أنا مُتحمِّسٌ في هذا الصَّباح للعودة إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّالث عشر. فبعدَ أن خَصَّصنا بِضعة أشهر لدراسة موضوعِ العبادة، نَعودُ الآنَ إلى إنجيل مَتَّى الرَّائع هذا. وأرجو أن يَكونَ كِتابُكم المُقدَّسُ جاهزًا وأن تَفتحوهُ على إنجيل مَتَّى والأصحاح 13. وسوفَ نَكتفي بتقديمِ تَمهيدٍ مُوجَزٍ وَحَسْب لهذا الأصحاحِ ونَتأمَّلُ في جُزءٍ صَغيرٍ منه فقط. ولكنَّ ما سنقولُهُ في هذا الصَّباحِ مُهمٌّ جدًّا.
إنَّ الأصحاحَ الثَّالثَ عشر مِن إنجيل مَتَّى هو بدايةُ قِسمٍ جديدٍ مِن إنجيل مَتَّى. فَمِنَ الواضحِ جدًّا أنَّهُ يَبتدئُ مَجموعةً جديدةً تمامًا مِنَ الأفكار. فهو يُمَهِّدُ لنظرةٍ جديدةٍ إلى خِدمةِ رَبِّنا. واسمَحوا لي أن أُرَسِّخَ ذلكَ في أذهانِكُم. فإنجيلُ مَتَّى يُرَكِّزُ بصورةٍ رئيسيَّةٍ على تَقديمِ يسوعَ المسيحِ بصفتِهِ المَلِكَ، وابنَ اللهِ، والمَسيَّا، والوَريثَ الشَّرعيَّ لعَرشِ داود.
وهو يَبتدِئُ في الأصحاحِ الأوَّل بتوضيحِ أنَّهُ ذاكَ الَّذي يَنبغي أن يَملِكَ لأنَّهُ كانَ في النَّسلِ المَسيحانيّ. فهو بِحَقّ ابنُ داود. وفي الأصحاحِ الثَّاني، يَتأكَّدُ حَقُّهُ في المُلْكِ مِن خلالِ صُنَّاعِ المُلوكِ في الشَّرقِ (المَعروفينَ لدينا باسم "الحُكَماء" أو "المَجوس") الَّذينَ قَادَهُم فَهمُهُمُ الخاصُّ للنُّبوَّاتِ وإرشادُ رُوحِ اللهِ إلى تأكيدِ أنَّ هذا هو المَلِك. وقد تَأكَّدَ ذلكَ مَرَّةً أخرى في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن خلالِ شَهادةِ يوحنَّا المَعمدان الَّذي جاءَ لِيُمَهِّدَ الطَّريقَ أمامَ المَلِك.
ثُمَّ في الأصحاحِ الرَّابعِ، نَجِدُ أنَّ المَلِكَ قد شُهِدَ لهُ مَرَّةً أخرى مِن خلالِ صِراعِهِ معَ الشَّيطان. وحقيقةُ أنَّ يسوعَ غَلَبَ الشيطانَ وانتصرَ على مَملكةِ الظُّلمة هي شَهادة واضحة على حقيقةِ أنَّهُ المَلِكُ الَّذي مَسَحَهُ اللهُ لأنَّ المَلِكَ المَمسوحَ مِنَ اللهِ هو الوحيدُ الَّذي يَقدرُ أن يَغلِبَ الشَّيطان. وبعدَ أن تَمَّ التَّأكيدُ (بطريقةٍ إيجابيَّةٍ في الأصحاحات 1-3، وبطريقةٍ سَلبيَّةٍ في الأصحاح 4) على أنَّ يسوعَ هو المَلِك، نَجِدُهُ يَتَكَلَّمُ بسُلطانٍ في الأصحاحات 5 و6 و7. فقد تَكَلَّمَ بصفتِهِ مَلِكًا. ويُمكنكم أن تَجِدوا مَبادئَ مَلكوتِهِ في الأصحاحات 5 و6 و7 في تلك العظة الرائعة على الجَبل.
ثُمَّ تَجِدونَ في الأصحاحات 8-10 مُؤهِّلاتِ المَلِك حيثُ تَقرأونَ هناكَ عن مُعجزاتِه إذْ إنَّها ثلاثةُ أصحاحاتٍ تَزخُرُ بالمُعجِزات. وهي المؤهِّلاتُ الَّتي سَبَقَ التَّنبُّؤُ عنها إذْ إنَّهُ أثبتَ مِرارًا وتَكرارًا أنَّهُ المَلِكُ مِن خلالِ قُدرتِهِ الخارقةِ للطَّبيعة. وبمُحاذاةِ مُؤهِّلاتِهِ في الأصحاحات 8 و9 و10، نَرى رَفضًا مُتصاعِدًا ومُتزايِدًا لَهُ. وهو مَوقفٌ غريبٌ جدًّا. فكُلَّما زادتِ البَراهينُ على أنَّهُ المَلِك، زادَ الرَّفض. وهذا يُرينا العَمى الشَّديدَ للشَّعب.
وأخيرًا، حينَ تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الحادي عَشر، تَقرأونَ أن يسوعَ يَشْجُبُ أُمَّةَ إسرائيلَ الخاطئة بسببِ رَفضِها لَهُ. وهو يَعِدُهم بدينونة شديدة قبلَ أن يَختِمَ الأصحاح الحادي عشر بدَعوة: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". لِذا، مِن خلالِ رسالةِ الدَّينونة تأتي مَرَّةً أخرى رسالةُ النِّعمةِ في صيغةِ دَعوة. ثُمَّ عندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثَّاني عشر، يَبلُغُ الرَّفضُ ذُروتَهُ، ويَبلُغُ إعلانُ الدَّينونةِ ذُروَتَهُ أيضًا. ويَتلخَّصُ رَفضُهُم الأخيرُ بحقيقةِ أنَّهُم اتَّهموا يسوعَ بأنَّهُ شَيطان. وحينئذٍ، أَعلنَ يسوعُ دَينونَةً أخيرةً على القادةِ قائلاً: "لقد تَجاوزتُم نُقطةَ الحُصولِ على الغُفران".
ولكنَّ الأصحاحَ الثَّاني عشرَ أيضًا يُختَمَ بدعوةٍ أخرى إذ نَقرأُ في العدد 50: "لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي". وماذا كانت مشيئةُ الآبِ في السَّماء؟ إنَّها واضحة جدًّا لأنَّ الآبَ قالَ: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ... لَهُ اسْمَعُوا". وكُلُّ مَن يَعترِف بأنَّ يسوعَ هوَ ابنُ اللهِ، وكُلُّ مَن يَسمع رِسالتَهُ يَتمتَّع بعلاقةٍ حَميمةٍ بيسوعَ المسيح. لِذا فقد تَمَّ إثباتُ أنَّ المسيحَ هو المَلِك. ولكنَّ النَّاسَ رَفَضوهُ كَمَلِك. وقد أَعلنَ الدَّينونةَ عليهم؛ ولكنَّهُ وَجَّهَ دَعوةً إلى كُلِّ مَن يُؤمِن.
لِذا، عندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثَّالث عشر، تَجِدونَ أنَّ الأوانَ قد فَات. فإسرائيلُ قد رَفَضَتِ المَلِك. لِذا فإنَّ إسرائيلَ رَفَضَتِ المَملكة لأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَفصِلَ المَملكةَ عنِ المَلِك. فقد بَقَوْا طَوالَ قُرونٍ يَنتظرونَ المَسيَّا. وقد كانَوا طَوالَ قُرونٍ يَنتظرونَ تأسيسَ مَلكوتِ اللهِ على الأرض. وقد انتظروا أزمنةَ الانتعاشِ، والرَّدِّ، وإعادةِ مَنْحِ المَجدِ والبَركةِ للإنسانِ كما كانتِ الحالُ عليهِ قبلَ السُّقوط. وعندما قُدِّمَ ذلكَ لهم، رَفضوهُ وفَقدوهُ في ذلك الجيل. لِذا، بوصولكم إلى الأصحاحِ الثَّالث عَشَر، تَدخُلونَ إلى بُعدٍ جديدٍ وإلى زاويةٍ أخرى مِن خدمةِ المسيح.
يَقولُ "ستانلي توسينت" (Stanley Toussaint) في شَرحِهِ لإنجيلِ مَتَّى: "بسببِ عَدَمِ رُؤيتهم لمسيحانيَّةِ يسوعَ مِن خلالِ كلماتِهِ وأعمالِهِ فإنَّهم فَصلوا الثَّمرَ عنِ الشَّجرة" [نهايةُ الاقتباس]. وأعتقدُ أنَّها جُملة مُهمَّة لأنَّ الأمرَ لا يَقتصِرُ على أنَّهم أنكروا مُعجزاتِه، ولا أنَّهم لم يُفتَنوا بكلامِه، ولا أنَّهم لم يُدركوا قُدرتَهُ، بل إنَّهم لم يَعْزوا الثَّمرَ إلى مَصدَرِهِ المَنطقيِّ. فقد فَصلوهُ عن حَقيقهِ مَن يَكون.
لِذا، عندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثَّالث عشر، يُمكنكم أن تَرَوْا ظِلالَ الصَّليبِ تَلوحُ في الخَلفيَّة. وتَقرأونَ في الأصحاح 12 والعدد 14 أنَّهم حاولوا أن يَتخلَّصوا مِنه. فقد وَصَلوا إلى نُقطةٍ أرادوا فيها فقط أن يَقتلوه. فقد رَفضوا المَلِك. وقد رَفضوا مَملكتَه. والسُّؤالُ الَّذي يَتبادَرُ حالاً في ذِهني وذهنِ أيِّ قارئٍ عاقلٍ أو أيِّ قارئٍ مُفَكِّرٍ هو التَّالي: إن كانَ يسوعُ قد جاءَ لكي يُقدِّمَ الملكوتَ، وإن كانَ يسوعُ قد جاءَ لكي يُؤسِّسَ مَلكوتَهُ على الأرض، ولكي يَملِكَ ويَحكُمَ ويُؤسِّسَ ما وَعَدَ بِهِ، ولكنَّهم رَفضوهَ ورَفضوا مَملكتَه، ماذا سيحدثُ لذلك المَلكوت؟ ماذا سيحدثُ الآن؟ وهذا هو تَحديدًا السُّؤالُ الَّذي يُجيبُ عنهُ الأصحاحُ الثَّالث عشر. فهو يُطلِعُنا على ما سيَحدث.
لأنَّهُ كما تَرَوْنَ، فإنَّ المَلكوتَ لا يُمكنُ أن يأتي... اسمَعوا ما يَلي جيِّدًا: إلى أن تَقبَلَ إسرائيلُ المَلِك. لِذا، في هذه النُّقطة، كانَ لا بُدَّ مِن تأجيلِ المَلكوتِ مِن جِهةِ تَحقيقِهِ الكامِل. وأنا أَعلمُ أنَّ هذا الكَلامَ قد يَبدو صَعبَ الفَهمِ، ولكنِّي أرجو أن تَفهموا ما أقول قبلَ نِهايةِ العِظَة. فلأنَّهم رَفضوا المَلِك، كانَ لا بُدَّ مِن تأجيلِ المَلكوتِ مِن جِهةِ تَحقيقِهِ الكامِل. فقد كانَ ينبغي تأجيلُهُ إلى وقتٍ مُستقبليٍّ. وما هو ذلك الوقت؟ إلى وقتِ المجيءِ الثَّاني للمسيح.
وكما تَرَوْنَ، هذا هو السَّببُ في أنَّ المسيحَ سيأتي ثانيةً: لكي يُؤسِّسَ الملكوتَ الَّذي رُفِضَ في المَرَّةِ الأولى. فقد جاءَ وكانت رِسالَتُهُ هي: "تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَات". وقد كانت رسالةُ يوحنَّا المَعمدان الَّذي جاءَ قَبلَهُ هي نَفسُها: "تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَات". وقد كانت رسالةُ الرُّسُلِ (في الأصحاحِ العاشرِ والعددِ السَّابع) هي نَفسُها: مَلَكوت الله. فقد كَرَزوا بالملكوتِ، ثُمَّ بالملكوتِ، ثُمَّ بالملكوت. وقد رَفَضَ النَّاسُ المَلِكَ ورَفَضوا المَلكوت. لِذا فقد تَمَّ تأجيلُ المَلكوت.
وقد تَقول: "ولكن لماذا لم يُلْغِ اللهُ الفِكرةَ كُلَّها؟" لأنَّ اللهَ وَعَدَ إسرائيل. واللهُ يَحفظُ وُعودَهُ. فاللهُ يَحفَظُ كَلِمَتَهُ. ولو أنَّ اللهَ أَلغى المَلكوتَ وقال: "انسوا ذلك. لقد أعطيتُكم فُرصةً واحدةً" ثُمَّ أَلغى الفِكرةَ، لَما تَحقَّقت نُبوءاتُهُ. وحينئذٍ، كانت كَلِمَتُهُ ستَسقُط. لِذا فقد تَمَّ تأجيلُ المَلكوتِ إلى أن يُؤمِنوا. وسوفَ يأتي اليومُ الَّذي يُؤمنونَ فيه. أتَعلمونَ ذلك؟
فمثلاً، نَقرأُ في سِفْر زَكريَّا أنَّهُ سيأتي يومٌ يَنظرونَ فيهِ إلى الَّذي طَعَنوه ويَنوحونَ عليهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ. في تلك اللَّحظة، سيَفيضُ يُنبوعُ خَلاصٍ على بَني إسرائيلَ وتَتَجَدَّدُ الأُمَّة. فسوفَ يَنالونَ الفِداء. فسوفَ يأتي يَومٌ يَنظرونَ فيهِ إلى الَّذي طَعنوه ويَفيضُ يُنبوعُ مُطَهِّرٌ عليهم. فسوفَ يَنالونَ الفِداء.
لِذا، سوفَ يَخلُصُ كُلُّ إسرائيل (كما يَقولُ بولس). فنحنُ نَعلمُ أنَّ هذا سيَحدث، ونُؤمِنُ بأنَّهُ سيَحدثُ في الوقتِ الَّذي يُعرَفُ بالضِّيقةِ العظيمة. وفي ذلكَ الوقتِ أيضًا [بحسبِ ما جاءَ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ السَّابع]، سوفَ يَخلُص جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الأُممِ لا يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ مِنْ كُلِّ الشُّعوبِ والألسنةِ والقبائلِ والأُمَمِ في جَميعِ أنحاءِ العالَم. لِذا، سوفَ تَنالُ أُمَّةُ إسرائيلَ الفِداء.
وسيكونُ هُناكَ خَلاصٌ للأُمَم في جَميعِ أنحاءِ العالَم. وعندما يأتي مَلكوتُ اللهِ إلى قُلوبِ البشر، أي دَاخليًّا، سيَتحقَّقُ بمَعناه الكامِل خارجيًّا إذْ يَملِكُ المسيحُ على الأرضِ ألفَ سنةٍ في المُلْكِ الألفيِّ الَّذي وَرَدَ الحديثُ عنهُ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 20. لِذا، عندما نَتحدَّثُ عنِ التَّحقيقِ الكاملِ للمَلكوتِ فإنَّنا نَعني ذلكَ المَلكوتَ الَّذي سيأتي على الأرضِ دَاخليًّا (أي في قُلوبِ المؤمنين) وخارجيًّا (أي عندما يَملِكُ المسيحُ ويَحكُم بصفَتِهِ مَلِكًا على الأرض).
وهناكَ أُناسٌ، أو هُناكَ بَقيَّةٌ قَبِلَتِ المَلكَ داخليًّا. وهناكَ اليومُ أشخاصٌ يَقبلونَ المَلِكَ داخليًّا. ولكن في يومٍ مَا، سوفَ يَكونُ هناكَ تَجاوُبٌ هائلٌ. وعندما يأتي المَلكوتُ داخليًّا على المُستوى الَّذي سيَحدُثُ في زمنِ الضِّيقةِ العظيمةِ، سيأتي أيضًا خارجيًّا في مُلْكِ المسيحِ الألفيِّ الرَّائعِ على الأرضِ والَّذي سيَدومُ ألفَ سنة.
ولكِن ما الَّذي سيَحدُثُ في تلكَ الأثناء؟ ما الَّذي سيَحدُثُ بينَ هذا الوقتِ وذاك؟ هذهِ هي الفترةُ الَّتي يُطلِقُ عليها لاهوتيُّونَ اسمَ: "الفترة الفاصِلَة". وهُناكَ مَن يُسَمِّيها: "الفترة الانتقاليَّة". وهُناكَ مَن يُسَمِّيها: "المَرحلة المؤقَّتة". ولكنَّها فترةٌ لا تُرَى في العهدِ القديم. لِذا فإنَّ يَسوعَ يُسَمِّيها: "السِّرّ"؛ أي: الشَّيء الَّذي كانَ مَحجوبًا في الماضي.
فَهُم لم يَرَوْا هذه الفترة. لِذا، لا بُدَّ مِن وُجودِ الأصحاح 13 لأنَّهم لم يَتَلَقَّوْا أيَّ تَعليمٍ عن تلك الفترة. لِذا، في الأصحاح 13 تَجِدونَ مَجموعةً مؤلَّفَةً مِنَ ثمانية أمثال في الأعدادِ مِنَ 1-52. وفي هذه الأمثال [استَمِعوا الآن]، يَصِفُ يَسوعُ هذه الفترةَ الفَاصِلَة. فهو يَصِفُ تلكَ "المَرحلةَ الفاصِلَة" الَّتي نَعيشُ فيها. فنحنُ نَعيشُ في تلك الفترة. وذلك هو ما يَجعلُ هذا الأصحاحَ نَفيسًا جدًّا بالنِّسبةِ إلينا لأنَّهُ إنِ استطعنا أن نَفهمَ ما يَقولُهُ يسوعُ عن هذه الفترة، يُمكنُنا أن نَفهمَ ما يُريدُ مِنَّا أن نَفعلَهُ في هذه الفترة. أَتَرَوْن؟
فيجبُ علينا أن نَفهمَ الأصحاح 13 لأنَّهُ يَتحدَّثُ عن زَمانِنا، وعن وَقتِنا هذا. فكيفَ ستكونُ الحالُ بعدَ أن رُفِضَ المَلِكُ وتأجَّلَ المَلكوتُ إلى أن يأتي ثانيةً لتأسيسِ مَملكتِه؟ كيفَ ستكونُ الحال؟ وهو يَصِفُ [صَدِّقوني] إنَّهُ يَصِفُ المَسيحيَّةَ في سنة 1982 بِتَفاصيلِها الدَّقيقة. وهذا مُدهش! فرَبُّنا يَقولُ إنَّ الحالَ ستكونَ هكذا. وكُلُّ مَثَلٍ مِن هذهِ الأمثالِ يَكشِفُ جَانبًا آخرَ مِن هذه الفترةِ. وسوفَ تَرَوْنَ كيفَ أنَّها جميعَها تُحاكي وَقتَنا تَمامًا.
والآن، نحنُ نُسَمِّي هذا: "الشَّكلَ السِّرِّيَّ للمَلكوت". الشَّكلَ السِّرِّيَّ. ونحنُ لا نَعني بذلكَ أنَّهُ شَيءٌ غَامِضٌ وسِرِّيّ. فالسِّرُّ يَعني ببساطة شَيئًا كانَ مَحجوبًا وأُعلِنَ الآن. فهكذا يَستخدِمُ الكتابُ المقدَّسُ هذه الكلمة. وسوفَ نَتحدَّثُ أكثرَ عن ذلكَ في الأسبوعِ القادِم. ولكنَّها تَعني أنَّ هذا الشَّيءَ لم يَكُن مُعلَنًا لهم في العهدِ القديم. فقد كانَ شيئًا لم يَعرفوه. فقد رأوا فقط أنَّ المسيَّا سيأتي ويُؤسِّس مَملكَتَه.
وهناكَ تَلميحات صغيرة مُدهشة بأنَّ هناكَ شَيئًا يَحدُثُ هُنا؛ ولكنَّهم لم يَحصُلوا على وَصفٍ لهُ. فقد رأوا فقط أنَّ المَسيَّا سيأتي ويُؤسِّس مَملكتَهُ داخليًّا وخارجيًّا. ولكنَّهم لم يَرَوْا هذه الفترة. لِذا فإنَّنا نُسَمِّيِ "الشَّكلَ السِّرِّيَّ للمَلكوت" لأنَّهُ كانَ شَيئًا مَحجوبًا في الماضي. وهي فَترةٌ [لاحظوا ما سأقول جيِّدًا] إنَّها فَترةٌ سيَستمرُّ فيها المَلكوتُ بالرَّغمِ مِن غِيابِ المَلِك.
فيسوعُ مَوجودٌ في هذا الوقتِ في السَّماء. وهذا لا يَعني أنَّهُ ليسَ حاضِرًا في وَسْطِنا. فَمِنَ الواضحِ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ذلك. ولكِن مِن جِهَةِ تَعريفِهِ لنفسِهِ كِتابيًّا، ومِن جِهةِ ذلكَ الجسدِ المُمَجَّد، فإنَّهُ يَسكُنُ معَ الآبِ ويَجلِسُ عن يَمينِ الآبِ يَشفَعُ فينا في السَّماء. وهو يَنتظرُ الوقتَ الَّذي سيَعودُ فيهِ إلى الأرض.
لِذا، مِن جِهَة فإنَّ هذا المَلكوتَ هو مَلكوتٌ غِيابيّ. وقد لاقَى لاهوتيُّونَ صُعوبةً في قَبولِ هذا الرَّأيِ. لِذا فقد رأوا أنَّهُ لا يُمكنكَ أن تُؤسِّسَ مَملكةً إن لم يَكُنِ المَلِكُ هُنا. ولكنَّ الأمرَ ليسَ كذلك. فهناكَ نِطاقٌ هُنا، وشَعبٌ هُنا هُمْ رَعيَّةُ المسيح. والمسيحُ هو المَلِكُ مِن جِهَةِ مَكانَتِه بالرَّغمِ مِن أنَّهُ غائِب. والمَثَلُ الكلاسيكيُّ على ذلكَ موجودٌ في داود.
فقد كانَ داودُ ما يَزالُ المَلِكَ على إسرائيل حتَّى عندما رَفَضَهُ أبشالوم، وحَتَّى عندما رَفَضَهُ أعوانُ أبشالوم. وحتَّى عندما طَاردوهُ في البَريَّةِ واختبأَ لكي يَنجو بحياتِهِ وقتًا طويلاً، كانَ ما يَزالُ المَلِك. وكانت إسرائيلُ ما تَزالُ نِطاقَ حُكمِه. وكانَ ما يَزالُ يَملِكُ الحَقَّ في الحُكم. وكانَ ما يَزالُ مَلِكًا مُتَوَّجًا على قُلوبِ كثيرينَ مِنَ الشَّعب. وقد جاءَ يومٌ عادَ فيهِ ليَتربَّعَ على العرشِ الَّذي كانَ لَهُ شَرعًا. لِذا فإنَّ المسيحَ بذلكَ المَعنى هو المَلِكُ غِيابيًّا.
لِذا فإنَّ هذا الأصحاحَ يَصِفُ هذه الفترةَ الَّتي يَملِكُ فيها الرَّبُّ يسوعُ المسيحُ على الأرض؛ معَ أنَّهُ هو نَفسُهُ في جَسَدِهِ المُمجَّدِ غائبٌ. ولمساعدتكم على فَهمِ هذه الفكرة أكثر، أريدُ منكم أن تَستعدُّوا. فهذا هو دَرسُكُم اللاَّهوتيُّ لهذا الشَّهر. فيجب عليكم أن تَفهموا هذا الأساس.
فأنا أريدُ منكم أن تَفهموا فِكرةَ المَلكوت. والآن، أودُّ أن أقولَ في البداية إنَّ هذا الموضوعَ الَّذي سنُناقشُهُ هو موضوعٌ كبيرٌ جدًّا. وهو يَحتَمِلُ كُلَّ أنواعِ الاحتمالاتِ والتَّفسيرات. ويُمكنُنا أن نَصرِفَ ساعاتٍ وأشهرَ وسنواتٍ في دراسةِ موضوعِ الملكوت. ولكن اسمحوا لي أن أختصرَ ذلكَ بطريقةٍ يَسهُلُ عليكم أن تَفهموها. وسوفَ أدخُلُ في صُلبِ الموضوع:
هناكَ جانبانِ رئيسيَّانِ لملكوتِ الله. ويجب عليكم أن تَفهموا هَذين الجانبين منذُ البداية. أوَّلاً، هناكَ مَلكوتُ اللهِ الكَونيّ. وهذا جانبٌ مِنَ السَّهلِ جدًّا أن تَفهموه. فهذا يعني أنَّ اللهَ يَملِكُ على كُلِّ شيءٍ وكُلِّ شخصٍ إلى الأبد. فهو يَملِكُ على كُلِّ شيءٍ وكُلِّ شخصٍ إلى الأبد. فهو صاحِبُ السِّيادة. وهو الخالِق. وهو الحافِظ. وهو البداية والنِّهاية لكُلِّ الأشياء. وهو يُهيمِنُ على كُلِّ الأشياء. فهو يَملِكُ على كُلِّ شيءٍ وكُلِّ شخصٍ إلى الأبد.
ففي المَزمور 29 على سبيلِ المثال، نَقرأُ في العددِ العاشِر: "الرَّبُّ بِالطُّوفَانِ جَلَسَ، وَيَجْلِسُ الرَّبُّ مَلِكًا إِلَى الأَبَد". لِذا فإنَّهُ المَلكُ السَّرمديُّ. فلم يأتِ وقتٌ لم يَكُن فيهِ المَلِك. ولن يأتِ وقتٌ يَغتَصِبُ فيهِ أيُّ شخصٍ المُلْكَ مِنه. فهو المَلِكُ إلى الأبد. ثُمَّ إذا نَظرتُم إلى المزمور 103 والعدد 19، ستَقرأونَ ما يَلي: "اَلرَّبُّ فِي السَّمَاوَاتِ ثَبَّتَ كُرْسِيَّهُ، وَمَمْلَكَتُهُ عَلَى الْكُلِّ تَسُودُ". لِذا فإنَّهُ المَلِكُ لا إلى الأبد فقط، بل إنَّهُ المَلِكُ على كلِّ شيء.
وقد تَقول: "وماذا عنِ الشَّيطان؟" إنَّهُ المَلِكُ على الشَّيطان. "وماذا عنِ الأرواحِ الشرِّيرة؟" إنَّهُ المَلِكُ على الأرواحِ الشرِّيرة. "وماذا عن غيرِ المؤمنين؟" إنَّهُ المَلِكُ عليهم. لِذا فإنَّهُ يَملِكُ القُدرةَ على طَرحِهم جميعًا في جَهنَّم. فهذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس: "بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ". فهو المَلِكُ على جَهَنَّم. فجَهنَّمُ لا تُدارُ مِن قِبَلِ الشَّيطان؛ بل إنَّ الشَّيطانَ سيُطرحُ في جَهنَّمَ مَع كُلِّ الآخرين. فاللهُ يُديرُ جَهَنَّمَ كما يُديرُ كُلَّ شيءٍ آخرَ مِن زاويةِ مُلْكِهِ على الكَون. فهو المَلِكُ على كُلِّ شيءٍ وكُلِّ شخصٍ إلى الأبد.
والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر الأخبارِ الأوَّل 29: 11: "لَكَ يَا رَبُّ الْعَظَمَةُ وَالْجَبَرُوتُ وَالْجَلاَلُ وَالْبَهَاءُ وَالْمَجْدُ، لأَنَّ لَكَ كُلَّ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. لَكَ يَا رَبُّ الْمُلْكُ، وَقَدِ ارْتَفَعْتَ رَأْسًا عَلَى الْجَمِيع". فاللهُ هو المَلِك. فاللهُ هو المَلِكُ الكَونِيُّ. لِذا فإنَّ الشَّيءَ الأوَّلَ الَّذي ينبغي أن نَفهَمَهُ عن مَملكةِ اللهِ هو أنَّها تُشيرُ إلى حُكْمِ اللهِ الشَّامِلِ على كلِّ شيءٍ وكُلِّ شخصٍ إلى الأبد. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا وجوهريَّة جدًّا. وأحيانًا عندما تقرأونَ العبارة "مَلكوت الله" في الكتابِ المقدَّس، هذا هو المَعنى المَقصودُ بها.
ولكن يوجد جانبٌ ثانٍ لِمَلكوتِ الله. وأعتقدُ أنَّ "ألفا ماكلين" (Alva McClain) أَطلَقَ على هذا المَلكوتِ اسمًا أفضلَ مِن أيِّ اسمٍ آخر. وقد أَعْمَلْتُ عَقلي مُحاولاً البحثَ عن اسمٍ أفضلَ مِنه، ولكنِّي لم أعثُر على واحد. لِذا، اسمَحوا لي أن أستخدِمَ المُصطلَحَ الَّذي استَخدَمَهُ هُوَ. فهو يُسَمِّيه "المَلَكوتُ مِن خلالِ وَسيط"؛ أي أنَّهُ يَحدُثُ مِن خلالِ وَسيط. فهو ليسَ مُلْك الله المُباشِر، بل يَتحقَّقُ مِن خلالِ وَسيطٍ؛ أي مِن خلالِ شخصٍ أو أشخاص. وهو يُشيرُ إلى حُكْمِ اللهِ على الأرض. فهو يُشيرُ مُباشرةً إلى حُكمِ اللهِ على الأرض.
وهذا هو المَلكوتُ المُشارُ إليهِ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادسِ حينَ يقولُ الرَّبُّ ما يَلي: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: ... لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". وما هي العِبارةُ الَّتي تَليها؟ "...كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْض". فالعبارةُ "كما في السَّماء" تُشيرُ إلى المُلْكِ الكَونيِّ لله. والعِبارةُ "على الأرضِ" تُشيرُ إلى مَلكوتِ اللهِ الأرضيِّ مِن خلالِ وَسيط.
والصَّلاةُ تَقول: "يا رَبّ، كُنْ سَيِّدًا على الأرضِ كما أنتَ سَيِّدٌ على كُلِّ شيءٍ آخر". لِذا فإنَّ الأرضَ مَعزولةٌ [إن جازَ القولُ] في وَسْطِ مَلكوتِ اللهِ الكَونيِّ كنُقطةِ تَمَرُّد. وهي النُّقطةُ الوحيدةُ حَقًّا الَّتي يَتَركَّزُ فيها التَّمرُّدُ في الكَون. وهذه هي الصَّلاة: "يا رَبّ، كُنْ سَيِّدًا على الأرضِ كَما أنتَ سَيِّدٌ على كُلِّ شيءٍ آخرَ في كَونِك". وهذا يَقودُنا إلى نِطاقِ المَلكوتِ مِن خلالِ وَسيط.
ففي مَلكوتِ اللهِ الكَونيِّ العَظيمِ والمَجيد، هناكَ... هناكَ تَمَرُّدٌ صَغيرٌ وطَفيف. فعندما خَلَقَ اللهُ العالَمَ، كانَ عازِمًا على مُمارَسَةِ حُكْمِهِ على الأرضِ مِن خلالِ أدواتٍ بَشريَّة. والآن، تَذكَّروا هذه النُّقطة. فهذا هو المِفتاح. فقد كانَ عازِمًا على مُمارسةِ حُكْمِهِ الأرضِ مِن خلالِ أدواتٍ بَشريَّة. فأولاً، لقد خَلَقَ الإنسانَ وقالَ لهُ: "تَسَلَّط على الأرض". أليسَ كذلك؟ تَسَلَّط على كُلِّ شيءٍ مَخلوق. احْكُمْ نيابةً عَنِّي. أنتَ نائبي. أنتَ نائبُ المَلِك. أنتَ مُمَثِّلُ المَلِك [إن جازَ التَّعبير]. احكُموا نِيابةً عنِّي. كُونوا وَاسِطَةَ حُكمي على الأرض.
وكما نَعلمُ فإنَّ الإنسانَ وَقعَ ضَحيَّةَ الشَّيطان. وفي تلك اللَّحظة، دَخَلَ التَّمرُّد. وصارَ الشَّيطانُ إلَهَ هذا الدَّهر. وصارَ الشَّيطانُ رَئيسَ هذا العالَم. وصارَ الشَّيطانُ مَلِكَ هذا العالَم. فقد صارَ هُناكَ حُكْمٌ في الأرض؛ أي غَاصِبٌ. أليسَ كذلك؟ لكنَّ اللهَ عادَ وقالَ: "ما زِلتُ أريدُ أن أَحكُمَ مِن خلالِ وَسيطٍ على الأرض، وأريدُ أن تُعرَفَ مَشيئتي، وأريدُ أن تُعرَفَ كلمتي، وأريدُ أن تُعرَفَ مَبادئي، وأريدُ أن تُعرَفَ مَعاييري الأخلاقيَّة، وأريدُ مِنَ النَّاسِ أن يَخضعوا لي. لِذا، أريدُ أن أدعو النَّاسَ إلى مَلكوتي". وقد كانَ مُصَمِّمًا أن يَفعلَ ذلكَ، وقد فَعلَ ذلكَ وما زالَ يَفعلُ ذلكَ مُنذُ ذلك الحين.
وقد تَقول: "حتَّى بعدَ السُّقوط؟" هذا صَحيح. وإن تَتَبَّعتُم سِفْر التَّكوين ستَرَونَ أنَّ اللهَ مَارَسَ حُكمَهُ على الأرضِ بواسطةِ وُسطاءَ مِن خلالِ الآباءِ الَّذي كانوا رِجالاً عُظماءَ أتقياءَ عَرَفوا فِكرَ اللهِ، وقَلبَ اللهِ، ومشيئةَ اللهِ، وعَبَّروا عن مَشيئتِهِ وقلبِهِ وفِكرِهِ للنَّاسِ في زَمانِهم. فأنتُم تَرونَهُم هناك. ويُمكنكم أن تَقَتَفَّوْا أثرَ الأشخاصِ الَّذينَ استَخدَمَهُم اللهُ. فيمكنكم أن تَروا نَسْلَ شِيث، ونَسْلَ نُوح، ونَسْلَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ ويوسُف، وحَتَّى مَلْكي صَادِق في نُقطةٍ ما الَّذي كانَ كاهِنًا – كانَ كاِهِنًا للهِ العَلِيّ.
ولكنَّ اللهَ مَارَسَ حُكمَهُ مِن خلالِ أفرادٍ مُعيَّنين. ثُمَّ إنَّ اللهَ دَعا أُمَّةً لتكونَ وَاسِطَتَهُ البَشريَّةَ لتنفيذِ حُكمِه؛ وهي أُمَّةُ إسرائيل. وماذا كانت دَعوةُ إسرائيل؟ كانت دَعوةُ إسرائيلَ هي أن يُقدِّموا إلى العالَمِ كلمةَ الله. أليسَ كذلك؟ أحكامَ اللهِ، ومبادئَ اللهِ، وفِكرَ اللهِ، وقلبَ اللهِ، وأن يَدعو العالَمَ إلى مَعرفةِ اللهِ الحقيقيِّ (كما جاءَ في سِفْر التَّثنية 6: 4). وقد دَعا اللهُ مِن أُمَّةِ إسرائيلَ تَحديدًا أنبياءَ. أليسَ كذلك؟ وكَهَنةً ومُلوكًا ليَكونوا وَاسِطَتَهُ البشريَّة لتنفيذِ حُكمِهِ على الأرض. ويُمكنكم أن تَقرأوا عن ذلك في كلِّ العهدِ القديم.
ثُمَّ إنَّكم تَصِلونَ إلى العهدِ الجديد. وفجأةً، يَعملُ اللهُ حالاً على تأسيسِ مَملكتِهِ مِن خلالِ الوَسيطِ البشريَّ "يَسوعَ المسيحِ" فيصيرُ يسوعُ إنسانًا، ويأتي يسوعُ إلى هذا العالَمِ في هَيئةٍ بَشريَّة، ويُخبرُنا كيفَ هو الله، ويُخبرُنا ما هي مَعاييرُ اللهِ، ويَكرِزُ بملكوتِ اللهِ، ويَدعو النَّاسَ إلى الخُضوعِ لملكوتِ الله. وهو يَكونُ وَسيطُ مَلكوتِ اللهِ لدى البشر. وقد تَمَّ رَفضُ يسوع. وهو يَرجِعُ إلى السَّماءِ فتَنتشرُ الرَّسالة مُباشرةً إذْ يَنقِلُها الرُّسُلُ والأنبياء. وحينئذٍ تَصيرُ الكنيسةُ هي الوَسيط.
وفي يومِنا هذا، يُمارِسُ اللهُ حُكمَهُ على الأرضِ مِن خلالِ المؤمنينَ الَّذينَ يَسكُنُ فيهم الرُّوحُ القُدُس. ونحنُ وُسطاءُ اللهِ لتوصيلِ كلمةِ اللهِ، ولتطبيقِ مَعاييرِ اللهِ، ولتوصيلِ مَشيئةِ اللهِ وطريقِ اللهِ وقِيَمِ اللهِ الأخلاقيَّةِ إلى النَّاس. ونحنُ نَعيشُ هنا لكي نَدعو النَّاسَ إلى دُخولِ مَلكوتِ الله. وسوفَ يأتي يومٌ في المستقبل، في فترةِ الضِّيقةِ العظيمة، سيَختارُ اللهُ فيهِ مِئةً وأربعةً وأربعينَ ألفًا مِنَ اليهود. وسوفَ يكونُ هؤلاءِ اليهودُ وُسطاءَ بمعنى أنَّهم سيَعملونَ على توصيلِ رسالةِ اللهِ إلى العالَم.
وسوفَ تَحدُثُ نَهضةٌ على نِطاقِ العالَمِ حتَّى إنَّ أعدادًا لا تُحصَى مِنَ الأُممِ وأُمَّةِ إسرائيلَ سيَخلُصون. ثُمَّ إنَّ المسيحَ سيأتي ويُؤسِّسَ مَملكتَهُ على الأرضِ مَرَّةً أخرى. ثُمَّ إنَّ تلك المَملكةَ الوَسيطةَ ستَندمجُ في النِّهايةِ اندماجًا تامًّا في الملكوتِ الأبديِّ الَّذي يُعرَفُ بالسَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجديدة. وكُلُّ ذلكَ الَّذي ابتدأَ عندَ الخَلْقِ سيَنتهي في ذلكَ الاندماجِ الأخير ويَستمرُّ إلى الأبدِ بتلك الطَّريقة.
