Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أدعوكم مُرَّةً أخرى في هذا الصَّباح إلى أن تَفتحوا كِتابَكم المقدَّس، مِن فَضلِكم، على الأصحاح الرَّابع والعشرين مِن إنجيل مَتَّى. ونحن نعود مَرَّةً أخرى في هذا الأسبوع إلى نَصٍّ صار مألوفًا لدينا وهو هذه العظة الرائعة الَّتي قدَّمها ربُّنا يسوعُ المسيح عن مجيئه الثَّاني؛ وهي عظة تَشغلُ الأصحاحين 24 و25 مِن إنجيل مَتَّى. ونأتي الآن إلى الجزء الَّذي يَشغل الأعداد مِن 36 إلى 51. وقد ابتدأنا معًا في المرَّة السابقة بالنَّظر إلى هذه الآيات. وسوف نَختِمُ هذه النَّظرة في هذا الصباح.

لقد رَنَّمنا في هذا الصباح ترنيمةً تُشير إلى أنَّنا ننتظر مجيءَ الربِّ يسوع المسيح. ونحن المؤمنون جميعًا نعيش مُترَقِّبين مَجيئَه. وقد قال أحد اللاَّهوتيِّين، وأعتقد أنَّه "أوسكار كولمان" “Oscar Cullman”: "المؤمن يعيش حالةَ شَدٍّ بين ما يحدث الآن وما لم يحدث بعد". فقد اختبرنا الخلاص، ولكنَّنا لم نختبر بعد مِلْء الخلاص؛ أي فداء أجسادنا. وقد حَصلنا على قوَّة الرُّوح القُدُس، ولكنَّنا لم نختبر بعد مِلْء تلك القوَّة الَّتي ستأتي بنا إلى المجد الكامل. وقد حصلنا على الحياة الأبديَّة، ولكنَّنا لم نشترك بعد في القيامة.

لِذا فإنَّنا نعيش بشكلٍ مِن الأشكال بين ما قد تَحقَّق وما لم يتحقَّق بعد. ونحن نعيش في ذلك الشَّدّ. فنحن ننظر إلى الوراء إلى الصَّليب، ونترقَّبُ المجيءَ الثَّاني. ونحن نعيش في الأيَّام الأخيرة، ولكن ليس بعد في آخر الأيَّام الأخيرة. لِذا فإنَّ كلَّ مؤمن يعيش وهو يشعر بالأمور الَّتي تحقَّقت وبالأمور الَّتي لم تتحقَّق بعد. فنحن نعيش في تلك الإثارة، وفي ذلك التَّشويق، وفي ذلك الفرح النَّابع مِن تَرَقُّب مجيء الرَّبِّ يسوع المسيح. لذا فإنَّ كاتب الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين يُعبِّر عن ذلك بالكلمات التالية: "هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ" (الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 9: 28).

أجل! فقد حَمَل خطايانا، ولكنَّنا ننتظره لأنَّه لم يأت بعد مَرَّةً ثانية كي يَهَبَنا خلاصًا كاملاً ومجيدًا. ويُعبِّر بُطرس عن ذلك بالكلمات التالية: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". صحيحٌ أنَّنا وُلدنا ثانيةً، ولكنَّنا لم نحصل بعد على ميراثِنا الكامِل. ونقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثالث: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ... لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ". أجل، لقد قَبِلنا يسوعَ المسيح، ولكنَّنا لم نَصِر بعد مِثلَه مِن جميع الأوجُه.

لذا فإنَّنا نعيش بين ما حدث وما لم يحدث بعد. وقلوبنا مُمتلئة بالتَّرقُّب للمجيء الثَّاني. ولكنَّ الأمر ليس كذلك [بصراحة] بالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذينَ لا يَعرفون المسيح. ويجب على الأشخاص الَّذينَ يُشاهدون ويَسمعون الرِّسالة المختصَّة بالمجيء الثَّاني ليسوع المسيح دون أن يكونوا مُستعدِّين لذلك الحَدث، يجب عليهم أن يخافوا. فبولس يقول: "فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبِّ نُقْنِعُ النَّاسَ". ويقول كاتب الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" وَهُوَ يقول إنَّ إلهَنا نارٌ آكِلَة. فالتَّفكير في مجيء يسوع المسيح يعني إمَّا أن تُفكِّر بطريقة تَملأ قلبك برجاء المجد، وإمَّا أن تُفكِّر بطريقة تَملأ قلبك بالخوف والرُّعب مِن الهلاكِ الأبديّ. لِذا فإنَّنا نترقَّب مجيء المسيح. وبالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذينَ يَعرفون المُخلِّص، نحن نُحِبُّ ظُهوره. أمَّا بالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذينَ لا يعرفونه فإنَّهم يخافون مِن ظُهوره.

ونحن جميعًا نُفكِّر في السُّؤال التَّالي: مَتى سيحدث ذلك؟ متى سيأتي يسوع؟ وهذا السُّؤال ليس جديدًا. ولعلَّكم تَذكرون عندما ابتدأنا دراسة الأصحاح 24 أنَّنا قرأنا في العدد الثالث أنَّ التَّلاميذ اجتمعوا حول يسوع على جبل الزَّيتون وقالوا: "متى ستحدث هذه الأحداث، وما هي علامات نهاية الدَّهر ومجيئك؟" فقد أرادوا أن يَعلموا مَتى أيضًا؟ متى سيحدث ذلك؟ متى ستأتي بمجدٍ وتُكافئ الأبرار وتَدين الأشرار؟ متى ستأتي وتؤسِّس مَلكوتك؟ متى سيحدث ذلك؟ وما هي العلامات؟

في الآيات 4-35، ذَكَر رَبُّنا العلامات. أليس كذلك؟ فقد أخبرهم ما هي العلامات. والآن، ابتداءً مِن العدد 36، يُجيب عن السُّؤال: "مَتى؟" فقد أجاب للتَّوّ عن السُّؤال المُختصِّ بما هي العلامات وذَكَرَ لهم العلامات. والآن، حان الوقت للإجابة عن السُّؤال المُختصِّ بالزَّمان: فقد قالوا له: "مَتَى يَكُونُ هذَا؟" ويأتي جوابُه في العدد 36. انظروا إليه: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، [ولا الابن] إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ".

فجوابُه عن السُّؤال: "مَتى؟" هو: "لا أحد يَعلم سوى الله. لا أحد يَعلم". أتعني أنَّه لا أحد يَعلم متى سيأتي يسوع؟ أجل! هذا هو ما يقوله. ولكن أَلا لاحظتُم أنَّه يقول "ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ"؟ وفي العدد 42، يقول ذلك مَرَّةً أخرى: "لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ". وفي العدد 44، يقول ذلك مَرَّةً أخرى: "لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّون". وفي العدد 50، في نهايته: "وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا". صحيحٌ أنَّه مِن المُمكن أن نَعرف العَصر أو الدَّهر أو الفترة الزَّمنيَّة بصورة عامَّة. فهذا أمر يُمكن معرفته. ونحن نَعلم ذلك. فالفترة الزمنيَّة الَّتي سيأتي فيها رَبُّنا مُعلنة لنا بتَفصيلٍ شَديد.

