أرجو أن تكون قُلوبُكم قد تَشَجَّعت بعدَ أن عَبدنا الربَّ مِن خلال التَّرنيم والصَّلاة، وأن تَتشجَّعوا الآنَ إذ نأتي إلى وقتِ العبادة الَّذي نَتأمَّل فيه في كلمتِه. وهذا المقطعُ الَّذي أمامنا اليوم هو مَقطع ينبغي حقًّا أن يَحْفِزَ قُلوبَنا على عبادةِ وتَبجيلِ وتَسبيحِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ واللهِ الآب. فهو مَقطعٌ غَنِيٌّ ومُفيدٌ ورائعٌ للدِّراسة. وأَعترف لكم أنَّني مُنزعج قليلاً في روحي بسبب كلِّ الأشياء الَّتي يُمكنني أن أقولَها عن هذا المقطعِ الصَّغير الَّذي سننظر إليه في هذا الصَّباح، ولكنِّي مَحصورٌ مِن جهة الوقت ومُقَيَّد بسبب قُدرتنا المحدودة على فَهْم الأشياء المُعَقَّدة نوعًا ما. لذا، أريدُ أن أُشجِّعكم على أن تَبقوا مُتَيَقِّظين، وأن تُفكِّروا معي، وأن تُبقوا أذهانَكُم صَاحية، وأن تُبقوا الكتابَ المقدَّسَ بين أيديكم، وأن تُصغوا بعناية لأنَّنا سنتأمَّل في أفكارٍ أعتقد أنَّها مُدهشة ورائعة وبديعة تَختصُّ بموتِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح.
والآن، اسمحوا لي أن أُذكِّركم بشيءٍ أساسيٍّ جدًّا. ويجب علينا أن نَبتدئَ بما يلي: كانَتِ الغاية والقصدُ والهدفُ والذُّروة في حياة يسوعَ المسيح هي موتُه الكَفَّاري. فقد جاء إلى العالَم بقصدِ أن يَموت. فنحن نقرأ في إنجيل مَرقُس 10: 45 أنَّهُ جاءَ "لِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". فهذا لم يكن تَغييرًا في الخُطَّة، بل كان هو الخُطَّة. فموتُهُ لم يكن حادثًا، ولم يكن نهاية مأساويَّة لبداية جَيِّدة؛ بل إنَّهُ السَّبب الَّذي جاءَ لأجلِه يسوع: كي يموتَ عن خطايا العالَم. فذبيحةُ المسيح هي النُّقطة المركزيَّة في كلِّ الكتاب المقدَّس. وقد عَبَّرَ كاتِبٌ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "إنَّ موتَ يسوعَ المسيح هو ليسَ نهاية القصَّة، بل هو القصدُ الرَّئيسيُّ مِن القصَّة - مِن بدايتها إلى نِهايتها". وإن رَجعتم مَثلاً إلى العهد القديم، ستجدونَ أنَّ الأحداثَ ابتدأت تَأخُذُ مَجراها في العهد القديم لمساعدتنا على فَهم مَعنى موت المسيح الَّذي كانَ سيَحدث في المستقبل.
فعلى سبيل المِثال، في قصَّة آدم وحوَّاء، نَرى أوَّلاً أنَّ الذَّبيحة ضروريَّة لِسَتْر الخطيَّة. ثُمَّ مِن خلال تَقدمة قايين وهابيل، نَرى أنَّه لا يَكفي فقط أن نُقَدِّمَ تَقدمةً، بل ينبغي أن تكون تَقدمة مُحدَّدة. فينبغي أن تكونَ حَيَوانًا يُذبَح. وإن تَقدَّمنا أكثر نَصِلُ إلى قصَّة إبراهيم. ونَتعلَّم مِن قصَّة إبراهيم أنَّ الله نَفسَهُ سَيُدَبِّرُ تلك الذَّبيحة كما أنَّه دَبَّرَ ذبيحةً عِوضًا عن إسحاق. لِذا فإنَّنا نَتعلَّم مُنذ البداية أهميَّة الذَّبيحة. ثُمَّ إنَّنا نَرى تَعريف الذَّبيحة إذ إنَّها ينبغي أن تكون ذبيحة دَمويَّة. ثُمَّ إنَّنا نَرى فِكرة أنَّ الذَّبيحة ستكون بَديلاً قَدَّمَهُ اللهُ عِوَضًا عن البشر. وعندما نَصِلُ إلى الفِصْح في العهد القديم، نَتذكَّر أنَّ الحَمَلَ الَّذي سيُذبَح ينبغي أن يكونَ خاليًا مِن أيِّ دَنَس أو عَيب. وكُلُّ هذا يَهدفُ إلى تَهيئتنا ليسوعَ المسيح، الذَّبيحة الأخيرة، والذَّبيحة الكاملة، والبَديل، وعَطيَّة الله، والحَمَل الخالي مِن أيِّ عيب.
وعندما نَصِلُ إلى العهد الجديد نَجِدُ أنَّ كلَّ شيء في العهد الجديد يُرَكِّز على الصَّليب. ففي الأناجيل مَتَّى ومَرقُس ولوقا ويوحنَّا، نَرى أنَّ الصَّليبَ هو الفكرة الجوهريَّة. ففي كلِّ إنجيل، يَحتلُّ الصَّليبُ 20-40 بالمئة مِن النَّصِّ الكامل للإنجيل. فهذه النِّسبة المِئويَّة مِن قصَّة الإنجيل تُرَكِّز على الأسبوع الأخير مِن حياة الرَّبّ. وعندما تَصِلونَ إلى سِفْر أعمال الرُّسُل مَثَلاً، تجدونَ أنَّ سِفْر أعمال الرُّسُل هو سِجِلٌّ يُدَوِّن رُدودَ فِعْلِ العالَم على موتِ المسيح وقيامتِه. ثُمَّ إنَّكُم تَصِلونَ إلى الرَّسائل. والرَّسائلُ كُتِبَت في الأصل إلى أشخاصٍ كانوا يؤمنون بموت المسيح وقيامته مِن أجل تعليمهم عن مَعاني موت المسيح وقيامته. وعندما تَصِلونَ إلى سِفْر الرُّؤيا تَلتقون بالخروف المَذبوح مِن قبل تأسيس العالَم والَّذي سيعود بصفته مَلِكَ المُلوك ورَبَّ الأرباب. لذا فإنَّ كلَّ شيءٍ في العهد القديم يَرمِزُ إلى الصَّليب، والأناجيلُ تُرَكِّز على الصليب، والجُزءُ المُتبقِّي مِن العهد الجديد يَتحدَّث عن مَعاني الصَّليب وآثارِه. لذا فإنَّ موتَ يسوعَ المسيح هو النُّقطة المَركزيَّة في كلِّ تاريخ الفِداء. وهو ليسَ حَدَثًا عارضًا، بل هو بالحَرِيِّ ذُروةُ خُطَّة الله. لذا، ابتداءً بذبحِ الحَيَواناتِ في سِفْر التَّكوين (والتي استُخدمت جُلودُها لِسَتْرِ عَورةِ آدم وحوَّاء) إلى ذَبْحِ الخَروف في سِفْر الرُّؤيا (والَّذي يُعْبَد بمجدٍ وجلال)، فإنَّ الصَّليب هو كلُّ شيء.
لِذا، عندما نَصِلُ إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحات 26 و27 و28، أي الأصحاحات الثَّلاثة الأخيرة مِن إنجيل مَتَّى، فإنَّنا نَصِلُ إلى الذُروةِ الكُبرى في هذا السِّفرِ مِن الكتاب المقدَّس. فهذه هي الرِّسالة الجوهريَّة في إنجيل مَتَّى. والآن، تَذكَّروا ما يلي: أنَّ قَصْدَ البَشير مَتَّى في كلِّ هذا الإنجيل (وهو قَصْدٌ تَكَلَّلَ بالنَّجاح الرَّائع بقوَّة الرُّوح الَّذي مَكَّنَهُ مِن تحقيقِ ذلك القصد) هو أن يُقدِّم يسوعَ بصفته مَلِكًا، ورئيسًا، وسَيِّدًا، وصاحبَ الجلال، وصاحبَ الرِّفْعَة، وصاحبَ المجد. ويواجِه مَتَّى في هذه النُّقطة شيئًا يمكننا أن نُسَمِّيه استحالةً بَشريَّة وهي: كيف سيتمكَّن مِن الحفاظ على جلالِ وكرامةِ ومجدِ يسوعَ المسيح في وسطِ تَعَرُّضِه للخيانة والإعدام؟ فكيف سيُحافِظ ابنُ الله على جَلالِه في الوقتِ الَّذي يَتعرَّض فيه للإهانة والتَّحقير في أثناءِ تلك الخيانة وتلك المِيْتَة الَّتي مَاتَها؟
وهذه هي المُعضِلة الَّتي سنراها في درسِنا في هذا الصَّباح. ومِن الرَّائع والمُدهش أن نَرى في وسط ذلك كيف أنَّه لا يوجد أيُّ شيءٍ يُقَلِّلُ مِن مجدِ المسيح، وأنَّه لا يوجد أيُّ شيءٍ يُقَلِّل مِن جَلالِه أو يَحُطُّ مِن كرامتِه؛ بل إنَّ العكس هو الصَّحيح. فهو يَظهرُ هُنا بصورة أكثر جَلالاً، وأكثر مَجدًا، ويَظهر بأنَّهُ أكثر سَيطرةً، وبأنَّهُ الربُّ المُهيمنُ أكثرِ مِن أيِّ وقتٍ آخر في إنجيل مَتَّى. لذا فإنَّ الأمر يَنقلِب رأسًا على عَقِب لأنَّهُ مع أنَّ البشرَ حاولوا أن يُحَقِّروه فإنَّه صارَ أكثر سُمُوًّا.
لِذا، عندما نَصِلُ إلى الأصحاح 26، يَبتدئُ مَتَّى بالكشفِ عن تفاصيل هذا الحَدَث المَجيد عن موت المسيح وقيامتِه. وهو يَبتدئ في الأصحاح 26 بالتَّحدُّث عن عناصر الاستعداد. ولعلَّكُم تَذكرونَ ذلك في الأسبوع الماضي! أليس كذلك؟ فقد رأينا استعداد الله في العدد الثَّاني مِن الأصحاح 26؛ أي كيف أنَّ الله رَتَّبَ الجدولَ الزَّمنيَّ، وكيف أنَّ كلَّ شيء كان يَسيرُ بترتيبٍ مُحْكَم إلى ما قبلَ يومين مِن يوم الأربعاء الَّذي يَتحدَّث فيه رَبُّنا في ذلك الجُزء مِن الأصحاح. وفي يوم الجُمُعة، وَصلت خُطَّةُ الله إلى ذُروتِها. لذا فإنَّ استعدادَ الله مُشار إليه ضِمنيًّا في العدد الثَّاني. ثُمَّ إنَّنا رأينا استعداد قادة إسرائيل الَّذينَ كانوا يُبغضونَ يسوعَ المسيح (في الأعداد مِن 3 إلى 5)، وكيف أنَّهم كانوا يَتآمَرونَ لقتله ويبحثون عن طريقةٍ وزمانٍ ومكانٍ لقتلِه. وخوفًا مِن القيام بذلك في أثناء عيد الفَطير الَّذي يَستمرُّ ثمانية أيَّام خَوفًا مِن شَعبيَّة يسوع، وخوفًا مِن الحُشود الَّتي كانت تَتبعُه، وخوفًا مِن الشَّغَب، شَعروا أنَّه ينبغي لهم أن يَنتظروا ثمانية أيَّام إلى أن يَنتهي العيد. ولكنَّهم كانوا يَستعدُّون آنذاك لقتل يسوع المسيح. لذا فإنَّ عُنصُرَ الاستعدادِ ذاك يُذكَر مِن قِبَل مَتَّى.
