أَوَدُّ أن أُشارِكَ مَعَكُم في هذا المَساء مِن إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخَامِسِ النَّصَّ المَوجودَ في مَقطَعِنا الدِّراسِيِّ مِنَ العِظَةِ على الجَبَل. وأَوَدُّ أن أَصرِفَ أكبرَ وَقتٍ مُمكنٍ في الحقيقة في التَّأمُّلِ في النَّصِّ. لِذا، مِن دُونِ مُقَدِّماتٍ، سَنَذهبُ إلى النَّصِّ مُباشَرَةً. إنجيل مَتَّى 5: 21. وسَأقرأُ حَتَّى نِهايةِ العَدد 26:
"قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ. كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ!"
دَعونَا نُصَلِّي معًا ونَطلُبُ بَرَكَةَ الرَّبِّ على دَرْسِنا. يا أبانا، أُصَلِّي الآنَ أنْ تَفتَحَ أذهانَنا وقُلوبَنا لاستيعابِ وَفَهْمِ مَا قَصَدَهُ رَبُّنا يَسوعُ في هذا النَّصِّ. أعْطِنا بَصيرةً، وساعِدنا على أن نَرى مَا يَفوقُ قُدرةَ أذهانِنا، وَمَا يَفوقُ قُدرَتَنا على الاستيعابِ مِن ذَواتِنا. وحيثُ إنَّ رُوحَ اللهِ هُوَ مُعَلِّمُنا، لَيْتَنا نَرَى الحَقائقَ الرُّوحيَّةَ العَميقةَ الكَامِنَةَ وَراءَ تلكَ الأشياءِ الظَّاهِرَةِ على السَّطح. ولَيْتَ رُوحَ اللهِ يُكَلِّمُ قَلبي وقَلبَ كُلِّ شخصٍ هُنا ويُبَكِّتُنا كَيْ نُطيعَ الكَلامَ الَّذي يَقولُهُ رَبُّنا. نَشكُرُكَ على هذا الوقتِ الَّذي نُكَرِّسُهُ لَكَ لكي تَستخدِمَهُ لأجْلِ مَجْدِكَ أنتَ. في اسْمِ المَسيح. آمين!
لقد اخْترْتُ لِمَقطَعِ هذا المَساءِ العُنوانَ التَّالي: مَنْ هُوَ القَاتِل؟" لأنَّني أعتقدُ حَقًّا أنَّ هذا هُوَ مَا يَتحدَّثُ عنهُ رَبُّنا. فقد لاحَظْتُ في هذا الأسبوعِ، بَل في الحَرِيِّ في الأسبوعِ المَاضي، أنَّ قِسْمَ الشُّرطةِ في "لوس أنجليس" (Los Angeles) وَجَّهَ اتِّهامًا مَبدئيًّا لِرَجُلٍ يَقولونَ إنَّهُ قَتَلَ ما لا يَقِلُّ عن عَشْرِ فَتياتٍ. ويَبدو أنَّهُ اغتَصَبَهُنَّ ثُمَّ قَتَلَهُنَّ. ويبدو أنَّهُ الرَّجلُ المُلَقَّبُ بِسَفَّاح التَّلّ. وقبلَ وقتٍ ليسَ بالطَّويل، ظَهَرَ سَفَّاحٌ آخَر لُقِّبَ بِسَفَّاحِ الأحياءِ الفَقيرة؛ وَهُوَ رَجُلٌ كانَ يَحْمِلُ سِكِّينًا ويَقتُلُ المُشَرَّدينَ في الأحياءِ الفَقيرة.
وقد عُدْتُ مُؤخَّرًا مِن شيكاغو (Chicago) حيثُ سَمِعْتُ أنَّ رَجُلاً يُدعى "جون" (John)، وأعتقدُ أنَّ اسمَهُ "غيسي" (Gacy) اعْتَدى جِنسيًّا على أطفالٍ صِغارٍ وصُبيانٍ، ثُمَّ قَتَلَهُم ووَضَعَهُم في أكياسٍ بلاستيكيَّةٍ ودَفَنَهُم أسفَلَ بَيتِه. وحَتَّى اليوم، تَمَكَّنتِ الشُّرطةُ مِنَ العُثورِ على ثَلاثٍ وثَلاثينَ جُثَّة. ومَا زِلنا نَذْكُرُ جَرائمَ مَانسون (Manson). وما زِلنا نَذكُرُ الأشخاصَ الَّذينَ قُتِلوا على يَدِ "وان كورونا" (Juan Corona) ودُفِنوا في الأرضِ في العَديدِ مِنَ الأماكِن في وَسَطِ كَاليفورنيا.
وما زِلْتُ أَذكُرُ جَيِّدًا أنِّي قَرأتُ قِصَّةَ جَريمةِ قَتلٍ جَماعيَّةٍ وَقَعَتْ في صَالونِ حِلاقةٍ في أريزونا (Arizona). وقد قَرأنا مُؤخَّرًا في الصُّحُفِ عن رَجُلٍ في "سان أنطونيو" (San Antonio) بتكساس (Texas) قَرَّرَ أنْ يَحْمِلَ بُندُقيَّةً وابتدأَ يُطلِقُ النَّارَ على النَّاس. وقد جَرَحَ ما لا يَقِلُّ عن أربعةٍ وأربعينَ شَخصًا وقَتَلَ ما لا يَقِلُّ عنِ اثنين. وقبلَ مُدَّةٍ وَجيزةٍ، كنتُ أقرأُ الصَّحيفةَ فقرأتُ أنَّ صَبِيًّا في سِنِّ الخَامسةِ عَشرةَ انتظرَ إلى أنْ عَادَ أبوهُ إلى المَنزلِ مِن عَمَلِهِ وجَلَسَ في كُرْسِيِّهِ المُريح فأخذَ مُسَدَّسًا وأطلقَ رَصاصَةً على رأسِ أبيهِ فَأرداهُ قَتيلاً.
وقبلَ بِضعةِ أشهُرٍ مِن ذلك، أَذكُرُ أنَّ مُراهِقَيْنِ استَأجَرا قَاتِلاً مَأجورًا لِيَقتُلَ أَبَوَيِّ كُلٍّ مِنهُما. وَمَلَفَّاتُ الشُّرطةِ تَحوي المَزيدَ والمَزيدَ مِن هذهِ القِصَص. ولكنَّ هذهِ هي آخِرُ الجَرائِم. وَهُم يُخبرونَنا أنَّ ما لا يَقِلُّ عن خَمسةٍ وعِشرينَ ألفَ جَريمةٍ وَقَعَتْ في السَّنةِ المَاضية، وأنَّ تلكَ هي فقط الجَرائمُ الَّتي يَعرِفونَ عنها. فقد مَرَّ وَقْتٌ طَويلٌ قبلَ اكتشافِ الجُثَثِ الثَّلاثِ والثَّلاثينَ المَدفونة في الأرض في أكياسٍ بلاستيكيَّة. وَمَنْ يَدري عَدَدَ الضَّحايا الأخرى الَّتي تَرْقُدُ في أماكِنَ أخرى ولم يَكتَشِفْها أحدٌ بَعد!
وإنْ كانت هُناكَ خَمسٌ وعشرونَ ألفَ جَريمة اقتُرِفَتْ في سَنةٍ واحِدَةٍ، فإنَّ هذا يَعني أنَّ هُناكَ مِئَةَ جَريمة، أو على الأقَلِّ 70-100 جَريمة، تُقتَرَفُ يَوميًّا في بَلَدِنا. ففي السَّنةِ المَاضيةِ في مَدينةِ لوس أنجليس وَحْدَها، وَقَعَتْ 421 جَريمة. وفي آخِرِ سَنَةٍ تُوجَدُ لها إحصاءاتٌ، وتَحديدًا في الأشهُرِ التِّسعةِ الأولى مِنها، تَمَّ اقترافُ 460 جَريمة. فأعدادُ الجَرائِمِ في ازدياد. وقد أخبَرَني "ريتشارد هاينز" (Richard Hines) اليومَ أنَّهُ اضْطُرَّ في اليَومينِ المَاضِيَيْنِ إلى إخْبارِ السُّجَناءِ في السِّجْنِ الَّذي يَعْمَلُ فيهِ أنَّ خَمسةً مِن أفرادِ عَائِلاتِهم قد مَاتُوا. ومِن بينِ الخَمسة، مَاتَ اثنانِ مِنهُما قَتْلاً.
والقَتْلُ يُقْتَرَفُ بِشَتَّى الوَسائِل. فهُناكَ جَرائِمُ قَتْلٍ تُقْتَرَفُ بسببِ العُنف. وهُناكَ جَرائِمُ قَتْلٍ تُقتَرَفُ بسببِ خِلافاتٍ عَائليَّة. وهُناكَ جَرائِمُ قَتْلٍ تُقتَرَفُ بسببِ العَلاقاتِ الثُّلاثيَّةِ بينَ المِثليِّينَ الجِنسيِّينَ، وبسببِ العَلاقاتِ الثُّلاثيَّةِ بينَ مُمارِسي الجِنْسِ مَعَ الجِنسِ الآخر. وهي تُقْتَرَفُ بسببِ الحُروبِ بينَ العِصابات. وهي تُقْتَرَفُ بسببِ النِّزاعاتِ، والمُشاجَراتِ، والخُصوماتِ، وسُوءِ الفَهم. وهي تُقْتَرَفُ طَوالَ الوقت. والحَقيقةُ هي أنَّ الجَرائمَ صَارتْ شَيئًا شَائِعًا جدًّا في مَدينَتِنا حَتَّى أنَّهُم لا يَنشُرونَها في الصُّحُف ما لم تَكُن غَريبةً أو مُتَعَدِّدَة.
ولكنَّ القَتْلَ مُشكلةٌ خَطيرةٌ جدًّا في عَالَمِنا. وَهي مُشكلةٌ تَزدادُ سُوءًا طَوالَ الوقت. ونحنُ لم نَتحدَّث بعد عن شَكلٍ آخَرَ مِن أشكالِ القتل وَهُوَ: الانتِحار. فَمُؤخَّرًا، في كَنيسَتِنا، في السَّنةِ الأخيرةِ، بل حَتَّى في الشَّهرِ الأخير، أَقْدَمَ شَابَّانِ على الانتحار. وهذا شَكْلٌ مِن أشكالِ القَتلِ أو إزْهاقِ الرُّوح. ونحنُ لم نَتحدَّث بعد عَنِ الإجهاضِ أيضًا. فمنذُ أن سُمِحَ بالإجهاضِ قَانونِيًّا، هُناكَ مَا لا يَقِلُّ عَن سِتَّةِ مَلايينِ طِفلٍ قُتِلُوا.
والآن لاحِظوا ما يَقولُهُ رَبُّنا في العَدد 21: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ". مِن أينَ جَاءَتْ هذهِ الوَصيَّة؟ إنْ كُنتُم تَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَن إعلانِ اللهِ، سَتَعرِفونَ أنَّ هذهِ الوَصيَّةَ جاءَتْ في الأصْلِ مِنْ سِفْرِ الخُروجِ والأصحاح 20 عندما أَعْطى اللهُ الوَصَايا العَشْرَ وقال: "لا تُقْتُل". ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَحْوي الكَثيرَ مِنَ الآياتِ عَنِ القَتلِ غيرَ هَذِهِ.
والحَقيقةُ هي أنَّنا إذا رَجَعْنا إلى سِفْرِ التَّكوين، سَنَجِدُ في الأصحاحِ التَّاسعِ والعَددِ السَّادسِ الجُملةَ التَّالية: "سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ". فالآيةُ تَكوين 9: 6 تُحَدِّدُ عُقوبةَ الإعدامِ للقَتْل. والسَّببُ مَذكورٌ في الآيةِ نَفسِها: "لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ". فَقَتْلُ إنسانٍ هُوَ اعتداءٌ على صُورةِ اللهِ الَّتي خَلَقَها في الإنسان. وَهذا يَجْلِبُ عليهِ عُقوبةً خَطيرة. لِذا فإنَّ الأصحاحَ التَّاسِعَ مِن سِفْرِ التَّكوين يُحَدِّدُ عُقوبةَ الإعدامِ للأشخاصِ الَّذينَ يَسْفُكونَ دَمًا لأنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ على صُورةِ الله.
والآن، إذا دَرَستُم الأصحاحَ العِشرين مِن سِفْرِ الخُروج، ستَجِدونَ أنَّ الوَصيَّةَ الَّتي تَقولُ: "لا تَقْتُل" تُشيرُ إلى جَريمةِ القَتل. فهي تُشيرُ إلى جَريمةِ القَتل. فهي لا تُشيرُ إلى عُقوبةِ الإعدام. فَعُقوبَةُ الإعدامِ تَعْني الحُكْمُ على شَخْصٍ بالمَوْتِ بِسَماحٍ مِنَ الله. وهي لا تُشيرُ إلى الحَرْبِ المُبَرَّرَة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، هُناكَ أوقاتٌ في تَدبيرِ اللهِ لإسرائيل، وهُناك أوقاتٌ في خُطَّةِ اللهِ للتَّاريخ حَدَثَتْ فيها صِراعاتٌ على المُستوى القَومِيِّ وَتَمَّ فيها تَنفيذُ أُمورٍ مُعيَّنةٍ بِحَسَبِ مَشيئةِ اللهِ لإدانَةِ أُمَمٍ مُحَدَّدَةٍ وَسُمِحَ فيها بالقَتلِ دُونَ أنْ يُنْظَرَ إلى ذلكَ بأنَّهُ جَريمَة.
وأنا لا أُوْمِنُ بأنَّ النَّصَّ المَذكورَ في الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْرِ الخُروج يَتحدَّثُ عَنِ الدِّفاعِ عَنِ النَّفس؛ ولكنِّي أعتقدُ أنَّنا نَمْلِكُ الحَقَّ في حِمايَةِ صُورةِ اللهِ في حَياتِنا، وَحياةِ عَائِلاتِنا، وَحَياةِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِنا عندما يَتِمُّ الاعتداءُ عَليهِم ومُهاجَمَتُهم مِنْ قِبَلِ أولئكَ الَّذينَ قد يَقتُلونَا.
ولكنَّ ما يَتحدَّثُ عنهُ الكتابُ المقدَّسُ هُوَ جَريمَةُ القَتلِ... جَريمةُ القَتْل؛ أيْ جَريمةُ القَتلِ المُدَبَّرَة والمُخَطَّطَ لها. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر الخُروج 21: 14 مَا يَلي: "وَإِذَا بَغَى إِنْسَانٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ [أَيْ: بِدَهاءٍ] فَمِنْ عِنْدِ مَذْبَحِي تَأْخُذُهُ لِلْمَوْت". ونَرى مَرَّةً أخرى أنَّ اللهَ يُحَدِّدُ عُقوبةَ الإعدامِ أوِ المَوتِ للشَّخصِ الَّذي يَأتي بِكُلِّ صَلافَةٍ وَمَعَ سَبْقِ الإصْرارِ لِيُزْهِقَ نَفْسَ قَريبِه.
