نُتابع مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح دِراسَتَنا للأصحاح السَّادس مِن إنجيل مَتَّى. وأودُّ أن أُذكِّرَ ضُيوفَنا مِن جديد أنَّنا نَقومُ بدراسة مُوسَّعة ومُطَوَّلة ورائعة للعِظة على الجبل في إطار دراستنا الأكبر لإنجيل مَتَّى. ونحنُ نَتعلَّم بطريقة مُباشِرَة ومُوسَّعة قدرَ الإمكان كلماتِ رَبِّنا المُقدَّمة في هذه التُّحفة البديعة المُمتدَّة مِن بدايةِ الأصحاح الخامس إلى نهاية الأصحاح السَّابع.
ونحنُ نَجِدُ أنفسَنا في هذا الوقت في الأصحاح السَّادس والأعداد مِن 25 إلى 34. ولكي تُدركوا السِّياقَ الَّذي نَتحدَّثُ عنه، اسمَحوا لي أن أقرأَ هذا النَّصَّ لكم. ويُمكنكم أن تُتابعوني في كِتابِكُم المُقدَّس ابتداءً مِن مَتَّى 6: 25:
"لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟
"فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.
"فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ".
ستُلاحظونَ الآنَ في هذا المقطع أنَّ هناك فِكرة تَتكرَّر وهي: "لا تَهتمُّوا". والحقيقة هي أنَّها تَتكرَّر هنا أربعَ مَرَّات. والكلمة "تَهتمُّوا" هي كلمة تَعني ببساطة: "تَقلقوا"؛ أي: "لا تَقلقوا". وهذا هو لُبُّ وجوهرُ هذا المَقطَع. فالرَّبُّ يدعونا إلى التوقُّف عن القَلق. والآن، أعتقد أنَّه يجب علينا جميعًا أن نُقِرَّ بأنَّ القَلقَ هو جُزءٌ مِن الحياة. فهو الشَّيءُ الَّذي يَتَسَلَّى به أغلبيَّةُ النَّاس. وهو الشُّغْلُ الشَّاغِلُ لَهُم في الجزءِ الأكبر مِن ساعاتِ يَقَظَتِهم اليوميَّة.
ولكنَّ القَلقَ شيءٌ خطيرٌ جدًّا. فهو يَترُك تأثيرًا هائلاً في النَّاس. وعَدا عن تأثيرِهِ النَّفسيِّ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخبرنا أنَّ القَلَقَ في حياةِ المؤمنينَ (أو أولادِ اللهِ) خَطيَّة لأنَّ القَلقَ يَعني أنَّه تقول: "يا رَبّ، أنا أَعلمُ أنَّكَ تَعني ما تقول، ولكنِّي لستُ واثقًا مِن أنَّكَ تستطيعُ أن تُحْكِمَ السَّيطرةَ على الأمور". فالقلق هو خَطيَّة عدم الثِّقة في وعدِ اللهِ وتَدبيره. ولكنَّنا نَفعلُ ذلك طَوالَ الوقت.
قال "وليام إنج" (William Inge): "القَلقُ هو فائدة مَاليَّة تُدفَع على المَشاكِلِ قبلَ أوانِها". وقد قالَ كاتِبٌ آخر: "القَلقُ هو جَدوَلٌ رَفيعٌ مِن الخوف يَجري في العَقل. فإن تَركتَهُ فإنَّه سيَحفُر قَناةً عريضةً جدًّا تَغرَقُ كُلُّ الأفكارِ الأخرى فيها". وقد عَبَّرَ كاتِبٌ آخر عن ذلك بأن قال: "القَلقُ هو إيمانٌ بأمورٍ سَلبيَّة، وثِقَة بأمورٍ غير مُبهِجَة، ويَقينٌ بالكارثة، ويَقينٌ بالهَزيمة". وقد قالَ كاتِبٌ آخر: "القَلَقُ هو هَدْرٌ لوقتِ اليوم بسببِ الارتباكِ في التَّفكيرِ في فُرَصِ الغَدِ نَتيجةَ مَشاكلِ البَارِحَة".
واسمحوا لي أن أخبركم شيئًا أعتقد أنَّه مُدهش قرأتُهُ في هذا الأسبوع. وهو لم يكن مُرتبطًا حَقًّا بالقَلق إلى أن رأيتُ رابطًا مُدهشًا جدًّا. فقد كنتُ أقرأُ عن مَكتب المَعايير في واشنطن دي.سي." (Bureau of Standards in Washington D.C.). فقد كانت هناك مقالة عن الضَّباب، وعن العُنصر الرَّئيسيِّ الَّذي يُشَكِّلُ الضَّباب. وقد وَجدتُ أنَّ هذه الفكرة مُدهشة. فالضَّبابُ الكَثيفُ الَّذي يُغَطِّي سبعة مُجَمَّعاتٍ سَكنيَّة في المدينة بعُمق مِئة قَدَم (وبالمناسبة، ما يَقصدونَهُ هو أنَّ هذا الضَّبابَ كَثيفٌ كثيفٌ جدًّا. فهو ضَبابٌ كثيفٌ يَمتدُّ مَسافةَ سبعة مُجمَّعات سَكنيَّة بعُمق مِئة قدم) يَتألَّف مِن أقَلِّ مِن كأسٍ واحدة مِن قَطَراتِ الماءِ المُجَزَّأة إلى سِتِّينَ ألف مِليون جُزيء صغير. إنَّها ليست كميَّة ماء كثيرة البتَّة، ولكنَّها قادرة على أن تُعيقَ الرُّؤية في مدينةٍ بأسرِها. وأعتقد أنَّ هذا الأمرَ يُعَبِّر تَعبيرًا جيِّدًا جدًّا عن القلق. فإن جَمعتَ كلَّ قَطراتِ الماء تلك فإنَّها لن تَزيدَ عن كُوبِ ماءٍ واحد، ولكنَّها قادرة على تَشويشِ حياةِ أُناسٍ كثيرين.
والآن، نحنُ نَقلق. وهذا تَعبيرٌ وَحَسْب عن سُقوطِ الإنسان. وأعتقد أنَّنا لم نَعُد نَقلق كثيرًا على أيِّ شيءٍ آخر بِقَدر ما نَقلق على الأشياء الأساسيَّة في الحياة. لِذا فإنَّنا لا نَختلف كثيرًا عن الأشخاص الَّذينَ كانَ يُخاطبُهم يسوع. فقد كانوا يَقلقون. وما الَّذي كانوا يَقلقونَ بشأنه [وَفقًا لما جاءَ في العدد 25] هو: ماذا سنأكُل؟ وماذا سنَشرب؟ وبماذا سنَكسو أجسادَنا؟ بعبارة أخرى، لقد كانوا يَقلقونَ على الأشياءِ الأساسيَّة.
وأعتقد أنَّك إن كنتَ تَقلق وتُحاولُ أن تُبَرِّرَ ذلك فإنَّه لا توجد طريقة أخرى سِوى أن تقول: "في المُحَصِّلة النِّهائيَّة، هذه أمور أساسيَّة. فأنا لا أقلقُ على كَماليَّاتٍ، بل أقلقُ وَحَسْب على الوجبةِ التَّالية الَّتي سآكُلُها، وعلى كُوبِ ماءٍ، وعلى شيءٍ أرتديه". ولكن فيما يَخُصُّ المُؤمِن، هذا لا يَجوز. وفيما يَخُصُّ المُؤمِن، هذه خَطيَّة. وفيما يَخُصُّ المُؤمِن، هذه حَماقة. فلا يوجد مكان للقَلق في حياتِنا حَتَّى لو كانَ ذلك القَلق يَختصُّ بالحاجيَّاتِ الأساسيَّةِ في الحياة.
لماذا؟ لأنَّ الرَّبَّ يقول: "هذا هو مَجالُ اختصاصي". وواحدٌ مِن الأشياء الَّتي تَتَعَلَّمُها إن استمعتَ إلى ما يَقولُهُ يَسوعُ في كلِّ العِظة على الجبل، وفي كلِّ الأناجيل، وإن استمعتَ إلى الرَّسائل (الَّتي هي شَرْحٌ للأناجيل)، فإنَّ واحدًا مِن الأشياء الَّتي تَتعلَّمُها هو أنَّ اللهَ لا يريدُ مِن أولاده أن يَنشغلوا بالأشياء العاديَّة الزَّائلة على الأرض، بل يُريدُ مِنَّا أن نُرَكِّزَ أفكارَنا لا على الأشياءِ الَّتي على الأرض، بل على الأشياءِ الَّتي فَوق. وهو يُريدُ مِنَّا أن نَكنِزَ كُنوزَنا في السَّماء. وهو يُريدُ مِنَّا أن نَطلُبَ أوَّلاً ملكوتَ الله. ولكي يُحرِّرَنا للقيام بذلك فإنَّه يقول: "لا تَقلقوا على الأمور الأخرى. سوفَ أهتمُّ بذلك". أتَرَوْن؟
وهذا مَبدأٌ أساسيٌّ في الحياةِ الرُّوحيَّة. فنحنُ لسنا أُناسًا أرضيِّين، بل إنَّنا نَتَّكِل في تلكَ الأشياء على الله ونَتحرَّر مِنها لكي نَعيشَ في السَّماويَّات. فيا لِحَماقَةِ أن نَقلقَ على الأشياء الماديَّة. ولكنَّ هذا هو تمامًا ما يَقلَقُ النَّاسُ بشأنه.
والآن، رُبَّما يَتحدَّثُ الرَّبُّ عن الأشخاصِ الأغنياء هنا. فالأشخاصُ الَّذينَ يَملكونَ كُلَّ الرَّفاهِيَّاتِ في الأعداد مِن 19 إلى 24 قَلِقونَ أيضًا على الحاجاتِ الأساسيَّة هُنا في الأعداد مِن 25 إلى 34. فلأنَّ الأغنياءَ يَقلَقونَ على الحاجيَّات الأساسيَّة فإنَّهم يُكَدِّسونَ أموالَهُم لكي يَحموا أنفسهم مِن مَخاطِرِ المستقبل. فهذا هو السَّببُ الَّذي يَدفعُهم إلى جَمْعِ الثَّروة لكي يَتيقَّنوا مِن أنَّه في حال حدوثِ أزمَةٍ ما فإنَّهم سيتمكَّنونَ مِن الحصولِ على كلِّ ما يُريدون. لِذا فإنَّ الأغنياءَ يَقلقونَ على الحاجيَّات الأساسيَّة.
