Grace to You Resources
Grace to You - Resource

يَا لَهُ مِنَ امتيازٍ لَنا في هَذا المَساءِ أيضًا أن نَتأمَّلَ في الأصحاحِ الخامسِ مِن إنجيلِ مَتَّى في هذا الدَّرس. وقدِ ابتَدأنا في دَرسِنا السَّابقِ معًا في التَّأمُّلِ في الأعداد مِن 27 إلى 30. وسوفَ نُتابِعُ تَأمُّلَنا في هذا المَساءِ فيما نَستعدُّ لمَائدةِ الرَّبِّ في نِهايةِ شَرِكَتِنا.

إنجيل مَتَّى 5: 27-30. اسمَحوا لي أن أقرأَ هَذا المَقطعَ على مَسامِعِكُم: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".

مِنَ الواضحِ أنَّ رَبَّنا يَتحدَّثُ هُنا عنِ الخَطِيَّة. وهذا هو في الحقيقةِ مَوضوعُ رِسالَتِهِ في إنجيل مَتَّى 5: 21-48. فهي رِسالةٌ عنِ التَّعريفِ الإلهيِّ للخَطيَّة. وَنَقرأُ في سِفْرِ العَدد 32: 23: "ثِقُوا أنَّ خَطِيَّتَكُمْ سَتُلاحِقُكُم". في وَقتٍ مَضَى، نَشَرَت صَحيفةُ "نيويورك تايمز" (New York Times) المَقالةَ التَّالية: "كانَ اللِّصُّ وَاثِقًا مِن أنَّ الكَنيسةَ ستَكونُ مَكانًا جَيِّدًا للاختِباء. وقد رَأى في الدَّاخِلِ حَبْلاً يَتَدَلَّى مِنَ العِلِّيَّة. وعندما أَمْسَكَ الحَبْلَ لِيَتَسَلَّقَهُ سَمِعَ جَرَسَ الكَنيسةِ يَقرعُ ويَكشِفُ مَكانَهُ". وفي حَادثةٍ أخرى، سَرَقَ رَجُلٌ مِن مَدينةِ المَكسيك حَقيبةَ سَيِّدة ورَكَضَ واختبأَ في مَدخلِ بِنايةٍ. وقد تَبَيَّنَ لَهُ لاحِقًا أنَّ ذلكَ المَدخَلَ هُوَ مَدخلُ قِسمِ الشُّرطة. وَقَد تَمَّ استِجوابُهُ وتَعَرَّفَتْ عليهِ ضَحِيَّتُهُ". وفي حَادثةٍ أخرى مِن حَوادِثِ سَرِقَةٍ المَحَلاَّتِ في "روشيستر" (Rochester) بمدينةِ نيويورك، سَرَقَ رَجُلٌ سَاعَةَ مُنَبِّهٍ واتَّجَهَ إلى أقربِ بَابٍ. ولكِنَّ جَرَسَ التَّنبيهِ في السَّاعَةِ الَّتي خَبَّأها تَحتَ مِعطَفِهِ انطلقَ بِصوتٍ عَالٍ قبلَ أن يَتمكَّنَ مِن مُغادرةِ المَتجَر وَنَبَّهَ الحُرَّاسَ إليه.

وفي حَادثةٍ أخرى، وَجَدَ رَجُلٌ كَنَدِيٌّ أنَّ مُسَجِّلَ سَيَّارَتِهِ قَد سُرِقَ فَنَشَرَ إعلانًا في الصَّحيفةِ المَحليَّةِ يُعلِنُ فيهِ عن رَغبَتِهِ في شِراءِ مُسَجِّلٍ بنفسِ المُواصَفات. وكانَ أوَّلُ شَخصٍ اتَّصَلَ بِهُ بخصوصِ ذلكَ الإعلانِ هُوَ السَّارق. وفي حَادثةٍ أخرى، سُجِنَ نَشَّالٌ في مَدينةِ "غَلاسغو" (Glasgow) مُدَّةَ شَهْرَيْن بعدَ أن حَاولَ أن يَنْشِلَ أشخاصًا في أثناءِ رِحلةٍ بَحريَّةٍ تَضُمُّ عِشرينَ ضَابِطَ شُرطة وزَوجاتِهم". وفي حَادثةٍ أخرى، قَبَضَتِ الشُّرطةُ في مَدينةِ "بالو ألتو" (Palo Alto) على مُشتَبَهٍ بِهِ يَقِفُ في مَكتبِ البَريدِ ويَتأمَّلُ في مُلْصَقٍ يَعرِضُ صُورَتَهُ لأنَّهُ كَانَ شَخصًا مَطلوبًا للعَدالَة". "ثِقُوا أنَّ خَطِيَّتَكُمْ سَتُلاحِقُكُم". فالخَطيَّةُ تُدَمِّرُ الحَياة.

في هذا المَوضِعِ تَحديدًا مِن إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ الخَامِسِ، كانتْ خَطيَّةُ القَادةِ اليَهودِ وخَطيَّةُ النَّاسِ الَّذينَ كانوا يَستَمِعونَ إلى المَسيحِ تُلاحِقَهم. فقد كَشَفَ يَسوعُ رِياءَهُم. فقد كَشَفَهُم على حَقيقتِهم. وقد حَشَرَهُم في الزَّاويَة. وقد أَزالَ القِناعَ عَنهُم. فقد كُشِفُوا. وقد ظَهَروا تَمامًا على حَقيقَتِهم بِصِفَتِهم خُطاةً. وَمَا يَفعلُهُ رَبُّنا تَحديدًا في هذا المَقطعِ هُوَ أنَّهُ يُعطيهم صُورةً حَقيقيَّةً عن خَطيَّتِهم. فقد كَشَفَ الأشياءَ الَّتي كَانُوا مَاهِرينَ في إخفائِها. وقد كَشَفَ زِيْفَ البِرِّ الَّذي كانُوا يَشعرونَ بأنَّهُم يَملِكونَهُ. فقد مَزَّقَ ذلكَ المَظهرَ الخَارجيَّ الزَّائفَ وَتَرَكَهُم عُريانينَ تَمامًا وخُطاةً. والحقيقةُ هي أنَّ مَا يَفعلُهُ هُنا هُوَ أنَّهُ يَكشِفُ حَقيقةَ القلبِ الخَاطئِ للإنسانِ ويَدخُلُ إلى العُمْقِ وُصولاً إلى المُشكلةِ الحَقيقيَّة.

وكما رَأينا في دِراسَتِنا لإنجيلِ مَتَّى فإنَّ البَشَرَ يُحاولونَ جَاهِدينَ وبِطَرائقَ مُختلفة أن يَختَرِعوا دِياناتٍ تُمَجِّدُ الإنجازاتِ البَشريَّة. فالنَّاسُ يُحاولونَ أن يَبتَكِروا أنظمةً للبِرِّ الذَّاتِيِّ استِنادًا إلى مَعاييرِهم الذَّاتيَّة. وَهُم يُحاولونَ أن يَبتَكِروا أنظمةً يُبَرِّرونَ مِن خِلالِها أنفسِهم. وَهذا هُوَ تَمامًا ما كانَتِ اليَهوديَّةُ في زَمَنِ يَسوعَ تَفعلُهُ. فقد تَبَنَّوْا نِظامَهُم البَشريَّ عِوَضًا عَنِ الحَقِّ الَّذي أَعلَنَهُ اللهُ لَهُم. وكانَ نِظامُهُم البَشريُّ قَائِمًا على مَبادئَ خَارجيَّة، وطُقوسٍ خَارجيَّة، وسُلوكيَّاتٍ لا تُبالي بالمَوقفِ أوِ الدَّافعِ أوِ القَلب.

وَلأنَّهُم حَفِظوا قَواعِدَ خَارجيَّة مُعيَّنة، ولأنَّهُم حَافَظوا على مُمارسةِ طُقوسٍ خَارِجيَّةً مُعيَّنة، أَقنَعُوا أنفسَهُم بأنَّهُم أبرار. ولكِنَّ ذلكَ لم يَكُن كَافيًا. لِذا فإنَّ الآيةَ 5: 20 هي المِفتاح: "إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ". فَالبِرُّ الحَقيقيٌّ يَسْمُو على أيِّ شَيءٍ لَديكُم الآن.

لِذا فإنَّ يَسوعَ يَعْمَلُ (في الأعدادِ مِن 21 إلى 48 مِنَ العِظَةِ على الجَبَل) على هَدْمِ نِظامِ البِرِّ الذَّاتِيِّ مِن خِلالِ هَدْمِ قَداسَتِهم المَزعومَةِ وكَشْفِ حَقيقةِ أنَّهُم كانُوا في قُلوبِهم خُطاةً بَائِسينَ وفَاسِدينَ وأشرارًا، وأنَّ القَلبَ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَنظُرُ إليهِ اللهُ. فَبِغَضِّ النَّظرِ عَن مَظهَرِهم الدِّينيِّ، فإنَّهُم كَانُوا في الحَقيقةِ خُطاةً في الدَّاخِل. وَهُوَ يُقَدِّمُ مِعيارًا لا يَستطيعونَ أن يَحفَظوه. لِذا فَإنَّهُ يُواجِهُهُم بمُشكلةِ الخَطيَّةِ الَّتي لا يَعرِفونَ كيفَ يُعالِجونَها.

وَهُوَ يَقولُ في العَدد 5: 48: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". فَهذا هُوَ البِرُّ المَطلوبُ في مَلكوتي. ومِنَ الواضحِ أنَّهُم لم يَكونوا قَادِرينَ على حِفظِه. وَهُنا يَكمُنُ الإحْباطُ. فَلا يُوجَد عِلاجٌ لمُشكلةِ الخَطيَّةِ لَديهم. ولا شَكَّ في أنَّهُم كانوا مُطالَبينَ بِبِرٍّ مُختلفٍ عن بِرِّهمِ الذَّاتِيِّ؛ وَهُوَ بِرٌّ مُقَدَّمٌ لَهُم في الحَقيقةِ في يَسوعَ المَسيح.

لِذا فإنَّ ما يَفعلُهُ هُنا في الحَقيقةِ مِن خِلالِ تَقديمِ تَعريفٍ للخطيَّةِ هُوَ أنَّهُ يُرغِمُهم على رُؤيةِ الحَاجةِ إلى مُخَلِّص. وقد كَانَ يَعلَمُ دُونَ أَدنَى شَكٍّ أنَّهُ سيُقَدِّمُ نَفسَهُ بِصِفَتِهِ ذلكَ المُخَلِّص. ويجب عليهم أن يُقِرُّوا بأنَّهُم لا يَستطيعونَ مِن ذَواتِهم أن يُعالِجُوا مُشكلةَ الخطيَّة. فقد كانُوا في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ إلى شَخصٍ يَستطيعُ أن يُعالِجَ تلكَ المُشكلةَ. وقد كانَ هُوَ ذلكَ الشَّخص.

والمِفتاحُ لكيفيَّةِ مُعالَجَتِهِ لَها يَكْمُنُ في عِبارَةٍ مُزدوجةٍ يَستخدِمُها هُنَا وَهِيَ: "قَدْ سَمِعْتُم...وأمَّا أنا فأقول". وَمِن خِلالِ هذهِ العِبارةِ فإنَّهُ يُبايِنُ بينَ نِظامِهِم والحَقِّ. فَهُوَ يُبايِنُ بينَ تَعريفِهم للخطيَّةِ وتَعريفِ اللهِ للخطيَّة. وَهُوَ يُبايِنُ بينَ مِعيارِهم والمِعيارِ الإلهيِّ. فقد كانَ النِّظامُ التَّقليديُّ الَّذي جَاءَ بهِ أَحْبارُ اليَهودِ يُرَكِّزُ فقط على الأشياءِ الخَارجيَّةِ قَائِلاً إنَّكَ إن لم تَقْتُل أحدًا ولم تَزْنِ، فإنَّكَ على مَا يُرام.

ولكِنَّ يَسوعَ قَالَ: "وَأمَّا أنا فَأقولُ لَكُم إنَّكُم إنْ غَضِبتُم، أو إنْ فَكَّرتُم في ذلكَ فإنَّكُم مُذنِبونَ لأنَّ اللهَ يَهْتَمُّ بالدَّاخِل". لِذا فإنَّهُ يُبايِنُ بينَ نَظرَتِهِ هُوَ (أو نَظرةِ اللهِ) وبينَ نِظامِهِم المَوجودِ في أذهانِهم.

ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ تلكَ العِظَةَ المُهِمَّةَ جِدًّا في الأسبوعِ المَاضي. وقد دُهِشْتُ مِن رُدودِ الفِعل. ولكِنَّنا بِيَّنَّا لَكُم أنَّ اللهَ كَانَ مُهْتَمًّا في العهدِ القديمِ (لا فقط في العهدِ الجديدِ) بِالعَلاقةِ القَلبيَّةِ، وأنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ دَائمًا هِيَ أنْ تُحِبَّ الرَّبَّ إلَهَكَ وأن تُحِبَّ قَريبَكَ كنَفسِك، وأنَّ اللهَ يَهتمُّ دَائمًا بالعَلاقَةِ، وأنَّ الغَايَةَ مِنَ الوَصايا العَشرِ وَنَاموسِ مُوسَى هي فقط تَنظيمُ عَلاقةِ المَحبَّةِ تلك. فاللهُ يَهتمُّ دَائِمًا بالقَلب.

وَهذهِ هي الحالةُ في هذهِ العِظةِ تَحديدًا إذْ إنَّ يَسوعَ يُشيرُ حَالاً إلى قُلوبِهم ويَكشِفُ الشَرَّ والفَسادَ والخَطيَّةَ الكَامِنَةَ هُناكَ وَراءَ سِتارِ أعمالِهم الدِّينيَّة. والمَزمور 119: 96 يَقول: "أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا". وقد كانت وَصِيَّةُ اللهِ أوسع بكثير مِمَّا ظَنُّوا. فقد ضَيَّقوها وَحَصَروها في الأشياءِ الخَارجيَّةِ؛ ولكِنَّ رَبَّنا يُعيدُ التَّركيزَ على الدَّاخِل.

والآن، اسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم بما يَلي: لقدِ ابتدأَ يَسوعُ في عِظَتِهِ هَذِهِ برسالةٍ عنِ البَرَكَة: طُوبَى... طُوبَى... طُوبَى... طُوبَى (مِنَ العَددِ الثَّالثِ إلى العَددِ 12). ولكِنْ لكي يَختبِرَ الإنسانُ تلكَ البَرَكة... وبالمُناسبة، إنَّ هذهِ صِيغة مُناسبة لتَقديمِ الإنجيل. فأنتَ تَبتدِئُ بالوَعدِ بالبَرَكة. ولكِن لكي تَختبِرَ تلكَ البَرَكة، يجبُ عليكَ أن تَعرفَ التَّعريفَ الصَّحيحَ للخطيَّةِ لأنَّ الخَطيَّةَ تَقِفُ عَائِقًا في طَريقِ البَرَكة. لِذا، يَجِبُ مُعالجةُ الخطيَّةِ وإزالَتُها. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ أوَّلاً عنِ البَرَكَةِ ثُمَّ يَنتقلُ إلى الحديثِ عن عَقيدةِ الخطيَّة. فالرَّبُّ يَنتقلُ مِن هذا المَوضوعِ إلى ذاك. وكما قُلتُ، فإنَّهُ يَبتدِئُ في العَدد 21 بالتَّحدُّثِ عنِ الخطيَّة.

والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ بِصورةٍ عَامَّةٍ قبلَ أن نَتأمَّلَ في المَقطعِ نَفسِهِ إنَّنا نَتعلَّمُ مِن هذا أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن نُعالجَ الخَطيَّة. فَلا يُمكِنُكَ أن تَكرِزَ بالمَسيحِ ولا أن تُقَدِّمَ الإنجيلَ مَا لَم تُعالِج الخطيَّة، وَمَا لَم تُقدِّم تَعريفًا للخطيَّةِ لأنَّها العَائِق. فهذهِ هي المُشكلة. وإن لم نَفهمِ الخَطيَّة فَهمًا صَحيحًا... رَكِّزوا مَعي... لن نَفهمَ أيَّ شَيءٍ آخرَ يَفعلُهُ اللهُ.

فمَثَلاً، سَأَضرِبُ لَكُم ثَلاثةَ أمثلةٍ إيضاحِيَّةٍ على ذلك. فَما لم يَفهَمِ المَرءُ الحَقَّ المُختصَّ بالخطيَّةِ، لن يَفهمَ الحَقَّ المُختصَّ بالخَلاص. فَلا يُمكِنُكَ أن تَفهمَ مَعنى الخَلاصَ مَا لَم تَفهَمَ مَعنى الخطيَّة. فكما تَرَوْنَ، لقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ... والآن لاحِظوا ما يَلي... لقد كانت نَظرَتُهُم إلى الخَطيَّةِ ضَيِّقَةً جدًّا حتَّى إنَّهم تَمَكَّنوا مِنَ التَّوفيقِ بَينَها وبينَ النَّظرةِ السَّطحيَّةِ للخَلاص. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ الخطيَّةَ مُرتبطةٌ فقط بما نَفعلُه. لِذا فقد كانوا يَظُنُّونَ أيضًا أنَّ الخَلاصَ مُرتبطٌ بِما نَفعلُه. وبسببِ تَعريفِهم الضَّيِّقِ للخطيَّةِ كانتْ مَطالِبُ الخَلاصِ في نَظَرِهم بَسيطةً جدًّا حَتَّى إنَّهُم افتَرَضُوا أنَّهُم يَستطيعونَ أن يَستَوفوا تلكَ المَطالِبِ بأنفسِهم.

والآن، لَو أنَّهُم رَأوا أنَّ الخَطيَّةَ هي مُشكلةٌ قَلبيَّةٌ عَميقة لَعَرَفوا أنَّهم لا يَستطيعونَ مُعالجةَ هذهِ المشكلةِ بأنفسِهم. فَلَو فَهِمُوا ذلكَ لَعَلِموا أنَّهُم لا يَستطيعونَ القيامَ بذلك. لِذا، كُلَّما زَادَ استيعابُنا لِفَظاعَةِ الخطيَّةِ، زَادَ فَهمُنا لمَعنى الخَلاص. فَكُلَّما زادَ استِفحالُ المَرَضِ زَادتِ الحَاجَةُ إلى العِلاج. وهذا هُوَ المَقصود. فَما دَامَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّ الخطيَّةَ شَيءٌ سَطحيٌّ، ومَا دَامُوا يَظُنُّونَ أنَّ الخطيَّةَ ليست خَطيرةً جدًّا، ومَا دَامُوا يَسْتَخِفُّونَ بالخطيَّة، سيَبقى الخَلاصُ أمرًا قَليلَ الشَّأنِ لَديهم.

أمَّا عندما تَفهَمونَ مَا يَقولُهُ الرَّبُّ هُنا عَن فَظاعَةِ الخطيَّةِ، وعنِ عُمْقِ الخطيَّةِ، وعن أنَّ الخَطيَّةَ شَيءٌ يَسري ويَسْتَفْحِلُ ويَصِلُ إلى زَوايا وَخَبايا كِيانِ الإنسانِ وأعماقِهِ حَتَّى إنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أن يَحدُثَ تَغييرٌ جَذريٌّ إلاَّ بمُعجِزةٍ إلهيَّةٍ، حينئذٍ ستَفهمونَ أنَّ اللهَ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُخَلِّص. وهذا هُوَ ما يُريدُ رَبُّنا مِنهُم أن يَفهَموه.

لِذا، لا يُمكِنُكُ البَتَّة أن تَفهَموا مَعنى الصَّليب، ولا يُمكِنُكم البَتَّة أن تَفهَموا سَبَبَ مَوتِ يَسوعَ، ولا يُمكِنُكم البَتَّة أن تَفهَموا السَّببَ في أنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كانَ بِمَقدورِهِ أن يَأمُرَ رِبْواتِ المَلائكةِ بالتَّدخُّلِ فإنَّهُ لم يَفعلَ ذلك، ولا يُمكِنُكم البَتَّة أن تَفهَموا سَبَبَ قَولِهِ: "لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ"، ولا يُمكِنُكم البَتَّة أن تَفهَموا مَعنى مَوتِهِ إلاَّ إذا فَهِمتُم استِفْحالَ شَرِّ الخطيَّةِ وكيفَ أنها تُلَطِّخُ جدًّا قَلبَ كُلِّ إنسانٍ حَتَّى إنَّهُ كَانَ يَنبغي ليسوعَ أن يَفعلَ كُلَّ ذلكَ مِن أجلِ تَتميمِ الخَلاص.

وقد كَتَبَ كَاتِبٌ مَجهولٌ: "لا يُوجَدُ أيُّ إلَهٍ آخرَ صَالِحٌ جدًّا ويَستطيعُ أن يَدفعَ أُجرةَ الخطيَّةِ. لِذا فقد كانَ هُوَ الوَحيدُ القادِرُ أن يَفتحَ بابَ السَّماءِ ويَسمَحَ لنا بالدُّخول". فالخطيَّةُ قَويَّةٌ جدًّا وعَميقةٌ جدًّا حَتَّى إنَّ يَسوعَ المسيحَ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُغَيِّرَها، وحَتَّى إنَّ يَسوعَ المَسيحَ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يَرفَعَها. وهذا هُوَ في الحقيقةِ المَغزى مِمَّا جَاءَ في رسالةِ رُومية والأصحاحاتِ 3-6.

الفِكرةُ الثَّانية: مَا لَم تَفهَموا الحَقَّ المُختصَّ بالخطيَّةِ، لن تَفهَموا البَتَّة الطَّريقةَ الصَّحيحةَ للإعلانِ... لا فقط الخَلاصَ، بلِ الإعلان. وما أَعنيهِ بذلكَ هُوَ التَّالي، وهي نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا مِن وُجهةِ نَظري، وقد وَعَظْتُ عَنها مِرارًا. ولكِن إن لم تَفهَموا عُمْقَ الخطيَّةِ، لن تَفهَموا كيفَ تُعلِنونَ الإنجيل.

وَمَا يَحدُثُ في مُجتمَعِنا المَسيحيِّ اليومَ هُوَ أنَّنا نَرى تَقديمًا سَطحِيًّا جدًّا للإنجيل. فهي طَريقةٌ مَنهجيَّةٌ وَحَسْب. وهوُ شَيءٌ بَعيدُ المَنالِ وَحَسْب. فَكأنَّكَ تَقولُ للشَّخصِ المُقابِل: "كيفَ تُحِبُّ أن تَقضي وَقتًا طَيِّبًا؟" فهي طَريقةٌ سَطحيَّةٌ جدًّا في أغلبِ الأحيان... ليسَ دَائِمًا، ولكِن في أغلبِ الأحيان. وهُناكَ مَن يُسَمِّي ذلكَ: "الإيمانُ الهَيِّن". وهُناكَ مَن يُسَمِّي ذلكَ: "النِّعمة الرَّخيصَة". فالمَسيحيُّونَ يَقولونَ للنَّاسِ هُنا وَهُناكَ: "تَعالَ إلى المَسيحِ. اختَبِر الوِلادةَ الجَديدة". وَهُم يَستخدِمونَ أساليبَ تُرَكِّزُ على الذَّات، وأساليبَ عَاطفيَّة، وأساليبَ سَطحيَّة مِن مُختلفِ الأنواعِ للكِرازَة.

وأنا أشعُرُ في الحقيقةِ أنَّ هَذا يُشيرُ إلى إخفاقِ هَؤلاءِ في فَهمِ فَظاعَةِ الخطيَّة. فَلَو كُنَّا نُدركُ قُوَّةَ الخطيةِ لَعَرَفنا أنَّهُ لا يَكفي أن تَقولَ لأيِّ شخصٍ: "لِمَ لا تَقبَل يَسوعَ وَتَسْمَحْ لَهُ أن يَجعلَ حَياتَكَ سَعيدة؟" وَلا يَكفي أن تَقولَ لِشَخصٍ مَا: "أَلاَ تَرغَبُ في الذَّهابِ إلى السَّماء؟ أَلاَ تَرغَبُ في أن تَكونَ سَعيدًا وأن تَحظَى بالسَّلامِ والفَرَحِ وكُلِّ شَيء؟ اكتُب اسمَكَ وَحَسْب على هذهِ البِطاقَةِ وَقُل إنَّكَ تُؤمِنُ بيسوعَ، وصَلِّ هذهِ الصَّلاةَ الصَّغيرة". فَكَما تَرَوْنَ، إن كُنَّا نَفهَمُ حَقًّا الحَالَةَ المُريعَةَ والمُزريةَ لقلبِ البَشَرِ بسببِ الخطيَّةِ، وإن كُنَّا نَفهَمُ قُوَّةَ استِفْحالِ الخطيَّةِ واستِعبادِها لَهُم حَتَّى إنَّها تَستطيعُ أن تَطرَحَهُم في جَهنَّمَ الأبديَّة، إن كُنَّا نَفهمُ ذلكَ فإنَّ كِرازَتَنا سَتُرَكِّزُ أكثرَ على الطَّبيعةِ المُريعَةِ للخطيَّةِ قبلَ أيِّ شَيءٍ آخرَ، وقَبلَ دَعوةِ هَؤلاءِ النَّاسِ إلى اتِّخاذِ قَرار. فيجبُ عليهم أن يَفهَموا المُشكلة.

لِذا، مِنَ الزَّاوِيَةِ الكِتابيَّةِ... لاحِظوا مَا يَلي: مِنَ الزَّاويةِ الكِتابيَّةِ فإنَّ الكِرازَةَ تَبدأُ دائِمًا بتَقديمِ النَّاموسِ قَبلَ النِّعمَة. فيجبُ عليكُم أن تَكرِزوا بالنَّاموس. ويجبُ عليكُم أن تَكرِزوا بالقَضاءِ الإلهيِّ، ويجبُ عليكُم أن تَكرِزوا بالدَّينونة. لِذا فإنَّ رِسالَةَ رُومية تَبتدئُ بالطَّريقةِ التَّالية: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِم". فَبولُسُ يَبتدِئُ كِرازَتَهُ بالتَّحدُّثِ عَنِ الدَّينونَة. وَهُوَ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ الثَّاني عنِ الدَّينونةِ أيضًا. وَهُوَ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ الثَّالِثِ عنِ الدَّينونةِ أيضًا "لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ إنَّ بِرَّ المَسيحِ مُتاحٌ لَكُم. لِذا، يَنبغي أن تَكونَ هُناكَ كِرازَةٌ عَنِ المِعيارِ الإلهيِّ. ويَنبغي أن تَكونَ هُناكَ كِرازَةٌ عنِ النَّاموسِ المُقَدَّس. ويَنبغي أن تَكونَ هُناكَ كِرازَةٌ عَمَّا يَقولُ اللهُ إنَّهُ حَقّ. وحِينئذٍ فقط يُمكِنُنا أن نُقَدِّمَ الرِّسالةَ عن تلكَ العَلاقَةِ الَّتي تَجعَلُ ذلكَ مُمكِنًا.

وفي اعتقادي، يَنبغي أن نَكرِزَ بطريقةٍ تَجعَلُ النَّاسَ يَتواجَهونَ مَعَ قَداسَةِ الله. فيجبُ أن تَكشِفَ مَطالِبَهُ للبِرِّ النَّابِعِ مِنَ القَلب. وأعتقدُ أنَّ كِرازَتَنا يَنبغي أن تُرَكِّزَ على عَدمِ قُدرةِ الإنسانِ على بُلوغِ مِعيارِ الله. ويجبُ علينا أن نُبَيِّنَ للنَّاسِ أنَّهُم عَاجِزونَ (تَمامًا كَما فَعَلَ يَسوعُ مَعَ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَةَ والجُموعَ) لكي يَحْسِبُوا حِسابَ يَومِ الدَّينونةِ وأنَّهُم سيُطرَحونَ في جَهَنَّم، ولكي يَصرُخوا إلى المُخَلِّصِ القادِرِ أن يُخَلِّصَهُم مِن مُشكلةٍ عَويصَةٍ جِدا لا يُمكِنُهم أن يُعالِجوهَا بأنفسِهم.

فَهذا هُوَ أُسلوبُ يَسوع. وكَما قُلتُ، كانَ هذا الأسلوبُ يَهدِفُ في الأساسِ إلى دَفْعِ النَّاسِ إلى اليَأس. فقد كَرَزَ يَسوعُ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخرَ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ عن جَهَنَّم. فقد كَرَزَ عن جَهَنَّم. ولكِنَّ النَّاسَ لا يُحِبُّونَ حَتَّى أن يَتحدَّثوا عنها. فقد كَرَزَ عن أنَّ الخَطيَّةَ تُرسِلُ النَّاسَ إلى جَهنَّم الأبديَّة حيثُ دُودُهُم لا يَموتُ والنَّارُ لا تُطْفَأ، وحيثُ صَريرُ الأسنانِ والبُكاءُ والعَويل. فقد كَرَزَ يَسوعُ عَنها لأنَّهُ يَنبغي أن تَبتدئَ الكِرازَةُ بهذا المَوضوع.

لِذا، يَنبغي أن تَبتدئَ الكِرازَةُ ويَبتدئَ الإعلانُ بالمُفارَقَةِ بينَ قَداسَةِ اللهِ وخَطيَّةِ الإنسان، ثُمَّ تَأتي بعدَ ذلكَ مَطالِبُ اللهِ القُدُّوس. ثُمَّ يَنبغي إخبارُ الإنسانِ البائِسِ واليَائِسِ الَّذي لا يَستطيعُ أن يَستَوفي هذهِ الشُّروطَ أنَّ هُناكَ عِقابًا مَحْتومًا يَنتَظِرُهُ؛ أيْ بِحَتميَّةِ جَهَنَّم. والمَنفَذُ الوَحيدُ هُوَ أن يَأتي شَخصٌ آخرُ ويُغَيِّرَ قَلبَهُ الشِّرِّير. وفي تلكَ النُّقطةِ يَنتقلُ يَسوعُ المَسيحُ إلى تَقديمِ الخَلاصِ الَّذي لا يَستطيعُ أحدٌ سِواهُ أن يُقَدِّمَهُ.

وقد قالَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones)، الوَاعِظُ الإنجليزيُّ العَظيمُ: "يُمكِنُكَ أن تُؤمِنَ إيمانًا نَفسِيًّا بالربِّ يَسوعَ المَسيحِ، ولكِنَّ الإيمانَ الحَقيقيَّ يَرى فيهِ شخصًا يُخَلِّصُنا مِن لَعنةِ النَّاموس. والكِرازةُ الحَقيقيَّةُ تَبتدئُ هَكذا، وَهِيَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ دَعوةٌ إلى التَّوبة".

وقد قالَ الرَّسولُ بُولُسُ إنَّهُ يجبُ علينا أن نَدعو النَّاسَ إلى التَّوبةِ إلى اللهِ، ثُمَّ إلى الإيمانِ بالرَّبِّ يسوعَ المسيح. وما يَقولُهُ يَسوعُ لهؤلاءِ النَّاسِ هُوَ: رُبَّما لم تَقتُلوا أيَّ شخصٍ، ورُبَّما لم تَزْنُوا؛ ولكِنَّكُم أَضْمَرْتُمْ في قُلوبِكُم غَضَبًا، وأَضْمَرْتُم في قُلوبِكُم كَراهِيَةً، وأَضْمَرْتُم في قُلوبِكُم شَهوةً. لِذا فإنَّكُم أشرارٌ على غِرارِ القَتلةِ والزُّناة. وفي ضَوْءِ شُعورِهم باليأسِ يُمكِنُ اقتيادُهُم إلى الحَاجَةِ إلى مُخَلِّصٍ خَارِجيٍّ يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ قُلوبَهُم الشرِّيرَة.

صَحيحٌ أنَّهُ باستِطاعَةِ البَشرِ أن يُغَيِّروا سُلوكَهُم. أجل! يُمكِنُهم أن يَفعلوا ذلك. فَضَغْطُ الأصدقاءِ، والكِبرياءُ، وكُلُّ تلكَ الأشياءِ الأخرى كالتَّقوى الظَّاهريَّةِ، والخَوفِ مِنَ الرَّفضِ قد تَدفعُ النَّاسَ إلى التَّصَرُّفِ بطريقةٍ مُعيَّنة. ولكِنَّ اللهَ هُوَ الوَحيدُ القادِرُ أن يُغَيِّرَ القَلب.

وهُناكَ فِكرةٌ ثَالِثَةٌ لَديَّ بخصوصِ هذا الموضوع. مَا لَم نَفهمِ الحَقَّ المُختصَّ بالخطيَّة، لَن نَفهمَ يَومًا الخَلاصَ، ولن نَفهمَ يَومًا الإعلانَ، ولن نَفهمَ يَومًا القَداسَة. فما لم نَفهم مَعنى الخَطيَّة، لن نَفهمَ مَعنى أن نَكونَ قِدِّيسينَ في المَسيح. أليسَ كذلك؟ فنحنُ لا نَفهمُ حَجْمَ التَّغيير. فَلا يُمكنُكَ أن تَفهمَ مَا صَنَعَهُ اللهُ لأجلِكَ في المَسيحِ ما لم تَعرِف مَن كُنتَ في الأصل. ولا يُمكِنُكَ أن تَشكُرَهُ ولا أن تُسَبِّحَهُ على مَجْدِ التَّغييرِ مَا لم تَفهَم ما يَتَطَلَّبُهُ ذلك.

لقد عَانَيْنا مِنَ الكِرازَةِ السَّطحيَّةِ وغَيرِها، ولكِنَّنا عَانَيْنا مِنَ المَفاهيمِ السَّطحيَّةِ جدًّا جدًّا للقَداسَةِ والتَّقديس. وغَالِبًا ما يَحدُثُ الأمرُ هَكذا: نحنُ نَظُنُّ أنَّنا قِدِّيسونَ بسببِ الأشياءِ الَّتي نَفعَلُها أو لا نَفعَلُها. لِذا فإنَّنا لا نَذهبُ إلى أماكِنَ مُعَيَّنة، ولا نَقولُ أشياءَ مُعَيَّنة، ولا نَفعلُ الأشياءَ الَّتي يَفعلُها أهلُ العَالَم. ونَحنُ نَظُنُّ أنَّهُ لأنَّنا لا نَقولُ أو لا نَفعلُ أشياءَ مُعيَّنةً، ولا نَذهبُ إلى أماكِنَ مُعيَّنة فإنَّنا على مَا يُرام. وهذا هُوَ حَقًّا الرَّأسُ القَبيحُ للبِرِّ الذَّاتِيِّ لأنَّ اللهَ يَنظُرُ دَائمًا لا إلى ما نَفعلُهُ، أو مَا نَقولُهُ، أو إلى الأماكِنِ الَّتي نَذهبُ إليها (على الرَّغمِ مِن أنَّهُ يُبالي بذلكَ)؛ ولكِنَّهُ يُبالي أكثر بالدَّوافِعِ الكَامِنَةِ وَراءِ ذلكَ، أيْ بِما نُفَكِّرُ بِهِ في أذهانِنا وقُلوبِنا.

فهُناكَ أشخاصٌ يَتظاهَرونَ بالتَّقوى، ورَاضُونَ عن أنفسِهم، ومَغرورونَ يَظُنُّونَ أنَّهُ بسببِ أنَّهُم لا يَفعلونَ أمورًا مُعيَّنةً، ويَفعلونَ أمورًا أخرى فإنَّهُم مُبَرَّرونَ. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّهُم لم يَفحَصُوا يَومًا الشَّرَّ المَوجودَ في قُلوبِهم. وَهذا هُوَ ما يُرغِمُ الرَّبُّ يَسوعُ النَّاسَ على فِعلِهِ عندما يُقَدِّمُ هذهِ العِظَةَ الرَّائعة.

فالقَداسَةُ... اسمَعوني... القَداسَةُ في نَظرِ اللهِ هي أمرٌ مُرتبطٌ دَائمًا بالقلب. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 23: 7: "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ [مَاذا؟] هكَذَا هُوَ". وهُنا يَحدُثُ التَّقييمُ الإلهيُّ. وَنَقرأُ أيضًا في إنجيل مَتَّى 15: 16: "فَقَالَ يَسُوعُ: هَلْ أَنْتُمْ أَيْضًا حَتَّى الآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ؟" أَلَمْ تَفهَموا هَذا الأمرَ بَعد؟ أَلاَ تَعرِفونَ مِعيارَ اللهِ بَعد؟ أَلاَ تَعرِفونَ أينَ تَكمُنُ المُشكلةُ الحَقيقيَّة؟

"أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ [في إنجيل مَتَّى 15: 17] أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ؟" بِعبارةٍ أخرى، أنَّهُ يَمُرُّ في مَرحلةِ الزَّوال. "وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْب يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ". بعبارةٍ أخرى، إنَّ الشَّيءَ الَّذي تَأكُلُهُ لا يُنَجِّسُكَ، بل إنَّ ما يَخرُجُ مِن فَمِكَ هُوَ الَّذي يُنَجِّسُكَ. "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ". فَمِن أينَ تَخرُجُ كُلُّ تلكَ الأشياء؟ مِنَ القَلب.

اسمَعوني: قبلَ أن تَقتُلَ فإنَّكَ تُفَكِّرُ في ذلكَ في قَلبِك. وقبلَ أن تَزْنِي فإنَّكَ تُفَكِّرُ في ذلكَ في قَلبِك. وقبلَ أن تُمارِسَ الفِسْقَ فإنَّكَ تُفَكِّرُ فيهِ في قَلبِك. وقبلَ أن تَسرِقَ فإنَّكَ تُفَكِّرُ في ذلكَ في قَلبِك. فالقَلبُ هُوَ الَّذي يُخرِجُ تلكَ النُّفايةَ الَّتي تُدَنِّسُ الإنسانَ لأنَّ اَلْقَلْبَ "أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟" (كَما قَالَ إرْميا).

لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ على الأمورِ الخارجيَّةِ (كما يَقولُ الرَّبُّ)، بل على القَلب. وَهُوَ يَكشِفُ خَفايا القَلب. وَهُوَ يُزيلُ القِناعَ عَنِ أَوْجُهِ هَؤلاءِ المُتَدَيِّنينَ الَّذينَ يُمَجِّدونَ أنفسَهُم كما لو أنَّهُم أبرارٌ، ويُرِيَهُم أنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ المُهِمَّ لَديهِ هُوَ القَلب.

لِذا فإنَّ كُلاًّ مِنَ العهدِ القديمِ وَالعهدِ الجديدِ (كَما رَأينا في الأسبوعِ المَاضي) يَكرِزانِ بنفسِ الخَبَرِ السَّارّ. فالإنسانُ خَاطِئٌ. وتلكَ الخَطيَّة مُتَأصِّلَةٌ في قَلبِهِ وطَبيعتِه. والإنسانٌ لا يَملِكُ القُدرةَ على تَغييرِ طَبيعَتِهِ تلكَ. واللهُ يَأتي ويَعرِضُ عليهِ عَلاقَةً يَستطيعُ مِن خِلالِها، دُونَ سِواه، أن يُغَيِّرَ قَلبَ ذلكَ الإنسان.

وقد كانَ ذلكَ الأمرُ وَاضِحًا في سِفْر حِزْقيال. أليسَ كذلك. فقد قالَ اللهُ: "وَأُعطيكُم قَلبًا جَديدًا. وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ". فالقَلبُ الجَديدُ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَحتاجُ إليهِ الإنسان. وَهذا هُوَ ما يُريدُ يَسوعُ مِن أولئكَ النَّاسِ أن يَسمَعوه. فقد ظَنُّوا أنَّهُ طَالَما أنَّهُم يَهْتَمُّونَ بِطَهارةِ طَعامِهِم وشَرابِهم فإنَّهُم على ما يُرام. ولكِنَّ يَسوعَ يَقولُ: يَجِبُ عَليكُم أن تَتَطَهَّروا مِنَ الدَّاخِل. فهذا هُوَ الشَّيءُ المُهِمُّ.

لِنَنظُر كيفَ يَفعلُ ذلكَ مِن خِلالِ الحَديثِ عَنِ الزِّنَى في العَدد 27. في المُخَّططِ المَوجودِ في النَّشرةِ الَّتي بينَ أيديكُم، ستَجِدونَ ثَلاثَ نِقاطٍ: الفِعْلُ، والرَّغبةُ، والخَلاص. فالأمرُ بَسيطٌ جدًّا وواضِحٌ جدًّا.

أوَّلاً، الفِعل: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ". أمَّا تِلكَ الكلمة "للقُدماء" فهي ليست مَوجودة في جَميعِ المَخطوطاتِ القَديمة. ولا شَكَّ في أنَّها قد تَكونُ مَوجودَةً هُنا لأنَّها تُستخدَمُ في مَواضِعَ أُخرى في نَفسِ هَذا المَقطع؛ ولكِنَّ أَدَقَّ المَخطوطاتِ لا تَحويها. لِذا، سَوفَ نَفتَرِضُ عَدَمَ وُجودِها. "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ".

والآن، هَذا هُوَ الفِعل. فنَاموسُ اللهِ يَقول: "لا تَزْنِ" (في سِفْرِ الخُروج 20: 14). وفي سِفْرِ التَّثنيةِ، أو تَثنيةِ الاشتِراعِ، أوِ الشَّريعةِ المُكَرَّرَة، نَقرأُ نَفسَ الوَصيَّةِ في العَدد 5: 18: "لا تَزْن". فهي وَصيَّة واضحة جدًّا. والكتابُ المقدَّسُ لا يَترُك أيَّ شَكٍّ بخصوصِ هذهِ الخطيَّةِ تَحديدًا. فَهُوَ يَدينُ الفِعل. فَهُوَ فِعْلٌ شِرِّير.

ونَقرأُ في سِفْرِ أيُّوب 31: 9: "إِنْ غَوِيَ قَلْبِي عَلَى امْرَأَةٍ، أَوْ كَمَنْتُ عَلَى بَابِ قَرِيبِي، فَلْتَطْحَنِ امْرَأَتِي لآخَرَ، وَلْيَنْحَنِ عَلَيْهَا آخَرُونَ. لأَنَّ هذِهِ رَذِيلَةٌ، وَهِيَ إِثْمٌ يُعْرَضُ لِلْقُضَاةِ. لأَنَّهَا نَارٌ تَأْكُلُ حَتَّى إِلَى الْهَلاَكِ، وَتَسْتَأْصِلُ كُلَّ مَحْصُولِي".

فَالزِّنَى رَذيلةٌ أو خَطيَّةٌ شَنيعَة. فَهِيَ خَطيَّةٌ تَعكِسُ قَلبًا شِرِّيرًا وفاسِدًا وبَائِسًا. والكتابُ المقدَّسُ واضِحٌ جدًّا بخصوصِ الزِّنَى في سِفْرِ اللاَّويِّينَ والأصحاحَيْن 18 و 20. فقد كانت عُقوبةُ الزِّنَى هي المَوت. فقد كانت جَريمةً خَطيرةً جدًّا يُعاقَبُ مُرتَكِبُها بالمَوت. لِذا فإنَّنا نَرى الفِعْلَ يُدانُ مِنَ الله.

وسوفَ تُلاحِظونَ في نَصِّنا في إنجيلِ مَتَّى أنَّ القَادَةَ أوْ أَحْبارَ اليَهودِ قَالوا: "لا تَزْنِ". وَقد كانوا مُحِقِّين. فَهُم لم يَكونوا على خَطأ. فَنَحنُ لا نُلَمِّحُ إلى ذلكَ البَتَّة، بل نَقولُ وَحَسْب إنَّهُم لم يُناقِشُوا مَا هُوَ أبعدُ مِن ذلك. فقد كانوا على صَواب. فالزِّنَى شَرٌّ. واللهُ قالَ: "لا تَزْنِ". وقد كانَ الزِّنَى جَريمةً مُريعَةً. وَهُوَ مَا يَزالُ كذلك.

والآن، اسمَحُوا لي أن أُحَدِّثَكُم قَليلاً عنِ الكلمةِ ذاتِها؛ أيْ عنِ الكَلِمَة "زَنَى". فهي كلمة بَسيطة جدًّا. فالجَذرُ يَعني مَا يَلي: "الجِنسُ المُحَرَّمُ مَعَ زَوجِ أو زَوجَةِ شَخصٍ آخر". هَذا هُوَ المَعنَى الاصْطِلاحِيُّ. فهي عَلاقةٌ جَسديَّةٌ جِنسيَّةٌ مَعَ زَوجِ أو زَوجَةِ شَخصٍ آخر.

ولكِنَّ أغلبيَّةَ عُلماءِ الكتابِ المقدَّسِ يَنظُرونَ إليها لا فقط على أنَّها وَصِيَّةٌ بعَدمِ التَّورُّطِ في عَلاقةٍ جِنسيَّةٍ معَ زَوجِ أو زَوجةِ شَخصٍ آخر، بل يَنظُرونَ إليها بالمَعنى العَامِّ لأنَّ الكلمةَ تُستخدَمُ أيضًا بالمَعنى العَامِّ في بِضعةِ مَصادر أخرى. فَمَثلاً، هُناكَ أَماكِنُ تُستخدَمُ فيها هذهِ الكلمة للإشارةِ إلى إغواءِ امرأةٍ أوِ اغتِصابِها. وهذا استخدامٌ عَامٌّ جدًّا للإشارةِ إلى امرأةٍ مُتزوِّجةٍ أو غيرِ مُتزوِّجَة. وهي تُتَرْجَمُ في مَواضِعَ أخرى: "يُمارِسُ الفِسْقَ". لِذا، بالمَعنى العَامِّ، تُستخدَمُ هذهِ الكلمة للإشارةِ إلى أيِّ نَوعٍ مِنَ العَلاقةِ الجِنسيَّةِ المُحَرَّمَة. وكُلُّ شَيءٍ مُحَرَّمٌ خَارِجَ إطارِ الزَّواج. لِذا فإنَّها تُشيرُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى العَلاقَةِ الجِنسيَّةِ الَّتي تَتَعَدَّى على الزَّواج.

ولكنِّي أَرَى أنَّ مَعنَاها يَمْتَدُّ ليَشمَلَ أيَّ نَوعٍ مِنَ السُّلوكِ الجِنسيِّ المُحَرَّم. وأعتقدُ أنَّ اتِّساعَها مُشارٌ إليهِ فيما يَقولُهُ رَبُّنا في العَدد 28 إذْ إنَّهُ يَقولُ: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". وعندما يَتحدَّثُ عَنِ المرأةِ هُنا فإنَّهُ لا يَذكُرُ ما إذا كانت مُتزوِّجَةً أَم غير مُتزوِّجَة. لِذا فإنَّ مَعناها واسِعٌ بِمَعنى أنَّ أيَّ شَخصٍ يَشْتَهي أيَّ امرأةٍ إنَّما قد زَنَى بِها في قَلبِه. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَستخدِمُ الكلمةَ بأوسَعِ مَعنىً مُمكِن للإشارةِ إلى أيِّ رَجُلٍ وأيَّةِ امرأة.

والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا، يا أحبَّائي: إنَّ هذهِ الخَطيَّةَ مُتَفَشِّيَةٌ جدًّا اليوم. فكأنَّنا أَدَرْنا ظُهورَنَا وَحَسْب لهذهِ الوَصِيَّة. ولكِن يجب على النَّاسِ أن يَقرأوا سِفرَ الأمثالِ والأصحاحاتِ 5 و 6 و 7 قَبلَ أن يَقترِفُوا هذهِ الخَطيَّة. فَالأصحاحاتُ 5 و 6 و 7 مِن سِفْرِ الأمثال تَتحدَّثُ تَحديدًا عنِ الدَّمارِ الَّذي تُسَبِّبُهُ خَطيَّةُ الزِّنَى أوِ الفِسْق. فهي خَطيَّةٌ يَقتَرِفُها الحَمْقَى.

انظُروا إلى خَطيَّةِ دَاودَ ونَتَائِجِها. انظُروا إلى شَكيم الَّذي دَنَّسَ دِيْنَة فَدَفَعَ حَياتَهُ ثَمَنًا لتلكَ الخطيَّة. انظُروا إلى أبشالوم الَّذي دَنَّسَ آخَرينَ بالخَطايا الجِنسيَّةِ وانتَهى بِهِ المَطافُ مُعَلَّقًا بينَ أغصانِ شَجَرة. إنَّها خَطِيَّةٌ يَقتَرِفُها الحَمْقَى. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّكَ إن فَعلتَ ذلكَ فإنَّكَ تُشبِهُ إنسانًا يَأخُذُ نَارًا في حِضْنِهِ. كذلكَ فَإنَّنا نَقرأُ " وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ [في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 113: 4] فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ".

والعَهدُ الجَديدُ يُكَرِّرُ بِحَزْمٍ وَجَزْمٍ نَفسَ هذا النَّهْي. فالأصحاحُ السَّادِسُ مِن رسالة كورنثوسَ الأولى يَدينُ تلكَ الخَطيَّة. والأصحاحُ الثَّاني مِن رسالة بُطرس الثَّانية يَدينُ تلكَ الخَطيَّة. والأصحاحُ الثَّاني مِن سِفْر الرُّؤيا يَدينُ تلكَ الخَطيَّة. ونَقرأُ في نِهايةِ سِفْر الرُّؤيا أنَّ العاهِرينَ والزُّناةَ لن يَدخُلوا مَلكوتَ اللهِ. فهي جَريمةٌ خَطيرةٌ ومُريعَةٌ وشِرِّيرة.