والآن، هل تَفهمونَ القليلَ عن كيفيَّةِ عملِ هذينِ المَلَكوتَيْن، أو هذينِ الوَجْهَيْنِ مِن نفسِ المَلكوت؟ إذًا، اسمَحوا لي أن أتحدَّثَ قليلاً عن هذ المَلكوتِ مِن خلالِ وَسيط؛ أي عن هذا المَلكوتِ على الأرضِ والَّذي تأسَّسَ مِن خلالِ الوُسَطاءِ الَّذينَ يَختارُهم الله. عندما تَنظرونَ إلى الملكوتِ على الأرضِ كما هو مُعَرَّفٌ في الكتابِ المقدَّس، ينبغي أن تَفهموا أمورًا عديدة.
وأوَّلُ شيءٍ هو التَّالي: أنَّهُ مَلكوتٌ مُؤلَّفٌ مِنَ الأشخاصِ المؤمنينَ حَقًّا والأشخاصِ الَّذينَ يَتظاهرونَ بالإيمان. إن لم تَفهموا هذه النُّقطة ستَتَشَوَّشونَ جدًّا مِن جهةِ الكتابِ المقدَّس. فالملكوتُ لَفظةٌ تَضُمُّ جَميعَ الأشخاصِ الَّذينَ يُسَمُّونَ خارجيًّا "شَعْبُ الله". لِذا فإنَّكم تَنظرونَ إليهِ مِن الزَّاويةِ الأرضيَّة. فعندما نَنظُرُ إلى مَلكوتِ اللهِ على الأرضِ، أي على المَلكوتِ مِن خلالِ وَسيط، فإنَّنا نَرى اعترافًا خارجيًّا وإيمانًا داخليًّا.
والحقيقةُ هي أنَّنا لا نَستطيعُ أحيانًا أن نُميِّزَ هذا مِن ذاك. أليسَ كذلك؟ فنحنُ لا نَعرفُ دائمًا مَن هُمُ المؤمنونَ الحَقيقيُّونَ وَمَن هُم ليسوا كذلك. وهذا يَصِحُّ دائمًا على مَلكوتِ الله. فإن رَجعتُم إلى الوقتِ الَّذي ابتدأَ اللهُ فيهِ بتأسيسِ مَلكوتِهِ بعدَ السُّقوط، ستجدونَ أنَّهُ كانَ يوجدُ أشخاصٌ على سبيلِ المِثالِ في أُمَّةِ إسرائيلَ كانَ اللهُ يَستخدِمُهم وَسطاءَ في مَلكوتِه. وكانَ هناكَ أشخاصٌ في أُمَّةِ إسرائيلَ لم يكونوا أُمناءَ حَقًّا لله. أليسَ كذلك؟
أَتَذكرونَ ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح التَّاسع؟ فبولُس يَقولُ ما يَلي: "لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ". لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ. وقد قالَ أيضًا: "لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا" [في رِسالة رُومية والأصحاح الثَّاني]، بل ماذا؟ "بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ". لِذا، سيكونُ هناك دائمًا أُناسٌ يَقرِنونَ أنفسَهُم بملكوتِ اللهِ مِنَ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ ومَن يَتظاهرونَ بالإيمان. وإن لم تَفهموا ذلكَ ستَتَشِوَّشونَ كثيرًا.
اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم مَثلاً إيضاحيًّا على ذلكَ مِن إنجيلِ مَتَّى. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامنِ والعددِ الثَّاني عشر هذه الكلماتِ المُدهشة: "وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ" – بَنو المَلكوتِ – "فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". والآن، إن كُنتُم تَعرفونَ أيَّ شيءٍ عنِ العهدِ الجديدِ، وأيَّ شيءٍ عنِ الأناجيل، فإنَّكم تَعلمونَ أنَّ هذا المَكانَ هُو وَصْفٌ لأيِّ مَكانٍ؟ جَهَنَّم. جَهَنَّمَ الأبديَّة. والآن، أنا أَعلمُ أنَّ المؤمنينَ لا يَذهبونَ إلى جَهنَّم. أليسَ كذلك؟ أجل. فالمؤمنونَ لا يَذهبونَ إلى جَهنَّم، بل إنَّ غيرَ المؤمنينَ هُمُ الَّذينَ يَذهبونَ إلى جَهنَّم.
ولكِن هل لاحظتُم اللَّقبَ الَّذي يُطلَقُ على الأشخاصِ الَّذينَ سيُطرَحونَ في جَهنَّمَ هنا؟ ما هو لَقَبُهُم؟ بَنو ماذا؟ "بَنو المَلَكوت". لِذا، يُمكنُنا أن نَستنتِجَ أنَّ بَني المَلكوتِ ليسوا جميعًا ماذا؟ مُؤمِنين. وهذه هي النُّقطةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي يُبَيِّنُها الرَّبُّ. لِذا، يجب أن تَروا أنَّ المَلكوتَ يَضُمُّ مؤمنينَ حقيقيِّينَ وأشخاصًا يَتظاهرونَ بالإيمان.
وسوفَ نَرى ذلكَ في الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى لأنَّ كُلاًّ مِنَ الحِنطةِ والزَّوان يَنمُوانِ معًا في الأرض. وسوفَ نَرى ذلك. والآن، إن أردتُم أن تَروا ذلكَ... وبالمُناسبة، هذهِ هي الحالُ دائمًا في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. فإذا نَظرتم إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15، أعتقدُ أنَّكم ستَرَوْنَ مَثَلاً إيضاحيًّا آخرَ على المبدأ نفسِه. والنَّاسُ يَتشوَّشونَ بخصوصِ الأصحاحِ الخامس عشر مِن إنجيل يوحنَّا لأنَّهم لا يَفهمونَ هذا المبدأ.
فيوحنَّا 15 لا يَستخدِمُ مُصطلحاتِ المَلكوت، بل يَستخدِمُ مُصطلحَيِّ الكَرمةِ والأغصان؛ وهي استعارة مِن عالَمِ الزِّراعةِ وليست استعارة مِنَ المَلكوت. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ الفكرةَ هي نَفسُها. فيسوعُ يَقول: "أَنَا الْكَرْمَةُ الحَقيقيَّةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ". والآن، مَن هُمُ الأغصان؟ مَن هُمُ الأغصان؟ انظروا إلى العددِ الثَّاني: "كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ". إذًا، الأغصانُ هُم أشخاصٌ في المَسيحِ بطريقةٍ مَا.
ونحنُ لا نَعلَمُ بعد ما المقصودُ عندَ قراءتِنا لهذهِ الكلمات. لِذا، يجب علينا أن نُتابِعَ القراءة: "كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ". هل سَمِعتُم ذلك؟ هل تُريدونَ أن تَعلموا ما الَّذي سيَفعلُهُ بِهِ؟ إنَّ العددَ السَّادسَ يُخبرُكُم بذلك: "وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ". ما هو، في رأيِكُم، المَكانُ المَوصوفُ هُنا؟ خَمِّنوا؟ جَهَنَّم. فالنَّارُ تُشيرُ إلى جَهَنَّم.
فالآيةُ تَقولُ إنَّ كُلَّ غُصْنٍ فِيَّ لا يَأتي بثَمرٍ سيَحترِقُ في جَهنَّم. وقد تقول: "مَهلاً! هل هذا يَعني أنَّني يُمكنُ أن أَفقِدَ خَلاصي؟" لا، لا. فكما تَرَوْنَ، يجب عليكم أن تَرجِعوا إلى مَبدأ المَلكوتِ لِتَروا أنَّكم قد تَكونونَ في المَلكوتِ دُونَ أن تَكونوا مِن أتباعِ المَلِكِ حَقًّا. هل تَفهمونَ ذلك؟ فقد تَنتمونَ إليهِ سَطحيّا. وأعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ عن غُصْنِ يَهوذا في هذه النُّقطة. فهُناكَ اقترانٌ خارجيٌّ، ولكنَّ عَدَمَ وُجودِ حَياةٍ هو أمرٌ ظَاهِرٌ مِن خلالِ حَقيقةِ أنَّهُ لا يوجد ثَمَر. فلا يوجد ثَمَر.
وهذا هو المبدأُ الَّذي ينبغي أن تُبقوهُ في أذهانِكُم حينَ تَصِلونَ إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13: أنَّ مَلكوتَ اللهِ في الوقتِ الحاضِر، في أثناءِ عَيشِنا في هذهِ المَرحلةِ الانتقاليَّةِ، وفي هذا الوقتِ مِنَ سِرِّ المَلكوتِ يُشبِهُ أوقاتًا أخرى في المَلكوتِ إذْ إنَّهُ يَحوي مُؤمنينَ حَقيقيِّينَ وأشخاصًا مُدَّعين. لِذا فإنَّ بَعضًا مِن أبناءِ المَلكوتِ وبَعضًا مِنَ الأغصانِ ستُطرَحُ في جَهنَّم. أتَرَوْن؟ لأنَّهُ لا توجدُ حياةٌ حَقيقيَّةٌ فيها. فلا يوجد هناكَ خُضوعٌ حَقيقيٌّ للمَلِك. لِذا، أنتُم تَفهمونَ بِضعةَ حقائقَ أساسيَّة جدًّا عنِ الملكوت. وهذا هو ما كانَ يَدورُ في ذِهنِ مَتَّى عندما نَصِلُ إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13. فسوفَ يُرينا سِمَةَ هذا المَلكوتِ كما هو موجودٌ في هذه الفترةِ الانتقاليَّةِ الَّتي نَعيشُ فيها.
والآن، اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم فِكرةً أخرى عن ذلك. لا توجدُ في مَلكوتِ اللهِ الكَونيّ شُروطٌ لدُخولِه. هل فَهمتُم ذلك؟ لا توجدُ في مَلكوتِ اللهِ الكَونيِّ شُروطٌ للدُّخول. فإن كُنتَ حَيًّا فإنَّكَ فيه. فهو يَضُمُّ كُلَّ شخصٍ وكُلَّ شيءٍ إلى الأبد. أمَّا مَلكوتُ اللهِ مِن خلالِ وَسيطٍ فلَهُ شَرْطٌ. فأنتَ لن تَكونَ في مَلكوتِهِ المُؤسَّسِ مِن خلالِ وَسيطٍ ما لم تَفعل ما جاءَ في إنجيل مَرقُس 1: 15؛ أي أن تَتُب وتُؤمِن بالإنجيل. فهذا هو ما يَقولُه. ما لم تَتُب وتؤمِن بالإنجيل. فإن لم تَفعل ذلك، لن تكونَ في مَلكوتِ اللهِ مِن خلالِ وَسيط.
وفي أثناءِ وُجودِكُم في مَلكوتِ اللهِ الكَونيِّ، سوفَ تَتألَّمونَ بسببِ سِيادَتِهِ الكَونيَّةِ على جَهنَّم، ولكنَّكم لن تَختبروا بَرَكَةَ السَّماء. لِذا فإنَّ المَلكوتَ الكَونِيَّ لا يَشتَرِطُ شُروطًا للدُّخول؛ أمَّا المَلكوتُ مِن خلالِ وَسيطٍ فَلَهُ شَرط. لِذا، عندما جاءَ يسوعُ وقالَ: "توبوا وآمِنوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ"، ما الَّذي كانَ يَطلُبُ مِنَ النَّاسِ أن يَأتوا إليه؟ جَانِب الوَساطَة مِن مَلكوتِه؛ أي جَماعة المَفديِّين. ولا يوجَد مَجالٌ للحِيادِ في هذه النُّقطة. فقد قالَ الرَّبُّ مِرارًا وتَكرارًا: "إمَّا أنَّكُم تَقبلوني، وإمَّا أنَّكُم لا تَقبلوني. وإمَّا أنَّكُم مَعي، وإمَّا أنَّكُم لستُم مَعي". فأنتُم إمَّا أن تَقبَلوا المَلِكَ، وإمَّا أن تَرفُضوا المَلِك. لِذا، إمَّا أن تَدخُلوا المَلكوتَ وإمَّا أن تَبقوا خارجًا.
وهذا هو الشَّيءُ الَّذي طَلَبَ يوحنَّا المَعمدانُ مِنَ اليهودِ أن يَصنَعوا قَرارًا بشأنِه. وهذا هو الشَّيءُ الَّذي طَلَبَ يسوعُ مِنهُم أن يَصنَعوا قَرارًا بشأنِه. ومِنَ المؤسفِ أنَّهُم قَرَّروا أن يَفعلوا الشَّيءَ الخطأ. أليسَ كذلك؟ فقد رَفَضوا المَلِكَ. لِذا، فقد رَفضوا مَملكتَهُ. لقد رَفضوها. لِذا فقد حَكَموا بالدَّينونةِ على أنفسِهم. وفي تلك النُّقطة، اسمعوني جيِّدًا: تَأجَّلَ التَّحقيقُ الكاملُ للمَلكوت.
وقد تَقول: "هل هذا يعني أنَّهُ لا يوجدُ مَلكوتٌ الآن؟" بَلى! فالملكوتُ الآنَ مَوجودٌ، ولكنَّ تَعريفَهُ المَبدئيَّ هو أنَّهُ داخِليٌّ – دَاخِلِيّ. أمَّا في تَحقيقِهِ الكامِلِ فإنَّهُ سيكونُ دَاخليًّا وماذا؟ وخارجيًّا. وعندما تَقرأونَ الكتابَ المقدَّس، تَجِدونَ يسوعَ المَسيحَ يَجلِسُ على عَرشِ داودَ في مَدينةِ أورُشليم حَرفيًّا، ويَحمِلُ قَضيبَ حَديد، والأُمَمُ تُجلَبُ إلى أورُشليم لكي تَراه هناك، وهَلُمَّ جَرَّا. وهذا هو المَلكوتُ الحَقيقيُّ ليسوعَ المسيح.
وعندما أقولُ إنَّهُ حَقيقيٌّ فإنَّني أعني ذلكَ المُلْك الخارجيّ والموضوعيّ والمَلموس للمسيحِ على هذه الأرضِ الحقيقيَّة. وإن كُنتُم تَشُكُّونَ في أنَّ هذا لن يَحدُثَ، اقرأوا الأصحاحَ العِشرين مِن سِفْر الرُّؤيا. فهو يَقولُ إنَّ المَلكوتَ سيأتي على الأرضِ مُدَّةَ ألفِ سنة؛ وهو ما يُعرَفُ بالمُلْكِ الألفيّ. وسوفَ يَكونُ مَسبوقًا بتَجاوبٍ داخليٍّ معَ المسيحِ على نِطاقٍ عَالَمِيٍّ ولا سِيَّما مِن قِبَلِ إسرائيل. ثُمَّ إنَّ المَلكوتَ سيأتي وَيَصِلُ مِن خِلالهم إلى العالَم.
أمَّا الآنَ فإنَّ ذلكَ العُنصرَ الخارجيَّ مِنهُ في مِلئِه يَنتظرُ إيمانَ بني إسرائيل. وفي غُضونِ ذلك فإنَّ المَلكوتَ دَاخليٌّ. واللهُ يَصِلُ إلى أقاصي الأرضِ ويأتي بالنَّاسِ إلى مَلكوتِهِ مِن خلالِ الخلاص. والآن، ما هي سِماتُ هذه الفترةِ المُدهشة؟ هناكَ العديدُ مِنَ المبادئِ الَّتي نَجِدُها في الأصحاحِ الثَّالث عشر والأعداد مِن 1 إلى 52. ويجب علينا أن نَنتظرَ إلى المَرَّةِ القادمة.
لِذا، سوفَ أتَخطَّى ذلكَ في هذا الصَّباحِ ونَتحدَّثُ عنهُ في المرَّة القادمة. وسوفَ نُراجِعُ كُلَّ الموضوعِ لكي تَعرفوا كلَّ الإجابات. ثُمَّ إنَّنا سنأخُذُ مَثلاً واحدًا في كُلِّ مَرَّةً خلالَ الأشهرِ القادمة. ولكنِّي أريدُ أن أقولَ شيئًا آخر مُهمًّا في اعتقادي في هذه المرحلةِ التَّمهيديَّة. ففي العددِ الحادي عشر، هل لاحظتُم تلك العبارةِ هُناك؟ فيسوعُ يَقول: "لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ...".
وهذا هو السَّببُ الَّذي يَدعونا إلى تَسميةِ ذلكَ الشَّكل السِّريّ. فهو يُسَمِّيهِ هكذا. "أسرار مَلكوتِ السَّماوات". والآن، أَوَدُّ أن أقولَ لكم إنَّ العبارة "مَلَكوت السَّماوات" هي عبارة مُهمَّة جدًّا. فهي تُستخدَمُ في العدد 11، وتَستخدَمُ في العدد 24، وتُستخدَمُ في العدد 31، وتُستخدَمُ في العدد 33، والعدد 44، والعدد 47، ثُمَّ في العدد 52. إذًا، العبارةُ "مَلَكوت السَّماوات" تُستخدَمُ ما لا يَقِلُّ عن ثَماني مَرَّات.
وقد حاولَ أُناسٌ أن يَقولوا إنَّ "مَلَكوتَ السَّماواتِ" و "مَلَكوتَ اللهِ" هُما لَفظتانِ مُختلفتان. ولكنَّ هذا غير صحيح. فهي طريقةُ أخرى وَحَسْب للإشارةِ إلى مَلكوتِ اللهِ إذْ إنَّ الكلمة "الله" مُرادفة للكلمة "سَماوات". ونحنُ نَعلمُ ذلكَ لأنَّهُ في المَقطَعِ المُوازي لهذا في إنجيل لوقا، تُستخدمُ العبارة "مَلكوت الله" للإشارة إلى نفسِ الأشياء. لِذا فإنَّ العِبارتينِ تُستخدمان للإشارة إلى الشَّيءِ نَفسِهِ وتَعنيانِ الشَّيءَ نَفسَه. لِذا، نحنُ نَقبلُ حَقيقةَ أنَّ مَلكوتَ اللهِ ومَلكوتَ السَّماواتِ تُشيرانِ إلى الشَّيءِ نَفسُه. وهذا أمرٌ قد لا يُبالي بهِ بَعضٌ مِنكُم. وقد يُبالي بهِ بَعضٌ منكم.
والآن، هناكَ مُلاحظة أخرى لِمُساعدتكم على تَعريفِ هذه الفترة. إنَّ الفترةَ الَّتي نَعيشُ فيها تُسَمَّى أيضًا "عَصْر الكنيسة". فهي تَسمية مُرادفة لعصر الكنيسة. فنحنُ السِّرُّ الفَريدُ لهذه الفترة. وهذا أمرٌ تَمَّ إخبارُنا عنهُ صَراحةً مِن قِبَلِ الرَّسولِ بولس في رسالة أفسُس والأصحاح الثَّالث. فهو يقول: "[هذا سِرٌّ] فِي أَجْيَال أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ: أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيل".
بعبارةٍ أخرى، إنَّ سِرَّ هذا الدَّهرِ هو أنَّ اليهودَ والأُممَ يُشَكِّلونَ جَسدًا جديدًا، وهُويَّةً أخرى غير مَعروفة. وهذا الجسدُ هو الكنيسة. فالكنيسةُ هي جسدُ المسيح. أليسَ كذلك؟ وهي مُؤلَّفة مِنَ اليهودِ والأُمم. وهذا شيءٌ لم يَكُن مَنظورًا في العهد القديم. فقد كانَ مَحجوبًا عنهم. لِذا، لقد كانَ [بِمَعنى مِنَ المَعاني] عَصْر السِّرّ. فهو المَلكوتُ، ولكنَّهُ أيضًا عصر الكنيسة.
بعدَ أن وَضَّحنا ذلك، لا بُدَّ مِنَ القولِ إنَّ المَلكوتَ هو ليسَ الكنيسة، وإنَّ الكنيسةَ هي ليستِ المَلكوتَ بهذا المَعنى. فالملكوتُ كانَ موجودًا قبلَ الكنيسة. وفِكرةُ المَلكوتِ تَمتدُّ إلى ما وراء الكنيسة. ولكن في هذه الفترة الزَّمنيَّة، إنَّهُما واحدٌ ونفسُ الشَّيء.
ولكن يجب عليكم أن تُدركوا أنَّ الملكوتَ يَمتدُّ إلى ما وراء هذه الأشياء. ويُمكنني أن أُضيفَ أيضًا أنَّهُ في كُلِّ ما يَمتدُّ إليهِ، سَتَجِدونَ في نِطاقِ المَلكوتِ مُؤمِنينَ حقيقيِّينَ وأُناسًا مُدَّعين. وقد رأيتُم ذلكَ في العهدِ القديم. أليسَ كذلك؟ في أُمَّةِ إسرائيل. وأنتُم تَرَونَ ذلكَ الآن في الكنيسة. واسمعوا ما سأقول: سوفَ تَرَوْنَ ذلكَ حتَّى في المُلْكِ الألفيِّ على الأرضِ في مَملكةِ يسوعَ المسيحِ حيثُ سيكونُ هناكَ مُؤمنونَ وغيرُ مُؤمِنين. وهذا يَظهَرُ مِن خلالِ حَقيقةِ أنَّهُ في نهايةِ تلك الفترةِ الَّتي ستَمتدُّ ألفَ سنة، سَيُحَلُّ الشَّيطانُ مِن سِجنِهِ ويَخرُجُ لِيُضِلَّ الأممَ الَّذينَ في الأرض. وهو سيَجمَعُ حَشْدًا كبيرًا أو جَيشًا ضَخمًا لمُحاربةِ يسوعَ المسيح.
لِذا، حينَ تَنظرونَ إلى الملكوتِ مِن خلالِ وَسيطٍ على الأرض، سواء كُنتم تَنظرونَ إلى العهدِ القديم أو إلى المُلْكِ الألفيِّ أو أيَّة فترة بينهما، ستَرونَ دائمًا المؤمنينَ الحقيقيِّينَ والأشخاصَ المُدَّعينَ جنبًا إلى جنب. لِذا، لا يَنبغي أن نُدهشَ إن رأينا ذلكَ اليوم. أليسَ كذلك؟ فلا ينبغي أن نُدهَشَ اليومَ إن وَجدنا أنَّ الكنيسةَ تَحوي أُناسًا غيرَ مُؤمِنين. صَحيحٌ أنَّهم قد لا يُقِرُّونَ بذلك، ولكن إن عُرِفَتِ الحقيقةُ سنَجِدُ أنَّ هذه هي الحال.
والآن، هذا مُجَرَّدُ تَمهيدٍ للمُقدِّمة. فلديَّ مُلاحظاتٌ تَملأُ إحدى عشرةَ صفحة. وقد شاركتُكُم بأوَّلِ صَفحتينِ فقط. فهناكَ شَيءٌ يَحدُثُ لي بسببِ تَقَدُّمي في السِّنِّ ولا أدري ما هو. ولكن اسمَحوا لي أن أفعلَ ما يَلي على أقلِّ تقدير: لن أُبقيكُم هنا وقتًا طويلاً في هذا الصَّباح، بل سأكتفي بالتَّمهيدِ لهذا الأصحاحِ وأُؤجِّلُ الحديثَ عنِ البقيَّة. فرُبَّما يَعلَمُ اللهُ أنَّ جَميعَ الرُّعاةِ بحاجة إلى سَماعِ هذا في الأسبوعِ القادم. فمن يعلم؟
اسمَحوا لي أن أتأمَّلَ في العَددين الأوَّل والثاني. فعلى أقلِّ تقدير، سوفَ نَدرِسُ جُزءًا صغيرًا جدًّا. هناكَ أربعة أمور أريدُ أن أُرَكِّزَ عليها في أثناءِ استعراضِ هذا الأصحاح: أوَّلاً، سوفَ نُجري مَسْحًا عامًّا في هذا الأسبوع والأسبوع القادم، ثُمَّ نَدخُلُ في التَّفاصيل. ولكن هناكَ أربعة أشياء أريدُ منكم أن تَرَوها: المَكانُ هو الشَّيءُ الأوَّل. المَكان. وهي نُقطة صغيرة، ولكنِّي أعتقدُ أنَّها طريقة مُدهشة لِتَذَكُّرِ الأشياء. ثُمَّ هُناكَ الخُطَّة، ثُمَّ هُناكَ القَصد، ثُمَّ هُناكَ الوعد. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ اليوم وفي المرَّة القادمة.
أولاً، لننظُر إلى المكان. فنحنُ نقرأُ في العددِ الأوَّل: "فِي ذلِكَ الْيَوْم". ما مَعنى ذلك؟ أيُّ يَوم؟ نفسُ اليوم الَّذي كانَت تَحدُثُ فيه كُلُّ تلك الأمور. وما الَّذي كانَ يَجري؟ لقد كانَ يسوعُ في مَنزلٍ (كما جاءَ في نهايةِ الأصحاحِ الثَّاني عشر). وقد جاءت أُمُّهُ وجاءَ إخوتُهُ إليه. وقبلَ ذلك، كانَ يُوَبِّخُ اليهود. وقبلَ ذلكَ، كانوا قدِ اتَّهموهُ بالتَّجديف. وقبلَ ذلكَ (في الأصحاح 12 والعدد 22)، كانَ قد شَفى رَجُلاً مَجنونًا أعمَى وأخرسَ ورُبَّما أَصَمَّ. فهو يَومٌ مَا. والحقيقةُ هي أنَّهُ رُبَّما شَفى أُناسًا آخرينَ أيضًا. فرُبَّما كانَ يَومًا شَفى فيهِ أُناسًا كثيرين.
إذًا فقد شَفى رَجُلاً تَسْكُنُهُ الأرواحُ الشرِّيرة، ثُمَّ اتَّهموهُ بالتَّجديف، ثُمَّ إنَّهُ أَعلَنَ الدَّينونة، ثُمَّ إنَّ أُمَّهُ وإخوتَهُ جاؤوا، ثُمَّ إنَّهُ يُقدِّمُ الدَّعوةَ في النِّهاية. وفي نفسِ ذلك اليوم! ويا لَهُ مِن يوم! يا لَهُ مِن يَوم! "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْر". والآن، أنا أعرفُ أنَّ هذه مُلاحظة جُغرافيَّة وَحَسْب، وأعرفُ أنَّها لا تَحوي أيَّ حَقٍّ روحيٍّ عَميق.
وأعتقدُ أنَّني توقَّفتُ عندَ تلك النُّقطة وقُلتُ لنفسي: "ما سَببُ وجودِ هذه الكلماتِ هُنا؟ لماذا يُكَلِّفُ مَتَّى نَفسَهُ مَشَقَّةَ قَولِ ذلك؟ فهذا ليسَ مُهمًّا بالمَرَّة!" فيُمكنكم أن تَبتدئوا القراءةَ مِنَ العددِ الثَّالث: "فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَال". فأنتُم لستم بحاجة إلى العَددين الأوَّل والثاني لأنَّ العددَ الأوَّلَ يقول: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ"، ولأنَّ العددَ الثَّاني يقول: "فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ". فهل هذا مُهمٌّ؟
الحقيقةُ هي أنَّني أعتقدُ أنَّهُ مُهمٌّ على أقلِّ تقدير لأنَّها طريقة مُدهشة لتَذَكُّرِ التَّغييرِ الَّذي يَحدُثُ هُنا. وإن وَسَّعْنَا أُفُقَنا قليلاً واستَخدمنا هذا كَمَثَلٍ إيضاحيٍّ أو رَمْزٍ (معَ أنَّ هذا ليسَ القَصد مِنهُ، ومعَ أنَّ هذه ليستِ الغاية مِنهُ)، قد يَكونُ مَثَلاً إيضاحيًّا لنا. فيُمكنُنا أن نُشَبِّهَ البيتَ بأيَّة مَجموعة مِنَ النَّاس؟ بإسرائيل.
وفي كلِّ الكتاب المقدَّس، يُشَبَّهُ البَحرُ بأيَّة مجموعة مِنَ النَّاس؟ بالأُمم. ويُمكنُنا أن نَتذكَّرَ الطَّبيعةَ الانتقاليَّةَ للأصحاحِ مِن خلالِ تَذَكُّرِ أنَّهُ عندما خَرَجَ يَسوعُ مِنَ البيتِ إلى البحر، في تلك اللَّحظة، انتقلَ مِن إسرائيل إلى الأُمم. فهناكَ شيءٌ جَديدٌ يَحدُث. فقد غادرَ البيت. وهذا يَصلُحُ مَثَلاً إيضاحيًّا أو رَمزًا.
ومِنَ المُدهشِ أيضًا، في اعتقادي، أن نُلاحظَ في بدايةِ خِدمتِهِ أنَّهُ كانَ يَذهبُ إلى البيوتِ كثيرًا. في حين أنَّكم سَتَرَوْنَ في خِدمتِهِ مِنَ الآن فَصاعِدًا إلى نِهايةِ خِدمَتِهِ أنَّهُ يَخدِمُ خارِجًا كثيرًا. وسوفَ تَرونَهُ يَعِظُ عندَ شاطئِ البحر، وتَرَونَهُ يُعَلِّمُ في الطُّرُقاتِ الرَّئيسيَّةِ والفَرعيَّةِ، وفي شَوارعِ القُرى. وتَرونَهُ على سُفوحِ الجِبال، وتَرونَهُ في الأرياف. وكأنَّ الكلماتِ هُنا تُشيرُ إلى شَيءٍ مُدهش. أليسَ كذلك؟ فهذا بُعدٌ جديد. فالمَلكوتُ يُكرَزُ به إلى الأُمَم.
وأودُّ أن أقولَ أيضًا أنَّهُ في أثناءِ تَفكيري في هذا الأمرِ ودراسَتي لَهُ، يبدو في بدايةِ حياةِ يسوعَ أنَّهُ كانَ يَصرِفُ مَزيدًا مِنَ الوقتِ في المَجمَع. ولكِن في وقتٍ لاحقٍ مِن حياةِ يَسوع، صارَ يَصرِفُ وَقتًا أقلَّ في المَجامِع. وقد كانت الأوقاتُ الَّتي ذَهَبَ فيها إلى المَجامِعِ لاحقًا تَتَّسِمُ بالعُنف الشَّديد. فهناكَ تَغييرٌ حَقيقيٌّ يَحدُثُ هنا. ونَقرأُ في العددِ الثَّاني أنَّهُ "اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". وهو حَشْدٌ مُختَلَط. أليسَ كذلك؟ وسوفَ يَصيرُ هذا هو النَّمَط السَّائد.
والآن، لقد كانَ الفُضولُ عندَ النَّاسِ ما زالَ شَديدًا جدًّا بخصوصِ يسوع. وبالرَّغمِ مِن رَفضِ القادةِ، كانَ هُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَهتمُّونَ به. فقد أدهشَ النَّاسَ فَصاروا يَحتشدونَ مِن حَولِه. ونَقرأُ أنَّهُ كانَ يوجدُ أُناسٌ كَثيرونَ يَزحَمونَهُ ويَدفعونَهُ باتِّجاهِ الماء. وما أعنيه هو أنَّهُ يُمكنُني أن أَفهمَ هذا النَّوعَ مِنَ الضَّغطِ على شخصٍ مِثلَهُ.
هل تَتخيَّلونَ كيفَ ستكونُ الحالُ لو كُنتُم تَملِكونَ القُدرةَ على شِفاءِ كُلِّ الأمراضِ المُتَفَشِّية، وإن كُنتُم تَملكونَ القُدرةَ على قَولِ الكلامِ الَّذي كانَ يَقولُه! ما أعنيه هو أنَّكم ستَكونونَ مَحَطَّ الأنظار. ولم تَكُن توجدُ في تلكَ الأيَّامِ كُتُبٌ ومَصادرُ للتَّسلية. فقد كانَ هذا الأمرُ أكثرَ شَيءٍ مُدهِشٍ يَجري آنذاك. لِذا فقد زَحَمَهُ النَّاس.
وفي تلكَ الأيَّام، كانوا يَضَعونَ قواربَ الصَّيدِ الصَّغيرةِ على رِمالِ الشَّاطئ. وقد وَجَدَ واحدًا مِن تلك القوارب. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ تلاميذَهُ الاثني عشرَ قد ساعِدوهُ، أو بَعضًا منهم، في دَفْعِ القاربِ إلى الماء. وقد نَزَلَ في الماءِ إلى خَصرِهِ تقريبًا ثُمَّ صَعِدَ إلى القارب. ورُبَّما كانَ تَلاميذُهُ يَقفونَ في الماءِ إلى خَصرِهم ويُمسكونَ القاربَ مِن جَانبيه؛ وإلاَّ فإنَّ القارِبَ سيَدورُ حَولَ نَفسِه أو يَنجرِفُ معَ الأمواج. وكانتِ الأمواجُ تَتلاحَقُ على الشَّاطئ. وقد جَلَسَ بالقُربِ مِن الشَّاطئِ في القارب. "وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ. فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَال". وما قالَهُ لم يَفهموهُ. البتَّة!
هل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ لقد كانت هذه هي النُّقطة الجوهريَّة. كانت تلك هي النُّقطةُ الجوهريَّة. "ما الَّذي تَعنيه يا جون؟" أعني ما يَلي: إذا كُنتَ لا تُصغي عندما يَتكلَّمُ إليكَ بوضوح، فإنَّهُ سيتكلَّمُ إليكَ ولا تَفهَمُ ما يَقول. هل تريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ أوَّلاً، لقد تَحدَّثَ إليهم بكلماتٍ واضحة، لا بأمثال. فحتَّى هذه النُّقطة، لا نَجِدُ مَثَلاً واحدًا تَمَّ تَدوينُه. صحيحٌ أنَّهُ توجدُ إشارات رائعة أو استعارات؛ ولكن لا توجدُ أمثال لأنَّ الأمثالَ الَّتي لا تُفَسَّرُ هي أُحجية لا يُمكِنُ فَهمُها. لِذا فقد تَكلَّمَ بوضوحٍ شديد. وعندما لم يُصغوا، تَكلَّمَ بأحاجي.
اسمَعوا ما سأقول: عندما استمرُّوا في عدمِ الإصغاء (كما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 14)، تَكلَّمَ بلُغةٍ لا يُمكنهم أن يَفهموها. فقد غَاصوا أكثر وأكثرَ في الظَّلام. لِذا فقد كانت هذه نُقطة تَحَوُّل. ولكن فيما يَخُصُّ المؤمنينَ فقد شَرَحَ كُلَّ شيءٍ بالتَّفصيل. وسوفَ تَفهمونَ هذهِ الأمثالَ أنتُم أيضًا [إن كُنتُم تُؤمِنون] في أثناءِ تأمُّلِنا في هذا الأصحاح. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على إرسالِ المَلِك، وعلى أنَّكَ قَدَّمتَ لنا مَلكوتَهُ. نَشكُرُكَ لأنَّنا إنْ تُبْنا وآمَنَّا بالإنجيل، يُمكنُنا أن نَدخُلَ الملكوت. ومعَ أنَّ المَلِكَ قد رُفِض، ومع أنَّ التَّحقيقَ الكاملَ للملكوتِ بمَجدِهِ الدَّاخليِّ والخارجيِّ ما زالَ يَنتظرُ مَجيئَهُ الثَّاني، نَشكُرُكَ لأنَّ العُنصُرَ الدَّاخليَّ مِنَ المَلكوتِ هوَ هُنا والآن، ولأنَّ المَلكوتَ في وَسْطِنا لأنَّ المَلِكَ يَملِكُ في قُلوبِ شَعبِهِ المَفديّ. نَشكُرُكَ لأنَّنا نَستطيعُ أن نَكونَ جُزءًا مِنَ المَلكوت.
إنَّ قُلوبَنا تَحزَنُ جدًّا لأنَّ العالَمَ اليومَ لا يَتوقُ إلى قَبولِ المَلِكَ ومَملكتِه؛ وهذا يُشبِهُ ما فَعلَهُ بنو إسرائيلَ في القَديم. ومع ذلكَ فإنَّنا نَفرحُ يا رَبُّ لأنَّهُ حتَّى بعدَ إعلانِ الدَّينونة، هناكَ دائمًا رسالةُ النِّعمة: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". "مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي". فهي دائمًا رسالةُ النِّعمة. لِذا يا رَبُّ، فيما يَخُصُّ هذا العالَمَ الرَّافضَ، يجب علينا أن نَكرِزَ برسالةِ الدَّينونةِ لأنَّهم أيضًا قد رَفضوا المَلِك. ولكِن ما يزالُ هناكَ أشخاصٌ قُلوبُهم مَفتوحة لعملِ مَشيئتِكَ بأن يَأتوا لكي يَجدوا الرَّاحة.
ونحنُ نَسألُكَ، يا رَبُّ، اليومَ أنَّهُ إن كانَ هناكَ أشخاصٌ في هذا المكانِ لا يَعرفونَ يسوعَ المسيحَ، نَسألُكَ في هذا اليوم أن يَفتحوا قُلوبَهُم لَهُ، وأن يَنتقلوا (كما قالَ بولُس في رسالتهِ إلى أهلِ كولوسي) مِن سُلطانِ الظُّلمةِ إلى مَلكوتِ ابنِ مَحَبَّتِهِ. لَيتَهُم يُؤمنونَ بالإنجيلِ، ويَتوبونَ، ويَتركونَ خَطيَّتَهُم بحُزنٍ وانكسار. ولَيتَهُم يَدخلونَ المَلكوتَ لكي يَعيشوا إلى الأبد معَ المَلِك. يا أبانا، أَسألُكَ أن تَعملَ عَملكَ في كُلِّ قلبٍ، وأن تَجذبَ الأشخاصَ الَّذينَ تَشاءُ أن يأتوا، وساعِدنا جميعًا على الاعترافِ والتَّوبةِ وتَكريسِ أنفسِنا تَكريسًا عميقًا لكَ.
اجمَعنا مَرَّةً أخرى في هذا المساء، يا رَبّ، بتَرَقُّبٍ شَديدٍ فيما نَفتحُ كلمتَكَ لنتعلَّمَ عنِ العائلةِ لكي نَعبُدَكَ مِن خلالِ إطاعةِ القادةِ في بُيوتِنا. خُذ هذا اليومَ يا رَبُّ واجَعلهُ يومًا لَكَ، وبارِكْهُ بِكُلِّ بَرَكة. وفيما يَخُصُّ كُلَّ شخصٍ يأتي إليكَ، لَيتَهُ يَختبر مِلءَ البَرَكةِ الَّتي تَفوقُ كُلَّ تَوقُّعاتِه. باسمِ المسيحِ نُصلِّي. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