وكذلكَ الفُقراء. والحقيقة هي أنَّ الفُقراءَ قد يَشعرونَ بالقلق بسببِ ذلك بطريقة مُختلفة قليلاً. فَهُم يَقلقونَ على تلكَ الحاجيَّات؛ ولكنَّهم لا يستطيعونَ أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ مُحَدَّد للتَّخفيفِ مِن حِدَّةِ ذلك القَلق. فالأغنياءُ يمكنهم على أقَلِّ تقدير أن يَجمعوا. أمَّا الفُقراءُ فقد يَقلقونَ ويَعجزونَ عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ للتَّخفيفِ مِن ذلك القلق. لِذا فإنَّ الربَّ هُنا، في اعتقادي، رُبَّما يُوجِّهُ حَديثَهُ بصورة رئيسيَّة إلى الفُقراء، ولكنَّهُ يَضُمُّ أيضًا الأغنياءَ لأنَّ أيَّ شخصٍ قد يَقلق بشأن الحصول على الحاجيَّاتِ الأساسيَّة للحياة.
فهناكَ أناس كثيرون في مُجتمعنا لديهم كلَّ ما هُم بحاجة إليه، ولكنَّهم قَلِقونَ مِن نَفادِ ما لَديهم. فَهُم قَلِقونَ بشأنِ الأشياء الَّتي قد تَحدث في المستقبل، وبشأنِ عدم حصولهم على مواردَ كافية، وعدم حُصولهم على ملابسَ كافية، أو عدم حصولهم على الأشياء الَّتي يحتاجونَ إليها مِن طعامٍ وشرابٍ أو مَسكَن أو ما إلى ذلك. وبسببِ خوفهم فإنَّهم يَحتاطونَ ضِدَّ مَخاطرِ المستقبل ويحاولونَ مِن خلالِ عَدَمِ ثِقَتِهم هذه، ومِن خلالِ عَدَمِ إيمانِهم هذا أن يُقَرِّروا مَصيرَهُم بِمَعزِلٍ عن الله. وهذا يَسري حتَّى على المؤمنين. لِذا، قد تكونُ غَنيًّا ولديكَ نفس المشكلة. ولكنِّي أعتقد أنَّه يتحدَّث بصورة أساسيَّة أو رئيسيَّة عن الشَّخص الَّذي ليسَت لديه أيَّة مَوارِد للمستقبل ويَعيشُ يَومًا فَيومًا وَحَسْب.
والآن، هل ينبغي لذلك الشَّخص أن يَقلق؟ قد تقول: "يجب على الفُقراءِ أن يَقلقوا. فكيف يَعلمونَ مِن أنَّ ستأتي وَجبتُهُم القادمة؟ وكيف يَعلمونَ أنَّهم سيأكلونَ يومَ غَدٍ؟ وكيفَ يَعلمونَ إن كانوا سيحصلونَ على مأوى وملابس؟" ولكنَّ رَبَّنا يقولُ تَحديدًا إنَّه لا يجوزُ لكَ أن تَقلق على ذلك. فلا يجوزُ لكَ أن تَتَّكِل على رَفاهيَّاتِك، ولا أن تَكنِزَ أموالَكَ بطريقة أنانيَّة بسببِ خوفِكَ مِن المستقبل، ولا أن تَمتَنِعَ عن استخدام ما أعطاكَ اللهُ إيَّاه لتحقيقِ غاياتِهِ الآن. وهذا مَذكور في الآيات مِن 19 إلى 24. ولا يَجوزُ لكَ أن تَقلقَ في قلبِك بسببِ حاجاتِ يومِ غَدٍ حتَّى لو لم تَكُن تَملِكُ أيَّ شيء. لِذا فإنَّ الرَّبَّ هنا يَتحدَّثَ عن الرَّفاهيَّة في الأعداد مِن 19 إلى 24، وعنِ الحاجيَّاتِ الرَّئيسيَّة في الأعداد مِن 25 إلى 31.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم خَلفيَّةً عن النَّصِّ باختصار. في كُلِّ العِظة على الجَبل، يَضَعُ الرَّبُّ مِعيارًا لم يكن مألوفًا في زَمانِه، بل كانَ مُناقضًا لكلِّ ما يَجري في الدِّيانة اليهوديَّة. فقد أعطاهُم مِعيارًا جديدًا لأنفسهم. فقد أعطاهُم مِعيارًا جديدًا؛ وهو ليسَ جديدًا تمامًا، بل هو تَذكيرٌ بمبدأ قديم هو المبدأُ الإلهيّ. فقد أعطاهُم المِعيارَ الإلهيَّ للعالَم. وقد أعطاهُم المِعيارَ الإلهيَّ لناموسِ الله. وقد أعطاهُم المِعيارَ الإلهيَّ للمسائلِ الأخلاقيَّة، والمِعيارَ الإلهيَّ للعبادةِ الدِّينيَّة. وهو يُقَدِّمُ لَهُم هُنا ما يَقولُهُ اللهُ عن أموالِهم ومُمتلكاتِهم.
وفي كلِّ العِظة على الجبل (وأعتقد أنَّكم تَعرفونَ ذلك)، فإنَّ ما يَفعلُهُ الرَّبُّ هو أنَّه يُقدِّمُ لهم الفئاتِ الَّتي يَتحدَّثُ اللهُ عنها عن تلك المسائل. فاللهُ لديهِ ما يَقولُهُ عن مواقفِك، وما يَقولُهُ عنِ تَكريسِكَ لكلمةِ الله، وما يَقولُهُ عن أعمالِكَ الدِّينيَّة، وما يَقولُهُ عن قِيَمِكَ الأخلاقيَّة، وما يَقولُهُ عن أموالِكَ، وما يَقولُهُ عن مُمتلكاتِكَ، وما يَقولُهُ عن الصَّلاةِ في حَياتِك.
بعبارة أخرى، إنَّه يُجري مَسْحًا شامِلاً لتلك الأبعادِ في الحياة في هذه العِظة العظيمة. لِذا، في هذه اللَّحظة، نحنُ نَتحدَّثُ عن الجُزءِ المُختصِّ بالمالِ والمُمتلكات، ولا سِيَّما في الأعداد 25-34 عن الحاجيَّات الرَّئيسيَّة. وقد يَرُدُّ شخصٌ ويقول: "لقد قرأتُ الأعداد مِن 19 إلى 24 والَّتي تقول: ’لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ، بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاء. ولا تَعبُدوا المالَ، بل اعبُدوا الله‘". وقد يقولُ قائلٌ: "ولكن ماذا عن المستقبل؟ ففي هذا العالَم المُتَقَلِّب، إن لم أَجمَع مالاً كثيرًا، كيفَ أَعلمُ أنَّني سأحصُل على الطَّعام والشَّراب في المستقبل؟ وكيفَ أَعلمُ أنَّني سأحصُل على ملابسَ لي ولعائلتي؟ وكيفَ أَعلمُ أنَّني سأحصلُ على مأوى؟"
وأنا أُوْمِنُ بالتَّخطيطِ الحَكيم. ولكن إن لم تَكُن تُصَدِّقُ ذلك فإنَّ الرَّبَّ هو الَّذي يقول: "لا تَقلقوا على ذلك". فلا بأسَ في التَّوفيرِ للمستقبل، ولا بأسَ في التَّخطيطِ للمستقبل؛ ولكن مِن الخطأ أن تَقلق على تلك الخُطَط لأنَّ الله سيَهتمُّ بذلك. وكما قلتُ لكم في السَّابق، إن كانَ لديكَ الخِيار بينَ أن يقولَ اللهُ لك: "استخدِم هذا المال الآن لهذه الغاية" وبين شُعوركَ الَّذي يقولُ لكَ: "أُفضِّلُ أن أَدَّخِرَهُ للمستقبل لأنَّه مَجهول"، فإنَّ الاحتفاظَ به للمستقبل يعني عِصيانَ كلامِ الله.
وهذه مبادئ عامَّة ينبغي لكم أن تُطَبِّقوها. لذا، قد يكونُ لدينا كَنْز. ولكن يجب علينا أن نَكْنِزَهُ في السَّماء. وسوفَ نَتحرَّرُ ونَتمكَّنُ مِن القيام بذلك عندما نَتحرَّرُ مِن القلق على الحاجيَّات الأساسيَّة في الحياة.
والآن، لننظر إلى المبدأ العامّ في العدد 25. فسوفَ نَتحدَّث عن المبدأ العامّ، ثُمَّ نَنتقل إلى التَّفاصيل. أوَّلاً، إليكُم المبدأ العامّ: "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا...". وهذا يَتكرَّرُ في العدد 31: "لا تَهتمُّوا". وفي العدد 34: "لا تَهتمُّوا". فهذه هي الفِكرة الرَّئيسيَّة في هذا المَقطَع. وهي تَعني في اليونانيَّة بصورة رئيسيَّة: "لا تَقلقوا". لا تَقلقوا.
وبالمُناسبة، في العدد 25، يأتي الفِعْلُ اليونانيُّ بصيغة فَريدة معناها: "تَوقَّفوا عن القَلق". فإن كنتَ قَلِقًا أصلاً، تَوقَّف عن القَلق. والفِعلُ في العدد 31 مُختلف. فهو يقول: "لا تَبتدئوا بالقلق". لِذا، كَيفما نَظرتَ إلى الموضوع فإنَّه يَقولُ لكَ الشَّيءَ نفسَه. فإن كنتَ قَلِقًا، لا تَقلق. وإن لم تَقلق بعد، لا تَفعل ذلك. لا تَقلق.
ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 25... لاحظوا ذلك: "لِحَياتِكُم". والكلمة هي "سُوكيه" (psuche). وهي تُشيرُ إلى كلِّ الحياةِ الأرضيَّة، والماديَّة، والخارجيَّة، وإلى كلِّ ما تَعنيه هذه الحياة في هذا العالَم. لا تَقلقوا على هذا العالَم؛ أي على العالَمِ الزَّائل، والخارجيّ، والماديّ، والأرضيّ؛ أي على الأكلِ والشُّربِ والملابسِ والمَسكَنِ وكلِّ الأشياءِ الَّتي تُشَكِّلُ هذه الأرض. لا تَقلقوا على ذلك. وإن كنتم قد ابتدأتُم في القلق، توقَّفوا عن القلق بهذا الشَّأن.
