لِنَفتح كُتُبَنا المُقدَّسَةَ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح على إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. ونحن ما زِلنا نَدرسُ إنجيلَ مَتَّى، وتَحديدًا: الأصحاحَ الثَّامن عشر الَّذي اخترنا لهُ العُنوانَ: "تَمَثُّل المؤمِنينَ بالأولاد"... تَمَثُّل المؤمِنينَ بالأولاد. وهناكَ شيءٌ رئيسيٌّ تَعلَّمناهُ في هذا الأصحاح وهو أنَّ المؤمنينَ بحاجة إلى الغُفرانِ كَما يُغفَرُ للأولاد. فواحدٌ مِن العناصِر التَّعليميَّة الرَّائعة في هذا المقطعِ هو التَّعليم عن الغُفران. ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا رأينا أنَّنا نَدخُلُ الملكوتَ كالأولاد، وأنَّه يجب أن نَحصُلَ على العِناية كالأولاد، وأنَّهُ يجب أن نَحصُلَ على الحماية كالأولاد، وأنَّهُ يجب أن نُؤدَّبَ كالأولاد. ثُمَّ إنَّ هذا النَّصَّ يُخْتَمُ بدرسٍ عظيمٍ عن حقيقةِ أنَّه يجب أن يُغفَر لنا كالأطفال. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُعلِّمُنا عن موضوعِ الغُفران.
وهناكَ آية رئيسيَّة رُبَّما ينبغي أن تَكتُبوها في هامِشِ كِتابِكُم المُقدَّس بمُحاذاةِ الآية مَتَّى 18: 21 وما يَليها وهي الآية أفسُس 4: 32 لأنَّ تلكَ الآيةَ وَحدَها تُلَخِّصُ القصدَ مِن هذا المَقطَع. فهي تقول: "كُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح". وهذه وَصيَّة واضحة عن الغُفران لا سِيَّما أنَّ اللهَ غَفَرَ لنا كثيرًا جدًّا. فهذا هو القَصدُ مِن التَّعليمِ المَوجودِ في هذا المَقطعِ الَّذي سنتأمَّلُ فيه في هذا الصَّباح.
ولكِن قبلَ أن نَتأمَّلَ في المقطع، أريدُ وَحَسْب أن أَذكُرَ لكم مَثَلَيْنِ تَوضيحيَّيْن لِتَهيئةِ أذهانِكُم بخصوصِ الغُفران. في هذا الأسبوع، قَرأتُ رسالَةً أُرسِلَت في الأصل إلى الدُّكتور "جيمس دوبسون" (James Dobson) مؤخَّرًا مِن فتاة صغيرة. وإليكُم ما جاءَ في هذه الرِّسالة: "عزيزي الدُّكتور دوبسون، أنا فتاة في العاشِرة ولديَّ مُشكلة. هناكَ رَجُلٌ يُحاول أن يُحدِثَ انقسامًا في الكنيسة. وهو والِدُ صَديقتي الحَميمة. وبسببِهِ، لم تَعُد أُمِّي تَسمَحُ لي بالتَّحدُّثِ إلى صَديقتي ’فيث‘ (Faith). وقد تَحَدَّثتُ إلى صَديقتي ’فيث‘ بهذا الخُصوص وتَعَجَّبنا أنا وهي لأنَّنا لم نَفهم لماذا لا يُمكننا أن نَلتقي! ونحنُ مُتضايقتان! لماذا يَختَصِمون؟ فإجاباتُهم ليست مُقنِعَة. وإن كانوا يَختَصِمونَ فيما بينهُم فإنَّ هذا لا يَعني أن نَتَخاصَمَ أنا وصَديقتي. أَم أنَّهُ يجب علينا أن نَفعلَ ذلك؟ أنا في حَيْرةٍ تامَّةٍ مِن أَمري. فكُلُّ ما أعرفُهُ هو أنَّني وصديقتي ’فيث‘ صَديقتان، وأنَّ أَبَوَيْنا لَيسا كذلك. أرجوكَ أن تَجِدَ جَوابًا. مع مَحبَّتي، كارين". إنَّهُم مؤمنونَ لا يَغفرونَ بَعضُهم لبعض. لِذا فإنَّهم يُدَمِّرونَ حياةَ أطفالِهم الصِّغار.
في وقتٍ مَضى، كَتَبَت صَحيفة "لوس أنجليس تايمز" (Los Angeles Times) مَقالةً مُدهشةً تحمِلُ العُنُوانَ التَّالي: "أَبوان يَلتقيانِ قاتِلَ ابنتهما ويُسامِحانَه". تَقولُ المقالة: "’نحنُ نُحبُّ هذا الشَّخصَ المُمَيَّزَ مِن أعماقِ قُلوبِنا‘. هذا هو ما قالتهُ السيِّدة بريستول (Bristol) عنِ الرَّجُلِ الَّذي قَتَلَ ابنتَها. وهذا هو مَا صَرَّحَتْ بهِ رَبَّةُ المَنزِل مِن مدينة ديربورن (Dearborn) بولاية ميشيغان (Michigan) وهي تَتكلَّمُ بشيءٍ مِنَ التَّوتُّر أمامَ مجموعة مِن المساجين في كنيسة السِّجن في سِجن كاليفورنيا للرِّجال. وقد قادت هي وزوجُها ’بوب‘ (Bob) سيَّارتهما نحو ثلاثة آلاف كيلومتر لرؤية هذا الشَّخص المُميَّز ’مايكل كيز‘ (Michael Keys) الَّذي أُدينَ بقتلِ ابنتهما ’دايان‘ (Diane). وقد تَمَّ العُثورُ على جُثَّة دايان [الَّتي كانت آنذاك في سِنِّ العِشرين] في مَنطقةِ مُتَنَزَّه سان دييغو الشَّماليّ. وقد كانت تَعملُ آنذاكَ في بيعِ المَوسوعاتِ لسُكَّانِ تلك المَنطقة عندما خُطِفَت وخُنِقَت.
"وقد قالَ السيِّد والسيِّدة بريستول إنَّ اللهَ قادَهُما في مَهمَّة غُفران جَعَلَت أصدقاءهُما وأحبَّاءَهُما يَهُزُّونَ رُؤوسَهُم لأنَّهم لم يَفهموا ما يَفعلاه. ’نحنُ لا نُضْمِرُ أيَّة كَراهِيَة ولا نُفَكِّرُ في الانتقام‘. هذا هو ما قالتهُ السيِّدة بريستول للمساجينِ السِّتِّين يومَ السَّبت مساءً. ’نحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُخرِجَ شَيئًا صَالحًا مِن هذا الألم‘. وقد قالت السيِّدة بريستول إنَّه عندما تَلَقَّت هي وزوجُها الخَبَرَ المُرَوِّعَ بأنَّ ابنتُهما تَعرَّضَت للاغتصابِ والقتلِ بوحشيَّة، كانَ وَقْعُ الخَبرِ أَشبَهَ بِسِكِّينٍ اختَرَقت أعماقَ نَفسيهِما. ’نحنُ نَشعُرُ بالحُزنِ والألمِ كما يَشعُرُ بقيَّةُ البَشَر‘.
"أمَّا ’كيز‘ الَّذي اعترفَ أوَّلاً للسيِّد والسيِّدة بريستول بأنَّه لا يَفهمُ ما يَفعلاه، فقالَ لرِفاقِهِ في السِّجن إنَّ أشخاصًا مِثل السيِّد والسيِّدة بريستول يُضْفِيانِ مَعنىً على الكلمة ’غُفران‘. ثُمَّ إنَّ صَوتَ ’كيز‘ حَشْرَجَ بسببِ انفعالِهِ ودُموعه قبلَ أن يَلتفتَ إلى السيِّد والسيِّدة بريستول ويقول لهما: ’ليُبارِكُكما الله‘. ثُمَّ إنَّهُ لَفَّ ذِراعيهِ حَولَهُما. وقد قالت السيِّدة بريستول: ’ما يَجعلُنا أكثر سَعادةً هو أن يَقبلَ يسوعَ المسيح‘.
وقد قال قاضي مَحكمة سان دييغو الَّذي حَكَمَ على ’كيز‘ بالسِّجنِ مَدى الحياة: ’كانَ كيز أكثرَ قاتلٍ ماكِرٍ ومُنحَرِفٍ ومُتَحَجِّرٍ وشِرِّيرٍ رأيتُهُ طَوالَ حَياتي المِهنيَّة‘. ولكنَّ السيِّد والسيِّدة بريستول قالا: ’نحنُ نَنظرُ إلى هذا الرَّجُل ونَراهُ شخصًا ذا قيمة وأهميَّة. ونحنُ نَراهُ لا في ضَوْءِ ما فَعَلَهُ، بل في ضَوْءِ الصُّورةِ الَّتي يُمكِنُهُ أن يَصيرَ عليها‘".
يا لها مِن قِصَّةٍ عنِ الغُفران! أليسَ كذلك؟ ولماذا يوجدُ هذا الفَرقُ الشَّاسِعُ في قُدرةِ البشرِ على الغُفران؟ فَمِن جِهة، هناكَ أُمٌّ تَغفِرُ لمُجرمٍ شِرِّيرٍ اغتصبَ ابنتهَا وقَتَلَها. ومِن جهة أخرى، هناكَ مَسيحيَّان في الكنيسة لا يَغفران أحدُهُما للآخر خِلافاتٍ بسيطة! قد يكونُ الغُفرانُ شَيئًا صَعبًا جدًّا علينا أحيانًا إن كُنَّا نَعيشُ في الجسد. ولكنَّ رَبَّنا سيُساعِدُنا في هذا المَقطعِ على فَهمِ أهميَّةِ الغُفران. فلا يَجوزُ لذلكَ أن يُحدِثَ انقسامًا في الكنائس.
فيجب علينا جميعًا أن نكونَ مِثل السيِّد والسيِّدة بريستول. ولا يجوزُ أن يكونَ هناكَ أيُّ نوعٍ مِن عَدمِ الغُفرانِ في الكنيسة يُمَزِّق العلاقاتِ والعائلاتِ ووَحدةَ الكنيسة. وسوفَ نَعرِفُ تَعليماتِ رَبِّنا بهذا الخُصوصِ مِن خلالِ تأمُّلِنا مَرَّةً أخرى في هذا المَقطعِ المُهمّ.
اسمَحوا لي أن نُراجِعَ بسُرعة ذلك السُّؤال المُختصّ بالغُفران كما جاءَ في العدد 21. فهذه هي مُقدِّمةُ الموضوع. فبُطرس يقول: "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟" هذا هو السُّؤال. أمَّا نِطاقُ الغُفرانِ فمَذكورٌ في العدد 22 إذ إنَّ الرَّبَّ يقول: أربعمئة وتِسعونَ مَرَّة. وهو يُشيرُ بذلكَ إلى عَدَدٍ غيرِ مَحدود، أو إلى ما لا نِهاية، أو باستمرار.
لِذا فقد رأينا السُّؤالَ عنِ الغُفران، ورأينا نِطاقَ الغُفران، ثُمَّ تحدَّثنا أيضًا عن تأثيرِ الغُفران. وقد نَظرنا إلى إنجيل مَتَّى 6: 12-15 إذْ يقولُ الرَّبُّ إنَّه إن لم تَغفِروا بعضُكم لبعض فإنَّه لن يَغفِرَ لكم. لِذا، فقد رأينا السُّؤالَ عنِ الغُفران، ونِطاقَ الغُفران، وتأثيرَ الغُفران. ثُمَّ إنَّنا رأينا نَموذَجًا على الغُفران ابتداءً مِنَ العدد 23. والنَّموذَجُ هو مَثَلٌ، بل هو مَثَلٌ بَديعٌ يَحوي حَقًّا عظيمًا. وقد قِيلَ للتَّلاميذ. وهو يُحذِّرُهم وإيَّانا مِن خطيئةِ عدمِ الغُفران. انظروا إلى العدد 23، واسمَحوا لي أن أُذكِّرَكُم بالكلماتِ الَّتي يَبتدئُ بها المَثَل:
"لِذلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ". فهذا هوَ مَلكوتُ السَّماواتِ، أو نِطاقُ حُكْمِ اللهِ، أو مَلكوتُ النِّعمة. ففي مَلكوتِ النِّعمةِ حيثُ اللهُ هو المَلِك، فإنَّهُ يَستدعي البشرَ لمُحاسبتِهم. وهو يَستدعي البشرَ لكي يُقدِّموا لَهُ حِسابًا عنِ الامتيازاتِ الَّتي أعطاها لَهُم. وقد رأينا أنَّ هذا المَلِكَ هو اللهُ، وأنَّ هذا الخادِمَ هو رَجُلٌ أُعطي امتيازًا. وقد كانَ في زَمَنِ رَبِّنا مَرْزُبانًا أو وَالِيًا يَحكُمُ وِلايةً. وقد أُعطيَ مَسؤوليَّةً كاملةً على تلك الولايةِ، وصَلاحيةً بأن يَجمعَ الضَّرائبَ ويُسَلِّمَها للملكِ لاستخدامِها في إدارةِ شُؤونِ المَملكة.
وكانَ المَلِكُ قد عَيَّنَ أوقاتًا يُحاسِبُ فيها الوُلاةَ الَّذينَ أُعطوا تلكَ المسؤوليَّة. وهو يَرمِزُ إلى كُلِّ إنسانٍ أُعطيَ امتيازًا إلهيًّا، أو حَصَلَ مِنَ اللهِ على الحياةِ والنَّفَس، أو حَصَلَ مِنَ اللهِ على كُلِّ مَلَكاتِهِ العَقليَّة، أو حَصَلَ مِنَ اللهِ على الحقِّ في قَلبِهِ والحَقِّ مِن حَولِه. لِذا فإنَّ كلَّ إنسانٍ وَكيلٌ على ما ائتَمَنَهُ اللهُ عليه. وسوفَ يَتِمُّ استِدعاءُ كُلّ إنسانٍ مَرَّةً ومِرارًا أمامَ اللهِ ليُعطي حِسابًا عن تلك الوَكالة. وقد أشَرنا إلى أنَّ هذا يَرمِزُ إلى وقتِ التَّبكيت. فهو لا يُشيرُ إلى وَقتِ الدَّينونة أمامَ عَرشِ اللهِ أو شَيئًا مِن هذا القَبيل، بل هو الوقتُ الَّذي يَدعو اللهُ فيهِ البشرَ إلى تَقديمِ حِسابٍ عن حَياتِهم.
وهذا يُشبِهُ كثيرًا ما جاءَ في رسالة رُومية 7: 7-13 عندما تَقابَلَ بولسُ وَجهًا لوجهٍ مع حقيقةِ ناموسِ اللهِ، وشَعَرَ بالتَّبكيتِ على تَقصيرِهِ، وجاءَ أخيرًا إلى المُخَلِّص. فهو وقتُ تَبكيت. وهو الوقتُ الَّذي تَحدَّثَ عنهُ الأصحاح 16 مِن إنجيل يوحنَّا إذْ إنَّ الرُّوحَ يُبَكِّت على خَطيَّة، وعلى بِرّ، وعلى دَينونة.
لِذا فإنَّ اللهَ [المَلِكَ] يَستدعي البشرَ لمُحاسبتِهم. فهو يَستدعيهم للمُثولِ أمامَهُ مِن خِلالِ تَبكيتهم عندَ سَماعِ الوعظِ بالكلمة، أو قراءةِ الكتابِ المقدَّس، أو سَماعِ شَهادةِ المؤمنين، أو أيِّ وَسيلةٍ مِن تلك الوسائلِ أو كُلِّها. فالبشرُ يَتواجهونَ مع حقيقةِ أنَّهم مَديونونَ لله. وَهُم يُبَكَّتون.
والعددُ 24 يُخبرنا عن شخصٍ مُحَدَّد: "فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ". والرَّقْمُ المُستخدَمُ هُنا يُشيرُ إلى مَبلغٍ لا يُعَدُّ ولا يُحصَى. وقد تَحدَّثنا عن ذلك المَبلغ في المَرَّةِ السَّابقة. لِذا، لن أتحدَّثَ عن ذلك مَرَّةً أخرى. ويَكفي أن أقولَ إنَّهُ مَبلغٌ ضَخمٌ جدًّا. وهذا أكبرُ مُصطلحٍ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ للإشارة إلى رَقْمٍ ضَخْمٍ جدًّا.
وقد قلتُ في المَرَّةِ السَّابقةِ الَّتي دَرسَنا فيها تلك الآية إنَّ ذلكَ يُشبِهُ القولَ: "مِليارُ وَزنة". فهو مَبلغٌ غير مَحدود، ويَفوقُ الوَصف، ولا يُمكِنُ الوفاءُ به. ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مَثَلَ أمامَ اللهِ وتَمَّ تَبكيتُهُ على دَيْن. وبالمُناسبة: الدَّينُ هو الخطيَّة. وهي شيءٌ لا يُمكِنُ الوفاءُ بهِ ويَعسُرُ عَدُّه. والآيةُ 25 تقول: "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي...". وهذه هي حَالُ الإنسانِ أمامَ الله. فعندما تَتِمُّ مُواجهتُهُ بِخَطاياه، يُدركُ أنَّهُ لا يَملِكُ أيَّة مَصادر لِسَدادِ الدَّيْن. فهو مَبلغٌ لا يُمكِنُ دَفعُهُ أصلاً. وهو لم يَكُن لَهُ مَا يُوفِي.
لِذا، نَقرأُ أنَّ المَلِكَ أَمَرَ "أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَى الدَّيْنُ". ولم يَكُن دَفْعُ المَبلغِ كاملاً أمرًا مُمكِنًا البتَّة. فقد كانَ أكبرَ بكثير مِن أن يُوفَى. ولم يَكُن الرَّجُلُ يَملِكُ أيَّة مَصادِر للوفاءِ بالمبلغِ كاملاً. ولكن كانَ ينبغي أن يَدفعَ كُلَّ ما يُمكِنُهُ أن يَدفعَهُ. ووَفقًا للأعرافِ الوثنيَّةِ، كانَ يَنبغي أن يُباعَ كُلُّ شخصٍ في العائلةِ عَبْدًا، وأن يُباعَ كُلُّ ما لَهُ مِن أجلِ استخدامِ كُلِّ ذلك كجُزءٍ مِنَ الوفاءِ بالدَّيْن.
لِذا فإنَّ المبدأَ واضح. فالبشرُ يَمثُلونَ أمامَ اللهِ القُدُّوس. ويجب عليهم أن يُعطوا حِسابًا عن وَكالتِهم في الحياة، وأنفاسِهم، والحقِّ الَّذي أُعطي لَهُم. وسوفَ يَدانونَ في ذلك الوقت على دَيْنِ خَطيَّةٍ لن يَتمكَّنوا يَومًا مِنَ الوفاءِ به. فهو أكبرُ جدًّا مِن أن يُوفَى. وَهُم لا يَملِكونَ أيَّ مَصدَرٍ للوفاءِ به. وبصراحة، مِنْ حَقِّ اللهِ أن يُسَلِّمَهُم للعَذابِ في جَهنَّم. ومعَ أنَّ البشرَ لا يَستطيعونَ أن يَدفعوا كُلَّ المبلغ فإنَّهم سيَبْقَوْنَ إلى الأبد في جَهنَّم كي يَدفعوا كُلَّ ما يُمكنهم أن يَدفعوه. وقد قُلتُ لكم إنَّ البشرَ لن يَتمكَّنوا مِنَ الوفاءِ بالدَّينِ في جَهنَّم. لِذا فإنَّ جَهنَّمَ ستكونُ إلى الأبد. فَهُم سَيبْقَوْنَ هناكَ إلى الأبد لِدَفعِ كُلِّ ما يُمكنهم دَفعُه. لِذا فإنَّهُ حُكْمٌ مُريعٌ ولكنَّهُ عادِل لأنَّ الدَّيْنَ حَقيقيٌّ، ولأنَّ البشرَ حاولوا أن يَخدعوا المَلِك.
ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ لَجأَ إلى الوسيلةِ الوحيدةِ المُتاحة لَديه. لاحظوا العدد 26: "فَخَرَّ الْعَبْدُ". والآن، نَرى هُنا رَجُلاً مُنطَرِحًا. ونَرى هُنا رَجُلاً مُتَّضِعًا. ونَرى هُنا رَجُلاً مُنكسِرًا. ونَرى هُنا رَجُلاً يَعلمُ أنَّهُ على حَافَّةِ الدَّينونة. وهو يَسجُدُ ويقول: "يَا سَيِّدُ" مُؤكِّدًا سِيادَةِ المَلِكِ عليه. "تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيع". فهو يُقِرُّ بالدَّيْن. وهو يُقِرُّ بأنَّهُ دَيْنٌ صَحيحٌ بمِعنى أنَّهُ يَدينُ به حَقًّا. وهو يُقِرُّ بعَدالةِ حُكْمِ المَلِك. وهو لا يُجادِلُ بشأنِ العَدالة، ولا يَقولُ إنَّ الحُكمَ جائِر، بل يقولُ وحَسْب: "أرجوكَ أن تَتَمَهَّلَ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيع".
والآن، أعتقدُ أنَّ هذا يُشيرُ إلى التَّبكيتِ الَّذي يَسبِقُ الخَلاص. وهُناكَ مُلاحظة نَوَّهنا إليها في المَرَّة السَّابقة وهي أنَّ السَّببَ في أنَّ الرَّجُلَ يقول: "فأُوفيكَ" هو أنَّهُ لا يَفهمُ حَقًّا فَداحَةَ خَطيَّتِه. ولا أَظُنُّ أنَّ أيَّ إنسانٍ يَفهمُ ذلك. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَتِمُّ تَبكيتُهم على خَطاياهم، والَّذين يَقفونَ وجهًا لوجهٍ أمامَ اللهِ وتَتِمُّ مُواجهتُهم بحقيقةِ أنَّهُ يُعْوِزُهُم مَجْدُه، لا عَجَبَ أنَّهم يقولون: "يا رَبّ، أَمهِلني وَحَسْب. سامِحني هذه المَرَّة فقط وأَعِدُكَ أنَّني سأُحسِنُ التَّصرَّف، وأكونُ شخصًا أفضل. سوفَ أذهبُ إلى الكنيسة. وسوفَ أُقَدِّمُ لكَ حياتي. وسوفَ أفعلُ كُلَّ ما في وُسعي". فهذا رَدُّ فِعلٍ شائِع.
فمثلاً، قد تَسيرُ الحياةُ على ما يُرام دُونَ مَشاكِل، ثُمَّ قد يَحدُث شيءٌ خطيرٌ جدًّا جدًّا في العائلة. فقد يَمرضُ أحدُ الأبناءِ مَرضًا خَطيرًا، أو قد يَموتُ في حادِث، أو ما يُشبِهُ ذلك. أو قد يَموتُ أحدُ الزَّوجَيْن، أو يُصابُ بسَرطانٍ مُميت، أو بمرضٍ في القلب، أو رُبَّما يَفقِدُ عَمَلَهُ، أو رُبَّما يَتعرَّض لحادثٍ مُرَوِّع، أو رُبَّما تَعْلَقُ العائلةُ في مَكانٍ فيهِ اضطرابٌ أو حَربٌ، أو في موقفٍ خطير، أو قد يَضيعُ أحدُهم في الغابة، أو شيئًا مِن هذا القَبيل. وفي وَسْطِ ذلك الظَّرف الصَّعب، يُدركُ النَّاسُ إفلاسَ حَياتِهم ويَجدونَ أنفسهم وجهًا لوجهٍ أمامَ التَّبكيت. وقد يَسمَحُ اللهُ بأن يَصِلَ الإنجيلُ إلى أذهانِهم. وقد يَتواجَهونَ معَ ناموسِ اللهِ أو معَ الحقِّ الإلهيِّ مِن خلالِ شيءٍ مَحفوظٍ في ذاكرتهم أو شيءٍ مِن ماضيهم.
وفي تلك اللَّحظة، ليسَ مِنَ المُستغرَبِ أن يقولَ النَّاسُ: "إن جَعلتَ هذهِ المِحنةَ تَعبُر عَنِّي، وإن ساعَدتَني، سأفعلُ أيَّ شيءٍ تَطلُبُه يا رَبّ". وَلِسانُ حَالِهم هو في الحقيقة: "تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيع". وَلكنَّهُم لا يَفهمونَ حَقًّا فَداحةَ خطاياهُم أو عدمَ قُدرتِهم على دَفعِ أُجرَتِها. ولكن هناكَ نَدَمٌ حَقيقيٌّ. وهُناكَ حُزنٌ حَقيقيٌّ. وهُناكَ انكِسارٌ حَقيقيٌّ. وأنا أرى ذلكَ في هذا الرَّجُل.
والسَّببُ في أنِّي أرى ذلك هو العدد 27. وهذا هو المِفتاحُ لكُلِّ هذا المَثَل: "فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ". والآن، هذا هو المِفتاحُ لتفسيرِ المَثَل. فقد تَمَّ إطلاقُ سَراحِ الرَّجُل. وماذا يَعني ذلك؟ أنَّهُ لم يَعُد مُطالَبًا بِالوفاءِ بذلكَ الدَّيْن. البتَّة. فَلَن يُطلَبَ منهُ بعدَ الآن أن يُوفي ذلك الدَّين. فقد تَمَّ إعفاؤُهُ مِن ذلكَ الدَّين. وهذا يعني أنَّ ذلكَ الإنسانَ لن يَدخُلَ يومًا جَهنَّمَ لكي يَدفعَ كُلَّ ما يُمكِنُهُ أن يَدفَعَهُ إلى الأبد. فقد تَمَّ إعفاءُ الرَّجُلِ مِن دَينِه.
ثُمَّ ثانيًا، لقد نَالَ الغُفران. فقد تَحَرَّرَ مِن وُجوبِ القيامِ بأيِّ شيء إذ إنَّ المَلِكَ فَعَلَ كُلَّ شيء. فقد غَفَرَ لَهُ وَحَسْب. وأعتقدُ أنَّ هذا يَرمِزُ إلى نِعمةِ اللهِ المُخَلِّصَة. فقد تَمَّ إعفاءُ الرَّجُلِ مِن أيِّ دَيْن، ونالَ غُفرانًا تامًّا. وأيًّا كانتِ الأشياءُ الَّتي قد تَبدو غير واضحة فإنَّها واضحة جدًّا لي. فأنا لا أرى طريقةً أخرى لتفسيرِ هذا المَثَل سِوى أنَّ الرَّجُلَ أُعتِقَ مِنَ الدَّيْنِ ونالَ الغُفران. وهذا هو جَوهرُ الخَلاص.
فقد تَحَمَّلَ المَلِكُ نَفسُهُ الخسارة. وهذا هو تمامًا ما حَدَثَ على صَليبِ المسيح لأنَّهُ على صَليبِ المسيحِ، تَحَمَّلَ في جَسَدِهِ الخسارة. وقد دَفَعَ شخصيًّا أُجرةَ خطاياكُم وخَطاياي. لِذا فقد تَحمَّلَ اللهُ الخسارة. وقد تَحَمَّلَ اللهُ العَواقِب. وقد دَفعَ اللهُ شخصيًّا أُجرةَ الخطيَّة الَّتي لم يَكُن بمقدورِ أيِّ شخصٍ أن يَدفَعَها. لِذا فإنَّني أرى في هذا الرَّجُل تَوبةً حقيقيَّةً ونَدَمًا حَقيقيًّا. ومع أنَّهُ لا يَفهم حَقًّا فَداحَةَ خَطيَّتِه، ولا يَفهم حَقًّا كيفَ أنَّ الخلاصَ بمُجملِهِ هو بالنِّعمة، فإنَّ اللهَ يَرى انكسارَهُ وتوبَتَهُ الحقيقيَّةَ ويُعطيهِ ما هو بحاجةٍ مُلِحَّةٍ إليه. فهو يُحَرِّرُهُ مِن أيَّة مَسؤوليَّة للوفاءِ بالدَّينِ الَّذي عليه، ويَغفِر لهُ خَطيَّتَه.
والآن، قد تَتَشَوَّشونَ (كَما قُلتُ سابقًا) بسببِ أجزاءٍ أخرى مِنَ المَثَل؛ ولكن لا حاجةَ إلى أن تَتَشَوَّشوا بهذا الخُصوص. فَإن فَهمتُم هذا الجُزءَ، ستَفهمونَ تَفسيرَ بقيَّة المَثَل. لِذا، يُمكنكم أن تُخرِجوا قَلمَ رَصاصٍ أو حِبْرٍ وأن تَضعوا دائرةً حولَ الكلمة "وَتَرَكَ". فهذا هو جَوهرُ ما يُعَلِّمُهُ الرَّبُّ هنا. فقد رأينا أنَّ الغُفرانَ هو المَغزى الرَّئيسيّ مِن ذلك المَثَل. والآن، لِنَنتقِل إلى العدد 28 وإلى الرِّسالةِ الرَّئيسيَّة. فقد كانَ ما سَبَقَ تَمهيدًا وَحَسْب.
لاحِظوا العدد 28: "وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ". وهذا مُدهش. وهذا غَريبٌ جدًّا. وقد تقولُ: "كيفَ نَسِيَ هذا الشَّخص بهذه السُّرعة ما غُفِرَ لَهُ؟ كيفَ نَسِيَ بهذه السُّرعة تَحَنُّنَ سَيِّدِهِ عليه؟" "ذلك العبد" – فالنَّصُّ يُرَكِّزُ على أنَّهُ نفسُ ذلكَ العبد الَّذي نَالَ ماذا؟ الغُفران. فهو نفسُ الشَّخصِ الَّذي غُفِرَ لَهُ. "وَلَمَّا خَرَجَ...وَجَدَ...". بعبارة أخرى فإنَّ الفِكرةَ هنا هي أنَّه كانَ يَبحثُ عن شخصٍ مَا. فهذه لم تَكُن مُصادفةً غير مُتوقَّعة بالنِّسبة إليه. فهو لم يَلتقِ مُصادفةً ذلكَ الرَّجُل، بل إنَّهُ خَرَجَ وراحَ يَبحثُ عن هذا الشَّخص. ومَن يَكون؟ لاحِظوا: "وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ". ونحنُ نَقرأُ هُنا كلمةً أعتقدُ أنَّها مُهمَّة في هذا المَثَل: "سوندولون" (sundoulon): "واحِدًا مِنَ العَبيد رُفَقائِه". وأعتقدُ أنَّ هذا يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ شخصًا آخرَ نالَ الغُفران. فهو شخصٌ آخر في العائلة.
لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُطَبِّق المَثَلَ على أفرادِ العائلةِ الَّذينَ هُم في المسيح، وفي الشَّرِكَة. وهذا التَّعبيرُ يَصِفُ [في اعتقادي] في هذا المَثَل أخًا مُؤمِنًا. وهو يُستخدَمُ بتلك الطَّريقة في بقيَّةِ المَثَلِ في كُلِّ المَرَّاتِ الأربعِ الَّتي يُستخدَمُ فيها هذا التَّعبير. لِذا فقد وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ؛ لا مُجَرَّدَ عَبْدٍ آخرَ في العالَم، بل شخصًا يَخدِمُ نفسَ المَلِك... وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِه. وأعتقدُ أنَّ هذا التَّعبيرَ يَرمِزُ إلى المؤمنينَ في هذا المَثَل.
والآن، لم يَكُن هذا العبدُ الآخر يَنتمي بالضَّرورة إلى الطَّبَقَةِ نَفسِها. فرُبَّما كانَ يَعملُ لدى الشَّخصِ الأوَّل. فرُبَّما كانَ الأوَّلُ وَالِيًا، وكانَ هذا الشَّخصُ الثَّاني واحدًا مِن العَامِلينَ لديهِ في جَمْعِ الضَّرائبِ المَحليَّة. ولكنَّهما كانا يَخدمانِ نفسَ المَلِك. وما يَحدُثُ غَريبٌ حَقًّا. وهو أمرٌ يَصعُبُ تَصديقُه. فهو يَخرُجُ ويَبحثُ عن هذا الرَّجُل، ويُمسِكُهُ، ويأخُذُ بِعُنُقِه. فالنَّصُّ اليونانيُّ يقولُ حَرفيًّا إنَّهُ ابتدأَ في خَنْقِهِ قَائِلاً: "أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ".
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم تفسيرًا مُوجَزًا هُنا. لو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مُؤمِنًا حقيقيًّا [كما يُفَسِّرُ أُناسٌ هذا المَثَل] لو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مُؤمِنًا حقيقيًّا لما كانَ لهذا المَثَلِ بأسرِه أيُّ مَغزى لأنَّ كُلَّ ما يُشيرُ إليهِ هذا المَثَلُ هو أنَّ هذا الشَّخصَ نالَ غُفرانًا تامًّا. أليسَ كذلك؟ وقد خَرَجَ ولَم يَغفِر للعبدِ رَفيقِه.
والآن، إن حَذَفتُم الغُفرانَ الأساسيَّ، ولم يَكُن غُفرانًا بالمعنى الحقيقيِّ، ولم يَنَل الغُفرانَ حَقًّا، فإنَّ المَثَلَ كُلَّهُ يَصيرُ عَديمَ المَعنى. فهو يَفقِدُ مَعناهُ تَمامًا. فنحنُ لا نَتوقَّعُ منهُ أن يَغفِرَ إن لم يُغفَر لَهُ. ونحنُ لا نَتوقَّع مِنهُ أن يَتصرَّفَ كما تَصَرَّفَ اللهُ إن لم يَكُن اللهُ يَسكُنُ في قَلبِه. ونحنُ لا نَتوقَّعُ مِنهُ أن يَفعلَ ما فَعَلَهُ اللهُ إن لم يَكُن يَعلمُ أنَّ اللهَ فَعَلَ ذلك، أو إن لم يَفعلِ اللهُ ذلك.
ولكانتِ الدَّينونةُ الَّتي دِيْنَ بها الرَّجُلُ في نِهايةِ المَثَل يَنبغي أن تُذكَرَ في العدد 27 لأنَّهُ لم تَكُن هناكَ حاجة لقولِ المَزيدِ لَهُ. فلو لم يَكُن غُفرانُهُ حَقيقيًّا، لما كانَ الجُزءُ المُتَبَقِّي مِن هذا المَثَل يَعني أيَّ شيء. فهو ليسَ مَثَلاً عنِ الخلاصِ الحقيقيّ، بل هو مَثَلٌ عنِ الغُفرانِ، وعن حَقيقةِ الغُفرانِ، وعن غُفرانِ المُؤمنينَ بعضُهم لبعض. وما يَجعلُ هذا المَثَلَ قَويًّا جدًّا ومؤثِّرًا جدًّا، هو أنَّ الرَّجُلَ نالَ الغُفرانَ حَقًّا. فقد خَلُصَ حَقًّا. وهو يُمسِكُ بذلك الشَّخص ويَبتدئُ في خَنْقِه.
وقد كانَ الكُتَّابُ الرُّومانُ والكُتَّابُ العِلمانيُّونَ يَكتُبونَ غالبًا عنِ أُناسٍ لاحَقوا أشخاصًا يَدينونَ لَهُم بالمالِ وخَنَقوهُم إلى أن خَرَجَ الدَّمُ مِن أُنوفهم وأفواهِهم. فقد كانوا يَستخدمونَ أساليبَ التَّعذيبِ الَّتي كانت تَستخدِمُها وَكالاتُ الاستخباراتِ في القَديم. فكُلُّ ما ينبغي لكَ أن تَفعلَهُ هو أن تَستأجِرَ شخصًا ضَخمًا وقويًّا لِيَخنِقَهُم حتَّى الموت إن لم يَدفعوا. وهو يقول: "أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ".
والآن، أنا أرى أنَّ السِّياقَ هُنا يُشيرُ إلى مُؤمِنٍ يَذهبُ إلى مُؤمنٍ آخرَ في عائلةِ اللهِ ويُطالبُهُ بالسَّداد. فقد تَعرَّضَ هذا الشَّخصُ للإساءة. ورُبَّما كانَ الدَّيْنُ حَقيقيًّا. ورُبَّما كانت هذه خَطيَّة بِحَقِّ هذا الشَّخص. ورُبَّما تَمَّ التَّحايُلُ عليه بطريقةٍ مَا. وهو لم يَغفِر. وقد تقول: "في هذه الحالة، لا يُمكِنُ أن يكونَ مُؤمِنًا". حقًّا؟ هل تريدونَ أن تَقولوا لي إنَّكم لا تَعتقدونَ أنَّ المؤمنينَ يَجِدونَ صُعوبةً في الغُفرانِ بعضُهم لبعض؟ أعتقد أنَّهُم يَجِدونَ صُعوبةً في ذلك. وأنا واحدٌ مِنهُم. وقد وَجدتُ صُعوبةً في ذلك.
فالمؤمنونَ يَجِدونَ صُعوبةً في هذا الأمر. فالجسدُ يَتَدَخَّلُ في الأمر. أليسَ هذا هو ما يَحدُثُ في حياتِنا المَفدِيَّة؟ هل يوجد أشخاصٌ يَدينُونَ لَكُم بالمال؟ هل تُفَكِّرونَ فيهم؟ آه! هل يُمكنكم أن تُفَكِّروا فيهم؟ وكم مَرَّة خَنَقتُموهُم في أذهانِكُم؟ فنحنُ نَجِدُ صُعوبةً في ذلك حَتَّى في كنيسةِ يسوعَ المسيح. وكما تَعلمونَ، إن قالَ شخصٌ شيئًا لم يُعجبكم، ستَحرِصونَ طَوالَ وُجودِكُم في الكنيسةِ على تَجَنُّبِ ذلكَ الشَّخص. وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَرَوْنَ فيها ذلك الشَّخص، تَشعرونَ بالغَضَبِ يَضْطَرِمُ في قَلبِكُم. وهناكَ مَرارة، وضَغينة. فذلكَ يُثيرُ مَشاعِرَ بَغيضَة بسببِ ما حَدَثَ قبلَ سنواتٍ طويلة لأنَّكم لم تَغفِروا لَهُم ما فَعَلوه. فالمؤمنونَ ليسوا مُحَصَّنينَ مِن تلك المُشكلة. لِذا فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتوتَّرونَ لأنَّ هذا الشَّخصَ ليسَ غَفورًا يقولون: "كيفَ يُعقَلُ أن يَتصرَّفَ مُؤمِنٌ بهذه الطَّريقة؟" ولكنَّكم رُبَّما لم تُفَكِّروا حَقًّا في ما قد يَفعلُهُ المؤمنونَ لأنَّه مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهم قد يَفعلونَ هذا الأمر.
فهناكَ أشخاصٌ في هذه الكنيسة الآن لا يَغفرونَ بعضُهم لبعض، بل إنَّهم يَتَسَبَّبونَ في كُلِّ أنواعِ القلقِ والألمِ والانقسامِ هُنا. وَهُم مُؤمِنون. ولكنَّهُم لا يَغفرونَ لأنَّهم مُصِرُّونَ على عَدَمِ الغُفران. فالجسدُ يَسعى إلى الانتقام. وهذا هو ما نَراهُ هُنا. وهذا مَثَلٌ جَلِيٌّ على ذلك. وهذا يُشبِهُ ما ذُكِرَ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحِ السَّادس حيثُ إنَّ المؤمنينَ كانوا يُقاضُونَ بَعضُهم بعضًا في المَحاكِم. اسمعوني: قد يَفعلُ المؤمنونَ ذلكَ عندما يَختصمونَ بعضُهم مع بعض. فقد يَحقدونَ ويَشعرونَ بالمَرارة. وهذا هو [في اعتقادي] ما نَقرأُ عنهُ هُنا.
فهو يَقول: "أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ". ولا مُبَرِّرَ للتَّعَجُّبِ مِن أنَّ هذا الشَّخصَ مُؤمِن. فهذا أمرٌ شائع إلى حَدٍّ مَا. ثُمَّ انظروا إلى الرَّدِّ في العدد 29: "فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ". ألا يَبدو ذلك مألوفًا؟ فهو نفسُ الكلامِ الَّذي ذُكِرَ في العدد 26. فقد قالَ لَهُ رَفيقُهُ نفسَ الكلامِ الَّذي قالَهُ هُوَ لِلمَلِك؛ كما لو أنَّ ذلك مَقصودٌ لإنعاشِ ذاكرتِه قليلاً. أَلاَ تبدو هذه الكلمات مألوفة؟ أليست هذه هي نفسُ الكلماتِ الَّتي صَدَرت عنكَ عندما كُنتَ تَتَوَسَّلُ لأجلِ إمهالِكَ لسدادِ ذلك المبلغ الضَّخم الَّذي يَستحيلُ الوفاءُ بِه؟ أَلَم تَكُن تَتَوَسَّلُ إلى المَلِك لكي يَعفو عنكَ، والآن ها هو رَفيقُكَ يَدينُ لَكَ بمبلغٍ ضَئيلٍ وأنتَ تَخنُقُهُ؟
وحتَّى إنَّ هذهِ الكلماتِ المألوفة الَّتي سَمِعَها بأُذنيهِ لم تَجِد صَدىً في قلبِه. وقد كانَ رَفيقُهُ يَتوسَّلُ إليهِ، ويَرجوهُ، ويَتَذَلَّلُ إليه. ولكنَّ هذا ليسَ سُجودًا. فالنَّصُّ لا يَقولُ إنَّهُ خَرَّ وسَجَدَ لَهُ. فلا يوجد هُنا سَيِّدٌ وَعَبْد، بل إنَّهُ مُجرَّدُ مَوقفٍ بينَ عَبْدٍ وآخر. لِذا فإنَّهُ يقول: "اسمَع! تَمَهَّل عَليَّ فأوفيكَ الجَميع". وقد كانَ بمقدورِهِ أن يَفِي بالدَّيْن. فقد كانَ ذلكَ الأمرُ مُمكِنًا.
ولكنَّ التَّطبيقَ واضحٌ. فإن أردنا أن نُقارِنَ ذلكَ بخطايانا إلى اللهِ، أو بخطايانا بعضُنا إلى بعض، أو بمشاكِلِنا، فإنَّ الدَّيْنَ الَّذي نَدينُ بهِ للهِ يَستحيلُ الوَفاءُ به. أمَّا الدُّيونُ الأخرى الَّتي نَدينُ بها للآخرينَ فيمكنُ الوفاءُ بها بسهولة. ولكنَّ المَعنى المقصودَ هو أنَّه بعدَ أن حَصلنا على غُفرانٍ عظيمٍ وهائلٍ وشاملٍ كهذا، كيفَ يُمكِنُنا أن نُقَسِّي قُلوبَنا ولا نَغفِر للآخرين؟
وبصراحة، يا أحبَّائي، يجب علينا أن نَعتادَ على الغُفران. فسوفَ نَحتاجُ إليه. أليسَ كذلك؟ وقد نَحتاجُ إليهِ مِن نفسِ الشَّخصِ الَّذي قد نَرفُضُ أن نَغفِر لَهُ. وهذا أمرٌ لا يُعقَل، ولكنَّ المؤمنينَ يَفعلونَ ذلك. وهذا هو السَّببُ في انقسامِ الكنائس. وهذا هو السَّببُ في حُدوثِ خُصومات. فهناكَ أشخاصٌ في الكنيسة [كما تَعلمون] لا يَحتملونَ ما قد يَفعلُهُ بهم أحدُ الأشخاصِ في مَجموعتهم. وعِوَضًا عن أن يُلقوا هَمَّهُم على الرَّبِّ، ويَغفِروا، ويَقبَلوا ذلك الشَّخصَ بمحبَّة، فإنَّهم يَشعرونَ بالمَرارة. وتلك المَرارةُ تَصيرُ سَببًا للخِلافِ وتَنعَكِس على العلاقاتِ الخارجيَّة. وهذا هو ما يَجعلُ الكنائسَ تَنقسِم. وهذا هو ما يُدَمِّرُ عائلةَ الله.
وهذا أمرٌ يَصعُبُ تَخَيُّلُه، ولكنَّهُ أمرٌ شائعُ الحدوثِ أكثرَ مِمَّا نُحِبُّ أن نَعترِف. ورُبَّما كانَ التَّلاميذُ يَفعلونَ ذلكَ هُم أنفسُهم. فقد كانوا يَتجادلونَ مَن هو الأعظم في المَلكوت. ولكي يُظهروا تَفوُّقَهُم، رُبَّما كانت هناك مَواقف قَلبيَّة مُعيَّنة لديهم تُجاهَ الآخرين. ورُبَّما قادَهُم ذلك إلى التَّفكيرِ في الآخرينَ بطريقةٍ مُتَرَفِّعَة، والتَّعالي على الآخرين لكي يَشعروا بأنَّهم أفضلَ مِنهُم. ورُبَّما كانوا يُضمرونَ ضَغينةً.
انظروا إلى الرَّدِّ في العدد 30. فقد قالَ رَفيقُهُ لَهُ: "تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ...". فَلَمْ يُرِد؟ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ؟ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ؟ وهذا أمرٌ لا يَتَخَيَّلُهُ عَقل! فهو عَديمُ الشَّفَقة. وهذا رَدُّ فِعلٍ غير مَعقول. فقد وَجَدَ شخصًا يُشفِقُ عليه. لِذا، كانَ ينبغي لهُ أن يُشفِق. وقد وَجَدَ شخصًا يَغفِر لَهُ. لِذا، كانَ ينبغي لهُ أن يَغفِر. وقد وَجَدَ شخصًا يُحِبُّهُ. لِذا، كانَ ينبغي لهُ أن يُحِبَّ. وقد وَجَدَ شخصًا يَرحَمُهُ. لِذا، كانَ ينبغي لهُ أن يَرحَم.
فأكبرُ الخطايا الَّتي قد يَقترِفُها الإنسانُ ضِدَّ الإنسانِ هي لا شيء. فهي ضئيلة وتافهة إن قُورِنَت بالخطايا الَّتي نَقتَرِفُها نحنُ ضِدَّ الله. واللهُ يَغفِرُها جميعًا. ومَن هو الإنسانُ حَتَّى لا يَغفِرَ خَطيَّةً أصغَر؟ والمَعنى المقصودُ مِنَ المَثَل هو أنَّهُ لا يَغفِر. وما يُعطي المَثَلَ تأثيرَهُ هو أنَّهُ قد غُفِرَ لَهُ. فهذه هي قُوَّةُ الحُجَّة. فكيفَ يَجرؤُ الأشخاصُ الَّذينَ يَنالونَ الغُفرانَ على عَدَمِ تَقديمِه؟ فإن كانَ اللهُ قد غَفَرَ لنا دَيْنًا أكبرَ بما لا يُقاس، كيفَ نَنسى ذلك بهذه السُّهولة؟
في الرِّسالة إلى تِيطُس، أوَدُّ أن ألفِتَ أنظارَكُم إلى ما جاءَ في الأصحاحِ الثَّالث. استمعوا إلى ما يَقولُهُ بولُس: "وَلاَ يَطْعَنُوا فِي أَحَدٍ، وَيَكُونُوا غَيْرَ مُخَاصِمِينَ [لا تَختَصِموا]، حُلَمَاءَ، مُظْهِرِينَ كُلَّ وَدَاعَةٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ". لِجميعِ النَّاسِ. بعبارة أخرى، يجب عليكم أن تكونوا غَفورين. "لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا". أي أنَّنا كُنَّا كذلك. "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا".
بعبارة أخرى، إنَّهُ يقول: "لا تُعامِلوا النَّاسَ كما اعتدتُم سابقًا. انظروا إلى ما فَعلَهُ المسيحُ لأجلكم". فهي نفسُ الفكرة. لِذا، مِن المؤسفِ أنَّ الكنيسةَ عَاشت طَوالَ حَياتِها في خَطيَّةِ عدمِ الغُفران، وما يَعقُبُ ذلكَ مِن مَرارةٍ وعَداوةٍ وشِقاق. وأعتقدُ حقًّا أنَّ هذا يُخالِف طبيعتَكُم الجديدة لأنَّني أُوْمِنُ بأنَّكَ إذا كُنتَ في الملكوت، لا بُدَّ أن تكونَ شخصًا رَحيمًا. "طُوبَى للرُّحماءِ لأنَّهُم يُرحَمون". فأنا أعتقدُ أنَّ ما يُمَيِّزُنا هو أنَّنا رُحَماء. فهذه هي طَبيعتُنا الجديدة. والجسدُ هو الَّذي يَتمرَّدُ ويَجعلُنا غير رُحماء.
لِذا، فَكِّروا في المَصدَر. فإن لم تَكُن غَفورًا فإنَّ هذا لا يُوافِقُ طَبيعتكَ الجديدة، بل هي خَطيَّتُك، وَهُوَ جسدُك الَّذي يُحاولُ أن يكونَ في الصَّدارة. وعندما تَفعلُ ذلك فإنَّكَ تَفصلُ نَفسكَ عنِ ذلكَ الغُفرانِ العَلاقِيِّ باللهِ؛ وَهُوَ الشَّيءُ الَّذي يَجعلُ الشَّرِكَة حُلوة. وإن نَظرتَ إلى حياتِكَ ووجدتَ أنَّكَ تَفتقِرُ إلى القُوَّة، وأنَّكَ تَفتَقِرُ إلى العُمقِ في حياتِكَ الرُّوحيَّة، وأنَّكَ تَفتقِرُ إلى الجُوعِ إلى كلمةِ اللهِ، وأنَّكَ تَفتِقِرُ إلى حَياةِ الصَّلاةِ والشَّرِكَة، وإن لم تَرَ ما تُحِبُّ أن تَراهُ في حياتِكَ مِن عُمْقِ العلاقةِ باللهِ، رُبَّما لن تَحصُلَ البتَّة على ذلك بسببِ وُجودِ عائقٍ، ولأنَّ الرَّبَّ لم يُسبِغ عليكَ ذلك الغُفرانَ الَّذي يُعيدُ العَلاقةَ الحُلوةَ مَعَهُ لأنَّكَ أَغلقتَ بابَ الغُفرانِ في وَجهِ شخصٍ آخر.
وما لم تَغفِر لذلك الشَّخص الآخر، لن يَفتحَ الرَّبُّ بابَ الشَّرِكة معه. لِذا، نَقرأُ في العدد 31... انظروا ما الَّذي يَحدُث: "فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ" – ونحنُ نَجِدُ ذلكَ المُصطلَح مَرَّةً أخرى. فنحنُ نَقرأُ هنا عن مجموعة مِن المسيحيِّينَ أوِ المؤمنينَ الَّذي رَأَوْا ما حَدَث. فقد رأوا كُلَّ شيء. والآن، إن أردنا أن نَتعمَّقَ قليلاً في تفسيرِ المَثَل، اسمَحوا لي أن أقولَ لكم إنَّه لو كانَ هذا المَثَلُ قِصَّةً حقيقيَّة، لكانَ هؤلاء الرُّفقاء قد اتَّبعوا دُونَ أَدنى شَكٍّ التَّسلسُلَ المَذكورَ في إنجيل مَتَّى 18: 15-20.
فلا بُدَّ أنَّهم رأوا هذا العبدَ غير الغَفور، وذَهبوا إليه، وأخذوا معهم شاهِدَين أو ثلاثة، ثُمَّ أخبروا كُلَّ المَجموعة، ثُمَّ عَزَلوه إن لم يَتجاوب معهم. فإن وَضعنا الأصحاحَ كُلَّهُ في سِياقِهِ وكانت هذه قصَّة حقيقيَّة، لا بُدَّ أنَّ هؤلاءِ الرُّفقاء فَعلوا كُلَّ ما يَلزَم لِجعلِ ذلك الشَّخص يَفعل الصَّواب ويَترُك الدَّينَ سواءَ دَفَعَهُ لَهُ رَفيقُهُ أَم لم يَدفعهُ.
ولكن يبدو أنَّهم بَذلوا كُلَّ ما في وُسعِهم، وأنَّ هذا العبدَ أَصَرَّ على الحُصولِ على حَقِّهِ مِن هذا الشَّخص، وأنَّهُ لم يَستَجِب لكُلِّ مُحاولاتهم. "فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ" – فَمِنَ الواضحِ أنَّهُم رأَوْا ما حَدَثَ بأُمِّ أعيُنِهم. فقد كانوا شُهودًا على ذلك. فقد كانوا حاضِرينَ عندما حَدَثَ ذلك. وقد فَعلوا الشَّيءَ الوحيدَ المُتَبَقِّي: "حَزِنُوا جِدًّا". وكم أُحِبُّ ذلك!
هناكَ شَيئان بارِزان هُنا أريدُ أن أَذكُرَهُما لكم: الأوَّلُ هو أنَّه كانَ يوجد عَبْدٌ لا يَغفِر وأنَّهُ كانَ يوجد عَبيدٌ حَزينونَ بسببِ ذلك. وهل يُمكنني أن أقولَ لكم إنَّ هؤلاءِ العَبيدَ تَصرَّفوا وَفقًا للخليقةِ الجديدة؟ فهذا هو الموقفُ الَّذي نَراهُ يَصدُرُ غالبًا عنِ الأشخاصِ الَّذينَ غُفِرَ لَهُم. فَهُم غَفورون. أمَّا الموقفُ الآخرُ فهو مَوقِفٌ يَحدُثُ بينَ الحين والآخر. ولكنَّ الشَّيءَ السَّائدَ في شعبِ اللهِ الَّذي نالَ الغُفرانَ هو أنَّهُم يَحرصونَ على أن يكونوا غَفورين. لِذا فإنَّنا نَرى هُنا أنَّ بقيَّةَ المؤمنينَ شَعروا بالحُزنِ بسببِ ما حَدَث لأنَّهم يَعلمونَ أنَّهُ غُفِرَ لهُم، ويَعلمونَ المِعيارَ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ، ويَعلمونَ كيفَ يَتوقُ اللهُ إلى الغُفران، ويَفهمونَ قَداسةَ ناموسِه، ويَفهمونَ وَحدةَ عائلتِه، ويَفهمونَ غِنَى الشَّركة. لِذا فإنَّهم يَشعرونَ بالحُزن.
وهي كلمة قويَّة للتَّعبيرِ عنِ الحُزن: فالكلمة "سفودرا" (sphodra) تَعني أنَّهم حَزِنوا جدًّا، أو حَزِنوا كثيرًا. فقد اغْتَمُّوا جدًّا. ومِنَ الرَّائعِ أن يُبالي المؤمنونَ بخطيَّةِ مؤمنٍ آخر. فقد حَزِنوا جدًّا وكثيرًا بسببِ ذلك لأنَّ ذلك الشَّخصَ لم يَتجاوب مع ناموس اللهِ، ولا مع مشيئةِ اللهِ، ولا معَ طَريقةِ اللهِ، بل فَعلَ ما يُؤذي الشَّرِكَة. وما الَّذي فَعلوه؟ لقد حَزِنوا جدًّا "وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى".
ماذا ينبغي أن تَفعلَ عندما تَقومُ بكُلِّ خُطُواتِ التَّأديبِ تلكَ دونَ أن يَتجاوبَ الشَّخصُ الآخر؟ إلى مَن تَلتجِئ حينئذٍ؟ يجب أن تَلتجئ إلى الرَّبّ. أليسَ كذلك؟ وأنا أرى أنَّ ذلك يعني أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ جاءوا إلى اللهِ بقلبٍ مَكسور. وهذه صُورة جَميلة. فإن اهتمَّ المؤمنونَ هكذا بخطيَّةِ مُؤمنٍ آخر، ما أروعَ الشِّفاء الَّذي سيحدُث في الشَّركة. وقد جاءَ هؤلاءِ إلى حَضرةِ المَلِك. وأنا أَفترِضُ في ذِهني أنَّهم ذَهبوا إلى ذلك العبد، ولكنَّهم لم يَنجحوا في إقناعِهِ بالعُدولِ عن رأيِه. ونَقرأُ هُنا أنَّهم أَتَوْا وَقَصُّوا ما جَرى على سَيِّدِهم". والكلمة المُستخدمَة هنا هي كلمة قويَّة بمعنى أنَّهم أخبروه. فقد حَكُوا لهُ بالتَّدقيقِ والتَّفصيلِ كُلَّ ما حَدَث. ولا شَكَّ في أنَّهم أخبروهُ بكُلِّ ما جَرى. فهي ليست كلمة بسيطة تَعني أنَّهُم أخبروهُ وَحَسْب، بل هي كلمة قويَّة.
فقد قَصُّوا عليهِ كُلَّ ما حَدَث. ولا شَكَّ في أنَّهم وَصَفوا العَمليَّة كاملةً للمَلِك وقالوا لَهُ: "لقد حاولنا بِشَتَّى السُّبُلِ أن نُعالجَ هذا الأمرَ، ولكنَّنا اضطُرِرنا أن نأتي إليكَ لأنَّكَ المَلاذُ الأخير. نحنُ حَزينونَ جدًّا بسببِ هذا العبدِ الَّذي لم يَغفِر". وهذا يَرمِزُ إلى لُجوءِ شعبِ اللهِ إلى الرَّبِّ مِن خلالِ الصَّلاةِ بسببِ أخٍ يُخطئ أو أُختٍ تُخطِئ. وأعتقد حَقًّا أنَّنا نَتحمَّلُ نفسَ المسؤوليَّة في اللُّجوءِ إلى اللهِ كما فَعلَ هؤلاء.
لقد كانَ رَدُّ فِعلِهم هو أنَّهُم حَزِنوا. وماذا كانَ رَدُّ فِعْلِ المَلِك؟ نَقرأ في العدد 32: "فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ". توقَّفوا هناك. ما هو موقفُ الله؟ لقد دَعاهُ وقالَ لَهُ: "أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ".
هناكَ أشخاصٌ يَحْتَدُّونَ هنا ويقولون: "لا يُمكن أن يكونَ هذا الشَّخصُ مُؤمِنًا. لا يُمكن أن يكونَ مُؤمِنًا. لا يُمكنُ أن يقولَ اللهُ شيئًا كهذا لمؤمِن". حَقًّا؟ ما هو الشَّرُّ؟ إنَّهُ الخطيَّة. وهل يُخطئُ المُؤمِنون؟ وهل يُمكن أن يقولَ اللهُ لمؤمنٍ: أنتَ شخصٌ خاطِئ؟" أجل. فلا تُوجَد مُعضِلَة في سَماعِ ذلك. أنتَ تَتصرَّفُ بطريقةٍ شِرِّيرة. فخطيَّةٌ واحدةٌ تَكفي لأن تكونَ شَرًّا. وفي رُومية 7 [كما سنَرى في هذا المساء]، يُؤكِّدُ بولسُ خَطيئتَهُ بالرَّغمِ مِن كونِهِ مُؤمِنًا. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُؤكِّد ببساطة هذه الحقيقة المُختصَّة بهذا الشَّخص. أنتَ شخصٌ خاطئ.
إنَّ كُلَّ عَدَمِ بِرٍّ هو خطيَّة: "أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ". ثُمَّ إنَّهُ يُؤكِّدُ المبدأَ الرَّئيسيَّ في المَثَلِ بأسرِه مَرَّةً أخرى. "كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ". ويُمكنكم أن تَضعوا خَطًّا تحتَ تلك الجُملة مَرَّةً أخرى. فهي المِفتاحُ لتَفسيرِ المَثَلِ كُلِّه. "كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ". فهو لا يتراجَع ويقول: "هذا لم يَنجَح" أو "رُبَّما لم يَحدُث ذلك"، أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. لا، بل إنَّهُ يُؤكِّد حقيقةَ ذلكَ الغُفرانِ التَّامّ. "لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ". وهذا يُضيفُ عُنصُرًا آخر.
فقد قَرأنا في العدد 26: "فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ. سأبذلُ كُلَّ ما في وُسعي". فنحنُ نَجِدُ هُنا أنَّهُ عَدا عن ذلك فإنَّهُ [في الوقتِ نَفسِهِ] قد تَوَسَّل. فنحنُ هُنا أمامَ شَخصٍ مَكسورٍ يُدركُ خَطيَّتَهُ، ويَتِمُّ تَبكيتُه، ويَتوسَّلُ إلى اللهِ كي يَرحمَهُ. وبسببِ ذلك التَّوَسُّل، نالَ الخلاصَ والغُفرانَ، وأُعفِيَ مِنَ الدَّين. وأعتقدُ أنَّهُ كانَ غُفرانًا حَقيقيًّا. وهذا هو جَوهرُ هذا المَثلِ بمُجملِه.
وهو يقول: "كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ". ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ أنَّهُ قالَ لهُ في العددِ التَّالي: "أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ؟" والمَعنى المقصودُ هو: "لو لم يَكُنِ الغُفرانُ الأوَّلُ حقيقيًّا، لكانَتِ النُّقطةُ الثَّانيةُ عَديمةَ المَعنى. فهل يقولُ لهُ: "إن لم يَنفع غُفراني معكَ، رُبَّما لن يَنفَع غُفرانُكَ مع الآخرين"؟ لا، بل يجب أن يكونَ الغُفرانُ حَقيقيًّا في المرَّة الأولى. وهذا هو الأساسُ الَّذي يَقومُ عليهِ الغُفرانُ الثَّاني.
"أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" ويُسَمِّي "لينسكي" (Lenski) ذلك "فَظاعة أخلاقيَّة"؛ أيْ أن يَحصُلَ شخصٌ على كُلِّ ذلك الغُفران ولا يَغفِر لشخصٍ آخر. انظروا إلى العدد 33 قليلاً: "أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ؟" ثُمَّ إنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "رَحِمْتُكَ". وهي فِكرةٌ جميلة. فهو لا يقولُ لَهُ: "كانَ يجبُ عليكَ أن تُعطي رَفيقَكَ فُرصةً كي يُوفيكَ الدَّيْن. كانَ ينبغي لكَ أن تَسمحَ لهُ أن يُوفي الدَّيْنَ لكَ مِن دونِ أن تَسجِنَهُ. وكانَ ينبغي أن تُطَبِّقَ العدالة بطريقةٍ أخرى وأن تَحصُلَ على حَقِّك". لا، إنَّهُ لا يقولُ لهُ ذلك، بل يقول: "أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" وكيفَ رَحِمَهُ هُوَ؟ لقد رَحِمَهُ بأن تَرَكَ لَهُ الدَّين، وفعلَ ماذا؟ وأعفاهُ مِنهُ، واحتملَ الخسارةَ، وغَفَرَ لَهُ.
وهذا هو أكثرُ شيءٍ مُحَرِّر. فهو مُحَرِّرٌ جدًّا. رُبَّما يَدينُ أحَدُهم لكَ بشيءٍ، أو رُبَّما يكونُ قد فعلَ شيئًا آذاكَ، أو رُبَّما يكونُ قد فَعلَ شيئًا أَغاظَكَ، أو رُبَّما أساءَ إليكَ أو قالَ عنكَ شيئًا غيرَ صحيح، أو قالَ عن زوجتِكَ شيئًا غير صحيح، أو قالَ عن زوجِكِ شيئًا غير صحيح، أو عن أولادك، أو أيًّا كان. فقد فعلَ شيئًا لإيذائِكَ والإساءةِ إليك. ورُبَّما خَدَعَكَ في مَالٍ أو عَقارٍ أو شيئًا آخر، وأنتَ تَسمحُ لتلكَ الإساءة أن تَحرِقَكَ لأنَّكَ تُصِرُّ على أخذِ حَقِّك. لا. تَحَنَّن وَحَسْب. فالنَّاسُ ضُعفاء.
غَلاطِيَّة 6: 1: "نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ [ماذا؟] تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا". فَكِّر وَحَسْب في ضَعفِهم. وعندما يَتوسَّلونَ، تَحَنَّن عليهم. هذا هو ما كانَ يَنبغي لكَ أن تَفعلَهُ لأنَّ هذا هو ما حَصلتَ عليهِ عندما تَوَسَّلتَ وطَلبتَ الغُفران.
العدد 34، وقد وَصلنا الآنَ إلى لُبِّ الدَّرس يا أحبَّائي: "وَغَضِبَ سَيِّدُهُ". وهُنا يَشعُرُ النَّاسُ بالتَّوتُّر مَرَّةً أخرى. فَهُم يَقولون: "لا يُمكن أن يكونَ هذا الشَّخصُ مُؤمِنًا". هل يَغضبُ الرَّبُّ مِنَ المؤمِن؟ بكُلِّ تأكيد. فالربُّ يَغضب في كُلِّ مَرَّةٍ تُخطئ فيها. ألا تَعتقدونَ ذلك؟ فما الَّذي يَجعلُهُ يَغضَب؟ الخطيَّةُ تَجعلُهُ يَغضَب. فلو أنَّه لم يَغضَب، لكان هناك خَلَلٌ في طَبيعتِه المُقدَّسة. ولكنَّهُ يَغضب دائمًا عندما تَحدُث خطيَّة. فرَدَّةُ الفِعلِ هذه جُزءٌ مِن طَبيعَتِه. فالربُّ يَغضبُ غَضَبًا مُقدَّسًا مِن الشَّرِّ؛ حتَّى في حياتِكُم وحياتي.
"وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ" [أي إلى السَّجَّانينَ أوِ المُحَقِّقينَ] "حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْه". وهناكَ مَن يقولون: "لا يُعقَلُ أن يكونَ هذا مُؤمِنًا. فما الَّذي يَفعلُهُ بتسليمِهِ إلى السَّجَّانينَ أوِ المُعَذِّبين؟" ألا تَظُنُّونَ أنَّهُ مُؤمِن؟ انظروا إلى الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 12 قليلاً.
الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 5: "وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِين". والكلامُ هُنا مُوَجَّهٌ إلى أولادِ اللهِ... أولادِهِ؛ أيِ المؤمنينَ أوِ المَسيحيِّين: "يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ... [والآن، اسمَعوا هذه الكلمات] "...وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ". فكُلُّ مُؤمِنٍ يَشعُرُ بالمُعَذِّبين، وكُلُّ مُؤمِنٍ يَشعُرُ بالجَلْد، وكُلُّ مُؤمِنٍ يَشعُرُ في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ بالمُحَقِّقينَ يَضغطونَ عليهِ إلى أن يَعترِفَ ويَتوب. أليسَ كذلك؟
"إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ". فسوفَ يُسَلَّمُ المؤمِنُ للمُحَقِّق. وقد تقول: "ما المَعنَى المقصودُ هُنا؟" المَعنَى المقصودُ هو أنَّ المُحَقِّقَ يَضَعُكَ تحتَ تَهديدِ السِّلاح، وتحتَ التَّوتُّر، وتحتَ الضِّيق، وتحتَ الضَّغط، وتحتَ التَّأديبِ إلى أن تَعترفَ بخطيَّتِك. أليسَ كذلك؟ إلى أن تَعترفَ بِشَرِّك.
وهذا هو تمامًا ما يَفعلُهُ تأديبُ الرَّبّ. فإن لم تَغفر لشخصٍ آخر فإنَّ اللهَ سيَضغُطَ تحتَ التَّأديب. وهو سيَمتِحِنُكَ، ويَضغطُ عليكَ إلى أن تَتصرَّفَ كما ينبغي. وأعتقدُ أنَّ هذا هو ما يَقصِدُهُ في نهايةِ العدد 34 حينَ يقول: "حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ". وهو لن يتمكَّنَ يَومًا مِنَ الوفاءِ بالدَّيْنِ كُلِّه؛ تَمامًا كما أنَّ غيرَ المؤمِن لن يَتمكَّنَ يَومًا مِنَ الوفاءِ بالدَّينِ كُلِّه.
لِذا، في تلك النُّقطة، لا يُمكنُ للمَثَلِ الحَرفيِّ أن يُعَبِّرَ عن الفَهمِ الكَامِلِ للحقِّ الرُّوحيّ. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ القَصدَ مِنَ المَثل هو ببساطة أنَّهُ يَضَعُهُ تحتَ ضَغطِ التَّأديبِ إلى أن يَدفَعَ مَا ينبغي أن يَدفعَهُ وَفقًا لِما فَعَلَهُ. وأعتقدُ أنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا هو أنَّ الرَّبَّ يُسَلِّمُنا إلى التَّأديب.
وقد اختبرنا جميعًا ذلك. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى أنَّهُ كانَ يوجدُ أُناسٌ مِن أهلِ كورنثوس ضُعفاء. فقد فَقدوا حَرفيًّا قُوَّتَهُم الجسديَّة بسببِ المَرض. وقد مَرِضَ أُناسٌ مِنهُم. ورُبَّما كانَ هذا يعني أنَّ حالتَهُم الصِّحيَّة تَدهورت أكثر، وأنَّ بعضًا مِنهُم ماتوا. ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الخامس أنَّها خَطيَّة للموت. وأعتقدُ أنَّ الأصحاحَ الخامسَ مِن رسالة كورنثوسَ الأولى يُشيرُ إلى مُؤمِنٍ طُرِدَ حَرفيًّا مِنَ الكنيسة. فإبليسُ يُهْلِكُ جَسَدَه، ولكنَّ رُوحَهُ تَخلُص.
فأعتقد أنَّ هناكَ تأديبًا وتَقويمًا لكُلِّ ابنٍ يُحِبُّهُ اللهُ. وهذا يَحدُثُ عندما يُسَلِّمُنا لأيدي المُحَقِّقينَ، أوِ السَجَّانينَ أوِ المُعَذِّبينَ [بالمَعنى المَجازيِّ]؛ أي إلى أولئكَ الَّذينَ يَضغطونَ علينا إلى أن نُقِرَّ بخطيَّتِنا ونَعترف بها. وفي هذه الحالة فإنَّها خَطيَّةُ عدمِ الغُفران.
وإن كُنتَ تَتساءلُ عن سببِ وُجودِ مَتاعِبَ في حياتِكَ، وكُنتَ تَتساءلُ عن سببِ عَدَمِ سَيْرِ الأمورِ على ما يُرام، وإن كَنتَ تَشعرُ بوجودِ مُحَقِّقينَ أو مُعَذِّبينَ في حياتِك، أو كُنتَ تَشعرُ بالضَّغطِ والتَّأديبِ، وبعدمِ تَمَتُّعِكَ بالحُريَّةِ والفَرح؛ أيِ الحُريَّةِ الَّتي ينبغي أن تَتمتَّعَ بها بِصِفَتِكَ وَلَدًا مِن أولادِ اللهِ، رُبَّما يجب عليكَ أن تَنظرَ إلى حياتِكَ وأن تَجِدَ إن كانَ هناكَ رُوحُ عَدَمِ غُفران. وطالما أنَّهُ يُوجدُ رُوحُ عدمِ غُفران، وأنَّكَ لا تَغفِر كما ينبغي كما غَفَرَ لكَ اللهُ، أي كثيرًا جدًّا، وبِتَحَنُّن، وكُليًّا، لن تَتَحرَّرَ مِن أولئكَ المُحَقِّقين.
والآن، أعتقد أنَّ هذا هو ما يَقولُهُ المَثَلُ ببساطةٍ ووضوح. فيجبُ على الخاطئِ أن يُرضي الله. ويجب عليهِ أن يَدفعَ كُلَّ ما يُمكِنُهُ أن يَدفعَه. وسوفَ يَفي بالدَّيْنَ عندما يَنكسِر، ويتوب، ويَندَم في قَلبِه، ويَدخُلُ إلى نِطاقِ الطَّاعة. فحينئذٍ سيَسترِدُّ الشَّرِكَة. لِذا فإنَّ التَّأديبَ يَجعَلُنا [بِمَعنى مِنَ المَعاني] نَدفَع. فهذا هو ما يَفعلُه. فالتَّأديبُ يَجعلُنا نَدفع، ويَهدِفُ لا فقط إلى مُعاقبتِنا، بل إلى تَقويمِنا في المقامِ الأوَّل. فأنتَ لا تُعاقِبُ ابنَكَ بهدفِ العِقاب. فعندما يَفعلُ أولادُكَ شيئًا سَيِّئًا فإنَّكَ لا تُؤدِّبَهُم بقصدِ مُعاقبتِهم، بل تَفعلُ ذلك بهدفِ تَغييرِ سُلوكِهم. أليسَ كذلك؟ لتَعديلِ سُلوكِهم لكي يُحسِنوا التَّصرُّفَ في المرَّة القادمة. واللهُ يَفعلُ الشَّيءَ نَفسَهُ.
لِذا، بصفتِنا مُؤمنينَ، هذا كلامٌ شَديدٌ جدًّا مُوَجَّهٌ إلينا. فهو مَقطعٌ قَويٌّ. ويُمكِنُنا أن نَجِدَ الخُلاصةَ في العدد 35: "فَهكَذَا..."؛ أي كما هي الحالُ في هذا المَثَل "...أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ". وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ الضَميرَ هُنا يُشيرُ إلى مَجموعةِ التَّلاميذِ المؤمنين؛ أي إلى المؤمنينَ الحقيقيِّين. "إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِهِ".وهُناكَ حَقيقة مُؤكَّدة وهي أنَّه لا يَقولُ هذا لغيرِ المؤمنينَ لأنَّ هناكَ شيئًا واحدًا لا يستطيعُ غيرُ المؤمنينَ أن يَفعلوه وهو أنَّهم لا يَستطيعونَ أن يَتَمَثَّلوا باللهِ في تَعامُلِهم بعضُهم مع بعض بأن يَغفِروا.
فهؤلاءِ مُؤمنون. وهو يقولُ [ببساطة]: كما هيَ الحالُ في تلك القصَّةِ الَّتي تتحدَّثُ عن شخصٍ حَصَلَ على الغُفرانِ ولم يَغفِر فنالَ العِقاب، فإنَّكُم حَصلتُم على الغُفرانِ وينبغي لكم أن تَغفِروا؛ وإلاَّ فإنَّكم ستُؤدَّبون.
وهناكَ شَيئانِ بارِزانِ في هذا المَثل: أوَّلاً، يجب علينا أن نَغفِر. هذا هو السَّببُ الأوَّل. لأنَّنا حَصلنا على ماذا؟ على غُفرانٍ كثير. وهناكَ سَببٌ آخر وهو أنَّهُ يجب علينا أن نَغفر لأنَّه إن لم نَغفِر فإنَّنا سنُؤدَّب. وهذه كلمات قويَّة جدًّا. وهي مُوجَّهة إلينا.
وقد قالَ اللُّورد "هيربرت" (Lord Herbert): "مَن لا يَغفِرَ للآخرينَ يَهدِمُ الجِسرَ الَّذي يَنبغي أن يَمشي هو عليه". وقد قالَ أحدُ القِدِّيسينَ القُدماء: "الانتقامُ يبدو حَقًّا حُلوًا في أغلبِ الأوقاتِ مِن وُجهةِ نَظرِ البشر، ولكنَّهُ سُمٌّ مُغَطَّى بالسُّكَّر وَحَسْب. فهو مَرارةٌ مُغَطَّاة بطبقة مِن السُّكَّر، ولكنَّ مَذاقَها الحقيقيَّ مُرٌّ كمَرارةِ جَهنَّم. أمَّا المحبَّة الغَفورة والصَّبورة فإنَّها الوحيدةُ الحُلوةُ والمُبهِجَة. فهي تَجعَلُنا نَنعُمُ بالسَّلامِ ورِضا اللهِ. ومِن خلالِ الغُفرانِ فإنَّ النَّفسَ تَطيبُ وتُشفَى جِراحُها.
"فهي تُعامِلُ الجَارِحَ كما لو أنَّهُ لم يَجرَح. لِذا فإنَّها لا تَشعُرُ بالوَخْزَةِ واللَّسعةِ الَّتي سَبَّبَها. فالغُفرانُ دِرْعٌ يَحمينا مِن كُلِّ سِهامٍ شِّرِّيرَةٍ مُشتعلَة. والغُفرانُ يَجعلُ السَّماءَ تَنزِلُ إلى الأرض، ويَجعلُ سَلامَ السَّماءِ يَحِلُّ في القلبِ الخاطئ. والغُفرانُ هو صُورةُ اللهِ الآبِ الغُفورِ ويُؤدِّي إلى انتشارِ مَلكوِتِ المسيحِ في العالَم. لِذا فإنَّ واجِبَكُم الثَّابتَ واضحٌ: فبصفتِنا مَسيحيِّينَ، وبصفتِنا أشخاصًا اختبرنا شَفَقَةً عَظيمةً ونَرى في كُلِّ إنسانٍ أخًا في المسيح، وسنقفُ أمامَ اللهِ للحِسابِ العادِل، يجب علينا بكُلِّ تأكيدٍ أن نَغفِر" [نِهايةُ الاقتباس].
وهناكَ مُفَسِّرٌ عَظيمٌ لأمثالِ المَسيحِ هُوَ "ويليام آرنو" (William Arnot) كَتَبَ ما يَلي: "كان شخصٌ يُسافِرُ في بُورما. وبعدَ أن عَبَرَ نَهرًا مُعيَّنًا، وَجدَ أنَّ جِسمَهُ كُلَّهُ مُغطَّى بعددٍ كبيرٍ مِنَ دُودِ العَلَقِ الصَّغيرِ الَّذي كانَ مُنهَمِكًا في مَصِّ دَمِه. وكانَت أوَّلُ رَدَّةِ فِعلٍ لديهِ هي أن يُزيلَ ذلك العَلَق عن جِسمه. ولكنَّ مُرافِقَهُ حَذَّرَهُ مِن نَزعِها بالقوَّة لأنَّ ذلكَ سيُعرِّض حياتَهُ للخَطر. فلا يَجوزُ نَزعُها بالقوَّة لِئلاَّ تَبقى أجزاءٌ مِنها في الجِراحِ فتَتسمَّم، بل يجب أن تَسقُطَ وَحدَها كي يَزولَ أذاها.
أَعَدَّ المُرافِقُ حَمَّامًا لضيفِهِ، وَأذابَ فيهِ مجموعةً مِنَ الأعشابِ، وطَلبَ مِنهُ أن يَستلقي فيه. وما إنِ استحمَّ في ذلك الحَمَّامِ العِلاجيِّ حَتَّى سَقَطَ العَلَق. إنَّ كُلَّ جُرْحٍ لم يغفَر [كما يقولُ "آرنو"] وباقٍ في القلب يُشبِهُ عَلَقَةً تَمتصُّ الدَّمَ الواهِبَ للحياة. وإصرارُ الإنسانِ على مُعالجةِ الجُرحِ بنفسِه لن يُخَلِّصَهُ مِنَ الشَّرّ، بل يجب عليكَ أن تَغمُرَ كُلَّ كِيانِكَ في رَحمَةِ اللهِ الغَفورِ حَتَّى تَتخلَّى تلك المَخلوقاتُ السَّامَّةُ حالاً عن تَشَبُّثِها بِكَ فتتحرَّر. ولكن يجب عليكَ أن تَغمُرَ كِيانَكَ كُلَّهُ في مَحبَّةِ اللهِ الغَفور".
هذا هو المَثَل. فيجب عليكَ أن تَرى كم غُفِرَ لَك. فيمكنُنا أن نَستمرَّ في الصَّلاةِ مِن أجلِ وَحْدانِيَّةِ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلام، ولكنَّنا لن نَختبرَ ذلكَ إلاَّ حينَ نَتعلَّم أن نَغفِر. أليسَ كذلك؟
هناكَ ثلاثُ مَراحِل للغُفران: المرحلةُ الأولى هي الألم. فالألمُ يُوجِدُ الظَّرفَ الَّذي يُوَلِّدُ الحاجةَ إلى الغُفران. فإن فَعلَ شخصٌ شيئًا أَلحَقَ بكَ الأذى، سوفَ تَتألَّم، وتُعاني، وتُجرَح. ثانيًا: العَمليَّة الجِراحيَّة... العَمليَّة الجِراحيَّة. وهذا هو التَّجاوبُ الدَّاخليُّ حيثُ يُجري الشَّخصُ الغَفورُ عَمليَّةً جِراحيَّةً رُوحيَّةً لِذاكِرَتِه – تَمامًا كما فَعلَ اللهُ الَّذي لم يَعُد يَذكُرُ خَطايانا. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّكَ ستتألَّم. والآن، سوفَ تُجري عَمليَّةً جِراحيَّةً تَستأصِلُ فيها مِن ذِهنِكَ كُلَّ هذه الأشياء. وسوفَ تَفعلُ ذلكَ بقوَّةِ اللهِ وبواسِطَةِ غُفرانِه. ثالثًا: العَودةُ إلى العلاقةِ مِن جَديد. فالغُفرانُ يَكتملُ عندما يَتصالَحُ الأشخاصُ المُتخاصِمونَ تَمامًا بعضُهم مع بَعض.
والآن عندما تَغفِر، هذا لا يَعني أنَّكَ تَنسى. فأذهانُنا تَتذكَّرُ ذلكَ وقتًا طويلاً. أليسَ كذلك؟ وهذا لا يَعني أن تَتغاضَى عنِ الخطيَّةِ أوِ الخطأ، بل يَعني أنَّكَ تُوقِفُ دائرةَ الألمِ وتَستَرِدُّ الشَّركة. فهذا هو ما يُريدُهُ الرَّبُّ مِنَّا. فنحنُ أولادٌ في العائلةِ يا أحبَّائي. فقد جِئنا كالأولاد، ويجب أن يَتِمَّ الاعتناءُ بنا كالأولاد، وأن تَتِمَّ حِمايتُنا كالأولاد، وأن يَتِمَّ تأديبُنا كالأولاد، وأن نَغفِرَ بعضُنا لبعض كالأولاد لأنَّنا بَشَرٌ وَحَسْب. وإن كُنَّا مُجتمعًا مِنَ الأشخاصِ الغَفورين، سنكونُ مُختَلِفينَ جدًّا عنِ العالَم. أليسَ كذلك؟
سوفَ أَختِمُ بالقصَّةِ التَّالية. في سنة 1976، كَتَبَ "سايمون وايزنثال" (Simon Wiesenthal) كِتابًا بعُنوان: "زَهرةُ عَبَّادِ الشَّمس" (The Sunflower). وقد كانَ يَهوديًّا عاشَ تَحتَ سَطوةِ الألمانِ في عَهدِ هِتلَر. وإليكُم قِصَّت ه: كانَ وايزنثال مَسجونًا في مُعسكرِ اعتقالِ "موثوسين" (Mauthausen) في بولندا (Poland). وذاتَ يوم، أُمِرَ بأن يَذهبَ ويُزيلَ القُمامةِ مِن حَظيرةٍ جَعَلَها الألمانُ مُستشفى لِجُنودِهم الجَرحَى. وفي المساء، أمسكت مُمرِّضَةٌ بِيَدِ وايزنثال واقتادَتْهُ إلى جُنديٍّ مِنَ القوَّاتِ النَّازيَّةِ كانَ يَرقُدُ في واحدٍ مِنَ الأسِرَّة. كانَ وَجهُ الجُنديِّ مُضَمَّدًا بضِماداتٍ مُمتلئة بالقَيح، وكانت عَيناهُ مَحجوبتينِ وراءَ الضِّمادات. رُبَّما كانَ في سِنِّ الحاديةِ والعِشرين.
أمسكَ الجُنديُّ يَدَ وايزنثال وتشَبَّثَ بها بكُلِّ القُوَّةِ الَّتي تَبَقَّـت لديه، وقالَ إنَّهُ ينبغي لهُ أن يُكَلِّمَ شخصًا يَهوديًّا. فهو لا يُريدُ أن يَموتَ قبلَ أن يَعترفَ بالخَطايا الَّتي اقتَرَفَها بِحَقِّ اليَهودِ العُزَّل. وهو يُريدُ أن يَحصُلَ على الغُفرانِ مِن شخصٍ يَهوديٍّ قبلَ أن يَموت. وقد أخبرَ وايزنثال قِصَّةً مُرَوِّعَةً عن كيفَ أنَّ فِرقَتَهُ قَنَصَتْ يَهودًا – أباءَ وأبناءَ كانوا يُحاولونَ الفَرارَ مِن بيتهم الَّذي أَضرمت فيهِ القُوَّاتُ النَّازيَّةَ النَّار.
ثُمَّ إنَّهُ تَوَسَّلَ إلى وايزنثالَ اليهوديَّ وطلبَ منهُ أن يَغفِرَ لَهُ. استمعَ وايزنثال إلى قِصَّةِ الشَّابِّ... أوَّلاً إلى قِصَّةِ شَبابِهِ البَريء، ثُمَّ إلى قِصَّةِ اشتراكِهِ في عَمليَّاتِ القَتلِ الشرِّيرة. وفي النِّهاية، نَفَضَ وايزنثال يَدَهُ وغادَرَ بِصَمت دُونَ أن يَنطِق بكلمة، ودونَ أن يَغفِرَ لَهُ. فلم يَكُن وايزنثال قادرًا على مُسامحتِه أو قادرًا على القيامِ بذلك. وهو يُنهي قِصَّتَهُ في الكِتابِ بالسُّؤالِ التَّالي: "ماذا كُنتَ ستَفعلُ لو كُنتَ مَكاني؟"
وقد شَارَكَ اثنانِ وثلاثونَ شخصًا مَرموقًا [أغلبُهم مِنَ اليهودِ] في الإجابةِ عن سُؤالِهِ الصَّعب. وقد قالوا إنَّ وايزنثال على حَقّ. فلم يَكُن ينبغي لهُ أن يَغفرَ لجُنديِّ القوَّاتِ النَّازيَّة. فهذا ليسَ مِنَ العَدْلِ في شَيء. فلماذا يَتوقَّعُ شخصٌ ارتَضى أن يَفعلَ شَرًّا بَشِعًا جدًّا أن يَحصُلَ على كلمة غُفران سَريعة وهو على فِراشِ مَوتِه؟ وما الحَقُّ الَّذي يَملِكُهُ وايزنثال في أن يَغفِرَ للشَّابِّ شَرًّا اقترَفَهُ بِحَقِّ يَهودٍ آخرين؟
فلو أنَّ وايزنثال غَفَرَ للجُنديِّ، لكانَ هذا يعني أنَّ ذَبْحَ النَّازيِّينَ لليهودِ لم يَكُن شَرًّا. "دَعْ جُنديَّ القوَّاتِ النَّازيَّةِ يَذهب إلى جَهنَّم" [كما قالَ أحدُ الأشخاص]. هذا هو رَدُّ فِعلِ العالَم. ولكن لا يَجوزُ أن تكونَ هذه هي الحالُ في عائلةِ الله. فقد غُفِرَ لنا، ويجب علينا أن نَغفِر. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
يُمكِنُكَ أن تَفحصَ قلبَكَ قليلاً في خِتامِ خِدمَتِنا، وأن تَسألَ اللهَ إن كانَ يوجدُ عَدمُ غُفرانٍ في قَلبِك. فقد تألَّمتَ. ولكن هل أَجريتَ بقوَّتِهِ تلكَ العَمليَّة؟ ثُمَّ هلِ ابتدأتِ مِن جديد في بناءِ تلك العَلاقة؟ رُبَّما أنتَ بحاجة إلى الرُّجوعِ في ذاكِرَتِكَ إلى ما قبلَ ذلك. هل قَبِلتَ يسوعَ المسيحَ ووَجدتَ عليكَ دَيْنًا لا يُمكِنُكَ الوَفاءُ بِهِ فَجَثَوْتَ وسَجَدْتَ أمامَهُ، واعترفتَ بدَينِكَ، وطَلبتَ مِنهُ الغُفران؟ سوفَ يَغفِرُ لكَ اليوم. وسوفَ يَجعَلُكَ شخصًا غَفورًا إن طَلبتَ مِنهُ ذلك.
وإلى الأشخاصِ المَسيحيِّينَ مِنَّا، الَّذينَ يَغفرون، والَّذين هُم رُحَماءُ العالَم، ما أبشعُ الأمرَ عندما يُهيمِنُ الجسدُ على الخَيرِ الموجودِ فينا ويَجعلُنا غير غَفورين! فأيُّ شيءٍ يُزعِجُكَ أو يُضايِقُكَ، وأيُّ شيءٍ يَبقى في ذِهنِكَ، وأيُّ شيءٍ يَجعلُكَ شخصًا لا تَتمتَّعُ بالحُريَّةِ الكاملةِ كي تُحِبَّ شخصًا مَا، بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا فَعَلَهُ، هو عَدَمُ غُفران. وهذا حاجِزٌ بينَكَ وبينَ شَرِكَتِكَ معَ الرَّبّ ويُمكنُ أن يكونَ سَببًا في اختفاءِ الفَرَحِ والقوَّةِ مِن حياتِك. إنَّهُ حَقٌّ عَمليٌّ جدًّا.
This article is also available and sold as a booklet.