فنحن نعيش في عصر الكنيسة. وَهُوَ عصر سينتهي باختطاف الكنيسة. وهذه هي بداية النِّهاية. فهذه هي بداية يوم الرَّبّ [إنْ شِئتُم]. فالكنيسة ستُختطَف. والذي يَحْجِزُ [أي: الرُّوحُ القُدُسُ] سيَرفع الحَجْز عن الشَّرّ. وهنا يأتي ضِدُّ المسيح. وَهُوَ سيبدو كما لو أنَّه مُخلِّص إسرائيل، ولكن في مُنتصف فترة السَّبع سِنين، بعد الاختطاف مباشرةً، يُدَنِّس قُدس الأقداس، ويُقيم لنفسه صَنمًا، ويأمُرُ العالَم كُلَّه أن يَسجد له. وهذا هو ما سَيُشعِل فَتيل الضِّيقة العَظيمة.

والكتابُ المقدَّسُ واضحٌ بهذا الخصوص. فهو يتحدَّث عن اختطاف الكنيسة، وعن قيام ضِدِّ المسيح، وعن رجسة الخراب، وعن حدوث "ضِيقٍ عَظيم". فهو يُسَمَّى هكذا في العدد 21 مِن هذا الأصحاح. وفي تلك الضِّيقة العظيمة، ستحدث كلُّ أنواع الأحداث المُرعبة. وهي تُسمَّى في هذا الأصحاح أوجاع الملكوت. فهي آلام شديدة جدًّا ومُتعاقبة تأتي على الأرض وتؤدِّي إلى ولادة ملكوت المسيح. وهي تأتي في النِّهاية كما تأتي آلام الولادة في نهاية الحَمْل.

لِذا، سوف يأتي وقت تُختطف فيه الكنيسة ويَظهر فيه ضِدُّ المسيح. وفي مُنتصف فترة السَّبع سنوات الَّتي سيقوم فيها ويصير شخصًا ذا نُفوذ، سوف يُنَصِّب نفسه إلهًا أمام العالم بأسره كي يَعبدوه. ثُمَّ إنَّه سيبتدئ باضطهاد إسرائيل فتحدث مَجزرة في كلِّ العالَم وتَحِلُّ دينونة الله كما هو موصوف في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحات 6-18. وفي نهاية ذلك الوقت، تَظهر علامة ابن الإنسان في السَّماء. ونحن نَرى ذلك في الأعداد 29-31 إذْ إنَّ السَّماء تسقط، والأَجْرام السماويَّة تسقط، وكلَّ شيء يسير في مَداره يَبتعد عن مداره، وقُوى السَّماوات تتزعزع. وفي الظُّلمة الَّتي تُغَلِّف الكون، يَظهر المسيح. وهذه هي علامة مجيئه.

لذا فقد قال في هذا النَّصِّ الرَّائع إنَّ هذه هي العلامات. ولكنَّه يقول الآن: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ". ففيما يَخُصُّ الفترة الزمنيَّة، نحن نَعلم ذلك. "وللوقتِ..." [كما جاء في العدد 29] "...بَعْدَ ضِيْقِ تلك الأيَّام". والضِّيق هو تلك الفترة الزمنيَّة الَّتي يَظهر فيها ضِدُّ المسيح، والتي تحدث فيها الأحداث الموصوفة في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحات 6-18، وهُنا أيضًا. فيمكننا أن نرى ذلك الوقت بوضوح. فهو الوقت الَّذي يبتدئ باختطاف الكنيسة.

"وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ..." [أي بعد ذلك مباشرةً] "...تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاء". أمَّا بخصوص الوقت المُنصَرِم بين ظُهور علامة ابن الإنسان تلك في السَّماء إلى التَّأسيس الفِعليِّ للملكوت ومجيء الدَّينونة فإنَّنا لا نَعلم شيئًا عنه. فلا أحد يَعلم شيئًا عنه. فهناك فترة فاصلة. وفي سِفْر دانيال، نَرى أنَّها فترة لا تَقلُّ عن 75 يومًا، ولكنَّها قد تكون أطول مِن ذلك. ونحن لا نَعلم ذلك يقينًا لأنَّنا لا نَعلم تمامًا ما الَّذي يُشير إليه دانيال. ولكن هناك فترة زمنيَّة فاصلة غير مُحدَّدة. وفي وقتٍ ما مِن تلك الفترة الزمنيَّة بعد الضِّيقة، سيأتي المسيح بمجدٍ ودينونةٍ كامِلَيْن ونهائيَّيْن. أمَّا اللَّحظة المُحدَّدة واليوم المُحدَّد فغير مَعلومَيْن. لِذا فإنَّ الربَّ يقول إنَّه ما مِن أحدٍ يَعلم ذلك؛ لا مِن البَشر ولا مِن الملائكة. وفي تلك الفترة مِن تجسُّده واتِّضاعه، لم يكن هو نفسُه يَعلم لأنَّ الآب لم يُعلن ذلك له. ففي وقت تَجسُّده واتِّضاعه قَصَرَ عِلمَهُ المُطلَق على ما أعلنه الآبُ له. لِذا فإنَّه وقت غير مَعلوم.

والآن، هذا مُهمٌّ جدًّا، يا أحبَّائي. فالمجيءُ الثَّاني ليسوع المسيح سيحدث في وقتٍ مَجهول. فنحن لا نَعلم متى سيحدث ذلك. فهو قد يحدث في أيِّ جيل. وقبل أن يَحدث، سيتمُّ اختطاف الكنيسة، وسيأتي وقتُ ضيق، وسيَظهر ضِدُّ المسيح، وستكون هناك علامات كثيرة، وستظهر علامة ابن الإنسان في السَّماء. ثُمَّ في وقتٍ ما بعد ذلك، سيأتي يسوعُ المسيح.

ولكن تَذكَّروا ما يلي: أنَّ كلَّ هذه الأشياء (مِن اختطاف الكنيسة إلى المجيء الثَّاني) ستحدث بسرعة كبيرة. أليس كذلك؟ فالضِّيقة نفسُها ستكون سبع سِنين. والمجيء الثَّاني يأتي مباشرةً بعد ذلك. إذًا، في نحو سبع سنوات، سينتهي التَّاريخ البشريُّ. وفي الأعداد 32-35 مِن هذا الأصحاح، نقرأ أنَّ الجيل الَّذي سيكون حَيًّا عندما تبتدئ العلامات سيكون حَيًّا عندما يأتي يسوع. بعبارة أخرى، سوف يحدث ذلك بسرعة كبيرة جدًّا حتَّى إنَّه سيحدث في جيل واحد؛ بل في الحقيقة: في فترة زمنيَّة وجيزة جدًّا. فحالما يبتدئ ذلك، سينتهي بسرعة هائلة جدًّا. وقد يحدث ذلك في هذا الجيل لأنَّه إن كان اختطاف الكنيسة سيحدث حالاً (وَهُوَ أمر مُحتمَل)، لا يوجد شيء يسبق الاختطاف. ولو حدث ذلك الآن، فإنَّ هذا الجيل سيعيش طَوال كلِّ هذه العلامات إلى أن يأتي المسيح ثانيةً إنْ نَجَوْا. فسوف يُذبَح ثُلْثُهم. وسوف يموت رُبعهم في مذبحةٍ أخرى. فسوف تأتي حروبٌ وأهوالٌ تُهلكهم. وسوف يُهلِك ضِدُّ المسيح أكبر عددٍ مُمكن. وإن عاش أُناسٌ ليروا النِّهاية، فإنَّها ستحدث بسرعة هائلة حتَّى إنَّهم إن رأوا البداية ونجوا مِن تلك الأحداث فإنَّهم سيبقون على قَيْد الحياة ليروا النِّهاية. لذا، قد يحدث ذلك في أيِّ وقتٍ وأيِّ جيل.

والآن، ماذا ينبغي أن نفعل تَجاوُبًا مع هذا المجيء المُفاجئ للمسيح؟ وماذا ينبغي أن نَفعل تجاوُبًا مع انقضاء الدَّهر؟ أوَّلاً، لقد رأينا في درسنا السَّابق: "السَّهَر". انظروا إلى العدد 37: "وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. لأَنَّهُ كَمَا كَانُوا فِي الأَيَّامِ الَّتِــي قَبْلَ الطُّوفَانِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ الْفُلْكَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ وَأَخَذَ الْجَمِيعَ، كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَان".

ولا نكادُ نُصدِّق أنَّهم لم يَعلموا؛ أي أنَّ النَّاس في زمن نوح لم يَعلموا أنَّها ستُمطِر لأنَّه كان هناك شخص يُخبرهم بذلك طَوال مئة وعشرين سنة! فقد كان نوح كارزًا للبِرّ. وقد كَرز مُناديًا بالبِرِّ والدَّينونة. وقد أعطاهُم علامةً كبيرة جدًّا عن الدَّينونة الآتية بأن بَنى قاربًا ضَخمًا أو فُلْكًا (وهي كلمة تَعني حرفيًّا: "صُندوقًا خشبيًّا"). وقد كان هذا الفُلْكُ هو الرَّمز والعلامة (إذ إنَّ بناءَه استمرَّ مئةً وعشرين سنة) بأنَّ الله سيَجلب طُوفانًا ويُغرِق العالَم. والنَّصُّ يقول إنَّه إلى أن جاء الطُّوفان وأغرقهم، لم يُدركوا ذلك. فقد استمرُّوا في الأكل والشُّرب والزَّواج والتَّزويج. بعبارة أخرى، لقد استمرُّوا في حياتهم المُعتادة وتجاهلوا حَرفيًّا الكرازة بالدَّينونة، وتَجاهلوا حَرفيًّا العلامة والرَّمز المُختصّ بالطُّوفان القادِم. كذلك سيكون في يوم المجيء الثَّاني للمسيح.

وَهُوَ أمر يَصعُب تصديقُه. فالعالَم بصورة إجماليَّة سيتجاهل الاختطاف، وسيتجاهل رجسة الخراب، وسيتجاهل الأحداث المُرعبة الَّتي ستحدث خلال وقت الضِّيقة، وسيتجاهل حتَّى علامة ابن الإنسان في السَّماء. وسوف يَجدون تبريرات لها، ويبحثون عن مُسَوِّغات منطقيَّة لها. وسوف يتجاوبون معها بطريقة أخرى غير تلك الَّتي تَسعى إلى قولها أو توصيلها. وعندما يأتي يسوع، سوف يُصدَمون. وَهُوَ أمرٌ يَصعب تَخيُّله، ولكنَّه يُعَبِّر عن شِدَّة عَمى القلب البشريّ، ويُعبِّر عن شِدَّة ظُلمة الذِّهن البشريّ. اسمعوني: لقد عَجِزوا عن إدراك ما يجري حتَّى عندما مَشى اللهُ نفسُه بينهم. فما الَّذي سيجعلهم في تلك الفترة أقدر على الفَهم مِمَّا كانوا عليه عندما كان يسوع هُنا؟ ففي الحقيقة، عندما تُفْتَحُ أبواب الهاوية على الأرض في ذلك الدَّهر، ستكون الخطيَّة أسوأ مِن أيِّ وقتٍ مَضى.

لِذا فإنَّهم لن يَرَوْا الحقَّ. صحيحٌ أنَّه سيكون هناك خلاص عظيم. فاليهود سينالون الفِداء، وسيكون هناك فداء عظيم بين الأُمم (كما يقول الأصحاح السَّابع مِن سِفْر الرُّؤيا). ولكن سيكون هناك عدد هائل مِن النَّاس في جميع أنحاء العالَم يعيشون كلَّ تلك الأحداث المَهولة الَّتي قرأناها في الأصحاح 24 ويجدون مجيء يسوع المسيح يحدث أمامهم بطريقة غير مُتوقَّعة! وهذا أمر يَصعُب تصديقه. فسوف يُصدَمون بالرَّغم مِن كلِّ العلامات.

"حِينَئِذٍ يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ، يُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. اِثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى الرَّحَى، تُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى". فالدَّينونة ستأتي وتَفرِز البَشر. فالأشخاص الَّذينَ سيؤخذون إنَّما سيؤخذون للدَّينونة. والأشخاص الَّذين يُتركون إنَّما سيُتركون كي يَدخلوا الملكوت. فالأبرار سيُتركون كي يدخلوا الملكوت. أمَّا الأشرار فسيؤخذون ويُطرحون في الظُّلمة الخارجيَّة والدَّينونة الأبديَّة.

لِذا، سوف يحدث حَدَث يُحَذَّر منه العالَم مِرارًا وتَكرارًا. وما أعنيه هو أنَّ التَّحذيرات كثيرة جدًّا. فأوَّلاً، سيحدث الاختطاف، وسيَظهر ضِدُّ المسيح، وستحدث رجسة الخراب كما هو مُبيَّن بوضوح في العدد 15. وكلُّ هذه الأحداث مذكورة لنا بوضوح هنا وفي سِفْر الرُّؤيا. فكلُّ تفصيلٍ مذكور لنا. وبالرَّغم مِن ذلك كلِّه وعلامة ابن الإنسان في السَّماء (كما جاء في الأعداد 29 و30 و 31)، بالرَّغم مِن ذلك وَجَمْع المُختارين مِن كلِّ أنحاء الأرض، لن يُدركوا ما يحدث! ولن يَفهموا! وَهُم لن يُدركوا ذلك إلاَّ بعد فوات الأوان (كما حدث في زمن نوح)؛ أي إلاَّ عندما تَصِلُ المياهُ إلى ذُقونِهم ويَتِمُّ إغلاقُ الباب. فحينئذٍ فقط يبتدئون في الإيمان، ولكن بعد فَوات الأوان. فلن يكون الدُّخول مَسموحًا.

إذًا، ما هو التَّجاوب الأوَّل مع المجيء الثَّاني المُفاجئ وغير المُتوقَّع؟ نقرأ في العدد 42: "اِسْهَرُوا إِذًا". وهي عبارة تَرِد بصيغة المُضارع المستمرّ بمعنى: "استمرُّوا في السَّهر". "لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأتِــي رَبُّكُمْ". وَهُوَ يَقولُ للجيل الَّذي سيكون حَيًّا في أيِّ وقت: "أنتُم لا تَعلمون متى ستحدث كلُّ هذه الأمور. وأنتم لا تَعلمون متى سيحدث مجيء الرَّبِّ. لذا، ينبغي لكم أن تَسهروا، وينبغي لكم أن تُحَلِّلوا العلامة". وكما لاحَظنا في المرَّة السَّابقة في إنجيل مَتَّى والأصحاح 16، فإنَّه قال لليهود: "أنتُم بارعونَ جدًّا في التَّنبُّؤ بحالة الطَّقس، ولكنَّكم لا تَعرفون شيئًا عن العلامات الروحيَّة. لِذا، يجدُر بكم أن تعرفوا القليل عن العلامات الروحيَّة. ويجدُر بكم أن تَسهروا".

فأوَّل مَطلب هو السَّهَر. والمَطلب الثَّاني هو "الاستعداد". انظروا إلى العدد 43. والآن، سوف نتحدَّث عن الأمور الَّتي لم نتحدَّث عنها: "وَاعْلَمُوا هذَا". أو أنا أعتقد ما يلي: أنَّ هذه العبارة قد تأتي بصيغة الأمر أو بصيغة خَبريَّة. وأعتقد أنَّها تأتي هنا بصيغة خبريَّة؛ أي أنَّها تَذكُر حقيقة؛ لا سِيَّما إذا قارَنَّاها بالعدد 42: "أنتُم لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأتِي رَبُّكُمْ، ولكنَّكم تَعلمون هذا الأمر". بعبارة أخرى، هذا أمر واضح. فأنتُم تَعلمون هذا. "أَنَّهُ لَوْ". والحرف "لو" يأتي في حالة الشَّرط في اللُّغة اليونانيَّة للإشارة إلى شيءٍ يُخالف الحقيقة. "لو عَرَفَ"، ولكنَّه لم يكن يَعرف. ولكن لو عَرَفَ... "لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ..."؛ أي في أيِّ جُزءٍ مؤلَّفٍ مِن ثلاث ساعاتٍ مِن ساعات اللَّيل. فقد كان اليهود يُقَسِّمون اللَّيل إلى أربع فترات تتألَّف كُلٌّ منها مِن ثلاث ساعات (ابتداءً مِن السَّاعة السَّادسة مساءً وحتَّى السَّاعة السَّادسة صباحًا) وهي: مِن السَّادسة مساءً إلى التَّاسعة مساءً، ومِن التَّاسعة مساءً إلى الثَّانية عشرة مُنتصف اللَّيل، ومِن الثَّانية عشرة مُنتصف اللَّيل إلى الثَّالثة صباحًا، ومِن الثَّالثة صباحًا إلى السَّادسة صباحًا. وَهُوَ يقول: "لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأتِي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ". والكلمة اليونانيَّة "يَنْقُب" تعني: "يَحفُر". فقد كانوا يَحفرون في الجُدران المصنوعة مِن الطِّين أو يَحفرون في الأسقُف المصنوعة مِن الآجَر كي يدخلوا ويَسرقوا كلَّ شيء.

لِذا فإنَّه يقول: "أنتُم لا تَعلمون مَتى سيأتي الرَّبُّ، ولكنَّكم تَعلمون ما يلي: أنَّه إنْ كان المرء يَعلم متى سيأتي السَّارق؛ أي إن كان يَعلم بصفة عامَّة، ليس الدَّقيقة ولا حتَّى السَّاعة، بل إن كان يَعلم وحسب الهَزيعَ الَّذي سيأتي به، أو إن عَلِمَ الإطار الزَّمنيَّ العامَّ، مِن المؤكَّد أنَّه سيكون مستعدًّا له عندما يأتي. أليس كذلك؟ مِن المؤكَّد أنَّه سيستعدّ. وهذا هو ما يقوله. أي أنَّكم تَعلمون. فأيُّ شخصٍ أحمق يَعلم أنَّه إن كان هناك سارقٌ سيأتي، أو إن كُنتَ تَعلم أنَّه قادِم، مِن المؤكَّد أنَّك ستكون مستعدًّا له عندما يأتي.

ومجيءُ الرَّبِّ يُشَبَّه دائمًا بمجيءِ لِصٍّ. ويجدر بنا أن نقول في هذه النُّقطة أنَّ السَّبب في ذلك لا يَرجِع إلى أنَّه مجيءٌ إجراميّ. فالرَّابط بين مجيء الرَّبِّ واللِّصّ يَرِدُ هنا، وفي رسالة بطرس الثانية 3: 10، وسفر الرُّؤيا 3: 3، وسفر الرُّؤيا 16: 5، وفي إنجيل لوقا 12: 35-40 (وهي آيات سأقرأها لكم بعد قليل)، ويَرِد أيضًا في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 2 وما يليها مِن آيات. وهذه الآيات الَّتي يُقرَن فيها مجيءُ الربِّ باللِّصِّ لا تَعني أنَّ المسيح يُشبه اللِّصّ، بل إنَ المسيح سيأتي فجأةً وبصورة غير مُتوقَّعة كما يأتي اللِّصُّ فجأةً وبصورة غير مُتوقَّعة. فهذا هو وَجْهُ الشَّبَه الوحيد. هذا هو وَجْهُ الشَّبَه الوحيد.

وهناك ملاحظة أخرى أودُّ أن أُضيفها إلى ذلك: عندما يأتي لِصٌّ فإنَّه يأخذُ كلَّ شيءٍ لديك. كذلك سيفعل المسيح عندما يأتي ويجد شخصًا غير مُستعدٍّ لمجيئه. فهو سيأخذ كلَّ ما لدى ذلك الشَّخص. أليس كذلك؟ وسوف يُحرَق ذلك. لِذا، بهذا المعنى أيضًا، يمكننا أن نَرى المسيح يُشبه السَّارق الَّذي يأتي ويأخذ كلَّ شيء يملكه الإنسان ويَتَّكِل عليه لأنَّه لا يستطيع أن يَصمد أمام امتحان الدَّينونة.

لِذا فإنَّ الربَّ سيأتي بصورة غير مُتوقَّعة، وسيأتي فجأةً، وفي لحظة لا يُعلمها أحد ولا يُدركها أحد. والآن، مِن الصعب علينا أن نتخيَّل هذا لأنَّه عندما تُفكِّرون في الاختطاف وكلِّ تلك الأحداث الأخرى، سوف يقول الجميع: "متى سيأتي إلى هنا؟ متى سيأتي إلى هنا؟ يمكننا أن نرى ذلك. فكلُّ شيء واضح جدًّا. سوف يحدث ذلك. سوف يحدث ذلك". ولكن بسبب الخطيَّة، وبِحُكْمِ طبيعتها إذ إنَّها تُعمي تمامًا، ولأنَّ الإثم قد استفحَل وبَلغ مَداه، ولأنَّ النَّاس يُبَرِّرون كلَّ شيءٍ بأفضل طريقةٍ لديهم، ولأنَّ العداوة تُجاه الله بَلغت أَوجَها، سوف يحاول النَّاس أن يُبَرِّروا ذلك بشَتَّى الطُّرق الأخرى. وحتَّى إنَّ الأشخاص الَّذينَ يقولون: "رُبَّما يأتي، ورُبَّما تكون هذه هي النِّهاية" سيجدون أنَّهم يُقنعون أنفسهم بأنَّه لن يأتي. ولا أدري ما الَّذي سيحدث! فبعد ظهور العلامة في السَّماء، رُبَّما ستعود الأمور إلى شكلها المألوف قليلاً فيقول النَّاس: "أيًّا كان الشَّيء الَّذي يَحدث، فقد انتهى الآن" ويتقاعَسون وقتًا طويلاً ولا يتوقَّعون مجيئه. وحينئذٍ تمامًا يأتي! لا أدري! ولكنِّي أَعلم أنَّهم لن يكونوا مُستعدِّين عندما يَحدث ذلك؛ ما لم يُهيِّئوا قلوبَهم قبل تلك اللَّحظة.