ونَقرأُ في سِفْرِ العَدد والأصحاحِ الخَامِسِ والثَّلاثين كَلِماتٍ أخرى مِنَ اللهِ بهذا الخُصوص: "إِنْ ضَرَبَهُ بِأَدَاةِ حَدِيدٍ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ. إِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ". بعبارةٍ أخرى، إذا أَخَذَ شَخصٌ أداةً حَديديَّةً وسَحَقَ بها جُمجُمَةَ شَخصٍ آخرَ فإنَّهُ قَاتِلٌ ويَنبغي أنْ يُقتَل. "وَإِنْ ضَرَبَهُ بِحَجَرِ يَدٍ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ. إِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ. أَوْ ضَرَبَهُ بِأَدَاةِ يَدٍ مِنْ خَشَبٍ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ، فَهُوَ قَاتِلٌ. إِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ. وَلِيُّ الدَّمِ يَقْتُلُ الْقَاتِل".
بعبارةٍ أخرى، كانَ يَنبغي للمُجتمعِ أن يَحمي نَفسَهُ بأنْ يَقتُلَ الشَّخصَ الَّذي يَقْتُلُ عَمْدًا أوْ مَع سَبْقِ الإصْرارِ شَخصًا آخر. ونَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِسِ والثَّلاثين مِن سِفْرِ التَّثنيةِ عن مَواقِفَ أُخرى للقَتل.
وإنْ كُنتُم تَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَنِ الكتابِ المقدَّسِ، لا بُدَّ أنَّكُم تَعرِفونَ أنَّ الجريمَةَ التَّاليةَ هي أوَّلُ جَريمَةِ قَتْلٍ بِحَقِّ إنسان. ففي سِفْرِ التَّكوين والأصحاحِ الرَّابعِ، نَقرأُ مَا يَلي: "وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ". فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: "مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ".
لِذا، مُنذُ أوَّلِ جَريمةٍ بَشريَّةٍ (وَهِيَ القَتلُ) وفي كُلِّ إعلانِ اللهِ فإنَّ القَتلَ هُوَ مَسألةٌ كِتابيَّة. وإنْ كُنَّا قد دَرَسْنا الكتابَ المقدَّسَ فإنَّنا نَعلمُ كيفَ يَشعُرُ اللهُ تُجاهَ ذلك. فالقَتْلُ مُحَرَّمٌ. ومَنْ يَقتُلُ فإنَّهُ يُعاقَبُ بالمَوت. ونَحنُ نَعلَمُ أمورًا أخرى عَنِ القَتلِ في الكتابِ المقدَّس. فمَثلاً، نَحنُ نَعلمُ أنَّ القَتلَ جَريمةٌ يَقِفُ وَراءَها الشَّيطانُ نَفسُه. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يُوحنَّا 8: 44 أنَّ إبليسَ قَاتِلٌ. والقَتْلُ جَريمَةٌ تُقْتَرَفُ بِتَحريضٍ مِنَ الشَّيطان.
ويُمكِنُنا أن نَجِدَ شَيئًا آخرَ عَنِ القَتلِ في إنجيل مَتَّى 15: 19 مَثَلاً إذْ نَجِدُ أنَّ القَتلَ يَكْشِفُ عن قَلبٍ بَشريٍّ شِرِّير. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 15: 19: "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ".
والآن اسمَعوني: إنَّ جَرائِمَ القَتْلِ والسَّرِقَةِ وَغَيرِها لا تَحدُثُ بسبب الحِرْمانِ الاجتِماعِيِّ، بل تَحدُثُ بسببِ فَسادِ القَلبِ البَشريّ. فَجَرائِمُ القَتلِ لا تَحدُثُ بسببِ المَواقِفِ الَّتي يَزدادُ فيها التَّوتُّرُ، بل تَحدُثُ لأنَّ الشَّيطانَ نَفسَهُ يَقِفُ وَراءَها. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 1: 29 أنَّ الإنسانَ قد سُلِّمَ إلى ذِهْنٍ مَرفوضٍ. وبسببِ ذِهنِهِ المَرفوضِ فإنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرٍّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، وَمَشْحُونٌ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، وَهَلُمَّ جَرَّا. فالإنسانُ قَاتِلٌ لأنَّهُ يَمْلِكُ ذِهْنًا مَرفوضًا استَسلَمَ للشَّرِّ لأنَّهُ يَرْفُضُ اللهَ. لِذا فإنَّ القَتْلَ جَريمةٌ تُقْتَرَفُ بِتَحريضٍ مِنَ الشَّيطان. وهي جَريمةٌ تَنْبُعُ مِنْ قَلبِ الإنسانِ الشرِّير.
وفي رِسالةِ غَلاطِيَّة 5: 21، يُخْبِرُنا بولسُ أنَّ القَتْلَ هُوَ عَمَلٌ مِن أعمالِ الجَسَد. فَهُوَ عَمَلٌ يَتِمُّ مِنْ قِبَلِ الطَّبيعةِ البَشريَّةِ الَّتي لم تَخْتَبِرِ التَّجديدَ يَومًا. ونحنُ نَعلَمُ أيضًا مِنْ خِلالِ الكتابِ المقدَّسِ أنَّ القَتْلَ هُوَ رِجْسٌ عِنْدَ الله. ففي سِفْرِ الأمثال 6: 16-17، يَقولُ الكِتابُ المُقدَّسُ: "هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ، وَسَبْعَةٌ هِيَ مَكْرُهَةُ نَفْسِهِ". وَهُوَ يَقولُ مَا يَلي: "أَيْدٍ سَافِكَةٌ دَمًا بَرِيئًا". فالقَتْلُ شَيءٌ يُبْغِضُهُ اللهُ. والقَتلُ عَمَلٌ يَنبُعُ مِنَ الجَسدِ البَشريِّ الَّذي لم يَخْتَبِرِ التَّجديدَ يَومًا. والقَتْلُ يُظْهِرُ القَلبَ الشِّرِّيرَ. والقَتْلُ يَحْدُثُ بِتَحريضٍ مِنَ الشَّيطانِ نَفسِه. والقَتلُ يُعاقَبُ بالمَوتِ لأنَّهُ تَعَدٍّ على الحَياةِ المَخلوقَةِ على صُورةِ الله.
ولكي أُريكُم كيفَ يَنظُرُ اللهُ إلى القَتْلِ، نَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 22: 14: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَدْخُلُوا مِنَ الأَبْوَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ". فَمَلكوتُ اللهِ والحَالةُ الأبديَّةُ هُما لَيْسَا مَكانًا للقَتَلَة.
والآن، إنَّ لائِحَةَ القَتَلَةِ في الكتابِ المقدَّسِ طَويلة. ويُمكِنُنا أنْ نَصرِفَ اللَّيلَ كُلَّهُ إلى بُزوغِ الفَجرِ في التَّحدُّثِ عنهُم. ويَذكُرُ العهدُ القديمُ الكثيرَ مِنَ القَتَلَة. وسوفَ أَذكُرُ بِضْعَةً مِن هؤلاءِ لِتَنشيطِ ذَاكِرَتِكُم: قَايين، لاَمَك، فِرْعون، أبيمالِك، يُوآب، عَماليق، دَاوُد، أبشالوم، زِمْري، إيزابَل، يَاهُو، عَثَلْيا، يُوآش، مَنَسَّى. ويَذكُرُ العهدُ الجديدُ أسماءً أُخرى مِثلَ هِيرودُس، ويَهوذا، ورُؤساءَ الكَهَنَة، وبَاراباس، وهيرودِيَّا، وابنَتَها. وهذهِ لائِحَةٌ جُزئيَّةٌ وَحَسْب.
ويَحْوي التَّاريخُ الكِتابِيُّ والتَّاريخُ المُعاصِرُ أسماءً لا تُعَدُّ وَلا تُحصَى لِقَتَلَة. فمُنذُ قَايينَ إلى يَومِنا هذا، وإلى هذهِ اللَّحظةِ، لَدينا قَتَلَةٌ في المُجتمعِ البَشريِّ. وكما تَعلَمونَ، عِندما تُفَكِّرونَ في شَخْصٍ قَاتِلٍ، وعِندما تُفَكِّرونَ في نَوعيَّةِ الشَّخصِ الَّذي استَطاعَ أنْ يَعْتَدي جِنسيًّا على ثَلاثةٍ وثَلاثينَ طِفلاً، وأنْ يَقْتُلَهُمْ وَيَضَعُ جُثَثَهُم في أكياسٍ ويَدفِنَهُم في الأرضِ فإنَّكُم تَرْتَعِدونَ لأنَّهُ شَيءٌ لا يُعقَلُ أنْ يَفْعَلَهُ إنسان. فَلاَ يَسَعُنا حَتَّى أن نَتَخَيَّلَ ذلك.
ولكِنَّنا نَستطيعُ أن نَتخيَّلَ بسهولةٍ أكبر شَخصًا يَخوضُ مُجادَلَةً حَامِيَةً مَعَ شَخصٍ آخرَ فيُخرِجُ مُسَدَّسًا ويُطلِقُ النَّارَ عليه. ورُبَّما يُمكِنُنا أن نَتخيَّلَ بِسهولةٍ أكبر شَخصَيْنِ يَتعارَكانِ فيُوَجِّهُ أحَدُهُما ضَربةً إلى الآخر تُؤدِّي إلى مَوتِهِ. ولكنَّ الأمرَ كُلَّهُ سِيَّانٌ عندَ الله. فنحنُ نَرتَعِدُ، بِصراحَةٍ، مِن فِكرةِ القَتل. ونحنُ نَخافُ مِنه. ونحنُ لا نُحِبُّ أنْ نَمشي في الشَّوارِعِ المُظلمةِ في العَديدِ مِنَ المُدُنِ أو حَتَّى في مَدينَتِنا في أحياء مُعَيَّنة. ونحنُ نَشعُرُ بالقَلق ونَضَعُ قِفْلَيْنِ على أبوابِ بُيوتِنا خَشْيَةَ أنْ يَأتي شَخصٌ ويَقتُلُنا.
وأنا أَعرفُ مَعنى أن تَكونَ حَياتُكَ مُهَدَّدة، وأعرِفُ مَعنى أن يُهَدِّدُكَ أُناسٌ بأنَّهُم سيَقتُلونَك. ورُبَّما عَشْتُم أوقاتًا تَخَيَّلتُم فيها حُدوثَ ذلك أو حَتَّى مَرَرْتُمْ بتلكَ التِّجربةِ فِعليًّا.
وإن كُنَّا نَشعُرُ بالغَثَيانِ عندما نُفَكِّرُ في جَريمةٍ كالقَتلِ فإنَّنا نُشْبِهُ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانَ يَسوعُ يَتحدَّثُ إليهِم. ففي إنجيلِ مَتَّى والأصحاحاتِ مِن 5 إلى 7، يُخاطِبُ رَبُّنا الكَتَبَةَ وَالفَرِّيسيِّينَ على سَفْحِ جَبَلٍ في الجَليلِ مَعَ بَقيَّةِ الجُموع. ولكِنْ هُنا تَحديدًا، إنَّهُ يُشيرُ إلى نَهْجِهِم في الحَياة. انظُروا مَرَّةً أخرى إلى العَدد 21.
"قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ". تَوَقَّفوا هُنا. إنَّ يَسوعَ يَقولُ هُنا: "كما تَعلمونَ، أنتُم تُؤمِنونَ أنَّ القَتْلَ خَطِيَّة لأنَّكُم إنْ قَتلتُم شَخصًا فإنَّكُم تَسْتَوْجِبونَ الحُكْم". وفي تلكَ النُّقطةِ، كانَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ يَقولونَ: "آمين، آمين. نَحْنُ نُعارِضُ القَتْلَ. فقد تَعَلَّمْنا مِنَ القُدَماءِ وَمِنْ تَقليدِ أَحْبَارِ اليهودِ أنَّ القَتلَ شَرٌّ". وَحَقيقةُ أنَّهُم لم يَقتُلوا أحدًا... والآن استَمِعوا إلى ما يَلي. فهذا هُوَ المِفتاحُ... إنَّ حَقيقةَ أنَّهُم لم يَقتُلوا أحدًا كانت واحِدَةً مِنَ الطَّرائقِ الَّتي يُقنِعونَ بها أنفُسَهُم بأنَّهُم أبرار. نحنُ لا نَقتُل! نَحنُ لَم نَقتُل أحدًا! لِذا، لا بُدَّ أنَّنا أبرار. فقد حَفِظْنا وَصيَّةَ اللهِ الَّتي تَقول: "لا تَقْتُل". نحنُ لم نَقتُل أحدًا. لِذا، كانَتْ حَقيقةُ أنَّهُم لم يَقتُلوا أحدًا واحدةً مِنَ الطَّرائقِ المُفَضَّلةِ لَديهِم لِتَبريرِ أنفُسِهم.
وَهُناكَ طَريقةٌ أُخرى مُفَضَّلَةٌ لديهم، وَهِيَ مَذكورةٌ في العَدد 27. فقد كانوا يَنظرونَ إلى وَصيَّةِ اللهِ الَّتي تَقول: "لا تَزْنِ". ولأنَّهُم لم يَقْتَرِفوا خَطيَّةَ الزِّنَى، كانُوا يُقنِعونَ أنفسَهُم بأنَّهُم قِدِّيسون. لِذا، إنْ كُنَّا نَرفُضُ فِكرةَ القَتلِ، وإنْ كُنَّا نَقولُ لأنفُسِنا: "لِماذا يَفعلُ القَتَلَةُ ذلك؟ يا لَهُم مِنْ أشخاصٍ أشرار. ما هذا الشَّرُّ الفَظيعُ الَّذي يَسْكُنُ في القَتَلَة؟ إنَّهُم أشخاصٌ مُختَلِفونَ عَنِّي! أنا لستُ قَاتِلاً. أنا لَستُ شَخصًا مِن هذا النَّوع. فأنا لا يُمكِنُ أنْ أُؤذي أيَّ شَخص".
إنْ قُلنا ذلكَ فإنَّنا نَتَّفِقُ مَعَ الكَتبةِ والفَرِّيسيِّينَ في هذهِ النُّقطة. ولكنَّ هذا هُوَ المَوضِعُ المُحَدَّدُ الَّذي يُريدُ يَسوعُ أنْ يُهاجِمَهُم فيه. فَهُوَ يَقولُ في العَدد 20: "فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ". فقد كانُوا يَقولونَ: "إنْ لم نَكُن نَقتُلُ فإنَّنا أبرار". ولكنَّ يَسوعَ قالَ: "يَجِبُ أنْ يَزيدَ بِرُّكُم على ذلك. فعَدَمُ القَتلِ لا يَكفي". وبَعْدَ أنْ قَالَ: "إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ"، تَابَعَ حَديثَهُ في الأعداد مِن 21 إلى 48 وأَعطَى سِتَّةَ أمثلةٍ إيضاحِيَّةٍ على كيفَ أنَّ البِرِّ يَنبغي أنْ يَزيدَ عَلى بِرِّ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّين.