ثُمَّ في الأعداد 6-13، رأينا استعداد مَريم الَّتي كانت تلميذًا وصديقًا مُحبًّا ومَحبوبًا ورائعًا ليسوع إذْ إنَّها مَسَحَتْهُ بطيبٍ غالي الثَّمن، وغَمرتهُ بمحبَّتها وعاطفتها، وكانت تنتظرُ [بِمَعنى مِن المَعاني] أن تُعِدَّهُ للموت الوشيك. وهي تُمَثِّل بطريقةٍ ما كلَّ الأشخاص الَّذين كانوا يَنظرون إلى الصَّليب كوسيلة لخلاصهم، ويَرونَ فيه شيئًا مجيدًا، وشيئًا رائعًا، وشيئًا مُبارَكًا. لِذا فقد رأينا استعداد مَريم. ثُمَّ في الأعداد مِن 14 إلى 16، رأينا استعداد يهوذا الإسخريوطيَّ الخائن الَّذي قامَ لأجل المال بالتَّآمُر مع القادة لخيانة يسوع المسيح في وقتٍ خاصٍّ ومكانٍ خاصٍّ بعيدًا عن أنظار الشَّعب. فقد أخبرهم عن مكان وجود يسوع لكي يأخذوه أسيرًا. لِذا فقد كان المُتآمِرَ والخائنَ الَّذي تَمَّ الاتِّفاقُ معه على تَسليم يسوع لهم لإعدامِه.
إذًا، هناكَ استعداد الله، واستعداد القادة، واستعداد مَريم، واستعداد يهوذا. وكلُّ هذا يَقودُ إلى حقيقة الصليب. والآن، كانت هذه العناصر الأربعة للاستعداد تَضُمُّ أشخاصًا آخرين غير المسيح. وعندما تَصِلون إلى العدد 17، فإنَّكم تَبتدئون بقراءة مقطعٍ عن استعداد المسيح نفسِه لموته. فهو استعدادُهُ الشَّخصيُّ هنا.
وقد رأيناهُ بطرق عديدة ومُختلفة يَستعدُّ لموته: أوَّلاً، مِن خلال الاحتفالِ بعيدِ الفصح الأخير (حتَّى العدد 25)، ثُمَّ مِن خلال تأسيس عشاء الرَّبّ، ثُمَّ مِن خلال مساعدة التَّلاميذ الضُّعفاء، وأخيرًا مِن خلال الصَّلاة إلى الآب. فكلُّ عُنصرٍ مِن هذه العناصر الأربعة كان استعدادًا خاصًّا به. لذا، هناك أربعة عناصر لاستعداد الآخرين، وأربعة عناصر لاستعداد الرَّبِّ نفسِه. والآن، سوف نَبتدئ في هذا الصَّباح بالنَّظر إلى العدد 17 وما يَليه، ورؤية العناصر الأساسيَّة للاستعداد للفِصْح فيما كان يَستعدُّ للاستمتاع بتلك الوجبة مع تلاميذه. فهذا، دونَ أدنى شَكٍّ، جُزءٌ مِن الاستعداد لموته. وسوف تَرون ذلك في أثناء دراستنا.
والآن، تَبتدئ القصَّة بالأعداد 17-19. ولن نَتأمَّل في أعدادٍ أخرى غير هذه الأعداد في هذا الصَّباح، ولكنَّنا سنتأمَّل في أعدادٍ أخرى في المرَّة القادمة. وهناك أمور كثيرة جدًّا هنا أريد منكم أن تَفهموها. لِذا فإنَّني لن أتقدَّمَ بسرعة كبيرة. فالقصَّة تبتدئ بالأعداد 17-19 الَّتي يُمكننا أن نُعَنْوِنَها: "تَعيين الوقت"... "تعيين الوقت". وفي الأسبوع المُقبِل، سنتحدَّث عن "مُشاركة المائدة، و "إذهال الاثني عشر" و "تَحديد هُويَّة الخائِن". وسوف نَتقدَّم وُصولاً إلى العدد 25 وما بَعدَهُ كما أرجو. أمَّا الآن فسوف نُرَكِّز على "تَعيين الوقت". وهذا مُهمٌّ جدًّا جدًّا. وقد لا تبدو هذه النُّقطة مُهمَّة، ولكنَّها ضروريَّة بكلِّ تأكيد.
والآن، لنَبتدئ وحسب بالنَّظر إلى نَصِّ الآيات 17-19: "وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟» فَقَالَ: «اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي». فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ". والآن، عندما تَقرأون هذا النَّصَّ، قد لا يبدو نَصًّا عميقًا جدًّا. ولكنَّهُ نَصٌّ غَنِيٌّ جِدًّا فَاتَني حَقًّا أن أُدرِكَهُ على مَرِّ سنوات كثيرة وطويلة إلى أن ابتدأتُ مُؤخَّرًا في التَّعَمُّقِ أكثر فأكثر في الأحداث المحيطة بهذا الحَدث العَظيم. وأعتقد أنَّكم ستُدركون ذلك أنتُم أيضًا. فهذه الأعداد الثَّلاثة تُخبرنا أنَّ يسوع أرادَ أن يأكُلَ الفِصح، وأنَّ تلاميذه كانوا مُستعدِّين للقيام بالاستعداد اللاَّزم، وأنَّه أَعَدَّ أُمورًا مُعَيَّنةً تُساعدُ في الاستعداد له. ونَقرأ في العدد 21: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون". إذًا، نقرأُ هنا عن الفِصْحِ الأخير الَّذي احتَفَلَ به رَبُّنا مع تلاميذه.
والآن، تَذكَّروا أنَّ الرَّبَّ كان مُلتزمًا بمُراعاة الفِصْح. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في إنجيل مَتَّى 3: 15 أنَّه جاء لِيُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ. والبِرُّ يَعني حفظُ ناموسِ الله. وكان واحدٌ مِن عناصر ناموس الله هو حِفْظ الفِصْح. لذا فقد أراد المسيحُ أن يكون مُطيعًا في حفظ الفصح. كذلك، نقرأ في إنجيل لوقا 22: 15 ... وبالمُناسبة، فإنَّ الأناجيل مَتَّى ومَرقُس ولوقا ويوحنَّا جميعَها تَصِف هذا المَشهد بطريقة أو أخرى أو مِن زاوية أو أخرى. لِذا فإنَّنا نَقرأ في إنجيل لوقا 22 والعدد 15 أنَّ يسوعَ اشتَهى؛ والنَّصُّ اليونانيُّ يقولُ إنَّهُ "اشتَهى شَهوةً" أن يأكُلَ الفِصحَ مع تلاميذه. لِذا فقد كانَ الأمرُ مُهمًّا جدًّا بالنِّسبة إليه. وسوف نَرى سبب أهميَّة ذلك عندما نَتعمَّق أكثر في ذلك. لذا، كانت هناك استعداداتٌ للفِصْح الَّذي أرادَ يسوعُ أن يَحفظَهُ.
والآن، اسمحوا لي أن أُقدِّمَ لكم خَلفيَّة صغيرة. كان اليهودُ يُعَيِّدون خلال السَّنة بأعياد خاصَّة عديدة ولا يَختلفون عَنَّا في أيَّامنا هذه. فنحنُ لدينا عادات أيضًا بصفتنا مسيحيِّين. فهناك عيدُ الميلادِ المجيد، وعيدُ الشُّكر، والجُمعةُ العَظيمة، وعيدُ الفِصح. وهناك كنائس أخرى تَحتفل أيضًا بأعيادٍ أخرى خلال السَّنة إذ إنَّها مُناسبات خاصَّة، أو أيَّام مُقدَّسة أخرى، أو أيَّام تَحظى بأهميَّة خاصَّة لديها خلال السَّنة. ولم يكن اليهودُ يَختلفونَ عَنَّا. فقد كانت لديهم أعيادٌ ومُناسباتٌ وأوقاتٌ يَحتفلون بها بالأعمال التي صَنَعَها اللهُ في الماضي.
والآن، اسمحوا لي أن أُذكِّرَكم وحسب بتقويمِ الأعياد لديهم. فقد كان هناك مَثلاً عيد الخمسين أو عيد الأسابيع [كما يُعرَف]. وكان ذلك العيدُ تَحديدًا مُخَصَّصًا للاحتفال بالحصاد الَّذي بارَكَهُم اللهُ به. فقد كانوا يَحتفلون بحقيقة أنَّ الله أعطاهُم كلَّ شيءٍ يَحتاجون إليه مِن خلال مَحاصيلهم. لذا، في كلِّ سنة في عيد الخمسين، كانوا يَقضون هذا الوقت الرَّائع في الاحتفال وفي تَذَكُّر بَرَكة الله. وكان هناكَ أيضًا عيدُ المَظَالّ. وكان عيد المَظالّ (أو عيدُ الخِيَام) عيدٌ يَتذكَّرون فيه تِيْهَهُم في البَريَّة عندما عاشوا في خِيام، وكيفَ أنَّ اللهَ سَدَّ حاجاتِهم وأعطاهُم طعامًا وماءً، وقادَهُم في تلك الأيَّام في البريَّة. فقد كانوا يَتذكَّرون ذلك في عيد المَظالّ. ثُمَّ كان هناك عيد آخر يُسَمَّى "يوم الكَفَّارة"، وهو عيد كانَ يَتميَّز بتقديم ذبيحة في قُدْس الأقداس إذ كانوا يَذبحونَ ذَبيحةً ويأخذونَ الدَّمَ إلى قُدْس الأقداس حيثُ يُرَشُّ على المَذبح. وكانَ رئيسُ الكَهَنة يَفعل ذلك مَرَّةً في السَّنة للتَّكفير عن خطايا الأُمَّة خلال السَّنة. وكان هذا اليومُ عيدًا آخر يَحظى بالأهميَّة القُصوى ويُعامَل بإجلالٍ وتَقديس.
ثُمَّ كان هناك عيدٌ آخر، وَهُم ما زالوا يَحتفظون به حتَّى الآن، وهو عيد التَّكريس المَعروف باسم "هانُّوكا" (Hanukkah). وعيدُ التَّكريسِ هو عيدٌ يَحتفل به اليهودُ بتخليصِ بني إسرائيل بقيادة "يهوذا المَكابِيّ" في الفترة الفاصلة بين العهدَيْن القديم والجديد. لِذا فإنَّهم يَحتفلون به مُنذ ذلك الحين؛ أي مُنذ نحو سنة 167 قبل الميلاد عندما حَدثَ ذلك. وهناك أيضًا عيد الأبواق الَّذي هو السَّنة الجديدة.
إذًا، هذه هي العناصر الرئيسيَّة في تَقويم الأعياد اليهوديَّة الَّتي يَحتفلون بها. ولكن عَدا عن كلِّ هذه الأعياد، فإنَّ العيدَ الأعظمَ مِن كُلِّ الأعياد مِن جميع الأوجُه هو عيد الفِصْح وعيد الفَطير؛ وكلاهُما مَذكور في العدد 17. فنحنُ نَقرأ أوَّلاً عن عيد الفَطير، ثُمَّ نَقرأ في نهاية العدد الكلمة "الفِصْح". وكان هذا العيد يَستمرُّ ثمانية أيَّام. وكانوا يَحتفلون بعيد الفَطيرِ وعيدِ الفِصْح في الوقتِ نفسه. فقد كان عيدُ الفَطير يَستمرُّ سبعةَ أيَّام (مِن الخامس عشر مِن شهر نِيسان إلى الحادي والعِشرين مِنه) كما هو مَذكور في العهد القديم. فقد كان عيدًا يَستمرُّ سبعةَ أيَّام. وكان اليومُ الَّذي يَسبِقُهُ هو عيد الفِصح. لِذا فقد كانوا يَحتفلون بالعيدَيْنِ معًا ثمانيةَ أيَّام. والحقيقة هي أنَّ هَذَيْن العِيدَيْن كانا مُرتبطَيْن معًا في أذهانِ النَّاس بصورة كبيرة حتَّى إنَّ عيدَ الفَطير قد يَصِف كُلَّ الأيَّام الثَّمانية، أو إنَّ عيد الفِصْح قد يَصِف الأيَّام الثَّمانية كُلَّها.
لِذا، فقد كانوا يَحتفلونَ بوجبة الفِصح في الرَّابع عشر مِن شهر نِيسان، ثُمَّ يَحتفلونَ سبعة أيَّام بعيد الفَطير. ولا شَكَّ في أنَّنا نَتذكَّر سببَ احتفالهم بهذا العيد. فقد كانوا يَحتفلون بعيد الفِصْح تَذكارًا لتحرير الله لبني إسرائيل مِن العبوديَّة في مِصر حيث بَقَوْا فيها 400 سنة. ولعَلَّكُم تَذكرون أنَّ اللهَ ابتدأَ في إرسال ضَرَبات على المِصريِّين، وأنَّ آخرَ ضَربة كانت هي موتُ البِكْرِ في كلِّ عائلة في مِصر. وقال اللهُ لهم: "إن ذَبحتُم حَمَلاً بلا عيب ورَشَشتُم دَمَ الحَمَل على قائِمَتَيِّ الباب وعَتَبَتِهِ العُليا، فإنَّ ملاكَ الموتِ سيَجتازُ ليُهلِك جميعَ الأبكارِ في مِصْر. فإن رأى الدَّمَ على أبوابِكم سَيَعبُر". وهذا هو عيدُ الفِصح. فهو سيَجتازُ فوقَ بُيوتِكم، ويَعبُر عن بيوتكم، ويُبقي على حَياتِكُم. وبسبب ذلك، قال فرعون: "اخرُجوا! لقد اكتَفيت! هذا هو كُلُّ ما يُمكنني أن أَحتَمِلَهُ". وقد أَخرجَ اليهودَ خارجًا فَخَلَّصَهُم اللهُ في النِّهاية.
لذا، كانَ عيدُ الفِصحِ عيدًا يَحتفلون فيه بذَبْحِ خروف الفصح الَّذي جَعَلَهُم دَمُهُ يَنْجونَ مِن دينونة الله، وكانَ رَمزًا لخروف الفِصح الأخير الَّذي كانَ دَمُهُ سيَجعلهم يَنجونَ إلى الأبد مِن دينونة الله. لذا فقد أَسَّسَ اللهُ (في سِفْر الخُروج والأصحاح 12) عيدَ الفِصح الدَّائم. وكانَ العيدُ وَجبةً يأكلونَها في اللَّيلة الَّتي تَسبِق بداية عيد الفَطير. وفي الأزمنة القديمة، كان العيدُ يأتي في أوَّلِ شَهرٍ في السَّنة (وهو شهر أَبِيْب). ولكن بعد السَّبي، صاروا يَحتفلون به في شهر نِيسان. ويأتي الفِصحُ في اليوم الرَّابع عشر مِن شهر نِيسان. وفي اليوم الخامس عشر، كانوا يَبتدئون احتفالاتهم بعيد الفطير.
وبالمناسبة، رُبَّما تَرغبون في معرفة أنَّ الحَمَلَ (وَفقًا لما جاء في سِفْر الخروج والأصحاح 12) كان ينبغي أن يُنْتَقى في العاشِر مِن شهر نِيسان. وقد أخبرتُكم في أثناء دراستنا لإنجيل مَتَّى أنَّني أعتقد أنَّ يسوعَ دَخَلَ مدينةَ أورُشليم يوم الاثنين. فقد حَدَثَ دُخولُهُ الانتصاريُّ يوم الاثنين. وهناك أسباب عديدة تَدعوني إلى الاعتقاد بذلك: أوَّلاً، أنَّهُ يُوافق التَّرتيب الزَّمنيَّ للأحداث أكثر مِن الرَّأي القائل إنَّه جاءَ إليها يوم الأحد. ثانيًا، أنَّه يُعالج مُشكلة ما عُرِفَ على مَرِّ السِّنين باسم "الأربعاء الصَّامت". فإن كان المسيحُ قد دَخَلَ أورُشليمَ يوم الأحد فإنَّ هذا يعني أنَّه لم يحدث شيء في يوم الأربعاء في أسبوع الفِصح. فهو فَراغٌ يَصعُبُ مِلئُه. ولكن ثالثًا، ورُبَّما هي النُّقطةُ الأهَمّ: كان يوم الاثنين هو العاشر مِن شهر نِيسان في السَّنة 33 ميلاديَّة؛ أَيِ السَّنة الَّتي ماتَ فيها رَبُّنا. وهذا يعني أنَّ يوم الاثنين المُوافِق العاشِر مِن شهر نِيسان كان اليوم الَّذي يختارُ فيه كلُّ شخصٍ في مدينة أورُشليم حَمَلَ الفِصح.
فقد كان ينبغي اختيار الحَمَل في اليوم العاشِر، وأَخذُهُ للعيش في بيت العائلة إلى أن يُذبَح. لِذا، عندما كان الحَمَلُ يُذبح، كانَ يُذبَحُ كصَديق [إن جاز القول] أو كحَيَوانٍ أليف لكي يُدركوا أُجرةَ الخطيَّة. وهذا أمرٌ مُهمٌّ لأنَّه إن كان يسوعُ قد دَخَلَ المدينة يوم الاثنين، يكون قد دَخَلَ قُلوبَ أولئكَ الأشخاص بصفته خَروفَ الفِصح في اليوم المُناسب. ويكونُ بذلك قد استَوفى المَعنى الرَّمزيَّ لخروف الفِصح مِن كلِّ جانب مِن خلال دُخولِه إلى المدينة في اليوم العاشِر مِن شهر نِيسان ليُقدِّم نفسَهُ بصفتِه حَمَلَ الله الَّذي يَرفع خطيَّة العالم، ومِن خلال مَوتِه في الرَّابع عشر مِن شهر نِيسان بصفته خروف الفِصح عن خطايا العالَم.
لذا، كان اليهودُ قد اختاروا في ذلك الوقت الخروف بوصولنا إلى هذا النَّصّ. فقد فعلوا ذلك يوم الاثنين. والآن، نحن نَفهم أنَّهُم كانوا في عيد الفِصح يَذبحون حَمَلاً كي يَتذكَّروا الحَمَلَ في الماضي. فذَبْحُ حَمَلٍ كان يُذكِّرُهم بأُجرة خطاياهم. ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ المؤرِّخَ يوسيفوس يقول لنا إنَّهم كانوا يَذبحون أكثر مِن رُبعِ مَليون خروف في عيد الفِصح. ومِن المُدهش أن نُصَدِّقَ ذلك. وقد كان تأثيرُ ذلكَ مُدهشًا. فقد كان هناك نحو مَليونين ونصف مَليون شخص على الأقلّ في مدينة أورُشليم. وكانوا يَذبحون رُبعَ مَليون حَمَل – وهي حُملانٌ كانت تَعيشُ في بيوتِ هؤلاء النَّاس. فقد كانَ يَنبغي أن يَحتفظوا بها في بيوتهم لكي تَنشأ بينهم صِلَة لكي يُدركوا أُجرة خطاياهم والنَّتيجة المُروِّعة لها مِن خلال موت ذلك الحَمَل.
ثُمَّ لا بُدَّ أنَّ ذَبْحَ الحُملان كان شيئًا مُدهشًا جدًّا ولا سِيَّما عندما كانت كُلُّ تلك الحُملانِ تُذبَح. وكما سنَرى بعد قليل، كانت تلكَ الحُملانُ تُذبَح في غُضون ساعتَيْن؛ وهذا يَجعلُ المَذبحة أكثر هَوْلاً بكثير. وكان هناكَ نَهرٌ مِن الدِّماءِ يَجري مِن الجزءِ الخَلفيِّ مِن الهيكل إلى أسفل سَفْح الجبل مُرورًا بوادي قَدْرون ويَملأُ النَّهر الَّذي كانَ يَتخضَّبُ باللَّون الأحمر إلى أن يَصل إلى بيت لحم. لذا فقد كان وقتًا دراميًّا جدًّا في هذا الوقتِ مِن السَّنة بالنِّسبة إليهم لأنَّهُ وقتٌ كانوا يُدركونَ فيه فَداحةَ خطيَّتهم، والذَّبيحةَ المَطلوبة عن الخطيَّة، وما إلى ذلك. وقد أَسَّسَ الربُّ هذا كُلَّه في سِفْر الخُروج والأصحاح 12 ووَرَدَ مِرارًا وتَكرارًا في التَّوراة أنَّه يجب عليهم أن يَتبعوا ذلك بحَذافيرِه وأن يَحفظوا الفِصح.
لِذا فقد كان وقتًا مَجيدًا لتقديم الذَّبائح الَّتي تُشيرُ إلى ضرورة موت حَيَوانٍ بَريءٍ للتَّكفير عن خطايا الخُطاة. والآن، نحنُ نَعلمُ أنَّ أيًّا مِن تلك الحُملان لم تَكُن تَقدر أن تَرفعَ الخطيَّة. أليس كذلك؟ ويا لهُ مِن مِثالٍ قويٍّ. فقد كانت كُلُّ تلكَ الأُلوفِ المؤلَّفة مِن الحُملان تُذبح عن مَلايين النَّاس، ولكنَّها لم تكن كُلُّها قادرة أن تَرفع خطيَّةً واحدة. وهذا هو المَغزى مِن الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين. أليس كذلك؟ أنَّ كُلَّ ما كانت تلك الحُملان والتُّيوس والثِّيران عاجزة عن فِعلِه قد صَنَعَهُ يسوعُ المسيحُ بذبيحة نفسه الواحدة إلى الأبد. فقد صَنَعَ ذلك إلى الأبد. لذا فإنَّهُ ذلك الوقت مِن السَّنة. والسَّببُ في أنَّ يسوعَ وتلاميذَهُ ذهبوا إلى أورُشليم هو الاحتفال بعيد الفِصح. فقد أرادَ يسوعُ أن يَحتفل بعيد الفصح وعيد الفَطير.
والآن، إنَّ عيدَ الفطير مُهِمٌّ. والخبزُ الفَطير هو خُبزٌ لا يَتَخَمَّر لأنَّه لا يَحوي خميرة. فقد كانت النِّساءُ العِبرانيَّات يَصنعنَ الخُبزَ ويأخُذنَ قِطعةً مِن العَجين قبلَ خَبزِهِ ويَترُكنَها تَختمِر أو تَتفاعَل قبلَ أن يَستخدمنَها لتَخمير العَجينِ كُلِّه. ولكن إن لم يأخُذنَ تلك القِطعة ويُخَمِّرنَها لم يكن العَجينُ يَختمر، بل كانَ الخُبزُ المَصنوعُ يُسَمَّى خُبزًا فَطيرًا. وعندما خَرجوا مِن مِصر، قالَ اللهُ لهم: "لا تأخذوا معكم خُبزًا مُختمرًا. لا تأخذوا معكم خُبزًا مُختمرًا" لأنَّ الخَميرة تَرمِزُ إلى التَّأثير السيِّء. وقد كانَ يَعني في الحقيقة: "لا أريدكم أن تأخذوا قِطعةً مِن حياتكم في مِصر وأن تَغرسوها في حياتِكم الجديدة. فقد حَرَّرتُكم مِن تلك الحياة، وأريد منكم أن تبتدئوا حياةً جديدة في أرضٍ جديدة. فأنتم لستُم بحاجة إلى أيٍّ مِن حياتِكم السَّابقة".