وهناك أشخاص، كما تَعلمون، يُحبُّون أن يراقبوا العلامات إلى وقت ظهور العلامة الأخيرة قبل أن يَتحرَّكوا. ولكن لا! فالعدد 44 يقول: "لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ" – لا فقط سَاهِرين [كما جاء في العدد 42]، بل مُستعدِّين "لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأتِي ابْنُ الإِنْسَان". وَهُوَ يقول مِن جهة أخرى: "أنتم لا تَعلمون مَتى سيأتي. وَهُوَ لن يأتي في وقتٍ تتوقَّعونه". لذا، لا أدري ما الَّذي سيحدث بعد الضِّيقة وبعد علامة ابن الإنسان. فأنا لا أَعلم ماذا سيحدث في تلك الفترة الزمنيَّة، وفي تلك الفجوة الصَّغيرة الَّتي لا توجد آيات كتابيَّة كثيرة عنها. فأنا لا أدري ما سيحدث، ولكنِّي أَعلم أنَّ العالم سيَفقد إلى حَدٍّ ما شعوره بأنَّ المسيح سيأتي حالاً. وفي وقتٍ لا يتوقَّعونه نهائيًّا، سيأتي بدينونته الأخيرة ومجده الأخير.

لذا فإنَّ ما قَصَدَهُ بهذا التَّشبيه بسيط: إن عَلِمَ المرء أنَّ لِصًّا قادِم، سيكون مستعدًّا. وإن كنتم تَعلمون أنَّ يسوعَ آتٍ، ينبغي أن تكونوا مستعدِّين. ينبغي أن تكونوا مستعدِّين. فأنتم تَعلمون أنَّه آتٍ. فإن عَلِم المرء أنَّ لِصًّا سيأتي، فإنَّه يستعدُّ لِلِّصّ. ويسوع يقول لكم: "أنا آتٍ. أنا آتٍ".

وما زلتُ أَذكُر واعظًا كان يَعِظ عن المجيء الثَّاني. وكان واحدًا من أولئك الوُعَّاظ الَّذينَ يؤمنون بأنَّه لا يجوز لك أن تضع أيَّ ملاحظات أمامك، بل ينبغي أن تَعِظ مباشرةً مِن رأسِك. وقد نَسِيَ ما يريد أن يقول. فكلُّ ما تَمَكَّن مِن تَذَكُّرِه هو: "هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا... هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا". ويبدو أنَّ هذه العبارة سيطرت على ذهنه. لذا فقد قالها نحو خمس مَرَّات ولم يحدث شيء. وفي المرَّة الأخيرة فَكَّر قائلاً: "إن ضَربتُ المنبر بقوَّة وقلتُ: ’ هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا‘ رُبَّما سيَتحرَّر ذهني وأتذكَّر". وعوضًا عن ذلك، أَوْقَعَ المنبر وسَقَطَ في حِضن سَيِّدة تجلس في الصَّفِّ الأماميّ. وقد اعتذر عن ذلك. فقالت: "لِماذا تَعتذر؟ لقد حَذَّرتني ثماني مَرَّات أنَّك قادِم". فقد فَهِمَت المعنى المقصود.

فإن قال إنَّه سيأتي، وقال إنَّه سيأتي، وقال إنَّه سيأتي، يجب عليك أن تؤمن أنَّه سيأتي. والحَمقى هُم الأشخاص الوحيدون الَّذينَ يَعرفون تلك المعلومة ولا يستعدُّون. فهذا هو المعنى الَّذي قَصَدَهُ. فإن كنتَ تَعلم في أيَّة فترة زمنيَّة سيأتي، وكنتَ تَعرِف العلامات، وكنتَ تَرى ذلك، يجب أن تكون مستعدًّا لذلك إن لم تكن أحمق.

انظروا إلى إنجيل لوقا والأصحاح 12 قليلاً كي نرى مقطعًا آخر يُقدِّم الربُّ فيه نفس التَّحذير تقريبًا بعبارات مختلفة. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الربَّ عَلَّم غالبًا نفس الدُّروس باستخدام نفس الأمثلة الإيضاحيَّة أو أمثلة إيضاحيَّة مشابهة جدًّا. وكما يَعلمُ أيُّ مُعلِّم جيِّدٍ، فإنَّكَ تُكرِّر نفس الأمور الجيِّدة، وتُكرِّر الأمثلة الإيضاحيَّة الجيِّدة بأساليب مختلفة لأنَّها تساعد النَّاس. والربُّ هنا (في إنجيل لوقا والأصحاح 12) مُهتمٌّ أيضًا بتحذير النَّاس مِن مجيئه الثَّاني. وهو يقول: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ". بعبارة أخرى: كُن مستعدًّا حتَّى عندما يأتي ثانيةً يكون كلُّ شيءٍ كما ينبغي أن يكون. "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ".

وهذا مُدهش! فعندما يأتي الربُّ ثانيةً، إن كنتم أُمناء، سوف يُتكئكم لتأكلوا ويَخدمكم. فهذا هو الملكوت. فإن كنتم مستعدِّين عندما يأتي، سوف تجلسون معه في ملكوته فيخدمكم. "وَإِنْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّانِي أَوْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّالِثِ وَوَجَدَهُمْ هكَذَا، فَطُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ" لأنَّهم مُستعدُّون في أيِّ وقتٍ يأتي فيه. فَهُم يَعلمون أنَّه قادِم. صحيحٌ أنَّهم لا يَعلمون متى سيأتي، ولكنَّهم مُستعدُّون. "وَاعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأتِــي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأتِــي ابْنُ الإِنْسَانِ".

والآن، يمكنكم أن تَرجِعوا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 24. فهي نفس الفكرة. وَهُوَ نفس الدَّرس الرئيسيّ. إنَّها نفس الفكرة الَّتي يُقدِّمها هنا وهي أنَّه عندما يأتي، ستكون الدَّينونة مُهْلِكَة. وعندما يأتي في مجدٍ سيكون مجيئه مجدًا مباشرًا للمَفديِّين. لذا كونوا مستعدِّين. وحيث إنَّنا لا نَعلم متى سيحدث ذلك، ولا أحد يَعلم متى سيحدث ذلك، ولا أحد يَعلم موعد حدوث ذلك، يجب علينا أن نكون مستعدِّين في كلِّ الأوقات... في كلِّ الأوقات. لذا: هناك السَّهر والاستعداد.