وهَذا هُوَ المَثَلُ الإيضاحِيُّ الأوَّلُ وَحَسْب... المَثَلُ الإيضاحِيُّ الأوَّلُ وَحَسْب. فيسوعُ يُقَدِّمُ لَهُم هُنا تَعليمًا عَنِ القَتلِ صَادِمٌ جدًّا؛ بل هُوَ مُدَمِّر. وَهُوَ يُؤثِّرُ فيهم بثلاثِ طَرائِق. وهذا هُوَ المُخَطَّطُ الَّذي أُريدُ أنْ تُلاحِظوهُ في هذا المَساء. وَهُوَ يُؤثِّرُ فينا بنفسِ الطَّرائقِ الثَّلاث: أوَّلاً، إنَّهُ يُؤثِّرُ في نَظرتِهم إلى أنفُسِهم. ثَانِيًا، إنَّهُ يُؤثِّرُ في نَظرتِهم إلى اللهِ. ثَالِثًا، إنَّهُ يُؤثِّرُ في نَظرتِهم إلى الآخرين. فَهُوَ يُؤثِّرُ في نَظرتِهم إلى أنفُسِهِم، واللهِ، والآخرين. فَما سيَقولُهُ يَسوعُ سيَكونُ قَويًّا جدًّا حَتَّى إنَّهُ سيُزَعزِعُ كُلَّ شُعورٍ لَديهِم بالطُّمأنينَة. فقد أَقنَعوا أنفُسَهُم بأنَّهُ حيثُ إنَّهُم لَم يَقتُلوا أيَّ شَخصٍ فَإنَّهُم قِدِّيسونَ وأبرار. ولكنَّ يَسوعَ يَنْسِفُ ذلكَ المَفهومَ نَسْفًا.
والنُّقطةُ الأولى هي أنَّ كلماتِ يَسوعَ تُؤثِّرُ في بِرِّهِم الذَّاتِيِّ. فقد كَانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم أبرارٌ لأنَّهُم لم يَقتُلوا. وَقَدْ كَانُوا يَلْتَزِمونَ بالنَّاموسِ الَّذي عَلَّمَهُم إيَّاهُ أَحْبَارُ اليَهود. لاحِظوا مَرَّةً أخرى العَدد 21: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ مِنْ قِبَلِ القُدَماء". والآن، إنَّ يَسوعَ يُذَكِّرُهم هُنا بِتَقاليدِ أَحْبارِ اليَهود. فَهُوَ لا يُشيرُ إلى نَاموسِ مُوسَى، ولا يُشيرُ بالضَّرورةِ إلى كَلمةِ الله. فالقُدَماءُ هُمْ أَحْبارُ اليَهود. فقد كانت هذهِ العِبارَةُ تُشيرُ إلى تَعليمِ أَحْبارِ اليَهودِ في القَديم.
فَهُوَ يَقولُ: "إنَّ نِظامَكُم الدِّينيَّ... إنَّ نِظامَكُم الدِّينيَّ اليَهوديَّ [أو تَقاليدَكُم، أو تَعليمَكُم] يَقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ أن تَقتُلوا لأنَّهُ إنْ فَعلتُم ذلكَ فإنَّكُم تُعَرِّضونَ أنفسَكُم للدَّينونة. فقد تَمَّ تَعليمُكُم ذلك. فهذا هُوَ التَّقليدُ الَّذي تَوارَثْتُموه".
ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنِّي قُلتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ الشَّعبَ اليَهوديَّ كانَ في زَمَنِ يَسوعَ مُتَّكِلٌ تَمامًا على التَّقليدِ لأنَّ العهدَ القديمَ كُتِبَ باللُّغةِ العِبريَّة. أَتَذكرونَ أنِّي قُلتُ لَكُم ذلك؟ فالعَهدُ القَديمُ كُتِبَ باللُّغةِ العِبريَّة. ولكِنَّهُم لم يَكونوا آنَذاكَ يَتكلَّمونَ العِبريَّة. فمُنذُ السَّبْيِ البَابِلِيِّ فَصاعِدًا، صَارُوا يَتكلَّمونَ الآرامِيَّة. لِذا لَمْ يَكُنِ العهدُ القديمُ العِبْرِيُّ مُتاحًا لَهُم [إنْ جَازَ التَّعبير]. فعندما رَجَعُوا مِنَ السَّبْيِ، عِوَضًا عَنْ أنْ يَهْتَمَّ أَحْبارُ اليَهودِ والكَتَبَةُ وَغَيرُهُم في ذلكَ الوقتِ بتوفيرِ الكِتابِ المُقَدَّسِ لَهُم بِلُغَتِهم الأصليَّةِ، أَبْقوهُمْ في جَهْل. لِذا، لم يَكُن بمقدورِهم في الحقيقةِ أن يَفهمَوا اللُّغةَ العِبريَّةَ بمُفردِهم.
لِذا، كانَ أَحْبارُ اليَهودِ والكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ وَغَيرُهُم يُخبِرونَ الشَّعبَ بِمَعْنى مَا جاءَ في أسفارِ العهدِ القديم. وقد مَنَحَهُمْ هذا الأمرُ سُلْطانًا قَويًّا جِدًّا على الشَّعبِ لأنَّ الشَّعبَ لم يَكُن يَستطيعُ أنْ يَتحقَّقَ مِنْ صِحَّةِ كَلامِهِم.
ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُم عندما رَجَعُوا مِنَ السَّبْيِ، تَمَّ إحْضارُ سِفْرِ شَريعَةِ مُوسَى في زَمَنِ عَزْرا وَنَحَمْيا وَقَرأوا في السِّفْرِ. ونَقرأُ أنَّهُم "قَرَأُوا فِي السِّفْرِ... وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى" (كَما جَاءَ في سِفْرِ نَحَمْيا والأصحاحِ الثَّامِن). فقد كانَ يَنبغي لَهُم أن يُفَسِّروهُ للشَّعبِ لأنَّ الشَّعبَ لم يَكُن قادِرًا على فَهْمِ مَعناه. وقد استَمَرَّتِ الحَالُ هَكذا إلى زَمَنِ يَسوع. لِذا فإنَّهُمْ لم يَكونوا أَهْلَ الكِتاب. فَهُم أنفُسُهم لم يَكونوا يَقرأونَ كلمةَ اللهِ؛ أيِ العَهدَ القَديم، بل كَانوا يَستمعونَ إلى ما يُعَلِّمُهُ أَحْبارُ اليَهودِ لَهُم. وقد فَسَّرَ هَؤلاءِ العهدَ القديمَ وَشَرَحوهُ بِما يُوافِقُ أهدافَهُم.
ولكِنْ بينَ الحِيْنِ والآخر، كانتِ الأشياءُ الَّتي يُعَلِّمُها هَؤلاءِ قَائمةً على الكتابِ المقدَّسِ كَما هِيَ الحَالُ هُنا. انظُروا مَرَّةً أخرى إلى العَدد 21 إذْ نَقرأُ: "لا تَقْتُل". وأنتُم تَعلَمونَ أنَّ هذهِ الوَصيَّةَ كِتابيَّة. فَهِيَ وَصِيَّةٌ كِتابيَّة. فقد كَانُوا مُحِقِّينَ في تلكَ النُّقطة. وقدِ اقتَبَسوا تلكَ الوَصيَّةَ مِن سِفْرِ الخُروجِ والأصحاح 20.
كذلك، سَتُلاحِظونَ أنَّ الآيةَ تَقول: "وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْم". وهذا صَحيحٌ أيضًا. وقد قَرأتُ على مَسامِعِكُم ما جاءَ في سِفْرِ العَدد 35: 30-31. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ إنِ اقتَرَفَ شَخصٌ جَريمةَ قَتْلٍ فإنَّهُ يُقتَل. لِذا فقد كانَ هذا التَّقليدُ الَّذي عَلَّمَهُ أَحْبارُ اليَهودِ صَحيحًا. فقد كانوا مُحِقِّينَ في هذهِ النُّقطة. فقد كانوا على صَواب. وقد كانَ مَا عَلَّموهُ كِتابيًّا.
ولكنَّ النُّقطةَ الَّتي يُبَيِّنُها يَسوعُ هُنا هي أنَّ هذا التَّعليمَ ليسَ كَامِلاً. فذلكَ الكَمُّ صَحيحٌ؛ ولكِنْ يَوجَدُ المَزيد والمَزيد. فقد أَخذتُم جُزءًا مِن نَاموسِ اللهِ، وفَسَّرتُموهُ تَفسيرًا جُزئيًّا وَحَسْب، ثُمَّ أَقنَعتُم أنفُسَكُم بِحِفْظِ تَفسيرِكُم الجُزئيِّ وبَرَّرتُم أنفُسَكُم. وسوفَ تُلاحِظونَ شَيئًا مُدهِشًا وَهُوَ أنَّ الآيةَ تَقول: "وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْم". وبالمُناسَبة، إنَّ الكلمة "حُكْم" هُنا تُشيرُ إلى المَحكمةِ المَحَلِّيَّة... إلى المَحكمةِ المَحَلِّيَّة. والآن، أريدُ مِنكُم أن تُفَكِّروا في ما يَلي: إنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ التَّالي: إنَّ تَعليمَكُم يَقول: "لا يَجوزُ لَكَ أن تَقتُل". والآن لاحِظوا ما يَلي: "لأنَّكَ إنْ قَتَلْتَ فإنَّكَ تُعَرِّضُ نَفسَكَ لِخَطَرِ المُحاكَمَةِ مِنْ قِبَلِ المَحكَمَةِ المَدَنِيَّة". هَل فَهِمتُم ذلك؟ وما الخَطأُ في ذلك؟ أنَّ الوَصيَّةَ ليست مُكتَمِلَة. أليسَ كذلك؟
فَتَفسيرُهُم الكَامِلُ للوَصيَّةِ السَّادِسَةِ مِنَ الوَصايا العَشْرِ هُوَ كالتَّالي: لا تَقتُل لأنَّكَ إنْ قَتلتَ فإنَّكَ ستَقَعُ في وَرطَةٍ مَعَ القَانون. ولكِنْ ماذا عَنِ الله؟ وَماذا عَنْ صِفاتِ اللهِ القُدُّوس؟ لَمْ يَكُن هذا الجَانِبُ جُزءًا مِنَ النِّقاش. فقد جَعَلوا هذا الأمرَ عَاديًّا جدًّا حَتَّى إنَّهُم لم يَذكُروا اللهَ، ولم يَذكُروا الدَّينونَةَ الإلهيَّةَ، ولم يَقولوا أيَّ شَيءٍ عَنِ الدَّوافِعِ الدَّاخليَّة، ولم يَقولوا أيَّ شَيءٍ عَنِ القَلب. فكُلُّ ما قَالوهُ هُوَ: "لا تَقتُل وإلاَّ فإنَّكَ سَتَقَعُ في الكَثيرِ مِنَ المَتاعِب". فَهُوَ كَلامٌ سَطحِيٌّ جدًّا. فقد كانَ تَفسيرُهم نَاقِصًا. ولأنَّهُم لم يَقتُلوا ولم يَتورَّطُوا، قَرَّروا أنَّهُم أبرارٌ في أعيُنِ أنفُسِهم، وَصَالِحونَ في أعيُنِ أنفُسِهم، وفَرِحونَ جدًّا بأنفُسِهم، ومُبَرَّرونَ قُدَّامَ الله. "نحنُ لا نَقتُل!"
ولكنِ اسمَعوا: لقد نَسَوْا أن يَقرأوا بَقيَّةَ العهدِ القديمِ لأنَّ العهدَ القديمَ يَقولُ إنَّ اللهَ [لاحِظوا هذا] "يُسَرُّ بالحَقِّ في البَاطِن (بِحَسَبِ المَزمور 51: 6). فَالجُزءُ المُتَبَقِّي مِنَ العهدِ القديمِ يَقول: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ". والجُزءُ المُتَبَقِّي مِنَ العهدِ القديمِ يَقولُ إنَّ اللهَ الَّذي يَعرِفُ القُلوبَ ويَفحَصُ قُلوبَ البَشرِ هُوَ الَّذي يَدين. بعبارةٍ أخرى، إنَّ الجُزءَ الَّذي أَغْفَلوهُ مِن نُاموسِ اللهِ هُوَ الجُزءُ الدَّاخِلِيّ. فَلا يَكفي أَلاَّ تَقتُل، بَل إنَّ اللهَ يُبالي بما يَحدُثُ في دَاخِلِك. فقد حَصَروا نِطاقَ وَصايا اللهِ في المَحكمةِ الأرضيَّة. وقد حَصَروا نِطاقَ وَصيَّةِ اللهِ في جَريمةِ القَتل.
لِذا فإنَّ يَسوعَ يُتابِعُ حَديثَهُ في العَدد 22 ويَقول: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". أيْ: دَعوني أُخبِرُكم بِمَا قَصَدَهُ اللهُ بتلكَ الكلماتِ في سِفْرِ الخُروج. اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم التَّفسيرَ الصَّحيح: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً..." – وبالمُناسَبة، إنَّ تَرجمةَ المَلِك جيمس تَقولُ "بَاطِلاً"؛ ولكِنَّ هذهِ الكلمةَ ليست مَوجودةً في أَدَقِّ المَخطوطات. لِذا، مِنَ الأفضلِ أَلاَّ تُتَرْجَمَ هُنا. "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ".
فَيسوعُ يَقولُ ببساطَة: "إنَّ المَسألةَ ليست مَسألةَ قَتْلٍ وَحَسْب، بل إنَّها مَسألةُ الغَضَبِ والكَراهِيَةِ في قَلبِك. فَلا يُمكِنُكَ أن تُبَرِّرَ نَفسَكَ لِمُجَرَّدِ أنَّكَ لا تَقتُل. فإنْ كانتْ هُناكَ كَراهِيَةٌ في قَلبِكَ، فإنَّكَ لا تَختَلِفُ في شَيءٍ عَنِ القَاتِل. لِذا فإنِّي أقولُ إنَّ النُّقطةَ الأولى في هذهِ الجُملةِ هي أنَّ كلماتِ يَسوعَ أَثَّرَتْ في بِرِّهِم الذَّاتِيِّ. فقد أَثَّرَتْ في الطَّريقةِ الَّتي يَنظُرونَ فيها إلى أنفُسِهم، وَفي الطَّريقةِ الَّتي نَنظُرُ فيها إلى أنفُسِنا.
وَنَحنُ نَفعَلُ ذلكَ طَوالَ الوقتِ ونَقول: "أتَعرِفُ تلكَ الفِئةَ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَقتُلون. لا يُمكِنُني أن أفعلَ ذلك". وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا نَغضَبُ جِدًّا أحيانًا مِنَ الدَّاخِلِ على شَخصٍ مُعيَّن. ونحنُ نَهْزَأُ بالنَّاسِ، وقد نَشتُمُ النَّاسَ، وقد نَشعُرُ بالمَرارةِ تُجاهُ النَّاس. وقد نَضْمرُ ضَغينَةً تُجاهَ النَّاس. وقد نَشعُرُ بمشاعِرَ سَلبيَّة مِنْ نَحْوِ النَّاس. ورَبُّنا يَسوعُ يَقول: "هذا كُلُّهُ شَبيهٌ بالقَتلِ" لأنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى القَلب.
لِذا، عندما قَالَ: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" فإنَّهُ وَضَعَ جَانِبًا كُلَّ نُفايَةٍ عَلَّمَها أَحْبارُ اليَهودِ، وَرَكَّزَ على الشَّيءِ المُهِمّ. فقد جَرَّدَهُم مِنْ بِرِّهِم الذَّاتِيِّ. وقد قالَ في الحَقيقة: "مَنْ هُوَ القَاتِل؟ سوفَ أقولُ لَكُم مَن هُوَ القَاتِل. إنَّهُ أيُّ شَخصٍ يَغضَبُ مِن أخيهِ... أيُّ شَخصٍ. فأنتَ قَاتِل". وَهذا كَلامٌ مُباشِرٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ كَلامٌ مُدَمِّر. فقد عَرَّى الفَرِّيسيِّينَ. وَهُوَ يَفعَلُ الشَّيءَ نَفسَهُ بِنا نَحنُ أيضًا، بِصَراحَة!
