انظروا معي إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس في كتابكم المقدَّس. وسوفَ نتأمَّل مَرَّةً أخرى في الدُّروس الَّتي يريدُ الرَّبُّ أن يُعلِّمنا إيَّاها في هذا المقطع مِن إنجيل مَتَّى (والَّذي يُعرَف بالعِظة على الجبل). وأودُّ أن أعترفَ بشيءٍ لكم في هذه اللَّحظة. لقد صَرفنا وقتًا طويلاً في دراسة العِظة على الجبل. وأعتقد أنَّ هناك العديد من الأسباب الَّتي أدَّت إلى ذلك. فمنذُ أن التَحقتُ بكُليَّة اللاَّهوت في سنة 1961، كنتُ أشعرُ دائمًا بشوقٍ شديد في قلبي إلى فَهم العِظة على الجبل. وقد سَمعتُ تفسيرات كثيرة لها، وسَمعتُ عن مَوضِعِها، ومكانِها، والقصدِ منها. ولكن يبدو أنَّ كلَّ ذلك لم يُشبِع عقلي.
وفي أيَّام دراستي في كُلِّيَّة اللاَّهوت، لم أشعُر يومًا أنَّني فَهِمتُها حَقًّا. وقد سَمَحتُ لكلِّ هذه السِّنين أن تَمضي دونَ أن أقومَ بدراسة مُوسَّعة للعِظة على الجبل. وقد استمرَّت هذه الفكرة في مُراوَدَتي طَوالَ هذه السِّنين لأنِّي أُوْمِنُ بأنَّها أهَمُّ شيءٍ قالَهُ المسيح عن المال في عِظاتِه إلى العالَم.
وهي تَستدعي أن نُوليها قَدرًا كبيرًا جدًّا مِن الاهتمام. وقد انقَضَت سنواتٌ طويلة. وربَّما كنتُ بَطيئًا قليلاً، ولكنِّي أَملأُ الآنَ فَجوةً نَشأت بسبب هذا التَّباطؤ على مَرِّ السِّنين. لِذا، أرجو أن تَحتَمِلوني إن كُنتُ أُطيلُ المُكوثَ هُنا كما أفعل. ومع ذلك، لا بُدَّ أن أعترفَ لكم أيضًا أنِّي أُقدِّمُ لكم عُشْرَ ما لديَّ لأقولَه فقط لأنَّ غِنى هذا النَّصِّ لا يُستقصَى.
في ضَوْءِ ذلك، اسمحوا لي أن ألفِتَ أنظارَكُم إلى ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 6: 25 وأن أقرأَ النَّصَّ حتَّى نهاية العدد 34 وأُقدِّمَ لكم خَلفيَّةً عن الآياتِ الَّتي تَلي ذلك والَّتي سننظر مِن خلالها إلى هذه الرِّسالة الَّتي قَدَّمَها رَبُّنا:
"لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ.
"وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.
"فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ".
إنَّ هذا النَّصَّ رائع. وسوفَ يكونُ مَوضوع دِراستِنا في الأسابيع القليلة القادمة. فبسبب عُمقِه وغِناه، نريدُ أن نَجني أقصى ما يُمكننا منه. وهو يُضافُ إلى نَصٍّ سابقٍ أريدُ أيضًا أن أقرأه لكي نَقرأَ السِّياقَ كُلَّه. ففي العدد 19، لَعَلَّكُم تَذكرون أنَّ رَبَّنا قال: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا.
"سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ! لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ".
والآن، سوف تُلاحظون في كِلا هَذين المَقطعَين أنَّنا نتعامل مع أشياء ماديَّة أو مُمتلكات ماديَّة. ففي النَّصِّ الأوَّل، نحنُ نتحدَّث عن المال (في الأعداد مِن 19 إلى 24)، أو كما قُلنا: عن الرَّفاهِيَة؛ أي كيفَ نتعامل مع الرَّفاهِيَة. وفي النَّصِّ الثَّاني (أي في الآيات مِن 25 إلى 34)، نحنُ نَتحدَّث عن الحاجات الضَّروريَّة؛ أي عَمَّا نأكُل ونَشرَب ونَلبَس.
ويُمكننا القول إنَّ النَّصَّ الأوَّل مُوجَّه بصورة رئيسيَّة إلى الأغنياء الَّذينَ يَميلون إلى التَّركيزِ كثيرًا على رَفاهِيَّتِهم ويُكدِّسونَ ثَروتهم لاستخدامِهم الشَّخصيِّ؛ في حين أنَّ النَّصَّ الثَّاني مُوجَّه بصورة رئيسيَّة إلى الفُقراء الَّذينَ يَميلونَ [بسبب فَقرهم وإعوازهم] إلى لَوْمِ اللهِ، أوِ الشَّكِّ فيه، أو إلى العيشِ في خوفٍ وقلقٍ مِن أنَّهم لن يتمكَّنوا مِن الحصولِ على الأكل والشُّرب والملابس.
فالغِنى لَهُ مَشاكِلُه، والفقرُ لهُ مَشاكِلُه أيضًا. والتَّجربة الَّتي تُصيبُ الغَنِيَّ هي أنَّه قد يَتَّكلُ على غِناه. والتَّجربة الَّتي تُصيبُ الفقير هي أنَّه قد يَشُكُّ في قدرةِ اللهِ على سَدِّ احتياجاتِه. ولكنَّ الرَّبَّ يقولُ في كِلتا الحالتين: "لديَّ ما أقولُهُ لَك: سواء كنتَ غَنيًّا أَم فقيرًا، يجب أن تُرَكِّزَ عليَّ أنا".
فمثلاً، إنَّه يقول في العدد 21: "ضَع كَنزَكَ في السَّماءِ لأنِّي أريدُ أن يكونَ قلبُكَ هناك". وهو يقول في العدد 33: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ". بعبارة أخرى، فإنَّه يقولُ الشَّيء نفسَه: "ضَع قَلبكَ أنتَ أيضًا في السَّماء، ولا تَقلق. فسوفَ أُعطيكَ كُلَّ ما تَبَقَّى". والنُّقطة الجوهريَّة هي: "أريدُ منكَ أن تُرَكِّز".
والحقيقةُ هي أنَّ تَركيزَ النَّاسِ [إن كانوا أغنياء] يَنْصَبُّ على كَنْزِ كُنوزهم على الأرض (كما جاءَ في العدد 19). أمَّا تَركيزُ النَّاسِ [إن كانوا فُقراء - وَفقًا للعدد 32] فيَنصَبُّ على ما سيأكُلونَ، وما سيَشربونَ، وما سيَلبَسون. ولكن يجب عليكَ إن كنتَ غَنيًّا أن تَستثمرَ في السَّماء. ويجب عليكَ إن كنتَ فقيرًا أن تَطلُبَ ملكوتَ الله. بعبارة أخرى، عندما يَختصُّ الأمرُ بالمالِ والمُمتلكات، يجب علينا أن نُرَكِّزَ على اللهِ، لا على تلك المُمتلكات. فلا يجوزُ لنا أن نَتشبَّثَ ونَتمسَّكَ بالأشياء، بل يجب علينا أن نَطلُبَ اللهَ وأن نَسمحَ للهِ أن يُتَمِّم وعودَه وأن يَسُدَّ حاجاتِنا.
في ضوءِ هذه النَّظرة العامَّة، أريدُ أن أُمَهِّدَ وَحَسْب للجُزء الثَّاني لكي نَتمَّكَّن مِن التَّنقُّل بسهولة بين المَقطعَيْن. لِذا، لن نَتعمَّقَ في دراسة أيِّ آياتٍ حتَّى المَرَّة القادمة. فإدارةُ الأموالِ وإدارةُ المُمتلكاتِ هي مُشكلة عَويصة لدينا جميعًا. ونحنُ جميعًا نُدرِكُها تمامًا. ونحنُ لدينا جميعًا مقادير مُختلفة مِن المال. فنحنُ نَجني مقاديرَ مُختلفة مِن المال. فهذهِ هي مَشيئةُ الله. ولكنَّنا جميعًا نَجِدُ عَناءً كَبيرًا بخصوصِ ما سنفعله به، وبخصوصِ كيفيَّة استثماره، وكيفيَّة إنفاقِه، وكيفيَّه استخدامِه. ويجب علينا أن نُواجِهَ دائمًا حقيقةَ أنَّ المالَ يَفحصُ... استمعوا جيِّدًا: يَفحصُ حالَتَنا الروحيَّة الحقيقيَّة.
والحقيقة هي أنَّكم إن سألتموني عن ذلك سأقولُ إنَّه أفضلُ فَحصٍ على الإطلاق. فيمكنني أن أُخبركم عن الحالة الرُّوحيَّة لأيِّ رَجُل أو امرأة مِن خلال طريقة تعامُلِهما مع مُمتلكاتِهما الماديَّة أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. فهو يَكشِفُ بعُمق حالةَ القلب. فهذه مُشكلة كبيرة في الحياة. وعندما يَنجَحُ شخصٌ في التَّصدِّي لها فإنَّ ذلكَ يُظهِر قوَّةَ حياتِهِ الرُّوحيَّة الحقيقيَّة.
ولتوضيحِ ذلك، أودُّ أن أقولَ ما يَلي: لقد قالَ الرَّبُّ ثمانيةً وثلاثينَ مَثَلاً في الأناجيل. ومِن بين هذه الأمثال الثَّمانية والثَّلاثين، فإنَّ سِتَّةَ عَشَرَ منها تتحدَّثُ عن كيفيَّة استخدام أموالِنا. وهذا تَركيزٌ كبير. فقد تَحدَّثَ المسيحُ [على سبيلِ المِثال] عن المالِ والمُمتلكات أكثرَ مِمَّا تَحدَّثَ عن كُلٍّ مِن السَّماءِ وجَهنَّم مُجتمعتين. ففي الأناجيل، هناكَ آية مِن أصلِ عَشْرة... آية مِن كُلِّ عَشْرِ آيات تتحدَّثُ عن المال أو المُمتلكات. فهناكَ 288 آية في الأناجيل الأربعة. وفي الكتاب المقدَّس، هناكَ أكثر مِن خمسمئة آية عن الصَّلاة، ونحو خمسمئة آية عن الإيمان، وأكثر مِن ألفَيّ آية عن المال والمُمتلكات. فهي مسألة مُهمَّة جدًّا.
وبصراحة، نحنُ لا نَتعامَلُ مع هذا الموضوعِ بطريقة أسهل مِمَّا كانوا يَتعاملونَ معه في أزمنة الكتابِ المقدَّس، بل إنَّ الأمرَ أصعب... إنَّه أصعب. فنحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ وَفَّرَت لنا فيه التِّكنولوجيا مَصادرَ هائلة وغير محدودة حَتَّى باتَ الاختبارُ أصعب مِن أيِّ وقتٍ مَضى. فلم يوجد مُجتمع [على سبيل المِثال] في تاريخِ العالَم، امتَلَكَ أشياءً كثيرة جدًّا كما هي حالُنا اليوم. فهناك الكثيرُ من الأشياء والسِّلع والبضائع. ورُبَّما كُنَّا في أمريكا نَملِكُ أشياءً أكثرَ مِن أيِّ مكانٍ آخر في العالم.
فنحنُ نَعيشُ في بُحبوحَة ليسَ لها مَثيل في تاريخِ العالم. وقد أسْهَمَت التِّكنولوجيا في زيادة استيعابِنا للأجهزة والتَّصاميم إلى الحَدِّ الَّذي باتَ بمقدورِنا فيهِ الآن أن نَصنَعَ أيَّ شيء تقريبًا، مَا عَدا الحياةَ نفسَها. ولكن هل تَعلمونَ ما الَّذي كَشَفَهُ ذلك؟ فَثَراؤنا الَّذي يَصعُب تَصديقُه، وكَثرةُ الأشياءِ الَّتي بحوزتِنا كَشَفا عن مُشكلة خطيرة وهي أنَّ الإنسانَ غيرُ قادرٍ على التَّعامُلِ معَ الأشياءِ الَّتي يَصنَعُها. فنحنُ غيرُ قادرين على التَّعامُلِ مع أموالِنا، وغيرُ قادرينَ على التَّعامُلِ مع الأشياءِ الَّتي لدينا. وما أقولُهُ ببساطَة مُتناهية هو أنَّنا عَاكِفونَ على تَدميرِ أنفسِنا بأنفسنا.
ونحنُ جميعًا نُدركُ ذلك جيِّدًا. فنحنُ نَسمعُ طَوالَ الوقت عن الاتِّجاه الَّذي يَسيرُ فيه بَلَدُنا، وعن الاتِّجاه الَّذي يَسيرُ فيه العالَم بوجودِ كلِّ هذه المشاكل الاقتصاديَّة والماليَّة الَّتي لدينا. ولكنَّ المشاكل ليست اقتصاديَّة، والمشاكل ليست ماليَّة. وهذا هو السَّبب الَّذي جَعل الجميع يَفشل في تقديمِ الحَلِّ المُناسب.
وما أعنيه هو أنَّني أستمع إلى "هوارد جارفيس" (Howard Jarvis)، وأستمع إلى "جيمي كارتر" (Jimmy Carter) اللَّذان يُخبران الجميع ما ينبغي أن يَفعلوه. وأنا أستمعُ إلى كلِّ مشروعاتِ القوانين وما يقولُهُ أعضاءِ مَجلس الشُّيوخ، وإلى كلِّ المشوراتِ والأشياء الَّتي تُقال، ولكن لا يوجد شخصٌ واحدٌ حتَّى الآن وَضَعَ إصبَعَهُ على المشكلة الحقيقيَّة. والمشكلة الحقيقيَّة هي كالتَّالي: لقد أَوجدتُم بيئةً فيها مصادر غير محدودة، وأَوجدتُم بيئةً فيها سِلَع غير محدودة، وأَطلقتُم العِنانَ للإنسان كي يُدَمِّرَ نفسَه بنفسه.
وأنا لا أُبالي ما هو التَّشريع الَّذي تَستخدمونَهُ لأنَّ هناك حقيقة جوهريَّة بخصوص الإنسان ينبغي أن تُدركوها. فهو أنانيٌّ جدًّا جدًّا. والأنانيَّة المُرتبطة بالإنتاج تَعني شيئًا واحدًا: الجَشَع. وعندما يكونُ دافِعُ قلبِ الإنسان الخاطئ هو الأنانيَّة، وتَصيرُ الأنانيَّةُ المُقترنة بالسِّلع جَشَعًا، تكونُ قد حَكَمْتَ على نفسكِ بالدَّمارِ الذَّاتيّ.
فالكتابُ المُقدَّسُ يقولُ لنا [على سبيل المِثال] في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 18 إنَّ العالَمَ... أنَّ النِّظامَ الاقتصاديَّ العالميَّ بمُجملِه سيَنهار تمامًا. أجل. فسوفَ يَنهار في النِّهاية انهيارًا تامًّا. فالإنسانُ يَسيرُ نحوَ دَمارِهِ الذَّاتيِّ الكامل لأنَّه عندما تَستمرُّ في زيادة فُرص الحصول على المال، وزيادة الإنتاج، فإنَّك تُعطي الإنسان الشَّيءَ الَّذي يُغَذِّي أسوأَ شيءٍ فيه (وهو: الأنانيَّة) ليصيرَ وَحشًا نَهِمًا.
وقد قلتُ لكم سابقًا إنَّني أتعجَّب دائمًا مِن عدد الأماكن الَّتي تَبيعُ أشياءً لا يَستطيعُ أحدٌ أن يَستخدمَها. فهي أماكِن تَبيعُ أشياءً تُقْحِمُها في كلِّ مكان. وهكذا هي الحال. فنحنُ مَهووسون في الحصول على الأشياء. ولا شَكَّ في أنَّنا نَتعرَّضُ لتأثيرِ وسائلِ الإعلام. فَمِن جِهة فإنَّ الرَّئيسَ يقول: "اقتصدوا! شُدُّوا حِزامَكُم! لا تُسرِفوا!" ومِن جِهة أخرى فإنَّ التِّلفازَ يقول: "اشتروا كَذا... اشتروا كَذا... اشتروا كَذا. لا تَتَوانوا! يجب أن تَحصلوا على هذا الشَّيء. إنَّهُ حَياتُكم، ولا يُمكنكم أن تَعيشوا مِن دُونِه".
لِذا فإنَّ رِياءَ النِّظامِ فَظيع. والإنسانُ مُحاصَر. فقد ظَلَّ يَسمع طَوالَ حياته أنَّه لن يكونَ سعيدًا إلاَّ إذا حَصَلَ على أكبر عَدَدٍ مُمكِن مِنَ السِّلع. وهُم يقولونَ لهُ الآن إنَّه لا يستطيعُ الحصولَ عليها. لِذا فإنَّه مُرغَمٌ على العيشِ في تَعاسَة.
وكما تَرَون، فإنَّ المشكلة ليست ماليَّة. فنحنُ نَسمعُ عن أحوالٍ غير مَسبوقة تُسَبِّب ما يُعرَف بالفَوضى الماليَّة العَالميَّة. والحقيقة هي أنَّنا نَعيشُ في العَقْدِ الأوَّل في التَّاريخِ المُدَوَّن مِنَ التَّضخُّمِ الماليِّ الكبير على نِطاقِ العالَم. وقد قَرأتُ مُؤخَّرًا أنَّ "لوس أنجليس" هي مَركزُ التَّضخُّم في العالَم كُلِّه. وقد كانَت آخِرُ نِسبة للتَّضَخُّم السَّنويّ تزيدُ بنسبة 26,1 بالمِئة عن نسبة التَّضخُّم في الشَّهر الماضي. وهي تَتصاعَد في كلِّ أنحاء العالَم. وهناك حَديثٌ مُستمرٌّ عن الرُّكود، والتَّصَدُّع، والانهيار. ونحنُ نَشهَدُ أعلى نِسبة بَطالة منذُ أن حَدَثَ الرُّكود.
وأعتقد أنَّنا نَعرف أنَّ ذلك الرُّكود حَدَثَ بصورة رئيسيَّة لأنَّ اتِّحادَ الدُّول العَربيَّة المُصَدِّرَة للنِّفط قَرَّرَ أن يَرفَعَ أسعارَ النِّفط، وأنَّه رَفَعَ أسعارَ البترول خمسمئة بالمئة. وكما تَرَون، عندما يَرتفع سِعر النِّفط فإنَّ أسعارَ كلِّ الأشياء تَرتفع لأنَّ النِّفط يُستخدَمُ في تَشغيلِ كُلِّ مَصنَع يُنتِجُ أيَّ سِلعة. لِذا فإنَّ كلَّ الأسعارِ تَرتفع. لِذا فقد ذَكرتُ في مساءِ الأحدِ الماضي أنَّ ضابطَ البَحريَّة ذاكَ أخبرني أنَّهم يَعتقدونَ أنَّ حَرَكَة رُوسيا التَّالية هي الهجومُ على إسرائيل لأنَّه ينبغي أن يُحكِموا سَيطرتهم على منطقة البحر الأبيض المُتوسِّط.
فقد أَحكموا سَيطرتهم على شَرقِ أفغانستان وشَمالِه. وَهُم يَسْعَوْنَ إلى السَّيطرة على الجُزءِ الجنوبيِّ مِنَ المُحيطِ الهِنديِّ. وإن نَجَحوا في السَّيطرة على الدُّوَل العَربيَّة في حَوضِ البحر الأبيض المُتوسِّط، سيتمكَّنونَ مِن عَزلِهم. ولأنَّهم لن يتمكَّنوا مِن إخراجِ نِفطِهم، سوفَ يَدخلونَ ويَستولونَ عليه لأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ العالَمَ قد يَنهار بسبب الزِّيادة المُفرِطة في أسعارِ المُنتجاتِ النِّفطيَّة.
لِذا فإنَّنا نَعيشُ في حالةِ تَضَخُّم. ونحنُ نُعاني في أمريكا مشاكلَ ماليَّة ضَخمة. وأنا أعني أنَّها ضَخمة جدًّا. فنحنُ لدينا عَجْز، ولدينا دُيون في أمريكا تَكفي لِمَلْءِ البحرِ الأحمَر. واسمحوا لي أن أُعطيكم فِكرةً. في سنة 1901، كانَ الدَّينُ القَوْمِيُّ أقلّ مِن مِليار. في سنة 1901، كانَ الدَّين أقلُّ مِن مِليار. وفي سنة 1978، وَصَلَ إلى 800 مِليار. فهذا هو ما نَدينُ بِهِ للمَصارِف. وفي السَّنة القادمة، يُقدَّر أنَّ الدَّين سيصير ألف مِليار دولار. هذا هو دَينُنا. والفائدة هي أربعة مِليارات دولار سَنويًّا.
هل تَعلمونَ أنَّكم إذا قُمتُم بتصفية الولايات المُتَّحدة فإنَّ قيمَتَها لا تُساوي ألف مِليار دولار؟ فنحنُ لا نَملِك أُصولاً كافية لِسَدِّ دُيونِنا. ولكنَّ هذا لا يُوقِف أيَّ شيء. فالأسعارُ ارتفعت أكثر مِن مِئة بالمِئة في السَّنوات العشر الأخيرة. والعائلة المُؤلَّفة مِن أربعة أفراد [بحسب دائرة العمل الأمريكيَّة] فَقدت قُدرتَها على كَسْبِ ما يَكفيها معَ أنَّ الرَّواتبَ تَضاعَفَت وذلك لأنَّ التَّضخُّمَ والضَّرائبَ التَهَمَت تلك الزِّيادة.
وهل تَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ يُوقِفُ أيَّ شيء؟ لا، بل إنَّنا ما زِلنا نَشتري المَزيد. فنحنُ ما زِلنا نَقَعُ في الفَخِّ ونَشتري المزيد. والنِّظامُ يُشَجِّعُنا على ذلك مِن خلالِ إصدارِ بِطاقاتِ ائتِمانٍ حَتَّى لا يَعرِف جَشَعُنا الشِّبَعَ على الإطلاق. فقد كانَ جَشَعُنا يَتوقَّف مؤقَّتًا عندما يَنفَدُ المالُ مِنَّا. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ بمقدوركَ أن تقول: "أنا لستُ جَشِعًا في هذا الأسبوع لأنَّني لا أملِكُ المال". أمَا الآن فيمكنك أن تكونَ جَشِعًا طَوالَ الوقت لأنَّكَ لستَ بحاجة إلى المال لشراءِ الأشياء.
لِذا، ما الَّذي يحدث عندما يَنفَدُ احتياطيُّ الذَّهب مِنَّا؟ نحنُ نَستمرُّ في طَبْعِ المزيدِ مِنَ الأوراقِ النَّقديَّة. وعندما يَنفَدُ احتياطيُّ الفضَّة فإنَّنا نَستمرُّ في طَبْعِ المزيدِ مِن المال. وعندما يَنفَدُ المالُ مِنَّا فإنَّنا نَطبَعُ بطاقات... بِطاقاتِ ائتمان. وهل تَعلمونَ ما الَّذي سيحدث عندما لا تَتوافَرُ بطاقاتُ ائتمانٍ لدى النَّاس؟ سوفَ يَسرقون لأنَّ هذا هو ما يَفعلُهُ الجَشَع. فنحنُ أُناسٌ جَشِعون.
فقد أدَّى الشِّراءُ على بِطاقاتِ الائتمان إلى زيادةِ التَّضَخُّم. ثُمَّ جاءت تلك اللَّعنة الَّتي تَفوقُ كلَّ لَعْناتٍ أخرى في مُجتمعِنا وهي: خُروجُ الزَّوجة للعمل. فهذا أدَّى إلى مَزيدٍ مِن المشاكل الماليَّة لأنَّه وَضَعَ مَزيدًا مِن النَّاسِ في صُفوفِ القُوى العامِلة ليشتروا مزيدًا مِن السِّلَع، ويُفاقموا المُشكلة أكثر، ويَهدِموا البيت. وبالمُناسبة، لقد أَظهرتِ الإحصائيَّاتُ [وَفقًا لما قَرأتُهُ يومَ أمس] إلى أنَّ العائلة الأمريكيَّة في وَرطةٍ ماليَّة. ووَفقًا للإحصائيَّاتِ فإنَّ خمسين بالمِئة مِن جميعِ حالاتِ الطَّلاق تَرِجُع إلى ضُغوطٍ ماليَّة في البيت. لِذا فقد فَكَّرتُ في إضافةِ سَطْرٍ جديد إلى حَفْلِ الزِّفاف: "إلى أن يُفَرِّقنا الدَّيْن".
والآن، نحنُ في ورطة شديدة يا أحبَّائي. فلا يوجد مَخرَج. فأنا أقولُ لكم إنَّه حَتَّى لو قُمنا بتصفية الولايات المُتَّحدة بأسرِها فإنَّنا لن نَتمكَّنَ مِن دَفْعِ كُلِّ دُيونِنا للمَصارِف. فمصيرُنا مَحسومٌ مِن هذا الجانب. فقد مُتْنا منذُ وقتٍ طويل وذُقْنا طَعْمَ العِجْلَ المُسَمَّن. وأعتقد أنَّنا نَسيرُ بسُرعة في طريقِ تَدميرِ أنفُسِنا بأنفُسِنا.
والآن، ما الحَلّ؟ هناكَ أشخاص يقولون: "إنَّ رئيسَنا يقول [وأنا أَعلَمُ أنَّ نِيَّتَهُ حَسَنة] إنَّه ينبغي للجميعِ أن يَشُدُّوا الأحزِمَة". ما الَّذي يقولُهُ لنا؟ ما الَّذي يَعنيه؟ وما صِلَةُ ذلك بالمشكلة الحقيقيَّة؟ لقد استمعتُ إلى جميعِ الحُلولِ الَّتي يُقدِّمُها العالَمُ فوجدتُ أنَّها غير فَعَّالة مُطلقًا. ونحنُ في هذه الفَوضى لأنَّ المُجتمعَ صَنَعَ دَمارَهُ بنفسه، وبسبب شَرِّ قلبِ الإنسان.
فهذا المُجتمع يقولُ لنا [مِن خلالِ التِّلفازِ والإذاعةِ واللَّوحاتِ الإعلانيَّةِ، وبقيَّةِ الأشياءِ] إنَّنا سنصيرُ سُعداء عندما نَحصُل على الأشياء. وَهُم يقولونَ لنا الآن إنَّنا لا نستطيعُ الحصولَ على أشيائِنا. يا لَهُ مِن رِياء! فنحنُ في هذه الورطة لأنَّهم يقولونَ لنا إنَّ السَّعادة والسَّلام والفَرح تَكمُنُ كُلُّها في الأشياء الماديَّة.
واسمَحوا لي أن أُطلِعَكُم على الفَلسفَة الحَياتيَّة الرئيسيَّة في العالَم. فهي كالتَّالي: إن جَمَعتَ الكثيرَ مِن الأشياء لإشباع نَمَطِ حياتِكَ المُحدَّد، يُمكنك حينئذٍ فقط أن تكونَ سعيدًا حَقًّا. هذه هي الخُلاصة: إن جَمَعتَ الكثيرَ مِن الأشياء لإشباع نَمَطِ حياتِكَ المُحدَّد، يُمكنك حينئذٍ فقط أن تكونَ سعيدًا حَقًّا. لِذا، فقد قَرَّرَ الكثيرُ مِن الأشخاص في مُجتمعِنا الأشياءَ الَّتي يُريدونَ الحصولَ عليها وسَعَوْا للحصول على تلك الأشياء. وهناكَ أشخاصٌ يَسْعَوْنَ إلى الحصول على أشياء غريبة. ولكنَّ الإنسانَ تَعَلَّمَ أنَّه ينبغي له أن يَحصُلَ على السِّلَع.
وقد رأيتُ جُملةً مَطبوعةً على قَميصِ شخصٍ يومَ أمس فَلم أُصَدِّق ما رأتهُ عَيناي: "أكثرُ ما أُحِبُّ الحصولَ عليه بعدَ الجِنس هو دَرَّاجة هارلي-ديفيدسون". وهل تَعلمونَ مَعنى ذلك؟ وقد بَدا أنَّ ذلك الشَّخص كانَ يُصَلِّحُ دَرَّاجَتَهُ. فقد كانَ مُتَّسِخًا مِن رأسِهِ حَتَّى قَدَمَيْه. ولكن بالنِّسبة إليه، كانَ كُلُّ ما يُريدُه هو فتاة ودَرَّاجة هارلي-ديفيدسون. فهذه هي نَظرتُه إلى الحياة. هذه هي الحياة في نَظرِه. فإنِ تَمَكَّنَ مِنَ جَنْي المالِ الكافي للحصول على الفتاة المُناسبة والدَّرَّاجة المُناسبة، سيكونُ سعيدًا في اعتقاده. وإن استطعنا أن نَحصل على سَيَّارةٍ أكثر رَفاهِيَةً، أو أن نَشتري ذلك الفُستان الجديد، أو أن نقومَ بتلك الرِّحلة، أو أن نَشتري ذلك البيت الأكبر، أو ما إلى ذلك، سنكونُ سُعداء. فهذا هو ما يَقولوهُ لنا. إن استطعنا وَحَسْب أن نَحصل على الشَّيء المناسب.
وهذا هو بالضَّبط ما تَبُثُّهُ وسائلُ الإعلامِ لنا طَوالَ الوقت. ونحنُ نَجلس هنا، كما تَعلمون، ونَرى تلك الإعلانات الضَّخمة. فَهُم يَعرضونَ "كاسبر ميلكتوست" (Casper Milquetoast) ويَضعونَهُ في سَيَّارة جَميلة فيصيرُ شخصًا مَفتولَ العَضلات. والفَتياتُ يَصْرَخْنَ عندما يَمُرُّ مِن الشَّارع. فهو سيصيرُ سعيدًا حَقًّا. وإذا خَرَجْتِ وتَمَشَّيْتِ بصورة مُبتذَلة حولَ مَنزِلِكِ وأنتِ تَرتدينَ ثَوبَ الحَمَّامِ دونَ أن تُحْكِمي شَدَّ الحَبْلِ حَولَ خَصرِكِ كما يَظهَرُ في إعلاناتِ الأزياء، هذا هو ما يُريدُهُ العَالَم. والآن، هَا هُم يقولونَ لنا: "لا يُمكنكَ الحصول على ذلك بعدَ الآن".
هذا هو ما يَحدُثُ حَرفيًّا. وهذه هي قَسوةُ الموقفِ الَّذي نحنُ فيه. فهناكَ أشخاص يَكذبونَ على العالَم بشكلٍ مُستمرّ ويحاول أن يَسحَبَ البِساطَ مِن تحتِ أقدامِنا. فَهُم يقولونَ لنا: "هكذا ينبغي أن تكونَ حَياتُكم". وَهُم يقولونَ الآن: "لا يُمكنكم الحصول على ذلك بعدَ الآن. لن تَتمكَّنوا مِن ذلك". والنَّاسُ يقولون: "هناك سَرِقات كثيرة تَحدُث اليوم. هناكَ سَرِقات كثيرة. لماذا؟ يبدو أنَّ الإنسانَ يَزدادُ سُوءًا". إنَّ المُشكلة لا تَكمُن هنا، بل إنَّ المُشكلة تَكمُن في أنَّكَ تَستمرُّ في إخبارِ الإنسانِ أنَّه ينبغي أن يَحصل على الأشياء لكي يكونَ سعيدًا. وفي النِّهاية، سوفَ يَسرقها لكي يحصل عليها.
لِذا، أنا لستُ مُهتمًّا بالحُلولِ الَّتي يُقدِّمُها العالَم لأنَّهم مُراؤون. فعندما يقولون: "اضبُطوا أنفسَكُم. شُدُّوا الأحزمة. افعلوا كذا. توقَّفوا عن تَناوُلِ شَطيرة البُرغر العِملاقة وتَناولوا شَطيرةً عاديَّة"، أو: "لا يُمكنكم الاستمرار في العيشِ بالمُستوى الَّذي تعيشونَ فيهِ الآن"، عندما يقولونَ ذلكَ لي فإنِّي أقول: "هذه ليست المُشكلة الحقيقيَّة. أنتُم تَنظرونَ إلى الأمورِ الثَّانويَّة. المشكلة هي أنَّكم قُلتُم لنا إنَّنا لن نكونَ سُعداء إلاَّ إن حَصلنا على الأشياء الَّتي تُتيحُ لنا أن نَعيشَ نَمَطَ الحياةِ الَّذي نَرغب فيه. فإن قُلتم لنا ذلك، يجب علينا أن نَعيشَ هكذا. ولكنَّكم تقولونَ لنا الآن أَلاَّ نَفعلَ ذلك. لِذا، هناكَ رِياءٌ في هذا الأمر".
وكما تَرَون، فإنَّ مشكلة الإنسان هي أنَّه تَعرَّضَ للكَذِب دائمًا. والمؤسفُ في الأمر هو أنَّ المُؤمنينَ صَدَّقوا تلكَ الأكاذيب حَتَّى إنَّنا نَظُنُّ أنَّ السَّعادة تَكمُنُ في الأشياء. وحتَّى إنَّ المسيحيَّة صارت تِجارةً كبيرة. لِذا فإنَّ "ريتشارد كيبادل" (Richard Kabadil) يقول: "المسيحيُّونَ مُذنبونَ بالصُّعودِ إلى أعلى المستويات الاجتماعيَّة". فنحنُ نحاول أن نَصعَد السُّلَّمَ بسرعة وأن نَختلطَ بالأغنياءِ والمشاهيرِ والأشخاص الأكثر شَعبيَّةً.
ولكنَّ هذا يُخالِف ما قالَهُ رَبُّنا. فيجب أن تكونَ قُلوبُنا مُركَّزة على السَّماء لأنَّ كَنزَنا هناك. ونحنُ لا نَعثُر على السَّعادة في حياتِنا في السِّلَع. وأنا لستُ ضِدَّ تلك السِّلَع، ولكنِّي لا أَجِدُّ في طَلَبِها. فإن شاءَ اللهُ أن يُعطينا أشياءً مِن يَدِه الصَّالحة والمُنعِمَة فهذا جَيِّد. أمَّا إن جَعلنا تلك الأشياء شَغَفَ حياتِنا نكونُ قد أَخطأنا الهَدف.
وأعتقد أنَّ السَّببَ الرئيسيَّ يَكمُن في أنَّنا صَدَّقنا الأكاذيبَ بخصوص مَصدر الاكتفاءِ الحقيقيّ. استمعوا إلى ما تقولُه كلمةُ الله. فيلبِّي 4: 11-12. وهذه إعادة صِياغة. لِذا، لا تَفتحوا على هذه الرِّسالة، بل استمعوا فقط إلى إعادة صِياغة لها: "لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ..." [كما يقولُ بولس]، "...فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أعيشُ بسعادة سَواءَ كنتُ أَملِكُ الكثيرَ أَمِ القليل. أَعْرِفُ أَنْ أعيشَ مِن دونِ أيِّ شيء وأن أعيشَ بوجودِ كلِّ شيء. فقد تَعلَّمتُ سِرَّ الاكتفاء في كلِّ موقِفٍ سواءَ كانَت مَعِدَتي مُمتلئة أو كنتُ جائعًا، وسواءَ كانَ لديَّ الكثيرُ أوِ القليل" [نهايةُ الاقتباس]. فهذا هو المِفتاح.
فبولس يقول: "هل تَعلمونَ شيئًا؟ أنا أشعُرُ بالاكتفاء بطريقةٍ لا صِلَةَ لها البتَّة بالمُمتلكات". أليسَ ذلكَ الأمرُ جَيِّدًا؟ هذا هو ما يُمَيِّزُ المُؤمِن. فهو يَطلُب مَلكوتَ الله. واللهُ يَعتني بالأشياء الأخرى. وهو يَضَع كَنزَهُ في السَّماء، والرَّبُّ يَهتمُّ بتوفيرِ حاجاته. هذا هو ما نَقولُه. وهذا هو ما يُعلِّمُه الرَّبُّ.
ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الفَرِّيسيِّين والكَتَبة الَّذينَ وَجَّهَ يسوعُ إليهم الجزءَ الأكبرَ مِن كلامِهِ هنا كانوا جَشِعين. فقد كانوا جَشِعين. وكانت نَظرتُهم إلى المالِ مَغلوطَة. فقد كانوا يَنظرونَ إلى العالَمِ ويَظُنُّونَ أنَّكَ لن تكونَ سعيدًا ومُكتفيًا إلاَّ إذا جَمَعْتَ كَمًّا كافيًا مِن الثَّروة لإشباعِ نَمَطِ حياتِكَ الَّذي تَرغبُ فيه. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول إنَّ اكتِفاءَكَ مُنفَصِلٌ عن السِّلَع. فهو مُنفَصِلٌ عن الأشياء. فشعورُكَ بالاكتفاء يَنبُع مِن عَلاقتِكَ باللهِ، لا مِنَ السِّلَع.
والآن، اسمحوا لي أن أتحدَّثَ عن ذلك قليلاً. وهذ مُجرَّد مُقدِّمة للنَّصِّ الَّذي سنَتأمَّلُ فيه في المَرَّة القادمة. فشُعورُنا بالاكتفاء يَكمُنُ في الله. واسمحوا لي أن أقولَ لكم لماذا. هناكَ ثلاثُ كلماتٍ أريدُ أن أذكُرُها لكم بخصوصِ مسألةِ الاكتفاء في الله. الكلمة الأولى هي: "المِلكيَّة". دَوِّنوها. المِلكيَّة. وهذا يعني أنَّ اللهَ يَملِكُ كلَّ شيء. فالكتابُ المقدَّسُ يقول إنَّ اللهَ هو المالِكُ الحَصريُّ لكلِّ شيء. حسنًا؟ فاللهُ هو المَالِكُ الحَصريُّ لكلِّ شيء. لأيَّة أشياء؟ لكُلِّ شيء. كُلِّ شيء.
والآن، هل تَفهمونَ ما أعنيه بذلك؟ كلَّ شيء. فكلُّ شيءٍ مَوجود هو مِلْكٌ لَهُ: مَلابِسُك، وأحذيتُك، وساعَتُك، وبيتُك، وسيَّارتُك، وأولادُك، وكلُّ شيء، وحديقتُك، وكلُّ شيء... كُلُّ شيء. فهو يَملِكُ الكُلَّ. والمزمور 24: 1 يقولُ ما يلي: "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا". وهذه آية بسيطة. أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّك لستَ بحاجة إلى الكثيرِ مِن التَّفسير لفَهمِها. فكلُّ شيءٍ في العالم هو مِلْكٌ له.
ونَقرأ في سِفْر أخبار الأيَّام الأوَّل 29: 11: "لأَنَّ لَكَ كُلَّ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. لَكَ يَا رَبُّ الْمُلْكُ". حسنًا؟ وإن كنتُ أريدُ أن أكونَ مُكتفيًا في الحياة بصفتي مُؤمِنًا، فإنَّ أوَّل شيء ينبغي لي أن أَفهمَهُ هو أنَّ كلَّ شيءٍ هو مِلْكٌ لله. كلَّ شيء. لِذا، لاحِظوا النَّتيجة البَديهيَّة هنا. فهذا يعني أنَّني لا أستطيعُ أن أَمتَلِكَ أيَّ شيء بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. هل فَهمتُم ذلك؟ فهو لَهُ. لِذا، إن أردتَ أن تَتعلَّمَ أن تكونَ مُكتفيًا، يجب عليكَ أن تُدركَ أنَّ الله هو المَالِكُ الحَقيقيُّ لكلِّ شيء.
والآن اسمعوا ما يَلي: إن صَدَّقتَ ولو قليلاً أنَّك تَملِكُ شيئًا واحدًا، فإنَّ ذلك الشَّيء الَّذي تَظُنُّ أنَّك تَملِكُه سَيُسيطِر على مواقِفِكَ الروحيَّة. وهذا سَيِّء. واسمحوا لي أن أُقدِّمَ لكم مَثلاً إيضاحيًّا: نحنُ لدينا سَيَّارة كبيرة لأنَّ لدينا أربعة أبناء. لِذا فإنَّ لدينا سَيَّارة كبيرة صُنِعَت في سنة 1977 مِن طِراز "فورد" (Ford). وأنا وعائلتي نَستمتع بها. والآن، أعتقد أنَّه مِن المُهمِّ أن أعتني بسيَّارتي تلك لأنَّ الحصولَ على سَيَّارة أخرى سيُكلِّفُني الكثيرَ مِن المال. لِذا، يجب عليَّ أن أعتني بها. ولكن إن قُلتُ: "هذه سَيَّارتي. ويجب عليَّ أن أعتني بسيَّارتي"، قد أقودُ سَيَّارتي على الطَّريق فيأتي شخصٌ يَقودُ سَيَّارَتَهُ بسرعة عندَ التَّقاطُع ويَصْدِم سَيَّارتي.
والآن، إن كانت تلك سيَّارتي، سوفَ أتضايق جدًّا بسبب ذلك الأحمق الَّذي صَدَمَ سيَّارتي. وسوفَ يَكونُ رَدُّ فِعلي هو: "لا يجوزُ أن تَقودَ سيَّارتكَ بهذه الحَماقة. يجب عليكَ أن تَنظُرَ أمامَك". ثُمَّ إنَّني سأكتشفُ حقيقةً أُخرى مُرَّة وهي أنَّه ليسَ لديهِ تأمين. وحينئذٍ سأفقدُ عقلي أكثر مِن السَّابق. ثُمَّ إنَّني سأذهبُ إلى مَحَلِّ تَصليحِ السَّيَّارات فيَعجَزُ العامِلُ عن مُطابَقةِ لونِ الطِّلاءِ تمامًا. لِذا، سوفَ أَذهبُ لإحضارها مِن عنده فأجدُ أنَّ هناكَ اختلافًا في اللَّون. ثُمَّ إنَّني سأتضايقُ منه. وحينئذٍ سأقودُ سَيَّارتي بِجُنون لأنَّ ذلكَ الشَّخص لم يُصلِح سَيَّارتي كما يَنبغي. وبسببِ سُرعتي فإنَّني أُتلِفُ إطاراتِ سَيَّارتي. وهذا يُكَلِّفُني مالاً. وسوفَ أنزعجُ جدًّا بسببِ ذلك.
ولكن كما تَرونَ، إنَّها ليست سَيَّارتي. لِذا، إن صَدَمَ شخصٌ تلك السيَّارة، سأقول: "يا رَبّ، يجب أن تَهتمَّ بإصلاحِ سَيَّارتك. آسفٌ لأنَّ هذا حَدَثَ لسيَّارتك. أرجو أن تَتمكَّنَ مِن إصلاحِها".
فيجب عليَّ أن أُعالِجَ الأمورَ الَّتي تَحدُث في حياتي إمَّا بطريقتي وإمَّا بطريقته. وطالما أنَّ السَّيَّارة له، لن أقلق. فقد جاءَ أُناسٌ يَركضونَ باتِّجاه "جون ويسلي" ذاتَ يومٍ وقالوا: "سَيِّد ويسلي". وكانَ وِيسلي آنذاك في مكانٍ بعيدٍ عن منزله. قالوا: "لقد حَدثت مأساة! لقد احترقَ مَنزِلُك". قال: "أنتُم مُخطئون". قالوا: "لا، لا. لقد احترقَ مَنزِلُك". قال: "لا، هذا غير صحيح". قالوا: "نحنُ نقولُ لكَ إنَّ مَنزلكَ احترق". قال: "أنا أسمعُ ما تقولون، ولكنَّهُ ليسَ لي، إنَّهُ للرَّبّ. وبصراحة، هذا يُزيلُ عن كَاهلي مسؤوليَّة أخرى ينبغي أن أهتمَّ بها". وأعتقد أنَّ هذا هو الموقف المَطلوب. ولكنَّ هذا يَختلف تمامًا عَمَّا تَعلَّمناه. فهو يَختلف تمامًا عَمَّا تَعلَّمناه.
فتَكديسُ الأشياءِ الَّتي نَحصل عليها هو الإرثُ الَّذي تَرَكَهُ العَالَمُ لنا. ويجب علينا أن نَتَخَلَّى عن ذلك المفهوم. فنحنُ لا نَملِك شيئًا. فأنا لا أَملِكُ مَنزلي، أو سيَّارتي، أو أبنائي. أنا لا أملِكُ أيَّ شيء. لِذا فإنَّ ذلكَ يَترُك تأثيرًا عظيمًا. فإن فَقدتُ شيئًا فإنِّي لم أَفقدهُ في الحقيقة لأنِّي لم أكُن أَملِكُه يومًا. وإن احتاجَ أشخاصٌ آخرونَ إليه، يُمكنهم استخدامُه لأنِّي لستُ مَن يَملِكُه. فالربُّ هو مَن يَملِكُه. وإن كانَ الرَّبُّ يَعلم أنَّهم بحاجة إليه، فإنَه سيُعطيهم إيَّاه.
وما أعنيه هو: إن انتقلَ أيُّ شيءٍ لديَّ إلى شخصٍ آخر فإنَّ هذه ليست مُشكلتي. وحينئذٍ، يجب على الرَّبِّ أن يأخذَ شيئًا مِن شخصٍ آخر لِيَسُدَّ حاجتي. ولكن يجب عليَّ أن أبتدئ بإدراكِ أنَّ اللهَ يَملِك كلَّ شيء. ولكنَّ هذه مشكلة في نظرنا في أمريكا لأنَّ فِكرةَ الرَّأسماليَّة بمُجملِها هي إرثٌ أمريكيٌّ لنا. ونحنُ مُستعدُّونَ للوقوفِ والدِّفاعِ عنه بِبَسالَة حتَّى إنَّنا نَسينا أنَّها ليست مبدأً مسيحيًّا أصلاً.
والآن اسمعوني: في سنة 1914، قامَ شخصٌ يُدعى "هارفي كالكينز" (Harvey Calkins) بتأليفِ كِتابٍ بعُنوان: "عَناصِر الوَكالة المَسيحيَّة" (The Elements of Stewardship). وقد ذَكَرَ في ذلك الكتاب أمورًا مُهمَّةً جدًّا جدًّا أعتقد أنَّها ستساعدكم في إدراكِ ما أقول. فقد قالَ إنَّنا حَصلنا على إرثِ المِلكيَّة مِن مُجتمعنا، لا مِن الكتابِ المقدَّس. وإليكم ما يَقول:
فهو يُعبِّر عن ذلك على النَّحو التَّالي: "هناكَ أُمَّة واحدة فقط كانَ مَفهومُها عنِ المِلكيَّة قائمًا على مِلكيَّة الله وهي أُمَّة إسرائيل. أمَّا كلُّ الأُمم الأخرى الَّتي نَعرِفُ عنها كالمِصريِّينَ، واليونانيِّينَ، والرُّومان فكانَت فَلسفتُهم المُختصَّة بالمِلكيَّة وقوانينُهم المُختصَّة بالمِلكيَّة قائمة على فكرة مِلكيَّة الفَردِ للأشياء الموجودة لَديه. ومِن أينَ استَقينا مَعاييرنا عنِ المِلكيَّة؟ إنَّها مُتأصِّلة في قانونِ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. فقد كانت فَلسفةُ الرُّومان عنِ الحياة مُلَخَّصة في القانونِ الرُّومانيِّ. ومِن خلالِ ذلكَ القانون فإنَّ الحضارة المسيحيَّة لم تُبْنى على شريعةِ الله الَّتي تَقولُ إنَّ المِلكيَّة لله، بل على قانونٍ بَشريٍّ يقولُ إنَّ المِلكيَّة هي للإنسان.
"وما لم يُواجِهُ الإنسانُ العاديُّ [كما يقولُ كالكينز] هذه المسألة بصَرامَة ويُحرِّر نفسَهُ مِن التَّقاليدِ المُتوارَثة، فإنَّه سيَبقى عَالِقًا في المفهومِ المَغلوطِ عنِ المِلكيَّة. فغريزَتُه المسيحيَّة مُشَوَّشة باعتقادِهِ الصَّادق بأنَّه مَالِكُ كُلِّ ما أُعطي أن يَحصُلَ عليه. فتاريخُهُ كُلُّهُ وثقافتُهُ بأسرِها تُرغِمُهُ على الاعتقاد بأنَّه مَالِكُ الأشياءَ الَّتي بحوزَتِه" [نهايةُ الاقتباس].
وهذه الفِكرة مَغلوطة. فبالمَعنى القانونيِّ في أمريكا (لأنَّ هذه هي فلسفتُنا)، قد يكونُ هذا صحيحًا؛ وأمَّا بالمعنى الحقيقيِّ فإنَّك لا تَملِكُ أيَّ شيء. ولا أنا أيضًا. وإن لم أكُن أملِكُ شيئًا، لن أُمانِعَ في فُقدانِه، ولن أفرَحَ كثيرًا إن حَصلتُ عليه لأنَّهُ ليسَ لي بأيِّ حالٍ مِن الأحوال.
الكلمة الثَّانية... الكلمة الأولى هي "المِلكيَّة". وَفَهمُنا للاكتفاءِ بالله يَقتضي مِنَّا أن نَفهمَ كلمةً ثانيةً وهي: "الهَيمَنة". فأوَّلُ شيء ينبغي أن تَفهمَهُ هو أنَّ اللهَ يَملِك كلَّ شيء. وثاني شيء هو أنَّه يُهيمِنُ على كلِّ شيء. فهو يُهيمِنُ على كلِّ شيء. فهو المَالِكُ والمُهيمِن. فعلى سبيلِ المثال، يُولي العهدُ القديمُ أهميَّةً خاصَّةً لحقيقةِ أنَّ اللهَ يُهيمنُ على كلِّ الظُّروفِ لأجلِ مَقاصِدِه.
استمعوا إلى ما جاءَ في سِفْر أخبار الأيَّام الأوَّل والأصحاح 29. وهذه تَرجمة تَفسيريَّة أيضًا: "نُعَظِّمُكَ لأنَّكَ تُهيمِنُ على كُلِّ شيء". وكم أُحِبُّ ذلك! "نُعَظِّمُكَ لأنَّكَ تُهيمِنُ على كُلِّ شيء. الغِنَى وَالكَرَامَةُ مِنْ لَدُنْكَ أنتَ وَحدَكَ، وَأَنْتَ تَتَسَلَّطُ عَلَى البَشَرِ جميعًا، وَبِيَدِكَ الْقُوَّةُ وَالْجَبَرُوتُ، وَبِيَدِكَ تَعْظِيمُ البَشَر وَتَشْدِيدُهم". بعبارة أخرى: يا رَبُّ، أنتَ تَتَحكَّمُ في كلِّ شيء. فأنتَ تَتحكَّمُ في الغِنى، وتَتحكَّمُ في الكَرامَة، وتَتحكَّمُ في القُدرة والسُّلطان والعَظمَة والقوَّة. أنتَ تُهيمِنُ على كلِّ شيء، وتُوَزِّعُ الأشياءَ على البَشر.
وفي سِفْر دانيال والأصحاح الثَّاني – إن كُنتَ مَعَنا ستتذكَّر ذلك. فقد كانَ يُسَبِّحُ اللهَ. وإليكُم ما قالَهُ. وأنا أُحبُّ ذلك. فقد قالَ في سِفْر دانيال 2: 20: "لِيَكُنِ اسْمُ اللهِ مُبَارَكًا مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ، لأَنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ وَالْجَبَرُوتَ". والآن اسمعوا ما يلي: "وَهُوَ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالأَزْمِنَة".
بعبارة أخرى فإنَّ دانيال يقول: "يا رَبّ، أنتَ تُهيمِنُ على كلِّ شيء". وفي مَوضعٍ آخر مِن سِفْر دانيال، عندما طُرِحَ دانيالُ في جُبِّ الأسود، كانَ هذا الإيمانُ هو الَّذي حَفِظَهُ في موقفٍ قويٍّ. أليس كذلك؟ فقد طُرِحَ في جُبِّ الأسودِ وكانَ في موقفٍ سَيِّءٍ جدًّا. وما أعنيه هو أنَّه لا يُمكنكَ أن تَتخيَّلَ شيئًا أسوأَ مِن أن تُطرَحَ في حُفرةٍ مُمتلئة بأسودٍ جائعة. وبالمُناسبة، كانت هناكَ أسودٌ كثيرة قادرة أن تَلتَهِمَ عائلةً بأسرِها إن طُرِحَت هناك إذ إنَّها سَتُؤكَل قبلَ أن تَصِلَ إلى الأرض. لِذا فقد كانت هناك مجموعة كبيرة مِن الأسود. وقد طَرحوا دانيال هناك فقَضى وقتًا رائعًا. فقد كانَ مُطمئنًّا، ومُسترخيًا، ورُبَّما اضطَجَعَ على أسدٍ كبيرٍ ذُو فَروةٍ كبيرة وغَرِقَ في النَّوم!
والمَلِكُ... المَلِكُ الَّذي كانَ يعيشُ في ظُروفٍ رائعةٍ، ويعيشُ في قَصرِهِ في بابل... في تلك الحَدائقِ المُعَلَّقة، وكلِّ تلك المَناظِر البَديعة، وتلك الأُبَّهة الَّتي كانَ يَشعُر بها لكونِهِ أعظمَ مَلِكٍ في العالَم. ولكن في الوقتِ الَّذي كانَ فيه دانيال يَقضي أُمسية رائعة مَع الأسود، لم يَتمكَّن المَلِك مِن تناولِ الطَّعام، ولم يتمكَّن مِن النَّوم، ولا مِن الشُّرب، ولم يَرغب في أيَّة تَسلية. لماذا؟ ما الفَرق؟ لأنَّ دانيال كانَ يَعلمُ أنَّهُ أيًّا كانِت الظُّروف فإنَّ اللهَ هو المُهيمِن تمامًا. أمَّا المَلِكُ فكانَ في حالةٍ مُزريةٍ لأنَّه لم يَكُن يَعرفُ المُهيمِنَ الإلهيَّ. فقد كانتِ الظُّروفُ خارجَ سيطرته. هذا هو الفَرق. فقد كانَ دانيال يَعلمُ أنَّ اللهَ هو المُهيمِن.
والآن، اسمعوني: إذا كنتَ تَعلمُ أنَّ اللهَ يَملِكُ كلَّ شيء ويُهيمنُ على كلِّ شيء، لن تَضَعَ رَجاءَكَ في الرَّفاهِية، ولن تَخشى مِن عدمِ الحصولِ على حاجاتكَ الضروريَّة. فاللهُ يَعلمُ ما تَحتاجُ إليه. واللهُ يقولُ إنَّه سيَملأُ كلَّ احتياجِكَ بحسب غِناه في المسيح يسوع. فهو سيُعطيكَ كلَّ ما تَحتاجُ إليه. وهو سيَعتني بكلِّ شيءٍ ضَرويٍّ لحياتِك. فاللهُ سيُعطيكَ ما يَعلَمُ أنَّك بحاجة إلى الحصولِ عليه للاستثمارِ في مَلكوتِه. فاللهُ يَهتمُّ بكلِّ ذلك. لِذا لا مُبَرِّرَ للقلق بهذا الخُصوص. وهذا هو السَّبب في أنَّ هذا النَّصَّ يقول ثلاثَ مَرَّات: "لا تَهتمُّوا". لا تَقلقوا.
والآن، هناكَ كلمة ثالثة أريدُ منكم أن تَرَوها، وهي الكلمة "تَدبير". فهناكَ المِلكيَّة، والهَيمنة، والتَّدبير. فاللهُ يَملِكُ كلَّ شيء. والآن لاحظوا ما يلي: فهو يَملِكُ كلَّ شيءٍ ويُهيمِنُ على كلِّ شيءٍ لتَدبيرِ حاجاتِ خاصَّتِه. والآن، هل فَهمتُم ذلك؟ فهو يَملِكُ كلَّ شيءٍ ويُهيمِنُ على كلِّ شيءٍ لتَدبيرِ حاجاتِ خاصَّتِه.
والعهدُ القديمُ يُطلِقُ على الله أسماءً عديدة، ولكنَّ واحدًا مِن أعظمِ أسماءِ اللهِ هو: "يَهْوَه يِرْأَه". والاسمُ "يَهْوَه يِرْأَه" يَعني: "اللهُ المُدَبِّر". اللهُ المُدَبِّر. وهي صِفَة رائعة مِن صفاتِ اللهِ حَتَّى إنَّها واحدة مِن أسمائِه. والآن، لا يُمكننا أن نُجادل في حقيقة أنَّ الله مَحبَّة. ولا يُمكننا أن نُجادلَ في حقيقة أنَّ اللهَ مَجيد، وأنَّ اللهَ عَظيم، وأنَّهُ قَدير، وقُدُّوس، وعادِل، وصالِح؛ ولكنَّنا قد نَجِدُ أُناسًا يُجادلونَ بخصوصِ أنَّ اللهَ يُدَبِّر. فَهُم قد يَتساءلون ويَشُكُّون ويخافونَ مِن أنَّ اللهَ لن يَسُدَّ احتياجاتِهم.
وهذا هو تمامًا ما يَتحدَّثُ عنهُ الرَّبُّ في الأعداد مِن 24 إلى 34 عندما يقول: "لاَ تَهْتَمُّوا بِمَا تَأكُلُونَ، وَلاَ بِمَا تَلْبَسُونَ، ولا بِكُلِّ تلك الأشياء. فالربُّ ما يَزالُ يَهْوَة يِرْأه". فهذا هو اسمُه. واسمُهُ مُطابقٌ لصِفَتِه. فاللهُ هو اللهُ الَّذي يُدَبِّر. لِذا فقد قالَ داود: "لم أَرَ يومًا شعبَ اللهِ يَلتمِسُ [ماذا؟] خُبْزًا" لأنَّ اللهَ هو يَهْوَه يِرْأه.
وفي إنجيل لوقا 12: 30-31، وهذه تَرجمة تَفسيريَّة للنَّصّ أيضًا، فإنَّه يقول: "كلُّ البشرِ يَبحثونَ عن خُبزِهم اليوميّ". فالعالَمُ يَنْقُبُ، ويَستخدِمُ أظْفارَهُ وَمَخالِبَهُ، ويُصارِعُ مِن أجلِ التَّحقُّقِ مِنَ الحصولِ على ما يَكفيه، ولكن على النَّقيض مِن ذلك فإنَّ أباكَم يَعلَمُ حاجاتِكُم وسيَسُدُّ دائمًا حاجاتِكم يومًا فَيومًا. ويا لَهُ مِن وَعد! يا لَهُ مِن وَعدٍ رائع! فهو يَعلمُ حاجاتِك.
اسمعوني: أنا لستُ بحاجة إلى امتِلاكِ كُلِّ شيءٍ لسَدِّ حاجاتي، ولستُ بحاجة إلى الهَيمنة على كُلِّ شيءٍ لِسَدِّ حاجاتي؛ بل يُمكنني الحصول على ما يُعطيني إيَّاهُ الله. ويُمكنني أن أستثمِرَ ذلك في مَلكوتِهِ الأبديّ. فيمكنني أن أتخلَّصَ مِن كلِّ قَلَقٍ بخصوص حاجاتي، ويمكنني أن أعبُدَ اللهَ في حياتي وأن أَتمتَّعَ تمامًا بوعده بأنَّه سيَسُدُّ كلَّ حاجاتي وأكثر. وبالنِّسبة إليَّ، هذا أمرٌ رائع. فنحنُ نَقرأ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاح السَّادس: "فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا". فهل تَشعُرُ بالاكتفاء؟ هل تَشعُر بالاكتفاء؟ أَم أنَّكَ تَطمَعُ في المَزيد، وتُنكِرُ اللهَ في تلك الأثناء؟
في الحربِ العالميَّة الثَّانية، قُتِلَ أُناسٌ كثيرونَ كما تَعلمون. وقد أدَّى قَتْلُ الكثيرِ مِنَ الرَّاشِدين إلى تَرْكِ الكثيرِ مِنَ اليَتامَى. وقد أرادَ الحُلَفاءُ في نهايةِ الحربِ العالميَّة الثَّانية أن يَفعلوا شيئًا لمُساعدة اليَتامى الصِّغار. لِذا فقد وَفَّروا عددًا مِن المُخيَّمات، وكانوا يَجمعونَ اليَتامَى معًا ويُطعموهُم، ويُحاولونَ أن يَجدوا أماكِنَ ليعيشوا فيها. وعندما ابتدأوا في إطعامِهِم ومُعالجتِهم مِن حالةِ سُوءِ التَّغذية، ابتدأ اليَتامَى في النُّموِّ واستعادةِ نَشاطِهِم. وصاروا قادِرينَ على تَناوُلِ المزيدِ والمزيدِ مِن الطَّعام. وكانوا يَحصُلونَ على أفضلِ عِناية وأفضل طَعام. ولكن في واحدٍ مِن تلك المُخيَّمات تَحديدًا، تَحَيَّرَ المُشرفونَ على المُخيَّم جدًّا لأنَّ الأطفالَ لم يعودوا يَنامون.
فقد كانوا يأكلونَ ثلاثَ وَجباتٍ، ولكنَّهم كانوا يَبقونَ مُستيقظين في اللَّيل دونَ أن يتمكَّنوا مِن النَّوم. ولم يَتمكَّن المُشرفون مِن مَعرفة السَّبب؛ أي ما إذا كانت المُشكلة بَدنيَّة أَم ماذا! وأخيرًا، بعد أن استنفدوا الحُلولَ الجسديَّة، استدعوا عددًا مِن عُلماءِ النَّفس لإجراء دراسة على هؤلاء الأيتام ومعرفة السَّبب الَّذي يَجعلُهم بالرَّغم مِن حصولهم على كلِّ هذا الطَّعام وكلِّ هذه العناية عاجِزينَ عن النَّوم. وقد خَرَجَ عُلماءُ النَّفسِ بحَلٍّ. في كُلِّ ليلة، عندَ وَضْعِ هؤلاءِ الأطفال في السَّرير، يجب أن يَأتي شخصٌ إلى سَريرِ كُلِّ طِفلٍ صغير وأن يَضَع في يَدِه قطعةً كبيرةً مِن الخُبز.
لِذا، كانَ آخرُ شيءٍ يَفعلُهُ الأطفالُ في اللَّيل هو أنَّهم يُغلقونَ أيديهم الصَّغيرة على قطعة خُبز، ويُحْكِمونَ قَبضَتَهم عليها. وفي غُضونِ أيَّام، كانَ جميعُ الأطفالِ ينامونَ طَوالَ اللَّيل. لماذا؟ مع أنَّهم كانوا يُطعمونَهُم جيِّدًا خلال اليوم، كانت تَجربتهم القاسية قد عَلَّمتهُم أنَّه لا يوجد رجاء ليومِ غَدٍ. وبسبب قَلقهم على ما قد يَحدث في اليوم التَّالي، لم يتمكَّنوا مِن النَّوم، ولم يتمكَّنوا مِن التَّمتُّع بما لديهم لأنَّهم كانوا خائفينَ مِن المستقبل.
وما أكثرَ الأشخاصَ الَّذينَ أعرفَ أنَّهم يُكابِدونَ الأمرَ ذاتَهُ. فالأطفالُ الصِّغار لم يتمكَّنوا مِن النَّوم لأنَّهم عاشوا أيَّامًا كثيرة جدًّا مِن دونِ طَعام. وعندما تَمَّ وَضْعُ قطعة خُبز صغيرة في يَدِهم، وعَلِموا أنَّهم سيحصلونَ على وَجبة فُطور في اليوم التَّالي، تَمكَّنوا مِن النَّوم. وهل تَعلمونَ ماذا وَفَّرَ اللهُ لنا؟ أعتقد أنَّ اللهَ أعطانا قطعةَ خُبْزٍ في أيدينا. وأنا لا أذهبُ إلى سَريري في اللَّيل مِن دونِ قطعةِ الخُبز الصَّغيرة تلك.
وهل تَعلمونَ ما هي قطعةُ الخُبز الصَّغيرة تلك؟ إنَّها هذه: "فَيَمْلأُ إِلهِي [ماذا؟] كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". فإن كانت قطعةُ الخُبز الصَّغيرة تلك في يدي، يُمكنني أن أنام. فأنا لستُ بحاجة إلى تَكديسِ الأشياء للمستقبل، ولا أحتاجُ إلى جَمْعِ الأشياءِ للمستقبل. فاللهُ هو مَالِكُ كلِّ شيء في العالَم، واللهُ يُهيمِن على كلِّ هذه الأشياء، وهو يُوفِّرُ لي احتياجاتي. لماذا؟ لأنَّني ابنُه.
لِذا فإنَّ الرَّبَّ يقول: "ألا تَعلمونَ أنَّ أَباكُم السَّمَاوِيَّ يَقُوتُهَا" [في العدد 26 – أي: الطُّيور]. "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟" بعبارة أخرى، إن كانَ يَقوتُ الطُّيور، أَلَن يَقوتَ أولادَهُ؟ ويا لَهُ مِن حَقٍّ عظيم! فهو المَالِكُ، والمُهيمِنُ، والمُدَبِّر.
لِذا فإنَّ الحياةَ بالنِّسبةِ إليَّ (بصِفتي مُؤمِنًا) لا تَكمُنُ في كَثرةِ الأشياء الَّتي أملِكُها (وَفقًا لما جاءَ في إنجيل لوقا 12: 15). فهذه ليست الحياة بالنِّسبة إليَّ. بل إنَّ الحياةَ بالنِّسبةِ إليَّ (وَفقًا لما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 13: 5) تَعني أن أكونَ مُكتفيًا بما عندي. وإن شاءَ الرَّبُّ أن يُعطيني أكثر، هذا جَيِّد. ولكن يجب عليَّ أن أتذكَّر أنَّ كلَّ شيءٍ لَهُ في كلِّ الأحوال، وأنَّه يجب عليَّ أن أستخدِمَ ذلك لمَجدِه ومَلكوتِه.
والأمرُ كُلُّه يَتلخَّصُ في الحِوارِ التَّالي أحيانًا. فقد أقول: "هناكَ حاجة هُنا. ففُلان لديهِ حاجة". ثُمَّ يأتي شخصٌ ويقولُ لي: "أجل، ولكن ماذا عن المستقبل؟ فقد يَنفَدُ لديكَ الطَّعام، أو أنتَ لا تَعلمُ ما قد يَحدُث، أو قد يَمرَضُ أطفالُك، أو قد يَحدُث شَيءٌ ما". "ولكنَّ فُلانًا لديهِ حاجة. يجب عليَّ أن أفعلَ هذا. وَهو بحاجة إلى المُساعدة الآن. وأنا أُفكِّرُ في المستقبل، ولكنَّ الخِيارَ ليسَ بيدي. فسوفَ آخُذُ تلك المصادر الَّتي يَملِكُها اللهُ وأستخدمُها بالطَّريقةِ الإلهيَّة لِسَدِّ حاجاتِ ذلكَ الشَّخص. وفي المستقبل، يجب أن يُدَبِّرَ اللهُ ذلك بطريقةٍ أخرى".
عندما يَصِلُ الأمرُ إلى ذلك الحَدّ، هناكَ أشخاصٌ يَعجَزونَ عنِ اتِّخاذِ ذلك القَرار. لِذا فإنَّنا نَميلُ إلى جَمْعِ وتَكديسِ الكثيرِ مِن الأشياء. وأنا لا أَقصِدُ أنَّه مِن الخطأ أن نُخَطِّطَ للمستقبل، بل أعتقد أنَّ اللهَ يَتوقَّع مِنَّا أن نَفعل ذلك. وهذا مَذكور في سِفْر الأمثال. ولكنِّي أتحدَّثُ عن التَّمَسُّك الشَّديد بالأشياء، وعن وَضْعِ رَجائِكَ في الأشياء، وعن اتِّكالِكَ على الأشياء، وعن العيشِ في خَوفٍ على تلك الأشياء، وعلى عَدَمِ تَخَلِّيكَ عن تلك الأشياء، وعن شعورِكَ بأنَّ هذه الأشياء هي مِلكُك.
ويجب عليَّ أن أَعترِفَ لكم بأنَّي عندما أرى حاجةً، وعندما يَقولُ شخصٌ إنَّ هناكَ حاجة، فإنَّ شَيئًا فِيَّ يريدُ أن يُوَجِّهَ كلَّ المصادِر في ذلك الاتِّجاه. هل تشعرونَ بهذا الشُّعور؟ فهذا هو ما أشعُر به في قلبي. وأنا لا أُفكِّر دائمًا بالمستقبل. ومعَ أنَّ هذه قد تبدو حَماقةً، أعتقد أنَّه يجب علينا أن نَتعلَّمَ أن نعيشَ هكذا. فَجَمْعُ المالِ والمُمتلكاتِ لا يُوفِّر لنا أيَّ شعورٍ بالاكتفاء. فالاكتفاءُ يَعني أن تَضَعَ كَنزكَ في خَزنة سَماويَّة تَحصُل مُقابِلَها على عوائدَ أبديَّة.
والاكتفاءُ يَعني ألاَّ تَقلق على ما ستأكل أو تشرب أو ترتدي، بل أن تُمسك بيدِك قطعة الخُبز الصَّغيرة تلك كلَّ ليلة عندما تَستلقي لتنام عَالِمًا أنَّ اللهَ سيَملأُ كلَّ احتياجاتِك. فحينئذٍ، سوفَ أستخدِمُ كلَّ المصادر المُتاحة لديَّ لِسَدِّ حاجاتِ الآخرين.
لِذا فإنَّ العلاقة السَّليمة مع الله هي أساسُ الاكتفاءِ الحقيقيِّ؛ أي أن أَثِقَ بأنَّه المالِك، والمُهيمِن، والمُدبِّر. وهذا هو، يا أصدقائي، الحَلُّ الكِتابِيُّ. فالحَلُّ الكِتابِيُّ لمُشكلة التَّضَخُّم، والحَلُّ الكِتابيُّ لمُشكلة الجشع، والحَلُّ الكِتابيُّ لمُشكلة السَّرقة، والحَلُّ الكِتابيُّ لمُشكلة الأنانِيَّة والكِبرياء هو أن أُوْمِنَ وحَسْب بأنَّ اللهَ سيَملأُ كلَّ احتياجاتِك. ففي نِهايةِ المَطاف، إنَّه أبوك. فما الَّذي تَقلق بشأنه؟ ويمكنني أن أقول إنَّ السَّببَ في خوفِ هؤلاء اليَتامى الصِّغار هو أنَّهم كانوا يَتامى. أليس كذلك؟ فَقد كانوا مَحرومينَ مِن وجودِ أبٍ يُوفِّر لهم حاجاتِهم. ولكنَّنا لسنا يَتامى.
والآن، أنا لا أقولُ إنَّه مِن الخطأ أن يكونَ لديكَ مُمتلكات، ولا أقولُ إنَّه مِن الخطأ أن يكونَ لديكَ مال؛ بل أقولُ وحسب إنَّه مِن الخطأ أن تَشتهي ذلك، وأن تَتمسَّكَ بذلك، وأن تَبني حياتَكَ على ذلك. فأنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ هذه هي المشكلة الرئيسيَّة الموجودة في الكنيسة اليوم. وأعتقد أنَّه عُوِضًا عن أن تُوفِّرَ المسيحيَّةُ البَديل، وعوضًا عن أن تكونَ مُمَيَّزَة عن غيرها بَدلاً مِن أن تكونَ جُزءًا مِن العالم، فإنَّها صارت ماديَّة بطرائق عديدة، ومُنغمسة في ذاتِها. وهذا شيءٌ مُرعِب.
فلا أعتقدُ أنَّ المسيحيِّين يَرتضونَ أن يكونوا أقذارَ العالَم. وما أعنيه هو أنَّهم يَرغبونَ دائمًا في أن يكونوا في أعلى السُّلَّم في المُجتمع. يقول "جون وايت" (John White) الَّذي كَتَبَ كِتابًا مُفيدًا جدًّا ينبغي أن تقرأوه، وهو بعُنوان: "البَقرة الذَّهبيَّة". يقول "جون وايت" في ذلك الكِتاب إنَّنا سَجَدنا لتلك البَقرة الذَّهبيَّة المُتمثِّلة في الماديَّة، وإنَّنا بحاجة إلى أن يَصنَعَ المَسيحُ سَوْطًا ويُطهِّرَ الهَيكلَ مَرَّةً أخرى. اسمحوا لي أن أقرأَ فِقْراتٍ مِن كِتابِه:
"لقد نَسِيَت كنيسةُ القَرن العِشرين أيضًا السَّيِّدَ الَّذي تَنتمي إليه، وأَظهرَت نفسَها كامرأة زانية بسبب عِبادَتِها السَّخيفة لإلهِ المَال. بعبارة أخرى، لقد زَنَتِ الكنيسةُ وراءَ بَقرة ذَهبيَّة. فهي ليست عِجْلاً لو سَمحتُم، بل هي بقرة. وأنا أُسمِّيها ’بَقَرةً ذَهبيَّةً‘ لأنَّ ضُروعَها مُمتلئة بسائلٍ ذَهبيٍّ، ولا سِيَّما في الغَرب حيثُ تَرعى في مَراعٍ خَضراء مِن الأوراقِ النَّقديَّةِ الخضراء. وكَهَنَتُها يَسترضونَها مِن خلالِ التَّضحيةِ بالمبادئِ الإلهيَّة الَّتي تَنظُرُ إلى دمائِها برضا تَامّ. وصُفوفُ العابِدينَ يَسجُدونَ بقلقٍ أمامَ دِلائِها. ومع أنَّ الذَّهبَ يَتدفَّقُ دونَ توقَّف، فإنَّ العابِدينَ يَرتعِدونَ خَوفًا مِن ألاَّ تعودَ الذَّبائحُ الَّتي تُقدَّمُ إليها تُرضيها ذاتَ يوم".
ثُمَّ إنَّ "وايت" يقول: "لقد كنتُ أغضبُ مِن أصدقائي الأُصوليِّين، وأستَشيطُ غَضَبًا مِن مُؤسَّساتٍ إنجيليَّة مُعيَّنة بسببِ مواقفهم الماديَّة، ولكنَّ غَضبي سَكَن منذُ وقتٍ طويل. وحتَّى إنِّي مَررتُ بمرحلةٍ دَعمِهِم ومُناصرتهم. ليتَ اللهُ يَغفِرُ لي. فَمَن أنا حَتَّى أغضبَ منهم أو أُناصِرَهم؟ أنا أعرِفُ عددًا مِن الأولادِ الَّذينَ تَعملُ أُمَّهاتُهم في الدَّعارة. هل يمكنكم أن تتخيَّلوا كيف سيكونُ شعورُكُ إن اكتشفتَ أنَّ أُمَّكَ تَضطَجِعُ معَ الرِّجالِ لأجلِ المال؟ الحقيقة هي أنَّ هؤلاءِ الأولادَ يَشعرونَ بمشاعر مُختلَطة تتراوحُ بين عدمِ المُبالاة، والرَّفض الشَّديد، والعَار، والألم المُختَلِط بالتَّعاطُف. فمِنَ الصَّعب أن تتوقَّف عن حُبِّكَ لأُمِّك حتَّى لو كانت عاهرةً. فهناكَ أُمٌّ واحدة لك فقط.
"إنَّ الأُصوليَّة هي أُمِّي. فقد تَرعرعتُ في حِضْنِها الدَّافئ. وقد اعتَنَت بي بكلِّ محبَّة وعَلَّمتني كلَّ شيءٍ تَعرفُه. أنا مَدينٌ لها [مِن الجانبِ البشريِّ] بحياتي، وبطعامي الرُّوحيِّ، وبالكثيرِ مِن أفراح الطُّفولة. فهي الَّتي قادَتني إلى المُخلِّص وعَلَّمتني أن أتغذَّى على خُبز الحياة. ومع أنَّ عَلاقتَنا لم تكن كُلُّها عَسلاً وأزهارًا، فإنَّها أُمِّي الوحيدة. فقد كنتُ أَتَشَبَّثُ بها آنذاك وأجِدُ صُعوبةً في عدمِ إسنادِ رأسي إليها الآن. وإن خَذَلتني بِضعَ مَرَّاتٍ فإنِّي وَاعٍ بما يَكفي لإدراكِ أنَّه لا توجد أُمٌّ كاملة. أمَّا أن أكتشفَ أنَّها عَاهِرَة، وأنَّها سَمَحَت لنفسِها أن تُستغلَّ بسبب المال فهذه مسألة أخرى. وعندما اتَّخذت الحركة الإنجيليَّة بمُجملها وتدريجيًّا مكانَها في حياتي، كانَ مِن المؤلِمِ أن أكتشفَ نفسَ الاكتشافِ مَرَّتَيْن" [نِهايةُ الاقتباس].
إنَّ ما يَقولُهُ قويٌّ وصحيح. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الكنائسَ اليوم تُعاني جَشَعًا ماديًّا جَماعيًّا هائلاً مِن قِبَلِ أعضائِها. فنحنُ نُشبهُ الرَّجُل المُشار إليه في إنجيل لوقا والأصحاح 12 والَّذي يقولُ عنهُ الكتابُ المقدَّس إنَّه استمرَّ في بناء حَظائرَ أكبرَ فأكبرَ فأكبر. ولكنَّ هذا لا يَليقُ بالمؤمنين. فكيفَ سنُظهِر تَمَيُّزَنا في العالَم إن وَقعنا ضَحيَّةَ هذه الماديَّة الَّتي تُهيمِن بقوَّة على تفكير العالَم؟
وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّني لا أعني بذلك أنَّه يجب علينا أن نكونَ فُقراء، بل سوفَ أتحدَّثُ بصورة شخصيَّة جدًّا بهذا الخصوص. فلننظر إلى الواعِظ مثلاً. فهناك أشخاص يَظُنُّون أنَّ الواعظ ينبغي أن يكونَ فقيرًا جدًّا. لِنُرْغِمْهُ على أن يكونَ رَجُلاً مُصَلِّيًا. ولا بأسَ في ذلك. وهناك أشخاص يَظُنُّون أنَّ الواعظِ ينبغي أن يكونَ غَنيًّا جدًّا لأنَّه إن كانَ غَنيًّا جدًّا فإنَّه سيَجتذبُ النَّاسَ الأغنياء. والنَّاسُ الأغنياءُ يُبقونَ الميزانيَّة مُنتَعِشَة. رَاعٍ غَنِيٍّ، ورَعيَّة غَنيَّة. أليس كذلك؟
يقولُ "جون وايت" شيئًا عن ذلك أعتقد أنَّه مُدهش. فهو يقول: "إن كنتُم تَتساءلونَ كم ينبغي أن تَدفعوا لِراعي كنيستكم، ما الخطأ في أن تَدفعوا له خمسين بالمئة أكثر مِمَّا تَعتقدونَ أنَّه معقول؟ هل تخشونَ مِن أنَّ ذلك سيَجعلُهُ مُحبًّا جدًّا للمال؟ إن كانَ الأمرُ كذلك، لماذا انتَخبتموهُ ليكونَ راعيًا عليكم؟ فإن كنتم ستَنتخبونَ راعيًا للكنيسة، يجب عليكم أن تَعرفوا أنَّ اللهَ يتوقَّع منكم أن تُميِّزوا إن كانَ ضَعيفًا تُجاهَ المال. وإن كانَ ضَعيفًا تُجاهَ المال، لا يَجوزُ لكم البَتَّة أن تُوكِلوا إليهِ مسؤوليَّةَ رعايةِ الكنيسة لأنَّ الكتابَ المُقدَّسَ يقول إنَّه لا يجوزُ أن يَطمَعَ في الرِّبحِ القَبيح.
"وهناك كنائس تُحبُّ أن تَدفعَ رواتبَ عالية لأنَّ مُستوى حياةِ الرَّاعي سيؤثِّر في نوعيَّةِ الأشخاصِ الَّذينَ سيأتون إلى الكنيسة. ولكنَّ اللهَ يَهتمُّ بالدَّوافع، لا بالمبالِغ. هل تَمتعضونَ مِن فكرةِ أنَّ راعيكم يَملِكُ أموالاً كثيرة؟ إذًا، ضاعِفوا راتِبَهُ لكي تُظهِروا مَحبَّتَكُم لَهُ. ولكنَّكم قد تقولون: ’ألا توجد طَرائق أفضل لإظهار المحبَّة؟‘ هناك طَرائق أخرى بكلِّ تأكيد. ولكن مَا المانِع في إظهارِ المحبَّة له بهذه الطَّريقة أيضًا؟ هل تسألونني ما الَّذي سيحدث إن كانَ الرَّاتِبُ كثيرًا جدًّا عليه؟ سوفَ أُجيبُ إنَّها مُشكلة الرَّاعي. فيمكنه أن يَتبرَّع بالمزيدِ مِن المال مثلاً، وأن يُصلِّي أن يُعطيهِ الرَّبُّ حِكمةً أكثر في التَّعامُلِ مَعَ المالِ الَّذي لا يَحتاجُ إليه".