لِذا فقد أَوصاهُم بأَلاَّ يأخذوا أيَّ شيءٍ معهم مِن هناك. وقد أعطاهُم رَمزًا لذلك وهو الخُبزُ المُتَخَمِّر قائلاً: "يجب عليكم أن تأكلوا فقط خُبزًا فَطيرًا"؛ أي أَلاَّ تَتأثَّروا بأيِّ شيءٍ مِن حياتكم السَّابقة. وقد صار ذلكَ رَمزًا للانفصال عن الأشياء الدُّنيويَّة.
لذا، نَقرأُ في العدد 17: "وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ [الَّذي يَدومُ ثمانية أيَّام] تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟»" إنَّهُ أوَّلُ أيَّامِ عيد الفَطير. ويُضيفُ مَرقُس في الأصحاح 14 والعدد 12: "حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ". لِذا فإنَّه يُخبرُنا بوضوحٍ تامٍّ أنَّهُ في اليوم الأوَّل مِن هذه الأيَّام الثَّمانية، وَهُوَ اليوم الَّذي كانوا يَذبحون فيه الفِصْح. ثُمَّ إنَّ عيدَ الفَطير ابتدأَ في اليوم التالي؛ أي في الخامس عشر مِن شهر نِيسان. وَنقرأ في سِفْر اللاَّويِّين 23: 6 أنَّهُ كان ينبغي أن يُحتَفلَ به في الخامس عشر.
والآن، في سِفْر الخروج 12: 18-20، نَقرأُ أنَّهُ كان ينبغي لكلِّ رَبِّ أُسرة في كلِّ بيتٍ أن يَفحصَ جميعَ أركانِ بَيتِهِ وأن يَتخلَّصَ مِن كلِّ خُبْزٍ مُختَمِر. وكانَ ينبغي له أن يَفعل ذلك قبل حدوثِ أيِّ شيءٍ آخر مِن خلالِ التَّخلُّص مِن كلِّ خُبْزٍ مُختَمِر. وكان ينبغي أن يَبقى البيتُ خاليًا منهُ طَوالَ الأيَّام الثَّمانية. لِذا فقد كانَ كلُّ شيءٍ يَبتدئ بالتَّخلُّص مِن كلِّ الخُبْزِ المُختمِر، ثُمَّ كانَ الحَدَثُ الأوَّلُ هو أَكلُ وجبة الفِصح. فقد كان هذا هو الحَدَث الأوَّل.
والآن، اسمعوني جَيِّدًا: في السَّنة الَّتي ماتَ فيها رَبُّنا، جاءَ عيدُ الفِصْحِ يومَ جُمُعة. ونحنُ نَعلمُ ذلك لأنَّ النَّصَّ يُخبرنا ذلك. فقد كانَ عيدُ الفِصحِ يأتي في تاريخٍ مُحَدَّد وَهُوَ الرَّابع عشر مِن شهر نِيسان. ومِن سنة إلى أخرى، كان يَأتي في يومٍ مُختلف على غِرارِ عيدِ الميلادِ المَجيد أو رُبَّما كان ينبغي أن أقول ... بَلى، على غِرارِ عيدِ الميلادِ المجيد أو رأسِ السَّنة الميلاديَّة إذْ إنَّه يأتي في يومٍ مُختلف كلَّ سنة. فعندما يكونُ هناكَ تاريخٌ ثابت، يَختلفُ اليوم. وفي هذه الحالة، كانَ عيدُ الفِصحِ يأتي في يومٍ مُختلف كلَّ سنة. وقد جاءَ الفِصْحُ في تلك السَّنة الَّتي صُلِبَ فيها رَبُّنا يومَ جُمُعة. فقد جاءَ يوم جُمُعة.
وقد تقول: "وكيفَ نَعلمُ ذلك؟" لأنَّنا نَقرأ في إنجيل مَرقُس 15: 42: "إِذْ كَانَ الاسْتِعْدَادُ ... [فَاصِلَة]، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْت". واليومُ الَّذي يأتي قبلَ السَّبت كانَ يُعرَفُ عندَ اليهود بيوم الاستعداد. لماذا؟ لأنَّهم كانوا يَستعدُّون لماذا؟ للسَّبت. فحيثُ إنَّهُ لم يكن بإمكانهم أن يَعملوا يوم السَّبت، ولا أن يُعِدُّوا طعامًا يوم السَّبت، كان اليوم السَّابق هو يوم استعدادٍ مُكَثَّف. والحقيقة هي أنَّكم قد تَرغبون في معرفة أنَّ الكلمة "استعداد" صارت هي الكلمة الَّتي يَستخدمونها للإشارة إلى يوم "الجُمُعة". فقد كان يومُ الجُمُعة هو يوم الاستعداد. فليسَ هناكَ وَصْفٌ آخر يُطلَق عليه. وعندما يقولُ مَرقُس في الأصحاح 15 والعدد 42 "إِذْ كَانَ الاسْتِعْدَادُ، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ"، أي اليومُ الَّذي جَرَت فيه كلُّ الأحداثِ المُختصَّة بموتِ المسيح، نَعلمُ مِن خلالِ ذلك أنَّ الفِصْحَ جاءَ يومَ جُمُعة في تلك السَّنة.
انظروا قليلاً إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 19 ولا تَفقدوا تَركيزَكُم. فسوف تَكتشفونَ أنَّ كلَّ ما أقولُهُ لكم مُدهش جدًّا. في إنجيل يوحنَّا 19: 14، نَرى مَرَّةً أخرى أنَّ النَّصَّ يقول... وهُنا، إذا كُنتُم تَذكرون، وَقَفَ يسوعُ أمامَ بيلاطُس، وتَمَّت مُحاكمتُه. وما هو ذلك اليوم؟ إنَّهُ يوم الاستعداد: "وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْح". ومَعنى ذلك هو أنَّهُ وقتُ الفِصح، وأنَّهُ يومُ الاستعداد. وهذا لا يعني أنَّهم كانوا يَستعدُّونَ للفِصح، بل إنَّه كان الوقت الواقع في عيد الفصح والَّذي يُسَمَّى "الاستعداد"؛ أي يوم الجُمُعة.
والآن، انظروا إلى العدد 31 أنَّ اليَهودَ طَلبوا "...إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ...". بعبارة أخرى، كانَ الجُنودُ قد صَلبوا يَسوعَ. ولأنَّهُ كان يومُ جُمُعة، أو يوم الاستعداد، طَلَبَ اليَهودُ أن يُرفَعَ جَسَدُهُ عن الصَّليب لأنَّهم لم يُريدوا أن يَبقى جَسَدُهُ مُعَلَّقًا هناكَ في يوم السَّبت لأنَّ السَّبتَ كانَ يومًا خاصًّا. لذا فإنَّ النَّصَّ يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى يوم الجُمُعة. وإذا نَظرتم إلى العدد 42 تَقرأون: "فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُود"؛ أي لأنَّ اليهودَ أَصَرُّوا على القيامِ بذلك يوم الجُمُعة. فلا شَكَّ، يا أحبَّائي، في أنَّ يسوعَ صُلِبَ يومَ جُمُعة. فلا بُدَّ أن يكونَ قد صُلِبَ يومَ جُمُعة. ففي السَّنة 30 والسَّنة 33، في هاتين السَّنتَيْن، كان يومُ الجُمُعة هو التَّاريخُ الصَّحيح إذْ إنَّه يُوافِقُ الخامس عشر مِن شهر نِيسان. إذًا، إنَّهُ الرَّابع عشر أو الخامس عشر مِن شهر نِيسان. وسوفَ نرى بعد قليل أنَّ ذلك يتوقَّف على كيفيَّة حسابِ اليوم. ولكن في هاتين السَّنتَيْن (أي في سنة 30 وسنة 33) كانَت تل هي السَّنة المُناسبة لحدوث ذلك يوم جُمُعة. ولأنَّ النَّصَّ يقول إنَّ ذلك حدثَ يوم جُمُعة، يجب علينا أن نَبحث عن سنة تَمَّ الاحتفالُ بها بالعيد في يوم جُمُعة. ونجد أنَّ ذلك حدث في سنة 30 وسنة 33. وأنا أُرَجِّحُ أنَّ سنة 33 هي السَّنة الصَّحيحة لموت المسيح بسبب التَّرتيبِ الزَّمنيِّ للأحداث الأخرى. فلا يُعقَلُ أنَّ ذلك حدث يوم خَميس لأنَّه لا يُسَمَّى استعدادًا، بل إنَّ الجُمُعة هو يوم الاستعداد. ولا يُعقَل أن يكونَ يوم أربعاء لأنَّهُ لا يُسَمَّى استعدادًا أيضًا. فقد كان يوم جُمُعة. لذا، سوف نَعرفُ المزيدَ عن ذلك في أثناءِ تَقَدُّمِنا. إذًا فقد كانَ يَتِمُّ الاحتفالُ بعيد الفِصح في اليوم الرَّابع عشر قبل يوم الجُمُعة، (أو بالحَرِيِّ قبلَ يوم السَّبت المُوافق الخامس عشر) الَّذي يَبتدئ فيه عيدُ الفَطير.
والآن، لنرجِع إلى نَصِّنا. وبعدَ أن قُلنا هذا كُلَّه، لا تَشعروا بالتَّشويش لأنَّه عندما نأتي إلى العدد 17، ما يزالُ اليوم هو الخميس. أليس كذلك؟ فهو ما يزال الخميس. فقد عَرَفنا عن يوم الأربعاء. فالأصحاحات مِن 21 إلى 25 تُحَدِّثُنا عن يوم الأربعاء. ولكنَّنا صَرفنا مساء يوم الأربعاء في الجزءِ الأوَّل مِن الأصحاح 26 إذ كان يسوعُ ما يزالُ يَتحدَّث إلى تلاميذه. لذا، فقد انتهى يومُ الأربعاء أخيرًا. وقد كان يومُ الأربعاء طولاً جدًّا جدًّا. والآن، جاء صباحُ يوم الخميس، وحان وقتُ الإعدادِ لوجبة الفِصح. وكانوا قد أَحضروا خَروفَهُم. ولا شَكَّ في أنَّهم أحضروه يوم الاثنين عندما وَصلوا إلى المدينة. فقد فعلوا ذلك. ولكن كانت توجد أمور عديدة أخرى ينبغي إعدادُها للفِصح. هل تَعلمونَ ماذا كانَ ينبغي لهم أن يُعِدُّوا؟ كانَ ينبغي لهم أن يَستعدُّوا مِن خلال ذَبْحِ الحَمَل؛ وَهُوَ أمرٌ لا يُمكن القيام به إلاَّ في ساحة الهيكل وليسَ في أيِّ مكانٍ آخر. وَهُوَ أمرٌ لا يُمكن القيام به إلاَّ في فترة ساعتين فقط (ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة مساءً)، وليس في أيِّ وقتٍ آخر. وكانَ يَنبغي لهم أن يُعِدُّوا الخُبزَ الفَطير. وكانَ ينبغي لهم أن يُعِدُّوا وِعاءً يَحوي ماءً مَالحًا لأنَّهم كانوا يَضعون في وليمة الفصح وعاءً يحوي ماءً مالحًا على المائدة لتذكيرهم بدموعهم الَّتي ذَرَفوها في العبوديَّة، ولتذكيرهم بالبحر الأحمر الَّذي انشَقَّ عندما نَجَّاهُم الرَّبُّ. وكان ينبغي لهم أن يُعِدُّوا أعشابًا مُرَّةً كالفِجْل الحارّ، والهِنْدباء البَريَّة، والجَرجير، وأعشابًا أخرى كانوا يَخلطونها معًا بالزُّوفا لتذكيرهم بمرارة العُبوديَّة في مِصر. وكانَ الزُّوفا هُوَ النَّباتُ الَّذي استخدموهُ لِرَشِّ الدَّمِ على أبوابهم.