فالغَضَبُ هُوَ أَصْلُ القَتْل. وَرَبُّنا يَقولُ إنَّ الغَضَبَ والقَتلَ يَستوجِبانِ عِقابًا مُماثِلاً. فَهُوَ يَقولُ في العَدد 22 إنَّ مَن يَفعل ذلكَ يَكونُ: "مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" أوْ: "مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ"، أوْ "مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّم".
والآن، ما الَّذي يَفعَلُهُ رَبُّنا؟ أريدُ مِنكُم أن تَفهَموا هذا الأمر لأنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا. إنَّ رَبَّنا يَقولُ التَّالي: إنَّ مَا يَجري في دَاخِلِكَ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَدينُهُ اللهُ. فقد تَكونُ لَديكَ كَراهِيَةٌ تَفوقُ كَراهِيَةَ القَاتِلِ ولكنَّكَ لا تَجِدُ الفُرصَةَ المُواتِيَةَ للقَتل. وحَتَّى إنَّ الكَراهِيَةَ الأقَلَّ عُنفًا مِن ذلكَ، وحَتَّى إنَّ الغَضَبَ مِن أخيكَ أيًّا كانَتْ حِدَّةُ ذلكَ الغَضب، هُوَ في عَينيِّ الرَّبِّ شَبيهٌ بالقَتل. وبصراحَة، مَن هُوَ القاتِل؟ الجَوابُ هُوَ: جَميعُنا! جَميعُنا!
استَمِعوا إلى رسالة يوحنَّا الأولى 3: 15: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ". هل سَمِعتُم ذلك؟ "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ". والكلمة "أَخّ" تُستخَدَمُ هُنا بالمَعنى الشَّامِلِ والعَامِّ للإشارةِ إلى جَميعِ عَلاقاتِكَ أوِ النَّاسِ في حَياتِكَ؛ لا فقط إلى أخيكَ الرُّوحِيِّ لأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كانوا يَستَمِعونَ إلى يَسوعَ آنذاكَ لم يَكونوا يَفهَمونَ مَعنى أُخُوَّةِ المُؤمِنين. لِذا، إنْ كانت لَديكَ كَراهِيَةٌ فإنَّكَ قاتِل. وإنْ كانَ لَديكَ غَضَبٌ فإنَّكَ قَاتِل. وفي عَينيِّ اللهِ، لا فَرْقَ بينَ ذلكَ الشَّخصِ والشَّخصِ الَّذي يَخرُجُ ويَقتَرِفُ جَريمةَ قَتْل.
وَمَا يُدهِشُني هُوَ الطَّريقةُ الَّتي نُبَرِّرُ فيها أنفُسَنا. فكُلُّ شَخصٍ يَفعلُ ذلك. فَحَتَّى إنَّ أسوأَ النَّاسِ يُبَرِّرونَ أنفُسَهم. هل تَعلَمونَ ذلك؟ فَحَتَّى إنَّ أسوأَ النَّاسِ يُبَرِّرونَ أنفُسَهم. ففي شَهْرَ أيَّار/مَايو سَنة 1931، شَهِدَتْ مَدينةُ نيويورك القَبْضَ على واحِدٍ مِن أخطرِ المُجرِمينَ الَّذينَ عَرَفَتهُم تلكَ المَدينة حَتَّى ذلكَ الحِين. وقد كانَ لَقَبُهُ هُوَ: "كراولي صَاحِب المُسَدَّسَيْن" (Two Gun Crowley).
وقد قِيْلَ إنَّ "كَراولي صَاحِبِ المُسَدَّسَيْنِ" كانَ يَقتُلُ دُونَ تَرَدُّد. وقد قَتَلَ بوَحشيَّةٍ أُناسًا كَثيرينَ، وَحَتَّى إنَّهُ قَتَلَ بِوَحشيَّةٍ مُؤخَّرًا عَدَدًا مِن رِجالِ الشُّرطة. وماذا كانَتْ نَظرَتُهُ إلى نَفسِه؟ نَحنُ نَعرِفُ كيفَ كانَ يُفَكِّرُ في نَفسِهِ أو كيفَ كَانَتْ نَظرَتُهُ إلى نَفسِهِ لأنَّهُ تَمَّ القَبضُ عليهِ في نِهايَةِ المَطافِ في شِقَّةِ عَشيقَتِهِ بعدَ مَعركةٍ طَويلةٍ وشَرِسَةٍ بالأسلحةِ اشتَرَكَ فيها ما لا يَقِلُّ عن مِئَةِ شُرطِيٍّ. وعندما قَبَضُوا عَليهِ أخيرًا، وَجُدوا مُلاحَظةً كُتِبَتْ على وَرَقَةٍ مُلَطَّخَةٍ بالدِّماءِ لأنَّهُ جُرِحَ جُرْحًا بَليغًا. وإليكُم ما تَقولُهُ تلكَ المُلاحَظة: "تَحْتَ مِعْطَفي قَلبٌ مُتْعَبٌ؛ ولكنَّهُ لَطيفٌ ولا يُمكِنُ أن يُؤذي أيَّ شَخص".
وقد تَقول: "هذا غَريبٌ!" أجل، ولكِنْ كما تَرَوْنَ، هذا هُوَ المَدى الَّذي يُمكِنُ لِقَلبِ الإنسانِ أنْ يَبْلُغَهُ مِن أجلِ تَبريرِ ذَاتِه. فَهوَ يَمْلِكُ قَلبًا لا يُمكِنُ أنْ يُؤذي أيَّ شَخص! مَنْ يُحاوِلُ أن يَخدَع؟ وقد تَمَّ لاحِقًا إعدامُهُ في كُرسِيٍّ كَهرُبائِيٍّ.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ أَسْوأَ البَشَرِ يُحاولونَ أن يُبَرِّروا أنفُسَهُم. فَما بَالُكُم بأفضلِ النَّاسِ الَّذينَ يَقولونَ عَن أنفُسِهم: "لا يُمكِنُني أن أُقارِنَ نَفسي بتلكَ الفِئَة". ولكِنَّ يَسوعُ يُعَرِّينا تَمامًا مِنْ بِرِّنا الذَّاتِيِّ ويَقول: "إنْ غَضِبْتَ مِن أخيكَ، أو إنْ كَرِهْتَ شَخصًا مَا، فإنَّكَ قَاتِلٌ". وهذا شَيءٌ خَطيرٌ جدًّا. فَيسوعُ يَقول: "حَتَّى لو لم تَقتُل أيَّ شَخصٍ، إنْ كانَ قَلبُكُ مُمتلئًا غَضَبًا وكَراهِيَةً فإنَّكَ قَاتِل".
وبالمُناسَبة، يُخبرُنا عُلماءُ الاجتماعِ وعُلماءُ النَّفسِ (وَهُوَ شَيءٌ عَرَفْتُهُ مُؤخَّرًا، وكُلَّما فَكَّرتُ فيهِ وَجَدتُهُ صَحيحًا) أنَّ الكَراهِيَةَ تُقَرِّبُكَ مِنَ القَتلِ أكثرَ مِن أيَّة مَشاعِر أخرى. والكَراهِيَةُ هِيَ امتِدادٌ وَحَسْب لأيِّ شَيء؟ للغَضَب. لِذا فإنَّ الغَضَبَ والكَراهِيَةَ يَقودانِ إلى القَتل. فَالكَراهِيَةُ هي المَصدَرُ الشَّائِعُ للقَتل. وبالمُناسَبة، إنَّ الكَراهِيَةَ والغَضبَ قَد يَقتُلانكَ أنتَ أيضًا لأنَّهُما قادِرانِ على أَكْلِكَ حَيًّا مِنَ الدَّاخِل.
لِذا فإنَّ يَسوعَ يُوَجِّهُ إلينا كَلامًا قَاسِيًا لكي يُبَيِّن لنا... اسمَعوني يا أحبَّائي... إنَّ ما يُحاوِلُ أن يُبَيِّنَهُ هُوَ انَّهُ حَتَّى إنْ نَظَرْنا إلى أفضلِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ وعَرَفْنا حَقيقَتَهُم فإنَّنا سَنَجِدُ أنَّهُم أَسوأُ النَّاس. فَأنا وأنتُم نَجلِسُ بِعَجرَفَةٍ شَديدةٍ ونَظُنُّ أنَّهُ لأنَّنا لم نَقتَرِف أيًّا مِن تلكَ الجَرائمِ فإنَّنا أبرارٌ قُدَّامَ اللهِ؛ ولكنَّ يَسوعَ يَقول: "إنْ غَضِبْتَ أو كَرِهْتَ فإنَّكَ قَاتِل". وَهُوَ يَستخدِمُ ثَلاثَةَ أمثلةٍ للكَشْفِ عَن هذهِ الخَطيَّةِ في العَددِ الثَّاني والعِشرين. ثَلاثَة أمثِلَة. لِنَنظُر إليها:
المَثَلُ الأوَّل: "وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ" – المَعذِرَة! لِنَنظُر إلى المَثَلِ الأوَّل. فأنا لا أريدُ أن نَنظُرَ إلى المَثَلِ الثَّاني. "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً..."، وَكما قُلتُ، يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَحْذِفَ الكَلِمَة "باطِلاً" لأنَّنا قد نَعثُرُ دَائِمًا على عُذْرٍ لِغَضَبِنا، ولأنَّ هذهِ الكلمةَ ليسَت مَذكورةً في أَدَقِّ المَخطوطات. ولا أَدري لِماذا أستَمِرُّ في قِراءَتِها. إنَّها العَادَةُ وَحَسْب. "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ". هَذا هُوَ المَثَلُ الأوَّل. فَيسوعُ يَقول: "هَل تُريدونَني أنْ أُريكُم خُطورةَ هذا الأمر؟ "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْم".
والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ مَا يَلي: أعتقدُ أنَّ هُناكَ غَضَبًا بَارًّا يَنبغي لنا أن نَتحدَّثَ عنه؛ ولكِنَّ هذا ليسَ مَا يَتحدَّثُ عنهُ يَسوعُ هُنا. فهُناكَ أوقاتٌ جَدَلَ فيها يَسوعُ حَبْلاً وابتدأَ يَطرُدُ النَّاسَ مِنَ الهَيكَل. وهُناكَ أوقاتٌ يَصِلُ فيها غَضَبُ اللهِ إلى أقصَى حَدٍّ مُمكِن ويَنفَجِر. وهُناكَ أوقاتٌ تَنْفَجِرُ فيها نَقْمَةُ اللهِ فيَخسَرُ النَّاسُ حَياتَهُم الزَّمنيَّةَ والأبديَّة.
وهُناكَ أوقاتٌ يَحِقُّ فيها للمُؤمِنِ أن يَغضَب. والحَقيقةُ هي أنَّني أُوْمِنُ بأنَّنا كُلَّما ازدَدنا قَداسَةً، زَادَتْ حِدَّةُ غَضَبِنا مِن أمورٍ مُعيَّنة. أليسَ كذلك؟ وأعتقدُ أنَّنا بحاجَةٍ إلى هَذا النَّوعِ مِنَ الغَضَبِ المُقَدَّس. هَلْ تَفهَمونَ قَصْدي؟ ففي هذا الوَقتِ الَّذي يَرغَبُ فيهِ الجَميعُ في التَّحدُّثِ عَنِ المَحبَّةِ، وَعَنِ الوِئامِ بَينَنا، وعَنْ عَدَمِ قَولِ أيِّ شَيءٍ عَن أيِّ شَيءٍ، فإنَّ كَلامَنا يَصيرُ مَعْسولاً ولا نَعودُ نُدافِعُ عَن أيِّ شَيء.
وأعتقدُ أنَّهُ يَنبغي لِفِئَةٍ مِنَّا أن تَتَعَلَّمَ القليلَ عَنِ الغَضبِ المُقدَّسِ وأنْ تَبتَدِئَ في الغَضَبِ مِن بِضعة أُمور. فهُناكَ أشياءٌ كثيرةٌ تَحدُثُ في بَلَدِنا يَنبغي أنْ نَغضَبَ مِنها، أوْ أن نَغضَبَ بِشأنِها غَضَبًا مُقَدَّسًا. وهُناكَ أشياءٌ تَحدُثُ في مَدارِسِنا يَنبغي أنْ نَغضَبَ مِنها غَضَبًا مُقَدَّسًا. وهُناكَ أشياءٌ يَتعرَّضُ إليها أبناؤُنا ويَنبغي لنا أن نَغضَبَ مِنها. وهُناكَ مُيولٌ في مُجتمعِنا يَنبغي أن نَغضبَ مِنها. وهُناكَ أشياءٌ تُعْرَضُ في بُيوتِنا على شَاشاتِ التِّلفزيونِ السَّخيفةِ يَنبغي أنْ نَغضَبَ مِنها.
فيجبُ علينا أن نَغضبَ مِن أُمورٍ مُعيَّنة. يجبُ علينا أنْ نَغضبَ غَضَبًا مُقدَّسًا. يجبُ علينا أن نَغضَب (كما جَاءَ في رسالة غَلاطيَّة 4: 25) ذلكَ الغَضَبَ الَّذي لا يَقودُنا إلى الخَطيَّة. فَهُوَ يَقولُ: "اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا". فَهُناكَ نَوعٌ صَائِبٌ مِنَ الغَضَب.
ولكِنَّ يَسوعَ يَتحدَّثُ هُنا عَنِ الغَضَبِ الأنانِيِّ. فأنتَ تَغضَبُ مِن أخيكَ. فقد يَحدُثُ شَيءٌ فتَشْتاطُ غَضَبًا. فأنتَ تَغضَب. وقد يَكونُ الغَضبُ بَطيئًا أوْ سَريعًا. والكلمةُ اليونانِيَّةُ المُستخدمةُ هُنا هِيَ "أورغيزيسثاي" (orgizesthe). والجَذرُ هُوَ "أورغيه" (orge). والكلمة "أورغيه" تُشيرُ إلى الغَضَبِ الَّذي يَمُرُّ بفترةِ حَضانَةٍ، ويَنمو، ولا يُسْمَحُ لَهُ أن يَموت. فَهُوَ شَيءٌ كَامِنٌ يَمضي عليهِ وَقتٌ طَويلٌ في أغلبِ الأحيان.
فعندما تُضْمِرُ ضَغينةً تُجاهَ شَخصٍ مَا، وعندما تُضْمِرُ مَرارَةً تُجاهَ شَخصٍ مَا، وعندما تُضْمِرُ أيَ مَشاعِرَ سَلبيَّة أيًّا كانت صَغيرةً تُجاهَ شَخصٍ مَا، فإنَّكَ مُذْنِبٌ [كَما يَقولُ يَسوعُ] بِنَفسِ ذَنْبِ الشَّخصِ الَّذي يَقتُلُ شَخصًا آخرَ وَتَسْتَوْجِبُ الحُكْمَ نَفسَهُ. فإنْ غَضِبْتَ على أخيكَ فإنَّكَ مُعَرَّضٌ لِخَطَرِ الدَّينونَة. فَلا يُوجَد فَرْقٌ بينَ الغَضَبِ والقَتل. فِكِلاهُما خَطيرٌ بِنَفسِ المِقدار.
وبالمُناسَبة، إنَّ الحُكْمَ المَذكورَ في نِهايةِ العَدد 21 والَّذي قَد تُصْدِرُهُ المَحكمةُ المَدنيَّةُ هُوَ الإعدام. وَهُوَ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ هُنا. فإنْ غَضِبْتَ فإنَّكَ مُعَرَّضٌ لِخَطَرِ الإعدام. فحُكْمُ الإعدامِ سَيَكونُ مِنْ نَصيبِكَ إذا غَضِبْتَ كَما أنَّهُ سيَكونُ مِن نَصيبِكَ إنْ قَتلتَ. وهذهِ جُملةٌ قَويَّةٌ ومُدَمِّرَةٌ لأنَّها تُرْغِمُنا على فَحْصِ دَواخِلِنا. فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على ما نَفعلُهُ بِقَدْرِ ما يَتوقَّفُ على مَنْ نَحْنُ وَمَا نَشعُرُ به.
وأنا لا أعرِفُ عن أيَّة مَحكمة مَدَنيَّة في العَالَم يُمكِنُ أنْ تَحْكُمَ بالإعدامِ على شَخصٍ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ غَضِب. صَحيحٌ أنَّها حَكَمَتْ عَبْرَ التَّاريخِ بالإعدامِ بسببِ جَرائمِ القَتلِ، ولكنَّها لم تَحْكُمْ على أحدٍ بالإعدامِ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ غَضِب. أمَّا إنْ أرادَ اللهُ أنْ يُحاكِمَ البَشَرَ، وإنْ جَلَسَ اللهُ على العَرشِ، فإنَّهُ يَقولُ في الحَقيقةِ إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَغضَبُ مُذنِبٌ بِقَدْرِ الشَّخصِ الَّذي يَقتُل.
والآن، أريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوا المَثَلَ الثَّاني الَّذي يَستخدِمُهُ يَسوعُ في العَدد 22: "وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ". والآن، مَا مَعنى ذلك؟ إنَّ هَذا الشَّخصَ يَسْتَوْجِبُ الحُكْمَ أيضًا مِثْلَ القَاتِل. فهذا شَخصٌ آخر يَنبغي أنْ يَمْثُلَ أمامَ المَجْمَعِ ويَحصُلَ على نَفسِ حُكْمِ الإعدام. فيَسوعُ يَقولُ لليَهود: "هل تَخافونَ مِن حُكْمِ الإعدامِ بسببِ القَتل؟ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ اللهِ، يجب أن تَكونَ هُناكَ عُقوبةٌ مُماثِلَةٌ للغَضَبِ، ويَجِبُ أن تَكونَ هُناكَ عُقوبةٌ مُماثِلَةٌ لِمَنْ يَقولُ ’رَقَا‘ لِشَخصٍ آخَر".
والكلمةُ "رَقَا" هي كَلمةٌ مُدهشةٌ وتَصْعُبُ جدًّا تَرجَمَتُها؛ بل إنَّها كلمةٌ لا تُتَرجَم. بعبارةٍ أخرى، إنَّها لا تَعني أيَّ شَيء. فقد كانت كَلِمَةَ سُخريةٍ لا تُتَرجَم في الحَقيقة. وقد كانَت تَعني شَيئًا مُعيَّنًا في ذلكَ الوقتِ، وكانَ الجَميعُ يَعرِفُ مَا تَعنيه. فهي كلمةٌ سَيِّئة. وهُناكَ مَن قَالَ إنَّها تَعني: "أيُّها الأحمَقُ عَديمُ العَقل". وهُناكَ مَن قالَ إنَّها تَعني: "يَا عَديمَ القَيمَة!" أو "أيُّها الأحمَقُ السَّخيف" أو: "يا أحمَق" أو "يا أَخْرَق" أو "يا مَعتوه". والشَّارِحونَ يَتوسَّعونَ في الحَديثِ عن هذهِ الكلمة. ولكنَّها في كُلِّ الأحوالِ لَفْظَةٌ تُسيءُ إلى الشَّخصِ المُقابِل. ورُبَّما كانت تُهاجِمُ شَخصيَّتَهُ، أو صِفَةً مِن صِفاتِه، أو شَيئًا في مَلامِحِهِ، أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل. فهي كَلِمَةٌ فيها ازدِراءٌ مُتَعَجرِف. وهي كلمةٌ فيها احتقارٌ. وهي كلمةٌ تُشبِهُ ما تَسْمَعُهُ عندما تُزْعِجُ سَائِقًا آخَرَ في الطَّريقِ فَتَجِدُهُ يُخْفِضُ زُجاجَ نَافِذَتِهِ ويَقولُها لَكَ. ولا شَكَّ في أنَّ الكلمةَ في لُغَتِنا مُختلفَة؛ ولكنَّ الفِكرةَ هي نَفسُها. أو رُبَّما يَستخدِمُ السَّائقُ حَرَكاتِ يَدِهِ لِشَتْمِكَ، أو مَا شَابَهَ ذلك. فالأمرُ سِيَّان. وقد سَمِعتُ كَلامًا كهذا مَرَّاتٍ عَديدةً في حَياتي. وَمَعَ أنِّي لم أسمَعِ الكلمة "رَقا"، ولكنِّي سَمِعتُ كَلِمَةً مُماثِلَةً لِرَقَا. والشَّخصُ الَّذي يَتَفَوَّهُ بها لا يَختَلِفُ في شَيءٍ عَنِ القَاتِل.
إنَّهُ السُّمُّ المَوجودُ تَحتَ اللِّسانِ، أوْ سُمُّ الحَيَّاتِ المَذكورُ في المَزمور 140. وَهُوَ ذلكَ الكَلامُ القَبيحُ والمُسيءُ الَّذي تَفَوَّهُ بِهِ أعداءُ يَسوعُ عَليهِ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 27: 29: "وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ". فقد سَخِروا مِنهُ. فَهِيَ تَعني: أيُّها التَّافِه"، أو: "أيُّها الأحمَقُ السَّخيف"، أو "أيُّها المُغَفَّلُ السَّخيف"، أو مَا شَابَهَ ذلك. فَهِيَ كلمةٌ يَستخدِمُها شَخصٌ يَزدَري بآخر.
هُناكَ قِصَّة تُرْوَى عن حَبْرٍ مِنْ أَحْبارِ اليَهودِ اسمُهُ "سِمعان بِنْ أليعازَر". كانَ سِمعان بن أليعازَر عَائدًا مِن بَيتِ مُعَلِّمِهِ بعدَ أنْ تَعَلَّمَ دَرسًا عِنْدَ قَدَمَيِّ هذا المُعَلِّمِ العَظيم. وكانَ يَشعُرُ بمشاعرَ رائعة بسببِ الأشياءِ القَيِّمَةِ الَّتي تَعَلَّمَها، وكانَ مَسرورًا جدًّا بِسِعَةِ عِلْمِهِ، وكانَ مُتَحَمِّسًا جدًّا بسببِ بِرِّهِ وَصَلاحِهِ وقَداسَتِهِ الشَّخصيَّة. وبينما كانَ يَمشي التَقى رَجُلاً وَضيعًا جدًّا وبَشِعًا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ مَرَّ بِهِ وَحَيَّاهُ. ولكنَّ الحَبْرَ لم يَرُدَّ التَّحِيَّة، بل قال: "أيُّها الرَّقَا، أنتَ بَشِعٌ جدًّا. هل جَميعُ الرِّجالِ في قَريَتِكَ بَشِعونَ مِثلَكَ؟" رَدَّ الرَّجُلُ قَائِلاً: "لا أعرِفُ الإجابَةَ عن هذا السُّؤال. اذهب وأخبِرِ الخالِقَ الَّذي خَلَقَني عَنْ بَشاعَةِ الخَليقةِ الَّتي خَلَقَها".
لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ إنَّ الازدراءَ بالآخرينَ هُوَ جَريمَةٌ تُقتَرَفُ في القَلب. وعُقوبةُ المَوتِ هي العُقوبةُ الَّتي نَسْتَحِقُّها إنْ فَعلنا ذلك. وما يُحاولُ يَسوعُ، يا أحبَّائي، أن يَقولَهُ هُوَ إنَّ ما تَشعرُ بِهِ... والآن اسمَعوني... إنَّ ما تَشعرُ بِهِ في الدَّاخِلِ كَفيلٌ بإدانَتِكَ في جَهنَّمَ الأبديَّة بِقَدْرِ مَا تَفعلُهُ في الخَارِج. هَل سَمِعتُم ذلك؟ هذهِ هي الرِّسالة.
وهُناكَ مَثَلٌ ثَالِثٌ في العَدد 22: "وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ..." والكلمةُ اليونانيَّةُ المُستخدمةُ هُنا هي "موروس" (moros)؛ وَهِيَ الكلمةُ الَّتي اشْتُقَّتْ مِنْها الكلمة الإنجليزيَّة "مُوران" (moron)... أيْ: "يَا أَحْمَق، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ". والآن، يَبدو أنَّ هذهِ الكلمةَ كانت كلمةً أسوأ ولا يَجوزُ أن تَقولَها للآخرين. ويبدو أنَّ المِعيارَ يَرتَفِعُ تَدريجيًّا. ولَعَلَّكُم تُلاحِظونَ أنَّ الكلمة "موروس" (moros) وَمَعْناها "أحمَق" مُشتقَّة مِن جَذْرٍ عِبريٍّ هُوَ "مَارا" (marah). والكلمة "مَارا" تَعني: يَتمرَّد. وفي الكتابِ المقدَّسِ العِبريِّ، نَجِدُ أنَّ الأحمقَ هُوَ شخصٌ يَتمرَّدُ على الله. لِذا، إنْ قُلْتَ لشخصٍ إنَّهُ مُتمرِّدٌ على اللهِ وكانَ كَلامُكَ صَحيحًا، تَكونُ قد صَنَعْتُ مَعَهُ مَعروفٌ. أمَّا إذا قُلْتَ لَهُ ذلكَ بِدافعِ الكَراهِيَةِ فإنَّهُ خَطيَّة. واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم الفَرقَ.
لقد قالَ يَسوعُ للفَرِّيسيِّينَ: "أيُّها الحَمقَى" واستَخدمَ الكلمةَ "موروس" (moros)؛ ولكنَّهُ لم يَكُن مُخْطِئًا في قَولِ ذلكَ لأنَّ كَلامَهُ كانَ صَحيحًا. أليسَ كذلك؟ فقد كَانُوا حَمْقَى. فقد تَمَرَّدُوا على الله. "قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ»" (كما جاءَ في سِفْرِ المَزامير). والأحمقُ (بِحَسَبِ سِفْرِ الأمثالِ) يَعيشُ ضِدَّ اللهِ. فالأحمقُ يَعيشُ حَياتَهُ يُخطِئُ ضِدَّ الله. وَهُوَ يَعيشُ حَياتَهُ حَسَبَ إرادَتِهِ هُوَ، وَمِنْ تَصميمِهِ هُوَ. لِذا فإنَّكَ تَصْنَعُ مَعروفًا مَعَ شَخصٍ كَهذا إنْ ذَهبتَ وقُلتَ لَهُ: "مِنَ الحَماقَةِ أن تَعيشَ هَكذا".
عندما كانَ يَسوعُ يَمشي في الطَّريقِ إلى عِمْواس، قالَ للتِّلميذَيْن: "أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَان". فهُناكَ أوقاتٌ نَصْنَعُ فيها مَعروفًا مَعَ الآخرينَ إنْ قُلنا لَهُم: "أنتُمْ حَمْقَى". وَما الَّذي يُحاوِلُ يَسوعُ أن يَفعلَهُ، وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ بمهارةٍ كبيرةٍ، هُوَ أنَّهُ يُحَطِّمُ تَمامًا نِظامَ البِرِّ الذَّاتِيِّ. فَهُوَ نِظامٌ لا يَصْمُدَ في وَجْهِ أيِّ تَمْحيص. لِذا فإنَّ رَبَّنا يُعْلِنُ لُبَّ الأمْر.
وَالآن، هَل تُلاحِظونَ العِبارةَ "نَار جَهَنَّم" في نِهايةِ العَدد 22؟ إنَّها كَلِمَةٌ خَطيرةٌ جدًّا؛ أيِ الكلمة "جَهَنَّم". والكلمةُ اليُونانِيَّةُ المُتَرجمةُ "جَهَنَّم" هُنا هي الكلمة "جيهِنَا" (gehenna)، وأريدُ أن أُحَدِّثَكُم عنها. فهي كلمة مُدهِشَة. فالكلمة "جيهِنَا" لَها تَاريخ. فالكلمة "جيهِنَا" المُستخدمةُ هُنا والَّتي تُتَرجَمُ "جَهَنَّم" هي كلمة شَائِعَة جدًّا. فَهِيَ تَستخدَمُ في إنجيل مَتَّى 5: 22 و 29 و 30، وفي إنجيل مَتَّى 10: 28، وفي إنجيل مَتَّى 18: 9، و 23: 15 و 23: 33، وفي إنجيل مَرقُس 9، وفي إنجيل لُوقا 12. وهي تُستخدَمُ في رِسالةِ يَعقوب. فهي كلمة شَائعة جدًّا. وهي تَعني: "جَهَنَّم". ولكنَّ "جيهِنَا"... والآن اسمَعوني... إنَّها تُشيرُ إلى هِنُّوم. فالكلمة "جيهِنَا" هي صِيغةٌ مِنْ صِيَغِ الكلمة "هِنُّوم". فهي تَعني: وادي هِنُّوم.
عندما زُرْنا أورُشليم، قِيلَ لَنا أينَ يَقَعُ وَادي هِنُّوم. فَهُوَ يَقَعُ في جَنوبِ غَربِ أورُشليم. وَمِنَ السَّهلِ جِدَّا أنْ تَرَوْه. وَهُوَ مَا يَزالُ مَوجودًا اليوم. فَهُوَ مَكانٌ مَعروفُ بِسُمعَتِهِ الرَّديئَة. وسوفَ أقرأُ لَكُم القليلَ عَن تَاريخِه. فقد كانَ وادي هِنُّوم هُوَ المَكانُ الَّذي عَرَّفَ فيهِ المَلِكُ آحازُ بَني إسرائيلَ عِبادَةَ النَّارِ لإلَهِ الوَثَنِيِّينَ "مُولَك" حيثُ كَانُوا يُقَدِّمونَ أطفالَهُم لِيُحرَقوا في النَّار: "وَهُوَ أَوْقَدَ فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ وَأَحْرَقَ بَنِيهِ بِالنَّارِ" (كما جاءَ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الثَّاني 28: 3). ولكِنَّ المَلِكَ يُوشِيَّا أَبْطَلَ عِبادَةَ مُوْلَك الشِّرِّيرةَ في وَادي هِنُّوم، وأَمَرَ بأنْ يَكونَ ذلكَ الوادي مَكانًا مَلعونًا إلى الأبد بسببِ ما جَرَى فيهِ، وبسببِ أنَّهُ كَانَ رِجْسًا إذْ إنَّهُ كانتِ النَّارُ تُوْقَدُ في ذلكَ الوادي للإلَهِ مُوْلَك.
عَقِبَ ذلك، حَمَلَ وَادي هِنُّوم تلكَ اللَّعنةَ طَوالَ تَاريخِ بَني إسرائيل. وقد صَارَ مَكانًا يَطرَحُ فيهِ اليَهودُ نُفاياتِهم. فقد صَارَ وادي هِنُّوم مِكَبَّ نُفاياتِ أورُشَليم. وقد كانُوا يُوْقِدونَ نَارًا في ذلكَ الوادي لِحَرْقِ تلكَ النُّفايات. وَقد كانت نَارًا مُشتعلةً يَوْمًا تِلْوَ الآخرِ تِلْوَ الآخَرِ دُونَ أن تُطفَأ... دُونَ أن تُطفَأ. وعندما أشارَ يَسوعُ إلى "جِيهِنَا" أو "جَهَنَّم"، وَوَصَفَ الحَالةَ الأبديَّةَ للأشرارِ بأنَّها "جَهَنَّم"، كانَ يَعني أنَّها أبديَّة، وأنَّها نَارٌ لا تُطفَأ، وأنَّها مَكانٌ مَلعون حيثُ سَتَشتَعِلُ فيها نُفايَةُ البَشريَّةِ وتَحتَرِق. لِذا فإنَّها لُغَةٌ نَابِضَةٌ بالحَياة.
وبِحَسَبِ المُؤرِّخينَ فإنَّ النَّارَ كانت تَشتعِلُ دائمًا في وَادي هِنُّوم. وكانت سَحابَةُ دُخانٍ كَثيفة تُغَطِّي الأُفُقَ فَوْقَ وَادي هِنُّوم في كُلِّ الأوقات. وكانَت يُوجَدُ في ذلكَ الوادي نَوْعٌ مِنَ الدِّيدانِ البَغيضةِ الَّتي مِنَ الصَّعبِ جِدًّا قَتلُها. وهذا هُوَ ما يُشيرُ إليهِ رَبُّنا في إنجيل مَرقُس 9: 44 حينَ يَقول: "حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ".
لِذا، صَارَت جَهَنَّم (أو وَادي هِنُّوم) مُرتبطةً في أذهانِ النَّاسِ بالمَكانِ القَذِرِ والشِّرِّيرِ والمَلعونِ الَّذي يَهْلِكُ فيهِ كُلُّ مَا هُوَ عَديمُ القيمةِ وشَرّ. وقدِ استخدَمَ يَسوعُ هذهِ الكلمةَ كَمَثَلٍ إيضاحِيٍّ حَيٍّ للإشارةِ إلى جَهَنَّم. وَهُوَ يَقولُ إنَّكَ حَتَّى إنْ غَضِبْتَ، أو حَتّى إنْ قُلتَ كلمةً غيرَ لائقةٍ للحَطِّ مِن شَأنِ الآخرينَ، أوِ الأسوأُ مِن ذلكَ حَتَّى إنْ لَعَنْتَهُم وقُلتَ لَهُم أن يَذهبوا إلى الجَحيمِ فإنَّكَ تَكونُ مُذنبًا وتَستَوجِبُ جَهنَّمَ الأبديَّةَ كما هي حَالُ القَاتِل. لِذا فإنَّ يَسوعَ يُهاجِمُ خَطيَّةَ الغَضَبِ، وخَطيَّةَ الشَّتْمِ، وخَطيَّةَ الحَطِّ مِن شَأنِ الآخرين. وَهُوَ بِذلكَ يُحَطِّمُ بِرَّهُم الذَّاتِيَّ.
وقد تَرَكَتْ كَلِماتُهُ أثرًا آخرَ فيهم في العَددَيْن 23 و 24. فقد أَثَّرَتْ لا فقط في بِرِّهم الذَّاتِيِّ، بل أثَّرت أيضًا في عِبادَتِهم لله. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا ذلك. فهذه كلماتٌ قَويَّةٌ جدًّا على الرَّغمِ مِن بَساطَتِها. فيسوعُ يَنتقلُ مِنَ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَةَ والشَّعبَ إلى نَفسِه. وبالنِّسبةِ إلينا فإنَّهُ يَأخُذُنا إلى العِبادَة. وأريدُ مِنكُم أن تَفهَموا ما يَقول.
فقد كانتِ العِبادَةُ مَسألةٌ رَئيسيَّةً لدى الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّين. فقد كانت حَياتُهُم كُلُّها عِبادَة. فقد كانوا في الهَيكلِ طَوالَ الوقتِ يَفعلونَ ذلكَ، ويَعبُدونَ اللهَ، ويُقدِّمونَ الذَّبائحَ، ويُطَبِّقونَ النَّاموسَ. فقد كانت حَياتُهُم مَحصورةً بالعبادَة. ولكنَّ رَبَّنا يَدينُ هُنا تلكَ العِبادَة.
انظروا إلى العَدد 23: "فَإِنْ..." – بعبارةٍ أخرى: حيثُ إنَّ اللهَ يُبالي بالأشياءِ الدَّاخليَّة، وحيثُ إنَّ اللهَ يُبالي بالمواقفِ تُجاهَ الآخرين، وبحقيقةِ مَشاعِرِكَ تُجاهَ أخيكَ، وبكيفيَّةِ تَحدُّثِكَ مَعَ أخيكَ، وبما إذا كُنتَ تَشتُمُ أخاكَ أَمْ لا، وحيثُ إنَّ اللهَ يُبالي بالأشياءِ الدَّاخليَّةِ، استَمِعوا إلى ما يَقول: "فَإنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ [أيْ أنَّكَ جِئْتَ بِهَدفِ العِبادَة]، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ [أيْ عِندما جِئتَ إلى مَوضِعِ العِبادَةِ تَذَكَّرتَ] أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ". بعبارةٍ أخرى، التَّصالُحُ مَعَهُ يأتي قبلَ العِبادَة. يا لها مِن نُقطةٍ قَويَّة! وأرجو أن نَتمكَّنَ مِن فَهْمِها!
كانَ كُلُّ يَهودِيٍّ يَفهَمُ هذا المَشهَد. فقد كانَ اليَهودُ يَعرِفونَ مِعيارَ العِبادَة. فَفِكرةُ الذَّبيحةِ في ذاتِها كانت واضحةً جدًّا وسَهلةً جدًّا. فإنِ اقترَفَ إنسانٌ خَطيَّة، ما الَّذي كانَ يَحدُث؟ كانَ يَحدُثُ انفصالٌ بينَهُ وبينَ الله. فقد كانتِ العَلاقَةُ تَنقَطِع. وكيفَ يَتِمُّ إصْلاحُ العَلاقَة؟ كانَ يَتِمُّ إصلاحُها مِن خِلالِ القَلبِ المُنسَحِقِ والمَكسور. فقد كانَ يَنبغي لذلكَ الشَّخصِ أن يَعترِفَ بخطيئَتِهِ، وأنْ يُظْهِرَ تَوْبَةً وانْسِحاقًا وانْكِسَارًا. ولكي يُظهِرَ خَارِجيًّا تلكَ المَشاعِرِ الدَّاخليَّةِ، كانَ يَنبغي لَهُ أنْ يُحضِرَ حَيَوانًا ويُقَدِّمَهُ ذَبيحةً. ولم يَكُنِ الحَيَوانُ هُوَ النُّقطةُ الجَوهريَّة، بل إنَّ المَوقِفَ هُوَ المَوقِفُ الجَوهريُّ. هَل فَهِمتُم ذلك؟ وَكَما تَرَوْن، فإنَّ الطَّاعةَ القَلبيَّةَ أفضلُ مِنَ الذَّبحة. فالذَّبيحةُ كانت مُجَرَّدَ رَمْزٍ خَارِجيٍّ للقلبِ التَّائِبِ والمُطيع. لِذا، عندما تَنقطعُ العَلاقةُ، ويَتوبُ الإنسانُ، ويَحزَنُ، ويَطلُبُ الغُفرانَ، ويُصْلِحُ عَلاقَتَهُ باللهِ، فإنَّهُ بعدَ ذلكَ يُقَدِّمُ ذَبيحةً.
لِذا فإنَّ الصُّورةَ هُنا هي رُبَّما يَومُ الكَفَّارة. فاليَهوديُّ يَأتي لأنَّهُ يُريدُ أن يَشترِكَ في ذلك. لِذا فإنَّهُ يُحضِرُ ذَبيحَتَهُ أيضًا، ويأتي، ويُقَدِّمُ الذَّبيحةَ إلى الكَاهِن. فَهُوَ يَسيرُ في الجُزءِ الخَارِجِيِّ مِنَ سَاحةِ الهَيكلِ، ويَدخُلُ إلى الجُزءِ الدَّاخِليِّ مِنَ السَّاحَة، ويَصِلُ أخيرًا إلى سَاحَةِ الكَهَنَةِ ويتوقَّفُ هُناكَ لأنَّهُ لا يُسْمَحُ لَهُ بالدُّخول. فقد كانَ يُسْمَحُ للكَهَنَةِ فقط بالدُّخولِ إلى هُناك.
لِذا فقد كانَ يأخُذُ الحَيَوانَ ويُعطيهِ للكاهِن. ثُمَّ كانَ يَضَعُ يَدَيْهِ على الحَيَوانِ كَيْ يَقْرِنَ نَفسَهُ بِهِ. وكانَ الكَاهِنُ يَأخُذُ الحَيَوانَ ويُعِدُّهُ للتَّقديمِ للرَّبِّ. إذًا، كانَ الرَّجُلُ يَذهبُ إلى هُناكَ، ويَضَعُ الحَيَوانَ بينَ يَدَيِّ الكَاهِنِ، ويَضَعُ يَدَيْهِ على الحَيَوانِ كي يَقْرِنَ نَفسَهُ بِهِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّ يَسوعَ جاءَ فَجأةً وقالَ لَهُ: "تَوَقَّف هُناكَ. هل تَتذكَّرُ أنَّ لَكَ أخًا؟ وهل تَتذكَّرُ أنَّ لأخيكَ شَيئًا عَليكَ؟ اترُك ذلكَ المَذبَح، وَلا تُقَدِّم تلكَ الذَّبيحةَ إلى أنْ تَصْطَلِحَ مَعَ أخيكَ. عَالِجِ المُشكلةَ بينَ الإنسانِ والإنسانِ قبلَ أن تُعالِجَ المُشكلةَ بينَ الإنسانِ والله.
وَهذا ليسَ تَعليمًا جَديدًا. فقد كانُوا يَعلَمونَ ذلك. فقد كانَ هذا دَائِمًا هُوَ مِعيارُ الله. ففي سِفْرِ إشَعْياء 1: 11، قالَ اللهُ لإسرائيل مِن خِلالِ النَّبِيِّ إشَعْياء: "لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ" [مَا الفائِدَةُ مِن كُلِّ هذهِ الذَّبائِح؟] يَقُولُ الرَّبُّ. اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُول وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ". أيْ: لا أُريدُ المَزيدَ مِن قَرابينِكُم. "الْبَخُورُ هُوَ مَكْرَهَةٌ لِي... رُؤُوسُ شُهُورِكُمْ وَأَعْيَادُكُمْ بَغَضَتْهَا نَفْسِي. صَارَتْ عَلَيَّ ثِقْلاً. مَلِلْتُ حَمْلَهَا". لِماذا؟ "أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا... اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَة". فَهُوَ يَقولُ: "لا تَجْرُؤوا على الاقترابِ مِنِّي بِطُقوسِكُم الدِّينيَّةِ إلاَّ بعدَ أن تَفْعَلوا الصَّوابَ مَعَ الفُقراءِ والمَظلومينَ واليَتَامَى والأرامِل". بِعبارةٍ أخرى، اصْطَلِح مَعَ أخيكَ ثُمَّ تَعالَ إليَّ. أَتَرَوْن؟ يا لَهُ مِن حَقٍّ عَظيم!
ولم يَكُن هذا هُوَ كُلُّ ما قَالَهُ إشَعْياءُ، بل إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّامِنِ والخَمسين والعَدد 5: "أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيْفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا. هَلْ تُسَمِّي هذَا صَوْمًا وَيَوْمًا مَقْبُولاً لِلرَّبِّ؟ أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟" بعبارةٍ أخرى، لا تَأتي إليَّ بِعبادَتِكَ الزَّائفةِ، بلِ اذهب أوَّلاً وسُدَّ حَاجاتِ أخيكَ.
هَذا هُوَ ما يَقولُهُ رَبُّنا. وَلَمْ يَكُن هذا التَّعليمُ جَديدًا عَليهم. فقد كانوا يَعرفونَ أنَّ المُصالَحَةَ بينَ الإنسانِ والإنسانِ تَأتي قَبلَ المُصالَحَةِ بينَ اللهِ والإنسان.
ونَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 7: 9: "أَتَسْرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَتَزْنُونَ وَتَحْلِفُونَ كَذِبًا وَتُبَخِّرُونَ لِلْبَعْلِ، وَتَسِيرُونَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأْتُونَ وَتَقِفُونَ أَمَامِي فِي هذَا الْبَيْت؟" فَهُوَ يَقولُ: اخرُجوا مِن هُنا إلى أنْ تُصْلِحُوا عَلاقاتِكُم. هذا هُوَ ما يَقولُه. والصُّورةُ هُنا نَابِضَةٌ جدًّا بالحَياة. فَهُوَ يَقول: "إنْ كُنتُم أيُّها الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ والقادَةُ الدِّينيُّونَ تَأتونَ إليَّ لِتَعبدوني بهذهِ الطَّريقةِ فإنِّي لا أُريدُها البَتَّة. اذهَبوا. اذهَبوا بَعيدًا عَنِّي إلى أنْ تَصْطَلِحُوا مَعَ إخوَتِكُم". هذا هُوَ ما يَقولُهُ الرَّبُّ.
والآن، يَأتي الرَّبُّ بِنا إلى نُقطةٍ مُدهشةٍ جدًّا. انظروا إلى العَدد 23 مَرَّةً أخرى: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ" – هَل رأيتُم ذلك؟ فأنتَ لَستَ غَاضِبًا، بل أنَّ أخاكَ غَاضِبٌ مِنكَ. وَهذا مُدهشٌ! هَلْ تَرَوْنَ أهميَّةَ العَلاقاتِ السَّليمة؟
وأنا أُوْمِنُ بأنَّ التَّطبيقَ العَمليَّ لهذا التَّعليمِ هُوَ أنَّ الشَّخصَ الَّذي يُقَدِّمُ الذَّبيحةَ هُوَ الَّذي أَغْضَبَ أَخاهُ أو سَاهَمَ في إثارَةِ غَضَبِه. ولكِنْ كما تَرَوْنَ في العَدد 22، فإنَّهُ يَقولُ إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْم. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 23 إنَّهُ إنْ كَانَ أخوكَ غَاضِبًا مِنكَ فإنِّي لا أُريدُ عِبادَتَكَ. اذهب عَنِّي. "فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ". فَرَبُّنا يُظهِرُ قَداسَتَهُ مِن خِلالِ حَقيقةِ أنَّهُ لا يَتعامَلُ حَتَّى مَعَ غَضَبِ الشَّخصِ المُتَعَبِّد. فقد عَالَجَ ذلكَ في العَدد 22. ولكِنَّهُ يَتحدَّثُ هُنا عنْ غَضَبِ شَخصٍ آخرَ مِنَ المُتَعَبِّد.
فَلا بُدَّ أنَّكَ تَعلَمُ إنْ كانَ هُناكَ شَخصٌ مُتضايِقٌ مِنكَ. ولا بُدَّ أنَّكَ تَعلَمُ إنْ كانَ لِشَخصٍ آخرَ شَيءٌ عَليكَ. فقد لا تَشعُرُ بالغَضَبِ مِنهُ. فهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ دائمًا: "لا أدري لماذا يَشعُرُ فُلانٌ بهذهِ المَشاعِرِ السَّلبيَّةِ مِن نَحوي! أنا لا أشعرُ بأيَّة مَشاعِر سَلبيَّة مِن نَحوِهِ! فأنا مُتَحَرِّرٌ مِنَ العَداوةِ ولا أشعُرُ تُجاهَهُ بأيِّ غَضَب!" إنْ كانَ الشَّخصُ الآخرُ يَشعُرُ تُجاهَكَ بالغَضب، اذهَب واصْطَلِحْ مَعَهُ. فاللهُ لا يُريدُ مِنكَ أن تَكونَ غَاضِبًا مِن أحد. والآن رَكِّزوا مَعي: واللهُ لا يُريدُ أيضًا أن يَكونَ هُناكَ شَخصٌ غَاضِبٌ مِنكَ. فهذا يَجعَلُكَ مُذنِبًا كَالقاتِل. وهذا كَلامٌ قَويٌّ جدًّا يا أحبَّائي... كَلامٌ قَويٌّ جدًّا.
فإن جِئتَ إلى كَنيسةِ "غريس" (Grace Church) لعبادةِ الرَّبِّ، وكُنتَ غَاضِبًا مِن شَخصٍ مَا، غَادِر واترُك هذا المَكانَ، وابْقَ بَعيدًا إلى أنْ تَصْطَلِحَ مَعَهُ. وإنْ جِئتَ إلى كنيسةِ "غريس" وكُنتَ قد فَعلتَ شَيئًا جَعَلَ أحدَ الأشخاصِ غَاضِبًا مِنكَ، ولم تَكُن قدِ اصْطَلَحْتَ مَعَهُ بَعْد، بِغَضِّ النَّظَرِ عَن هُويَّةِ ذلكَ الشَّخص، اذهب واصْطَلِحْ مَعَهُ، ولا تَعُد إلى هُنا قبلَ أنْ تَفعلَ ذلك.
كَما تَعلمونَ، أنا أريدُ أن تَكونَ هذهِ الكَنيسة، كَما قُلتُ في هذا الصَّباح، كُلَّ ما يُمكِنُها أن تَكون. فنحنُ نَجلِسُ أحيانًا ونَقول: "كيفَ يُمكنُنا أن نَجعلَ كَنيستَنا في أفضلِ حَالَةٍ يُمكِنُها أن تَكونَ عليها؟" فالنَّاسُ يَقولون: "نحنُ بِحاجةٍ إلى المَزيد". فالنَّاسُ يَسألونَني السُّؤالَ التَّالي أحيانًا: "كيفَ يُمكِنُنا أن نَزيدَ عِبادَتَنا؟ كيفَ يُمكِنُنا أن نَزيدَ وَقتَ عِبادَتِنا؟" فَهُم يَظُنُّونَ أنَّنا إنْ زِدْنا وَقتَ التَّرنيمِ، أو رُبَّما أَدْخَلْنا تَحسيناتٍ على شَكلِ الكَنيسةِ مِن حَولِنا، أو كانت لَدينا تَرانيمُ أفضَل، أو مُوسيقا أفضل، أو عِظاتٌ أفضل، أو مَا إلى ذلك.
اسمَعوني: إن أردتُم أن تُحَسِّنوا عِبادَتَكُم وكانَتْ هُناكَ مُشكلةٌ بينَكُم وبينَ آخرينَ، غَادِروا وَعُودوا بعدَ أنْ تَصْطَلِحوا مَعَهُم. حِينئذٍ سَنَرى قُوَّةَ رُوحِ اللهِ في وَسطِنا. آمين؟ شُكرًا لَكُما. إنَّهُ أمرٌ صَعبٌ. ولكِنَّ هذا هُوَ الواقِع. أليسَ كذلك؟ فهو أمرٌ صَعبٌ جدًّا... صَعبٌ جدًّا.
وقد تَقول: "جون! لقد قُلتَ لنا في الصَّباحِ أن نَأتي إلى الكنيسة؛ ولكِنَّكَ تَقولُ لنا في المَساءِ أنْ نُغادِر!" كانَ لا بُدَّ أنْ أجعَلَكُم تَأتونَ إلى هُنا كي أَطلُبَ مِنكُم أن تُغادِروا. اسمَعوني: إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتحدَّثونَ عَمَّا يُمكِنُنا أن نَفعلَهُ لزيادةِ العِبادةِ يُهْمِلونَ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ دائمًا. فالطَّريقةُ الصَّحيحةُ لزيادةِ العِبادةِ الصَّحيحةِ هي أنْ نَجعلَ النَّاسَ يُغادِرونَ إنْ لم يَكُن هُناكَ مَا يَفعلونَهُ هُنا بسببِ وُجودِ شَيءٍ مَغلوطٍ في حَياتِهم. فَكما تَعلمونَ، أنا أُوْمِنُ بأنَّهُ في كُلِّ يَومِ أحد هُناكَ أشخاصٌ يَأتونَ إلى هُنا، أَزواجٌ وَزوجاتٌ تُوجَدُ مَرارةٌ بَينَهُم ويُحاولونَ أن يَعبُدوا الرَّبَّ. ولكِنَّ الرَّبَّ لا يُريدُ هذا النَّوعَ مِنَ العِبادَة. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هُناكَ عَائلاتٌ تَأتي إلى هُنا في حينِ أنَّهُ تُوجَدُ عَداوةٌ مِنَ الأبناءِ تُجاهَ آبائِهم وأُمَّهاتِهم، أو عَداوةٌ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ تُجاهَ الأبناءِ. واللهُ لا يُريدُ هذا النَّوعَ مِنَ العِبادَة.
وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هُناكَ أوقاتًا نَأتي فيها إلى الكنيسةِ ونحنُ نَشعُرُ بمشاعرَ سَلبيَّة تُجاهَ أشخاصٍ آخرينَ في الشَّرِكَةِ، أو تُجاهَ جَارٍ في الشَّارِعِ، أو تُجاهَ شَخصٍ في مَكانٍ مَا. فنحنُ نَعلمُ أنَّنا نَشعُرُ بالمَرارة؛ ولكِنَّنا لا نَفعلُ أيَّ شَيءٍ للتَّخَلُّصِ مِنها. أو رُبَّما يُوجدُ أخٌ في الكنيسةِ لا نُبالي بِهِ بعدَ حُدوثِ مُشكلةٍ بَينَنا؛ ولكِنَّنا تَرَكْنا مَشاعِرَ المَرارةِ على حَالِها. والكتابُ المقدَّسُ يَقول: "اذهب. لا تُقَدِّم أيَّ شَيءٍ لله. فَهُوَ لا يُريدُ هذا النَّوعَ مِنَ العِبادَةِ. فَهي عِبادَةٌ زَائفة".
ونَقرأُ في المَزمور 66: 18: "إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لاَ يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبُّ". ونَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 15: 22: "هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاش".
وَقد تَقول: "جون! كيف أَجِدُ ذلكَ الشَّخصَ الغَاضِبَ مِنِّي؟" أعتقدُ أنَّ ما يَعنيهِ النَّصُّ هُوَ أنَّكَ تَعلَمُ أنَّ ذلكَ الشَّخصَ غَاضِبٌ مِنكَ. بعبارةٍ أخرى، مِنَ الواضحِ أنَّهُ يُوجَدُ أشخاصٌ غَاضِبونَ مِنِّي دُونَ أن أَعلمَ ذلك. ولا يُمكنُني أن أَذهبَ وأسألَ كُلَّ شَخصٍ إنْ كَانَ غَاضِبًا مِنِّي. وهُناكَ أوقاتٌ أَعلَمُ فيها أنَّهُ يُوجَدُ شَخصٌ غَاضِبٌ مِنِّي وأحاولُ أن أَصْطَلِحَ مَعَهُ، وأبذُلُ كُلَّ جُهدٍ لَديَّ، وأطلُبُ مِنهُ أن يُسامِحَني، وأحاولُ أنْ أُعالِجَ المُشكلةَ، ولكِنَّهُ يَرفُضُ أن يُسامِحَني. ولكنِّي بَذلتُ أقصَى جُهدٍ لَديَّ ولم يَعُد هُناكَ ما يُمكنُني أن أفعلَهُ. في هذهِ الحَالةِ، يُمكِنُني أن أَعبُدَ اللهَ.
فأنا أُحاولُ أنْ أَصْطَلِحَ مَعَ أشخاصٍ مُعَيَّنينَ وأَجِدُ صُعوبةً بَالِغَةً في ذلك. وهُناكَ أشخاصٌ يَنبغي أنْ أَصْطَلِحَ مَعَهُم ولكِنِّي لا أَعلمُ أنَّهُم غَاضِبونَ مِنِّي. ولكنِ اسمَعوني: عندما أَعلمُ ذلكَ وأستطيعُ أنْ أَصْطَلِحَ مَعَهُم، يجبُ عليَّ أن أفعلَ ذلكَ (كَما يَقولُ يَسوع). لِذا فإنَّ كَلِماتِ يَسوعَ صَادِمَة. فَهِيَ تُؤثِّرُ في بِرِّنَا الذَّاتِيِّ، وتُؤثِّرُ في عِبادَتِنَا لَهُ.
وأخيرًا، إنَّها تُؤثِّرُ في عَلاقاتِنا بالآخرين. وقد تَحَدَّثَ عن ذلكَ في العَددَيْن 23 و 24. فقد قالَ ذلكَ للتَّوّ. والآن، إنَّهُ يَضْرِبُ مَثَلاً مُحَدَّدًا في العَدَدَيْن 25 و 26. وَهُوَ يَقولُ إنَّكَ فَعَلْتَ مَا قَالَهُ لَكَ بخصوصِ العِبادَةِ وَغادَرتَ المَكانَ. والآن، إليكَ مَا يَنبغي لَكَ أن تَفعلَهُ. فبعدَ أن غَادرتَ المَكانَ لكي تَصْطَلِحَ مَعَ أخيكَ حَتَّى تَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ اللهِ: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ!" (أوْ: حَتَّى تُوفِي الرُّبْعَ الأخيرَ مِنَ الفَلْسِ بِحَسَبِ النَّصِّ اليُونانِيِّ).
والآن، مَا الَّذي يَعنيه بذلك؟ إنَّ الصُّورةَ الَّتي يَرْسِمُها رَبُّنا نَابضةٌ بالحَياة. فَهُوَ يَقولُ: يَجْدُرُ بِكَ أن تَذهبَ وتَصْطَلِحَ مَعَ أخيكَ. وَهُوَ يَستخدِمُ مَثَلاً إيضَاحِيًّا مُسْتَعارًا مِنَ الأسلوبِ القانونِيِّ القَديمِ في التَّعامُلِ مَعَ الأشخاصِ الَّذينَ يَقتَرِضونَ المَالَ مِن غَيرِهم في المُجتمعِ اليَهودِيِّ. والفِكرةُ هُنا هي أنَّكَ تَعْبُدُ اللهَ وَعَلَيْكَ دَيْنٌ. وقد جَاءَ وَقْتٌ تَمَّ فيهِ استدعاؤُكَ إلى المَحكمةِ بسببِ هذا الدَّيْن. وهذا شَيءٌ مُهِمٌّ جدًّا.
والمِفتاحُ في هذا المَوقِفِ مَوجودٌ في العَدد 25: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا"؛ أيْ: "حَالاً" أو: "الآن". اترُك قُربانَكَ واذهب وَافعل ذلكَ الآن. وقد تَقول: "ولكِنِّي سَأفعلُ ذلكَ عندما يَحينُ الوقتُ المُناسِب. سوفَ أقولُ لَهُم شَيئًا". اذهب الآنَ حَالاً. فَالآنَ هِيَ لَحْظَةُ مُراضاةِ خَصْمِكَ لأنَّهُ في الغَدِ قد يَكونُ الأوانُ قد فَاتَ فتَزدادُ الأمورُ تَعقيدًا وَتُلْقَى في السِّجنِ فَتَقَعُ في وَرطةٍ عَويصَةٍ ولا تَستطيعُ رَدَّ ذلكَ الدَّيْن. وسيكونُ الأوانُ حِينئذٍ قد فَات.
لاحِظُوا هُنا أنَّ رَبَّنا يُرَكِّزُ على الطَّرَفِ المُذنِب. فَهُوَ يَقولُ في العَددَيْن 23 و 24 بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إنَّكَ أَتيتَ إلى المَذبَح. فقد أتيتَ وأنتَ تَعلمُ أنَّ هُناكَ شَخصًا يَكرَهُكَ، أو شَخصًا غَاضِبًا مِنكَ. وَهُوَ يَنتقلُ الآنَ إلى عَامِلِ الذَّنْب. فقد يَكونُ الطَّرَفانِ مُذنِبَيْن؛ ولكِنَّهُ يُرَكِّزُ على طَرَفٍ مُذنِبٍ واحِدٍ هُنا سَواءَ كانَ كِلاهُما مُذنِبٌ أو وَاحِدٌ مِنهُما مُذنِب. وَهُوَ يَقول: "احْرِصْ على حَلِّ مُشكلتِكَ خَارِجَ المَحكمَة". هذا هُوَ مَا يَقولُه. لا تَسْمَحْ لهذهِ المُشكلةِ أن تَستمرَّ وتَستمرَّ إلى أنْ تَصِلَ إلى المَحكمةِ لأنَّكَ قد تَخسَرُ وتَذهبُ إلى السِّجن ولا تَعودُ قَادِرًا على الوَفاءِ بالدَّيْن. هذا هُوَ مَا يَقولُه. احرِص على حَلِّ مُشكلتِكَ خَارجَ المَحكمَة.
ففي الشَّريعةِ اليهوديَّةِ، عندما يُحْكَمُ على شَخصٍ بأنَّهُ مُذنِبٌ ويَكونُ مَدينًا لِغَيرِهِ، فإنَّهُ يُسَلَّمُ إلى شُرْطِيِّ المَحكمةِ. وبالمُناسَبَة، إنَّ الكلمةَ اليونانيَّةَ المُستخدمَةَ هُنا هي "هوبيريتيس" (huperetes)، وَهِيَ كلمةٌ تُشيرُ إلى شَخْصٍ يَقِلُّ عَنهُ مَكانَةً، وَهُوَ يُسَمَّى أحيانًا في اليونانيَّةِ "براكتور" (praktor) كَما هِيَ الحَالُ في إنجيل لُوقا والأصحاح 12. فَهُوَ سَيُسَلَّمُ إلى شُرطِيِّ المَحكمة. ثُمَّ إنَّ شُرطِيَّ المَحكمةِ سيُحاولُ أنْ يُرْغِمَ المَدينَ على دَفْعِ المَالِ للدَّائِن. فالحُكْمُ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لهذا الرَّجُلِ أن يَدفعَ لَهُ مَبلَغًا مُعَيَّنًا. وسوفَ يُحاولُ شُرطيُّ المَحكمةِ أن يُرغِمَهُ على دَفعِه. وإن لم يَنْجَح في ذلكَ فإنَّهُ سيَأخُذُ الرَّجُلَ المَدينَ ويُلقيهِ في السِّجنِ حيثُ سيَبقى مَسجونًا إلى أن يَتمكَّنَ مِن سَدادِ الدَّيْن. والنُّقطةُ هُنا هي أنَّكَ إذا كُنتَ مَسجونًا فإنَّكَ لن تَتمكَّنَ البَتَّة مِنَ الوَفاءِ بالدَّيْن. فهذا غيرُ مُمكِن. ويَسوعُ يَقولُ هُنا: احرِص على حَلِّ مُشكلتِكَ خَارجَ المَحكمةِ، وتَصالَح مَعَ ذلكَ الشَّخص قبلَ أنْ يُحْكَمَ عَليكَ حُكْمًا شَديدًا فَتَعْجَزُ تَمامًا عن حَلِّها.