والآن، اسمحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم رابِطًا بسيطًا. فالعدد 25 يَبتدئ بالكلمة "لِذلك". والكلمة "لذلك" تُعيدُنا إلى النَّصِّ السَّابق. وهو يُقدِّمُ لنا ثلاثة مبادئ تَذكرونَ أنَّها مَذكورة في الأعداد مِن 19 إلى 24. فقد قال: أوَّلاً، الكُنوز الأرضيَّة مُعَرَّضة للفساد. الكُنوز الأرضيَّة مُعَرَّضة للفساد. ثُمَّ إنَّه قالَ إنَّ اشتهاءَ الكُنوز الأرضيَّة يُعمي بَصيرَتَكَ الرُّوحيَّة (في العَدَدَيْن 22 و23). ثالثًا، لقد قالَ إنَّه يجب عليك أن تَختار إمَّا الله وإمَّا المال.
والآن، اسمحوا لي أن أُلَخِّصَ ذلك. استمعوا إلى ما سأقول: حيثُ إنَّ الكُنوزَ الأرضيَّة تُفْسِدُكُم في كلِّ الأحوال، وحيثُ إنَّ الكُنوز الأرضيَّة تُعمي بَصيرَتكُم الرُّوحيَّة، وحيثُ إنَّ الكُنوزَ الأرضيَّة تُبعِدُكم عن خِدمة الله، لِذا، لا تَقلقوا بشأنِ هذه الأشياء. أَتَرَون؟ فلا يجوزُ أن تَشغَلوا أنفسكم بهذه الأشياء حتَّى لو كانت الحاجيَّات الأساسيَّة في الحياة.
وقد تقول: "ألا يُمكننا على أقلِّ تقدير أن نَقلقَ على الحاجيَّات الرَّئيسيَّة وليس الرَّفاهيَّات؟" لا. البَتَّة! فإن كنتَ وَلدًا لله، هناكَ هَدَفٌ واحدٌ لديكَ وهو: أن تَكنِزَ كَنزَكَ في السَّماء. وهناك رُؤية واحدة لديك فقط وهي أن تَرى مَقاصِدَ الله، وأن يكونَ لديكَ سَيِّدٌ واحد، وأن تَعبُدَ اللهَ لا المال. لِذا، لا يُمكنك أن تَنشَغِلَ بالأشياء الثَّانويَّة في هذا العالَم.
والآن، ما الَّذي يُشيرُ إليه تَحديدًا؟ انظروا إلى العدد 25. ما هي الأساسيَّات؟ "بِمَا تَأكُلُون"؛ (أي: الطَّعام)، "وَبِمَا تَشْرَبُون" (أي: الماء والسَّوائل)، "وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُون" (أي: الملابس). الطَّعامُ والماءُ والملابس – لا تَقلقوا عليها. لا تَقلقوا بهذا الخُصوص.
والآن، قد نَظُنُّ في مُجتمعِنا أنَّ هذا الأمرَ غَريبٌ قليلاً. فقد نقول: "أنا لا أقلقُ بهذا الخصوص. فهناكَ سوبرماركت في كُلِّ مُجَمَّعٍ. ويُمكنني أن أذهب إلى هناك وأن أشتري ما أشاء. ونحنُ لدينا الكثير مِن الماء في منزلنا ولا نُفَكِّر البَتَّة في ذلك. فالمنزلُ العاديُّ توجدُ فيه نحو عشرُ حَنفيَّات داخلَ المنزل وخارجَ المنزل. ويمكنكَ أن تَجعلَ الماءَ يَجري في كلِّ أرجاءِ البيت وأن تَفتَحَ رَشَّاشاتِ المياهِ في الحديقة. فما الَّذي يقولهُ عن القلق بخصوص الماء! مَن يَقلق بهذا الشَّأن؟"
ثُمَّ إنَّه قد يأتي شخصٌ ويقول إنَّ الطَّعام يَنفَد في أمريكا، وإنَّ الماءَ يَنفَد في أمريكا فنَقلق قليلاً. ولكن إن كنتَ تعيشُ في فلسطين في زَمن يسوع، قد تَقلق أكثر لأنَّه كانت هناكَ أوقات لا تَنزِلُ فيها الثُّلوج على الجبال. وعندما لا تَنزِلُ الثُّلوج على الجِبال، لم تَكُن جَداوِلُ الماءِ تَجري. وفي الصَّيف الحارِق، كانت الحَرارة تُجَفِّف جَداوِلَ المياهِ فلا يَعودُ هُناكَ ماء. وكانت هناك أوقات لا تَنمو فيها المحاصيل بسبب الجَراد الَّذي يَجتاحُ المحاصيل. وعندما لا تَنجَحُ المحاصيل، لا يعودُ هناكَ طَعام فتَحدُث مَجاعة في الأرض. وعندما تَحدُث مَجاعة في الأرض، لا يَعودُ هُناكَ دَخْلٌ في الأرض. وعندما لا يَعودُ هُناكَ دَخْلٌ في الأرض، لا يَعودُ النَّاسُ يَشترونَ الملابسَ في الأرض. لِذا، لم تَكُن المَواردُ الحقيقيَّةُ الَّتي يَحتاجُ إليها النَّاسُ لمعيشتهم مُتوفِّرة.
وقد كانت هذه الكلماتِ الَّتي نَطَقَ بها رَبُّنا مُدهشةً وقويَّةً حَقًّا في إطارِ ذلك الزَّمَن. "لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ". فهذا هو ما قالَهُ لهؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ كانوا يعيشونَ على حَافَةِ الصَّحراءِ، والَّذين كانوا يَعتمدونَ تمامًا على مَواردهم الطبيعيَّة. ولا بُدَّ أنَّ كلامَهُ هذا كانَ صَادِمًا لَهُم. فهو يقول: "لا تَهتمُّوا بذلك". ومِن المؤكَّد أنَّ هذا الكلامَ هو إدانَة لِقَلَقِنا على هذه الأشياء.
فرَبُّنا يُدرك أنَّ الإنسان الَّذي يَتَّصِف بالجَشِع يَميلُ إلى تخصيصِ حياتِه بأسرِها للاهتمامِ بالأشياءِ الخارجيَّة. فهو يَميلُ إلى تخصيصِ حياتِه بأسرِها للاهتمامِ بطعامِه، وبيتِه، وملابسه، وما شَابَهَ ذلك. ولكنَّه يقول في نهاية العدد 25 ما يَلي واضِعًا الأمورَ في نِصابِها الصَّحيح: "أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ [أي الـ "سُوكيه" – "psuche"؛ أي مِلْءُ الحياة الماديَّة] أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاس؟"
بعبارة أخرى، هل هذا هو كلُّ ما في الحياة؟ هل هذا هو كلُّ ما ستُركِّزونَ أنظارَكُم عليه؟ وكما تَعلمونَ، هذه هي [بصراحة] الحالُ في العالَم. فأغلبيَّةُ النَّاس في عالمِنا مُنهمكونَ تَمامًا في التَّفكيرِ في الجسد: في تَزيينِ الجسد، وفي إصلاحِ الجسد، وفي كِساءِ الجسد، وفي العِناية بالجسد، وفي وَضْعِ الجسد في سَيَّارة جميلة، وفي وَضعِهِ في مَنْزِل جَميل، وفي إطعامِهِ طَعامًا كثيرًا، وفي إراحَتِهِ في مَقعَدٍ وَثير، وفي تَعليقِ مَجموعة مِن المُجوهراتِ عليه، وفي أخذِهِ في رِحلة بالقارب، وفي جَعْلِهِ يَسبَح، وفي تَعليمِهِ كيفَ يَتزلَّج، وفي أخذِهِ في رِحلة بَحريَّة. الجسدَ أَطْعِم ذلك الجسد! فهكذا يعيشُ أغلبيَّةُ النَّاس. أليستِ الحياةُ أفضل مِن ذلك؟ أليستِ الحياةُ أفضل مِن ذلك؟
هذا هو ما يَقولُه. ما الَّذي تَقلقونَ عليه؟ فالجسدُ ليسَ الهَدَفَ النِّهائيّ. فالحياةُ لا تَقتَصِرُ على الجسد، بل إنَّ الحياةَ تَكْمُنُ في [اسمعوني:] تَكمُنُ في طَبيعةِ الله. فأنا حَيٌّ لا لأنَّ جسدي حَيٌّ، بل لأنَّ اللهَ يُعطي جسدي حياة. أتَرَوْن؟ فالحياةُ لا تَقتصِر على الجسد، ولا تَقتصِر على الطَّعام، ولا تَقتصِر على الملابس. ولكن لا يُمكنكم أن تُقنِعوا النَّاسَ في مُجتمعِنا بذلك. ولكنَّها الحقيقة. لِذا، لِماذا تَقلقونَ على هذه الأشياء؟ وهو يَذكُرُ ثلاثة أسباب لعدم القَلق:
السَّببُ الأوَّل: لا دَاعي للقَلق بسبب أبيكم. السَّببُ الثَّاني: هذا لا يَليقُ بكم بسببِ إيمانِكُم. السَّببُ الثَّالث: هذه ليست حِكمة بسببِ مُستقبلكم. فلا مُبَرِّرَ للقَلق بسبب أبيكم. والقلقُ لا يَليقُ بكم بسببِ إيمانِكُم. والقلقُ ليسَ شيئًا حكيمًا بسببِ مُستقبلكم. والآن، سوف نَتحدَّثُ عن السَّببَيْن الثَّاني والثَّالث في الأسبوع القادِم، وسنتحدَّثُ عن السَّببِ الأوَّل اليوم.
لماذا لا يَجوزُ لكم البتَّة أن تَقلقوا على الأمور الماليَّة؟ ولماذا لا يَجوزُ لكم البتَّة أن تَقلقوا على الحاجاتِ الأساسيَّة في الحياة؟ ولماذا لا يَجوزُ لكم البَتَّة أن تَقلقوا على ما تأكلونَ، أو تَشربونَ أو تَلبَسون؟ لا مُبَرِّرَ لذلك بسببِ أبيكم. والآن، تَذكَّروا ما يَلي: إنَّ ما يَقولُهُ يسوعُ هنا شيءٌ رائعٌ جدًّا. وأنا أشعُرُ أنِّي شخصٌ أخرَق وأحمق لأنِّي أحاولُ أن أُفَسِّرَ هذا النَّصَّ العَظيم! ولكنَّه يقولُ أوَّلاً إنَّه لا مُبَرِّرَ للقلق على الأشياء الماديَّة، بل وحتَّى على أساسيَّاتِ الحياة بسببِ أبيكم. هل نَسيتُم مَن هو أبوكُم؟ هذه حَماقة كبيرة!