ويَسوعُ يُوافِقُ هَؤلاءِ في نَظرتِهم إليها. فقد كَانُوا يَنظُرونَ إلى هذا الأمرِ على أنَّهُ خَطير. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّامِنِ مَثَلاً نَقرأُ أنَّ قادةَ اليهودِ أمسَكُوا امرأةً في ذاتِ فِعْلِ الزِّنَى. فَقالُوا لِيَسوعَ في العَددِ الرَّابع: "يَا مُعَلِّمُ، هذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي [أوْ أُمْسِكَتْ فِي ذَاتِ الْفِعْل]". وَلا أدري ما الَّذي حَدَثَ للرَّجُل! وهذا يُعطيكُم فِكرةً عَن مِعيارِهم المُزدَوَج. ولكِنَّهُم أَمْسَكُوا هذهِ المَرأةَ في ذَاتِ فِعْلِ الزِّنَى. "وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟"

وقد كانَ هَؤلاءِ نَاموسِيِّينَ جدًّا. وكانُوا يَشعُرونَ أنَّ مُوسَى في صَفِّهِم. وقد كانَ مِن حَقِّهِم أن يَدينوا المَرأة. وكانَ يَنبغي ليسوعَ أن يُوافِقَهُم الرَّأيَ ويقولَ لَهُم: "أُرجُموهَا" إن لَم يَكُن يَملِكُ القُدرةَ على أن يَغفِر لَها. ولكِن عندما نَظرَ يَسوعُ إليها وَقال: "اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا"، غَسَلَها فَصارَتْ بَيضاءَ كالثَّلج. وفي ضَوْءِ بَياضِ وطَهارةِ عَطِيَّةِ الخَلاصِ الَّتي قَدَّمَها إلى تلكَ المَرأة، لم تَكُن هُناكَ خَطيَّةٌ بَاقِيَةٌ يَنبغي أن تُرجَمَ عَليها.

أمَّا بِمَعزِلٍ عن ذلكَ فقد كانوا مُحِقِّين. فَمُوسَى قالَ في سِفْر التَّثنية 22: 22 إنَّهُ إنْ أَمسكتُم رَجُلاً وامرأةً يَزْنِيان، ارجُموهُما. لِذا فقد كانوا مُحِقِّين. فقد رَأَوْا الفِعلَ كَما كانَ اللهُ يَراهُ. وكانَ نَاموسُ اللهِ وَاضِحًا جدًّا. وأريدُ أن أقولَ لَكُم، يا أحبَّائي، إنَّهُ لم يَتغيَّر. فالخَطيَّةُ الجِنسيَّةُ اليومَ، وفي أيِّ يَومٍ، لا تَقِلُّ شَرًّا، ولا تَقِلُّ شَناعَةً، ولا تَقِلُّ فَظاعَةً عَمَّا كانت عليهِ آنَذاك.

وأنا لا أُبالي إن كُنتُما مَخْطَوبَيْنِ، أو تَخرُجانِ مَعًا، ولا أُبالي إن كُنتُما تُحِبَّانِ أحَدُكُما الآخرَ، ولا أُبالي بأيِّ شَيءٍ آخر. فَإن لم تَكونا مُرتَبِطَيْن بِزَواجٍ أُحادِيٍّ فإنَّ أيَّ فِعْلٍ جِنسيٍّ هُوَ جَريمةٌ مُريعَة. ويجبُ علينا أن نَقولَ ذلكَ في وَقتِنا الحَاضِرِ لأنَّ النَّاسَ لا يُصَدِّقونَ ذلك.

إذًا، هُناكَ الفِعلُ. ولكِنَّ يَسوعَ لم يَتحدَّث فقط عَنِ الفِعل، بل إنَّهُ يُريدُ أن يَتحدَّثَ عنِ الرَّغبةِ في العَدد 28. وإليكُم ما يَقول: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". بعبارةٍ أخرى، لقد بَلَغتُمُ الحَدَّ الَّذي بَلَغتُموه، ولكِنَّكُم لم تَبلُغوا الحَدَّ المَطلوب. فقد اكتَفيتُم بالأشياءِ الخَارجيَّة. "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ [أيَّ شَخصٍ] يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ [إلى أيَّةِ امرأةٍ] لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ".

وهذهِ آيةٌ مُدهشة. وهُناكَ أُمورٌ كَثيرةٌ أريدُ مِنكُم أن تَرَوها. فالرَّبُّ يُرغِمُ الأشخاصَ الأبرارَ في أعيُنِ أنفُسِهم على أن يَرَوْا أنَّهُم ليسوا قِدِّيسين. فقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ يَقولون: "نَحنُ لا نَفعلُ كَذا"، أو: "نَحنُ لا نَفعلُ تلكَ الخطيَّة". ويسوعُ يَقودُهُم إلى النَّظرِ إلى أعماقِ قُلوبِهم كما لو أنَّ المَزمورَ 66: 18 قد صَارَ حَقيقةً: "إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا [أين؟] فِي قَلْبِي لاَ يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبُّ". فاللهُ يَفحصُ دائمًا خَطيَّةَ القَلب. فالأمورُ الدَّاخليَّةُ هي الَّتي تَهْدِمُ العَلاقة. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقول: "أنا أُبالي بما هُوَ مَوجودٌ في دَاخِلِكُم".

لِنَنظُر إلى العِبارة "وَأمَّا أَنا"، وهي عِبارةٌ تَوكيديَّة. فالكلمة اليونانيَّة "إيغو" (ego) مَوجودةٌ هُنا، والضَّميرُ مَوجودٌ هُنا لأنَّهُ يَقولُ: "أنا هُوَ المَصدرُ الجَديدُ للسُّلطانِ بعدَ أن كُنتُم تَرجِعونَ إلى أَحْبارِ اليَهودِ وَتَقليدِكُم". وقد كانَ ذلكَ التَّقليدُ مُوافِقًا لِناموسِ مُوسَى أحيانًا؛ ولكِنَّهُ لم يَكُن مُوافِقًا لَهُ في أحيانٍ أُخرى. وفي هذهِ الحَالَةِ، كانَ ما تَعَلَّموهُ مُوافِقًا لِمُوسَى، ولكِنَّ يَسوعَ يُشيرُ إلى تَقليدِ أحبارِ اليَهودِ قَائِلاً: "لقد سَمِعتُم ذلكَ، وَلَكِنِّي المَصدر الجَديد للسُّلطان". وبالمُناسَبة، لقد قالَ تلكَ الكلمات بسُلطانٍ عَظيمٍ حَتَّى إنَّهُ عندما أَنْهَى العِظَةَ بُهِتُوا لأنَّهُ كانَ يَتَكَلَّمُ بمِثلِ ذلكَ السُّلطان.

"وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ" – وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا صِيغةَ المُضارِعِ المُستمرّ بِمَعنى: "إنَّ كُلَّ مَنْ يَستمرُّ في النَّظر". والآن لاحِظوا ما يَلي: إنَّهُ فِعْلٌ مُستمرٌّ أو حَالةٌ مُستمرَّة. هَل تَرَوْنَ الفِكرة؟ فَهُوَ لا يَتحدَّثُ عن نَظرةٍ خَاطِفَةٍ غير مَقصودَة. فَهذا ليسَ ما يَتحدَّثُ عنهُ رَبُّنا، بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ النَّظرِ بطريقةٍ مَقصودةٍ ومُتكرِّرةٍ بِدافِعِ الشَّهوة. فهي ليست نَظرةً عَابِرَةً غير مَقصودة البَتَّة، بل هي نَظرةٌ مَقصودَة.

وبالمُناسَبة، سوفَ أُريكُم شَيئًا مُدهشًا بخصوصِ هذهِ الآية. استَمِعوا إلى ما يَقول: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا" - والآن، استَمِعوا إلى ما يَلي: إنَّهُ لا يَقولُ: "فإنَّهُ يَزْنِي بِها". لا! إنَّهُ لا يَقولُ ذلك. فَهَل يَقولُ: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فإنَهُ يَزنِي بِها؟" لا! بَل يَقولُ: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". لِماذا؟ لأنَّ القَلبَ الشرِّيرَ الزَّانِي هُوَ الَّذي يَدفَعُ الإنسانَ إلى النَّظرِ بتلكَ الطَّريقة. أَتَرَوْن؟ فالخطيَّةُ حَدَثَتْ أَصْلاً في القَلب. والزِّنَى قد حَدَثَ. لِذا فإنَّ النَّظرةَ كانت مَسْبوقَةً بالشَّهوة.

لِذا فإنَّنا نَجِدُ في هَذهِ الحَياةِ أنَّكَ قد تَرَى فَتاةً تَمُرُّ مِن أمامِكَ دُونَ أنْ تَقْصِدَ أن تَنظُرَ إليها ويَبدو أنَّ الأمرَ تَجربةٌ مِنَ الشَّيطانِ، أو رُبَّما تُحاوِلُ أن تَلِفَتَ انتباهَك. والنَّظرةُ العَابِرَةُ تَعني أنَّكَ قَاوَمْتَ التَّجربةَ وَنَجَحْتَ في ذلك. ولكِنْ عندما تُطيلُ النَّظرَ، وتَنظُرُ مَرَّةً أخرى، وتَستَسلِم لأهوائِكَ فإنَّكَ تُعَزِّزُ شَهوَتَكَ لأنَّ القَلبَ الزَّانِي يُريدُ تلكَ الفَتاةَ. وأنتَ تُتَمِّمُ تلكَ الرَّغبة المَوجودة أصلاً في قَلبِك.

والآن، لاحِظوا الكلمة "لِيَشتَهيهَا". وقد يُساعِدُنا كَثيرًا أن نَنظرَ إلى الكلمةِ اليونانيَّةِ هُنا: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا". وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا صِيغةً يُونانِيَّةً. وأنا أقولُ هَذا لطلبةِ اللُّغةِ اليونانيَّة. فَهُوَ يَستخدِمُ "بروس تو" (pros to) مَعَ صيغة المَصدَر. وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَرَوْنَ فيها هذهِ الصِّيغةَ فإنَّها تُشيرُ إلى القَصد: "بِقَصْدِ الشَّهوة". بعبارةٍ أخرى، إنَّها ليست نَظرةً عَابِرَةً، بل هي نَظرةٌ مَقصودَة. فالقَلبُ مُمتلئٌ بِنَزْواتٍ عَنِ الزِّنَى ويُريدُ أن يَجِدَ شَخصًا يُسْقِطُ عليهِ تلكَ النَّزوة.

فعندما تَنظُرُ إلى امرأةٍ لِتَشتَهيها، أو عندما تَذهبُ لمُشاهَدةِ فيلمٍ لأنَّكَ تَعلمُ أنَّكَ عندما تَذهَبُ إلى هُناكَ فإنَّكَ سَتَرى مَا يُوافِقُ شَهوةَ قَلبِكَ، فإنَّكَ تَسْعَى وَراءَ إشباعِ شَهوَتَكَ. وهذا يَحدُثُ أيضًا عندما تُقَلِّبُ مَحَطَّاتِ التِّلفزيون بَحثًا عن شَيءٍ يُشبِعُ شَهوَتَكَ. فَهُوَ يَحدُثُ عندما تَبحثُ عَنِ ذلكَ الشَّيء. فَهُو شَيءٌ مَقصودٌ.

لِذا، يُمكِنُنا أن نَقرأُ الآيةَ هَكذا: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ بِكُلِّ تَأكيد: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَستمرُّ في النَّظَرِ إِلَى امْرَأَةٍ بِقَصْدِ اشتِهائِها، فَقَدْ قَدَّمَ الدَّليلَ على أنَّهُ قَد زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". فالنَّظرةُ المُستمرَّةُ تَدُلُّ على القَلبِ الشِّرِّير.