والآن، مَا الَّذي يَقصِدُهُ هُنا؟ هَل يَقصِدُ أنَّ ذلكَ الشَّخصَ قد يَموتُ فَتَعجَزُ عن مُعالجةِ المُشكلةِ، وتَعجَزُ عَن مُصالَحَتِه؟ هل يَعني أنَّ اللهَ قد يُؤدِّبُكَ ويَدينُكَ؛ وحينئذٍ سيَكونُ الأوانُ قد فَات؟ قَد يَكونُ هذا المَعنى أو ذَاكَ جَائِزًا. فَهُوَ لا يُوَضِّحُ ذلكَ في الحَقيقة. ولكِنَّ ما يَقولُهُ هُوَ التَّالي: لا يُمكِنُكَ أن تَعبُدَني مَا لم تُصْلِحْ عَلاقاتِكَ. لِذا، يَنبغي لكَ أنْ تُعَجِّلَ أوْ أنْ تَسْتَعْجِلَ في إصلاحِها. لا تَدَعِ الأمْرَ يَصِلُ إلى المَحكمةِ المَدنيَّةِ فَيَخسَرُ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ في النِّهاية. فالفِكرةُ هِيَ: لا تَسْمَحْ للأمورِ أن تَخرُجَ عَنِ السَّيطرة. وَلا تَسْمَحْ لتَأديبِ اللهِ أن يَأتي عَليك. تَصَرَّف قبلَ ذلك.
وأعتقدُ في النِّهايةِ أنَّهُ يَقولُ إنَّ اللهَ هُوَ الدَّيَّانُ الحَقيقيُّ، وإنَّ جَهنَّمَ هي العِقابُ الحَقيقيُّ. وإنْ لم تُصْلِح الأمرَ قَد تَجِدُ نَفسَكَ في جَهنَّمَ الأبديَّةَ بسببِ دَيْنٍ لن تَتَمَكَّنَ يَومًا مِنَ الوَفاءِ به.
والآن، إنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ التَّالي، واسمَحوا لي أن أُلَخِّصَهُ لَكُم: أنتُم أيُّها الفَرِّيسيُّون والكَتَبةُ الَّذينَ تَتَّكِلونَ على بِرِّكُم الذَّاتِيِّ لِمُجَرَّدِ أنَّكُم لم تَقتُلوا أحدًا، تَظُنُّونَ أنَّكُم قِدِّيسونَ؛ ولكنِ اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا: إنْ غَضِبتَ، أو قُلتَ كلمةً نَابِيَةً بِهَدَفِ تَحَقيرِ شَخصٍ مَا، أو شَتَمتَ شَخصًا مَا، فإنَّكَ تُشبِهُ القَاتِل. وإن جِئْتَ إلى المَذبحِ كي تَعبُدَ اللهَ وكانَ لأخيكِ شَيءٌ عَليكَ، فإنَّكَ تُعَرِّضُ نَفسَكَ للدَّينونة لأنَّ رِياءَكَ هذا سَيُحسَبُ ضِدَّكَ ولن يَكونَ عِبادَةً. لِذا، اترُك قُربانَكَ واذهب واصْطَلِحْ مَعَ أخيكَ.
وعندما تَتخاصَمُ مَعَ شَخصٍ مَا، اذهب حَالاً وفي أسرعِ وقتٍ مُمكِن وعَالِج تلكَ المُشكلةَ لأنَّكَ أنتَ أيضًا مُعَرَّضٌ لِخَطَرِ جَهَنَّم. والنُّقطةُ الَّتي يُريدُ أن يُبَيَّنَها لَهُم هي التَّالية: إنَّ حَقيقةَ أنَّكُم لم تَقتُلوا أيَّ شَخصٍ هي مُجَرَّدُ جُزءٍ صَغيرٍ مِنَ المُشكلة. فهُناكَ ضَغينةٌ لم تَتَخَلَّصُوا مِنها. وأنتُم تَعبُدونَ بطريقةٍ كُلُّها رِياء. فأنتُم تَشتُمونَ، وتَحقِدونَ، وتَغضَبونَ. والدَّينونةُ نَفسُها سَتَحِلُّ عَليكُم بسببِ ذلك. فالمَوتُ وَجَهَنَّمُ هُما الشَّيءُ الَّذي تَستَحِقُّونَهُ. هذا هُوَ ما يَقولُه.
لِذا فإنَّ يَسوعَ يَتحدَّثُ عن بِرِّهم الذَّاتِيِّ، ويَتحدَّثُ عن مَوضوعِ العِبادةِ، ويَتحدَّثُ عن مَوضوعِ العَلاقاتِ بالآخرين. وَهُوَ يُزَعْزِعُ شُعورَهُم بالأمان، وثِقَتَهُم بأنفُسِهم، واتِّكالِهم على بِرِّهم الذَّاتِيِّ. والآن لاحِظوا ما يَلي: إنَّهُ يَفعلُ ذلكَ مِن خِلالِ وَضْعِ مِعيارٍ عَالٍ جدًّا لا يَستطيعُ أحدٌ أن يَبلُغَهُ.
اسمَعوني: مَنْ هُوَ القَاتِل؟ اسأل نَفسَك: مَن هُوَ القَاتِل؟ هَل غَضِبْتَ يَومًا؟ هَل شَتَمْتَ يَومًا شَخصًا؟ رُبَّما زَوجَتَكَ أو زَوجَكِ أوِ ابنَكَ؟ حَتَّى لَو هَمْسًا؟ هل حَقَّرْتَ يَومًا شَخصًا؟ هل جِئتَ يَومًا إلى الكنيسةِ للعِبادةِ في حينِ أنَّهُ تُوجَدُ مَرارةٌ في قَلبِك؟ إنَّ هذا رِياء. وهل شَعرتَ يَومًا بالضَّغينةِ تُجَاهَ شَخصٍ مَا وَوَصَلَ الأمرُ إلى المَحكمةِ دُونَ أن تَحُلَّ ذلكَ الخِلاف؟ وهل لم تَكُن أمينًا؟ إذًا، أنتَ لا تَختَلِفُ في شَيءٍ عَنِ القَاتِل لأنَّكَ سَمَحْتَ للخِلافِ والمَرارةِ والكَراهِيَةِ والغَضَبِ بالدُّخولِ إلى قَلبِك.
واسمَح لي أن أسألَكَ سُؤالاً ثَانِيًا. فالسُّؤالُ الأوَّلُ هُوَ: مَن هُوَ القَاتِل؟ والسُّؤالُ الثَّاني هُوَ: مَنْ يَستَحِقُّ المَوتَ وَجَهنَّم؟ مَن يَستَحِقُّ ذلك؟ مَن يَستَحِقُّ المَوتَ وجَهَنَّم؟ أنتَ وأنا ونَحنُ جَميعًا مُذْنِبونَ بِتُهمَةِ القَتل. فنحنُ جَميعًا أخطأنا وأَعْوَزَنا مَجْدُ اللهِ. وأُجرةُ الخَطيَّةِ هي مَاذا؟ مَوت. لِذا، قد تَقول: "وكيفَ نَنجو مِن ذلك؟" فإن كُنَّا جَميعًا قَتَلَة، والقَتلَةُ لا يَرِثونَ المَلكوتَ، إنْ كُنَّا جَميعًا قَتَلة، وإنْ كُنَّا جَميعًا نَستحِقُّ المَوتَ وجَهَنَّم، كيفَ يُمكِنُنا أن نَنجو؟ فنحنُ جَميعًا نَعبُدُ اللهَ بِرياء. فنحنُ جَميعًا قد غَضِبْنا. ونحنُ جَميعًا قُلنا كَلماتٍ نَابِيَة. ونحنُ جَميعًا فَكَّرنا في كلمةٍ مُسيئةٍ أو قُلناها. ونحنُ جَميعًا لم نَصْطَلِحْ معَ أخينا. نحنُ جَميعًا فَعَلنا ذلك. فماذا عَسانَا أن نَفعَل؟
وهذا هُوَ تَمامًا ما يُريدُ يَسوعُ أنْ يُوَضِّحَهُ. فَهُوَ يُريدُ أن يَقودَهُم إلى حَقيقةِ أنَّهُم لا يَستطيعُونَ أن يَكونوا أبرارًا مِن ذَواتِهم. وَمِن شأنِ هَذهِ الحَقيقةِ أن تَجْعَلَهُم يَجْثونَ عِندَ الصَّليبِ لِقَبولِ البِرِّ الَّذي لا يُمكِنُ لأحدٍ غيرَ المَسيحِ أن يَهَبَهُ. أَتَرَوْن؟ فكُلُّ شَيءٍ يَقولُهُ هُنا يَرْمِي إلى اقتيادِهِم إلى نُقطةِ اليَأسِ وعَدَمِ الكِفايَةِ لكي يَأتُوا إليه.
فقد مَاتَ لأجلِنا. وقد دَفَعَ أُجرةَ الخَطِيَّةِ عَنَّا لكي يُبَرِّرَنا. فأنتُم تَستحقُّونَ المَوتَ. وأنا أستَحِقُّ المَوتَ. وأنتُم تَستحقُّونَ جَهَنَّم. وأنا أَستَحِقُّ جَهَنَّم. فنحنُ جَميعُنا قَتَلَة. وقد كانَ جَميعُ الفَرِّيسيِّينَ كذلك. وكانَ جَميعُ الكَتَبَةِ كَذلك. والجَميعُ كذلك. لِذا فقد صُلِبَ المَسيحُ، ومَاتَ عَنَّا، وتَألَّمَ بَدَلاً عَنَّا، وقَدَّمَ لَنا هِبَةَ بِرِّهِ الَّذي يُحسَبُ لَنا. هذا هُوَ مَعنى الإنجيل. أتَرَوْن؟
وبالمُناسَبة، هذهِ جَريمةٌ واحدةٌ فقط اقتَرفناها. وهُناكَ جَرائمُ أخرى كثيرة. لِذا فإنَّنا نُدركُ مَرَّةً أخرى حَقيقةَ أنَّهُ بأعمالِ النَّاموسِ لا يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا. ولكِنَّ البِرَّ الَّذي نَحنُ في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ إليهِ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ الله. وبولُس يَقولُ عَنهُ إنَّهُ "بِرُّ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي حُسِبَ لَنا".
واسمَحوا لي أن أَختِمَ بالفِكرةِ التَّالية: هُناكَ أسبابٌ لا حَصْرَ لَها تَجعلُ اللهَ يَغضَبُ مِنَّا. أليسَ كذلك؟ وهُناكَ أسبابٌ لا حَصْرَ لَها تَجعَلُهُ يُبغِضُنا؛ أيْ يُبْغِضُنا بِعَدْل. وهُناكَ أسبابٌ لا حَصْرَ لَها تَجعَلُ اللهَ يَحْتَقِرُنا. وهُناكَ أسبابٌ لا حَصْرَ لَها تَجعَلُ اللهَ يَلْعَنَنا بِعَدْل. وهُناكَ أسبابٌ لا حَصْرَ لَها تَجعَلُ اللهَ يُخرِجُنا مِن حَضْرَتِهِ لأنَّنا قَتَلَة. ولكِن هل تَعلَمونَ شَيئًا؟ مَعَ أنَّنا حَمْقَى مِثلَ القَاتِلِ الفُلانِيِّ، والقاتِلِ الفُلانِيِّ، والقَاتِلِ الفُلانِيِّ، وجَميعِ القَتَلَةِ الَّذينَ في العَالَم، فإنَّهُ يُحِبُّنا، ويَغفِرُ لَنا، ويَدفَعُ الدَّيْنَ عَنَّا، والأعجَبُ مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُ يَسعَى إلى مُصالَحَتِنا إليهِ في مَملكتِهِ الأبديَّةِ لأنَّهُ يُريدُ مِنَّا أن نَكونَ في شَرِكَةٍ مَعَهُ. ألاَ تَجِدونَ ذلكَ أمرًا يَصعُبُ تَصديقُه؟
والآن، اسمَعوني: إنْ كانَ اللهُ كُلِّيُّ القَداسَةِ يَستطيعُ أن يُصالِحَ قَتَلَةً أشرارَ مِثلَنا، أَلاَ يُمكِنُنا أنْ نَجِدَ مَحبَّةً في قُلوبِنا لِمُصالَحَةِ إخوتِنا؟ فَهُوَ قُدوةٌ لَنا. دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى على كلمَتِكَ الفعَّالة. فنحنُ نَشعُرُ بقوَّةِ الرَّبِّ يَسوع. فكلماتُهُ تُمَزِّقُنا. وَهِيَ تَكشِفُ أعمقَ أسرارِ قُلوبِنا. وَهِيَ تُزيلُ كُلَّ اتِّكالٍ على بِرِّنا الذَّاتِيِّ. وَهِيَ تُزيلُ القِناعَ عن حَماقةِ التَّفكيرِ الَّذي يَقولُ إنَّنا قد بَلَغنا قِمَّةَ النُّضجِ الرُّوحيِّ. صَحيحٌ أنَّنا قدِ نِلْنَا الفِداءَ، وأنَّنا نِلْنَا الخَلاصَ (أيِ الأغلبيَّةَ مِنَّا)؛ ولكِنَّنا مَا زِلنا أشرارًا وخُطاةً. نَشكُرُكَ على نِعمَتِكَ. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ كَسَوْتَنا بِبِرٍّ ليسَ لَنا. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ مُتَّ أصلاً عَنَّا لِئَلاَّ نُضْطَرَّ إلى دَفْعِ الأُجرةِ الَّتي نَستَحِقُّها.
يا أبانا، سَاعِدنا على أن نَعيشَ الحَياةَ الَّتي يَنبغي أن نَعيشَها. والآن، بعدَ أن وَهَبْتَنا بِرَّكَ، فإنَّكَ وَهَبْتَنا أيضًا رُوحَكَ القُدُّوس. ونحنُ نَملِكُ القُدرةَ على الانتصارِ على الغَضَب. ونَحنُ نَملِكُ القُدرةَ على الانتصارِ على العِبادَةِ المُرائِيَة. ونحنُ نَملِكُ القُدرةَ على أن نَتصالَحَ مَعَ أخينا. ونحنُ نَملِكُ القُدرةَ على حَلِّ خِلافاتِنا بِقُوَّةِ رُوحِكَ. لِذا فإنَّنا نُصَلِّي أن نَفعلَ ذلكَ اقتداءً بِكَ لكي نَعيشَ كَما يَليقُ بأبناءِ المَلكوتِ، ولكي نُعطي المَجدَ للمَلِكِ الَّذي نُحِبُّهُ ونَدينُ لَهُ بكُلِّ شَيء. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