وهناك فَرق بين أن تكون ساهرًا وتقول: "سوف أُمَيِّز العلامات"، وبين أن تكون مستعدًّا. فالاستعداد يُشير إلى الخلاص، وإلى القلب المُهَيَّأ. وهناك شيء ثالث مَطلوب. فلا يكفي السَّهر والاستعداد، بل ينبغي أن تكون هناك أمانة. لاحظوا الأعداد 45-51. الأمانة. ونجد هنا أيضًا تشبيهًا بَديعًا. وهي قصَّة أو مَثَل [إن شِئتم] يَستخدمه رَبُّنا أيضًا في إنجيل لوقا والأصحاح 12 في سِياق آخر لأنَّه يُبيِّن بصورة واضحة جدًّا جدًّا النُّقطة الَّتي يريد أن يُوضِّحها. فَهُوَ مثل توضيحيّ قويّ جدًّا.

العدد 45: "فَمَنْ هُوَ الْعَبْدُ الأَمِينُ..." وَالـ "فرونيموس" (phronimos)؛ أي: العاقِل أو "...الحَكِيم الَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ فِي حِينِهِ؟" والآن، ما الَّذي يتحدَّث عنه؟ إنَّه مَثل مُدهش جدًّا جدًّا. فالسيِّدُ يَرمِزُ إلى الله. والعبدُ يَرمزُ إلى كلِّ رجل وامرأة في العالَم. فكلُّ شخصٍ مِنَّا أُعطي وكالة. وكلُّ شخصٍ مِنَّا أُعطي مسؤوليَّة. فكأنَّ الربَّ يقول: "حسنًا! يجب عليكم أن تُحسِنوا إدارة الحياة، والنَّفَس، والذَّكاء، والإرادة، والعاطفة، والموهبة، والحقّ، ورهافة الحِسِّ الروحيِّ، والفرص، والامتيازات، وكلَّ ما وَهبته لكم عندما خَلقتكم على صورتي، وكلَّ ما وهبته لكم عندما وَضعتُ في عالمكم كلَّ تلك الأشياء الحسنة الَّتي استطعتُ أن أخلقها. فأنا أعطيكم كلَّ ذلك مِن خلال توفير الفرصة لكم كي تخدموني. فأنتم مسؤولون عن ذلك".

وهذا يُشبه العبد الَّذي أُوْصِيَ بأن يُدَبِّرَ البيت؛ أي أن يُحسن إدارة كلِّ الأمور، وأن يَحرص على إطعام الخَدَم في الوقت الصَّحيح والمكان الصَّحيح. بعبارة أخرى، فإنَّ كلَّ شخصٍ في العالَم (وليس فقط المؤمنين، بل كلَّ شخصٍ في العالَم) يَخضعُ لاختبارٍ في حُسْنِ الإدارة مِن قبل الله يَتضمَّن: الحياة، والنَّفس، والامتيازات. فكلُّ تلك الأشياء وُهِبَت لنا مِن الله. وهي وَكالة نحن مسؤولون عنها. وسوف يدخل جَهنَّم لا فقط الشَّيطان وملائكته، بل أيضًا الأشخاص الَّذينَ أَهدروا ذلك الامتياز، والَّذين نَهبوا خيرات الله؛ كما فعل الشَّخص المذكور في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 وطُلِبَ منه أن يُقدِّم حسابًا عن سوء استخدامه لِأموال الملك وإفلاسه. وقد خَرَّ ساجدًا وراح يتوسَّل إليه كي يَرحمه. فكلُّ رجُل وامرأة في العالَم أُعطي وكالةً مِن الله. وإن أسأتَ استخدام خيراتِ الله وامتيازاته وموارده وفُرصه، سوف تُحاسَب أمام الله على سوء استخدامك لوكالتك. وكما قلتُ، فإنَّ جَهنَّم ستكون مُمتلئة بأناسٍ أساءوا استخدام الفُرص الَّتي أتاحها الله لهم، وأساءوا استخدام الامتيازات الَّتي أتاحها الله لهم، وأخفقوا في ذلك ورفضوا أن يَخدموا الله بالطريقة الَّتي أوصاهم بها.

لذا فإنَّ كلَّ شخص على وجه الأرض يُختَبَر مِن الله فيما يَختصُّ بوكالته على ما يملكه. لذا فإنَّ رَبَّ البيت يَفعل ذلك بخادمه. ونقرأ في العدد 46: "طُوبَـى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا!" والآن، عندما يأتي الربُّ ويجد عبيدًا يفعلون ما أوصاهم أن يَفعلوه، سوف يُباركهم. أليس كذلك؟ وهذا يَدُلُّ على أنَّهم مؤمنون. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم مَفديُّون. فَهُم مُطيعون. فالطَّاعة هي دائمًا العلامة... وعمل مشيئة الله هو دائمًا العلامة على الخلاص الحقيقيّ. لذا، عندما يأتي الربُ، سيجد العبدَ الحقيقيَّ يفعل ما أوصاه أن يَفعل. فهو يُتَمِّم مشيئتَه. فَهُم يُؤدُّون وكالَتهم تمامًا.

العدد 47: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُقِيمُهُ [أيْ أنَّه يُقيمُ ذلك العبد المُطيع] عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ". وهذا رائع! وما يَعنيه ذلك هو أنَّه عندما يأتي الربُّ ثانيةً ويجد عبيده الأُمناء، وعبيده الجديرين بالثِّقة، وعبيده المطيعين، سوف يَجعلهم وُكلاء على كلِّ ما يَملِك. وهذا أمر مُدهش! فهل تَعلمون ما الَّذي سنفعله في المُلك الألفيِّ والأبديَّة؟ سوف نجلس مع المسيح في عرشه (كما جاء في سِفْر الرُّؤيا 3: 21) كما يَجلس هو مع الآب في عرشه. وسوف يُقيمُنا على جَميع ما يَملِكه هو. وهذا مذكور في العدد 47. فالحياةُ وَكالة. فما تَفعله بوقتك القليل سيُقرِّر ما إذا كنت ستجلس في الأبديَّة في عرش المسيح، أو ما إذا كنت ستُطرَح في جَهنَّم مع الشَّياطين والأرواح الشرِّيرة الَّذينَ أُعِدَّت جَهنَّم لهم. لذا، عندما يأتي الربُّ، سوف يَفحص الوكالة. والشَّخص الَّذي يُثبِت أمانته سيُكافأ بِمُلْكٍ أبديّ.

العدد 48: "وَلكِنْ إِنْ قَالَ ذلِكَ الْعَبْدُ الرَّدِيُّ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ. فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ الْعَبِيدَ رُفَقَاءَهُ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ السُّكَارَى. يَأتِــي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا، فَيُقَطِّعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْمُرَائِينَ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ". مِن جهة أخرى، عندما يأتي الربُّ، سوف يجد أشخاصًا غير أمناء. والأشخاص الَّذينَ لم يكونوا أُمناء في القليل لا يمكن أن يُقيمهم اللهُ على الكثير. فَهُم يُشبهون العَذارى اللَّاتي لم يُصْلِحْنَ مَصابيحَهُنَّ (كما جاء في المَثل الَّذي سنراه في الأصحاح 25). وَهُم أشخاص لم يأخذوا مواهبهم ويَستخدموها، بل دفنوها وخَبَّأوها. وسوف يُطرَح هؤلاء في مكان البُكاء وصَرير الأسنان. "وَلكِنْ إِنْ قَالَ ذلِكَ الْعَبْدُ الرَّدِيُّ..." كما جاء هُنا. أليس كذلك؟ "العَبْدُ الرَّديءُ" – "كاكوس" (kakos). فهو رَديءٌ في صِفاته، ورَديءٌ بطبيعته. "إِنْ قَالَ...فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ"؛ أي: سوف يغيب بعض الوقت، وها أنا أُراقب العلامات".