وكانوا يَصنعونَ صَلْصَةً... صَلْصَةً كَثيفة تُصنَعُ مِن التُّفَّاحِ والتَّمْرِ والرُّمَّانِ والجَوْز إذْ تُخلَطُ معًا وتُسْحَقُ معًا إلى أن تصيرَ صَلْصَةً كَثيفة القِوام تُسَمَّى "خاروسيث" (charoset). وكانوا يَغمسون خُبزَهم الفَطير في تلك الصَّلْصَة الكَثيفة كجزءٍ مِن الوجبة. وبالمُناسبة، فإنَّ أفضلَ طريقة لفَهمِ مَعنى تلك الصَّلْصَة هو أنَّها تَرمِز إلى صُنعِ الطُّوبِ في مِصر؛ أي إلى المِلاطِ والطِّينِ اللَّذَيْنِ كانا يَستخدمانِ في صُنع الطُّوب. وكانوا يَضعون في تلك الصَّلْصَة أعوادَ قِرفَة لتذكيرهم بالقَشِّ الَّذي كانوا يَستخدمونَه لصُنع الطُّوب أيضًا. لِذا فقد كانَ لكُلِّ شيءٍ مَعناهُ الرَّمزيّ. ثُمَّ كانت هناكَ أربعُ كؤوسٍ مِن الخَمر. وكانت كؤوسُ الخمرِ الأربع تَهدفُ إلى تَذكيرهم بعهدِ اللهِ معهم في سِفْر الخروج والأصحاح السَّادس حيثُ إنَّ اللهَ قال: "أوَّلاً، سوف أُخرجكم مِن تحت أثقال المِصريِّين. ثانيًا، سوف أُنقذكم مِن عُبوديَّتهم. ثالثًا، سوف أُخَلِّصُكم بذراعٍ مَمدودة. رابعًا، سوف أكونُ لكم إلهًا".
وكانَ يُرمَزُ إلى هذا كُلِّه مِن خلال عناصِر الفِصح الَّتي كانَ ينبغي لهم أن يُعِدُّوها ويُحَضِّروها. وكما قلتُ سابقًا، كانَ لا بُدَّ أن يَذبحوا الخروفَ في فترةِ ساعَتين. وإذا نَظرتم إلى سِفْر الخروج 12: 6، ستَقرأون أنَّهُ ينبغي أن يُذبحَ "في العَشِيَّة"، ولكنَّ النَّصَّ العِبريَّ الأصليَّ يقول: "ما بين العِشائَيْن" بصورة مُحدَّدة جدًّا. فقد كان يوجد لدى اليهودِ عَشاء مُبَكِّر في السَّاعة الثَّالثة عصرًا، وعِشاءُ مُتأخِّر في نحو السَّاعة الخامسة مساءً. وكان ينبغي لهم أن يَذبحوا الحَمَلَ (وَفقًا لأقوالِ المؤرِّخ يوسيفوس) ما بين السَّاعة التَّاسعة والحادية عشرة؛ أي ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة مساءً ... ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة مساءً حيثُ إنَّ السَّاعة الثَّانية عشرة تُوافِقُ السَّاعة السَّادسة مساءً أو غروبَ الشَّمس. لِذا، ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة، كان ينبغي ذَبْحُ الحَمَل. وكان ينبغي أن يُذبح في ساحة الهيكل بيدِ الكهنة. لذا، كانَ ينبغي لجميع هؤلاء النَّاس أن يُحضروا كلَّ حُملانهم لتُذبح في فترة ساعَتَيْن. ومِن المُدهش جدًّا أن نَتخيَّل ما كان يَجري. فهو مَشهدٌ لا يُصَدَّق إذْ إنَّ الدِّماءَ كانت تُرى في كلِّ مكان. فقد كان النَّاسُ يَدخلون بحُملانٍ حَيَّة ويَخرجونَ بحُملانٍ مَيْتَة. وكانوا يَحرصون على تقديم حَمَلٍ صَحيحٍ على المَذبح، وأخذِ حَمَلٍ صَحيحٍ مِن على المَذبح إلى البيت كي يأكلوه. وكان يَنبغي أن يَشْووا الحَمَلَ بعد ذلك.
ثُمَّ بعد غروب الشَّمس، أو في وقتٍ لاحقٍ في المساء لأنَّ النَّصَّ لا يَذكُر وقتًا مُحدَّدًا للقيام ذلك، كان ينبغي لهم أن يأكلوا وليمة الفصح (بحسب خروج 12: 8). وكان ينبغي أن يَجتمعَ عشرة رجال على الأقلّ لأكلِ كُلِّ حَمَل لأنَّه كان ينبغي لهم أن يأكلوه كُلَّه ولا يَتركوا شيئًا منه حتَّى الصَّباح. لذا فقد كانوا يأكلون الوليمة في ذلك المساء. والآن، كان التَّلاميذ يعرفون أنَّه ينبغي لهم أن يفعلوا كُلَّ تلك الأمور. لذا فقد قالوا ليسوع: "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟" لقد أحضرنا لك الموادَّ، وسيكون مِن دواعي سرورنا أن نُعِدَّها لك إن أخبرتنا أين. "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأكُلَ الْفِصْحَ؟" وقد تقول: "وما المشكلة في ذلك؟ لِمَ لا يُعِدُّونه في بيت عَنْيا حيثُ هُم؟" لا يُمكنهم ذلك. فقد كانت الشَّريعة تَنُصُّ على أنَّه ينبغي أن يأكلوا الفِصح في مدينة أورُشَليم. لِذا، كان ينبغي لكلِّ شخصٍ موجود في مُحيطِ أورُشليم أن يأتي إلى المدينة ويجد له مكانًا يأكل فيه الفصح مع مجموعة لا تَقِلُّ عن عشرة أشخاص ولا تَزيدُ عن عشرين. وكان هذا يعني أنَّ كلَّ غُرفة مُتاحة في المدينة كانت مَحجوزة. وكان السُّؤال هو: أين سنفعل ذلك؟ فنحن لا نَملك أيَّ بيتٍ هنا، ولا نَملِك أيَّ مَبنى، وليسَت لدينا قاعة. ماذا سنفعل؟
والجوابُ مُدهش جدًّا في نظري إذ نقرأ في العدد 18 أنَّ يسوعَ قال: "اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ". والآن، اسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا عن الكلمة "فُلان". إنَّها كلمة فَريدة [كما نُسَمِّيها]، وهي المرَّة الوحيدة الَّتي تُستخدَم فيها في الكتاب المقدَّس. فهي الكلمة "ديناه" (deina). فهو يقول: اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، واعثُروا على [ديناه]". وأفضل طريقة لترجمتها هي: "السيِّد فُلان". فهي لفظة غير مُحدَّدة تُستخدم عندما تريد أن تكونَ مُبْهَمًا. اذهبوا إلى المدينة، واعثروا على رَجُلٍ مَا أو عن السيِّد فُلان".
والآن، هناك نحو مَليوني شخص في ذلك المكان، وأنتَ تقول لنا أن نَجِدَ السيِّد فُلان! والسيِّد فُلان ليس مُرادفًا لشخصٍ يَعرفونه، بل أنَّها كلمة تُستخدم عن قصدٍ للإشارة إلى شخص غير مُحَدَّد. فكأنَّه يقول: "اذهبوا إلى المدينة واعثروا على رَجُلٍ لن أخبركم مَن هو". وهذا هو تمامًا ما يَفعلُه. ولدينا احتمالان فقط: إمَّا أنَّ يسوعَ قال "السيِّد فُلان" لأنَّه لم يكن يَعلم مَن هو، وإمَّا أنَّه لم يَشأ منهم أن يَعرفوا مَن هو. وأنا أُرَجِّح الاحتمالَ الأوَّل. فهو يَعرفه. لِذا، لا بُدَّ أنَّه لم يَشأ أن يَعرفوه.
والآن، كيف سيَعثرون على السيِّد فُلان؟ نَشكُرُ الرَّبَّ لأنَّ مَرقُس يُجيبُنا عن هذا السُّؤال المُختصّ بما جاءَ في إنجيل مَتَّى هُنا إذْ إنَّ مَرقُس يقول: "ابحثا عن رَجُلٍ يَحملُ جَرَّةَ ماء". وقد نقول: "يا لها مِن مُساعدة كبيرة! فلم يَكُن يَكفينا مَشَقَّةً أن نَعثُر على السيِّد فُلان! والآن، كلُّ ما علينا فِعلُه هو أن نَعثُرَ على رَجُل يَحمل جَرَّة ماء!"
وما هي احتماليَّة ذلكَ؟ لم يَكُن هذا الأمرُ مُحتَمَلاً البتَّة. فَمنِ الَّذي كانَ يَحملُ الماء؟ النِّساء. لذا، سوف تَجدونَ رَجُلاً يَفعل شيئًا غير مألوف: يَحملُ جَرَّةَ ماء. وعندما تعثرون على هذا الرَّجُل (وَفقًا لإنجيل مَرقُس 14: 13 و 14) قالَ يسوع: "اتْبَعا ذلك الرَّجُل إلى البيت الَّذي يَدخُلُه. اتبَعاهُ إلى البيت الَّذي يَدخُلُه. وهُناكَ تَجدونَ السيِّد فُلان. إنَّهُ الرَّجُلُ المَنشود". ونحنُ نَعلم أيضًا مِن خلال البَشائرِ الأخرى أنَّهُ عندما قال الربُّ لهم أن يَذهبوا، نَعلمُ أنَّهُ قالَ ذلك لتلميذَيْن فقط هُما بُطرس ويوحنَّا. فقد أَرسلَ فقط بُطرس ويوحنَّا ولم يُرسِل البقيَّة. فقد بقي التَّلاميذُ العشرةُ الآخرون معه. فقد أرسلَ فقط بُطرس ويوحنَّا. وهناك أسباب عديدة لذلك. وواحدٌ مِن الأسباب هو أنَّهُ كانَ يُسمَح لشخصَيْن فقط أن يُرافقا الحَمَلَ الَّذي سيَذبَح. ويُمكنكم أن تَفهموا السَّبب. أليس كذلك؟ فإن كان الوقتُ المُتاح لكم هو ساعتان فقط لِذَبْحِ كُلِّ تلك الحُملان، وكان الجميع يرغبون في المجيء ورؤية ذلك، لن تتمكَّن مِن القيام بذلك. لذا، كان يُسمَح لشخصين فقط بمرافقة الحَمَل. وقد تَمَّ اختيارُ بُطرس ويوحنَّا لأنَّهما كانا قَريبَيْن مِن المسيح، ولأنَّهُ كان يَثِقُ بهما جدًّا، ولأنَّهما كانا صَديقَيْه الحَميمَيْن. لذا فقد أَرسلَ بُطرس ويوحنَّا وقال لهما: اذهبا واعثُرا على رَجُلٍ يَحمل جَرَّةَ ماء، واتبَعاه إلى بيت السيِّد فُلان.
والآن، قد تقول: "ما المُبَرِّرُ لكلِّ هذا التَّكَتُّم؟ ولماذا هذا التَّحَفُّظ؟ ولماذا لم يقل فقط: هل تَذكران صَديقَنا فُلان ... تابعي وتِلميذي؟ أتَعرفان أين يَقَع مَنزلُه هُناك في الشَّارع كذا وكذا؟ سوف نَأكُل الفِصح هناك". لا، إنَّه لا يقولُ ذلك. وما الدَّاعي إلى هذا التَّحَفُّظ؟ سوف أقول لكم سببًا بسيطًا جدًّا: يهوذا الإسخريوطيّ. انظروا إلى العدد 16: "وَمِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً..." كي يَفعلَ ماذا؟ الحقيقة هي أنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقول: "لِيُسَلِّمَهُ". فقد كان يهوذا يَبحث عن مكانٍ هادئ، أو عن مكانٍ مَعزول، أو عن مكانٍ خاصٍّ بِمنأى عن الشَّعب لكي يُسَلِّم يسوع إلى السُّلُطات الدينيَّة لكي يُعدِموه. وكان يسوعُ يَعلم أنَّه إن عَلِمَ يهوذا أينَ سيأكلونَ الفِصح فإنَّ ذلك سيكون المكان المناسب. لذا فإنَّهُ لا يُعلن ذلك.
ولم يَعُد بطرس ويوحنَّا. فقد ذَهَبا باكرًا في ذلك اليوم، وفَعلا ذلك فلم يَلتقيهما بقيَّةُ التَّلاميذ ثانيةً إلاَّ في ذلك المساء عندما جاءوا مع يهوذا إلى المكان. وفي ذلك الوقت، كان يهوذا في وسطِ الحَدَث، وكان الوقتُ قد تأخَّر على عَقْدِ صَفقة مع القادة. لذا فقد أَغلقَ يسوعُ البابَ أمام يهوذا حَتَّى لا يَتمكَّن مِن خيانته قبل أن يأكلوا الفِصح. لماذا؟ لأنَّه كان ينبغي ليسوع أن يَحتفل بالفصح مع تلاميذه. وقد تقول: "ولماذا كان ذلك ضروريًّا؟" لأنَّه أراد أن يَستخدم ذلك العشاء كنموذجٍ على موتِه، ولأنَّه أرادَ أن يُحَوِّلَهُ إلى العشاء الأخير ليسوع، وإلى مائدة الشَّرِكة الَّتي صارت مَعروفة ومَحبوبة لدينا لأنَّها تُذَكِّرُنا بموته، ولأنَّه كانت توجد لديه أمور كثيرة يريد أن يُعَلِّمَها لتلاميذه، ولأنَّه أراد أن يَقطع لهم الوعدَ بمجيء الرُّوح القُدُس، ولأنَّه لم يكن الوقت الَّذي شاءَ اللهُ أن يموت فيه.
لذا، لم يكن ليسمَح ليهوذا بالقيام بما يُريد القيام به إن أُتيحت له الفُرصة. فأوَّل فُرصة أُتيحت ليهوذا هي عندما كان يسوع في البُستان مع تلاميذه. وأنتُم تَذكرون ما حدث. فقد جاء يهوذا مع الجنود وقبضوا على يسوع. وقد كان مُستعدًّا للقيام بذلك هنا، ولكنَّ يسوع لم يَسمح له بمعرفة مكانه. لِذا فقد أَخفى الأمر عن الجميع لِئلاَّ يَعرف يهوذا. ثُمَّ إنَّ الرَّبَّ يقول: "عندما تَدخلان البيت..." ونحنُ نُتابع ما جاءَ في إنجيل مَتَّى مَرَّةً أخرى "وتَلتقيان الرَّجُل صاحب البيت، قولا له [في العدد 18] ’الْمُعَلِّمُ يَقُولُ‘". قولا له: "دايداسكالوس" (didaskalos)؛ أي المُعَلِّم...المُعَلِّم. وهو سَيَعرف عَمَّن تَتحدَّثان. ولا بُدَّ أنَّ ذلك الرَّجُل كان واحدًا مِن أتباعه، وواحدًا مِن تلاميذه. وربَّما كان يسوع قد اتَّفق معه مُسَبَّقًا. لا أدري! فليست لدينا أيَّة معلومات عن ذلك الحدث. ولكن قُولا له وحسب إنَّ المُعلِّم يقولُ الآتي. وهو سيَعرف. سوف يَعرف. فقد كان تابعًا للمسيح، ومُحبًّا للمسيح، ومؤمنًا بالمسيح. ونحن لا نَدري مَن هو. وهناك أشخاص يُخَمِّنونَ أنَّهُ فُلان أو فُلان، ولكنَّنا لا نَعلم. قولا له: "إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ". والكلمة "وقت" هنا هي ليست "كرونوس" (chronos). فهي ليست الوقت بالمعنى الزَّمنيّ، وليس الوقت بمعنى السَّاعة، بل هي "كايروس" (kairos) أي: اللحظة الحاسمة أو الوقت الحاسم أو الوقت الخاصّ أو لحظة موتي أو أنَّ وقتي المُعَيَّن في خُطَّة الله قد حان. فهي الآن. فسوف يحدث ذلك. وهو سيَفهم. سوف يَفهم.
وما أكثر المَرَّات الَّتي قال فيها يسوع: "لَمْ تَأتِ سَاعَتِي بَعْد"! وما أكثر المَرَّات الَّتي يقول فيها الكتاب المقدَّس إنَّ "سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْد". فلم تكن ساعتُه قد جاءت بعد. ولكنَّهُ يقولُ بنفسهِ الآن: "إنَّ وَقتي قريب". قولا له ذلك وحسب. "عِنْدَكَ..." فهو يقولُ حَرفيًّا: "عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ [في بيتِك] مَعَ تَلاَمِيذِي". وصيغةُ الفِعلِ هنا هي صيغة مُضارع نَبويَّة تَدُلُّ على الإلزام: "أنا مُلْزَمٌ بحفظ الفصحِ في بيتك مع تلاميذي". فهو يَرى نفسَه في مُهمَّة إلهيَّة وجدولٍ زَمنيٍّ إلهيٍّ. فلا بُدَّ أن يفعل ذلك. ويجب عليه أن يفعل ذلك الآن. فهذه هي اللَّحظة. وهذا هو الوقت. ويُخبرنا مَرقُس أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَملِك طابِقًا ثانيًا كبيرًا أو غُرفة كبيرة واسعة مَفروشة وجاهزة للاستعمال. وكانت تلك الغُرَف شائعةً في المنازل الكبيرة. لذا فقد كان يسوعُ مُلزَمًا بحفظ الفصح. ونقرأ في العدد 19: "فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ...". والكلمة المُستخدمة هنا هي كلمة مُدهشة إذ نَقرأُ أنَّهُ "أَمَرَهُم". وهي لفظة عَسكريَّة. فهي ذات صِبغة عَسكريَّة. فقد أَمَرَهُم. "وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ".
فقد ذهبَ بطرسُ ويوحنَّا إلى المدينة، ورأوا رَجُلاً يَحمل جَرَّةَ ماء فَتَبِعاه إلى البيت وسألا الرَّجُل وقالا له: سوف نأكُل الفِصحَ هُنا". وقد قاما بكلِّ التَّحضيرات، وأَعَدَّا كلَّ شيء. والآن، في هذه النُّقطة، يجب علينا أن نتوقَّف قليلاً. وأريد منكم أن تُصغوا بعناية فائقة إلى شيءٍ مِن المُهمِّ جدًّا أن تفهموه في هذا النَّصّ. أَلاَ لاحظتم في العدد 17، في نهاية العدد، أنَّ السُّؤال يقول: "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأكُلَ الْفِصْحَ؟" وأَلاَ لاحظتم ما جاءَ في نهاية العدد 19: "وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ". ولاحظوا العدد 21: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُونَ".
والآن، إن وَضعنا هذه الآيات الثَّلاث معًا، ما الَّذي يُفترَض أنَّهم يأكلونه؟ الفِصح. حسنًا! وهذا أمرٌ واضحٌ تمامًا...واضحٌ تمامًا. فقد كانوا يأكلونَ الفِصح. فإذا نَظرتم إلى إنجيل مَرقُس والأصحاح 14، ستقرأون في الأعداد 12 و 14 و 16 أنَّ الوجبةَ الَّتي أَكَلَها يسوعُ تُسَمَّى "الفِصْح". وإذا نَظرتم إلى إنجيل لوقا 22: 7 و 8 و 11 و 12، ستجدون أنَّ الوجبةَ الَّتي أَكلها يسوعُ تُسَمَّى "الفِصْح". لذا، ربَّما تقول: "حسنًا! لا شَكَّ في أنَّها كانت الفِصح". هذا صحيح. فلا شَكَّ في أنَّها كانت الفِصح. ولكن هناك مُشكلة. وأريد أن أُطلعكُم على مُعضلةٍ حَارَ فيها عُلماءُ الكتاب المقدَّس على مَرِّ السِّنين ولم يجدوا لها تَفسيرًا.
اسمحوا لي أن أُريكم المُشكلة هنا. افتحوا كِتابَكُم المُقدَّس على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 18. يوحنَّا 18. وأريد منكم أن تُلاحظوا العدد 28. فنحنُ نَقرأُ هنا مَرَّةً أخرى أنَّهم جاءوا بيسوعَ مِن عند قَيافا. وهذا هو اليوم التَّالي بالمُناسبة. فقد كانوا قد أكلوا الوجبة يوم الخميس. أليس كذلك؟ ففي مساءِ يوم الخميس، أكلوا الوجبة. وهذا يعني أنَّهُ بعد ظُهر يوم الخميس، تَمَّ ذَبْحُ ذلك الحَمَل. وقد نَظرنا للتَّوّ إلى يوم الخميس عندما تَقدَّموا إلى يسوع وقالوا: "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأكُلَ الْفِصْحَ؟" فقالَ: افعلوا كذا، وأَعِدُّوه. ففي بعد ظُهر يوم الخميس، كانوا قد ذَبحوا الحَمَل. وفي مساء يوم الخميس، جاء يسوع مع التَّلاميذ العشرة الآخرين وأكلوا الوجبة. فكلُّ ما حدث في ذلك المساء حَدَثَ يوم الخميس مساءً. فوَفقًا لحسابنا للأيَّام، حدثَ ذلك يوم الخميس مساءً.
ثُمَّ لَعَلَّكُم تَذكرون أنَّ يهوذا ذهب ليلاً وخَانَهُ. وقد غادرَ يسوعُ المَكانَ بعدَ الوجبةَ في مُنتصف اللَّيل وذهبَ إلى البُستان. وقد جاء الجنود إلى البُستان وقَبضوا عليه في مُنتصف اللَّيل. والآن، كانَ الوقتُ يَقترب مِن فَجْرِ يوم الجُمُعة عندما أحضروهُ للمُحاكمة، ثُمَّ كانَ يوم الجُمُعة صَباحًا. وكانَ قد ذَبَحَ الحَمَلَ بعد ظُهر يوم الخميس. وكان قد أكلَ الفِصح. والآن، نأتي إلى صباح يوم الجُمُعة. وفي هذا الوقت، كان اليهودُ قد قبضوا على يسوع. "ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَة"؛ أي إلى بيلاطُس. وهذا هو الجُزءُ الأُمَمِيُّ مِن مُحاكمتِه. "وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ...". فاليهودُ لم يَدخلوا "ولم يَدخُلوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا". وما مَعنى ذلك؟ لقد كانَ مَكانًا أُمَمِيًّا. وَهُم لم يُريدوا أن يَتنجَّسوا بسبب الأُمَم. لماذا؟ نَقرأ في العدد 28، في نِهايته: "فَيَأكُلُونَ الْفِصْحَ".
والآن، هُنا تَكمُنُ المُشكلة مِن جِهة التَّرتيبِ الزَّمنيِّ للأحداث. فكيفَ يُعقَل أنَّ يسوعَ قد ذَبَحَ حَملاً، وأكلَ وليمةَ الفِصح، وأنَّ اللَّيلَ أَرْخى سُدُولَهُ، وأنَّ الشَّمسَ أَشرقت صباحًا، وأنَّ اليهودَ لم يَشاؤوا أن يَتنجَّسوا لأنَّهم أرادوا أن يأكلوا الفِصح؟ هناك مَن يقولون: "لقد أكلَ يسوعُ فِصْحًا خاصًّا". ولكنَّ هذا لا يَجوز. فلا يمكنك أن تأكُلَ فِصْحًا خاصًّا لأنَّه لا يَجوزُ ذَبْحُ الحُملان إلاَّ عندما يحين الوقتُ الرَّسميُّ لِذبحِها. لذا، كيفَ يُعقلُ أنَّهم لم يكونوا قد أكلوا الفِصحَ بعد؟ قد تقول: "لقد تأخَّروا قليلاً لأنَّهم كانوا مَشغولين". لا، فقد كانوا مُتديِّنين جدًّا. انظروا إلى الأصحاح 19 والعدد 14. فنحن نَقرأ في الأصحاح 19 والعدد 14: "وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْح"؛ أي أنَّه كان يوم الجُمُعة. "وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ"، وَهَلُمَّ جَرَّا.
والآن، نَقرأُ هنا أنَّ اليومَ هو الجُمُعة. فهذا اليومُ هو الجُمُعة. ولم يكن اليهودُ قد أَكلوا الفِصحَ بعد. فَهُم لم يَفعلوا ما فَعَلَهُ يسوع. والآن، كيف تَحُلُّون هذه المُشكلة؟ فالسُّؤالُ المَطروحُ هو: كيف أَكَلَ الرَّبُّ الفِصحَ يوم الخميس مساءً، ولم يكن اليهودُ حتَّى يوم الجُمُعة قد أكلوه بعد؟" فقد كان لا بُدَّ أن يَحتفلوا بالفصح! ما الَّذي يَحدث هنا؟
أوَّلاً، اسمحوا لي أن أقول لكم الآتي: لقد جاءَ يسوعُ لكي يموت بصفته حَمَلَ الفِصح. أليس كذلك؟ "وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: ’... إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟‘" أتَذكرون ذلك؟ ثُمَّ إنَّه مات. فقد مات يسوعُ يوم الجُمُعة ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة. والسَّاعة التَّاسعة هي أيَّة ساعة؟ الثَّالثة. ففي السَّاعة الثَّالثة، ماتَ يسوع. وهي نفس اللَّحظة الَّتي ابتدأَ فيها صُراخُ تلك الحُملان يَعلو مِن الهيكل عندما ابتدأت عَمليَّة ذَبْح الحُملان. فقد كان اليهودُ، والقادة (الَّذينَ كانوا في الأغلبِ مِن الصَّدُّوقيِّين)، وسُكَّان اليهوديَّة يَذبحون كلَّ تلك الحُملان في نفس اللَّحظة الَّتي ماتَ فيها يسوع. فقد ماتَ (كما جاء في رسالة كورِنثوس الأولى 5: 7) "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا".
وأعتقدُ أنَّ يسوعَ جاء إلى المدينة في اليوم الَّذي تَمَّ فيه اختيار الحُملان. وأعتقد أنَّه ماتَ في اليوم المَعهودِ الَّذي كانت تُذبَح فيه الحُملان ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة لكي يُتَمِّمَ كلَّ نُبوَّة حَرفيًّا وكُلَّ رمز. وقد تقول: "إذًا، ما الَّذي كان يسوع يَفعلُه عندما أَكَلَ الفصحَ يوم الخميس مساءً؟" إليكم الإجابة، وأعتقد أنَّها إجابة مُدهشة جدًّا. هناك أشخاص يقولون: "لم يكن ما أَكَلَهُ هو الفِصح، بل إنَّ يسوعَ أَكَلَ العَشاءَ وحسب ... لقد تَناوَلَ وَجبةً وحسب". ولكنَّ المُشكلة في هذه الإجابة هي أنَّهم يَستمرُّون في تَسمية تلك الوجبة "الفِصْح". وإن أردتم التَّعَمُّق في ذلك، اسمحوا لي أن أقول ما يلي: لقد أَصَرَّ يسوعُ على أكلِ تلك الوجبة داخل مدينة أورُشَليم. فلو أنَّها كانت وجبةً وحسب لكانوا أكلوها في بيت عَنيا ووَفَّروا على أنفسهم عَناءً كبيرًا. فما الدَّاعي لأكلها داخل المدينة؟ لأنَّ التَّقليد كان يقول إنَّ كلَّ فِصْحٍ ينبغي أن يُحتفلَ به داخل مدينة أورُشَليم.
كذلك، لم يكن مِن عادة اليهود البتَّة أن يأكلوا وجبةً في اللَّيل. وأيضًا، لم يكن الاتِّكاء على الموائد شيئًا مألوفًا إلاَّ في أوقاتِ الأعياد أو الولائم، لا في الوجبات العاديَّة. أمَّا خارج ذلك النِّطاق، أي عند تَناوُل وجبة عاديَّة، كان كَسْرُ الخُبز يحدث في بداية الوجبة، في حين أنَّه يَحدُث هُنا في مُنتصف الوجبة. وليس هذا فقط، بل إنَّ استخدامَ الخمر الأحمر لم يكن شيئًا عاديًّا البتَّة، ولم يكن مِن المألوفِ أن يُسَبِّحوا عندما يَنتهون مِن الأكل؛ في حين أنَّ ذلك كان يَحدث في الفصح. كذلك، عندما غادرَ يهوذا، في وقتٍ لاحقٍ كما تَذكرون، ظَنَّ التَّلاميذُ أنَّه مَضى ليُعطي المال للفُقراء لأنَّ هذا هو ما كانوا يَفعلونه في الفصح، لا في أيِّ وقتٍ آخر.
لِذا، كان كلُّ شيءٍ يُشير إلى أنَّه كان الفصح. ولكن إن كان فِصْحًا، لماذا كان في يومٍ مُختلف؟ إليكم الإجابة، وهي مُدهشة: إنَّ الأمرَ كُلَّه يتوقَّف على كيفيَّة حساب الأيَّام. كيف نَحسبُ الأيَّام؟ مِن أيِّ وقتٍ إلى أيِّ وقت؟ مِن مُنتصف اللَّيل إلى مُنتصف اللَّيل، هذا يوم. أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّ يوم الاثنين القادِم يَبتدئ اللَّيلة في مُنتصف اللَّيل. فنحنُ نَحسِبُ اليومَ مِن مُنتصف اللَّيل إلى مُنتصف اللَّيل. ولكنَّهم لم يكونوا يَحسبون اليوم هكذا. لِذا، يمكنكم أن تَروا أنَّ هناك خِيارات عديدة. فاليومُ لدى اليهود كان يَمتدُّ مِن غُروب الشَّمس إلى غُروب الشَّمس، أو مِن شُروق الشَّمس إلى شُروق الشَّمس. فقد كانت الأيَّامُ الاعتياديَّةُ عند اليهود تَتعاقَبُ مِن شُروق الشَّمس إلى شُروقِ الشَّمس، ثُمَّ مِن شُروق الشَّمس إلى شُروقِ الشَّمس، ثُمَّ مِن شُروق الشَّمس إلى شُروقِ الشَّمس. ولكنَّ الأعيادَ والأيَّام الخاصَّة والسَّبت كانت تَبتدئ بغروب الشَّمس وتَنتهي بغروب الشَّمس. لذا فإنَّ الأمر يتوقَّف على طريقة حسابك لليوم.
وهذا هو ما أريدُ منكم أن تَفهموه. وهذا أمرٌ يُدهشني! فقد كان ينبغي الاحتفالُ بعيد الفطير (بحسب ما جاء في سِفْر الخروج 12: 18) مِن غُروبِ الشَّمسِ إلى غُروبِها، ثُمَّ مِن غُروبِ الشَّمسِ إلى غُروبِها طَوالَ سبعة أيَّام. لذا، كانت تلك الأيَّامُ تُحسَب مِن غُروبِ الشَّمس إلى غُروبِها. وكان يومُ الكَفَّارة يُحسَبُ مِن غُروبِ الشَّمس إلى غُروبِها. وكان السَّبتُ يُحسَبُ مِن غُروبِ الشَّمس إلى غُروبِها. وفي هذه المَرَّاتِ (كما هي الحال في سِفْر اللاَّويِّين 11: 14 و 15 و 17، وسفر اللاَّويِّين 22: 6)؛ وهي آياتٌ تَتحدَّث عن تَطهيرٍ خاصٍّ أو عيدٍ خاصٍّ أو أيٍّ مِن تلك الأيَّام الَّتي كانت توجد فيها نجاسة ليومٍ واحد، كان لا بُدَّ مِن القيام بالتَّطهير قبل غُروبِ الشَّمس. لذا، كانت تلك الأيَّامُ تُحسَب مِن غُروبِ الشَّمس إلى غُروبِها.
يبدو إذًا أنَّه عندما كان يوجد يومٌ خاصٌّ أو سَبْتٌ خاصٌّ، أو أعيادٌ خاصَّة، كان ينبغي لهم أن يَحسبوا الأيَّام مِن غُروبِ الشَّمس إلى غُروبِها. ورُبَّما كان السَّبب في ذلك يَرجِع إلى أنَّ ترتيب الخليقة حدثَ بتلك الطَّريقة. وقد لاحظتُ عندما عُدْتُ إلى سِفْر التَّكوين أنَّه يقول: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. ... وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا". وهذا يعني أنَّ الله ابتدأ بحسابِ الأيَّام مِن المساء إلى المساء. ولكن مِن جهة أخرى، كان اليهودُ أيضًا يَحسبون اليومَ مِن شروق الشَّمس إلى شروقها في اليوم التَّالي كيومٍ تَقويميٍّ عاديّ. ونحنُ نَفعل ذلك حقًّا. فَمَعَ أنَّنا نقولُ إنَّ اليومَ يُحسَبُ مِن مُنتصف اللَّيل إلى مُنتصف اللَّيل فإنَّ يومَنا يَبتدئ حقًّا عندما نَنهضُ في الصَّباح. لذا فقد كانت أيَّامُهم تُحسَبُ مِن صَباحِ اليومِ إلى صَباحِ اليومِ الَّذي يَليه، ثُمَّ إلى صَباحِ اليومِ الَّذي يَليه. فمثلاً، نقرأُ في إنجيل مَتَّى 28: 1 ما يلي: "وَبَعْدَ السَّبْتِ [اسمَعوا]، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوع". والآن، نَعلَمُ مِن خلال هذا العَدد أنَّ الكاتبَ يقول إنَّ أوَّلَ يومٍ في الأسبوع يَبتدئ ببزوغِ الفَجْر. لِذا فقد عادوا إلى طريقتهم المُعتادة في الحِساب.
والآن، إلى أينَ يَقودُنا ذلك؟ هذا يعني وحسب أنَّه كانت هناك أوقات يَحسبون فيها اليوم مِن غروب الشَّمس إلى غُروبها، وأنَّه كانت هناك أوقات يَحسبون فيها اليوم مِن شُروق الشَّمس إلى شُروقها. وهناك أوقات أخرى في العهد القديم (كما هي الحال في سِفْر التَّثنية 16: 4) كانوا يحسبون فيها اليوم مِن الصَّباح إلى الصَّباح.
والآن، رَكِّزوا معي. لِذا، في يوم الفصح هذا، حيث إنَّ توقيتَهُ لم يكن مُحَدَّدًا بالتَّفصيل في العهد القديم، كان يُمكن حساب يوم الفصح هذا مِن غروب الشَّمس إلى غروبها، أو مِن شروق الشَّمس إلى شُروقها. ووَفقًا للوقتِ الَّذي تَبتدئه فيه فإنَّك تُنهيه فيه. وقد شَرَحَ "يوسيفوس" (Josephus)، وهو مُؤرِّخٌ يهوديٌّ عظيمٌ كانَ فَرِّيسيًّا يعيشُ في زمن يسوع، شَرَحَ ناموسَ الفِصح. وقد قال إنَّ خروفَ الفِصْحِ ينبغي أن يُؤكَل في اللَّيل، وأَلاَّ يُترك شيءٌ منهُ حتَّى الصَّباح. وتقولُ المِشْنَة إنَّه ينبغي أن يؤكَل في مَوعدٍ أقصاهُ مُنتصفُ اللَّيل. لِذا فقد قالَ الجانبان إنَّه بِغَضِّ النَّظر عَمَّن يأكُلُه، يجب عليه أن يأكلَه قبل بُزوغِ فَجرِ يومٍ جديد؛ أي قبل الصَّباح. والآن، اسمعوني بعناية شديدة: عندما تَدرسونَ هذا التَّاريخ بشيءٍ مِن التَّعَمُّق، وهو أمرٌ وَجَدْتُهُ مُدهشًا، ستجدون أنَّ الجَليليِّين (أي سُكَّان الجُزءِ الشَّماليِّ) والفَريسيِّينَ كانوا يَحسبون اليوم مِن شُروق الشَّمس إلى شُروقها؛ أي يوم الفصح. أمَّا سُكَّانُ اليهوديَّة والصَدُّوقيُّون فكانوا يَحسبونه مِن غروب الشَّمس إلى غُروبها.
وقد تقول: "وكيفَ تَعلمُ ذلك؟" لأنَّ المِشنَة (الَّتي تَشرَح الشَّريعة اليهوديَّة) تُخبرنا ذلك. فهي تقول على سبيل المِثال إنَّ الجَليليِّين لم يكونوا يَعملونَ قَطّ في يوم الفصح. لماذا؟ لأنَّ اليوم كان يَبتدئ عندهم مِن الصَّباح. وهي تقول إنَّ سُكَّان اليهوديَّة كانوا يَعملون إلى مُنتصف اليوم لأنَّ اليوم لم يكن يَبتدئ عندهم إلاَّ عند غروب الشَّمس.
والآن، اسمعوني بعناية شديدة: هذا يعني أنَّه في يوم الخميس... في يوم الخميس، ابتدأ الجَليليُّون والفَرِّيسيُّون يَحسبون أنَّه بداية الفصح؛ أي مِن صباح ذلك اليوم إلى صَباح اليوم التَّالي؛ أي يوم الجُمُعة صباحًا. أمَّا سُكَّان اليهوديَّة والصَّدُّوقيُّون فلم يكونوا يَبتدئون الحساب إلاَّ يوم الخميس مساءً عند غروب الشَّمس فَيَستمرُّ العيُدُ إلى مساء يوم الجُمُعة عند الغروب. لذا فقد كان الجَليلُّون والفَرِّيسيُّون يَبتدئون باكرًا في ذلك اليوم (كما يُشيرُ مَتَّى في الأصحاح 26 حين قال التَّلاميذ: "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأكُلَ الْفِصْحَ [اللَّيلة]؟" لأنَّ يَومهم كان يَمتدُّ مِن الصَّباح إلى صَباح اليوم التَّالي. وكان لا بُدَّ أن يأكلوا الفصح قبل نهاية ذلك اليوم. لذا فقد أكلوه في تلك اللَّيلة. أمَّا اليوم التَّالي بالنِّسبة للجماعة الأخرى فلم يكن يَبتدئ إلاَّ في المساء. لذا فإنَّهم لم يكونوا مُستعدِّين لذبح حُملانهم إلاَّ في مساء اليوم التَّالي، ثُمَّ إنَّهم يأكلون وَجبتهم بحلول السَّبت مساء يوم الجمُعة. والشَّيءُ الَّذي يُدَعِّمُ هذا التَّفسير، كما قُلتُ لكم، هو تَفسير الشَّريعة اليهوديَّة الَّذي يُخبرنا أنَّ الجَليليِّين لم يكونوا يَعملون البتَّة في يوم عيد الفصح، في حين أنَّ الآخرين كانوا يَعملون إلى مُنتصف ذلك اليوم لأنَّ الفصح لم يكن يَبتدئ إلاَّ في المساء.
والآن، قد تقول: "وما الَّذي يَعنيه هذا كُلُّه؟" اسمعوني جيِّدًا جدًّا: أوَّلُ شيءٍ يَفعلُهُ ذلك هو أنَّه يُوَفِّق بين ما جاءَ في يوحنَّا 18 ويوحنَّا 19 لأنَّه يُخبرنا أنَّ الجليليِّين (أي يسوعَ وتلاميذَهُ والفَريسيِّين) كان بمقدورهم أن يأكلوا الفصح مساء يوم الخميس لأنَّهم كانوا يحسبون اليوم مِن الصَّباح إلى صباح اليوم الَّذي يَليه، وأنَّ الفصحَ كان يَنتهي في صباح يوم الجُمُعة. أمَّا الآخرون مِن اليهوديَّة والصَّدُّوقيِّين (الَّذينَ كانوا يُشَكِّلونَ الرُّؤساء) فلم يبتدئوا احتفالاتهم إلاَّ في وقتٍ مُتأخِّر مِن يوم الخميس ولم يكونوا يَذبحون حُملانَهم إلاَّ في نهاية يوم الجُمُعة.
والآن، قد تقول: "وما هو سبب أهميَّة ذلك؟" اسمعوني: مِن الغريب أن يكون الأمرُ هكذا. فهو غريبٌ جدًّا. ولا يُمكننا حقًّا أن نَعرف تحديدًا كيف حدث ذلك، ولكنَّ ما يُدهشُني هو ما يلي... اسمعوني جيِّدًا جدًّا: كان ينبغي ليسوع أن يموت يوم الجُمُعة. لقد كان ينبغي أن يُصلبَ يوم الجُمُعة لأنَّهُ بحسبِ التَّقليدِ في اليهوديَّة أو أورُشليم، كان يَنبغي ذَبْحُ حُملان الفِصح ما بين السَّاعة الثَّالثة والخامسة مساءً يوم الجُمعة. لذا، كان ينبغي أن يموتَ آنذاك. لِذا فإنَّنا نَقرأ: "ونحو السَّاعة التَّاسعة". فقد كان ينبغي له أيضًا أن يَحفظ الفصح لأنَّه كان ينبغي له أن يُحَوِّلَهُ إلى مائدةِ الرَّبّ. لذا، كيف يُمكن ليسوعَ أن يَحفظَ الفصحَ وأن يكونَ هو خَروف الفصح؟ لا توجد طريقة يُمكن فيها القيامُ بذلك إلاَّ إذا سَمَحَ الله بحدوث شيءٍ كهذا في التَّاريخ حتَّى إنَّه عندما تأتي اللَّحظة الَّتي سيموتُ فيها يسوعُ في تلك السَّنة تحديدًا، لا تكون هناك مُشكلة في الاحتفال بالفصح مِن قِبَل الجَليليِّين يوم الخميس مساءً والموت في الفصحِ عند سُكَّان اليهوديَّة يوم الجُمعة بعد الظُّهر وَفقًا للجدول تمامًا مِن دون التَّعديِّ على أيَّة شريعة يهوديَّة البتَّة.
وما يُؤيِّد هذا التَّفسير هو أنَّ اليهودَ كانوا سُعداء بحدوث ذلك (أي الكَهَنة) لأنَّ ذلك كان مُستحيلاً لو أنَّه كان ينبغي لهم أن يَذبحوا كلَّ الحُملان في فترة السَّاعتَيْن ذاتِها. فإن جاء الجَليليِّون يومَ الخميس، وجاءَ سُكَّانُ اليهوديَّة يوم الجُمُعة، سيكونُ بمقدورهم على أقلِّ تقدير أن يُوَزِّعوا العملَ على هذين اليومَين وأن يُحقِّقوا هَدفهم. لذا فقد كانوا سُعداء بهذا التَّرتيب.
فَضلاً عن ذلك، كان من الصَّعب العثور على غُرفة في أورُشليم لأكل وليمة الفصح. لِذا كان مُن المُلائم جدًّا أن تَتِمَّ مُضاعفة قُدرة أورُشليم على استيعاب الزُّوَّار مِن خلال وجود هاتين الفَترتين الزَّمنيَّتين. اسمعوني: عندما تأتون إلى كلمة الله وتُفكِّرون في أنَّ يسوع ماتَ ضَحيَّةً للدَّهاءِ البَشريِّ تكونون قد أسأتُم فَهمَ ذلك يا أحبَّائي. فاللهُ يَسودُ حَرفيًّا على التَّاريخ والتَّقليد والعادات، وعلى كلِّ التَّفاصيل الدَّقيقة المُختصَّة بالوجودِ البشريِّ لتَتميم خُطَّته الكاملة. وكان لا بُدَّ أن يَحفظ يسوعُ الفصحَ لكي يُتَمِّمَ كلَّ بِرّ، ولكي يُعَلِّمَ تلاميذَه، ولكي يُبَيِّن لهم الوليمة التَّذكاريَّة الجديدة النَّابعة مِن الفِصح. وبالرَّغم مِن ذلك، كان ينبغي له أن يموت كحَمَل الفِصح. وقد فَعَلَ كِلا الأمرين لأنَّ اللهَ عَمِلَ في التَّاريخ وسَمَحَ بحدوثِ كِلا هَذين الأمرَيْن مِن خلال سُلطانه التَّامِّ وهَيمنتِه.
لِذا، عندما نَنظر إلى قصَّة يسوع المسيح نَرى كلَّ شيءٍ سوى أنَّه كان ضَحيَّة. أليس كذلك؟ وقد تَمَكَّن مَتَّى في هذه الآيات الثَّلاث القصيرة مِن إظهار جَلال يسوعَ بطريقة تفوقُ قُدرتَنا على الاستيعاب. وهو ليس شيئًا كان بمقدور يسوع أن يُعِدَّهُ في العُطلة الأسبوعيَّة، بل إنَّه كان شيئًا جَرى على مَدى قُرون طويلة حَتَّى يكون حدوثُ هذا الأمر مُمكنًا. لذا فقد كان رَبُّنا يَعمل في توافُقٍ تامٍّ مع خُطَّة الله كاشِفًا بذلك كلَّ شيءٍ يَختصُّ بتعاقُبِ الأحداثِ المؤدِّية إلى الصَّليب. وهذا هو ابنُ اللهِ الحيِّ، مُخَلِّصُنا، بِكُلِّ جلالِه ومَجدِه وكرامَتِه. وهو لم يَخسر أيَّ شيءٍ في خِضَمِّ تجربته، أو في وَسْطِ قَتَلَتِه. فهو لا يَفقد أيَّ جُزءٍ مِن كرامته، بل يَحتفظُ بجلالِ شَخصِه مِن خلال سَيطرته على كلِّ شيءٍ يَجري.
وهذه هي البداية فقط. وفي يوم الأحد القادم، سوف ننظر إلى ذلك الفصح ونَرى كيف أنَّ الرَّبَّ حَوَّلَهُ إلى مائدته. وبالمُناسبة، في يوم الأحد المُقبل أيضًا، سوف نَشترك في مائدة الرَّبّ. فهو يومُ أَحَدٍ نَشترك فيه في عشاءِ الرَّبّ. وأنا أَعلمُ أنَّكم ترغبون في الحضور. دعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
نَشكُرك يا أبانا على الحقائق العظيمة الَّتي رأيناها في كلمتك. فما أروعَ أن نَرى مَرَّةً أخرى أنَّك مُهيمنٌ على كلِّ شيء! مُباركٌ اسمُكَ! نَشكُرك يا إلهَنا. يا أبانا، نحن نَعلم أيضًا أنَّه يوجد هنا أشخاصٌ لا يَعرفون يسوعَ المسيح، أو المسيح المُهيمِن، أو المَسيحَ ذا الجَلال والمَجد والكرامة الَّذي جاء ليموت عن خطايا العالَم، والَّذي سَيطَرَ على كلِّ عُنصرٍ يَختصُّ بموته لكي يُتَمِّمَ ذلك. يا رَبّ، ليتَ هذا اليوم يكون اليوم الَّذي يَعرفون فيه يسوعَ المسيح، والَّذي يَقبلونَ فيه غُفرانَه. أيُّها الآبُ المُبارَك، نُصلِّي أَلاَّ يَنتهي هذا اليوم وأَلاَّ يأتي يوم غدٍ إلاَّ بعد أن يكونَ الجميعُ قد جاءوا إليكَ طَالبينَ الغُفران.
This article is also available and sold as a booklet.