وكما تَعلمون، يمكنني أن أستخدِمَ أبنائي كمَثَلٍ تَوضيحيّ. فأبنائي لا يَقلقونَ بشأنِ حُصولهم على الوجبة التَّالية. إنَّهم لا يَقلقونَ بهذا الشَّأن. وَهُم لا يَقلقونَ بشأنِ مَلابسهم، أو سَريرهم، أو ما سيَشربون. فهذا لا يَخطُر بِبالهم لأنَّهم يَعرفونَ تمامًا أباهُم، ويَعلمونَ جَيِّدًا جدًّا أنَّ أباهُم سيُوفِّرُ كلَّ ذلكَ لهم. لِذا فإنَّهم مُتحرِّرونَ تمامًا مَن القَلق.
وصَدِّقوني أنَّ هناكَ فَرقًا شاسِعًا جدًّا بينَ أمانَتي وأمانةِ الله. وبالرَّغمِ مِن ذلك، ما أكثرَ مَا نَعجَزُ عن تَصديق أنَّ اللهَ سيُوَفِّر لنا احتياجاتِنا ونَقلَق! ولكنَّ القَلَقَ حَماقة. والرَّبُّ يُقدِّمُ ثلاثة أمثلة توضيحيَّة: الأوَّلُ يَختصُّ بالطَّعام، والثَّاني يَختصُّ بالمستقبل، والثَّالث يَختصُّ بالملابس. الطَّعام، والمُستقبَل، والملابس. وهذه تَختصُّ به بصِفتِه أبًا لَنا.
أوَّلاً، لننظر إلى المَثَلِ التَّوضيحيِّ المُختصِّ بالطَّعام في العدد 26. وهذا رائعٌ جدًّا. وأنا أعتقدُ أنَّ الرَّبَّ يَقِفُ على التَّلِّ هناك في أعلى الجليل ويَنظر إلى أسفل إلى ذلك الشَّاطئِ الشَّماليِّ الجميلِ للبحر. وقد كانَ نَسيمُ البحرِ عَليلاً. وكانتِ الشَّمسُ ساطعةً في السَّماء، والنَّاسُ مُجتمعونَ جميعًا عندَ قَدَميه. فقد كانَ هذا الوقتُ رائعًا في السَّنة. وكانَ المكانُ رائعًا. وقد وَقفتُ شخصيًّا هنا مَرَّاتٍ عديدة. وأعتقد أنَّه بينما كانَ يَتحدَّث إليهم، كانتِ العصافيرُ تَطيرُ هناك.
وقد قالَ أحدُ الكُتَّاب إنَّ الجُزءَ الشَّماليَّ مِن مَنطقة الجليل هو نُقطةُ تَقاطُعِ الطُّيور المُهاجِرة. فهو مكان مُميَّز جدًّا تَمُرُّ بِهِ الطُّيور المُهاجرة في ذلك الجُزء مِن العالَم. ورُبَّما رآها يسوعُ تَطيرُ فقال في العدد 26: "انظروا!" – "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ [فهو مَشهَدٌ مألوفٌ جدا]: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟".
اسمعوني! إنَّ كلَّ طَائر يَعيشُ في هذا العالَم إنَّما يعيشُ لأنَّ اللهَ يَهَبُهُ حياة. أليس كذلك؟ فاللهُ يَهَبُ الحياةَ لكلِّ طَائر. وإن كانَ اللهُ يَهَبُ الحياةَ لطائر، فإنَّه لا يقول: "حسنًا أيُّها الطَّائر، لقد قُمتُ بدوري. فقد وَهبتُكَ حياةً. والآن، حاول أن تَعرف كيفَ تُحافظ عليها". لا! والطُّيورُ لا تَعقِد اجتماعًا وتقول: "والآن، يجب علينا أن نَضَعَ استراتيجيَّةً للحفاظ على حياتِنا". فالطُّيورُ ليسَ لديها وَعْيٌ بنفسِها، ولا عَمليَّة تفكير، ولا قُدرة على استخدام المَنطق، ولكنَّ اللهَ وَضَع في الطُّيورِ شيئًا يُسمَّى "غَريزة". لِذا فإنَّ الطُّيورَ مُزَوَّدة [إن جازَ القول] بقدرة إلهيَّة على العثورِ على ما يَلزمُها للعَيش. فاللهُ لا يَخلِق الحياةَ ويُهملها، بل إنَّه يَخلق الحياةَ ويَعتني بها.
فنحنُ نَقرأ على سبيل المِثال في سِفْر أيُّوب 38: 41: "مَنْ يُهَيِّئُ لِلْغُرَابِ صَيْدَهُ، إِذْ تَنْعَبُ فِرَاخُهُ إِلَى اللهِ؟" بعبارة أخرى، عندما تَصرُخُ صِغارُ الغُرابِ إلى الله، أليسَ هذا الأمرُ مُدهشًا؟ فِصِغارُ الطُّيورِ تَنظر في الحقيقة إلى اللهِ الخالِق [وَفقًا لما جاءَ في سِفْر أيُّوب]. واللهُ الخالِقُ هو الَّذي يُعطي الأُمَّ الغريزةَ لِجَلبِ الطَّعام. واللهُ الخالِقُ هو الَّذي يُعطي الأُمَّ الغَريزةَ لبناءِ العُشِّ، وللهِجرة إلى منطقة جديدة في وقتٍ مُعيَّن ومُحدَّد. "الْمُعْطِي لِلْبَهَائِمِ طَعَامَهَا، لِفِرَاخِ الْغِرْبَانِ الَّتِي تَصْرُخُ" (كما جاءَ في المَزمور 147: 9). فاللهُ يُوفِّرُ الطَّعامَ للطُّيورِ مِن خلالِ غَريزتِها. والكِتابُ المُقدَّسُ يقول إنَّها تَصرُخُ إلى الله. فهو يقولُ إنَّ الطُّيورَ تَصرُخُ إلى الله.
والآن، إن كانَ اللهُ يَعتني بطيورٍ غير عاقلة تَصرُخ إليه مِن خلالِ غَريزَتِها، ألن يَعتني اللهُ بأولادِه؟ فنحنُ نَقرأ في نهاية العدد 26: "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنَ الطُّيور؟"
وقد قالَ "آرثر بينك" (Arthur Pink): "يُمكننا أن نَرى هُنا كيفَ أنَّ المخلوقات غير العاقلة المُعَرَّضة للفَناء بسبب خَطيَّة الإنسان تَعودُ إلى حالَتِها الأولى وتَفهم تَرتيبَ الخَليقة فَهمًا أفضلَ مِن الإنسان لأنَّها تَسعى فقط إلى الحصولِ على ما يُوفِّرُهُ اللهُ لها. وعندما تَحصُل عليه فإنَّها تَكتفي. وهذا يُبيِّن بِجلاء أنَّ الإنسانَ أكثر فسادًا مِن أيِّ مخلوقاتٍ أخرى، وأكثر شَرًّا وانحِطاطًا حَتَّى مِن الحَيَواناتِ المُفترسة".
فاللهُ يَعتني بالطُّيور. ألا تَعتقدونَ أنَّه سيَعتني بكم؟ وبالمناسبة، هذا ليسَ شَيئًا يَدعونا إلى الكَسَل. فهو يقول في العدد 26: "إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا" وقد يقولُ قائِلُ: "آه، هذه هي الفِكرة! سوفَ أقِفُ على غُصنِ شَجرة وأفتحُ فمي".
والآن، اسمعوني! إنَّ السَّماءَ لا تُمطِر ديدانًا البتَّة... البتَّة! فاللهُ يُطعِمُ الطُّيور مِن خلالِ غَريزتِها الَّتي تُخبرها أينَ تَعثُر على الطَّعام. وهي تَذهب وتَبحث عنه، وتَعمل مِن أجل الحصول عليه. فهي مُنهمكة في البحث هنا وهناك، وتَلتقط حشراتٍ صغيرة أو ديدانًا، وتُهَيِّئُ عُشَّها، وتَعتني بفِراخِها، وتُعلِّمُهما أن تَطير، وتَدفَعُها إلى الطَّيران في الوقت المُناسب، وتُهاجِر في المواسِم المُناسبة. فهي تَعمل بِجِدٍّ. وكلُّ هذا العمل ينبغي أن يُعمَل إن أرادت أن تأكُل. وبالرَّغم مِن ذلك فإنَّها تَفعل ذلك بالغَريزة، ولا تُبالِغ في القيامِ بذلك. فهي لا تقول: "سوف أبني عُشًّا أكبر. وسوفَ أُخَزِّنُ المَزيدَ مِن الدِّيدان. وسوفَ أقولُ لنفسي: "أيُّها الطَّائِر: كُل واشرب وافرح"، بل إنَّها تَعملُ في إطارِ تَصميمِ اللهِ لها، ولا تُفرِط البَتَّة في الأكل.
فالطُّيورُ لا تَسْمَن إلاَّ عندما يَضَعُها النَّاسُ في أقفاص. فالطُّيورُ لا تُبالغ في القيامِ بالأشياء السَّليمة. أمَّا البشرُ فَيَحصلونَ على ما يَكفيهم ويَطلبونَ المزيد، ويُكَدِّسونَ الأشياء، ويُتْخِمونَ أنفسَهُم، ويُخَبِّئونَ الأشياءَ، ويَتجاهلونَ أولويَّاتِ الله ووعودِه، ويَنسونَ القلبَ الخالي مِن الهَمّ. ولكنَّ الطُّيورَ تَطيرُ وحَسْب، ولا تَهتمُّ مِن أينَ ستحصل على الطَّعام، بل تَطيرُ إلى أن تَعثُرَ عليه. واللهُ يُوفِّرُهُ لها. والطُّيورُ لا تستطيعُ أن تُخطِّطَ مُسَبَّقًا، ولا يُوجَد لديها ما يَدعو إلى القَلق. وإن كان لا يُوجَد لدى الطُّيور ما يَدعو إلى القلق، لماذا تَقلقون؟ "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنَ الطُّيور؟" يا لِسُخْفِ ذلك! يا لِسُخْفِ ذلك! ألا تَعتقدونَ أنَّه سيُطعمُكم؟
اسمعوني: لا يوجد البتَّة طائِر مَخلوق على صُورة المسيح... البتَّة! ولا يوجَد البتَّة طائِر مَخلوق على صُورة الله... البتَّة! ولا يوجد البتَّة طائِر مَخلوق ليكونَ وارِثًا مع يسوعَ المسيح إلى أبدِ الآبِدين. ولا يوجد البتَّة طائِر تَمَّ إعدادُ مَكانٍ له في السَّماء في مَنزِلِ الآب... البتَّة! إن كانَ اللهُ يَعتني بحياة طائِر، ألا تَظُنُّونَ أنَّه سيعتني بكم؟
فَكِّروا في الأمر بالطَّريقة التَّالية: إنَّ الحياةَ هِبَة مِن الله. وهذهِ حقيقة لا شَكَّ فيها. فالحياةُ هِبَة مِن الله. وإن كانَ اللهُ قد أعطاكَ الهِبَةَ الأكبر وهي الحياة، ألا تَعتقد أنَّه سيُعطيكَ الهِبة الأصغر وهي الحِفاظُ على تلك الحياة مِن خلال الطَّعام؟ بَلى. لِذا، لا تَقلق بهذا الشَّأن. فإن وَضَعَ اللهُ على قَلبي أن آخُذَ الأموالَ المُتوفِّرة لديَّ الآن والَّتي خَطَّطتُ أن أستخدمها في المستقبل وقالَ لي: "جون، أنا أريدُ منكَ أن تفعلَ كذا بكلِّ هذه الأموال"، لا يَحِقُّ لي أن أقول: "ولكن يا رَبُّ إن فَعلتُ ذلك، ماذا سأفعلُ في الغَد؟ لن يكونَ لديَّ أيُّ طعام أو شيء أَكسو بِهِ أطفالي".
تَمَهَّل قليلاً! إن كانَ اللهُ يأمُرُني أن أَفعلَ هذا الأمر الآن فإنَّه المسؤولُ عن إطعامي غَدًا. وهو سيَفعل ذلك. فإن كانَ قد وَهبني الهِبَة الأكبر وهي الحياة، ألن يَهَبني الهِبة الأصغر للحِفاظِ على تلك الحياة؟ أي هِبَة الطَّعام؟ لِذا، يجب عليَّ أن أفعلَ ما يَفعلُهُ الطَّائر؛ أي أن أعمل. ولكنَّ اللهَ شاءَ أن يَأكُلَ الإنسانُ خُبزَهُ بعَرَقِ ماذا؟ جَبينِه. فإن لم أعمل، لن آكُل (كما قالَ بولس). لِذا، كما هي حالُ الطَّير الذي يُوفِّر لهُ اللهَ طَعامَهُ مِن خلالِ غَريزتِه، فإنَّ اللهَ يُوفِّر للإنسانِ طَعامَهُ مِن خلالِ مَجهودِه. وطالَما أنَّ اللهُ وَهَبني نِعمةَ الحياة، فإنَّهُ سيَحفَظني.
وقد قال "مارتن لوثر" (Martin Luther): "اللهُ لا يُبالي بالبُطون الشَّرِهَة الكَسولة..." [وهو يُعَبِّر تَعبيرًا حَيًّا جدًّا عن ذلك] "...للأشخاصِ الَّذينَ لا يُبالونَ ولا يَعملون، بل يَتصرَّفونَ وكأنَّه ينبغي لهم أن يَجلسوا وحَسْب ويَنتظروا إلى أن يَضَعَ إوَزَّةً مَشويَّةً في أفواهِهم". ولكنَّه لا يقولُ ذلك. فهو لا يقولُ لنا ألاَّ نَفعل شيئًا، بل يقولُ لنا إنَّهُ سيَعملُ مِن خلالِ جُهدِنا على إطعامِنا.
والنَّاسُ يقولون: "آه، هذا صحيح! ولكنَّنا لا نَملِكُ أيَّ مَوارِد". وأنا أسمعُ ذلك طَوالَ الوقت. لا يوجَد طَعام في العالَم. اسمعوني: هناك طَعامٌ كثير جدًّا في هذا العالَم. فاللهُ يَعمل باستمرار على توفير الطَّعام بوفرة. هل تَعلمونَ ذلك؟ بوفرة. وهذا العالَمُ لم يَرَ شيئًا بعد. انتظروا إلى أن نَدخُلَ في الألفيَّة الجديدة. فحينئذٍ ستَرَونَ ما سيحدثُ حولَ هذا العالَم.
ولكن لِمُجَرَّدِ إعطائِكُم فِكرة لِئلاَّ تَقلقوا مِن أنَّ اللهَ لن يَتمكَّنَ مِن مُعالجة الأزمةَ الرَّاهنة، فقد قرأتُ مَقالاً نَشرتهُ دائرةُ الزِّراعة الأمريكيَّة أعتقد أنَّهُ مُدهش. إليكُم ما جاءَ في المَقال: فقد طَرحوا مجموعة مِن الأسئلة. وهذا مَقالٌ حديث نُشِرَ في نهاية سنة 1979؛ أي قبلَ بِضعة أشهر. والسُّؤالُ الرَّئيسيُّ هو: هل تَكفي المُوارِدُ الغِذائيَّة في العالَم لِسَدِّ الحَدِّ الأدنى مِنَ الحاجاتِ الأساسيَّة لجميعِ النَّاس؟ وإليكُم الإجابة مِن دائرة الزِّراعة الأمريكيَّة:
إنَّ العالَمَ يَملِك كَميَّة أكثر مِن كافية لإطعامِ كلِّ رَجُل وامرأة وطِفل فيه. فإن تَمَّ تَقسيمُ الطَّعام الموجود في العالم بالتَّساوي وتَوزيعُه على سُكَّان العالَم لِمُدَّة لا تَقِلُّ عن ثماني عشرةَ سنة، سيحصل كلُّ شخص على أكثر مِن الحَدِّ الأدنى مِن السُّعرات الحَراريَّة. فمن سنة 1960 إلى الوقتِ الحاضر، لم يَنخفض إنتاجُ الطَّعام في العالم يومًا عن 103 بالمئة مِنَ الحَدِّ الأدنى المَطلوب، بل كانَ المُعَدَّلُ هو 108 بالمئة. لِذا، إن وُجِدَ نِظامٌ اليوم يُوَزِّع الحُبوب بالتَّساوي فإنَّ الأربعةَ مِليارات نَسَمة الَّذينَ يعيشون اليوم في العالَم سيحصلونَ على زيادة في حِصَّة الحُبوب بمقدار الخُمس لكُلِّ شخص مُقابلَ الحِصَّة الَّتي كانَ يَحصُل عليها سُكَّانُ العالَم البالغ عَدَدهُم مِلياران وسبعمئة مِليون نَسَمة والَّذينَ كانوا يعيشون قبل خمسٍ وعشرين سنة".
وإليكُم هذا السُّؤال الآخر الَّذي طَرحوهُ في النَّشرة وهو: "أَلَم تَتراجَع كَميَّة الطَّعام المُنتَجَة لكُلِّ شخص في الدُّوَل النَّامية في العالَم خِلال السَّنوات الخمس والعشرين الماضية؟" والإجابة هي: "لا!" فهذا مَفهومٌ مَغلوط. فإنتاجُ الطَّعام في الدُّول النَّامية في ازدياد. فكميَّةُ الطَّعام المُتوفِّرة لكلِّ شخص تَراجعت مَرَّتين فقط خلالَ السَّنوات الخمس والعشرين الماضية. والحقيقة هي أنَّ إنتاجَ الحُبوب (وهو الطَّعامُ الأساسيُّ للنَّاسِ في العالَم) ارتفعَ مِن 290 كيلوغرام للشَّخص في بداية الخمسينيَّات إلى 360 كيلوغرام خلال السَّنوات الخمس الأخيرة؛ أي بنسبة زيادة تَبلُغ 25 بالمئة. فهناكَ طَعامٌ أكثر مِن أيِّ وقتٍ مَضى.
ثُمَّ استمعوا إلى ما يَلي: مِن جهة إنتاج الطَّعام، بمقدور العالَم أن يُطعِم كلَّ شخص فيه وَفقًا لمعيار الاستهلاكِ الأمريكيّ باستخدام أقَلّ مِن عشرة بالمئة مِن الأرض الزِّراعيَّة المُتاحة على الأرض. هل سَمعتم ذلك؟ يُمكننا أن نُطعِمَ العالَمَ طَعامًا كافيًا كالذي نأكُلُه باستخدام أقلّ مِن عشرة بالمئة مِن الأرض الزِّراعيَّة المُتوفِّرة في العالَم.
اسمعوني: عندما يقولُ اللهُ: "سوفَ أُطعمكم" فإنَّه يعني إنَّه سيُطعمنا. وقد تقول: "ولماذا يوجد أُناسٌ بلا طَعام؟" لا أعتقد أنَّ السَّبب هو أنَّ اللهَ لا يُوفِّرهُ لهم، بل أعتقد أنَّ السَّبب هو أنَّهم ليسوا أولادَهُ، وأنَّهُ ليسَ مُلزَمًا تُجاهَهُم. خُذوا على سبيل المثال الهِند. وقد أخبرتُكم قبل وقتٍ طويل أنَّه يوجد لدى الهندَ طَعام يَكفي لإطعامِ شَعبها، ولكنَّها تُعاني مَجاعةً هناك. فَهُم يَسمحونَ للأبقار المُقدَّسة أن تَأكل عشرينَ بالمئة مِن كلِّ طعامهم. كما أنَّ الفِئرانَ والجُرذانَ (الَّتي يُؤمنونَ بأنَّها قَوارِض تَقَمَّصَتها أرواحُ أجدادهم) تأكُلُ 15 بالمئة مِنها. وهذا يعني 35 بالمئة مِن طَعامهم. فالمسألة لا صِلَةَ لها بنقصِ الموارِد لديهم، بل إنَّهم لا يَتمتَّعونَ بعلاقة رُوحيَّة سليمة مع الله تَجعلهم يحصلونَ على البَرَكة. فديانَتُهم هي سَبَبُ دَمارهم. هُناكَ وَفرة مِن الطَّعام. واللهُ يُوفِّر لنا الطَّعام إن كُنَّا نُؤمنُ بكلمتِه.
لِذا فإنَّ الفِكرة بسيطة: لا يَجوزُ لكَ البتَّة أن تَقلقَ بشأنِ طَعامِك لأنَّ ذلكَ القَلَقَ لا مُبَرِّرَ لهُ بسببِ أبيك. فهو يُوفِّرُ الطَّعام.
ثُمَّ إنَّه يَستخدِمُ مَثلاً تَوضيحيًّا ثانيًا أُسَمِّيه: "المُستقبَل" في العدد 27. وأعتقد أنَّهُ مَثَلٌ تَوضيحيٌّ تصويريّ: "وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟" والذِّراعُ هي وَحدة قياس للطُّول تَمتدُّ مِن طَرَفِ المِرْفَق إلى طَرَفِ الإصبَع. فهذا هو الذِّراع. فهي نحو سِتَّةٍ وأربعينَ سنتمترًا (بزيادةٍ أو نُقصانٍ وَفقًا لطولِ الشَّخص؛ ولكنَّها نحو سِتَّةٍ وأربعين سنتمترًا – الذِّراع). والآية تقول: "وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟" فهذا هو ما جاءَ في تَرجمة الملك جيمس: "على قامَتِه". وبصراحة يا أحبَّائي، لا أحدَ يُريدُ أن يَزيدَ على قامَتِه نِصْفِ مِتْر. فهذا سيَجعلُ طولي نحو مِترين وأربعينَ سنتمترًا. وهذا طُولٌ لا لُزومَ لَهُ. لِذا، هناكَ طريقة أفضل لترجمة الكلمة "قامَة" ("هيليكيا" – "helikia") وهي الكلمة المُستخدمة أحيانًا بمعنى: "العُمْر". فما يَعنيه هنا في الحقيقة هو: "وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُطيلَ عُمْرَهُ؟"
اسمعوني: لن تَتمكَّنَ مِن إطالةِ عُمرِكَ إن قَلِقت، بل إنَّكَ ستفعل ماذا على الأرجح؟ تُقَصِّرُها. فلا يُمكنك أن تُطيلَ عُمرَكَ كما تَعلم. ولكنَّنا نَعيشُ في عصرٍ يُريدُ فيه الجميعُ أن يفعلوا ذلك. وما أعنيه هو أنَّ النَّاسَ يَسْعَوْنَ بِذُعْرٍ إلى إطالةِ عُمرِهم. فنحنُ مَهووسونَ بالفيتامينات والمُنتجعاتِ الصِّحِّيَّة والتَّمرينات الرِّياضيَّة. ونحنُ مَهووسون بِجَعلِ أجسادِنا جميلة.
لقد كُنَّا في طريقنا إلى الكنيسة في هذا الصَّباح ونَظرتُ مِن نافذة السيَّارة فرأيتُ امرأةً مُسِنَّةً. فهي في السِّتِّينات، في نِهايةِ السِّتِّينات. وهي تَرتدي بِنطالَ رَكْضٍ قَصير، وحِذاءً للرَّكض. وقد كانت سَاقاها تُشبهان خَريطةَ الطَّريق! فهي مُسِنَّة. وقد كانت تَرتدي قُبَّعةً للوقاية مِن الشَّمس وتَركُض ذَهابًا وإيابًا في الشَّارع. فهي تَظُنُّ أنَّها تستطيعُ أن تُطيلَ حَياتَها. ولكن كانَ مِن الأفضل أن تَركبَ سَيَّارتها وتأتي إلى كنيسة النعمة لأنَّ الحياةَ الروحيَّة هي الأهمّ.
وأنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ حَدَّدَ أزمنةَ الأُمم وحَدَّدَ عُمْرَ الإنسان. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ حَدَّدَ كم سنَعيش. وقد تقول: هل تقولُ إنَّ التَّمارين الرِّياضيَّة غير مُفيدة؟ لا، فَطالما أنا على قيد الحياة، يجب عليَّ أن أهتمَّ بِجَوْدَة حياتي. وإن كنتُ أُمَرِّن جَسدي فإنَّني سأتمتَّع بصحَّة أفضل، وعقلي سيَعمل بصورة أفضل، وسأكونُ أكثر سعادةً، وسأُسيطِرُ على وَزني. ولكنِّي لن أخدعَ نفسي بأنَّ الرَّكضَ في الشَّارع كلَّ يوم سيُرغِمُ اللهَ على إطالة عُمري. وما أعنيه هو أنَّه عندما تقولُ الخُطَّة: "جون ماك آرثر، لقد حانَ وقتُ رَحيلِكَ ومَجيءُ شخصٍ آخر"، سأرحَل.
لِذا فإنَّ عَالَمَنا يُخطئُ فَهْمَ القَصْدِ مِن هذا الكلام. بعبارة أخرى، نحنُ نُنفِقُ مبالغَ طائلة مِن أجلِ الانضمامِ إلى المُنتجعاتِ الصِّحيَّة، وشراءِ الفيتامينات بالأطنان (وهو أمرٌ لا يُصَدَّق)، وعلى زيارةِ كلِّ طبيبٍ لإجراءِ فُحوصٍ طِبيَّة، وتَجريبِ كُلِّ حِمية غذائيَّة مُمكنة. وكُلُّ ما نُريدُ أن نَفعلَه هو أن نُطيلَ حياتَنا. فنحنُ نَخشى الموت ولا نُريدُ أن نَموت. فنحنُ نُريدُ أن نَعيشَ وقتًا أطول، وأطول، وأطول. وأنتَ تَقلق وتَقلق. وعِوضًا عن الذَّهاب في هذا الطَّريق فإنَّكَ تَمضي في هذا الطَّريق. وأنتَ تَجعل حياتَكَ مُزْرِيَةً في تلكَ الأثناء.
وقد قال "تشارلز مايو" (Charles Mayo) مِن "عيادة مايو" (Mayo Clinic): "القلق يُؤثِّرُ في سَريانِ الدَّمِ في الجسم، وفي القلب، والغُدد، وكُلِّ الجِهازِ العَصبيّ. وأنا لم أَلْتَقِ يومًا رَجُلاً أو أعرِف رَجُلاً ماتَ مِن فَرْطِ العَمل، ولكنِّي أعرفُ بكلِّ تأكيد أشخاصًا كثيرينَ ماتوا مِن القَلق". فيُمكنكَ أن تَقلقَ حتَّى الموت، ولكنَّكَ لن تُطيلَ حياتَكَ بالقلق. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ النَّاسَ يَقلقون. وعندما تَقلق بشأنِ طُولِ حياتِك، وعندما تَتوتَّر وتَغضَب بشأنِ طُولِ حياتِك، وعندما تَقلق في مُحاولةِ إطالةِ حياتِك فإنَّكَ تُعَبِّر بذلك عن عدم ثِقَتِكَ بالله. وهذه حماقة لأنَّكَ إن وَهبتَهُ حَياتَكَ وكُنتَ مُطيعًا لَهُ، فإنَّه سَيُعطيكَ مِلْءَ الأيَّام. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هِبَةَ الحياةِ هي هِبَة تأتي لأنَّ اللهَ يُريدُ منكَ أن تَعيشَ لأسبابٍ رُوحيَّة.
وفي العهد القديم، كانتِ الطَّاعةُ هي الَّتي تُطيل الحياة. وكانتِ الطَّاعةُ هي الَّتي تَجعَلُ اللهَ يَعِدُ بإطالةِ العُمر. لِذا، عندما نَعيشُ حَياةً بَارَّةً، هناكَ سَببٌ لوجودِنا. لِذا فإنَّ اللهَ يُعطينا حياةً. ونحنُ أولادُه. وهو يُحيطُ حياتَنا بِسيادَتِه، ويُريدُ مِنَّا أن نعيشَ تلك الحياة بِمِلئِها. ولا شَكَّ في أنَّ التَّمارينَ الرِّياضيَّة مُفيدة، وأنَّ الصِحَّة تُساعِد لأنَّها تُبقينا مُتيقِّظينَ ونَشِطينَ في نِطاقِ قُدرتِنا في أثناء عَيشِنا فَترةَ حياتِنا تلك. ولكنَّنا لا نَستطيعُ مِن خلالِ القَلق أن نُطيلَ حياتَنا. ما الَّذي تَقلَقُ بشأنه؟ سوفَ تَعيشُ مِلْءَ الحياةِ إن كنتَ مُطيعًا لله. وهو سيُعطيكَ كلَّ أيَّامِك. كُلَّ أيَّامِك.
ثُمَّ نأتي إلى الشَّيءِ الثَّالث أوِ المَثَلِ الإيضاحِيِّ الثَّالث على النُّقطة الأولى الَّتي تقول إنَّ القَلقَ لا مُبَرِّرَ لهُ بسبب أبيكم. فالمَثلُ الإيضاحيُّ الأوَّلُ هو الطَّعام، والثَّاني هو المُستقبل أو طُول العُمْر، والثَّالثُ هو الملابس. وهذا كَلامٌ تَصويريٌّ جدًّا ويَمَسُّنا جميعًا. فهناك أشخاص يَعيشونَ لأجل ملابسهم. فأهمُّ مكانٍ في عالَمِهم كُلِّه هو الخِزانة. أجل، الخِزانة. فَهُم يَذهبونَ إلى الخِزانة، ويَفتحونَ البابَ على مَكانٍ تُرْتَصُّ فيهِ الملابسُ حَتَّى إنَّه مِن المُستحيلِ أن تَمنَعَها مِن التَّجَعُّد. الخِزانة... إنَّهم يَعيشونَ لأجل الملابس. ونَقرأ في العدد 28: "وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاس؟"
في تلك الأيَّام، إن كنتَ فَقيرًا حَقًّا، ولم تكن لديكَ أيُّ موارد، وكانت جَداولُ الماءِ جَافَّة، والمحاصيلُ لم تَنجح، وليسَ لديكَ مال، لم يكن بمقدوركَ أن تَشتري أيَّ شيء. وفي يومِنا هذا، لا يبدو أنَّنا قَلِقونَ جدًّا مِن عدم قدرتنا على الحصولِ على أيِّ شيء، ولكنَّنا نَقلقُ في مُجتمعِنا بشأنِ حقيقةِ أنَّ ما نَرتديه لا يَتماشَى مع المُوضَة. بعبارة أخرى، أنا أسمعُ العبارة: "لا يُمكنني أن أرتدي هذا البِنطال يا أُمِّي! فمُوضةُ البَناطيلِ هذه لم تَعُد موجودة"، أو: "لا يُمكنني أن أرتدي هذا الفُستان. فقد ارتديتُهُ يومَ الثُّلاثاء الماضي".
