في هذا الصَّباح، نعود إلى دراستنا لكلمة الله؛ وتحديدًا إلى الأصحاح السَّادس والعِشرين مِن إنجيل مَتَّى. واسمحوا لي أن أُشجِّعكم على أن تفتحوا كتابَكم المقدَّسَ الشَّخصيَّ، أو أيَّ كِتابٍ مُقدَّسٍ مُتاح لديكم، وأن تنظروا إلى ذلك الأصحاح السَّادس والعِشرين مِن هذه الشَّهادة الرَّائعة عن حياة رَبِّنا. وما إن نأتي إلى الأصحاح السَّادس والعشرين حتَّى نقترب سريعًا من صليب يسوعَ المسيح. والحقيقة هي أنَّه في نَصِّنا في هذا الصَّباح، سوف ننظر إلى المقطع الَّذي يحوي الآيات 36-46، وهو بعُنوان "الابنُ يَحزَن". والآن، أعتقد أنَّ الأغلبيَّة مِنَّا (مِمَّن يَذهبون إلى الكنيسة منذ بعض الوقت) يَعرفون التَّرنيمة الَّتي تتحدَّث عن رَبِّنا؛ وهي ترنيمة جميلة جدًّا كَتبَها رَجُل يُدعى "فيليب بليس" (Philip Bliss) قبل سنوات طويلة. والتَّرنيمة تقول: "رَجُلُ أوجاعٍ، يا لهُ مِن اسمٍ لابن الله الَّذي جاء لِيَرُدَّ خُطاةً بائسين. هَلِّلويا! ما أعظَمَهُ مِن مُخلِّص!" فكاتبُ التَّرنيمة يقول: "رَجُلُ أوجاعٍ، ما أعظَمَهُ مِن اسم!" وهو يَقتبس ذلك مِن سِفْر إشعياء والأصحاح 53 حيث وَرَدَ أنَّ يسوعَ رَجُلُ أوجاعٍ ومُختَبِرُ الحَزَن. وعندما تَدرسون حياة الربِّ، تُدركون أنَّه كان حقًّا رَجُل أوجاع. فلا توجد آية واحدة في الكتاب المقدَّس تقول إنَّ يسوعَ ضَحِكَ يومًا. ولكنَّنا نَجِد جُمَلاً كثيرة عن حُزنه. وهناك جُمَل كثيرة عن تَنَهُّدِهِ بصوتٍ عالٍ، وعن اكتئابه، وعن شعوره بالحزن.
ونحن نتذكَّر جميعًا ما جاء في الأصحاح الحادي عَشَر مِن إنجيل يوحنَّا عن أنَّه بَكى عند قبر لِعازَر. وقبل بُكائِه، نقرأ كيف أنَّه اغتَمَّ كثيرًا في نفسه عندما رأى تأثير الخطيَّة والموت. ونحن نتذكَّر ما جاء في إنجيل لوقا 19: 41 حين نظر يسوع إلى مدينة أورُشليم ورأى النَّاس الخُطاة والأشرار وغير المؤمنين فبَكى. فهو حقًّا رَجُل أوجاع ومُختَبِر الحَزَن. ولكن لا يوجد حُزن في حياته (لا حُزنه على المرض، ولا عدم الإيمان، ولا العِصيان، ولا الجهل، ولا الرَّفض) يُمكن أن يَفوقُ الحُزنَ الَّذي نَراه يَختبره في نَصِّنا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 26. فقد اختبر الرَّبُّ حُزنًا فوق حُزنٍ فوق حُزن. ولكن يبدو أنَّ الحُزن المَذكور هنا هو تَراكُمٌ وتَفاقُمٌ لكلِّ الحزن الَّذي اختبَرَهُ يومًا والذي سيَختبره بعد ذلك. وبصراحة، عندما دَرستُ هذا النَّصَّ تحديدًا ساعاتٍ طويلة في هذا الأسبوع، وصَرفتُ وقتًا في النَّهار واللَّيل في التَّأمُّلِ فيه، وجدتُ أنَّه مِن المستحيل تقريبًا أن أَصِفَ بحسب فَهْمي الشَّخصيِّ ما حدث هنا. صحيحٌ أنَّني أستطيع أن أرى الأحداث، وأستطيع أن أفهم الظُّروف الخارجيَّة، وأستطيع أن أفهم معاني الكلمات مِن خلال ما تقوله في النَّصِّ، ولكنِّي لا أفهم الطَّبيعة العميقة لآلام يسوع المسيح لأنَّه (بصفته اللهَ المُطلَق) يستطيع أن يَختبر شيئًا خارج نِطاق استيعابي.
لِذا، بالمعنى الحقيقيِّ للكلمة، فإنَّ الاقترابَ مِن آلام يسوع في هذا النَّصِّ يُشبه المشيَ على أرضٍ مُقدَّسةٍ جدًّا، ومحاولةَ فهم شيءٍ لا يُمكن حقًّا فَهمُه في نهاية المَطاف، ومحاولة تفسير شيءٍ لا يُمكن حقًّا تفسيره. فهناك سِرٌّ في هذا النَّصِّ يَفوق قُدرتي وقُدرتكم وقُدرةَ أيِّ إنسان، بل ورُبَّما أيضًا الملائكة القدِّيسين. فنحن نجد هنا أنَّنا نقف مَذهولين مِن الله-الإنسان الَّذي نَعرف تمامًا أنَّه الله ولكنَّنا نَراه يُعاني ويتألَّم في ناسوته كما لو أنَّه ليس الله. وهذا يَفوقُ قُدرتنا على الفهم. ولكن ما الغاية مِن مقطعٍ عن آلام المسيح؟ لِنقرأ هذا النَّصَّ ونَكتشف الجواب، ابتداءً مِن العدد 36: "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: «اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي [أي: يَعقوب ويوحنَّا]، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي». ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ».
"ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ». فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: «نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ!»".
والآن، إنَّ هذا النَّصَّ نَصٌّ قويٌّ. فالربُّ يسوعُ موجود في بُستان جَثسيماني قبل القبض عليه مباشرةً، ومحاكمته ظُلمًا، وإعدامه. وهذا جزءٌ مِن الاستعداد للصَّليب. وَهُوَ جزءٌ مِن استعداد رَبِّنا لأن يموت. وقد رأينا مِن قبل أنَّ مَتَّى يَذكُر لنا عناصر الاستعداد في كلِّ الأصحاح 26. فقد رأينا إعداد خُطَّة الله في وقتٍ مُبَكِّرٍ مِن هذا الأصحاح، واستعداد القادة الدينيِّين الَّذينَ كانوا يتآمرون للقبض على المسيح. وقد رأينا استعداد مريم الَّتي أحبَّته وأعَدَّت حَنوطًا وأطيابًا للدَّفن. وقد رأينا استعداد يهوذا الَّذي عَقَدَ العَزمَ على خيانته. وقد رأينا رَبَّنا يُنهي التَّدبير اليهوديَّ القديم في الفصح الأخير. وقد رأيناه يُؤسِّس مائدته (أي: عشاء الرَّبّ). وقد رأيناه يُحذِّر التَّلاميذ مِمَّا سيختبرونه عندما يَتِمُّ القبضُ عليه ويَتشتَّتون. فكلُّ عناصر الاستعداد هذه تُشير إلى الصَّليب. والآن، نأتي إلى هذا الاستعداد؛ أي إلى استعدادِه الشَّخصيِّ.
ولكن ليس إلى استعداده هو فقط، بل إلى استعداد التَّلاميذ أيضًا. فمع أنَّه صِراع كان ينبغي له أن يَخوضَهُ كي يَكون مُنسجمًا تمامًا مع خُطَّة الله، وإلحاق الهَزيمة مَرَّةً أخرى بالشَّيطان، فإنَّه أيضًا عُنصر مُهمٌّ مِن استعداد التَّلاميذ لأنَّهم سيتعلَّمون منه درسًا عميقًا مذكورا في العدد 41 حيث يقول الرَّبُّ: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ". فهو يقوم دائمًا وأبدًا بدور المُعلِّم. فحَتَّى في وسط هذا الصِّراع المُذهل الَّذي يَعسُر تفسيره مع العَدُوّ الَّذي يريد أن يُلهيه عن الصَّليب، فإنَّ الربَّ يَتَخَطَّى ما يحدث معه شخصيًّا كي يُعلِّم خاصَّته. فهو يَرى في صِراعه الشخصيِّ درسًا عظيمًا ينبغي أن نَتعلَّمه بخصوص كيف ينبغي لنا أن نُواجه التَّجارب والمِحن القاسية. لذا عندما ننظر إلى المقطع، لن نَراه يُهَيِّئ نفسَه فقط لموته، بل إنَّه يُهيِّئ التَّلاميذ أيضًا. فيجب عليهم أن يَتعلَّموا مِن هذا الدَّرس (ويجب علينا نحن أيضًا أن نَتعلَّم مِن هذا الدَّرس) الطَّريقة السَّليمة لمواجهة التَّجارب الشَّديدة. والربُّ يَصيرُ هو النَّموذج. والربُّ يصير هو المِثال في هذا النَّصّ.
والآن، إنَّ مَعنى النَّصّ يَتَّضِح لنا، في اعتقادي، سريعًا جدًّا. فهو نَصٌّ سَردِيٌّ وحسب. ولكن لكي نتمكَّن مِن شَقِّ طريقنا فيه بوضوح، واستخلاصِ نتيجة مؤثِّرة منه، أريد أن أَذكُر لكم خمس كلمات سأستخدمها في هذا الصَّباح وفي يوم الربِّ المُقبِل. وأنا حَزينٌ لذلك...صَدِّقوني! فلو كان الأمر بيدي لوَعظتُ ساعتين ونصف الآن، ولكنِّي لا أستطيع أن أفعل ذلك. فدراسة النَّصِّ كُلِّه تجعل الدِّراسة فعالَّة جدًّا. ولا أدري كيف سأحتمِل الأسبوع الفاصِل بين العِظَتين... كي أكونَ صريحًا معكم! ولكنِّي أريد أن أَذكُر لكم خمس كلمات رئيسيَّة نَبني عليها الأفكار وهي: الحُزن، والتَّضَرُّع، والنَّوم، والقوَّة، والكلمة الأخيرة: التَّعاقُب. وسوف أخبركم عن معانيها في أثناء دراستنا.
ولكن قبل أن ننظر إلى الكلمات الرئيسيَّة الَّتي تساعدنا على فهم هذا الحَدَث (على الأقلِّ بالقدر الَّذي يمكننا أن نفهمه فيه)، لننظر إلى آيةٍ تمهيديَّة وهي الآية 36. فهي ستساعدنا على استيعاب المشهد قليلاً: "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: «اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي". وسوف نتوقَّف عند تلك النُّقطة. فهذه كلمات تمهيديَّة تَرمي فقط إلى تهيئة المشهد. والكلمة الأولى فيها هي: "حينئذٍ". والكلمة "حينئذٍ" هي كلمة تَهدف إلى وضعنا في السِّياق الزَّمنيّ. فالكلمة "حينئذٍ" هي كلمة تُشير إلى تَعاقُب الأحداث. "حينئذٍ". متى حينئذٍ؟ أي بعد ما حدث للتَّو. وما الَّذي حدث للتَّوّ؟ لقد توقَّف الربُّ في أثناء صعودهم سَفْحَ جبل الزَّيتون كي يُخبر تلاميذه أنَّهم سيتركونه، وأنَّهم سيهجرونه، وأنَّهم سيتعرَّضون للضَّغط والإهانة وَيَسقطون في الفَخِّ، وأنَّهم سينكرونه ويَتخلَّون عنه. وقد قالوا: "لا، لا! لن يحدث ذلك. لن يحدث ذلك". ولكنَّه سيحدث. والكلمة "حينئذٍ" تعني: بعد ذلك مباشرةً.
حسنًا، وما هو هذا المشهد؟ وما الَّذي يجري هنا؟ تَذكروا أنَّ الوقت آنذاك كان مُنتصف ليلة يوم الخميس في آخر أسبوعٍ مِن حياة رَبِّنا. فسنوات خدمته قد انتهت. فالخدمة في الجليل، والخدمة في اليهوديَّة، والخدمة في بيريَّة إلى الشَّرق مِن نهر الأردنِّ قد انتهت كُلُّها بالإضافة إلى المعجزات والشِّفاء. فقد جاء الآن إلى أورُشَليم في عيد الفصح، في سنة 33 ميلاديَّة على الأرجح، أو رُبَّما في سنة 30 ميلاديَّة... في واحدة مِن هاتين السَّنتين. وقد جاء ليس فقط لحضور الفصح، بل أيضًا ليكون الفِصْح. وكان يوم الخميس هو يوم الاستعداد لأنَّهم أكلوا في تلك اللَّيلة عشاء الفصح. لذا فقد أَعَدَّ التَّلاميذُ الفصحَ، وفي يوم الخميس أكلوا الفِصح. فقد تَعَشوا، ورَتَّلوا التَّرتيلة الأخيرة، وغادروا العِليَّة، ومضوا عَبْرَ مدينة أورُشليم في وسط الحشود الغفيرة في وقتٍ قريبٍ مِن مُنتصف اللَّيل بسبب العيد، وبسبب الاحتفال، وبسبب موسم الفصح، وخرجوا مِن البوابَّة الواقعة شمال الهيكل (أي البوَّابة الشَّرقيَّة)، ونَزلوا مُنحَدَر جبل الهيكل، وعبروا وادي قدرون، وصَعِدوا جبل الزَّيتون. وبعد أن توقَّفوا قليلاً على جبل الزَّيتون وحَذَّرهم الرَّبُّ مِن ارتدادهم، جاءوا الآن إلى بُستان جَثسيماني.
وفي ذلك البُستان، بعد وقتٍ وجيز جدًّا، سيؤخذ يسوعُ سجينًا. فقد كان الأمر وشيكًا. وقد اقترب جدًّا. وقبل أن يحدث ذلك، كان لا بُدَّ مِن حُدوث شيءٍ آخر وَهُوَ صَرْفُ وقتٍ في الصَّلاةِ الشَّفاعيَّة مع الآب. ولكنَّ الربَّ يَستخدم هذا الوقت لتعليم تلاميذه وتعليمنا نحن أيضًا. وبأيَّة طريقة سيكون الدَّرسُ تعليميًّا؟ إنَّه تَعليميٌّ بطرق عديدة جدًّا، ولكنَّه بصورة رئيسيَّة يُعطينا فكرة عميقة عن كيفيَّة التَّعامل مع التَّجربة في الحالات الشَّديدة. والآن، هل لاحظتم أنَّه جاء "إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي"؟ ومعناها: "معصرة الزَّيتون". ومِن الواضح أنَّ هذا هو اسم بُستان أو منطقة يوجد فيها بُستان على سفح الجبل. فعلى سفح ذلك الجبل، أي السَّفحِ الغربيِّ لجبل الزَّيتون، إلى الشَّرق من أورُشليم، بعد جبل الهيكل، كان أغنياء أورُشليم يَملِكون بساتين هناك. فَلم تكن لديهم بساتين داخل المدينة المُسَوَّرَة. فلم يكن هناك مُتَّسع لذلك. فقد كان عدد السُّكَّان كبيرًا وهائلاً. لذا فقد كانت البساتين واقعةً على سفوح الجبال خارج المدينة. ونقرأ هنا عن بُستان يُقال له "جَثسيماني"؛ وَهُوَ مكان معروف. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في إنجيل يوحنَّا 18: 2 أنَّ يسوع كان يذهب كثيرًا إلى هناك مع تلاميذه. فقد كان مكانَ عُزلة، ومكانًا ظَليلاً بعيدًا عن الزِّحام، والطُّرق الرئيسيَّة، والمدينة، والانشغال. فقد كان مكانًا يمكنه أن يذهب إليه ويصرف وقتًا وحده، ويصرف اللَّيل في الصَّلاة مع أبيه أو في تعليم أحبَّائه.
ولا نَدري مَن كان صاحب البُستان. فهو شخص آخر مِن أولئك الأشخاص الرَّائعين المَجهولين الَّذينَ جاءوا لمساعدة يسوع المسيح في نهاية حياته. فلَعَلَّكُم تَذكرون أنَّه كان يوجد رَجُل لا نَعرف اسمه أحضرَ دَابَّةً كي يَركب عليها. وهناك المُضيف المَجهول الاسم الَّذي قَدَّم له العِليَّة. وهناك ذلك الشَّخص المجهول الاسم الَّذي كان صاحب البُستان. وكما يقول "ويليام باركلي" (William Barclay)، في وسط صحراءِ الكراهية، هناك بضع واحاتٍ مِن المحبَّة تَتَمَثَّلُ في أشخاصٍ مَجهولي الاسم، لا عند اللهِ بل عندنا نحن، قَدَّموا ليسوع في تلك الساعات الأخيرة ما يحتاج إليه. لِذا فقد وَصَل إلى هذا المكان القليل الانحدار على سَفْحِ جبل الزَّيتون... ولا شَكَّ أنَّه كان في مكانٍ قريبٍ مِن القمَّة. وهو يقول هناك لتلاميذه: "اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ". فقد دَخل البُستان، ورُبَّما كان البُستان مُحاطًا بسياجٍ أو سورٍ بطريقةٍ ما للحفاظ عليه مِن الأشياء الأخرى الموجودة في سَفْحِ الجبل. وَهُوَ يقول: "اجلسوا هَهُنا...". ولا شَكَّ أنَّه قَصَدَ بذلك: "في مكانٍ قريبٍ مِن المَدخَل". وانتظروا "حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ".
والآن، لقد أُمِرَ التَّلاميذُ أن يَنتظروا. وكانوا يَعلمون ما سيحدث. فقد أخبرهم أنَّ هذا هو الوقت الَّذي سيموت فيه. ففي الأصحاح 26: 2، قال يسوع للتَّلاميذ: "بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ". فقد حان الوقت. وقد مَضى هذان اليومان. وكان يسوع قد قال لهم في العدد 31: "في هذه اللَّيلة، سوف تواجهون تجربةً، ولن تتمكَّنوا مِن احتمالها، بل إنَّكم ستنكرونني وتَهربون". لذا فقد كانوا يَعلمون أنَّهم في وقتٍ عصيبٍ جدًّا. فقد كانوا في وقتِ أزمة. وكان ينبغي لهم أن يَستغلُّوا هذا الوقتَ في الصَّلاة. وعندما قال لهم أن يَنتظروا هنا، وقال: "سوف أذهب وأُصَلِّي"، كان ينبغي لهم أن يَفهموا ما قاله: "انتظروا وصَلُّوا. وأنا سأذهبُ لأُصَلِّي". فقد كان يُفكِّر في أمرين: فقد أراد أن يكون وحده. وإن وَضَعَ التَّلاميذ أمام مَدخل البُستان، لن يكون هناك أشخاص يأتون ويُضايقونه. فهو لم يكن يريد شيئًا مِن هذا القَبيل. وهو لم يُرِد أن يَقتَحِمَ أحدٌ وقتَه مع الآب عندما كان يَخوض هذه التَّجربة الصَّعبة جدًّا الَّتي تَفوق استيعابنا. لذا فقد تَرك التَّلاميذ كحُرَّاسٍ ليحرسوه، وأيضًا ليُصَلُّوا. وحتَّى إنَّه يقول في العدد 41: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا". تَيَقَّظوا واصرفوا وقتًا في التَّضرُّع. وَهُوَ يقول: "سوف أذهب إلى هناك".
وبالمُناسبة، لا توجد أيَّة إشارة إلى أنَّهم حاولوا [ولو مُجَرَّد محاولة] أن يُصَلُّوا. ولا توجد أيَّة إشارة في أيِّ مَوضِع في الأناجيل إلى أنَّهم دَعوا الآب. لقد كانوا يَعلمون أنَّ تلك اللَّحظة قادمة. فعلى الأقلّ، لقد سَمِعوا ذلك. ولكنَّهم كانوا غارقين في ثِقَتِهم الزَّائفة بأنفسهم. وكانوا يَظُنُّون أنفسهم مُحَصَّنين. وكما تَرون، لقد خَلَطوا بين حُسنِ نِيَّتِهم والسُّلطان. وقد خَلَطوا بين حُسنِ نِيَّتِهم والقوَّة. وقد كانت تلك حَماقة... كانت تلك حَماقة. لذا فإنَّهم لم يُصَلُّوا. ومِن خلال هذا كُلِّه نَعلم أنَّهُم تُرِكوا هناك وحسب، وأنَّ الربَّ مَضى. ونقرأ في العدد 37: "ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي"؛ أي: يَعقوب ويوحنَّا. والآن، لا شَكَّ في ما كان سيفعله. فهو يقول: "سوف أذهب وأُصَلِّي". وعندما يقول "حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ" فإنَّه يَستخدم كلمةً قويَّةً جدًّا. فالكلمة الاعتياديَّة هي: "أوكوماي" (euchomai)؛ أمَّا هذه الكلمة فهي: "بروسوكوماي" (proseuchomai)؛ وهي كلمة قويَّة. فهي كلمة قويَّة تُستخدَم دائمًا في الحديث عن الصَّلاة إلى الله. وهناك كلمات أخرى تشير إلى التَّضرُّع وطلب شيء مِن شخص آخر، ولكنَّ هذه الكلمة تشير دائمًا إلى الله. فهي كلمة قويَّة تَعني الصَّلاة إلى الله. "سأذهب وأتحدَّث إلى الله". "سأذهب وأسكُب قلبي أمام الله".
لِذا فإنَّه يَترك التَّلاميذ هناك (باستثناء بطرس ويعقوب ويوحنَّا). ولاحظوا في العدد 37 أنَّه يأخذهم معه. فقد كانوا هناك عندما أَقامَ ابنة يايرس مِن الموت. فقد كانوا هُم فقط معه مِن بين كلِّ التَّلاميذ. وقد كانوا هُم فقط معه مِن بين كلِّ التَّلاميذ في حادثة التَّجلِّي عندما أظهر نفسه في مجد. وبالمناسبة، لقد ناموا هناك أيضًا. وربَّما لأنَّهم رأوا مَجدَهُ فإنَّه يريد من هؤلاء تحديدًا أن يَروا اتِّضاعَه. ولكن هناك ما هو أكثر مِن ذلك. فالمُفَسِّرون يتساءلون عبر السِّنين: "لماذا أخذ بطرس ويعقوب ويوحنَّا؟" اسمحوا لي أن أخبركم لماذا. أوَّلاً، لم يكن بمقدوره أن يأخذهم جميعًا لأنَّه إن أخذهم جميعًا لن يبقى هناك أحد يَحرس البوَّابة. ثانيًا، كان ينبغي أن يترك عددًا كافيًا مِن الأشخاص عند البوَّابة لكي يوجد عدد كافٍ من الحُرَّاس حَتَّى إنَّه إن جاء عدد مِن الأشخاصِ للبحث عنه يتمكَّنون مِن إيقافهم. كذلك، إن كان يوجد عدد مِن التَّلاميذ عند البوَّابة، سوف يَصرِفون انتباه أيِّ شخصٍ يأتي للبحث عنه إلى أن يَنتهي مِن الصَّلاة حتَّى يتمكَّن مِن الاختلاء قليلاً بتلك الطريقة. لذا، كان لا بُدَّ له أن يترك مجموعة كبيرة هناك.
ولكن لماذا يأخذ هؤلاء الثَّلاثة؟ قد يقول قائِل إنَّه أخذهم لأجل الرِّفقة، وإنَّه أراد مِن أولئك الأشخاص الَّذينَ كانوا يُحبُّونه أكثر مِن غيرهم أن يَصرفوا وقتًا معه، ويتعاطفوا معه، ويَدعموه. وهذه مشاعر جميلة. وأعتقد...أعتقد أنَّه يوجد شيء مِن الصَّواب في حقيقة أنَّه كان يُحِبُّ رفقتهم، ولكنِّي لا أعتقد أنَّ هذا هو السَّبب في أنَّه أخذهم معه. وهناك مَن قال إنَّه أخذهم معه لأنَّهم كانوا أضعف التَّلاميذ، ولأنَّه لم يكن يستطيع أن يتركهم دون مُراقبة. وإن درستم العهد الجديد، وراقبتم بطرس ويعقوب ويوحنَّا، قد تَصِلون إلى هذا الاستنتاج. ولكنَّ هذا التَّفسير غير مُناسبٍ أيضًا لأنَّه (في نهاية المطاف) بَذَلَ نفسه لأجل هؤلاء الثَّلاثة أكثر مِن الآخرين. ولكنَّ هذا لم يُسهم البتَّة في تَكليل جهود تلاميذه بالنَّجاح لأنَّهم كانوا بعد ثلاث سنوات أضعف أشخاصٍ في المجموعة. أليس كذلك؟ ولكنَّ حقيقة الأمر هي أنَّه أخذهم لأنَّهم كانوا القادة الثَّلاثة. فقد أخذهم لأنَّه كان يوجد درس ينبغي أن يُعلِّمه للبقيَّة، ولأنَّه لم يتمكَّن مِن أخذهم جميعًا وإلاَّ فإنَّه لن يبقى أحدٌ للحراسة. ولكنَّه أخذ القادة البارِزين لأنَّه أيَّا كان الدَّرس الَّذي يريد أن يُعلِّمهم إيَّاه، فإنَّه أراد منهم أن يتمكَّنوا مِن تعليمه للبقيَّة. وقد كانوا الأشخاص الَّذينَ يَقتدي بهم البقيَّة. فقد كانوا التَّلاميذ الَّذينَ سيصيرون مُعلِّمين.
وقد كان الربُّ دائمًا هو المُعلِّم. وما أعنيه هو أنَّه لا يكفي أنَّه كان عاكِفًا على القيام بما هو مُزمِعٌ أن يقوم به، وأنَّه سيتألَّم على الصَّليب؛ بل إنَّه كان يَرى ذلك أيضًا وسيلةً تعليميَّة. وقد أراد أن يَستغلَّ ذلك. فقد أراد أن يُعلِّمهم كيف يواجهون التَّجربة – لا بثقةٍ مُبالغ بها في النَّفس، ولا بإنكار احتماليَّة الفشل، ولا بِتَخَيُّل أنفسهم لا يُقهَرون، بل بالاتِّكال على الله مِن خلال التَّضَرُّع بلجاجة في وجه التَّجربة. فهو لم يكن يريد مساعدة منهم، ولم يكن يريد تعاطُفهم، ولم يطلب شَفقة منهم، ولم يطلب منهم أن يُصَلُّوا لأجله، ولم يأخذهم معه كي يُراقبهم لأنَّه لو فعل ذلك ما الَّذي سيجعله يتركهم ويَبتعد أكثر؟ لأنَّنا نقرأ أنَّه أخذ الثَّلاثة معه وابتعد مسافةً أكبر (في العدد 39). والحقيقة هي أنَّه ابتعد نحو ثلاثين إلى خمسين مِترًا عنهم لأنَّ لوقا يقول إنَّه ابتعد عنهم نحو رَمْيَة حَجَر. لذا فإنَّه لم يكن هناك لمراقبتهم، ولم يأخذهم معه كي يَدعموه ويتعاطفوا معه؛ وإلاَّ لما تركهم وذهب وحده. ولكنَّه أخذهم معه لأنَّه كان يوجد شيء ينبغي أن يتعلَّموه مِن هذه الحادثة بشأن كيفيَّة مواجهة التَّجارب كي يُعَلِّموا ذلك الدَّرس لآخرين. وأعتقد أيضًا أنَّه أخذهم كي يروا جزءًا مِن آلام مُخلِّصهم كي يَفهموا محبَّته.
فهو لم يكن يَنتظر مساعدة منهم. فهذا سيكون تَناقُضًا. وما أعنيه هو أنَّ هناك جَثسيماني في حياتنا جميعًا. وقد تكون هناك أكثر مِن جَثسيماني. فقد تكون هناك العديد مِن الخبرات المؤلمة، والتَّجارب والامتحانات المؤلمة. فيبدو أنَّ هناك حُزنًا عميقًا وتجارب ينبغي لنا جميعًا أن نجد أنفسنا فيها عاجِلاً أَم آجِلاً. فساعة الموت الحالِكة تحوم حولنا جميعًا، وهناك كأسٌ مُرَّة ينبغي لنا أن نَشربها في وقتٍ أو آخر، أو رُبَّما نشربها في أغلب الأحيان. وطبيعتنا الاجتماعيَّة تدفعنا نحو البشر؛ أي نحو النَّظر إلى البشر كي نَستمدَّ قوَّتنا منهم. ونحن نتوقَّع الكثير جدًّا منهم. وحتَّى إنَّ أَعَزَّ وأقرب أصدقاءٍ لدينا، أيًّا كانوا راغِبين في مساعدتنا، سيجدون أنَّ أجسادهم ضعيفة. ويجب علينا أن نَتعلَّم أن نَتَّكِل على الله. لذا فإنَّه لم يأخذهم معه كي يؤازِروه، ولم يأخذهم معه كي يتعاطفوا معه. فقد كان يجد الدَّعم في الله. وهو لم يطلب تعاطُفًا. وهو لم يأخذهم معه كي يراقبهم لأنَّه لو أراد أن يفعل ذلك لما تَركهم وحدهم بعد أن خَدَمَ ثلاثَ سنواتٍ وكان مستعدًّا لتركهم، وكان يَعلم أنَّ الرُّوح سيُكمِل مِن حيث انتهى هو. لا، بل إنَّه أخذهم بهدف تَعليمهم كي يتعلَّموا كيف كان يُواجِه التَّجارب. ويا له مِن درسٍ كان ينبغي لهم أن يَتعلَّموه!
والحقيقة هي أنَّ التَّبايُنَ صارخٌ هنا لأنَّنا قرأنا للتَّوّ عن ثقة وغُرور بطرس والتلاميذ الآخرين إذْ قالوا: "يا رَبُّ، سوف نَنجح في اجتيازِ هذه التَّجربة. سوف نَحتملُها ولن نُنكرك يومًا. ولن نتخلَّى عنك يومًا، بل إنَّنا مُستعدُّون أن نموت قبل أن نفعل ذلك". وبعد أن نقرأ عن ثِقة التَّلاميذ المُفرِطة بأنفسهم، نقرأ مباشرةً عن الإقرار المُتواضِع للمسيح بحقيقة أنَّ البشر ضُعفاء. فالبشر الخُطاة والسَّاقطون لن يُقِرُّوا بضعفهم. أمَّا الطَّبيعة البشريَّة غير السَّاقطة وغير الخاطئة فتَعترف بضعفها. وقد تقول: "هل تعني أنَّ ناسوتَ يَسوعَ كان ضعيفًا؟" أجل، لقد كان ناسوتُ يسوع بشريًّا. والطَّبيعة البشريَّة ضعيفة. وإن لم تكونوا مُقتنعين بذلك فإنَّكم قد نسيتم أنَّه مات. والموت هو جوهر الضَّعف. وقد كان يسوعُ إنسانًا بكلِّ معنى الكلمة، وكان يَعلم أنَّ الطَّبيعة البشريَّة تَنطوي على ضُعف. والدُّموعُ علامة على الضُّعف البشريّ لأنَّها علامة على الألم. والكَرْبُ علامة على الضَّعف البشريّ. والمعاناة علامة على الضعف البشري. فالله لا يَختبر الألم، ولا الكَرْب، ولا المعاناة؛ أي اللهُ الأزليُّ في لاهوته؛ إلاَّ ما يَختار هو أن يَشعر به نيابةً عن الإنسان.
لِذا فقد كان مُعرَّضًا للموت. وهذه علامة ضعف. وكان مُعرَّضًا للأذى. وهذه علامة ضعف. وكان يجوع. وهذا ضعف. وكان يعطش. وهذا ضعف. وكان يَعلم أنَّ البشر ضعفاء. وكان يَعلم (بطبيعته الخالية مِن السُّقوط والخطيَّة) ما لم يكن أولئك التَّلاميذ الحمقى يُقِرُّون به في حالتهم السَّاقطة؛ أي أنَّه عندما تدخل في تجربة قاسية بصفتك إنسانًا، لا يجوز لك أن تنظر إلى البشر، بل يجب عليك أن تنظر إلى الله. وقد فعلَ ما رفضوا أن يَفعلوه. وقد فشلوا في اختبارٍ أسهل. أمَّا هو فاجتاز أقسى امتحان في التَّاريخ البشريّ. لِذا فإنَّ كاتب الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين يخبرنا في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 4: 15 (ويمكنكم أن تروا ذلك بنظرة جديدة): "لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ" [مُشيرًا إلى المسيح] غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ". فعندما تأتي إلى الربِّ يسوع المسيح بطلباتك، أنت لا تتحدَّث إلى رئيس كهنة لا يَعرف كيف تشعر. فهو إنسانٌ كامل. وقد اختبر مشاعر ضعفنا. وَهُوَ يَعرف الضَّعف. وَهُوَ يشعر بضعفاتِنا؛ أي بضعفنا. فقد تَلامسَ مع مشاعر الضَّعف. وَهُوَ يعرف معنى أن نَختبر الضَّعف البشريّ، ولكن ليس مِن خلال اقتراف الخطيَّة (لأنَّه بلا خطيَّة)، بل أن يَختبر ضعفها. وحتَّى وَهُوَ على ذلك الصَّليب، عندما مَضى إلى ذلك الصَّليب، وفي البُستان، وفي كلِّ الآلام والأحزان والدُّموع في حياته، اختبرَ معنى أن تكون بشرًا. وَهُوَ يُجَرَّب هنا بشدَّة مِن قِبَل الشَّيطان. وفي وسط تلك التَّجربة، نبتدئ نشعر باتِّكاله على الله. ومِن هُنا تَنبع النُّصرة. وهذا هو الدَّرس الَّذي نَتعلَّمه مِن هذا المقطع المُدهش: أن نَتَّكل على الله في وسط تجاربنا.
والآن، اسمحوا لي أن أُقدِّم لكم ذلك مِن زاوية أوسَع. فقد ابتدأت خدمة يسوع وانتهت بتجربة قاسية. فإن رجعتم إلى الوقت الَّذي ابتدأت فيه الخدمة في إنجيل مَتَّى والأصحاح الرَّابع، ستجدون أنَّ الشَّيطان جاء إليه (بَعْدَ أن صَامَ يسوعُ أَرْبَعِينَ يومًا في البريَّة) ليُجرِّبه. أليس كذلك؟ وكم عدد التَّجارب الَّتي جُرِّب بها يسوع في المَرَّة الأولى؟ ثلاث. ثَلاث مَرَّات. وكم عدد التَّجارب الَّتي يُجُرَّب بها يسوع هنا؟ كم مَرَّة ذهب ليُصَلِّي؟ ثلاث مَرَّات. فالشَّيطان جاء إليه في البداية وجاء إليه في النِّهاية في ثَلاثِ موجاتٍ هائلة مِن التَّجربة. وقد انتصر يسوعُ في كِلتا المَرَّتين (أي في بداية خدمته ونهاية خدمته). والشَّيء الرَّائع جدًّا بخصوص هاتين المَرَّتَيْن هو أنهما كانتا مواجتين شخصيَّتين جدًّا، وقويَّتين جدًّا، وخاصَّتين جدًّا بين الشَّيطان والمسيح. ولم يكن بمقدورنا أن نعرف شيئًا عنهما أو أن نَطَّلِع عليهما لولا أنَّهما أُعلِنَتا في الكتاب المقدَّس. وحتَّى إنَّه لم يكن بمقدور التَّلاميذ أن يَعرفوا ذلك لأنَّهم كانوا نيامًا طَوال هذا الحدث، ولأنَّهم لم يكونوا حتَّى موجودين في المَرَّة الأولى. ولكنَّ يسوع يَكشِف عن كلتا هاتين المُواجَهتين كي يُعلِّمنا حقيقةً عميقة.
ففي كلِّ مَوجة مِن مَوجات التَّجربة الأولى الَّتي حدثت في بداية خدمته، رَدَّ يسوع في كلِّ مَرَّة بماذا؟ بآية كِتابيَّة. وفي المرَّة الثانية رَدَّ على كلِّ موجة مِن موجات التَّجربة الثانية بماذا؟ بالصَّلاة. والدَّرسُ الَّذي يُعلِّمنا إيَّاه هو أنَّه عندما تواجه تجربةً، ينبغي أن تواجهها بسلاحَيْن: "إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً"، بل هي أسلحة روحيَّة تقوم على كلمة الله والصَّلاة. لِذا فإنَّنا نقرأ في رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس: "خُذُوا... سَيْفَ الرُّوحِ... مُصَلِّينَ... كُلَّ وَقْتٍ". فهذه هي أسلحة مُحاربتنا. ولو لم يَتعلَّم التَّلاميذ شيئًا آخر سوى ذلك، لكان ذلك كافيًا للتَّصدِّي للعدوّ. لذا فإنَّ يسوعَ يَستمرُّ في تعليم الدَّرس الَّذي ابتدأه في تجربته الأولى إذ راح يُعلِّمهم قائلاً: إن أردتم أن تواجهوا التَّجربة، يجب عليكم أن تواجهوها بقوَّة كلمة الله، وبسُلطان الله الَّذي تَطلبونه مِن خلال الصَّلاة.
والآن، في ضوء هذه الخَلفيَّة، لننظر إلى أوَّل كلمة مِن الكلمات الرئيسيَّة الَّتي تساعدنا في فهم النَّصّ. الكلمة الأولى هي "يَحْزَن" – الكلمة "يَحْزَن". وكم رَجوتُ اللهَ أن أمتلكَ فَصاحةَ لِسانٍ تُمكنني مِن التَّعبير عمَّا أشعر به في قلبي بخصوص هذه الكلمة. وعلى أيِّ حالٍ، سأبذل قُصارى جهدي. ففي العدد 37، بعد أن ذهب يسوعُ مع بطرس ويعقوب ويوحنَّا وابتعدوا عن التَّلاميذ الثَّمانية الآخرين، نقرأ: "وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ". فقد كان مُكتئبًا جدًّا. وهنا يَدخُل رَبُّنا في كَرْبٍ عميق. وإن فَكَّرتم قليلاً في أنَّ يسوعَ عاش حياته وحسب، ومَضى إلى الصَّليب ومات، ثُمَّ انتفضَ وقام ثانيةً وقال: "قد أُكمِل"، فإنَّكم على خطأ. فكلُّ فكرة تَختصُّ بِتَرَقُّب ذلك الصَّليب في عِلْمِهِ المُطلَق كانت تُثير في نفسه مشاعر النُّفور منه. فقد تألَّم في كلِّ لحظة واعية مِن تَجسُّده على حقيقة الصَّليب لأنَّ كلَّ شيء فيه كان بَغيضًا لديه: الذَّنب، والخطيَّة، والموت، والانفصال، ومشاعر الوَحدة، والبُعد عن الله. فهذا الأمر ليس شيئًا كان يُفكِّر فيه بسكينة وهدوء كما لو أنَّه يُقَلِّب صَفحاتِ كتابٍ عن تاريخ الفداء، بل كان شيئًا يَجعله يَشعر بكَرْبٍ لا يُوصَف. وقد كان يَشعر بالنُّفور الشَّديد مِن كلِّ شيء يختصُّ بالصَّليب. فقد كان هَوْلُ الصَّليب ضخمًا جدًّا حتَّى إنَّه يَفوق الوصف. وهُنا يَكمُن، في رأيي، فَهمُنا الأعمق لمحبَّة يسوع المسيح وتضحيته.
وكما تَرون، فإنَّه لم يَمُت وحسب على الصَّليب عندما مات على الصَّليب، بل ماتَ على الصَّليب في كلِّ لحظة عاش فيها قبل أن يموت على الصَّليب لأنَّه اختبرَ مَوتَهُ سَلَفًا [بِحُكْمِ عِلمِهِ المُطلَق] في كلِّ لحظةٍ عاشَ فيها. ولأنَّه كان يَفهم تمامًا كلَّ شيء فقد اختبرَ ذلك تمامًا قبل أن يَحدث. لِذا، لا عَجبَ أنَّه كان "رَجُلَ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَن". فقد كان الألم موجودًا دائمًا. وَهُوَ يَصِل هنا إلى الذُّروة وإلى الأوْج. ولكنَّ حقيقة أنَّه احتمل ذلك وانتصر على ذلك تُرينا حُبَّه العظيمَ للآب، وخُضوعَه التامَّ لمشيئة الآب، ومحبَّته الفائقة للخُطاة الَّذينَ يحتاجون إلى الخلاص. ولكنَّ تَرَقُّبَ الصَّليب كان يَجلب الرُّعب والألم والحزن. ونحن نَذكر ما حدث عند قبر لِعازَر في الأصحاح الحادي عشر مِن إنجيل يوحنَّا والأعداد 33-35. فقد جاء إلى ذلك القبر، وابتدأ يَشعر بالألم مِن الدَّاخل، ثُمَّ ابتدأ يَشعر بالانزعاج والحزن، وأخيرًا انفجر باكِيًا عندما راح يُفكِّر في مَعنى الخطيَّة والموت حتَّى في حالة لِعازَر. ولا شَكَّ في أنَّه تَمَكَّن مِن رؤية نفسه يموت أيضًا كما ماتَ لِعازَر. ولا شَكَّ في أنَّه لم يكن يَبكي على لِعازَر لأنَّه كان مُزمِعًا أن يُقيمَه مِن القبر. ولكنَّه حَزِنَ بسبب سُلطان الخطيَّة والموت الَّذي شَعر به في نفسه قبل وقتٍ قصيرٍ وحسب مِن وقوع هذا الحدث.
والكلمة المُترجَمة هنا: "يَحزَن" تُشير إلى الحزن العميق؛ لا إلى الحزن السَّطحيّ، بل العميق. ونحن نقرأ هنا أنَّه كان مُكتئبًا جدًّا. وهذه كلمة مُدهشة جدًّا: "أديمونيئو" (ademoneo). والكلمة تَعني حرفيًّا، أو بالمعنى اللَّفظيِّ: أن يكون المرءُ بعيدًا عن البيت. لذا فإنَّها فكرة رائعة. فالبيتُ هو مَكانُ الأشياء المُريحة. والبيتُ هو المكان الَّذي تَنتمي إليه. والبيتُ هو المكان الَّذي توجد فيه عائلتك. والبيتُ هو المكان الَّذي توجد فيه المحبَّة. والبيتُ هو المكان الَّذي تَشعر فيه بالارتياح. والبيتُ هو المكان الَّذي تشعر فيه بالقبول. ولكنَّ يسوع كان بعيدًا عن بيته. فقد كان مُنفصلاً عنه بسبب صِراعه مع الجحيم. وكان ذلك يَبعث على الكآبة. لذا فإنَّ هذه الكلمة الدَّالَّة على الابتعاد عن البيت صارت تعني: "مُكتَئِبًا". فنحن نقرأ في المزمور 42 (وأعتقد أنَّها تَصِف بصيغة مَسيحانيَّة ما اختبرهُ المسيح) نَقرأُ أنَّ موجةً تِلو الأخرى طَمَتْ عليه: أمواج الحزن. "غَمْرٌ يُنادي غَمْرًا". فهناك وَحدة رهيبة ومُرعبة، وحُزنٌ شديدٌ جَعله يَكتئب... يَكتئب جدًّا. وقد حاولتُ أن أُفكِّر في ذلك، وأن أُعْمِلَ عقلي وأسأل نفسي عن سبب كآبته. فما الشَّيء الَّذي أدَّى إلى هذه الكآبة الشَّديدة؟ وقد خَطرت ببالي عدَّة أشياء:
قبل كلِّ شيء، تَذكَّروا ما يلي: أنَّه كان مُكتئبًا لا فقط بسبب ما حدث، بل لأنَّه كان يَعلم ما سيحدث. وقد تَراكمت كلُّ هذه الأحداث معًا وأدَّت إلى هذا الاكتئاب. فأوَّلاً، كانت هناك خيانة يهوذا. فهذا يَدعو إلى الكآبة. وما أعنيه هو أنَّه [أي يسوعُ المسيح] كان مُحبًّا إلى أقصى الحدود، وأروعَ إنسانٍ مَشى يومًا على الأرض، واللهُ-الإنسانُ الَّذي لم يكن يَعرف شيئًا آخر سوى المحبَّة، ولم يكن يفعل سوى الصَّواب، وكان كُلِّيَّ الصَّلاحِ، والنِّعمةِ، والرَّحمةِ، واللُّطفِ، وكان الخِلَّ الوَفيَّ، ومُحِبَّ النُّفوسِ، والسيِّدَ المُنعِم الَّذي يُحِبُّه الملائكة القدِّيسون، والَّذي يَحرُسه السَّرافيم. فهل يُعقل أن يَتعرَّض لكلِّ هذه الإهانة مِن قِبَل خائنٍ بائس؟ ومِن قِبَل لوسيفر أرضيّ يَبصُقُ على امتيازِهِ المُقدَّس؟ وهل يُعقَل أن يكون ضَحيَّةً ليهوذا بالرَّغم مِن أنَّه رَبُّ الأرباب؟ وكيف يُعقَل أن يُعامله يهوذا بهذه الطريقة؟ إنَّه أمرٌ يَبعث على الكآبة. ثُمَّ إنَّ هناك تَخلِّي التَّلاميذ الأحد عشر عنه. فقد كان مَصدرَ حياتهم، وكان مَصدرَ كلِّ ما يحتاجون إليه، وكان مُعَزِّي كلَّ حُزن، وكان الدَّرس في كلِّ نُقطةٍ يجهلونها، وكان المُعلِّم الأمين، والخِلَّ الوَفِيَّ، والمُشجِّعَ، والغَفورَ، والدَّاعِم. فهل يُعقَل أن يَتخلَّى عنه أولئك الأشخاص الَّذينَ لم يُفكِّر يومًا في التَّخلِّي عنهم؟ هل سيُهان إلى هذا الحَدّ؟ وهل يُعقَل أن يَصرف ثلاث سنوات مع رجال يُديرون ظُهورهم له في تلك اللَّيلة ويَهربون لإنقاذ حياتهم؟ إنَّه أمر يَبعث على الكآبة. فسوف تشعرون بالاكتئاب إن تَخلَّى عنكم كلُّ الأشخاص الَّذينَ تُحبُّونهم واستثمرتم حياتكم فيهم.
ثُمَّ إنَّ هناك إنكار بطرس. فإن كان قد استثمَر أيَّ شيءٍ في أيِّ شخص فإنَّ أكبر استثمارٍ قام به هو في بُطرس. فهو الَّذي لم يَستحي أن يَدعو بُطرس الخاطئ صَديقه. وهو الَّذي لم يَستحي أن يُسَلِّم لبُطرس دَفَّة قيادة تلاميذه. وهو لم يَستحي أن يَجعل بطرس أخًا له، وأن يُشارك معه كلَّ غِناه السَّماويّ؛ بما في ذلك مملكته. فهل يُعقَل أن يَستحي به بُطرس؟ بُطرس البائس؟ بُطرس الخاطئ؟ بُطرس الخائن؟ بُطرس المُنكِر...الخاطئ الَّذي يَستحي بالربِّ القدُّوس؟ بُطرس الَّذي صَرف معه وقتًا طويلاً جدًّا؟ والذي أعطاه الكثير جدًّا؟ هل يُعقل أن يُنكره ويَلعن اسمَه؟ إنَّ هذا يَبعث على الكآبة. ثُمَّ إنَّني أعتقد أنَّه ينبغي لنا أن نُفكِّر في رفض إسرائيل أيضًا. فهذا شعبه الَّذي أحبَّهُ ودُعِيَ اسمُه عليهم. فهو رَبُّ العهد. وهو مَلِكُ المجد، ومَلِك النِّعمة، ومَصدر رجائهم. وهو الَّذي جاء بالملكوت، والذي أحبَّ إسرائيل ودعا نفسَه رَبَّ إسرائيل وملكهم. فقد جاء ليَفدي شعبه. فهل يُعقَل أن يُرفض مِنهم؟ وهل يُعقَل أن يُقتل بسبب عدم إيمانهم؟
ثُمَّ إنَّ هناك ظُلم البشر. فهذا أمر يَبعث على الكآبة. وما أعنيه هو أنَّه يأتي هنا إلى عالمٍ هو الَّذي سَنَّ تشريعاته. فهو رَبُّ العدالةِ، ورَبُّ الإنصافِ والصَّوابِ والحقّ. فهل يُعقَل أن يَتعرَّض للخيانة في المحاكم التَّافهة الَّتي تَقبل شهادة أشخاصٍ كاذبين يُنكرون حَقَّه في مُحاكمة بارَّة وعادلة؟ فهذا أمرٌ يَبعث على الكآبة. ثُمَّ إنَّ هناك اللَّعن والسُّخرية الَّتي ستأتي، بل الَّتي ابتدأت أصلاً. ولكنَّه ذاك الَّذي تُسَبِّحه الملائكة. وهو اللهُ الَّذي لم يَحصل منذُ الأزل سوى على كلِّ إكرامٍ وتَمجيدٍ مِن الكائنات المقدَّسة. فهو ذاك الَّذي يَنال التَّعظيم دائمًا. وهو المُبارَك فوق الكُلّ، والمُعَظَّم، والمَعبود على كَماله الأزليّ. فهل يَستحقُّ أن يُبَصق عليه؟ وهل يَستحقُّ أن يُسخَر منه؟ وهل يَستحقُّ أن يَتعرَّض للتَّجديف مِن قِبَل أُناسٍ حَمقى؟ ثُمَّ هناك الشُّعور بالوَحدة... الشُّعور بالوَحدة. فذاك الَّذي هو رَفيقُ اللهِ، ورَفيقُ الرُّوح القُدُس، والَّذي تَعبُده الملائكة، والَّذي يَتمتَّع بالشَّركة مع الكائنات المقدَّسة، والصَّديقُ الأزليُّ المجيد، هل يُعقَل أن يُترك وحيدًا، ويُهجَر مِن الكُلِّ حتَّى إنَّ جُنْدَ السَّماء يُديرون له ظَهرهم؟
ثُمَّ إنَّ هناك حَمْل الخطيَّة. أليس كذلك؟ فَكِّروا في ذلك. فهو أمر يَبعث على الكآبة. فابن الله الخالي مِن الدَّنس والخطيَّة والعيب كان سيَصير خَطيَّةً! ويا لها مِن جُملة! لذا فقد صار خطيَّةً. فقد اقترن جدًّا بالخطيَّة حتَّى إنَّه صار في لحظة موته خاطئًا جدًّا حتَّى إنَّه صار خَطيَّةً مع أنَّه لم يَعرِف خطيَّةً. وهذا الحدثُ يُثيرُ النُّفورَ في كلِّ شيءٍ في طبيعته المُقدَّسة. ثُمَّ إنَّه لا بُدَّ أنَّه شعر بالكآبة بسبب تَرْكِ الله له. فهو الابنُ الحبيبُ للآب. وهو الَّذي قال عنه الآب: "الَّذي بِهِ سُررتُ". فهو موضوعُ المحبَّة الأزليَّة. فهل يُعقَل أن يُترَك مِن الله؟ إنَّه أمرٌ يَبعث على الكآبة. ثُمَّ إنَّ هناك الموتَ نفسَه. فيجب عليكم أن تدركوا، يا أحبَّائي، أنَّ يسوعَ (بصفته اللهَ) لا يموت. ويسوعُ (بصفته اللهَ) هو خَالدٌ وأزليٌّ، ولا يُمكن أن يَموت. وكما تَرون، فإنَّنا (نحن البشر) نأتي إلى العالَم ونحن نَشعر بمرارة الموت في أفواهنا، ونَتذوَّق طَعمَه طَوال حياتنا. وبالرَّغم مِن أنَّنا ساقطون وخُطاة، فإنَّنا نُبغِضُ الموتَ الَّذي نَذوقُ طَعمه طَوال الوقت. فكم بالحَرِيِّ سيكون الموتُ مُنَفِّرًا لذاك الَّذي لم يَعرف يومًا طَعمَهُ؟ ولذاكَ الَّذي لن يموت أبدًا؟ ولكن كما يقول كاتب الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين: "لِكَيْ يَذُوقَ...الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ". لذا فقد واجهَ شيئًا لا يُمكن لله الأبديِّ الَّذي لا يموت أن يواجهه. وَهُوَ لا يُواجه ذلك مِن أجل نفسه لأنَّه لا يمكن أن يموت، بل يموت بصفته إنسانًا عن الإنسان. وكما قال "إدرشايم" (Edersheim) ذات مَرَّة: "لقد جَرَّدَ الموت بأن أَقْحَمَ النَّصْلَ كُلَّه في قلبه حَتَّى لم يعد الموت يَملِك أيَّ سِهام".
ولكنَّ كلَّ ذلك كان يَبعث على الكآبة الشَّديدة. فهذا ليس مَسرحًا، بل واقعًا. وهذا هو صِراع المُخلِّص. وهذا هو الصِّراع الَّذي يَخوضه مع الشَّيطان. وقد تقول: "هل تَعتقد أنَّ الشَّيطان موجود؟" أنا أَعلم أنَّه موجود. فلا يوجد صِراع مِن دونه. وقد تقول: "حسنًا، ولكن ربَّما نَبَعَ ذلك مِن طبيعة يسوع". لا، لأنَّ طبيعته خالية مِن الخطيَّة. فقد حدث ذلك لأنَّ الشَّيطان جاء إليه مَرَّةً أخرى. وقد تقول: "وما الَّذي كان الشَّيطان يقوله له؟" هذا سهل. يمكنني أن أقول لكم ما كان الشَّيطان يقوله له. وهو ليس مُدوَّنًا هنا، ولكن يمكنني أن أُخَمِّن ما هو لأنَّني أعلَمُ ما قاله له في المَرَّة الأولى. وقد كان فَحوى تجربة الشَّيطان في المرَّة الأولى هو أنَّه جاء إلى يسوع وقال له في البداية: "اجعل الحجارة خُبزًا". أليس كذلك؟ ثُمَّ: "اقفِز مِن أعلى"، ثُمَّ: "انظر إلى مَمالِك العالَم، واسجُد لي فأُعطيها لك". أليس كذلك؟ والآن، ما الَّذي كان يَفعله؟ هل كان يسوع يَملِك الحقَّ في أن يأكل؟ بكلِّ تأكيد. وهل كان يسوع يَملِك الحقَّ في الحصول على أيِّ شيءٍ يُريد؟ بكلِّ تأكيد. فهو اللهُ صاحب السِّيادة. وهل كان يسوع يَملِك الحقَّ في أن يُنادى النَّاسُ بأنَّه المَسيَّا؟ أجل. وهل كان يَملِك الحقَّ في أن يَسودَ على مَمالِك العالَم؟ أجل.
وهل تَعلمون ماذا كان الشَّيطانُ يقول له؟ "نَادي بحقوقِك. طَالِب بحقوقِك. فقد مَضى على وجودك هنا في البَرِّيَّة أربعون يومًا دون أن تأكل، وأنت ابنُ الله. لا تَجعل ذلك يَحدث لك. اشبِع جُزءًا مِن مَطالِبِك. أنت تستحقُّ ذلك. فليس مِن الصَّواب أن تُحرَمَ مِن الطعام. اجعَل هذه الحجارة خُبزًا. ويجب أن يُنادي النَّاس بأنَّك المَسيَّا. لا تَعِش حياةً مُتواضعة، ولا تَقبَل بالرَّفض. اقفِز مِن أعلى نُقطة في الهيكل واسقُط بين الحشود فَيُنادون بأنَّك المسيَّا القادر أن يَطير مِن السَّماء. وبذلك يمكنك أن تَتجنَّب كلَّ الألم والكَرب والصَّليب وكلَّ شيء. بعد ذلك، انظر وحسب إلى كلِّ مَمالك العالَم الَّتي يمكنك أن تَراها مِن فوق هذا الجبل فأعطيها كلَّها لك إن سَجدتَ لي. وحينئذٍ يمكنك أن تَتجنَّب الصَّليب، وأن تَتجنَّب الكَرب، وأن تَتجنَّب الرَّفض". والمَعنى المقصود هو: "أنت جَديرٌ بما هو أفضل مِن ذلك. أنت تَستحقُّ ما هو أكثر مِن ذلك".
وكما تَرون، هكذا جاء الشَّيطان. فقد جاء الشَّيطان مِن خلال اللَّعِب على وَتَرِ جَدارة يسوع المسيح: "لا يجوز أن تُحرَم كلَّ هذا الحِرمان". وأعتقد أنَّه عندما جاء إليه مَرَّةً أخرى في البُستان فَعل الشَّيء نفسه. فقد قال له: "ماذا تفعل هنا؟ لماذا تَرضى بالذُّلّ؟ ماذا تَفعل برُعاعٍ يَخرجون مِن مدينة أورُشليم كي يقبضوا عليكَ ويُعدموك؟ ولماذا تَنطرح هُنا على الأرض على وجهك في الرَّمل وتَبكي إلى الله بألم، وتَتعرَّق عَرقًا مُمتزِجًا بالدَّم؟ أنت ابنُ الله. لماذا تَقبل أن تُهان مِن قِبَل أحد عشر تلميذًا يهجرونك ومِن قِبَل تلميذٍ خائنٍ بائسٍ اسمُه يهوذا؟ أنت تَستحقُّ ما هو أفضل مِن ذلك. لا تَسمح لهذا أن يحدث لك. فأنت تَستحقُّ ما هو أفضل مِن هذا. أنت ابنُ الله. خُذ ما أنت جَدير به". فقد أراد الشَّيطان أن يُبقيه بعيدًا عن الصَّليب... دائمًا. ففي التَّجربة الأولى قال له: "اقبَل هذا العَرضَ الآن بدون الصَّليب". وهُنا: "اقبَل هذا العَرضَ الآن بِدون الصَّليب". وحتَّى في إنجيل مَتَّى والأصحاح 16، عندما قال بطرس له: "لا تَمضي إلى الصَّليب"، قال يسوع: "اذهب عَنِّي يا..." [ماذا؟] "يا شَيطان" لأنَّ هذا هو أسلوب الشَّيطان في جميع الأوقات. "أنت تَهتمُّ بما للنَّاس، لا بما لله". أنت لا تعرف خُطَّة الله.
لِذا، أعتقد أنَّ الشَّيطان جاء إليه بهذه الأمواج الثَّلاثة مُحاولاً أن يَجعله يتوقَّف عن الاتِّكال على الله في تطبيقِ الخُطَّة بالطَّريقة الَّتي وُضعت بها، وأن يُحبط العمليَّة، وأن يَتجنَّب الصَّليب. فقد كانت هذه هي التَّجربة. وقد ابتدأت بقوَّة. وقد خَاطَب التَّلاميذ في العدد 38 وقال لهم: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا". والعبارة "حزينة جدًّا" هي ترجمة للكلمة "بيريلوبوس" (perilupos)، ومعناها: "مُكْتَنَفٌ بالحُزن"؛ أي مُحاطٌ به أو مَغمورٌ به. فقد كان الحُزنُ يَكْتَنِفُهُ، أو كان مَغمورًا بالحُزن. وهو يَستخدم الكلمة "نفسي"؛ أي: "كِياني الدَّاخليّ". فهو شخصٌ حقيقيٌّ. "كِياني الدَّاخليُّ غَارِقٌ حَرفيًّا في الحُزن". وإلى أيِّ حَدٍّ كان حَزينًا؟ "حَتَّى الموت". اسمعوني: لقد كان الحُزن كفيلاً بقتله. أجل. فقد كان الحُزن كفيلاً بقتله. فقد تموت مِن الكرب الشَّديد. هل تَعلمون ذلك؟ وقد تَنفَجِر شُعيراتُك الدَّمويَّة؛ وهو الأمر الَّذي ابتدأ يحدث لاحقًا عندما ابتدأ يَتعرَّق. فقد كان عَرَقُه مُختلطًا بالدَّم النَّازف مِن الغُدد العَرَقيَّة. فقد كان يمكن أن يموت مِن فَرط الكَرْب. فكما سنَرى في الأسبوع المُقبِل، لَولا أنَّ اللهَ أرسلَ ملاكًا كي يُقوِّيه، أعتقد أنَّه كان سيموت في البُستان قبل حتَّى أن يَصِل إلى الصَّليب. وعندما صُلِبَ على الصَّليب، مات بسرعة كبيرة، بل بسرعة هائلة حَتَّى إنَّهم لم يُضطرُّوا إلى كسر [ماذا؟] ساقيه. فقد كان الكربُ شديدًا جدًّا حتَّى إنَّ الموت حدث بسرعة.
لِذا، كما تَرون، لا يمكنكم أن تنظروا إلى الصَّليب كما لو أنَّه حادثة مُنفصلة مؤلمة. فقد كانت حياتُه مُمتلئة بالألم. وكان ألمُه سابقًا للصَّليب. وقد فَعل ذلك لأجلك، وفَعل ذلك لأجلي. وفي خَضَمِّ ذلك الحُزن، كان يَلتجئ إلى الآب. فهو يقول: "اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي". ابقوا هنا. ومِن الواضح أنَّه أراد منهم أن يُصَلُّوا. فقد حَذَّرهم مِمَّا سيحدث. "واسهروا". وقد ذهبَ إلى مكانٍ أكثر عُزلةٍ، في ظِلِّ شجرة، بعيدًا عن البقيَّة. وكما قلتُ، فإنَّ لوقا يقول إنَّه انفصلَ عنهم نحو رَمْيَة حَجر (أي 30 أو 50 مترًا) كي يُصلِّي. وهذا يأتي بنا في الحقيقة إلى الكلمة الثانية. وسوف نَكتفي فقط بالتَّمهيد لها. وسوف نتحدَّث عنها أكثر في المرَّة القادمة. ولكنَّ قلبَه كان قد وصل إلى نُقطة الانفطار. وَهُوَ يَفعل الصَّواب. فنحن نقرأ: "ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ [في العدد 39]، وَكَانَ يُصَلِّي". وفي العدد 42: "فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى". وفي العدد 44: "فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً". ففي كلِّ موجة مِن أمواج التَّجربة، كان تجاوبه هو أن يَمضي إلى مَكانٍ مُنعزِلٍ ويَلتجئ إلى الآبِ مِن خلال الصَّلاة. وأعتقد أنَّ كَربَهُ وحُزنَهُ ابتدأ بالتَّصاعُد. فنحن نقرأ في العدد 37: "وَابْتَدَأَ يَحْزَن". وأعتقد أنَّها كانت عمليَّة مُستمرَّة مِن الحزن المُتصاعِد.
وهناك تَلميح واحد إلى ذلك في إنجيل لوقا يقول: "وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ...وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْه". ثُمَّ نقرأ في إنجيل مَتَّى: "وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ". ومِن الواضح أنَّه ابتدأ بوضعيَّة الجُثُوِّ، ولكن بعد وقتٍ قصير كان مُنطرحًا على وجهه على الأرض. وما الَّذي يَقولُه مِن خلال ذلك؟ هنا تأتي الكلمة الرئيسيَّة الثانية: "التَّضَرُّع". التَّضَرُّع: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ". ولا أعتقد أنَّه صَلَّى هذه الصَّلاة بالسَّرعة الكبيرة الَّتي قرأتُها فيها. ولكنَّ هذا هو ما يقولُه النَّصُّ. فأوَّلاً قال: "يا أَبتاه". فقد دَعا اللهَ "أيُّها الآبُ" في كلِّ مَرَّة صَلَّى إليه فيها باستثناء حادثة واحدة وهي على الصَّليب عندما تَرَكَهُ اللهُ. ولكن هذه هي المرَّة الأولى في الكتاب المقدَّس الَّتي يقول فيها: "يا أَبتاه". وَهي كلمة تُشير إلى العلاقة الحميمة؛ وَهُوَ مَفهومٌ غريبٌ جدًّا على اليهوديَّة. فعندما كان يسوعُ يَدعو الله "أيُّها الآب"، لم يكن اليهودُ يَحتملون ذلك لأنَّهم لم يكونوا يَدعون اللهَ أباهُم الشَّخصيّ. فقد كان أبَ الأُمَّة، ولكن لم تكن هناك أيَّة حَميميَّة في ذلك.
وهُنا، يَمضي يسوعُ خُطوةً أخرى ولا يقول فقط "أيُّها الآبُ"، بل يقول: "يا أَبتاه". ومَرقُس يقول إنَّه صَلَّى قائلاً: "يا أَبَا الآبُ". فهو مُتمسِّكٌ بتلك العلاقة الحميمة. وكأنَّ الشَّيطان يحاول أن يَفصله عن الآب، وعن مشيئة الآب، وعن قصدِ الآب. ولكنَّ يسوعَ يتمسَّكُ بذلك، ويُؤكِّد حَميميَّة علاقته بالآب وبعدم تَفريطه بها. "يا أبتاه". فهي صيغة تَمَلُّك قويَّة، وصيغة شخصيَّة، وصيغة حَميمة. وَهُوَ يتمسَّك بذلك. وَهُوَ لن يَتخلَّى عن ثِقته بالله؛ تمامًا كما أنَّه لم يرتضي أن يَصنع خُبزًا مِن نفسه، ولم يَرتضي أن يقول إنَّه المَسيَّا مِن ذاته، ولم يرتضي أن يُمارس سُلطانه على مَمالِك العالَم مِن ذاته، بل انتظر الآبَ. وَهُوَ لن يَتجنَّب هنا الصَّليب أو يَحيدَ عن الصَّليب مِن ذاته، بل إنَّه سيَمضي بحسب الخُطَّة. لذا فإنَّه يقول: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ".
بعبارة أخرى، فإنَّه يقول: "إن كان يُمكن القيام بهذا الأمر بأيَّة طريقة أخرى، أريد ذلك. ولكن إن لم يكن ذلك مُمكنًا، لِيَكُن كما تُريدُ أنت". وتلك الصَّلاة هي صلاة إقرار وتسليم بمشيئة الله. وبالمناسبة، عندما يقول: "إنْ أَمْكَنَ" فإنَّه لا يَسأل إن كان ذلك مُستطاعًا في قُدرة الله لأنَّ أيَّ شيء مُستطاع بقدرة الله. فالله لديه القدرة على القيام بذلك. ولكنَّه يسأل إن كان ذلك مُمكنًا في خُطَّة الله. أَترون! إن كان ذلك مُمكنًا أدبيًّا، وإن كان ذلك مُمكنًا فِدائيًّا، وإن كان ذلك يَنسجم مع خُطَّة تخليص الخُطاة. فإن كانت توجد طريقة أخرى، افعل ذلك بطريقة أخرى. فهذا شيءٌ لا يُحتَمَل يَكاد أن يَقتُلَه في البُستان. وبعد تلك الصَّلاة الأولى مِن الصَّلوات الثَّلاث، "صَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ" ("ثرومبوس" – “thrombos”) الَّتي اشتُقَّت منها الكلمة "ثرومبوسيس" ومعناها: "تَخَثُّر الدَّم". وسوف نَرى ذلك في إنجيل لوقا في الأسبوع القادِم.
فقد كادَ الألم أن يَقتُلَه. وهو يقول: "إن كانت هناك أيَّة طريقة أخرى" أو "إن كان يُمكن القيام بذلك بأيَّة طريقة أخرى". وهو لا يحاول أن يتجنَّب الفِداء، بل إنَّه كان يَشعر بألم شديد جدًّا. "هل توجد طريقة أخرى؟ ولكن إن لم توجد طريقة أخرى، لِيَكُن كما تُريدُ أنت. لِيَكُن كما تُريدُ أنت". "هذه الكأس" – والكأس تَرمز للشَّيء الَّذي سيَحتمله. فسوف يَشرب تلك الكأس. سوف يَشرب الكأس المُرَّة. والكأسُ تُشير غالبًا إلى الغضب الإلهيّ. فالمزمور 75: 8، وإشعياء 51: 17، وإرْميا 49: 12، هذه الآياتُ الثَّلاث وغيرُها، تُشير إلى كأس الدَّينونة أو كأس الغضب. والكأسُ الَّتي كان المسيح سيشربها هي كأس الغضب الإلهيِّ على الخطيَّة، وهجوم الشَّيطان، وسُلطان الموت، وذنب الإثم. فكلُّ ذلك كان في الكأس. وقد كان يَتمنَّى أن يَتجنَّب شُرْبَ الكأس إن كانت هناك طريقة أخرى. ولكن ربَّما تذكرون أنَّه قال: "لقد جئتُ لهذه الغاية". أَتَذكرون إنجيل يوحنَّا 12؟ "لهذا قد أتيتُ إلى العالَم". لذا فإنَّه يقول: "إن لم يكن ذلك مُمكنًا، أريد وحسب أن أفعل مشيئَتك". وهذا هو التَّكريس. وكما تَرون، فقد قال لبُطرس في إنجيل مَتَّى 16: 23: "أنت تُفَكِّر مِثل النَّاس، وتَطلب ما يَطلبه النَّاس، لا الأمور المُختصَّة بالله". وهو يقول: "أنا أريد مشيئة الله، وأريد أن أفعل خُطَّة الله". فقد جاء إلى العالَم كي يَفعل مشيئة الله. وقد كان هذا هو تكريسُه التَّامّ المُطلَق.
لِذا فإنَّ الربَّ يسوعَ المسيح يبتدئ بالتَّضَرُّع. والتَّضرُّع يُرينا الكَرْبَ الحقيقيّ لأنَّه يرينا الرَّغبة في التخلُّص مِن ذلك الكَرْب: "أرجوك، إن كانت هناك أيَّة طريقة أخرى يمكن فيها القيام بذلك بطريقة أخرى، فليَكُن. وإلاَّ لتكُن مشيئتك". وهذه هي الطريقة الَّتي ينبغي أن نواجه فيها التَّجربة: بالصَّلاة الواثقة والتَّكريس لمشيئة الله. فقد كان يَثِق بالله. وقد أَظْهَرَ ذلك الصِّراعُ المَريرُ أفضل ما لديه بسبب طريقته في التَّعامُل مع ذلك الصِّراع – كما سنَرى في الأسبوع القادِم. وقد أَظهَرَ ذلك الصِّراع أسوأَ ما في التَّلاميذ بسبب طريقتهم في التَّعامُل مع ذلك الصِّراع بالرَّغم مِن أنَّ تجربتهم كانت أسهل بكثير مِن تجربته. وسوف نَترُك المسيح في ذلك الكَرْب إلى أن نَلتقي في الأسبوع القادِم ونُكمِل هذا النَّصَّ المدهش.
أيُّها الربُّ يسوع، نأتي إليك بقلوبٍ مُفعمة بالشُّكر. فالكلماتُ تَخونُنا في هذه اللَّحظة لأنَّنا عِشْنا بعيون أذهاننا فقط كَرْبَ البُستان. ويا رَبّ، ما يُدهشنا بخصوص ذلك هو أنَّه عندما كنتَ هناكَ، كنتَ تَعرف اسمي، وكنتَ قد كَتبتَ اسمي في سِفْرِك. لِذا فقد كنتَ تَحمل خطيَّتي وخطيَّةَ كلِّ مؤمن. فقد كنتَ تَعرفنا في البُستان. فقد كُنَّا هناكَ في أَلَمِكَ وفي كَرْبِك لأنَّكَ حَملتَ خطايانا. ومع أنَّنا لم نَكُن قد وُلِدنا بعد، ولم يكن آباؤنا وأجدادنا قد جاءوا بعد إلى هذا العالم، كنتَ أنتَ تَعرفنا وتُصلِّي هناك لأجلنا. وكم نُدهشُ بسبب نِعمتك. فنحن لا نَستحقُّ ذلك. ولكنَّنا نشكرك، ونريد أن نشكرك لا مِن خلال كلماتِنا فقط، بل أيضًا مِن خلال حياتِنا.
بينما تَحنونَ رؤوسَكم في الخِتام، إن كنتَ لا تعرف المُخلِّصَ الربَّ يسوعَ المسيح، هذا هو اليوم. افتَح قلبَك لذاك الَّذي تألَّمَ وماتَ من أجلك كي يَرفع خَطيَّتَك.
This article is also available and sold as a booklet.