والآن اسمعوني: لقد قرأتُ لكم هذا لأنَّ كنيسةَ "النعمة" (Grace Church) تَدفعُ لي مَالاً كثيرًا أصلاً. وقبلَ سنواتٍ عديدة سألتُ هذا السُّؤال: "لماذا تَدفعونَ لي مالاً كثيرًا؟" فقالوا: "لأنَّنا نريدُ أن نَرى ماذا ستفعلُ بالمالِ الَّذي لا تَحتاجُ إليه". وهذا مُنْصِف. هذا مُنْصِف. فأنا أتحمَّلُ هذه المسؤوليَّة. أليس كذلك؟ فالأمرُ لا يتوقَّفُ على المالِ الَّذي لديك، بل إنَّ الأمرَ يتوقَّفُ على مَوقِفِكَ القَلبيّ. فيمكنني أن آخُذَ ما يُقدِّمُهُ لي الرَّبُّ.
وكما تَعلمون، مِنَ المُدهشِ أنَّهُ يوجد في المسيحيَّة اليوم أُناسٌ يريدون أن يأتوا ويَتكلَّموا في كنيستنا؛ ولكنَّ الحَدَّ الأدنى الَّذي يَقبلونَ به هو خمسة آلاف دولار. فَهُم يريدونَ... فهناكَ أشخاص يريدونَ أن يأتوا ويُرَنِّموا. وَهُم يَتقاضونَ ثمانية آلاف دولار أو أكثر. وأنا لا أقولُ إنَّهم جميعًا كذلك. فهناكَ أشخاص كثيرون مُستعدُّونَ لتقديمِ شَهادتهم عن المسيح مُقابل ألفٍ وخمسمئة دولار. الكثير منهم. فقد وَصلنا إلى هذا المُستوى. وقد تَحدَّثتُ إلى دَارِ نَشْرٍ أخبرتني مؤخَّرًا أنَّه إن طَلبوا مِن مُؤلِّفٍ أن يُوَقِّعَ على كِتابٍ مَسيحيٍّ كَتَبَهُ، يجب عليهم أن يَدفعوا له مِئتيّ ألف دولار مُسَبَّقًا.
صحيحٌ أنَّ الكُتُبَ هي خِدمة رائعة، ولكن إن أَلَّفتَ كِتابًا لكي تَجني المالَ فهذا دافِعٌ خطأ. أمَّا إن أَلَّفتَ كِتابًا لتَمجيدِ الله ونَشْرِ مَلكوتِه، وشاءَ اللهُ أن يُعطيكَ اللهُ مَالاً مِنْهُ فهذا رائع. ويجب عليكَ أن تَستخدِمَ ذلكَ المال مِن مُنطَلَقِ أنَّهُ المَالِك، وأنَّهُ هُوَ المُهيمِن، وَلِسَدِّ حاجاتِ جَسَدِه. وكما تَرَون، فإنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَتوقَّفُ على مَوقفِكُم.
واسمحوا لي أن أقولَ لكم ما يلي في الخِتام. إنَّ كلَّ ما هو لديك، أي كُلَّ أموالِكَ ومُمتلكاتِك... لاحظوا ما سأقول أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر... استمعوا إلى هذا: لا حاجةَ إلى أن تَسُدَّ حاجاتِك. فاللهُ سيَفعل ذلك في كُلِّ الأحوال. حسنًا؟ لِذا، لِماذا أعطاكَ اللهُ ذلك؟ لماذا أعطاكَ مَنزلاً، وسيَّارَةً، ومَالاً تُوْدِعُهُ في المَصرِف؟ لماذا أعطاكَ هذه الأشياء؟ سوف أقولُ لكم السَّبب. هذا هو السَّبب: إنَّهُ اختبارٌ لروحانيَّتِك. هل فَهمتُم ذلك؟ هذا هو السَّبب. إنَّهُ اختبارٌ لروحانيَّتِك. أي لكيفيَّة تَعامُلِكَ مع هذا الأمر.
فأنتَ لستَ بحاجة إليه لأنَّ اللهَ سيَعتني بكَ في كلِّ الأحوال. ولكنَّه اختبار. فاللهُ يَختبِرُ صِحَّةَ ادِّعائِكَ الرُّوحيِّ مِن خلال ما هو لديك. وهذا أمرٌ مُرعِب. أليس كذلك؟ فأعتقد أنَّ أفضلَ شيءٍ يَكشِفُ حقيقَتَنا الرُّوحيَّة هو المال. وهذا هو ما سَيُرينا الرَّبُّ إيَّاهُ في أثناء دراستنا لهذا النَّصِّ؛ كيفَ نتعامل مع الرَّفاهِيَة [في الآيات مِن 19 إلى 24]، وكيفَ نَتعامَل مع الحاجات [في الآيات مِن 25 إلى 34].
والآن اسمعوني: سوفَ أختِمُ بهذه الفكرة: إنَّ القراءة الدَّقيقة للكتاب المُقدَّس ستَكشِفُ أنَّ الأغنياءَ تحت الدَّينونة. أجل. فالأغنياءُ تحتَ الدَّينونة في الكتاب المقدَّس. ولكن اسمعوني: إنَّهم لم يُدانوا يومًا بسبب غِناهم، بل دِيْنوا دائمًا بسبب سوءِ استخدامِهم له. هل فهمتم ذلك؟ سوء الاستخدام. ونحنُ نعيشُ في مُجتمع نَعرِفُ فيه مَعنى الثَّراء. لِذا، ليتَ الرَّبَّ يُساعدنا على ألاَّ نُسيءَ استعمالَهُ.
والفُقراءُ تحتَ الدَّينونة أيضًا في الكتابِ المقدَّس لا بسببِ فَقرِهم، بل لأنَّهم في فَقرهم يَشُكُّونَ في عَدالةِ اللهِ ومحبَّتِه. فالفقرُ امتحانٌ للثِّقة. وكذلك الغِنى. فعندما تَملِكُ المالَ، قد تتَّكِل عليه. وعندما لا تَملِكُه، قد لا تَتَّكِل على الله. فكيفَما نَظرتَ إلى الأمر فإنَّ المُمتلكاتِ والمال هي اختبارٌ رُوحيٌّ.
والآن، أرجو أن تكونَ قد فَحصتَ نَفسكَ مِن جهة الرَّفاهِيَّاتِ في النَّصِّ السَّابق، وأن تَفحصَ نَفسكَ مِن جهة الحاجاتِ الضَّروريَّة في النَّصِّ الَّذي يَليه. لِذا فإنَّ كاتِبَ الآيتين أمثال 30: 8-9 يقولُ للرَّبّ: "يا رَبّ، لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى...". لا تُعطِني فَقرًا مُدْقِعًا وَلا غِنىً فاحِشًا. "...أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟» أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلاً".
وكما تَرَون فإنَّ الحصولَ على المال هو امتحانٌ شَبيهٌ بعدمِ الحُصولِ عليه. فالشَّخصُ الَّذي يَحصُل عليه قد يُجَرَّب في ألاَّ يَتَّكِل على الله. والشَّخصُ الَّذي لا يَحصُل عليه قد يُجرَّب في أن يَتَّخِذ اسمَ الرَّبِّ باطلاً. لِذا فإنَّنا نَخضَع للامتحان. والسُّؤالُ هو: كيفَ هو أداؤُنا في الامتحان؟ وهناكَ الكثيرُ لنقوله في أثناء دراستنا لهذا النَّصّ.
واسمحوا لي أن أُخبركم كيف سيكونُ الأسبوعُ القادِم: سوفَ نَذكُر ثلاثة أسباب لعدم القلق بخصوص المال. ثلاثة أسباب لعدم القلق. فسوفَ نَتحدَّث عن ذلك في المَرَّة القادِمة. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:
يا أبانا، لقد كانَ هذا الدَّرسُ عَمليًّا جدًّا في هذا الصَّباح، ولكنَّهُ كانَ وقتَ عبادة حقيقيَّة. فلا يمكننا أن نَعبُدَكَ عبادةً لائقةً إلاَّ إذا استطعنا أن نَعبُدَكَ بأموالِنا وأشيائِنا. ونحنُ نَعبُدُكَ بأن نَضَعَ كَنزَنا في السَّماء، وبأن نَطلُبَ أوَّلاً الملكوتَ، وبأن نَسمَحَ لكَ أن تَملأَ كلَّ احتياجاتِنا.
ساعِدنا يا رَبُّ على أن نَعبُدَكَ بقلبٍ حقيقيٍّ نَقيٍّ. ونحنُ نَشكُرُك لأنَّكَ تَملِكُ كلَّ شيء، وتُهيمِنُ على كلِّ شيء، وتُوفِّرُ كلَّ شيء لأولادِك. ويا رَبّ، أنا أَعلم أيضًا أنَّ هناك أشخاصًا في وَسطِنا في هذا الصَّباح ليسوا أولادَك. فمعَ أنَّكَ تُحبُّهم ومُتَّ لأجلهم، فإنَّهم لم يَقبلوكَ بعد، ولم يَفتحوا يومًا قَلبَهُم لقبولِك. وَهُم ليسوا في عائلتك ولم يحصلوا على الضَّمانة بِسَدِّ احتياجهم.
ونحن نُصلِّي، يا رَبّ، أن يكونَ هذا اليوم هو اليوم الَّذي تُفتَح فيهِ قُلوبُهُم مِن قِبَل رُوح الله، وأن يَقبلوكَ بقلوبهم، وأن يكونَ هذا هو اليوم الَّذي يُؤمنونَ فيه بيسوعَ المسيح الَّذي ماتَ وقامَ لأجلهم، وأن يَختبروا مُعجزةَ الولادةِ في عائلتك، وأن يصيروا تحتَ رعايتك. صَلاتُنا يا رَبّ هي أن يحدثَ هذا في قلوبِ كثيرينَ في هذا الصَّباح.
فهناك أشخاصٌ هنا ليسوا جُزءًا مِن عائلتِك، ولكِنَّنا نُصَلِّي ألاَّ يَخرجوا مِن هُنا إلاَّ بعدَ أن يَصيروا جُزءًا مِن عائلتك. وهناكَ أشخاص، يا أبانا، في عائلتِك، ولكنَّهم أهدروا المصادرَ، ولديهم حُبُّ التَّمَلُّك، وأنانيُّون، وجَشِعون. ولكنَّ كَلِمَتَكَ لَمَسَتْ قلبَ كُلَّ واحدٍ مِنَّا، ولَمَسَت قلبي أنا شخصيًّا حَتَّى إنَّنا نَعقِدُ العَزمَ مِن جديد على أن نَحيا لِمَجدِ اسمِكَ بأن نَكنِزَ كُنوزًا لنا في السَّماء، وبأن نَطلُبَ مَلكوتَكَ وبِرَّك.
نَشكُرُكَ على نِعمتِكَ الغَنيَّة يا أبانا لأنَّك لا تُعطينا فقط ما نَظُنُّ أنَّنا نَملِكُه، بل لأنَّكَ تُعطينا الحَياةَ والأبديَّة. باسمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