وأنتم تَعلمون أنَّه سيكون هناك أشخاص يفعلون ذلك. فسوف يقولون: "انظروا! لقد درستُ كلَّ تلك المقاطع النَّبويَّة. وبحسب ما أرى مِن خلال العلامات الظَّاهرة، سوف أنتظر حتَّى اللَّحظة الأخيرة. وفي تلك الأثناء، لن أستخدم ما لديَّ لخدمة الآخرين، بل سأُطعم نفسي. وإن وقف الآخرون في طريقي وحاولوا أن يأخذوا أيَّ شيءٍ مِنِّي، سوف أضربهم وأسحقهم. وسوف أصرف وقتًا مُمتعًا، وآكل وأشرب مع السَّكارى. وسوف أكون شخصًا مَرِحًا، وأحتفل. وسوف أستمتع قدر استطاعتي. وسوف أعيش الحياة بطولِها وعَرضِها".

وهذا لا يعني أنَّ كلَّ شخصٍ لم يَختبر التَّجديد يعيش هكذا. فليس كلُّ شخصٍ لم يختبر التَّجديد يضرب الآخرين أو يُسيء إلى الآخرين إلى الحَدِّ الَّذي فَعله هذا العبد. وليس كلُّ شخصٍ لم يختبر التَّجديد يَحتفل مع السَّكارى. ولكنَّه نَموذج للشَّخص الَّذي لم يختبر التَّجديد. لِذا فإنَّنا نقرأ أنَّ نَصيبَهُ سَيُجعَل مَع المُرائين (في العدد 51). وهذا لا يعني هنا أنَّه هو نفسُه مُراءٍ. بعبارة أخرى، إنَّ المُرائي شخص يَتظاهر بأنَّه مُتديِّن. ولكنَّ هذا الشَّخص لا يتظاهر بأنَّه مُتديِّن، ولا يَضرب النَّاس ويَعيش كما يحلو له. فهو لا يَسكَر. ولكنَّه سيذهب إلى نفس المكان الَّذي سيذهب إليه المُراؤون الدِّينيُّون. وهذا يعني أنَّ هذه الفئة هي أكبر مِن هذا المَثل الإيضاحيِّ المُنفرد. فهي تَضُمُّ كلَّ الأشخاص الَّذينَ لم يختبروا التَّجديد.

وبالمناسبة، فإنَّ لوقا (في النَّصِّ الموازي لهذا) يقول إنَّه سَيُقطَع ويُعطي نَصيبًا مَع الخائِنين. لِذا فإنَّه نَموذجٌ واحد فقط على أشخاصٍ كثيرين غير مُؤمِنين يَضُمُّون لا فقط الأشخاص الَّذينَ يعيشون حياة سُكْر وعَربدة، بل يَضُمُّ أيضًا الأشخاص المُرائين دينيًّا. لذا فإنَّه يَعتقد أنَّه يَملِك كلَّ الوقت الَّذي يُريد.

وسوف يكون هناك أُناس يَقولون... فربَّما هناك أشخاص يَسمعونَني الآن ويقولون: "حسنًا، حسنًا، أنا أَفهم ذلك. سوف أفعل ما أريد. حسنًا! سوف أراقب حدوث الاختطاف. وإن فَاتَني الاختطاف، ما زلتُ بحالة جيِّدة. فأنا أعرف ما سيحدث. سوف أراقب حدوث رجسة الخراب. وعندما أرى ذلك يحدث، سوف أراقب الأحداث بنفسي، وأراقب حدوث ما هو مَذكور في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحات 6-18. وعندما أرى علامة ابن الإنسان في السَّماء، ولا سِيَّما أنَّني لا أَعلم ما سيحدث بعد ذلك، سأحاول أن أبقى مُرهَفَ الحِسِّ. وقبل أن أرى أنَّ ذلك سيحدث، سوف أَهتمُّ بحياتي، وأَقبل المسيح، وأفعل ما هو مَطلوب. وإلى أن يحدث ذلك، سوف أتمتَّع بوقتي وحسب".

ولكنَّ سَيِّد ذلك العَبد سيأتي في يومٍ (كما جاء في العدد 50) لا تَنتظر فيها، وفي ساعةٍ لا تَعرفها. لا تحاول ذلك. فما الَّذي يَجعلك تَظُنُّ أنَّك إن لم تُسَلِّم قَلبك ليسوع المسيح الآن، سوف تَرغب في القيام بذلك في المستقبل؟ فالمسيح لن يَتغيَّر. فهو لن يصير أكثر روعةً، ولا أكثر مَجدًا، ولا أكثر قُوَّةً على تَخليصك، ولا أكثر قوَّةً على تغيير حياتك مِمَّا هو عليه الآن. فإن لم تكن تَرغب في القيام ذلك الآن، لِمَ سترغب في القيام بذلك آنذاك؟ فإن لم تكن تريد يسوع المسيح الآن في الوقت الَّذي تُحتَجَز فيه الخطيَّة إلى حَدٍّ ما (وهو أمرٌ يَصعُب تخيُّله، ولكنَّه كذلك)، هل تعتقد أنَّك سترغب فيه أكثر في فترةٍ ستكون فيها الخطيَّة غير مُحتَجزة، وفي وقتٍ سيكون فيه شَرُّكَ مُستَفحِلاً إلى حَدٍّ لم يَسبِق له مَثيل في تاريخ البشر؟ فالعالم سيكون أسوأ مِن أيِّ وقتٍ مَضى. فإن كنت تعتقد أنَّك تُشبِع رغباتك الآن، اعلَم أنَّه سيكون هناك إشباع أكبر للرَّغبات في وقت الضِّيقة حَتَّى إنَّه أمرٌ يَصعُب وصفه. فما الَّذي سيجعلك راغبًا في المسيح في غَمْرَة ذلك أكثر مِمَّا ترغب فيه الآن؟

ولا تَخدع نفسك مُعتقدًا أنَّك قادر على قراءة العلامات. فالكتاب المقدَّس يقول إنَّه لن يتمكَّن أحد مِن القيام بذلك. وسوف يأتي يسوع في وقتٍ لا تَظُنُّ أنَّه سيأتي فيه، وفي ساعة لا تَعرفها. وقد كان هناك أشخاص كثيرون في زمن نوح قالوا: "إن وَصَل الماء إلى رُكبتيَّ، سوف أقرع على الباب". ولكنَّ الأوان قد فات... قد فات... قد فات.