لِذا فإنَّ ما يَقولُهُ يَسوعُ هُوَ التَّالي: إنَّ القَلبَ هُوَ المُشكلة. فكما تَعلَمونَ، لو أنَّهُ قَالَ: "مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فإنَّهُ يَقْتَرِفُ الزِّنَى"، قَد يَقولُ شَخصٌ لَهُ: "لقد كُنتُ أَمشي وَحَسْب عندما مَرَّتْ تلكَ الفَتاةُ مِن أمامي وكانت جَذَّابةً جدًّا، إلخ...إلخ...إلخ. فقد حَدثَ ذلكَ الأمرُ دُونَ قَصْدٍ مِنِّي". ولكِنَّ الرَّبَّ لا يَتحدَّثُ عن ذلك.

بَل إنَّهُ يَقول: "إنْ حَدَثَ ذلكَ فإنَّ السَّببَ في حُدوثِهِ هُوَ أنَّ قَلبَكَ شِرِّيرٌ ومُمتلئٌ بالشَّهوةِ والزِّنَى". وكما تَرَوْنَ فإنَّ المُشكلةَ تَكمُنُ في القَلب. فالقلبُ هُوَ الَّذي يَحتاجُ إلى تَغيير. هذا هُوَ ما يَقولُهُ. "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ". فَهُوَ يَدينُ النَّظَرَ إلى أيِّ امرأةٍ لإشباعِ القلبِ الزَّاني.

واسمَحوا لي أن أُضيفَ مَا يَلي: التَّجربةُ الَّتي تُحاولُ أن تُغويكَ جِنسيًّا هي ليست في ذاتِها خَطيَّة. فإنْ مَرَرْتَ بتجربةٍ فإنَّ الشَّيطانَ يُحاولُ أن يُجَرِّبَكَ. فقد يَضَعُ الشَّيطانُ شَخصًا أو شَيئًا أمامَكَ كي يُجَرِّبَكَ. ولكِنَّ الخَطيَّةَ تَحدُثُ إنْ سَقَطْتَ في تلكَ التَّجربة. فإنِ استَسلمتَ للتَّجربة، وإنْ أَطَلْتَ التَّأمُّلَ في تلكَ التَّجربة، وَأَطَلْتَ التَّأمُّلَ في تلكَ الأفكار الشِّرِّيرة فإنَّها تَصيرُ خَطيَّةً. ويقولُ "ستاير" (Steyr): "مَنْ يَختَبِرُ عندَ أوَّلِ نَظرةٍ هذهِ الرَّغبةَ ولا يُبعِدُ عَينيهِ عَنها ويَبتعِد عنِ الخطيَّة، بل يَستمرُّ في النَّظرِ لكي يَرى المَزيدَ ويُشبِع رَغْبَتَهُ يَقترفِ الخطيَّة". فالخطيَّةُ تَحْدُثُ عِندما تُطيلُ النَّظر.

ففي سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني والأصحاحِ الحادي عَشَر، كانَ دَاودُ يَتَمَشَّى على سَطْحِ قَصْرِهِ فنَظَرَ إلى أسفَل ورأى بَثْشَبَع الَّتي سَنَفتَرِضْ جَدَلاً أنَّها كانت بَريئةً ولم يَخطُر بِبالِها أنَّ أحدًا قد يَراها مِن شُرفَةِ قَصْرِ المَلِك؛ لِذا فقد شَعَرَتْ بالأمانِ وَهيَ تَسْتَحِمُّ. وعِوَضًا عن أن يُبعِدَ دَاودُ عَينيهِ عَنها ويَعودَ إلى المَكانِ الَّذي يَنبغي أن يَكونَ فيهِ، استَمَرَّ في النَّظرِ والنَّظرِ والنَّظرِ إلى أنْ قَادَهُ قَلبُهُ الزَّاني إلى التَّفكيرِ في الزِّنَى والشَّهوةِ فَما كَانَ مِنْهُ أخيرًا إلاَّ أنْ زَنَى بِها وَقَتَلَ زَوجَها.

وَقَد قَالَ أَحَدُهم: "ازرَع فِكرةً تَحصُد عَمَلاً. ازرَع عَمَلاً تَحصُد عَادَةً. ازرَع عَادَةً تَحصُد شَخصيَّةً. ازرَع شَخصيَّةً تَحصُد مَصيرًا". وكُلُّ ذلكَ يَبتدِئُ بِزَرْعِ فِكرة.

والآن، اسمَعوني: إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ". فَهُوَ يَنظُرُ إلى شَيءٍ جَميلٍ ويَجعلُه مِنهُ شَيئًا قَبيحًا. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّ قَلبَهُ نَجِس. وَهذا هُوَ السَّببُ في وُجودِ مَوادٍّ إباحِيَّةٍ يا أحبَّائي. وَهذا هُوَ السَّببُ في وُجودِ كُتُبٍ قَذِرَة، ومَجلاَّتٍ قَذِرَة، وأفلامٍ قَذِرَة، ومُوسيقَا هَابِطَة، وبَرامِجَ تِلفزيونيَّة هَابِطَة، ونُكاتٍ قَذِرَة، وقِصَصٍ قَذِرَة، وكلماتٍ قَذِرَة. وَهَذا هُوَ السَّببُ في وُجودِ كُلِّ تلكَ الأشياءِ لأنَّ قَلبَ الإنسانِ شِرِّيرٌ جدًّا، ولأنَّ الإنسانَ يَجِدُ أشياءً تُوافِقُ قَلبَهُ الزَّانِي.

ولكِنَّ يَسوعَ يَقولُ إنَّكَ إن فَعلتَ ذلكَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فإنَّكَ تَعرِفُ عُمْقَ الخَطيَّةِ، وتَعرِفُ أنَّ التَّغييرَ الدَّاخِليَّ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يُحْدِثُ فَرْقًا. وقد كَتَبَ "آرثر بينك" (Arthur Pink) قبلَ سَنواتٍ ما يَلي: "مِن خِلالِ المَعنى الضِّمنيِّ الواضِحِ واللاَّزِمِ، يَنْهَى المَسيحُ هُنا أيضًا عنِ استخدامِ أيٍّ مِن حَواسِّنا وأعضائِنا الأخرى لإثارةِ الشَّهوة. فإن كانَ النَّظرُ بِدافِعِ الشَّهوةِ خَطيَّةً جَسيمةً فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَرتَدونَ مَلابسَ غيرَ لائقةٍ ويَكشِفونَ أجسادَهُم بسببِ رَغبتِهم في أن يَنظُرَ الآخرونَ إليهم ويَشتَهونَهُم (عَلى غِرارِ إيزَابَل الَّتي كَحَّلَتْ عَيْنَيْهَا، وَزَيَّنَتْ رَأسَهَا وَتَطَلَّعَتْ مِنْ كَوَّةٍ)، ليسوا أَقَلَّ ذَنْبًا، بل رُبَّما كَانُوا أكثرَ ذَنْبًا.

"فَفِيما يَختصُّ بِهذا الأمرِ، لا يَقتَصِرُ الأمرُ على أنَّ الرِّجالَ يُخطِئونَ في أغلبِ الأحيانِ، بل إنَّ النِّساءَ يُغووهُم لِيُخطِئُوا. لِذا، يا لِجَسامَةِ خَطيَّةِ الأغلبيَّةِ العُظمَى مِنَ الفَتياتِ في وَقتِنا الحَاضِرِ اللَّاتي يَتَعَمَّدْنَ إثارَةَ الشَّهوةِ الجِنسيَّةِ عندَ شَبابِنا! وَيا لِجَسامَةِ خَطيَّةِ أغلبيَّةِ أُمَّهاتِهِنَّ لأنَّهُنَّ سَمَحْنَ لَهُنَّ أنْ يُغْوينَ الرِّجالِ لاقترافِ الخَطيَّة".

فالأمرُ يَسري على الفَريقَيْن. وأعتقدُ أنَّ رَبَّنا يَتحدَّثُ هُنا عن رَجُلٍ يَشْتَهي امرأةً في مَثَلِهِ التَّوضيحيِّ؛ ولكِنَّهُ يَفترِضُ أنَّ الأمرَ يُمكِنُ أن يَحدُثَ بالعَكسِ أيضًا إذْ إنَّ النِّساءَ قد يَشْتَهينَ الرِّجالَ أيضًا. وكِلا الطَّرَفَيْنِ مُخطِئ. ولِكنَّكِ قد تَتَسَبَّبينَ في إثارةِ الشَّهوةِ بسببِ مَلابِسِكِ. ويجب أن تَعلَموا أنَّني أشعُرُ بالخَوفِ أحيانًا عندما يَحينُ فَصْلُ الصَّيفِ بسببِ عَدَمِ احتِشامِ النَّاسِ في مَلابِسِهم لأنِّي لا أَظُنُّ أنَّ ذلكَ يُساعِدُ في عِبادَةِ الرَّبّ. وأنا قَلِقٌ دائِمًا بسببِ ذلك. وأرجو أن تُصَلُّوا بهذا الخُصوص.

وَلا عَجَبَ أنَّ أيُّوبَ قَالَ في سِفْرِ أيُّوب والأصحاحِ الحادي والثَّلاثين: "عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ". "عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ، فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ؟" وَهَل تَعلَمونَ مَا هُوَ عَهدُهُ؟ أَلاَّ يَنظُر. أَلاَّ يَنظُر. ويجبُ عليكَ أن تَقطعَ عَهدًا لِعَينيكَ. وقد قَالَ أيُّوبُ أيضًا: "إِنْ حَادَتْ خَطَوَاتِي عَنِ الطَّرِيقِ، وَذَهَبَ قَلْبِي وَرَاءَ عَيْنَيَّ، أَوْ لَصِقَ عَيْبٌ بِكَفِّي، أَزْرَعْ وَغَيْرِي يَأْكُلْ". بعبارةٍ أخرى، إنْ نَكَثْتُ عَهْدي الَّذي قَطَعتُهُ لعَينيَّ، لَيتَني أَموتُ جُوعًا. هذا هُوَ ما يَقولُهُ. فقد كانَ أيُّوبُ يُدركُ أنَّ الفِكرةَ تُؤدِّي إلى فِعْلٍ مَا، وأنَّهُ إنْ سَمَحَ لِعَينيهِ أن تَنظُرا إلى امرأةٍ فإنَّهُ سَيَتبَعُ شَهوَةَ قَلبِهِ الزَّانِي.

ونَقرأُ في المَزمور 119: 37 الصَّلاةَ التَّاليةَ إلى الرَّبِّ: "حَوِّلْ عَيْنَيَّ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْبَاطِل". لِذا فَإنَّ ما يَقولُهُ رَبُّنا هُوَ: يجبُ عليكَ أن تَفحصَ قَلبكَ لأنَّ القَلبَ هُوَ المُشكلة. هَذهِ هِيَ خُلاصَةُ مَا يَقول. والآن، يا أحبَّائي، إن كُنتَ مُؤمِنًا بيسوعَ المسيح فإنَّكَ تَملِكُ قَلبًا جَديدًا. ولكنَّ الجَسَدَ، أوِ الخَطيَّةَ الَّتي مَا تَزالُ مَوجودةً فيهِ تُطِلُّ برأسِها القَبيح. أليسَ كذلك؟ فالشَّيطانُ يَأتي لِيُجَرِّبَكَ. وأرجو أن تَكونَ قد قَطعتَ عَهدًا لعَينيكَ لأنَّكَ تَملِكُ كُلَّ ما يَلزَمُكَ لِتَحقيقِ النَّصر.

ولكِنَّ يَسوعَ يَقولُ لهؤلاءِ الفَرِّيسيِّين: "إنَّ مُشكلَتَكُم عَويصةٌ جدًّا ولا يُمكِنُ لِبِرِّكُم الذَّاتِيِّ أن يُعالِجَها". ثُمَّ إنَّهُ يَتَقدَّمُ خُطوةً أخرى – وهذهِ هي النُّقطةُ الأخيرةُ، ثُمَّ إنَّنا سنَتحدَّثُ عَنِ الخُلاصَة. والنُّقطةُ الأخيرةُ هي الخَلاص. فكيفَ تَخْلُص مِن هذا المَوقِف؟ فَهُوَ يَنتَقِلُ مِنَ الفِعلِ إلى الرَّغبةِ إلى الخَلاص. انظروا إلى ما يَقول. فَهُوَ مُدهِشٌ جدًّا:

"فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".

والآن، عندما تَقرأُ هذهِ الكلماتِ أوَّلَ مَرَّة، قَد تَقول: "هَذا تَناقُضٌ كَبيرٌ. فإن كانَ يَقولُ إنَّ المُشكلةَ الحَقيقيَّةَ تَكمُنُ في القَلب، لِماذا يَقولُ: ’اقلَع عَينَكَ؟‘ أَلاَ تُوجَدُ شَهوةٌ لَدى العُميان؟" مِنَ الأفضلِ أن تُصَدِّقوا ذلك. فإن قَلعتَ عَينَكَ اليُمنَى وكانَتْ هُناكَ شَهوةٌ في قَلبِكَ فإنَّ عَينَكَ اليُسرَى سَتعملُ بِجُهدٍ أكبر للتَّعويضِ عن فُقدانِكَ لِعَينِكَ اليُمنَى. وإن قَطعتَ يَدَكَ اليُمنَى وكانَ قَلبُكَ زَانِيًا فإنَّ يَدَكَ اليُسرى سَتَعملُ بِجِدٍّ أكبر للتَّعويضِ عن فُقدانِ اليَدِ الأُخرى.

والنُّقطةُ هُنا هي أنَّ يَسوعَ لا يَقولُ إنَّ هُناكَ عِلاجًا جَسديًّا لمُشكلةِ القَلب. فَهذا يَنْسِفُ النُّقطةَ الجَوهريَّة. لِذا، إليكُم ما يَعنيه: بالنِّسبةِ إلى الشَّخصِ اليَهوديِّ، كانتِ العَينُ اليُمنَى، والذِّراعُ اليُمنَى، والسَّاقُ اليُمنَى رُموزًا تُشيرُ إلى أفضلِ مَا لَدى المَرءِ مِن صِفات. فقد كانَ اليَمينُ يَرمِزُ دَائِمًا إلى الشَّيءِ الأفضَل. وَهُوَ يَقولُ ببساطَة: "لا يُوجَد شَيءٌ لا يُمكِنُكَ أن تَستَغني عَنهُ في حَياتِكَ إنْ كانَ سيَجعلُ قَلبكَ يَتوقُ إلى اقترافِ الزِّنَى". هَذا هُوَ ما يَقولُه. فإن كانَ الأمرُ يَتطلَّبُ مِنكَ أن تَتخلَّصَ مِن أَثمَنِ ما لَديكَ، تَخَلَّص مِنهُ إذًا - حَتَّى لو كانَ هذا الشَّيءُ هُوَ عَينُكَ اليُمنَى أو يَدُكَ اليُمنَى.

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 18: 7: "وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ! فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأتِي الْعَثْرَةُ! فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ. وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمِ النَّارِ وَلَكَ عَيْنَان".

فَكُلُّ مَا يَقولُهُ في الحَقيقةِ هُوَ أنَّ أيَّ شَيءٍ يُبْقي الإنسانَ مُستعبَدًا لخطيَّتِهِ ويُحاولُ أن يَفعلَ مَا يُغويهِ بِهِ قَلبُهُ الزَّاني والشِّرِّير هُوَ شَيءٌ يَنبغي التَّخلُّصُ مِنهُ حَتَّى إن كانَ أثمنَ شَيءٍ لَديكَ. فهُناكَ أشخاصٌ يَأتون ويَقولون: "سوفَ أترُكُ زَوجَتي". لِماذا؟ "لأنِّي وَجَدتُ امرأةً أخرى. نَحْنُ مُتَحَابَّانِ. وَهِيَ تَعني كُلَّ شَيءٍ لِي". اترُكْها. تَخَلَّص مِنها. فأنتَ تَتْبَعُ شَهوَتَكَ وتَدينُ نَفسَكَ. وما يَقولُهُ رَبُّنا هُوَ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ ثَمينٌ إنْ كَانَ يُؤثِّرُ سَلبيًّا في مَصيرِكَ الأبديِّ.

فيجبُ التَّعامُلُ مَعَ الخطيَّةِ بطريقةٍ جَذريَّة. وبولسُ يَقول: "أَقْمَعُ جَسَدي وَأَسْتَعبِدُهُ". لِذا فإنَّ يَسوعَ يَدعونا إلى التَّصَرُّفِ حَالاً. فَهُوَ يُشَخِّصُ المُشكلةَ ويَقول: "اقلَعها! اقطَعْها! تَخَلَّص مِن ذلكَ الشَّيء أيًّا كانَ وَطَهِّرْ حَياتَكَ مِنه... أيًّا كَان. فإنْ وُجِدَ أيُّ شَيءٍ يُغَذِّي ذلكَ القَلبَ المُمتلئَ بالشَّهوةِ، وإنْ وُجِدَ أيُّ شَيءٍ يُغَذِّي تلكَ الأفكارِ الَّتي تُغْويكَ لاقترافِ الزِّنَى، تَخَلَّص مِنهُ".

فإن كُنتَ تَذهبُ إلى السِّينما وتُشاهِد أفلامًا تَفعلُ ذلك، لا تَذهب. تَخَلَص مِن تلكَ العَادَة. وإنْ كُنتَ تُواجِهُ المُشكلةَ نَفسَها مَعَ التِّلفزيون، تَخَلَّص مِنه. وإن كُنتَ تَقرأُ كُتُبًا كهذهِ، تَخَلَّص مِنها. وإن كُنتَ تَتَصَفَّحُ مَجلاَّتٍ تَحوي صُورًا كهذهِ، تَخَلَّص مِنها في سَلَّةٍ المُهمَلات، أوِ احْرِقْها. تَخَلَّص مِنها.

وَهُوَ لا يَتحدَّثُ في الحَقيقةِ عَنِ الأمورِ الخارجيَّة. ونحنُ نَعلمُ ذلك. فَهُوَ يَعرِفُ أنَّ قَطعَ يَدِكَ اليُمنَى لن يُغَيِّرَ قَلبَكَ الزَّانِي، وأنَّ قَلْعَ عَينِكَ اليُمنَى لن يُغَيِّرَ قَلبَكَ الزَّاني. ولكِنَّ ما يَقولُهُ هُوَ أنَّهُ إنْ كانت يَدُكَ اليُمنى تُعْثِرُكَ، أو إنْ كانت عَينُكَ اليُمنَى تُعثِرُكَ، تَخَلَّص مِنها إن كانت حَجَرَ عَثْرَةٍ، أو إنْ كانَت تَقودُكَ إلى الخَطيَّة.

وهُناكَ أشخاصٌ أَسَاؤوا فَهْمَ هذهِ الكلمات. فهُناكَ أشخاصٌ تَمَنُّوا أن يُحَرِّروا أنفسَهُم مِن مُشكلةِ الشَّهوةِ فَفَعلوا أمورًا عَجيبةً بأجسادِهم. فَبَعضٌ ذَهبوا إلى صَحراءِ مِصرَ وقَرَّروا أن يَعيشوا حَياتَهُم كُلَّها بِمُفردِهم وألاَّ يُفكِّروا في أيِّ شَيءٍ سِوى الله. وأَشهَرُ رَجُلٍ فَعلَ ذلكَ هُوَ رَجُلٌ يُدعَى "القِدِّيس أنطونيوس" (Saint Anthony). فقد قَرَّرَ أن يَذهبَ إلى هُناكَ ويَتخلَّص مِن مَشاعِرِ الشَّهوةِ الَّتي في قَلبِهِ فذهبَ إلى صَحراءِ مِصر.

وقد عَاشَ مِثلَ رَاهِبٍ. وكانَ يَصومُ. وكانَ يَبقى أيَّامًا وأيًّامًا وأيَّامًا مُستيقظًا كي يُعاقِبَ نَفسَهُ كَما لو أنَّهُ يَعملُ شَيئًا بَارًّا. فقد كانَ يُعَذِّبُ جَسَدَه. اسمَعوني: لقد عاشَ القِدِّيس أنطونيوس ثلاثًا وخمسينَ سنةً في الصَّحراء. وقد قالَ إنَّهُ خَاضَ صِراعًا لا يَتوقَّفُ طَوالَ خمسٍ وثلاثينَ سنةً مَعَ التَّجربة. وإليكُم ما كَتَبَهُ في سِيرتِهِ الذَّاتيَّة: "قبلَ أيِّ شَيءٍ آخر، حَاولَ إبليسُ أن يَقودَهُ بَعيدًا عنِ الانضباطِ، وكانَ يَهمِسُ لَهُ مُذَكِّرًا إيَّاهُ بالثَّروةِ، وبهُمومِ أُختِهِ، وأقوالِ أقربائِهِ، ومَحبَّةِ المَالِ، ومَحبَّةِ المَجدِ، ومُتَعِ الطَّعامِ العَديدة، وغيرِ ذلكَ مِن مَسَرَّاتِ الحَياة. وأخيرًا، جَرَّبَني الشَّيطانُ في نِطاقِ الفَضيلة".

وَهُوَ يَقول: "في المَعركةِ، كانَ الشَّيطانُ يُجَرِّبَهُ بأفكارٍ حَمقاء؛ ولكِنَّهُ قَاوَمَها بالصَّلوات. وقد كانَ الشَّيطانُ يُجَرِّبُهُ بالشَّهوةِ؛ ولكِنَّهُ قَاوَمَها بمزيدٍ مِنَ الصَّلواتِ والإيمانِ والصَّوم. وقد قالَ إنَّ الشَّيطانَ تَقَمَّصَ ذاتَ لَيلةٍ هَيئةَ امرأةٍ، وإنَّ الشَّيطانَ قَلَّدَ كُلَّ الأعمالِ الَّتي قد تَقومُ بها المرأةُ لإغواءِ القِدِّيس أنطونيوس". وقد قال: "لقد خُضْتُ طَوالَ خَمسٍ وثلاثينَ سنةً هذا الصِّراع".

والغَايةُ مِنَ القِصَّةِ، يا أحبَّائي، هي ما يَلي: قد تَكونُ بمُفردِكَ تَمامًا في صَحراءٍ مِصريَّةٍ دُونَ أن يَحدُثَ أيُّ شَيءٍ في قَلبِكِ لِحَلِّ المُشكلة. والحَقيقةُ هي أنَّهُ لو أنَّ القِدِّيس أنطونيوس استَخدَمَ المَوارِدَ المُتاحَةَ مِنَ اللهِ لِتَغييرِ القَلبِ لما اضطُرَّ إلى تَركِ مَدينتِه.

لاحِظوا الكلمةَ "تُعْثِرُكَ" في عُجالَة. ففي العَدد 29: "تُعْثِرُكَ". وفي العَدد 30: "تُعْثِرُكَ". وهي تَرجمةٌ للكلمةِ "سكاندالون" (skandalon) في اللُّغةِ اليُونانيَّةِ. وهي تُستخدَمُ للإشارةِ إلى فَخٍّ في الحقيقةِ، أو حَرفيًّا إلى الطُّعْمِ الَّذي يُوضَعُ في المِصْيَدَة. فقد كانُوا يَضَعونَ في المِصيَدَةِ طُعْمًا. وكانَ الحَيَوانُ يَأتي ويَلتقِطُ الطُّعْمَ فَتُطْبِقُ المِصيَدَةُ عليه. وَهُوَ يَقول: "إن كانَت عَينُكَ اليُمنَى هِيَ الطُّعْمُ الَّذي يَجعلُكَ تَقَعُ في المِصيَدَةِ عندما تَندفِعُ إلى إشباعِ شَهوتِكَ الجِنسيَّةِ، اقْلَعْها. وإنْ كانتْ يَدُكَ اليُمنَى هِيَ الطُّعْمُ، اقطَعها. وإن كانَ هُناكَ شَيءٌ في حَياتِكَ يُؤدِّي إلى هذِهِ الأفكارِ المُريعةِ والشِّرِّيرة، تَخَلَّص مِنهُ".

والآن، هُناكَ دَهاءٌ في هذا الأمر. اسمَحوا لي أن أسألَكُم السُّؤالَ التَّالي: هَل كانَ باستطاعةِ هؤلاءِ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّينَ أن يَتخلَّصُوا مِن هذهِ المَشاكِل؟ هَل كانَ باستطاعَتِهم التَّخلُّص مِنها؟ الحقيقةُ هي أنَّهُ لم يَكُن باستطاعتِهم التَّخلُّص مِنها. ويسوعُ يُعطيهم مَرَّةً أخرى مِعيارًا مُستحيلاً وشيئًا مُحْبِطًا يَدفَعُهم إلى القول: "لقد حَاوَلنا وَفَشِلنا". وقد قالَ الرَّبُّ: "مِنَ الأفضلِ أن تَخسَرَ عَينًا وَيَدًا على أن تَذهبَ إلى جَهنَّم". ويَجِب عليكَ أن تَقولَ مَعَ العَظَاءَةِ (أوِ السِّحليَّة): "مِنَ الأفضلِ أن أَخسَرَ ذَيلي على أن أخسَرَ حَياتي". وسوفَ يَقولون: "لا نَستطيعُ ذلك! لا نَستطيع! لا نَعرفُ كيفَ نَحصُلُ على هذا الخَلاص". لِذا فقد كانوا سَيَبلُغونَ نُقطةَ اليأسِ ويَقولون: "يجب أن يأتي شَخصٌ ويَفعل ذلكَ عِوَضًا عَنَّا. يجب علينا أن نَحصُلَ على قَلبٍ جَديدٍ وحَياةٍ جَديدة". وهذا هُوَ تَمامًا ما يُقَدِّمُهُ الرَّبُّ: "قَلبًا مُتجدِّدًا بكُلِّ فِكرةٍ، ومُمتلئًا بالمحبَّةِ الإلهيَّةِ، وكامِلاً ومُستقيمًا، وطَاهِرًا وصَالِحًا، قَلبًا شَبيهًا بقلبِكَ يا رَبّ". لِذا فقد أَرغَمَهُم الرَّبُّ على أن يَرَوْا أنَّهُم بحاجةٍ إلى طَبيعةٍ جَديدة.

ويا أحبَّائي، إن كانَ يسوعُ المَسيحُ قد دَخَلَ حَياتَكُم فإنَّكُم قد حَصلتُم على طَبيعةٍ جَديدة، وقَلبٍ جَديد، ولا حَاجَةَ لَكُم إلى اتِّباعِ شَهوتِكُم. فيُمكنُكُم الآنَ أن تَنتصروا عليها. وأنا أشكُرُ اللهَ على ذلك. فيُمكِنُكُم أن تَقطعُوا عَهدًا لِعَيونِكُم كَما فَعلَ أيُّوب. أو كَما جَاءَ في رِسالةِ كُولوسي والأصحاحِ الثَّالث: أن تُميتوا أعضاءَكُم الَّتي في هذا العَالَم. ويَمكنُكم أن تَختبِروا النُّصرةَ. ولكِنَّ الرَّجُلَ مِن دُونِ يسوعَ المسيحِ، والمرأةُ مِن دُونِ يَسوعَ المَسيحِ هُما ضَحيَّة دائمًا للشَّهوة.

وَكَم يَنبغي لنا أن نَكونَ شَاكِرينَ لأنَّ الرَّبَّ أعطانَا مَصدرًا للنُّصرة! فأنا أشكُرُ اللهَ لأنَّهُ أعطاني قَلبًا جَديدًا. وقد أعطَى كُلَّ مَن يَعرِفُهُ قَلبًا جَديدًا لِئَلاَّ تُضطَرُّوا إلى اختبارِ الخَسارةِ دائمًا في المَعركة. فَلا مُبَرِّرَ للخَسارةِ إنِ استَخدمنا المَواردَ المُتاحَة لنا.

وَأودُّ أن أختِمَ حَديثي بقراءةِ مَا يَلي على مَسامِعِكُم. فقدِ ارتأيتُ أنَّها ستكونُ كلماتٍ قَويَّة جدًّا. استَمِعوا إليها:

في بِدايةِ الحَربِ الأمريكيَّة، مَاتت شَابَّةٌ في سِنِّ الثَّانيةِ والعِشرينَ في مُستشفى "كوميرشال" (Commercial Hospital) في "سينسيناتي" (Cincinnati) في مُنتصفِ فَصلِ الشِّتاءِ القَارِس. وقد كانت ذاتَ يَومٍ على قِسْطٍ كَبيرٍ مِنَ الجَمال. وكانَ كَثيرونَ يَسْعَوْنَ وَراءَها بسببِ جَمالِها. فقد كانَ وَجْهُها بَشوشًا؛ ولكِنَّها صَارت عَاهِرَةً. ومَعَ أنَّها كانت مُتَعَلِّمَةً جدًّا وتَتمتَّعُ بأخلاقٍ عَالية فإنَّها أَهْدَرَتْ شَبابَها في الرَّذيلةِ ومَاتَتْ بِلاَ أصدقاء وكانت كَسيرَةَ القَلبِ ومَنبوذَةً مِنَ المُجتمَع. وقد تَمَّ العُثورُ في حَاجَاتِها الشَّخصيَّةِ على قَصيدةً بِعُنوان: "ثَلْجُ جَميل" (Beautiful Snow). وكانت تِلكَ الفَتاةُ قد كَتَبَتْ هذهِ القَصيدةَ قَبلَ مَوتِها تَصِفُ فيها حَياتَها. وقد تَمَّ إرسالُ القَصيدةِ إلى مُحَرِّرِ صَحيفةِ "ناشيونال يونيون" (National Union) الَّذي نَشَرَها في صَباحِ اليومِ الَّذي أَعْقَبَ مَوتَها. وعندما نُشِرتِ القَصيدةُ في الصَّحيفةِ، لم يَكُن جَسَدُ الفتاةِ قَد دُفِنَ بَعد. وقد تَأثَّرَ الشَّاعِرُ الأمريكيُّ "توماس بيوكانان ريد" (Thomas Buchanan Reed) تَأثُّرًا جدًّا بالمَشاعِرِ الرَّقيقةِ في تلكَ القَصيدةِ حَتَّى إنَّهُ تَبِعَ الجُثَّةَ إلى المَقبرة.

ولأنَّ القَصيدةَ طَويلةٌ سَأكتَفي بقراءةِ جُزءٍ مِنها فقط:

"يَا لِجَمالِ الثَّلجِ وَرَوعَتُهُ وَهُوَ يَملأُ السَّماءَ والأرضِ مِن تَحتِها، ويَملأُ سُطوحُ المَنازِلِ، ويَملأُ الشَّارعَ، ويَملأُ رُؤوسَ الأشخاصِ الَّذينَ تَلتَقيِهم. يُمكِنُكَ أن تَرقُصَ وتَقفِزَ وَتَثِبَ فوقَ الثَّلجِ الجَميلِ دُونَ أن تَتأذَّى. وَرُقاقاتِ الثَّلجِ تَتَطايَرُ وتُقَبِّلُ خَدَّ سَيِّدَةٍ جَميلة، أو تَلتَصِقُ بشَفَتَيِّ شَخصٍ فَرِحٍ. إنَّهُ ثَلجٌ جَميلٌ مِنَ السَّماءِ في الأعالي، طَاهِرًا كالمَلاكِ، ورَقيقًا كالمَحبَّة.

"ذاتَ يَومٍ كُنتُ نَقيَّةً كالثَّلجِ؛ ولكِنِّي سَقَطْتُ. سَقَطْتُ كَرُقاقاتِ الثَّلجِ مِنَ السَّماءِ إلى جَهنَّم. لقد سَقَطْتُ لأُداسَ كَما تُداسُ القَاذورات في الشَّارع. وقد سَقَطْتُ لأُهانَ، وَيُبْصَقَ عَليَّ، وأُضرَب. وقد تَوَسَّلتُ وَشَتَمْتُ، ولكِنِّي بسببِ خَوفي مِنَ المَوتِ بِعْتُ رُوحِي لِكُلِّ مَن يَدفع. وقد دَنَّسْتُ نَفسي مِن أجلِ قِطعةٍ مِنَ الخُبزِ، وَكَرِهْتُ الحَياةَ، وكنتُ أَخافُ مِنَ المَوت. يا إلَهي الرَّحيم، لقد سَقَطْتُ سُقوطًا مُريعًا، ولكنِّي كُنتُ ذاتَ يَومٍ ثَلجًا جَميلاً.

"ذاتَ يَومٍ كُنتُ جَميلةً كَجَمالِ الثَّلجِ، وكانَتْ عَيني كالبِلَّوْرِ، وكُنتُ أَمْلِكُ قَلبًا مُتَألِّقًا مِثلَهُ. وذاتَ يَومٍ كانَ النَّاسُ يُحِبُّونَني بسببِ بَراءَتي ونِعمَتي، وكانُوا يَمْتَدِحونِي ويُطيلونَ التَّأمُّلَ في جَمالِ وَجهي. ولكنِّي فَقدتُ أبي وأُمِّي وأُختي والكُلَّ، وخَسِرتُ اللهَ ونَفسي بسببِ سُقوطي. وبسببِ قبْحي الشَّديدِ فإنَّ المَارَّةَ يَنْفُرونَ مِنِّي لِئَلاَّ أقتَرِبَ مِنهُم. ولكِن على الرَّغمِ مِن كُلِّ قُبحي الَّذي يَكسوني ويُغَطِّيني فإنِّي أَعلَمُ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ أنصَعُ بَياضًا مِنَ الثَّلجِ الجَميل.

مَا أعجبَ أن يَسقُطَ هذا الثَّلجُ الجَميلُ على خَاطِئةٍ لا تَدري إلى أينَ تَذهب! وما أعجبَ أن يَحِلَّ الظَّلامُ مَرَّةً أخرى إنْ جَمَّدَ الثَّلجُ والبَردُ عَقلي اليَائِس. فقد يُغمَى عَليَّ، وأتَجمَّدُ، وأموتُ وَحيدةً وشِرِّيرةً جدًّا حَتَّى إنِّي لا أَجرُؤُ على الصَّلاةِ، وضَعيفةً جدًّا حَتَّى إنِّي لا أستطيعُ أن أَتَأوَّهَ ولا أنْ يَسمَعَني المَارَّةُ في شَوارِعِ المَدينةِ المُزدحمةِ الصَّاخِبَةِ بسببِ فَرَحِهم بسقوطِ الثَّلج. وحينئذٍ، سَأستَلقي وأموتُ بِحَسرَتي على فِراشٍ وكَفَنٍ مِنَ الثَّلجِ الجَميل".

وفي وقتٍ لاحِقٍ، أَضافَ شخصٌ آخرُ الكَلماتِ التَّالية: "أيَّتُها النَّفسُ الخَاطئةُ والبائسةُ والضَّعيفةُ كالثَّلجِ المُداسِ، لا تَيأسي! فالمَسيحُ نَزَلَ إلى الحَضيضِ لكي يُنقِذَ النَّفسَ الَّتي ضَلَّتْ بسببِ خَطيَّتِها، ولكي يُقيمَها للحياةِ والبَهجةِ مَرَّةً أخرى. فقد تَألَّمَ المَصلوبُ، ونَزَفَ، ومَاتَ، وعُلِّقَ على شَجرةٍ وصَارَ لَعنةً لأجلِكِ. وصَوتُهُ الرَّقيقُ يُداعِبُ أُذُنَكِ. هَل مِن رَحمةٍ لي؟ هَل سَيَسمَعُ صَلاتي؟ يا رَبُّ، في نَهْرِ نِعْمَتِكَ المُتَدَفِّقَةِ لأجلِ الخُطاةُ، اغسِلني فأَبْيَضُّ أكثر مِنَ الثَّلج". دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ أَعطيتَنا قَلبًا جَديدًا حَتَّى إنَّنا لَسنا مُضطرِّينَ إلى الاتِّكالِ على بِرِّنا، بَل يُمكِنُنا أن نَتَّكِلَ عليكَ أنت. فنحنُ لا نَستطيعُ أن نُصْلِحَ قُلوبَنا يا أبانا، ولكِنَّكَ تَستطيع. شُكرًا لكَ على ذلكَ القَلبِ الجَديد. ويا رَبّ، ساعِدنا على أَلاَّ نَسمَحَ للجَسدِ أن يُفَكِّرَ في أفكارِهِ الشِّرِّيرة، ولا أنْ يَسعَى إلى غَاياتِهِ البَاطِلَة؛ بَل سَاعِدنا على أن نَكونَ أنقياءَ في أفعالِنا، وفي تَصَرُّفاتِنا، وفي أفكارِنا، وفي رَغَباتِنا.

سَاعِدنا على أن نَفعلَ كُلَّ مَا يَلزَمُ لكي نَقْلَعَ أو نَقطَعَ أو نَستأصِلَ أيَّ شَيءٍ قد يَدينُ نَفوسَنا في جَهَنَّم، أوْ إنْ كُنَّا مُؤمِنينَ قَد يُعَرِّضَنا للتَّأديبِ والعِقاب. يا رَبُّ اجْعَلْنا أنقياءَ وأبيَضَ مِنَ الثَّلج. احفَظ أفكارَنا، واحرُس عُيونَنا. وَلَيْتَ قُلوبَنا تَمتلِئُ بأفكارِكَ أنتَ. لأجلِ اسمِكَ نَطلُبُ هذا.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize