشَرَةِ أضعافٍ مِنْ حَياةِ أيِّ شَخصٍ في العَالَم. دَعُونا نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ يا أبانا على الحُريَّةِ الَّتي تَمَتَّعْنا بها في هذا المَساءِ في أنْ نَجتَمِعَ في هذا المَكانِ وَنَدرسَ كَلِمَتَكَ، وعلى الحُريَّةِ الَّتي نَتَمَتَّعُ بها في قُلوبِنا إذْ إنَّ قُلوبَنا قد فُتِحَتْ على مِصْراعَيْها لِقَبولِها. أَكِّدْ لَنا في قُلوبِنا أنَّ هَذا الحَقَّ هُوَ حَقُّكَ أنْتَ، واعْطِنا القُوَّةَ كَيْ نَعيشَهُ يا أبانا.

اجْعَلْنا مُحِبِّينَ وَلُطفاءَ كَما كَانَ رَبُّنا، وَاجْعَلْنا وُدعاءَ، وَنَهْتَمُّ بالآخرينَ، وَنَتعاطَف مَعَهُم؛ ولكِنَّنا في الوقتِ نَفسِهِ رَاسِخينَ عندما يَختصُّ الأمرُ بالعَقيدةِ حَتَّى نَثْبُتَ فيها بِلُطْفٍ ولكِن دُونَ مُساوَمَةٍ لكي نَختَبِرَ بَرَكَتَكَ العَظيمةَ، وَيَدَ القُوَّةِ في حَياتِنا، ونَتمكَّنَ مِنَ إخراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّور. نُصَلِّي هَذا لأجلِ مَجْدِك. في اسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize