في هَذا المَساء، أريدُ مِنكُم أن تَنظُروا مَعي إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخَامِس. وقد وَصَلْنا إلى الجُزءِ الَّذي يَبتدئُ بالعَددِ الحَادي والعِشرين. وهذا المَقطعُ الكِتابِيُّ المُهِمُّ جدًّا والَّذي غَالبًا مَا يُساءُ فَهمُهُ، ويُساءُ تَمثيلُهُ، ويُساءُ تَفسيرُهُ سيكونُ هُوَ مَوضوعُ دِراسَتِنا في الأسابيعِ القليلةِ القَادِمَةِ لأنَّهُ ابتداءً مِنَ العَدد 21 إلى نِهايةِ العَدد 48، نَجِدُ كَلماتٍ مُهِمَّةً جدًّا قَالَها الرَّبُّ يَسوعُ في مَعْرِضِ تَفسيرِهِ لِناموسِ العهدِ القديم. وهُناكَ سِتُّ أفكارٍ مُحَدَّدة يُعالِجُها في هذا المَقطَع.
وفي هذا المَساءِ، سَنَكتفي بالتَّمهيدِ للمَفهومِ الَّذي يُعالِجُهُ رَبُّنا في هذا المَقطع. وفي الأسابيعِ القادِمة، سوفَ نُناقِشُ بالتَّفصيل هذهِ الأفكار المُحَدَّدة. وقدِ اخْتَرْنا ببساطَةٍ في هذا المَساء العُنوانَ التَّالي لهذهِ العِظَة: "المَواقِفُ الكَامِنَةُ وَراءَ الأفعال". ونحنُ لن نَتطرَّقَ إلى مَوضوعِ القَتْلِ (الَّذي هُوَ الفِكرةُ الأولى)، بل سَنَكتفي بمُناقشةِ الفِكرةِ العَامَّةِ وَهِيَ: المَواقِفُ الكَامِنَةُ وَراءَ الأفعال.
يُقَيِّمُ أغلبيَّةُ النَّاسِ حَياتَهُم وحَياةَ النَّاسِ الآخرينَ وَفقًا للمَظْهرِ الخَارِجيِّ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ لأوَّل 16: 7 أنَّ الإنسانَ يَنظُرُ إلى المَظهرِ الخَارجيِّ؛ ولكنَّ يَسوعَ قَالَ في إنجيل يُوحنَّا 7: 24: "لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلاً". وفي الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ العَاشِرِ، قَالَ الرَّسولُ بولُس: "أَتَحْكُمونَ على الأُمورِ بِحَسَبِ ظَواهِرِها؟...لأَنَّنَا لاَ نَجْتَرِئُ أَنْ نَعُدَّ أَنْفُسَنَا بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ يَمْدَحُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَلاَ أَنْ نُقَابِلَ أَنْفُسَنَا بِهِمْ".
فَهُناكَ أشخاصٌ يَمْدَحونَ أنفُسَهُم على أساسِ مَظهرِهم الخَارجيِّ. وهُناكَ أشخاصٌ يَشعرونَ بالرِّضا عن سُلوكِهم الخَارِجيِّ. وهُناكَ أشخاصٌ يُقَيِّمونَ الآخرينَ بِحَسَبِ مَا يَرَوْنَهُ في الظَّاهِرِ مِن تَصَرُّفاتٍ دِينيَّة.
وهذا شَيءٌ طَبيعيٌّ عندَ الإنسانِ السَّاقِط. فهو يَكْتَفي بالنَّظَرِ إلى المَظاهِرِ الخَارجيَّة. فقد قالت لي سَيِّدَةٌ كنتُ أتحدَّثُ مَعَها مُؤخَّرًا: "أنا مُتديِّنةٌ جدًّا. وأنا أفعلُ أمورًا كَثيرةً لأجلِ دِيانَتي. وأنا نَشِطَةٌ جدًّا. وأنا إنسانةٌ صَالِحَةٌ أعملُ أعمالاً صَالحةً للنَّاسِ، ولا سِيَّما للأشخاصِ مِنَ الدُّوَلِ الأُخرى". وَقد رَاحَتْ تَتحدَّثُ وتُحاولُ إقناعي بأنَّ اللهَ مَسرورٌ بما تَفعلُه. ولكنَّ الآيةَ 1صموئيل 16: 7 تَقولُ إنَّ الإنسانَ يَنظُرُ إلى المَظهرِ الخَارِجيِّ؛ وأمَّا الرَّبُّ فإنَّهُ يَنظُرُ إلى القَلب.
فاللهُ لا يَهتمُّ بالمَظهرِ الخَارِجيِّ كما يَهتمُّ بالدَّاخِل. والأشياءُ الخَارجيَّةُ لا تَعني أيَّ شَيءٍ إلاَّ إذا كانت تَعْكِسُ الدَّاخِل. وهذا، بِصراحَة، هُوَ أساسُ النَّصِّ الَّذي أَمامَنا. ففي إنجيل مَتَّى 5: 21-48، يَذكُرُ رَبُّنا مَعاييرَ العَيشِ في مَلكوتِه، ويُعيدُ تَحديدَ وتَوضيحَ المِعيارَ الإلهيَّ المَذكورَ في نَاموسِ الله. وما يُريدُ أن يَقولَهُ هُنا هُوَ أنَّ الدَّاخِلَ يَكشِفُ بِكُلِّ تأكيدٍ أُمورًا أكثرَ مِنَ الخَارِج، وأنَّ الدَّاخِلَ أَهَمُّ بِكُلِّ تأكيدٍ مِنَ الخَارِج. فَداخلُكَ هُوَ ما يَنظُرُ اللهُ إليه.
وقد أَكَّدَ يَسوعُ هُنا في العِظَةِ على الجَبَل، وبِصراحَةٍ في كُلِّ خِدمَتِهِ، على أنَّ الطُّقوسَ الخَارجيَّةَ، والشَّعائرَ الدِّينيَّةَ الخَارجيَّةَ، والأعمالَ الدِّينيَّةَ المُحَدَّدةَ هي ليست الشَّيءَ المُهِمَّ لأنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى القَلب. وهذهِ هي الفِكرةُ الجَوهريَّةُ مِنَ العَدد 20. انظروا إليه:
"فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَات". والآن، لقد كانَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ يَمْلِكونَ بِرًّا خَارِجيًّا. وما يَقولُهُ يَسوعُ هُوَ أنَّهُ يَجِبُ أن يَزيدَ بِرُّكُم على بِرِّ هَؤلاءِ بأنْ يَكونَ بِرًّا دَاخِليًّا. فاللهُ يَنظُرُ إلى حَقيقَتِكَ الدَّاخليَّةِ، لا إلى مَظهرِكَ الخَارِجِيِّ. فالدَّاخلُ أَهَمُّ بكثير مِنَ الخَارِج. هَذا هُوَ في الحَقيقةِ مَعنى ما جَاءَ في العَدد 20.
فقد كانَ بِرُّ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ خَارجيًّا، وطَقْسِيًّا، وشَعائِرِيًّا، وكانَ مُجَرَّدَ نَاموسيَّةٍ كُلُّها رِيَاء. ولكنَّ البِرَّ الَّذي يُريدُهُ اللهُ هُوَ شَيءٌ دَاخِلِيٌّ. وبالمُناسَبة، هَذا هُوَ مَا يُريدُهُ اللهُ دَائِمًا. فهو ليسَ مَطلَبًا جَديدًا. ويَسوعُ لا يَقولُ هُنا شَيئًا لم يَكُن مَعروفًا مِن قَبل. ففي سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 39، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاءِ مَكَانِ سُكْنَاكَ وَاغْفِرْ، وَاعْمَلْ وَأَعْطِ كُلَّ إِنْسَانٍ حَسَبَ كُلِّ طُرُقِهِ [ثُمَّ استَمِعوا إلى مَا يَقولُهُ هُنا] كَمَا تَعْرِفُ قَلْبَهُ لأَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ قَدْ عَرَفْتَ قُلُوبَ كُلِّ بَنِي الْبَشَر". لِذا فإنَّ اللهَ يَعِدُ في تلكَ الآيةِ بأنَّهُ سيَتجاوبُ مَعَ البَشرِ لا على أساسِ أعمالِهم الخَارجيَّةِ، بل على أساسِ القَلبِ لأنَّ اللهَ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَعرِفُه.
وفي سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل 28: 9 (أيْ في العهدِ القديمِ أيضًا)، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْرِفْ إِلهَ أَبِيكَ وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِل وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ، لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ، وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَار". فَهِيَ تُرَكِّزُ على الشَّيءِ نَفسِه؛ أيْ أنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى الدَّاخِلِ، لا إلى الخَارِج.
ونَقرأُ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الثَّاني 16: 9: "لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ تَجُولاَنِ فِي كُلِّ الأَرْضِ لِيَتَشَدَّدَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ كَامِلَةٌ نَحْوَهُ". ونَقرأُ في المَزمور 7: 9: " فَإِنَّ فَاحِصَ الْقُلُوبِ وَالْكُلَى اللهُ الْبَارُّ". ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 16: 2: "كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاح". فالإنسانُ قَد يُبَرِّرُ طُرُقَهُ، ولكنَّ الرَّبَّ يَزِنُ رُوْحَهُ.
وفي سِفْرِ إرْميا 17: 10، يَقولُ إرْميا: "أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ". ونَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 2: 23 (أيْ في آخِرِ سِفْرٍ في الكتابِ المقدَّسِ) المَبدأَ نَفسَهُ: "أَنَا هُوَ [يَقولُ المَسيحُ] الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ".
لِذا فإنَّ المِعيارَ الَّذي يَضَعُهُ اللهُ... ويجب أن تَعلَمُوا، يا أحبَّائي، أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ جدًّا... فَالمِعيارُ الَّذي يَضَعُهُ اللهُ لتَقييمِ الرِّجالِ والنِّساءِ هُوَ مِعيارُ القَلب. والرِّسالةُ وَاضحةٌ. فاللهُ يَهتمُّ بالسُّلوكِ الخَارِجِيِّ. أجل، هَذا صَحيحٌ تَمامًا. ولكنَّ السُّلوكَ الخَارِجِيَّ لا لا يَحْظَى بأيَّةِ أهميَّةٍ إلاَّ إذا كانَ نَابِعًا مِنَ البِرِّ الدَّاخِلِيِّ لأنَّ اللهَ يُقَيِّمُ القَلبَ.
إنَّ هذا المَقطعَ القَويَّ (المُمتدَّ مِنْ بِدايةِ العَدد 21 إلى نِهايةِ العَدد 48) يَدعونا إلى فَحْصِ قُلوبِنا باستمرار. فرَبُّنا يَصِفُ مُواطِني مَلَكُوتِهِ هُنا. فَهُوَ يُقَدِّمُ أوَّلاً وَصْفًا للطَّبيعةِ الجَوهريَّةِ لمُواطِنِ المَلَكوت. وقد فَعَلَ ذلكَ في الأعدادِ الاثني عَشَرَ الأولى مِنَ الأصحاحِ الخَامِس. فَقَدْ وَصَفَ طَبيعةَ المُؤمِنِ الحَقيقيِّ، أوِ ابنِ اللهِ الحَقيقيِّ، أوْ مُواطِنِ المَلكوتِ الحَقيقيّ. فَهُوَ يَقولُ في العَددِ الثَّالِثِ إنَّ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ هُمُ مَساكينُ بالرُّوح. وَهُم يَحْزَنونَ على الخطيَّة. وَهُمْ مُتواضِعون. وَهُمْ يَجوعونَ ويَعطَشونَ إلى البِرّ. وَهُم رُحَماء. وَهُم أنقياءُ القَلبِ. وَهُم صَانِعو سَلام. وَهُم يَتعرَّضونَ للاضطِهادِ والتَّعييرِ؛ ولكنَّهُم أيضًا يَفرَحون.
وَهُوَ يُقَدِّمُ لَنا وَصْفًا وَاضِحًا لطبيعةِ مُواطِنِ السَّماء. وقد رأينا الحَقائقَ العَظيمةَ في هذهِ التَّطويبات. فقد أعطانا مِعيارَ البِرِّ الَّذي لم يَكُن باستِطاعَةِ الدِّيانَةِ الخَارجيَّةِ للكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ أنْ تَبْلُغَهُ. فالكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ لم يَكونوا مَساكينَ في الرُّوح، ولم يَكونوا يَحزَنون، ولم يَكونوا مُتواضِعين، ولم يَكونوا يَجوعونَ ويَعطَشونَ للبِرّ، ولم يَكونوا رُحَماء، ولم يَكونوا أنقياءَ القَلب، ولم يَكونوا صَانِعي سَلام. وكُلُّ هَذِهِ هي مَواقِفُ دَاخِليَّة. وكُلُّ هذهِ هِيَ عَناصِرُ الشَّخصيَّة. ولكنَّ دِيانَتَهُم كانت خَارجيَّةً فقط. فَهُم لم يَكونوا يَمْلِكونَ أيًّا مِنْ صِفاتِ مُواطِني المَلَكوت. لِذا فقد ذَكَرَ الرَّبُّ المَعاييرَ، أوِ الصِّفاتِ الدَّاخليَّةَ الَّتي يَتَّصِفُ بها أولادُهُ الحَقيقِيُّون.
ثُمَّ إنَّهُ يُبَيِّنُ في الأعدادِ مِن 13 إلى 16 كيفَ يَسْلُكُ الأشخاصُ الَّذينَ يَمْلِكونَ هذهِ الصِّفاتِ في العَالَم. وقد أشارَ إلى شَيئَيْن. فَهُمْ يَصيرونَ مِلْحًا (في العَدد 13)، ويَصيرونَ نُورًا (في العَدد 14). فالنَّاسُ الَّذينَ يَعيشونَ بتلكَ الطَّريقةِ يُمَلِّحونَ الأرضَ ويُنيرونَ العَالَم. فَهُمُ الرَّجاءُ الوَحيدُ للمُجتمَع. وَهُمُ الرَّجاءُ الوَحيدُ لوُصولِ الحَقِّ إلى البَشرِ الضَّالِّين. لِذا فقد قالَ إنَّ هذا هُوَ ما يَطلُبُهُ اللهُ. فَهُوَ يَطلُبُ الصِّفاتِ الدَّاخليَّة. وهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يَستخدِمُ اللهُ فيها الأشخاصَ الَّذينَ يَتَّصِفونَ بهذهِ الصِّفات.
وفي هذهِ النُّقطةِ، يُبَيِّنُ يَسوعُ كيفَ أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ يَعيشونَ بِحَسَبِ هذهِ المَبادِئِ يَرتَبِطونَ بناموسِ العهدِ القَديم. لماذا؟ لأنَّ هذا مُهِمٌّ لليَهودِ الَّذينَ كانوا يَستمعونَ إليهِ يَتحدَّث. فَحَتَّى ذلكَ الحِين، كانَ ما قَالَهُ لَهُم هُوَ ثَورةٌ في نَظرِهم. فقد كانَ تَدَيُّنُهم خَارِجِيًّا صِرْفًا. وقد كانَ يُقَدِّمُ مَبادِئَ ليسَت مَألوفَةً لِفَهْمِهم للدِّين. لِذا فقد كانَ سُؤالُهم في ذلكَ الوقتِ هُوَ: "حسنًا! إنَّ ما تَقولُهُ جَيِّدٌ وَحَسَنٌ؛ ولكِن ما عَلاقَتُهُ بالعَهدِ القَديم؟ وما عَلاقَتُهُ بمُوسَى؟ وما عَلاقَتُهُ بِتَعليمِ أحبارِ اليَهود؟ وما عَلاقَتُهُ بِنِظامِ النَّاموسِ التَّقليديِّ الَّذي نَنتَمي إليه؟"
فقد كانَ اليهودُ الَّذينَ يُعَلِّمُهُم يَسوعُ يَتَّكِلونَ تَمامًا على التَّعاليمِ المُرتبطةِ بالنَّاموسِ اليَهوديِّ حَتَّى إنَّهُ لم يَكُن بمقدورِ رَبِّنا أن يُهْمِلَ ذلكَ المَقطَع. فقد كانَ لا بُدَّ لَهُ أن يُبَيِّنَ لهُم كيفَ يَرتَبِطُ هذا التَّعليمُ بنِظامِهم. والحَقيقةُ هي أنَّ العَددَ 20 هُوَ المِفتاح. فهو يَقولُ: "إنَّ مِعيارَ اللهِ أَعلى مِن مَعاييرِكُم. فما تَعرفونَ الآنَ أنَّهُ مِعيارٌ بَارٌّ ليسَ مَقبولاً".
والآن، كانَ هذا يَعني أنَّهُم سيَقولونَ حَالاً: "مَهلاً مِن فَضلِك! نَحنُ نُطيعُ نَاموسَ الله!" والحقيقةُ هي أنَّ يَسوعَ يَقول: "يجبُ عَليَّ أن أُعيدَ تَعريفَ نَاموسِ اللهِ لَكُم لأنَّهُ ضَاعَ في وَسَطِ تَقاليدِكُم". لِذا، أريدُ مِنكُم، في الحَقيقةِ، أن تَفهموا أنَّ يَهوديَّةَ ذلكَ الوقتِ كانت بَعيدةً كُلَّ البُعْدِ عَن نَاموسِ العهدِ القديمِ الَّذي أَعطاهُ الله.
لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ في الحَقيقةِ في العَدد 17: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ... فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوس. ولكنِّي لن أَحْتَمِلَ أيَّ شَخصٍ يَحِيْدُ عَن وَصايا اللهِ. ولكنَّ مَا تُمارِسونَهُ لا صِلَةَ لَهُ بِمِعيارِ الله. وما تُمارِسونَهُ لا صِلَةَ لَهُ بنَاموسِ الله. لِذا، سَوفَ أُعيدُ تَعريفَ ذلكَ لَكُم".
وبِصراحَة، هذا هُوَ تَمامًا ما يَفعلُهُ في بَقيَّةِ الأصحاحِ الخامِسِ، والأصحاحِ السَّادِسِ، والأصحاحِ السَّابع. فكُلُّ هذهِ الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ هي تَفسيرُ يَسوعَ لما قَالَهُ في الأعداد مِن 17 إلى 20. إذًا، كيفَ تَرتَبِطُ كُلُّ هذهِ المَعلوماتِ الجَديدةِ، وكيفَ تَرتبِطُ كُلُّ هذهِ التَّطويباتِ بالعَهدِ القَديم؟ وكيفَ تَرتَبِطُ باليَهوديَّةِ الَّتي كانت مَوجودةً آنذاك؟ وكيفَ تَرتَبِطُ بما كانَ هؤلاءِ اليهودُ يَعرِفونَ أنَّهُ نِظامُهُم الدِّينيّ؟ لقد قالَ يَسوعُ: "أنا لم آتِ لأنقُضَ نَاموسَ اللهِ؛ بل إنَّكُم فَقَدتُم نَاموسَ اللهِ في خِضَمِّ انشغالِكُم بتَقاليدِكُم. لِذا، سَوفَ أُعيدُ نَاموسَ اللهِ إلى مَكانِهِ السَّابِق". وهذا هُوَ تَحديدًا مَا يَفعلُهُ في الأصحاحِ الخَامِسِ، والأصحاحِ السَّادِسِ، والأصحاحِ السَّابِع.
والآن، لِنَرَ كيفَ يَفعلُ ذلكَ في الأصحاحِ الخَامِس. انظُروا إلى العَدد 21. وَراقِبوا هذهِ الجُملةَ الَّتي تَتَكَرَّرُ كَثيرًا: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ". تَوَقَّفوا هُنا. فَيَسوعُ يَقولُ: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ...، وَأمَّا أَنا فَأقولُ لَكُم".
والآن، انظُروا إلى العَدد 27: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". فَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أخرى: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ...، وَأمَّا أَنا فَأقولُ لَكُم".
انظُروا إلى العَدد 31: "وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي". إنَّها نَفسُ الصِّيغَة: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ...، وَأمَّا أَنا فَأقولُ لَكُم".
وَهُوَ يَقولُ في العَدد 33 مَرَّةً أخرى: "أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ". وفي العَدد 38: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا".
وأخيرًا، في العَدد 43: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ".
والآن، اسمَعوني: هُناكَ سِتَّةُ أمثلةٍ إيضاحِيَّةٍ مُحَدَّدَة. وأريدُ مِنكُم أن تَفهموا مَا يَلي: سوفَ نَتأمَّلُ في كُلِّ مَثَلٍ مِن هذهِ الأمثلةِ الإيضاحِيَّةِ على حِدَة. وسوفَ تَجِدونَ أنَّها مُدهشةٌ جدًّا عندما نَدرُسُها. ولكِنْ في مَعْرِضِ نَظْرَتِنا العَامَّة، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم مَا يَلي: إنَّ هذهِ السِّلسلةَ مُهِمَّةٌ جدًّا حَتَّى إنَّها تَتَطَلَّبُ نَظرةً فَاحِصَة. وسوفَ نَصرِفُ وَقتَنا بِكُلِّ عِنايةٍ وتَركيزٍ ودِقَّةٍ في أثناءِ فَحْصِنا لكُلِّ مَبدأٍ مِن هذهِ المَبادئِ العَمليَّةِ القَويَّةِ والمُغَيِّرَةِ للحَياةِ الَّتي يُقَدِّمُها رَبُّنا.
فَهِيَ مُهِمَّةٌ حَقًّا. فَهِيَ تَتحدَّثُ عَنِ القَتلِ، وتَتحدَّثُ عَنِ الشَّهوةِ، وتَتحدَّثُ عنِ الطَّلاقِ، وتَتحدَّثُ عَمَّا تَقولون، وتَتحدَّثُ عن قَولِ الحَقِّ، وتَتحدَّثُ عنِ الانتقامِ، وتَتحدَّثُ عن حُبِّكَ لأعدائِكَ. فَهِيَ عَمليَّةٌ جدًّا.
ولكِن يجب عليكم أن تَعرفوا ما يَلي في البِداية: أنَّها كُلُّها تَتْبَعُ الأسلوبَ نَفسَهُ. فيسوعُ يَقولُ: "إنَّ دِيانَتَكُم تُعَلِّمُكُم كذا، ولكنِّي أقولُ لَكُم كَذا". وَمَا يَفعلُهُ هُوَ التَّالي: إنَّهُ لا يُقارِنُ نَفسَهُ بالعهدِ القَديم، ولا يَرفَعُ المِعيارَ فَوقَ نَاموسِ اللهِ، ولا يَتحدَّثُ عَمَّا قَالَهُ مُوسَى، ولا يَتحدَّثُ عَمَّا قَالَهُ العهدُ القديمُ، ولا يَتحدَّثُ عَمَّا قَالَهُ اللهُ؛ بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عَمَّا عَلَّمَهُ لَهُم نِظامُهُم الدِّينيُّ. وَهُوَ يَقولُ: "إنَّ مِعيارَكُم مُنخَفِضٌ جدًّا. فأنتُم تَتَحَفَّظونَ فَقَط مِنَ القَتلِ؛ ولكنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى القَلبِ ويَقول: ’إن وُجِدَتْ كَراهِيَةٌ فيهِ فإنَّ الأمرَ سِيَّان‘. وأنتُم تَتَحَفَّظونَ فقط مِنَ الزِّنَى؛ ولكنَّ اللهَ يَقول: ’إنْ وُجِدَتْ شَهوةٌ في القَلبِ فإنَّ الأمرَ سِيَّان‘. وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ مِعيارَ اللهِ هُوَ مِعيارٌ قَائِمٌ على المَوقِفِ القَلبِيِّ. أمَّا مِعيارُكُم فَهُوَ مِعيارٌ قَائِمٌ على السُّلوك". هذا هُوَ الفَرق.
فقد قالَ يَسوع: "مِن وُجهةِ نَظرِ اللهِ، ليسَ الشَّخصُ الَّذي يُقْدِمُ على القَتْلِ هُوَ الوَحيدُ المُذنِب؛ بل إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَغضَبُ هُوَ مُذنِبٌ أيضًا ويَستَحِقُّ العِقابَ أيضًا". وقد قالَ يَسوعُ: "مِن وُجهةِ نَظرِ اللهِ، ليسَ الشَّخصُ الَّذي يَقتَرِفُ الزِّنَى هُوَ الوَحيدُ المُذنِبُ، بل إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَسْمَحُ للرَّغبةِ النَّجِسَةِ أنْ تَتَأصَّلَ في قَلبِهِ هُوَ مُذنِبٌ أيضًا". وقد قالَ يَسوعُ: "مِن وُجهةِ نَظرِ اللهِ، ليسَ الشَّخصُ الَّذي لا يَفي بِوَعْدِهِ هُو الوَحيدُ المُذنِبُ، بل إنَّ الشَّخصَ الَّذي لا يَلتَزِمُ بكُلِّ كلمةٍ يَقولُهُا هُوَ مُذنِبٌ أيضًا". وقد قالَ يَسوعُ: "مِن وُجهةِ نَظرِ اللهِ، ليسَ الشَّخصُ الَّذي يُطَلِّقُ امرأتَهُ مِن دُونِ أن يُعطيها وَثيقةَ طَلاقٍ هُوَ الوَحيدُ المُذنِبُ، بل إنَّهُ مِنَ الخَطأِ أن تُطَلِّقَ امرأتَكَ مِن دُونِ سَبَب". وقد قالَ يَسوعُ: "مِن وُجهةِ نَظرِ اللهِ، لا يَقتَصِرُ الأمرُ على وُجوبِ وُجودِ عَدْلٍ، بل يَنبغي أن تَكونَ هُناكَ رَحمَة". وقد قالَ يَسوعُ إنَّهُ لا يَكفي أن نُحِبَّ أقرباءَنا، بل إنَّ اللهَ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نُحِبَّ أعداءَنا.
وَمَا يَفعلُهُ هُوَ أنَّهُ يَذْكُرُ ما يَقولُهُ النَّاموسُ، ويُجَرِّدُهُ مِنَ الشَّوائِبِ التَّقليديَّةِ الَّتي أَضافَها أَحْبَارُ اليَهودِ وَشَوَّشُوا النَّاسَ بها، وَأعادَ النَّاموسَ إلى صِيغَتِهِ الأصليَّةِ، وقال: "لا يُمكِنُكم أن تَتَبَرَّروا على أساسِ الأمورِ الظَّاهِريَّةِ لِمُجَرَّدِ أنَّكُم لم تَقتُلوا، أو لِمُجَرَّدِ أنَّكُم لم تَزْنُوا، أو لِمُجَرَّدِ أنَّكُم لم تُطَلِّقوا، أو لِمُجَرَّدِ أنَّكُم لم تَحْنِثوا بِوَعدِكُم، أو لِمُجَرَّدِ أنَّكُم طَبَّقْتُم العَدْلَ، أو لِمُجَرَّد أنَّكُم أَحببتُم أقرباءَكُم. فهذا لا يَكفي. فهذهِ أمورٌ خَارجيَّةٌ وَحَسْب. ولكنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى الأمورِ الدَّاخِليَّة".
وعندما انْتَقى يَسوعُ أمثِلَتَهَ الإيضاحِيَّةَ كانَ دَقيقًا جدًّا. فقبلَ كُلِّ شَيءٍ، لقدِ اختارَ وَصِيَّتَيْنِ مِنْ وَصايا مُوسَى، أوْ مِنَ التَّوراةِ، أوْ مِنَ الوَصايا العَشْر وَهِيَ: "لا تَقْتُل"، وَ "لا تَزْنِ". ثُمَّ إنَّهُ اختارَ وَصِيَّتَيْنِ اجتماعِيَّتَيْنِ مِن أجزاءِ أُخرى مِن أسفارِ مُوسَى. فَهِيَ تَختصُّ بالعَلاقاتِ الاجتماعيَّة.
فَهُوَ يَبتدِئُ بالوَصايا العَشْرِ الصَّارِمَةِ جدًّا. وَهُوَ يَتَوَسَّعُ ويَنتقلُ إلى العَلاقاتِ الاجتماعيَّةِ، وأخيرًا، إنَّهُ يَتوسَّعُ أكثر ويَتحدَّثُ عن مَوضوعِ المَحبَّةِ كُلِّه. فكأنَّنا نَصْعَدُ سُلَّمًا هُناك. فَهُوَ يَقولُ إنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتَدِئُ بأساسِ الحَياة؛ أيْ بالقَتْلِ والزَّواجِ، أو بالوَحْدَةِ العُضويَّةِ، أو بالفَردِ، أو بالزَّواجِ المُنَظَّم. فهو كُلُّهُ يَبتدئُ مِن هُناك. "لا تَقتُل". "لا تَزْنِ". فالوَصيَّةُ الأولى تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الفَرْدِ، والوَصِيَّةُ الثَّانيةُ تَتَعَلَّقُ بالتَّعريفِ الرَّئيسيِّ للنِّظامِ الاجتماعِيِّ. فقد وَضَعَ اللهُ مَعَاييرَ هُناك. وَهِيَ ليست مَعاييرٌ سُلوكيَّةٌ مُرتبطةٌ فقط بِسُلوكِكَ، بل إنَّها مرتبطةٌ أيضًا بتَفكيرِك.
وانطِلاقًا مِن تلكَ الأشياءِ الأساسيَّةِ جدًّا، يَنتَقِلُ يَسوعُ إلى مَجموعةٍ أوسَع نِطاقًا مِنَ العَلاقاتِ الاجتماعيَّةِ، ويَتحدَّثُ عن أمورٍ مِثلَ الحَقِّ والعَدلِ والصِّدق. وأخيرًا، يَنتقلُ يَسوعُ إلى المَوقِفِ الأوسَع نِطاقًا وَهُوَ: المَحبَّة. لِذا، هُناكَ تَدَرُّجٌ ثُلاثِيٌّ مِنَ الأدنى إلى الأعلى. فهو يَبتَدِئُ بِفَرْدٍ يَتعامَلُ مَعَ فَرْدٍ، ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ العَائلةِ والزَّواج، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّعُ إلى كُلِّ نِطاقِ الحَقِّ، والمَحبَّةِ، والعَدْلِ، والصِّدق. وأخيرًا، إلى نِطاقِ المَحبَّةِ الَّتي تَشمَلُ لا فقط أقرباءَكَ، بل أعداءَكَ أيضًا.
وَهُوَ يَقولُ إنَّهُ في كُلِّ الحَياةِ البَشريَّةِ (مِنَ الفَردِ في ذاتِهِ، إلى العَائلةِ، إلى العَلاقاتِ الاجتماعِيَّةِ، إلى العَالَمِ الوَاسِعِ لأعدائِنا)، يَجِبُ علينا أن نَكونَ أبرارًا مِنَ الدَّاخِل. ونِظامُكُم الدِّينيُّ لا يَحْوي هذا التَّعريف. لِذا، لِكَي يَكونَ بِرُّكُم مَرْضِيًّا عِنْدَ اللهِ، يجب أن يَزيدَ على بِرِّ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ لأنَّ بِرَّهُم خَارِجيٌّ وَحَسْب.
لِذا، لا تَظُنُّوا لَحظَةً أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ جاءَ لكي يَنقُضَ نَاموسَ اللهِ، بل إنَّهُ جاءَ لكي يُزيلَ الشَّوائِبَ الَّتي وَضَعَها أَحْبارُ اليَهودِ في نَاموسِ اللهِ، ولكي يُنَظِّفَهُ ويُطَهِّرَهُ ويُنَقِّيهِ كَما كانَ عندما أَعطاهُ اللهُ، ولكي يَرْفَعَهُ إلى المَكانَةِ الَّتي هُوَ جَديرٌ بِها. فاللهُ يَهْتَمُّ دَائمًا بالمَواقِف... دائِمًا. وهذا ليسَ بالشَّيءِ الجَديد. ولكنَّ بَني إسرائيلَ خَفَّضُوا المِعيارَ، ثُمَّ بَرَّرُوا أنفُسَهُم بِما لم يَفعَلونَهُ؛ في حينِ أنَّ قُلوبَهُم كانَت مُمتلئةً بالقَتلِ، ومُمتلئةً بالشَّهوةِ، ومُمتلئةً بالأكاذيبِ، ومُمتلئةً بالكَراهِيَةِ، ومُمتلئةً بالغَضَب. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ، كانوا أبرارًا في أَعْيُنِ أنفُسِهم لأنَّهُم خَفَّضُوا المِعيارَ بِما يُوافِقَ قُدُراتِهم. ولكنَّ يَسوعَ رَفَعَهُ إلى مَكانِهِ الصَّحيح.
وَمَا يَقولُهُ رَبُّنا هُوَ التَّالي: الأفكارُ لا تَقِلُّ أهَميَّةً عَنِ الأفعال. وهذا هُوَ السَّببُ في أنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ إنسانٍ أن يُبَرِّرَ نَفسَهُ بنفسِه. فقد لا تَفعلُ الفِعلَ، ولكِنْ إنْ فَكَّرتَ بالفِكرةِ فإنَّكَ تَستوجِبُ الحُكْمَ. هذا هُوَ ما يَقولُه. وبهذا فقد حَطَّمَ الفَرِّيسيِّين. فَهُوَ يَقول: "أنا لا أَقبَلُ تَديُّنَكُم الظَّاهِرِيَّ لأنَّ قَلبَكُم فَاسِد".
وفي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّالثِ والعِشرين فإنَّهُ يَقول: "لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ". لِذا، لا يَجوزُ الحُكْمُ على الرَّجُلِ بحَسَبِ أعمالِهِ بِقَدْرِ مَا يَنبغي الحُكْمُ عَليهِ بِحَسَبِ رَغَباتِهِ. وَلا يَجوزُ الحُكْمُ على المَرأةِ بِحَسَبِ أعمالِها بِقَدْرِ مَا يَنبغي الحُكْمُ عليها بِحَسَبِ مَواقِفِها. وهذا مُختَلِفٌ عن مَعاييرِ العَالَم. فبالنِّسبةِ إلى الكَتَبةِ والفَرِّيسيِّينَ، كانَ النَّاسُ أبرارًا إنْ لم يَفعَلوا شَيئًا مُحَرَّمًا. فَهُمْ لم يَكونوا يُبالونَ بأفكارِ النَّاسِ، ولم يَكونوا يُبالونَ بِمَواقِفِهم. ولكنَّ يَسوعَ قال: "الإنسانُ يَكونُ بَارًّا إنْ لم يَشْتَهِ يَومًا الأشياءَ المُحَرَّمَة".
وقد قالَ "باتريك فيربيرن" (Patrick Fairbairn) هذهِ الكلماتِ الجَديرة بأن تُقرَأ. استَمِعوا إلى ما قَال: "عِنْدَ إعلانِ النَّاموسِ، كانَتْ هُناكَ خَلفيَّةٌ مِنَ النِّعمةِ الَّتي يُمْكِنُنا أنْ نَلْمَسَها في الكلماتِ الَّتي سَبَقَتِ الوَصايا العَشْرِ ووُعودُ النِّعمةِ والبَرَكة والَّتي كانت تَمْتَزِجُ أيضًا بالنَّواهي والمَحظوراتِ الشَّديدةِ الَّتي تَتَألَّفُ مِنها. ولكِنَّ الأمرَ مَعكوسٌ في العِظَةِ على الجَبَل. فَفي حينِ أنَّها تُعطي النِّعمةَ الأولويَّةَ والمَكانَةَ الأولى كَما هي الحَالُ في التَّطويباتِ، فإنَّها لا تَسْتَثْني الجُزءَ الأكثرَ صَرامَةً في طَبيعةِ اللهِ وسِيادَتِه. فَما إنْ تَسْكُبَ النِّعمَةُ نَفسَها في سِلسلةٍ مُتَوالِيَةٍ مِنَ التَّطويباتِ حَتَّى تَظْهَرُ المَطالِبُ الصَّارِمَةُ للبِرِّ والنَّاموس" [نِهايةُ الاقتباس].
اسمَعوني: إنَّ اللهَ لا يَقولُ: "أنتَ مَسيحيٌّ. أنتَ حُرٌّ. افعَل ما يَحلو لَك"، بل إنَّ اللهَ يَقول: "أنتَ وَلَدٌ للمَلكوت. لِذا فإنَّ المِعيارَ سَيَكونُ أَعلى بالنِّسبةِ إليكَ، لا أَدنَى". فالمَعاييرُ مَا تَزالُ مَوجودة. واللهُ لم يَتغيَّر. واللهُ يَفحَصُ القَلبَ لِيَرى المَواقِف.
انظُروا مَعي قَليلاً إلى رِسَالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ الرَّابع... رِسَالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ الرَّابع. وأريدُ فقط أن أَذكُرَ بِضعَ مُلاحَظات. فنحنُ نَجِدُ في العَددِ الثَّالثِ شَيئًا مُدهشًا. استَمِعوا إلى ما يَقول: "وَأَمَّا أَنَا..." كَما يَقولُ بولُس. فَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَن خِدمَتِهِ، وعن حَقيقةِ أنَّ اللهَ جَعَلَهُ خَادِمًا وَوَكيلاً، وعن أنَّهُ يَعرِفُ أنَّ مُؤمِني كورِنثوسَ يَنْقُدونَهُ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقَلُّ شَيْءٍ عِنْدِي أَنْ يُحْكَمَ فِيَّ مِنْكُمْ، أَوْ مِنْ يَوْمِ بَشَرٍ. بَلْ لَسْتُ أَحْكُمُ فِي نَفْسِي أَيْضًا". والآن، تَوَقَّفوا هُنا قَليلاً.
يَقولُ بولُس: انظُروا! لن أَسمحَ لِنَفسي بأن أَرْضَى بأيِّ تَقييمٍ بَشَرِيٍّ. لن أسمَحَ بذلك. لا أن أُقَيِّمَ نَفسي ولا أن تُقَيِّموني". ويُمكنُني أن أَفْهَمَ وُجْهَةَ نَظَرِه لأنِّي أَميلُ إلى التَّعاطُفِ مَع نَفسي. أليسَ كذلك؟ وكذلكَ الحَالُ بالنِّسبةِ إليكُم. فأحيانًا يَأتي أشخاصٌ ويَقولونَ لي كَلِماتِ مَدْحٍ، وكلماتٍ رائعةً، وكلماتٍ لَطيفة. وأنا أُقَدِّرُ كُلَّ ذلك؛ ولكنَّهُ يَقولُ: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقَلُّ شَيْءٍ عِنْدِي أَنْ يُحْكَمَ فِيَّ مِنْكُمْ".
بعبارةٍ أخرى: "أنا لا أُبالي إنْ قَيِّمتُموني تَقييمًا سَلبيًّا أو إنْ قَيِّمتُموني تَقييمًا إيجابيًّا. فأنا لا أشعُرُ بأنِّي مُضطَرٌّ للرَّدِّ على انتقاداتِ الآخرين. كَما أنِّي بِكُلِّ تأكيدٍ لا أُريدُ أن أُصَدِّقَ الأشخاصَ الَّذينَ يَقولونَ كَلامًا لَطيفًا عَنِّي. إنَّهُ أَمْرٌ ضَئيلُ الأهميَّة. وحَتَّى إنِّي لا أُقَيِّمُ نَفسي. لماذا؟ لأنَّكُم سَواءَ انتَقَدتُموني أو قُلتُم كَلامًا لَطيفي عَنِّي، وسواءَ كُنتُ نَاقِدًا لنفسي أو مُتعاطِفًا مَعَ نَفسي، فإنَّنا لا نَعرِفُ خَفايا القَلب".
صَحيحٌ أنِّي أعرِفُ عن نَفسي أكثرَ مِمَّا تَعرِفونَهُ عَنِّي، ولكنِّي لا أَرَى الصُّورةَ الكَامِلَةَ لأنَّهُ عندما أَجِدُ نَفسي أُبَرِّرُ تَصَرُّفاتي فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّ صُورَتي عَنْ نَفسي ليسَتْ كَامِلةً. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في العَددِ الرَّابع: "فَإِنِّي لَسْتُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي". بعبارةٍ أخرى، لقد بَحَثْتُ هُنا وهُناكَ ولم أَجِد شَيئًا مَغلوطًا. "...لكِنَّنِي لَسْتُ بِذلِكَ مُبَرَّرًا". فَمَعَ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءُ أَرى أنَّهُ خَطأٌ، فإنَّ ذلكَ لا يُبَرِّرُني. "وَلكِنَّ الَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرَّبُّ".
فيُمكنُني أن أرى الأشياءَ الخارجيَّة. ويُمكنكم أنتُم أيضًا أن تَرَوْها. وقد تَقولون: "مِنَ الخَارِجِ، يَبدو كُلُّ شَيءٍ على ما يُرام. وَمِنَ الخَارِجِ، يَبدو كُلُّ شَيءٍ رَائعًا. وَمِنَ الخَارِجِ، يَبدو أنَّ الأمورَ حَسَنَة". وقد تَبدو الأمورُ سَيِّئَةً مِنَ الخَارِجِ في نَظَرِكُم. وقد تَقولون: "لَقَدَ خَرَجَ فُلانٌ عَنِ الطَّريقِ القَويم. انظُروا إلى ما يَفعَلُهُ في الظَّاهِر. لقد حَادَ عَنِ الطَّريقِ القَويم".
ولا يُمكِنُني أن أَنسى أنِّي عندما كُنتُ في الجَامِعَةِ، وعندما كُنتُ في المَدرسةِ، كانت هُناكَ قَوانينُ كثيرة لا يَسَعُهُم أن يَقرأوها طَوالَ السَّنة. فقد كانت هُناكَ قَوانين كثيرة جدًّا حَتَّى إنَّكَ قد تُخالِفُ القَوانينَ دُونَ أن تَعلَمَ أنَّها مَوجودة. وقد كانُوا يُوَزِّعونَ كُتُبًا تَحوي تلكَ القَوانين. وأَذكُرُ ذاتَ مَرَّة أنَّ الإدارةَ استَدْعَتْ طَالِبًا يَدرُسُ في هذهِ الجَامِعَةِ وَقَالت لَهُ: "لقد خَالَفْتَ القانونَ الرَّئيسيَّ. فقد رأيناكَ تُغادِرُ الحَرَمَ الجَامِعِيَّ بِرِفقةِ فَتاةٍ شَقراء تَرتَدي فُستانًا أزرق وتَجلِسُ بجوارِكَ في سَيَّارَتِك. إلى أينَ ذَهبتُما؟"
ففي تلكَ الجامِعاتِ، لم يَكُن يُسْمَحُ لَكَ بالذَّهابِ إلى أيِّ مَكانٍ مَعَ فَتاة. ولا يُمكِنُكَ أن تُغادِرَ حَرَمَ الجَامِعَةِ بِسَيَّارَتِك. فقد كانت تلكَ جَريمةٌ مِنَ الدَّرجةِ الأولى. وقد رَدَّ الشَّابُّ قَائِلاً: "لقد كانَ ذلكَ كِيْسًا أزرقَ اللَّونِ أَضَعُ فيهِ مَلابِسي المُتَّسِخَة. وقد كَانَتْ تَتَدَلَّى مِنْهُ مِنْشَفَةٌ صَفراء". وفي ذلكَ الوقت، كانَت هُناكَ إشاعَةٌ تَقولُ إنَّ هُناكَ شَابًّا خَليعًا يَقودُ سَيَّارَتَهُ بِرفقةِ فَتاةٍ شَقراء تَرتدي فُستانًا أزرقَ اللَّون.
لِذا فإنِّي لا أُبالي البَتَّةَ، بِصَراحَة، بنَظرَتِكُم إليَّ. فأنا لا أُبالي بذلكَ سَواءَ انتَقدتُموني أو قُلتُم كَلامًا إيجابيًّا. وأنا لا أُبالي أيضًا إنْ بَرَّرْتُ نَفسي. ولكنَّ الرَّبَّ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ. "إِذًا..." كَما يَقولُ في العَددِ الخَامِس: "...لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ [أوْ دَوافِعَ] الْقُلُوبِ". أَتَرَوْن؟ يُمكِنُكم أن تَتوقَّفوا هُنا. فهذا هُوَ المَعنى المَقصود.
فعندما يَحْكُمُ اللهُ حُكْمًا عَادِلاً فإنَّهُ يَحْكُمُ حَسَبَ الدَّافِع. وَهُوَ يَحْكُمُ حَسَبَ الباطِن. فقد تَكونُ شَخصًا عِشْتَ حَياتَكَ كُلَّها دُونَ أن تُوَجِّهَ لَكْمَةً إلى أيِّ شَخصٍ. ومعَ أنَّكَ لم تَقتُل يَومًا شَخصًا، ولم تَتشاجَر حَتَّى مَعَ أيِّ شَخصٍ، فإنَّكَ تَشْتَعِلُ حَرفيًّا مِنَ الدَّاخِلِ بسببِ الغَضَب. ورُبَّما لم تُقْدِمْ يَوْمًا على الخِيانَةِ في حَياتِكَ الزَّوجيَّةِ، ولكنَّكُ رُبَّما تُفَكِّرُ في الزِّنَى باستمرار. ورُبَّما لم تَشْهَدْ يَوْمًا شَهادَةَ زُورٍ في المَحكمةِ، ولكنَّكَ رُبَّما لا تَلْتَزِمُ بِكلامِك. فأنتَ لا تُنَفِّذُ دائِمًا ما تَقول، بل تَقولُ كَلامًا وَتَعْلَمُ في قَلبِكَ أنَّكَ لا تَعنيه. هذا هُوَ ما يَنظُرُ إليهِ اللهُ. وقد تَرغبُ بِشِدَّة في القِيامِ بشَيءٍ مَا، ولكنَّكَ قد لا تَفعَلُهُ طَوالَ حَياتِك. واللهُ يَقولُ: "كَأنَّكَ فَعَلتَهُ". واللهُ يَدينُ الرَّغْبةَ الشِّرِّيرة.
لِذا، كَما تَرَوْنَ، فإنَّ يَسوعَ يُصيبُ هَؤلاءِ الفَرِّيسيِّينَ بينَ أعيُنِهم مُباشَرةً. فقد كانت قُلوبُهم فَاسدةً في حينِ أنَّ أعمالَهُم كانت مُتديِّنَة. واللهُ يَنظُرُ إلى القَلب. ويَقولُ "باتريك فيربيرن" (Patrick Fairbairn) مَرَّةً أخرى: "كانَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّون في ذلكَ الزَّمانِ قد قَلَبوا الأشياءَ رَأسًا عَلى عَقِب. وقد قَادَتْهُم شَهواتُهم الجَسديَّةُ وقَادَهُمْ بِرُّهُم الذَّاتِيُّ إلى الرَّفْعِ مِنْ شَأنِ التَّقاليدِ الَّتي تَحْتِرِمُ مُمارَسَةَ الطُّقوسِ الدِّينيَّةِ إلى أعلى مَكانَةٍ مُمكِنَةٍ، وإلى الحَطِّ مِن شَأنِ الواجِباتِ المَنصوصِ عَليها في الوَصايا العَشْرِ وَوَضْعِها في الخَلفيَّة". فقد كانُوا يُبالونَ فقط بالأشياءِ الخَارجيَّةِ دُونَ أنْ يُبالوا بِحالةِ القَلب. ولكنَّ يَسوعَ كَانَ يُبالي بذلك.
انظروا إلى مُجتمعِنا. فَالنَّاسُ يَفعلونَ هذا طَوالَ الوقت. فَهُم يَقولونَ إنَّ فُلانًا شَخصٌ جَيِّد، وإنَّ فُلانًا شَخصٌ سَخِيٌّ جدًّا. فنحنُ نَسمَعُ ذلكَ طُولَ الوقت. ولكنَّ اللهَ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَعرِفُ ما يَحدُثُ في الدَّاخِل. واللهُ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَعرِفُ الدَّوافِعَ الكَامِنَةَ وَراءَ أفعالِنا.
والجُملةُ الرَّئيسيَّةُ هُنا، كَما رَأينا، ... لِنَنظُر إلى النَّصِّ مَرَّةً أخرى في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخَامِس. فالجُملةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي رَأيناها، والَّتي سَنَراها طَوالَ دِراسَتِنا لهذا المَقطعِ، هِيَ: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاء" في العَدد 21. والآن، هُناكَ اختِلافٌ طَفيفٌ في الصِّيغة؛ ولكنَّ الصِّيغةَ هيَ نَفسُها تَقريبًا في كُلٍّ مِنَ المَرَّاتِ السِّتِّ الَّتي وَرَدَتْ فيها. ورُبَّما ذُكِرَتْ بصيغةٍ مُختصرةٍ أحيانًا، ولكنَّها تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ.
والآن، هُناكَ طَريقَتانِ لِتَرجمةِ هذهِ الجُملة. وأريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوا هذا. فنحنُ نُقَدِّمُ هُنا دَرسًا كِتابِيًّا مُفيدًا. فيُمكِنُنا أن نَقرأَ هذهِ العِبارةَ كَما يَلي: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاء"، أو: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ الْقُدَمَاءِ". فهي يُمكِنُ أن تَقرأَ بأيٍّ مِن هَاتينِ الطَّريقَتَيْن. فإن قَرأناها بأنَّها "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاء" فإنَّها تُشيرُ على الأرجَح إلى الكتابِ المقدَّسِ، أو نَاموسِ مُوسَى، أوِ العهدِ القديم. "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاء". أمَّا إذا قَرأناها: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ الْقُدَمَاءِ" فإنَّها لا تُشيرُ إلى أنَّ الكتابَ المقدَّسَ هُوَ الَّذي كانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، بل إنَّ أُناسًا في القَديمِ أوْ في وَقْتٍ مَضَى هُمُ الَّذينَ كانوا يَتكلَّمون: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ الْقُدَمَاء".
وبِصَراحَة، أنا أَرَى أنَّ التَّرجمةَ "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ الْقُدَمَاءِ" هي التَّرجمةُ الصَّحيحة. وأعتقدُ أنَّ التَّرجمةَ المُعتَمَدَةَ أَصابَتْ في تَرجمةِ هذهِ العِبارةِ هَكذا لأسبابٍ عَديدة. فلا أَظُنُّ أنَّهُ يجبُ علينا أن نَجعلَها تُشيرُ إلى نَاموسِ مُوسَى. فَيَسوعُ لا يَقولُ: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ مِنْ قِبَلِ نَاموسِ مُوسَى [أوْ مِنْ قِبَلِ اللهِ]، وأمَّا أَنا فأقولُ لَكُم..."؛ وإلاَّ لَكانَ يُناقِضُ اللهَ، ويُناقِضُ مُوسَى، ويُناقِضُ العهدَ القديمَ، ويَضَعُ الأنبياءَ جَانِبًا. وَهذا سُخْفٌ لأنَّهُ قَالَ للتَّوِّ في العَدد 17 إنَّهُ لن يَفعلَ ذلك. لِذا فإنَّهُ لا يُشيرُ إلى مُوسَى والنَّاموس.
وبالمُناسَبة، لو كانَ يُشيرُ إلى مُوسَى لَكانَ قَال: "سَمِعتُم أنَّ مُوسَى أَوْصَى"، أو: "سَمِعتُم أنَّهُ مَكتوبٌ" لأنَّ هذا هُوَ ما قَالَهُ في الأصحاحِ الرَّابعِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ عندما أَشارَ إلى العهدِ القديم. وفي الأصحاحِ الثَّامِنِ مِن إنجيل مَتَّى، عندما يُشيرُ إلى العهدِ القديمِ فإنَّهُ يَقول: "الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى". لِذا فإنَّ طَريقَتَهُ في الإشارةِ إلى العهدِ القديمِ في الأصحاحاتِ الثَّمانيةِ الأولى مِن إنجيلِ مَتَّى هي: "مُوسَى قالَ" أو: "مَكتوبٌ". ولكنَّ هذهِ العِبارةَ لا تُستخدَمُ للإشارةِ إلى العهدِ القديم.
وبالمُناسَبة، كانَ أَحْبارُ اليَهودِ يُدْعَوْنَ: "الآباءَ الأَقْدَمِيْن"، أوِ: "الرِّجالِ القُدَماء". فقد كانَ هذا مُصطلحٌ شَائِعٌ يُطلَقُ على أَحْبارِ اليَهود. وهذا هُوَ ما يُشيرُ إليهِ رَبُّنا. "قَدْ سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ أَحْبارِ اليَهودِ القُدَماء". بعبارةٍ أخرى، كانتْ هذهِ تَسْمِيَةٌ تُشيرُ إلى تَعليمِهِم الشَّفَهِيِّ الَّذي يَشْرَحُ نَاموسَ اللهِ الحَقيقيّ ويُضيفُ أفكارَهُم الشَّخصيَّةَ إلى إعلانِ العهدِ القديم. لِذا فإنَّ يَسوعَ لا يُبايِنُ بينَ العهدِ الجديدِ والعَهدِ القَديم، وَلاَ يُبايِنُ بينَ كَلامِهِ وكَلامِ اللهِ؛ بل إنَّهُ يُبايِنُ بينَ كَلامِهِ وَكلامِ أَحْبَارِ اليَهودِ أو تَفسيرِهِم التَّقليديِّ الَّذي قَدَّموهُ للنَّاس.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا على ذلك. فقدِ استَخدَمَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones) هذا المَثَلَ الإيضاحِيَّ الَّذي أعتقدُ أنَّهُ مَثَلٌ جَيِّد. فَقد كانت حَالةُ اليَهودِ في ذلكَ الوقتِ مُدهشةً. والآن، اسمَعوا ما يَلي: لقد كانت حَالَتُهُم شَبيهةً بِحالِ النَّاسِ في عَصْرِ الإصلاح. واسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم السَّبب. في أيَّامِ الإصلاحِ، أو قَبْلَ أنْ يَأتي الإصلاحُ، لم تَكُنِ الأسفارُ المُقَدَّسَةُ قد تُرْجِمَتْ بعدُ إلى لُغَاتِ النَّاسِ؛ أيْ إلى الإنجليزيَّةِ مَثَلاً.
فعندما كُنتَ تَذهبُ إلى الكَنيسةِ الكَاثوليكيَّةِ أو إلى القُدَّاسِ الكَاثوليكيِّ قبلَ الوقتِ الَّذي جَاءَ فيهِ الإصلاحُ وَهَيْمَنَ على العَالَمِ الدِّينيِّ، أوِ العَالَمِ المَسيحيِّ الدِّينيِّ، كانَ القُدَّاسُ كُلُّهُ يُقامُ بأيَّةِ لُغَة؟ باللُّغةِ اللاَّتينيَّة... باللُّغَةِ اللاَّتينيَّة. لِذا، إذا كُنتَ تَذهبُ إلى هُناكَ وتَجلِسُ هُناكَ، لم يَكُن هُناكَ كِتابٌ مُقَدَّسٌ بينَ أيدي النَّاس. وَمَا كانَ الكَهَنَةُ يَقرأونَهُ كانَ باللُّغةِ اللاَّتينيَّة. ولم يَكُن أَحَدٌ يَفهَمُ أيَّ شَيء. ولم يَكُن أحَدٌ يَقرأُ الكتابَ المقدَّسَ. ثُمَّ كانَ الكَهَنَةُ يَشْرَحونَ هَذا النَّصَّ اللاَّتينيَّ فَيُصَدِّقُ النَّاسُ ببساطَةٍ مَا قَالَهُ الكَاهِنُ لأنَّهُم لا يَستطيعونَ تَقييمَ ذلك. فَهُم لا يَستطيعونَ قِراءةَ اللاَّتينيَّة، ولا أن يُتَرجِموها. لِذا فقد كانوا يَقبَلونَ مَا يَقولُهُ الكَاهِن.
وقد انْقَضَتِ قُرونٌ عَديدةٌ وَوَضَعَتِ الكَنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانيَّةُ نِظامًا لم يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أنْ يُجادِلَها فيه. والسَّببُ في ذلكَ يَعودُ إلى أنَّهُ لم يَكُن يُوجَدُ لدى النَّاسِ كِتابٌ مُقَدَّسٌ بِلُغَتِهم. لِذا فقد قَبِلوا تَفسيراتِ الكَهَنَةِ وَخَضَعوا لنِّظامِ الكَنيسةِ الرُّومانيَّة.
وأَهَمُّ شَيءٍ حَقَّقَهُ الإصلاحُ هُوَ أنَّهُم وَفَّرُوا الكِتابَ المُقَدَّسَ للنَّاس. فقد وَضَعَ كلمةَ اللهِ بينَ أيدي النَّاس. وعندما ابتدأَ النَّاسُ يَقرأونَ الكتابَ المقدَّسَ، ابتدأوا يَرَوْنَ النِّظامَ المَغلوطَ، والتَّعليمَ المَغلوطَ، وسُوءَ تَمثيلِ الإنجيلِ على مَدى قُرونٍ وَقُرونٍ وَقُرون. وقد بَدَّدَ الحَقُّ الكِتابِيُّ العُصورَ المُظلِمَةَ. وقد وُلِدَتِ المَسيحيَّةُ الَّتي نَعرِفُها اليومُ مِن تلكَ الظُّروف. واليومُ لَدينا كِتابٌ مُقَدَّس، وَيُمكنُنا أن نَتَحَقَّقَ مِن أيِّ نِظامٍ زَائفٍ لأنَّنا نَستطيعُ، نَحنُ أيضًا، أن نَفهَمَهُ.
وهذا هُوَ تَمامًا ما كانَ يَحدُثُ في زَمَنِ رَبِّنا. استَمِعوا إلى ما يَلي: عندما تَمَّ سَبْيُ بَني إسرائيلَ إلى بَابِل... عِندما تَمَّ أَسْرُهُم إلى بَابِل، مَكَثوا هُناكَ سَبعونَ سَنة. وخِلالَ ذلكَ الوقت، يُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهُم نَسَوْا الكَثيرَ مِنَ اللُّغةِ العِبريَّة. فقد تَوَقَّفوا عَنِ التَّحدُّثِ بالعِبريَّة. فقدِ رَاحُوا يَتحدَّثونَ بِلُغَةٍ تُعْرَفُ بالآرامِيَّة. لِذا، عندما عَادُوا مِنَ السَّبيِ رَاحُوا يَتحدَّثونَ باللُّغةِ الآراميَّة. وفي زَمنِ يَسوعَ، كانُوا يَتكلَّمونَ الآرامِيَّة. ورُبَّما عَلَّمَ يَسوعُ باللُّغَةِ الآرامِيَّة.
ولا شَكَّ في أنَّ العهدَ الجديدَ كُتِبَ باللُّغةِ اليُونانيَّة. ولكنَّ النَّاسَ، أيِ الشَّعبَ اليَهوديَّ، كانَ يَتكلَّمُ باللُّغةِ الآراميَّة. فَهُمْ لم يَكونوا على الأرجَحِ يُتْقِنونَ اللُّغةَ العِبريَّةَ تَمامًا كَما هِيَ حَالُ الشَّعبِ اليَهوديِّ على الأرجَحِ اليوم. لِذا فقد كانَ أَحْبارُ اليَهودِ يَأتونَ وَيَقرأونَ اللُّغةَ العِبريَّةَ الَّتي لم يَكُنِ النَّاسُ يَفهَمونَها. وكانَ أَحْبارُ اليَهودِ يُفَسِّرونَ الكتابَ المقدَّسَ لَهُم. ولم يَكُنِ النَّاسُ يُجادِلوهُم لأنَّهُم لم يَكونوا يَعرِفونَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ أيضًا. لِذا فقدِ ابتدأَ أَحْبارُ اليَهودِ يَبْنونَ نِظامًا كَامِلاً قَائِمًا على جَهْلِ النَّاسِ بالنَّصِّ العِبريِّ.
لِذا، عندما يَقولُ الرَّبُّ: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ الْقُدَمَاءِ" فإنَّهُ يَعني بذلكَ: "الدِّينُ الَّذي تُمارِسونَهُ هُوَ التَّقليدُ الشَّفَهِيُّ لأَحْبارِ اليَهودِ، لا كَلِمَةَ اللهِ المَكتوبة". أَتَرَوْن؟ فَهُوَ يَنتَقِدُ ذلكَ بِشِدَّة؛ ولا سِيَّما الشُّروحَ، والتَّقاليدَ، والتَّفاسيرَ، والأشياءَ الَّتي حُذِفَتْ، والأشياءَ الَّتي أُضيفَت، وكُلَّ القُمامَةِ الَّتي أُضيفَتْ وَصَارَتْ تُعْرَفُ بالمِشْنَاه (Mishnah)، وَمُدَوَّناتِ النَّاموسِ الشَّفَهِيِّ، وَالتَّلمودَ (Talmud) ، وكُلَّ الأشياءِ الأخرى الَّتي جَعَلَتِ الحَقَّ الإلهيَّ مُشَوَّشًا.
فيسوعُ يَقولُ: "هذا هُوَ ما كُنتُم تَسمَعونَهُ". فكما أنَّ الكَنيسةَ الكاثوليكيَّةَ الرُّومانِيَّةَ شَوَّهَتِ الحَقَّ مِنْ خِلالِ تَرْكِ النَّاسِ على جَهْلِهم بالكِتابِ المُقدَّسِ، فإنَّ النَّاسَ كَانوا يَجهَلونَ الكتابَ المقدَّسَ في زَمَنِ أَحْبارِ اليَهود. ولأنَّهُم لم يَكونوا يَعرِفونَ العِبريَّةَ، لم يَكُن بِمَقدورِهم أن يَتَحَقَّقوا مِمَّا كانُوا يَسمَعونَهُ.
لِذا فقد جَاءَ رَبُّنا وقَال: "لقد أَتيتُ لكي أُحَرِّرَ نَاموسَ اللهِ مِنَ القُيودِ الَّتي وَضَعَها أَحْبارُ اليَهود". وقد هَاجَمَ بصورةٍ خَاصَّةٍ تَركيزَهُم على أعمالِ البِرِّ الخَارجيَّة. لِذا فإنَّهُ يَقول: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيْلَ مِنْ قِبَلِ الْقُدَمَاء"، ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 22: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". ويا أحبَّائي، إنَّهُ يُبَيِّنُ هُنا أنَّهُ صَاحِبُ السُّلطان. وهذا مُدهشٌ. فَهُوَ يَقول: "سوفَ أقولُ لَكُم مَا هُوَ نَاموسُ الله". وقد كَانَ مَا قَالَهُ مُحَطِّمًا للنَّاس. لِذا فإنَّهُم لم يَحْتَمِلوا كَلامَهُ. فقد صُعِقُوا.
وقَد قَالُوا عَنهُ إنَّهُ كَانَ "يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَة" (في إنجيل مَرقُس 1: 22). وفي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابعِ، في نِهايةِ عِظَتِهِ، قَالوا إنَّهُ: "يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَة". فقد قَالوا ذلكَ مَرَّتَيْن. وَهُم لم يُصَدِّقوا أنَّهُ سَيَقِفُ ويَقولُ ذلك. لِذا فقد بُهِتُوا مِن أنْ يَقِفَ شَخصٌ وَيَضَعُ نَفسَهُ في نَفسِ مَرتَبَةِ نَاموسِ الله. فهذا مُذهِل!
وكما تَرَوْنَ، لقد شَعَرَ اليَهودُ بأنَّ هذا النَّاموسَ التَّقليديَّ (الَّذي كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ نَاموسُ اللهِ) مُقَدَّسٌ جدًّا. فقد قالَ "فايلو" (Philo) على سَبيلِ المِثال: "وَصَايا مُوسَى هي الوَحيدةُ الأبديَّةُ، والثَّابتةُ، والَّتي لا تَتزعزع". وقد قَالَ أَحْبَارُ اليَهود: "مَنْ يُنْكِرُ أنَّ النَّاموسَ هُوَ مِنَ السَّماءِ لَنْ يَكونَ لَهُ نَصيبٌ في العَالَمِ الآتي". لِذا فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ هذا النَّاموسَ هُوَ النَّاموسُ الوَحيدُ، وبأنَّ المَصيرَ الأبديَّ يَتوقَّفُ على هذا النَّاموس. وَقد جَاءَ يَسوعُ وقال: "وَأَمَّا أَنا فأقولُ لَكُم" مِن دُونِ أنْ يَقتَبِسَ أقوالَ أيِّ حَبْرٍ مِنْ أَحْبَارِ اليَهودِ، وَمِن دُونِ أن يَقْتَبِسَ أقوالَ مَجموعَةٍ مِنَ الأَحْبَارِ، ومِن دُونِ أنْ يَقتَبِسَ أيَّ شَيءٍ؛ بل إنَّهُ يَكْتَفي بِكَلامِهِ ذِي السُّلطان. لِذا فقد بُهِتُوا تَمامًا.
هَل تَعلَمونَ مَا هُوَ أوَّلُ عَمَلٍ يُعْمَلُ في مَجْمَعِ اليَهود؟ إذا ذَهَبْتُم إلى المَجْمَعِ في زَمَنِ يَسوعَ للعِبادَةِ في السَّبْتِ، كانَ أوَّلُ عَمَلٍ يُمَارَسُ في الخِدمَةِ هُوَ أنَّكَ ستَذهبُ وتَجلس. وكانَ الرِّجالُ يَجلِسونَ في هذا الجَانِبِ، والنَّساءُ يَجْلِسْنَ في الجَانِبِ الآخر. ثُمَّ كانَ أَحَدُ الرِّجالِ يَقِفُ ويَمشي إلى المُقدِّمَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ كُلَّ أسفارِ العهدِ القديم. وَكانَ يَمشي حَولَ المَجْمَعِ كُلِّه... كانَ يَمشي حَولَ المَجمَعِ كُلِّهِ في صَمْتٍ مُطْبِقٍ لكي تُوَقِّرَ الرَّعِيَّةُ نَاموسَ الله. وَقَد وَقَفَ يَسوعُ وقالَ: "وَأَمَّا أَنا فأقولُ لَكُم". لِذا فقد صُدِمُوا.
مَنْ أنتَ؟ فقد كانَ الأنبياءُ يَقولونَ دَائِمًا: "هَكذا يَقولُ الرَّبُّ". وكَانَ أَحْبارُ اليَهودِ يَقولون: "هُناكَ تَعليمٌ يَقول". ولكِنَّ يَسوعَ قَالَ: "أنا أَقولُ لَكُم". ويَقولُ "ويليام باركلي" (William Barkley): "مِنَ الواضِحِ أنَّ أَحَدَ الاحتِمالَيْنِ فقط هُوَ الصَّحيح. فإمَّا أنَّ يَسوعَ مَجنونٌ، وإمَّا أنَّهُ فَريدٌ. فإمَّا أنَّهُ مَجنونٌ، وإمَّا إنَّهُ ابنُ الله. فَلا يُوجَد شَخصٌ عَاديٌّ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ هُوَ" [نِهايَةُ الاقتباس]. فَهُوَ يَدَّعِي أنَّهُ يَمْلِكُ سُلطانًا إلهيًّا. وقد صُدِمُوا بذلك. وَهُوَ يَطْرَحُ كُلَّ النُّفايَةِ وَيُعيدُ نَاموسَ اللهِ إلى مَكانَتِهِ السَّابقة.
والآن، اسمَحوا لي أنْ أَخْتِمَ هذهِ المُقدِّمَةَ بِتَلخيصِ المَبادئِ الرَّئيسيَّةِ الَّتي يُعَلِّمُها في هَذا المَقطَع. المَبدأُ الأوَّل... وأريدُ مِنكُم أن تَتذكَّروا أنَّ هذهِ هي الأشياءُ الَّتي كانت تَدورُ في ذِهْنِ يَسوعَ في كُلِّ هَذا المَقطَع. أوَّلاً، أنَّ رُوحَ النَّاموسِ هُوَ صَاحِبُ الأولويَّةِ، لا الحَرْف. أنَّ رُوحَ النَّاموسِ هُوَ صَاحِبُ الأولويَّةِ، لا الحَرْف. فالنَّاموسُ، يا أحبَّائي، ليسَ شَيئًا آلِيًّا. هذا هُوَ ما يَقولُهُ يَسوع.
فَهُوَ ليسَ مُجَرَّدَ شيءٍ وَظيفيٍّ. فالدَّاخِلُ هُوَ ما يَهْتَمُّ اللهُ بِهِ. فقد تَكونُ نَاصِعَ البَياضِ مِنَ الخَارجِ ولكنَّكَ شِرِّيرٌ وَفاسِدٌ مِنَ الدَّاخِل. لِذا فإنَّهُ لا يَهْتَمُّ بالحَرْف. فالحَرفُ يَقتُلُ؛ ولكِنَّ الرُّوحُ يُحْيِي. واللهُ لا يَنظُرُ إلى الأشياءِ الخَارجيَّةِ، بل يَنظُرُ إلى القُلوبِ الَّتي تَغيَّرَت. وقد كانَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ يَظُنُّونَ أنَّهُ لأنَّهُم لم يَقتُلوا أحدًا فإنَّهُم على ما يُرام؛ ولكنَّهُم كانوا يَكرَهون. ولأنَّهُم لم يَزْنُوا فإنَّهُم على ما يُرام؛ ولكنَّهُم كانُوا يَفْتَكِرونَ أفكارًا شِرِّيرةً. وقد كانَ تَدَيُّنُهم نَامُوسِيًّا، وَزائِفًا، ومُمتَلِئًا رِياءً مِن أَسْوأِ نَوعٍ لأنَّهُ يَدينُ النَّفس. فالانصياعُ إلى نَاموسِ اللهِ هُوَ أمْرٌ قَلبيٌّ، لا مُجَرَّدَ شَيءٍ خَارِجِيٍّ.
ويا لَهُ مِنْ دَرْسٍ لَنا نَحْنُ الَّذينَ نَميلُ أيضًا إلى تَبريرِ أنفُسِنا. ففي إنجيل لُوقا 16: 15، قَالَ يَسوعُ للفَرِّيسيِّين: "أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ. إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ". فالبَشَرُ واللهُ يَحْكُمونَ عَليكُم بطريقتينِ مُختلفَتَيْن.
وكما تَعلَمونَ، قد تأتي إلى كَنيسةِ "غريس" (Grace Church)، وتَلْعَبُ لُعْبَةً، أو تَتحدَّثُ مَعَ شَخصٍ آخر، أو تَعملُ أعمالاً مُعيَّنَةً بِقُوَّةِ الجَسد، وتُبَرِّرُ نَفسَكَ في عَينيِّ نَفسِكَ، وفي أَعيُنِ الآخرينَ؛ ولكنَّكَ قد تَكونَ رِجْسًا قُدَّامَ اللهِ لأنَّ قَلبَكَ مُمتَلِئٌ فَسادًا. هذا هُوَ ما يَقولُهُ يَسوع. فَرُوحُ النَّاموسِ هُوَ الأولويَّة؛ لا الحَرف.
المَبدأُ الثَّاني: النَّاموسُ ليسَ نَهْيًا فقط، بل هُوَ حَضٌّ أيضًا. فَناموسُ اللهِ لا يَرْمي فقط إلى نَهْيِنا عِنَ القِيامِ بأمورٍ مُعَيَّنة، بل إنَّ غَايَتَهُ الحَقيقيَّةَ هِيَ أن يَحُضَّنَا على السُّلوكِ القَويم. فَهُوَ يَحُضُّنَا حَضًّا إيجابِيًّا. فأنتَ لا تَتَبَرَّرُ بِعَدمِ قِيامِكَ بأمورٍ مُعيَّنة، بل تَتبرَّرُ بالتَّفكيرِ بطرائقَ مُعيَّنة إيجابيَّة وَبَارَّة. وقد كَانَ بَنو إسرائيلَ يُبالونَ بِما لا يَفعلونَهُ. ولكنَّ اللهَ كانَ يُبالي بِما كَانُوا يَفعلونَهُ في الدَّاخِل. فَهَلْ كَانُوا يَجوعونَ إلى البِرّ؟ وَهل كَانُوا يَعطَشونَ إلى البِرّ؟ وَهل كَانُوا يُحاولونَ أنْ يَكونوا رُحَماء؟ وَهل كَانُوا أنقياءَ القَلب؟ وَهل كَانُوا يَحزَنونَ عندما يَقترِفونَ خَطيَّةً؟ وَهل كَانُوا مَساكينَ في الرُّوح؟ وَهل كَانُوا صَانِعي سَلام؟ هَذا هُوَ ما يَنظُرُ اللهُ إليه. وهذهِ هي الشَّخصيَّةُ الروحيَّة. فَهُوَ نَاموسٌ يَحُضُّنا ولاَ يَنْهَانَا وَحَسْب.
المبدأُ الثَّالث: النَّاموسُ ليسَ غَايَةً في ذَاتِه. هَل فَهِمتُم ذلك؟ النَّاموسُ ليسَ غَايَةً في ذَاتِه. فَهُناكَ غَايَةٌ مِنْهُ. وَمَا هِيَ غَايَةُ النَّاموس؟ إنَّهُ ليسَ غَايَةً في ذَاتِه. اسمَعوني: لقد كانَ الفَرِّيسيُّون يَقولون: "غَايَةُ النَّاموسِ هي أن يُمَجِّدَني أنا. لِذا، عندما أَحْفَظُ النَّاموسَ، انظُروا إليَّ وَشَاهِدُوا كَمْ أنا بَارٌّ!" ولكنَّ غَايةَ النَّاموسِ هِيَ تَمجيدُ الله. لِذا، لا تَسأل نَفسَك: "هل حَفِظْتُ كُلَّ النَّاموسِ اليوم"، بل اسأل نَفسَكَ: "هل مَجَّدْتُ اللهَ في رُوحِي اليوم؟ هل مَجَّدْتُ اللهَ في رَغْباتي اليوم؟ هل مَجَّدْتُ اللهَ في مَا أُريدُ وَما أَشْتَهي اليوم؟ هل تَحَرَّرتُ مِنَ الزِّيْف؟ وهل قَلبي نَقِيٌّ ولا تُوجَدُ فيهِ أفكارٌ شِرِّيرة، أو غَضَب، أو كَراهِيَة، أو مَرارَة، أو شَهوة، أو إثْم؟ فَهُوَ لِمَجْدِ الله! فَغايةُ النَّاموسِ هيَ ليست تَبريري. فقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ يَنظرونَ إليهِ بهذهِ الطَّريقة؛ ولكنَّ الغَايَةَ مِنهُ هي تَمجيدُ الله.
وقد قالَ "جون كالفن" (John Calvin) في كِتابِهِ "أُسُسُ الدِّينِ المَسيحيِّ" (Institiutes) الجُملةَ الرَّائعةَ التَّالية: "لِنَتَّفِق على أنَّهُ مِن خِلالِ النَّاموسِ فإنَّ حَياةِ الإنسانِ تَتَشَكَّلُ لا فَقط في شَكْلِ صِدْقٍ خَارِجِيٍّ فقط، بل في شَكْلِ بِرٍّ دَاخِلِيٍّ رُوحِيٍّ. ومعَ أنَّهُ لا يُمكِنُ لأيَّ شَخصٍ أن يُنكِرَ ذلك، فإنَّ قِلَّةً فقط هي الَّتي تُلاحِظُهُ. وهذا يَحدُثُ لأنَّهُم لا يَنظرونَ إلى مُعْطي النَّاموسِ الَّذي يَنبغي تَقييمُ طَبيعَةِ النَّاموسِ في ضَوْءِ شَخْصِه".
اسمَعوا: "إنْ أَصْدَرَ مَلِكٌ مَرسومًا يَنْهَى فيهِ عَنِ الزِّنَى أوِ القَتلِ أوِ السَّرقةِ فَإنِّي أُسَلِّمُ [كَما يَقولُ كَالفِن] بأنَّ الإنسانَ الَّذي لا يَقترِفُ فِعلاً مِن هذهِ الأفعالِ لن يَتعرَّضَ للعُقوبة. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّ نِطاقَ صَلاحِيَّةِ المُشَرِّعِ الفَاني يَشْمُلُ فقط النِّظامَ السِّياسِيَّ الخَارِجِيَّ. أمَّا اللهُ الَّذي كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْهِ، والَّذي لا يُبالي بالمَظهرِ الخَارجيِّ بِقَدْرِ مَا يُبالي بِطَهارةِ القَلبِ، فإنَّهُ يَنْهَى لا فقط عَنِ الزِّنا والقَتلِ والسَّرقةِ، بل يَنْهَى أيضًا عنِ الشَّهوةِ، والغَضبِ، والكَراهِيَةِ، والشَّهوةِ، والخِداع. فحيثُ إنَّهُ مَنْ أَعْطى النَّاموسَ الرُّوحيَّ، فإنَّهُ يَهْتَمُّ بالنَّفسِ اهِتمامًا لا يَقِلُّ عَنِ اهتِمامِهِ بالجَسد" [نِهايةُ الاقتباس]. وما يَقصِدُهُ كَالفِن هُوَ أنَّكَ إنْ كُنتَ تَظُنُّ أنَّ نَاموسَ اللهِ خَارجيٌّ فقط فإنَّكَ لا تَعرِفُ صِفاتِ الله.
المَبدأُ الرَّابعُ: اللهُ وَحدُهُ هُوَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَدينَ البَشر. اللهُ وَحدُهُ هُوَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَدينَ البَشر. اسمَعوني: إنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يَرى خَفايَا القَلب. فَهُوَ يَعرِفُكَ، ويَعرِفُ إنْ كُنتَ مَسيحيًّا حَقيقيًّا أَمْ تَلْهو وتَلعَب. وَهُوَ يَعرِفُ إنْ كُنتَ مُؤمِنًا جَسديًّا أَمْ رُوحِيًّا. فَهُوَ يَعرِف. وَهُوَ يَعرِفُ إنْ كانَتْ مُشكِلَتُكَ تَنْحَصِرُ في أعمالِكَ أَمْ أنَّها تَمْتَدُّ أيضًا إلى مَواقِفِكَ. وَهُوَ يَعرِفُ إنْ كانَ القَلبُ يُشبِهُ الخَارِج.
فاللهُ وَحدُهُ هُوَ الَّذي يَعرِفُ خَفايا القَلب. ونحنُ نَقرأُ ذلكَ في رسالة كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الرَّابع. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 4: 12 أنَّ "كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ"، وأنَّها: "مُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا".
فاللهُ يَعرِفُ كُلَّ شَيء. ولكنَّ الآيةَ الَّتي تَلي ذلكَ تَقولُ إنَّهُ في ضَوْءِ حَقيقةِ وُجودِ رَئيسِ كَهَنةٍ أمينٍ يَرْثي لِضَعَفاتِنا: "فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ". أليست هذهِ الحَقيقة رائعة؟ فاللهُ يَعرِفُ قُلوبَنا. وَهُوَ يَعرِفُ إنْ كانت فَاسِدَةً. ولكنَّهُ يَقِفُ وَيَفْتَحُ ذِراعَيْهِ لنا بِصِفَتِهِ رَئيسَ كَهَنةٍ يَرثي لِضَعَفاتِنا لكي يُعطينا نِعْمةً ورَحمَة.
فاللهُ وَحدُهُ هُوَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَحْكُمَ على القَلب. والآن، أخبروني: أَلاَ تَظُنُّونَ أنَّ هُناكَ أشخاصًا كَثيرينَ يَستطيعونَ أن يَخدَعوا البَشَرَ؛ ولكِنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَخْدَعوا عَيْنَ اللهِ الفَاحِصَة؟ لِذا، يَجْدُرُ بِكُم أن تَفحَصُوا قُلوبَكُم.
المَبدأُ الأخير: كُلُّ شَخصٍ مَأمورٌ بأنْ يَعيشَ وَفْقًا للمَعاييرِ الإلهيَّة. أجل. كُلُّ شَخص. كُلُّ شَخصٍ مَأمورٌ بأنْ يَعيشَ وَفْقًا للمَعاييرِ الإلهيَّة. "فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَات".
ثُمَّ إنَّ الأصحاحَ الخَامِسَ يُخْتَمُ بالكلماتِ التَّالية: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". فَكُلُّ شَخصٍ في العَالَم مُطالَبٌ بأن يَعيشَ بِحَسَبِ ذلكَ المِعيار. وقد تَقول: "لا بُدَّ أنَّكَ تَمْزَح!" أنا لا أَمْزَح... أنا لا أَمزَح. هَل تَعني أنَّهُ يَجِبُ عليَّ أن أعيشَ وَفْقًا لِذلكَ المِعيارِ بِقَلْبٍ نَقِيٍّ وسُلوكٍ قَويم؟ أجل. وقد تَقول: "ولكنِّي لا أستطيع". أنتَ مُحِقٌّ. أنتَ مُحِقٌّ تَمامًا.
لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولُسَ يُقَدِّمُ الحَلَّ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية والأصحاحِ الثَّالث. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ رُومية 3: 10: "لَيْسَ بَارٌّ...". وماذا يَقولُ الجُزءُ المُتَبَقِّي مِنَ الآية؟ "وَلاَ وَاحِدٌ". وقد تَقول: "ولكِنَّ المَسيحَ وَضَعَ، يا جُون، مِعيارًا لا يُمكِنُني بُلوغُه". لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في العَدد 21: "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوس". كيف؟ "بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُون".
هَل فَهِمتُم ذلك؟ لا يُمكِنُكَ أن تَكونَ بَارًّا هَكذا. ولكنِ اسمَعوني: إنَّ المَسيحَ بَارٌّ هَكذا. وَهُوَ يُعْطِي بِرَّهُ للَّذِينَ يُؤمِنون. أليست هذهِ الحَقيقةُ رائعةً؟ فاللهُ يَضَعُ المِعيارَ. وأنتَ لا تَستطيعُ أنْ تَبْلُغَهُ. واللهُ يَقولُ: "إنَّ ابْني ليسَ مُعْطي النَّاموسَ وَحَسْب، بل إنَّهُ الفَادي الَّذي يُمَكِّنُكَ مِنْ أنْ تَعيشَ وَفْقًا لِذلكَ المُستوى".
وَهذا، يا أحبَّائي، شَيءٌ رائع. فالمِعيارُ عَالٍ جدًّا حَتَّى إنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَبْلُغَهُ. ولكنَّ المَسيحَ حَقَّقَ ذَلِكَ المِعيارَ وَيَحْسِبُ لَنا بِرَّهُ. فَمِنْ دُوْنِ النَّاموسِ لا يُمكِنُنا أنْ نَحْفَظَ النَّاموس. ويا لَهُ مِن شَيءٍ مُبارَك.
قَد تَنظُرُ إلى قَلبِكَ وتَقولُ إنَّ الخَارِجَ ليسَ سَيِّئًا. ولكنَّ الدَّاخِلَ فَاسِد. وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يُطَبِّقَ عَدْلَهُ فإنَّهُ سَيُهْلِكُكَ في غَضَبِه. ولكِنْ لأنَّهُ رَحيمٌ ومُنْعِمٌ فإنَّهُ يَجْعَلُ المُشَرِّعَ لا مُجَرَّدَ مُشَرِّعٍ، بل يَجْعَلُهُ فَادِيًا أيضًا. وقد حَفِظَ يَسوعُ النَّاموسَ تَمامًا. وَهُوَ يَحْسَبُ بِرَّهُ لَنا. لِذا، عندما يَنظُرُ اللهُ إلى المُؤمِنينَ فإنَّهُ يَرى بِرَّ يَسوعَ المَسيحِ يُغَطِّي ذلكَ الشَّخص. وأنا أَقِفُ قُدَّامَ اللهِ بِصِفَتي شَخصًا بَارًّا كَالمَسيح.
ولكِنْ، يا أحبَّائي، لا يُمكِنُكُم أن تَحصُلوا على هِبَةِ البِرِّ تِلكَ إلاَّ إذا أَدركتُم أنَّكُم بحاجَةِ إلى هِبَةِ البِرِّ تلك. فَطالَما أنَّكَ تَعيشُ حَياتَكَ وتُبَرِّرُ نَفسَكَ بِحَسَبِ سُلوكِكَ الخَارِجِيِّ فإنَّكَ لن تَبْلُغَ نُقطةَ اليَأسِ الَّتي تَجْعَلُكَ تَمُدُّ يَدَكَ وَتَقْبَلَ هِبَةَ البِرّ.
كانَ الوَاعِظُ العَظيمُ على مَدى سَنواتٍ طَويلة "هنري وورد بيتشر" (Henry Ward Beecher) يَضَعُ سَاعَةً في كَنيسَتِهِ؛ ولكنَّها لم تَكُن دَقيقةً. فقد كانت تُقَدِّمُ دَائِمًا أو تُؤَخِّر. وقد رَاحَ يَعْبَثُ بِها شَهرًا تِلْوَ الآخرِ تِلْوَ الآخَرِ على أَمَلِ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن إصلاحِها حَتَّى إنَّ تلكَ السَّاعَةَ صَارَتِ المَوضوعَ المُتداوَلَ في الكنيسة. وأخيرًا، مِنْ فَرْطِ يَأسِهِ، وَضَعَ لافِتَةً فَوقَ السَّاعَةِ تَقول: "لا تُلْقِ اللَّومَ على العَقارِب! فالمُشكِلَةُ أعمَقُ مِن ذلك". وهكذا هي الحَالُ في الحَياة. أليسَ كذلك؟ لا تُلْقِ اللَّومَ على العَقارِب! فالمُشكلةُ أعمَقُ مِن ذلك. ومَا لم تُعالِجِ المُشكلةَ الأعمَق، لن تَتَغيَّرَ العَقارِب. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَحنُ نَعلمُ أنَّ بِرَّ يَسوعَ المَسيحِ وَحْدَهُ هُوَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَمْنَحَنا القُدرةَ على تَتميمِ نَاموسِ الله، وأنَّ بِرَّ يَسوعَ المَسيحِ وَحْدَهُ هُوَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَمْنَحَنا مَا لا يُمْكِنُنا يَومًا الحُصولُ عليه، ومَا لا يُمْكِنُنا أنْ نَحصُلَ عليهِ باستِحقاقِنا. فالمِعيارُ عَالٍ جدًّا حَتَّى إنَّ الهِبَةَ رائِعَةٌ جدًّا. يا رَبُّ يَسوع، سَاعِدنا على أنْ نَقْبَلَ تلكَ الهِبَة. وَبِصِفَتِنا مُؤمِنينَ، سَاعِدنا يا رَبُّ على أنْ نَعيشَ مِن دُونِ رِياء؛ بل أنْ نَكونَ مِنَ الدَّاخِلِ مَا نُحاوِلُ أنْ نُظْهِرَهُ في الخَارِج، وأنْ نَفعَلَ ذلكَ كُلَّهُ لِمَجْدِكَ أنتَ. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