فهناك أُناسٌ يَعيشونَ لأجل الملابس. وَهُم يُظهرونَ اهتمامًا جَسديًّا، وأنانيًّا، وعالميًّا، وماديًّا بالملابس. وَهُم ليسوا خائفينَ مِن عدم تَوفُّرِ شيءٍ يَرتدونَه، بل يَخْشونَ ألاَّ يَتمكَّنوا مِن الوقوفِ والظُّهورِ بأفضلِ صُورة لإشباعِ كِبريائِهم. ولكنَّ اشتهاءَ الملابس الغالية الثَّمن خَطيَّة. وهي خطيَّة في مُجتمعنا. وكلُّ ما ينبغي أن تَفعلوهُ هو أن تَمشوا في مَتْجَرٍ تِجاريٍّ. فلا يُمكنكم أن تُصدِّقوا كَميَّات الملابس المُكَدَّسة فوقَ تلك الرُّفوف. فهو أمرٌ يَصعُبُ تَصديقُه. ولا أدري كيفَ تستطيعُ تلك المَتاجِرُ أن تَحتفظ بمخزونِها.
لقد صَنعنَا صَنَمًا مِن الملابس. ونحنُ نَنغمسُ بطريقة خاطئة في نَمَطِ صَرْفٍ مَسعورٍ للمال كي نَشتري لأنفسنا أشياءً نَضَعُها على هذا الجسد ولا صِلَةَ لها بجمال الشخصيَّة. لِذا فإنَّ الآيةَ في رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّالث تقول إنَّه يجب علينا أن نَهتمَّ لا بالذَّهب والضَّفائر والجَدائل والملابس الفاخرة؛ بل بالقلب. ونحنُ نَقلق بشأنِ عدم حصولنا على ما يَكفي، وبشأنِ عَدم ظُهورِنا بالمظهر اللاَّئق. ولكنَّ الربَّ يسوعَ الَّذي كانَ يَملِك فقط الملابسَ الَّتي يَرتديها على جِسمه كانَ أَروعَ إنسانٍ عاشَ يومًا.
وهو يَتحدَّثُ عن هذه المسألة. انظروا إلى ما يقول في العدد 28: "تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْل". انظروا إلى زَنابقِ الحَقل. انظروا إليها. فإن نَظرتم إلى زَنابقِ الحَقل ستقولون: "وما هي هذه الزَّنابق؟" هناكَ تفاسير كثيرة عنها، ولكنَّ أفضلَ تَفسير هو أنَّها لا تُشيرُ إلى نَوعٍ مُحَدَّد مِن الأزهار، بل إنَّ "زَنابِقَ الحَقْلِ" هي لَفظة عامَّة لجميعِ الأزهارِ البَرِّيَّة الَّتي كانت تَكسو بِبَهاءٍ تِلالَ الجَليل؛ وهي كثيرة. فهناك شَقائقُ النُّعمان، وهناكَ الزَّنابق، وهُناكَ السَّوسَن، وهناكَ النَّرجِس، وهناكَ ما يُسَمَّى بالزَّنابق الصَّغيرة ذات القَلَنْسُوَة. فقد كانت هناك أزهار صغيرة رائعة جدًّا. وكانت كلُّ هذه الأزهار تَكسو تلك التِّلال. وكانَت لديهم أزهار أعتقد أنَّها أجمل شيءٍ على الإطلاق. فهي أزهار قِرمِزيَّة صغيرة تَظهرُ لوقتٍ قصيرٍ فقط. ولكنَّ تِلالَ الجليل في الوقت المناسب مِن السَّنة كانت مُزيَّنة بكلِّ تلك الأزهار البديعة.
وهناك جَمالٌ أَخَّاذٌ وعجيبٌ للأزهار. وهو يقول: "تأمَّلوا زَنابِقَ الحَقْل". وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّه مَدَّ ذِراعَهُ فيما كانَ النَّاسُ يَجلسونَ هناكَ على العُشب على سَفْحِ التَّلِّ وقال: "تأمَّلوا زَنابِقَ الحَقْل". انظروا إليها. إنَّها "لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ". فهي لا تَصنَعُ خُيوطًا مُبَهرجةً وتَلُفُّها حولَ نَفسِها وتقول: "لقد كنتُ قِرمِزيَّة مُدَّةَ يومين. وأعتقد أنَّني أُحِبُّ أن أكونُ زَرقاء يومَ غَد".
لقد قرأتُ مُؤخَّرًا شيئًا يَفعلُهُ النَّاسُ إذ إنَّكَ تَذهبُ إلى مُستشارينَ يَقولونَ لكَ ما الألوان الَّتي ينبغي أن تَرتديها. هل سَمعتُم عن ذلك؟ أجل! فَهُم يُعطونكَ جَدولاً ويقولونَ لكَ إنَّ الألوانَ الَّتي تُلائمك هي كذا وكذا. ثُمَّ إنَّك تَذهب وتَشتري كلَّ تلك الألوان. وَأنتِ تُلَوِّنينَ شَفَتَيْكِ، وعَينيكِ، وشَعرَكِ، وكلَّ شيء. ولكنَّهُ يقول: "تأمَّلوا زَنابقَ الحَقل. إنَّها "لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ". إنَّها مُتحرِّرة مِن هذا الاهتمامِ المُبالغ فيه وتَكتفي بجمالِها الطَّبيعيّ.
وأودُّ أن أقولَ لكم إنَّه يمكنكم أن تأخذوا أفضلَ مادَّةٍ، وأجملَ قُماشٍ استُخدِمَ يَومًا لصُنْعِ الملابسِ لأعظمِ مَلِكٍ مِثلَ المَلِك سُليمان، وأن تَضعوها تحتَ المِجهَر فتبدو مِثلَ خِرْقَةٍ بالِيَة. ويمكنكم أن تأخذوا وَرَقة مِن زَهرة وتَضعوها تحتَ المِجهَر فَتَرَوْنَ الفَرق. فقد رأيتُ أزهارًا مَصنوعةً مِن البلاستيك، ورأيتُ أزهارًا مَصنوعةً مِن الحَرير، ورأيتُ أزهارًا مَصنوعةً مِن الورق؛ ولكنِّي لم أرَ يومًا شيئًا شبيهًا بورقةِ زَهرةٍ حَقيقيَّة... البَتَّة... البَتَّة! فهناكَ المَلمَس، والشَّكل، والتَّصميم، والمادَّة، واللَّون الَّذي لا يَستطيعُ الإنسانُ بِكُلِّ مَهاراتِه أن يُحاكيه.
وهو يقول: "كيفَ تَنمو!" كيفَ تَنمو؟ إنَّها تَنمو بِسهولة، وبِحُرِّيَّة، وبصورة بديعة، ومِن دونِ أيِّ جُهد. ولكن ما أكثرَ الغَباوة الكامِنَة وراءَ الكِبرياء في فُستانِك! ويا للحَالةِ المُزريةِ الَّتي وَصلنا إليها في يومِنا هذا إذ إنَّنا نَصرِفُ وقتًا وجُهدًا كَبيرَيْن. وَهُم يَستمرُّونَ في تَغييرِ الأزياءِ طَوالَ الوقت. هل تَعلمونَ ذلك؟ فهل تَعلمونَ أنَّ الأزياءَ تأتي وتَختفي بسرعة كبيرة حتَّى إنَّكَ لا تستطيعُ أن تُجاريها!
وَهُم يقولون: "أوه! لا يُمكنكَ أن تَرتدي رَبْطَة العُنُق هذه. فهي رَبْطَة عُنُق عَريضة. رَبطات العُنُق الرَّفيعة هي المُوضة السَّائدة الآن". ولكنِّي أرتدي نفسَ رَبْطاتِ العُنُق منذُ خمسَ عشرة سنة. فأنا أُراقِبُ ما يَجري وأرتدي الرَّبْطَةَ القديمة. أليسَ كذلك؟ فَهُم يَستمرُّونَ في إجراءِ التَّغييرات لكي يُرغمونا على الانهماكِ في هذه الأمور. وأنتَ تَذهب إلى المَحَلِّ أو إلى المَتجرِ، أي مَتْجَرِ الملابس، أو أحدِ المَتاجِرِ الكُبرى فترى أزياءً تُؤذي عَقلَكَ وعينيك. أليس كذلك؟ أوه، انظروا إلى هذا الشَّيء وذاك! إنَّها في كلِّ مكان. وَهُم يَضعونَ سِجَّادًا سَميكًا في أسفلِ نافذةِ العَرض، ومُوسيقا، وأنوارًا ساطعةً. وَهُم يَضعونَ مَجموعةً مِن القُمصان السَّخيفة ويُسَلِّطونَ الأنوارَ عليها كما لو أنَّها شيءٌ رائع. والهَدَفُ هو إثارةُ الشَّهوة والرَّغبة في امتلاكِ ذلك الشَّيء. وبعدَ أن تَشتروا كُلَّ ما تُريدون، يا أحبَّائي، وتَتزيَّنونَ بها، وتَبذلونَ أقصى جُهدٍ لديكم بما اشتريتموه، لن تَتمكَّنوا مِن مُنافسةِ زَهرة.
وأنا لا أقولُ إنَّه يجب عليكم أن تَظهروا بمَظهرٍ مُهَلْهَل وسَيِّء. فهذا مَظهرٌ سَيِّء يَجعلُ النَّاسَ يَعتقدونَ أنَّكَ لا تَهتمُّ بنفسك. ولكنِّي أقول إنَّك قد تَفقِد نَظرتك السَّليمة. وبعدَ أن تَفعل كلَّ ما تَقدر عليه، ستبقى بعيدًا عن الجمالِ الَّذي لا يستطيعُ أحدٌ سِوى الله أن يُعطيه.
وفي العدد 29، يقولُ رَبُّنا: "إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ..." – وقد كانَ سُليمانُ أعظمَ وأغنى وأحكَمَ إنسان. "...فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا". فهو لم يَكُن يَملِكُ ثَوبًا واحدًا بهذا المَلمَس. ولم يكن بمقدورِه أن يُحاكي ذلك الجَمال وتلك الأُبَّهة الَّتي تَتمتَّعُ بها الزَّهرة.
والآن، إنَّ ما يَقولُهُ هو التَّالي: عندما تَفعل كلَّ ما تَقدر عليه لتجميلِ نَفسِك، لن تَتمكَّنَ مِن القيام بما يَستطيعُ اللهُ أن يَفعلَهُ بزهرة صغيرة. إذًا لماذا تَصرِفُ كلَّ هذا الجُهد للحُصول على هذه النَّتيجة؟ ثُمَّ إنَّه يَستخدِمُ هذه النَّتيجة المنطقيَّة الصُّغرى لتوضيح نَتيجة مَنطقيَّة كُبرى في العدد 30: "فَإِنْ كَانَ اللهُ هَكذا يَكسو عُشْبَ الْحَقْلِ..." – وبالمُناسبة، إنَّ العُشبَ المُشار إليه هنا يَضُمُّ كُلَّ الأزهارِ والأعشابِ الَّتي تَنمو على سَفْحِ الجَبل. "فَإِنْ كَانَ اللهُ هَكذا يَكسو الأزهارَ والأعشابَ الَّتي تَنمو على سَفْحِ الجَبل، مَعَ أنَّها تُوجَدُ اليَوْمَ وَتُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟"
هل تَعلمونَ ماذا كانوا يَفعلونَ بذلك العُشب المَيِّت؟ كانتِ النِّساءُ في ذلك الجُزء مِن العالم يَستخدمنَ تلك الأفرانِ الطِّينيَّة الَّتي يَطبخنَ فيها بعدَ إيقادِ النَّار. وقد كانت تلكَ الأفرانُ تُصنَع مِن طَبَقة كثيفة مِن الطِّين على شكلٍ دائريٍّ ولها بابٌ صغير. فقد كُنَّ يُوقِدْنَ النَّارَ ويَضَعْنَ ذلكَ الفُرنَ الطِّينيَّ فوقَ النَّار. وكُنَّ يَتركنَ النَّارَ تُسَخِّنُ تلك الأرض إلى أن تَحمى جَيِّدًا وتُسَخِّنَ الفُرنَ مِن الدَّاخل. ثُمَّ كُنَّ يَفتحنَ البابَ ويَضعنَ الشَّيءَ الَّذي يَرغبنَ في طَبْخِه.
ولكن إن خَمَدَتِ النَّار أو كُنَّ في عَجَلة مِن أَمرِهِنَّ ولا يُمكنهنَّ انتظارَ وصول الحرارة إلى داخلِ الفُرن، كُنَّ يُشعِلنَ نارًا في داخل ذلك الفُرن الصَّغير. ويُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّه كانت لديهم طريقة بسيطة جدًّا للقيامِ بذلك. فقد كانوا يَخرجونَ إلى الحقول ويَعثرونَ على الأعشابِ الجافَّة الَّتي صارت هَشَّةً. وكانوا يَبحثونَ عنِ الأزهارِ الَّتي ماتت وسَقَطت، ويَجمعونَ تلك الأزهار والأعشاب ويَستخدمونَها إذ يَضعونها في الفُرن ويُوقدونَ النَّارَ في الدَّاخل لِمُلاقاة النَّار الآتية مِن الخارج وجَعلِ الحَرارة مُتساوية في الفُرن.
وهذا هو تمامًا ما يَقولُهُ رَبُّنا: "فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَان؟" لا تَقلقوا بشأنِ ما تَلبسون. لا تَقلقوا بشأنِ كم سَتَعيشون. لا تَقلقوا بشأنِ ما ستأكلون وتَشربون. فاللهُ يَهتمُّ بكلِّ ذلك. فهذا هو نِطاقُه. فاللهُ الَّذي يُعطي كلَّ هذا الجَمال لِزهرةٍ قد تَعيشُ يومًا واحدًا فقط، أَلاَ يُعطي الملابسَ الضَّروريَّة لكلِّ واحدٍ مِن أولادِهِ الأبديِّين؟
يا أحبَّائي، إنَّ هذا الكلامَ عَمليٌّ. هل تَعلمونَ ذلك؟ فهو كلامٌ عَمليٌّ حقًّا. فالكتابُ المُقدَّسُ، وما يَقولُهُ الرَّبُّ هنا هو ليسَ كَلامًا في الهَواء؛ بل إنَّه سيُعطيكم طعامًا، وسيُعطيكم كُسوةً، وسيُحَدِّد طُولَ عُمرِكُم ويُحافظ عليه. فهذا كَلامٌ مَلموسٌ جدًّا. لِذا، لا يوجد لديكَ أيُّ مُبَرِّرٍ للقَلقِ الماليِّ إن كانَ قَلبُكَ سليمًا.
والمِفتاحُ هو: "اطْلُبُوا أَوَّلاً [في العدد 33] مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ". فالمِفتاحُ هو أن تَضَعَ قَلبَكَ وكَنزَكَ في السَّماء. واللهُ سيَعتني بكلِّ احتياجاتِكَ الأرضيَّة. وأنا أُوْمِنُ بكُلِّ قلبي بأنَّني لستُ بحاجة إلى هَدْرِ دقيقةٍ واحدةٍ مِن يومي في التَّفكير في الأشياء الماديَّة والأرضيَّة والدُّنيويَّة. فاللهُ سيَهتمُّ بذلك.
قالتِ الزَّهرةُ البَرِّيَّةُ للعُصفور: "أَوَدُّ حقًّا أن أَعرفَ لماذا يَعيشُ هؤلاء البَشَر القَلِقون في عَجَلَةٍ وَهَمٍّ". قالَ العُصفورُ للزَّهرةِ البَرِّيَّة: "يا صَديقتي، أعتقد أنَّه لا يوجدُ لديهم أبٌ سَماويٌّ يَعتني بهم مِثلنا أنا وأنتِ". لِذا، رُبَّما يجب علينا أن نَتعلَّمَ مِن الطُّيور والأزهار كيفَ نَعيشُ الحياة. والخُلاصةُ واضحة. فيسوعُ يقول: "لا تَقلقوا. فَلا مُبَرِّرَ للقَلق بسببِ أبيكم". وسوفَ نُكمِل حَديثَنا في المَرَّة القادمة. دَعونا نُصَلِّي:
يا رَبُّ، نحنُ لا نُريدُ أن نكونَ أشخاصًا قَليلي الإيمان، ولا نُريدُ أن نكونَ أشخاصًا غير مُؤمِنين؛ بل نريدُ أن نكونَ أشخاصًا نَتمتَّعُ بالحُريَّة: الحُريَّة في أن نُحَلِّقَ فوقَ المُرتفعاتِ، والحُريَّة في أن نَسيرَ في السَّماويَّاتِ، والحُريَّة في أن نَستثمِرَ في الأبديَّة لأنَّنا لا نَهتمُّ بما نَأكُل أو نَشرب أو نَلبَس. فهذا هو نِطاقُك. ونحنُ نَشكُرُك على ذلك.
كَلِّم كلَّ قلبٍ وطَبِّق كلامَكَ، يا رَبّ، في كلِّ قلبٍ بحاجة إليه. ويا لَيتَنا، يا ليتَ كلَّ واحدٍ مِنَّا يَعثُر على طريقةٍ عَمليَّة يُطَبِّق فيها ما عَلَّمتَنا إيَّاه اليوم. باسمِ المسيح. آمين!
اسمَحوا لي أن أُشارِكَكُم اختبارًا شَخصيًّا بسُرعة. قبلَ سنوات، عندما ابتدأتُ الخدمة، عَقدتُ العَزمَ في ذهني بأنِّي لن أُحَدِّدَ يومًا سِعرًا لخِدمتي، وبأنِّي لن أقولَ لأيِّ شخصٍ بأنَّ لديَّ سِعْرًا مُقابِلَ وَعْظي، وبأنِّي لن أُحَدِّدَ أيَّ مَبلغ، وبأنِّي لن أطلُبَ أيَّ مال البتَّة في أيِّ ظَرفٍ مِن الظُّروف. وإن كنتُ سأخدِمُ في كنيسة، لن أَطلُب يومًا مُرَتَّبًا، ولن أَطلُب يومًا عَلاوةً، ولن أَطلُبَ يومًا أيَّ شيء سوى مَلكوتَ اللهِ وبِرَّهُ.
ويمكنني أن أقولَ لكم مِن خلالِ اختباري الشَّخصيِّ بعدَ نحو خمس عشرة سنة أو سِتَّ عشرةَ سنة مِن العيشِ بهذه الطَّريقة، وطَلَبِ مَلكوتِ الله، وعَدَم أمانتي دائمًا كما ينبغي لي أن أفعل، ولكن في أثناءِ نُضْجي في طَلَبِ المَلكوت، رأيتُ اللهَ يَعتني باحتياجاتي الماديَّة. فهو يَفعلُ ذلك. وهو يَفعلُ ذلك بسخاء. فهذا هو ما وَعَدَ بِهِ أولادَهُ. وأنا أرفُضُ أن أقلقَ بهذا الخُصوص. وهناكَ بَراهين كثيرة جدًّا في الماضي على أمانَتِه. لِذا يُمكنني أن أتَّكِل عليه في المستقبل. وأرجو أن تَتمكَّنوا أنتُم أيضًا مِن الاتِّكالِ عليه. دَعونا نَقِف ونُصَلِّي:
نَشكُرُكَ يا أبانا لأنَّكَ لَمَسْتَنا مِن خلالِ حَقِّكَ مَرَّةً أخرى. ويا لَيتَنا نَعثُر على تلك الطَّرائق العَمليَّة لتطبيقِ ما سَمِعناه. ويا رَبّ، أنتَ تَعرِفُ احتياجاتَنا هُنا في كنيسة غريس أيضًا، ولا سِيَّما في الأمور المَاليَّة في هذا الوقتِ الصَّعب. ونحنُ نُصَلِّي أن تُكَلِّم قُلوبَنا بخصوصِ تلك الكُنوز الَّتي يُمكِنُ أن تُوضَعَ في السَّماء لأنَّنا سنتمكَّن حينئذٍ مِن الاتِّكالِ عليكَ في المستقبل لِسَدِّ الحاجاتِ الأساسيَّة في الحياة.
ويا لَيتَنا نَتجاوبُ بطرائق عَمليَّة... كلُّ واحدٍ مِنَّا. نَشكُرُك على غِنى عِبادَتِنا في هذا الصَّباح. ونحنُ نُكَرِّس أنفسَنا لك. وإذْ نَنْصَرِف مِن هذا المكان، يا لَيتَنا نُلامِس العالَم كي يَتغيَّر لأنَّنا كُنَّا مَعَكَ في هذا الوقت. باسم المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