والعدد 51 يقول (وهذا أمرٌ مَريع): "يَأتِي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ [ويَجِد ذلك العبد غير الأمين] فَيَقْطَعُهُ". والفِعل اليونانيّ هو: "ديكوتوميئو" (dichotomeo): "يَقْطَع". وهو مُستخدَم في سِفْر الخروج 29: 17 في التَّرجمة السَّبعينيَّة (وهي التَّرجمة اليونانيَّة للعهد القديم)، للإشارة إلى قَطْعِ الكَبش عندما كان الحَيَوانُ يُقدَّم ذبيحةً ويُقطَع إلى نِصفين. وهو فِعلٌ يُشير إلى الهلاك الخطير والمُريع النَّاجِم عن دينونة الربّ. فعندما يأتي الربُّ ثانيةً ويَجِد هذا الشَّخص الَّذي ظَنَّ أنَّه قادر على فِعل مَشيئته، وعمل إرادته، والعيش كما يَحلو له، والنَّجاة مِن عواقب أفعاله، سيكون الأوان قد فات. فهو سيأتي في وقتٍ لا يتوقَّعه. وهو سيَدفع الثَّمن غاليًا. فسوف يُقطَع، ويُجعَل نصيبه مع غير المؤمنين والمُرائين، ويقضي الأبديَّة في البُكاء وصَرير الأسنان. وبالمناسبة، إنَّ البكاء وصَرير الأسنان يُذكَر خمس مَرَّات على الأقلّ في إنجيل مَتَّى. وهي تصف في كلِّ مَرَّة العذابَ الرَّهيب الَّذي لا تَخِفُّ حِدَّتُه ولا سَبيل إلى تَعزية صاحبه في جَهنَّم الأبديَّة.

إذًا، ما هو الاستعداد الصَّحيح لمجيء المسيح غير المُتوقَّع والمُفاجئ؟ السَّهر، والاستعداد، والأمانة. فيجب علينا أن نُراقب العلامات. ويجب علينا أن نستعدَّ لمجيئه. ولكي نفعل ذلك، يجب علينا أن نكون أُمناء تُجاه وَصاياه وكلمته، وتُجاه الوكالة الَّتي ائتَمَنَنا عليها. وسوف نتحدَّث أكثر عن ذلك حين ندرس الأصحاح 25 ونتأمَّل في مَثَل العَذارى اللاَّتي كان بَعضٌ مِنهنَّ مستعدَّات، ولم تكن بعضٌ مِنهنَّ مستعدَّات. وأيضًا حين نتأمَّل في مَثل الوزنات إذْ إنَّ بعضًا منها قد أُهدِر وبعضًا منها قد استُخدِم. وهُما مَثلان يُبيِّنان لنا نفس مسألة الأمانة والاستعداد والسَّهر في ضَوْءِ مجيء المسيح.

والآن، أصغوا جيِّدًا في الخِتام. رسالة تسالونيكي الأولى 5: 2. أريد أن أقرأ هذا النَّصَّ على مسامعكم: "لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ". وهذا يعني أنَّه سيأتي فجأةً وبصورة غير مُتوقَّعة. وَهُوَ أمر يَتِمُّ التَّشديد عليه مَرَّة أخرى. "لأَنَّهُ [في العدد الثَّالث] حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»..." أي عندما يَظُنُّ النَّاس أنَّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام، وعندما يَظنُّون أنَّهم سيَجتازون الضِّيقة ويَنجون، "حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى". ونَجِد هنا آلام الولادة مَرَّةً أخرى. "فَلاَ يَنْجُون".

لِذا، سوف يكون هناك أشخاص يقولون: "سَلامٌ وأَمان! سوف يكون كلُّ شيءٍ على ما يُرام، وسوف يَسيرُ كلُّ شيءٍ حسنًا". وبَغتةً، يأتي الهلاكُ والدَّمارُ عليهم. فبعضٌ مِن أولئك الَّذينَ يَظُنُّون أنَّهم سينجون مِن الضِّيقة العظيمة سيجدون أنفسهم يَقفونَ أمام الله قبل أن يأتي المسيح مِن خلال الموت والهلاك والخراب الَّذي سيحدث في تلك الفترة الزمنيَّة. لذا فإنَّ بولس يقول: "وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ كَلِصٍّ. جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ".

فذلك اليوم لن يُباغتنا. وذلك اليوم لن يُدركنا فجأةً. فنحن لسنا أشخاصًا نعيش في ظُلمة. وأنا لا أُوْمِنُ بأنَّنا سندخل في تلك الضِّيقة، بل أُوْمِنُ بأنَّنا سنُختطَف. فنحن لسنا مِن لَيلٍ. ونحن لسنا أبناء ظَلام، بل أبناء نَهار، وأبناء نور. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الربَّ سيختطفنا قبل أن يَنتشر ذلك الظَّلام.

وأنا لا أرغب البتَّة في دُخول تلك الفترة. فهي أسوأ بكثير مِن أيِّ وصفٍ يمكن للكتاب المقدَّس أن يُشَكِّلَهُ في مُخيِّلاتِنا. ولا مَعنى للانهماك السَّخيف بالرَّغبة في رؤية الضِّيقة. فنحن نريد أن نرى يسوعَ المسيح. فما الَّذي سيجعلني أرغب في أن أكون تحت حُكم ضِدِّ المسيح في حين أنَّه يمكنني أن أكون في حضرة المسيح وفي عشاء عُرس الخروف؟ وأنا أُوْمِنُ بأنَّنا لسنا أبناء ظُلمة. فالربُّ سيَختطفنا لأنَّ قلوبنا مستعدَّة. أمَّا فيما يَختصُّ ببقيَّة العالَم، سوف يقولون: "سوف يسير كلُّ شيءٍ على ما يُرام. سلامٌ وأمان!". ثُمَّ سيأتي الهلاكُ بَغتةً في وقتٍ لا يتوقَّعونه البتَّة. وأرجو أن تكونوا مُستعدِّين.

ويُدَوِّن "وليام باركلي" (William Barclay) القصَّة العجيبة لثلاثة شياطين مُتدرِّبين مَثَلوا أمام الشَّيطان. فقد تَمَّ إرسالُهم إلى الأرض لتطبيق تدريباتهم. قال أوَّل شيطانٍ مُتدرِّب: "سوف أقول للنَّاس إنَّه لا يوجد إله". فقال الشَّيطان: "هذا لن يَنجح. فَهُم يَعلمون أنَّ هذا غير صحيح". وقال الشَّيطانُ المُتدرِّب الثَّاني: "سوف أقول للنَّاس إنَّه لا يوجد جَحيم". فقال الشَّيطان: "هذا لن يَنجح. فَهُم يَعرفون أنَّه يوجد جَحيم". وقال الشَّيطان المُتدرِّب الثَّالث: "سوف أقول للنَّاس أنَّه لا مُبَرِّر للعَجَلة...لا مُبَرِّر للعَجلة". فقال الشَّيطان: "سوف تَحصُد نفوسًا كثيرة".

فهناك مُبَرِّر للعَجَلة... هناك مُبَرِّر للعَجَلة. استمعوا إلى ما قاله بولس: "هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا". فنحن اليوم أقرب إلى المجيء الثَّاني مِمَّا كُنَّا عليه في أيِّ وقتٍ مَضى في التَّاريخ البشريّ. "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّور".

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize