الرِّسالة إلى أهلِ كُولوسي 4: 2-6. والآن، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ الرِّسالة إلى أهلِ كُولوسي هي رِسالةٌ دِفاعِيَّةٌ عن كِفايَةِ المَسيح. فقد جَاءَ مُعَلِّمونَ كَذَبَة إلى مَدينةِ كُولوسي وَحاوَلوا أن يُنكِروا أنَّ المَسيحَ كَافٍ. فَقد حاوَلوا أن يُنكِروا أنَّ كُلَّ مَا تَحتاجُونَهُ هُوَ يَسوعُ المَسيح، وَكانُوا يَقولونَ: "لا! أنتُم بِحاجةٍ إلى المَسيحِ بالإضافةِ إلى فَلسفةٍ بَشريَّةٍ مُعَيَّنة"، أو: "أنتُم بِحاجَةٍ إلى المَسيحِ بالإضافَةِ إلى نَاموسِ مُوسَى"، أو: "أنتُم بِحاجةٍ إلى المَسيحِ بالإضافةِ إلى عَلاقاتٍ خَاصَّةٍ وَمُعَيَّنَةٍ بالكَائِناتِ المَلائِكِيَّةِ"، أو: "أنتُم بِحاجةٍ إلى المَسيحِ بالإضافةِ إلى حَياةِ إنكارِ الذَّات". لِذا فقد كانوا في الحَقيقةِ يُنكِرونَ كِفايَةَ المَسيح. وَلِدَحْضِ ذلك، تَأتي الذُّروةُ العَظيمةُ لِهذهِ الرِّسالةِ مِن خِلالِ مَقْطَعَيْن: الأوَّلُ لَمَّحْنا إليهِ سَابِقًا وَمَوجودٌ في الأصحاحِ الأوَّلِ حَيثُ يُناقِشُ كِفايَةَ المَسيحِ الَّذي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيرِ المَنظورِ، وَفِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ، وَصَاحِبُ كُلِّ سُلطان، وَهَلُمَّ جَرَّا. والجُملةُ الَّتي تُشَكِّلُ الذُّروةَ الثَّانيةَ مَوجودة في الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ العَاشِرِ إذْ نَقرأُ: "وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ".
لِذا فإنَّ حُجَّةَ السِّفْرِ تَقولُ إنَّهُ على الرَّغمِ مِنَ التَّعليمِ المُضِلِّ فإنَّ المَسيحَ كَافٍ بِكُلِّ تَأكيد. فَالمَسيحُ هُوَ كُلُّ مَا نُريد. وَيُبَرْهِنُ بُولسُ على ذلكَ في الأصحاحَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني. والآن، بَعدَ أن بَرْهَنَ على أنَّ المَسيحَ كَافٍ فإنَّهُ يَبتَدِئُ في الأصحاحِ الثَّالثِ في تَوضيحِ مَعنى أن نَكونَ مُكْتَفينَ هَكذا في المَسيح. فإن كانَ المَسيحُ كَافٍ لِفِدائي، وَإن كانَ قَد وَهَبَني حَياةً جَديدةً، وَإن كانَ قَد وَهَبَني الحَياةَ الأبديَّةَ أو حَياةَ القِيامَةِ، مَا الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إليَّ؟ يَقولُ بُولُسُ إنَّ تلكَ الحَياةَ الجَديدةَ تَتَطَلَّبُ نَمَطَ حَياةٍ جَديد. لِذا فإنَّهُ يُناقِشُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والأصحاحِ الرَّابعِ نَمَطَ الحَياةِ الجَديدِ للإنسانِ الجَديدِ في المَسيح. وَقد كُنَّا نَتحدَّثُ عن ذلكَ مُنذُ أنِ ابتدأنا بدراسةِ الأصحاحِ الثَّالث.
فالآياتُ الأربَعُ الأولى تُعَرِّفُ الحَياةَ الجَديدة. وَمِنْ بِدايةِ العَددِ الخَامِسِ إلى نِهايةِ العَددِ السَّادِسِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ (الَّذي سَنتوقَّفُ عِندَهُ في هَذا المَساء) نَرى نَمَطَ الحَياةِ الجَديدِ الَّذي يَنبغي أن يُصَاحِبَ الحَياةَ الجَديدة. والآن، مِن بَينِ الأشياءِ الَّتي تَحَدَّثنا عَنها... ونَحنُ لَن نُخَصِّصَ وَقتًا لِمُراجَعَتِها في هَذا المَساء... ولكِنْ مِن بَينِ الأشياءِ الَّتي تَحَدَّثنا عَنها هذهِ الفِكرة المُختصَّة بِنَمَطِ حَياةِ المُؤمِنِ مِنْ جِهَةِ فَمِهِ أو مَا يَنبغي لَهُ أن يَنْطِقَ به. فعندما نَصيرُ خَليقةً جَديدةً، كَما رَأينا في الأسبوعِ المَاضي، يَنبغي لِكَلامِنا أن يَتَغَيَّرَ وَفْقًا لتلكَ الخَليقةِ الجَديدة. وَهذا يُشْبِهُ اللُّكْنَات. فعندما تَترُكُ بَلَدًا مَا وتَذهبُ لِتَعيشَ في بَلدٍ آخر، أو عِندَما تَترُكُ جُزءًا مُحَدَّدًا مِنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ، ولا سِيَّما في أقصى الجَنوبِ، وتَذهبُ إلى أقصَى الجُزءِ الغَربِيِّ أوِ الشَّمالِيِّ فإنَّكَ في النِّهايةِ، وبعدَ مُرورٍ وَقتٍ مُعَيَّن، تَبتَدِئُ في فُقْدانِ لُكْنَتِك.
وبِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، هَذا هُوَ ما يَقولُهُ بولُس. فَهُوَ يَقولُ إنَّكَ عِندما تَصيرُ مُؤمِنًا، يَجِبُ عليكَ أن تَبتدئِ في فُقدانِ لُكْنَةِ العَالَم. ويَجِبُ أن يُشيرَ كَلامُكَ إلى أنَّكَ إنسانٌ مُختَلِف. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَجِبُ عليكَ أن تَبتدِئَ بالتَّكلُّمِ باللُّغَةِ السَّماوِيَّة. فَعندَما أذهبُ تَحديدًا إلى دُوَلِ أمريكا اللاَّتينيَّة، سُرْعانَ مَا أبتدئُ بالتَّكلُّمِ بالإنجليزيَّةِ بِلُكْنَةٍ إسبانِيَّة لأنِّي أسمَعُهم يَتكلَّمونَ بِها. لِذا، سُرعانَ مَا أتكلَّمُ مِثلَهُم وَأنْطِقُ الكلماتِ بنفسِ اللَّهجَةِ وَنَفسِ اللُّكنَة. وبهذا فإنَّ نُطْقَكَ للُّغَةِ الإنجليزيَّةِ يَصيرُ بِلُكْنَةٍ إسبانِيَّة. فأنتَ تَكْتَسِبُ عَادَاتِ النَّاس. وَقد لاحظتُ ذلكَ أيضًا عندما كُنتُ في إنجلترا. فأنتَ تَبتَدِئُ في التَّكلُّمِ مِثلَ البريطانِيِّين.
وَحَتَّى إنَّكَ لا تُدرِكُ أنَّكَ تَفعلُ ذلك، ولكِنَّكَ تَغوصُ في الأمرِ وَتَفعلُ مَا يَفعَلونَهُ. وَبُولُسُ يَقولُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إنَّكَ عندَما تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّكَ تَبتَدِئُ في فُقدانِ لُكْنَتِكَ القَديمةِ وتَبتَدِئُ في اكتِسابِ لُكْنَةٍ جَديدةٍ تُوافِقُ نَمَطَ الحَياةِ الجَديدةِ في المَسيح. وَهَذا هُوَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ مَا يَقولُهُ هُنا. فَيَجِب أنْ يَكونَ فَمُكَ مُتوافِقًا مَعَ حَياتِكَ الجَديدة. وَيَجِبُ أن يَحْدُثَ تَغييرٌ في طَريقةِ استِخدامِكَ لِفَمِكَ والأشياءِ الَّتي تَقولُها. لِذا فإنَّ المَسيحَ كَافٍ ويَستطيعُ أن يَجعلَنا خَليقةً جَديدةً. وبِصِفَتِنا خَليقةً جَديدةً فإنَّنا نَعيشُ في مُجتمَعٍ جَديدٍ، وفي حَالةٍ جَديدةٍ أمامَ اللهِ، وَفي نَمَطِ حَياةٍ جَديدٍ يَتطلَّبُ لُكْنَةً جَديدة. ويَجبُ علينا أن نَتَخَلَّى عَنِ لُكْنَةِ العَالَمِ وَأنْ نَبْتَدِئَ بالتَّكلُّمِ باللُّكْنَةِ الَّتي تَنْسَجِمُ مَعَ العائلةِ الَّتي نَنتَمي إليها.
وأعتقدُ أنَّ واحِدًا مِنَ النَّماذِجِ الجَيِّدَةِ على ذلكَ هُوَ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ نَفسُهُ. وَقد دَرَسْتُ هَذا المَوضوعَ مِن قَبْل، ولكنِّي كُنتُ أُقَلِّبُهُ في ذِهني مَرَّةً أخرى في هذا الأسبوع. فواحِدَةٌ مِن أعظمِ الدِّراساتِ الَّتي يُمكِنُكم أن تَقومُوا بها هِيَ أن تَدرُسوا فَمَ يَسوعَ، وَأن تَتأمَّلُوا في العَهدِ الجَديدِ وتُلاحِظُوا كُلَّ شَيءٍ قَالَهُ يَسوع. وواحِدَةٌ مِنَ الأفكارِ الَّتي عَنَتِ الكَثيرَ لي هِيَ الفِكرةُ المَذكورةُ في إنجيل مَتَّى 5: 2: "فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ". وَهذهِ فِكرةٌ عَظيمة. أليست كذلك؟ فقد فَتَحَ فَمَهُ فَخَرَجَ مِنهُ تَعليمٌ! في إنجيل مَتَّى 5: 2. وهُناكَ أمورٌ أخرى نَجِدُها بخصوصِ فَمِ يَسوع. وَهِيَ مَذكورةٌ في إنجيل لُوقا. وهُناكَ الكَثيرُ مِنها؛ ولكِنَّني سأكتَفي بِذِكْرِ بِضعة أمثلة إيضاحِيَّة على ذلك:
"وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ..." [في إنجيل لُوقا 4: 22] "...وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ". فَقد فَتَحَ فَمَهُ وَعَلَّم. وَقد فَتَحَ فَمَهُ وتَكلَّمُ بكلماتِ النِّعمَةِ، أو بِطريقةٍ مُفْعَمَةٍ بالنِّعمَةِ، أو بِلُطْفٍ أو بِكِياسَةٍ أو بِلِياقَة. وفي إنجيل لُوقا 11: 54، ويَبدو أنَّ لُوقا كَانَ مُهْتَمًّا اهتِمامًا وَاضِحًا بكلماتِ يَسوع. ولكِن في إنجيل لُوقا 11 والعَدد 54، نَقرأُ أنَّهُم كَانوا "يُرَاقِبُونَهُ طَالِبِينَ أَنْ يَصْطَادُوا شَيْئًا مِنْ فَمِهِ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْه". ونحنُ نَعلمُ جَميعًا أنَّهُم لم يَتمكَّنُوا البَتَّة مِن ذلك. والعَهدُ الجَديدُ يُخبرُنا في رِسالةِ يَعقوب أنَّ الإنسانَ الَّذي لا يُوجَدُ في فَمِهِ مَكْرٌ وَلاَ يَعْثُرُ فِي الكَلاَمِ هُوَ إنسانٌ كَامِل. ويسوعُ لم يُخطِئ يَومًا بِفَمِه.
وفي إنجيل يُوحَنَّا 6: 63، نَقرأُ أيضًا عَنْ فَمِ يَسوع: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ". وفي رِسالةِ بُطرسَ الأولى 2: 22، نَقرأُ أيضًا عَن فَمِ يَسوع: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". فَهُوَ لم يَقُل يَومًا كلمةً يُمكِنُ أن يَخدَعَ بِها أيَّ شَخصٍ، أو يُضَلِّلَهُ، أو يَغِشَّهُ، أو أن يَحْجُبَ بِها أيَّة حَقيقة. وَهَذِهِ مُجَرَّدُ أربعة أمثلة إيضاحِيَّة فقط على فَمِ يَسوع، أو رُبَّما خَمسَة. ويُمكِنُكم أن تَدرُسوا ذلكَ بأنفسِكُم. فَهُوُ قُدوَتُنا. إذًا، عِندَما يَحصُلُ الإنسانُ الجَديدُ عَلى فَمٍ جَديد، يَجِبُ عليهِ أن يَبتدئَ بالتَّكلُّمِ بِلُكْنَةٍ جَديدةٍ، وَيَجِبُ عليهِ أن يَبتدئَ في فُقدانِ لُكْنَةِ العَالَم. والآن، مَا الَّذي يَخرُجُ مِن هَذا الفَمِ الجَديد؟ هُناكَ أربعةُ أمورٍ يَتحدَّثُ عَنها بولُسُ هُنا (أيْ في الأصحاحِ الرَّابعِ والأعداد مِن 2 إلى 6). وَقَد ذَكَرْنا أَمْرًا واحِدًا مِنها في المَرَّةِ السَّابِقَة.
فالعُنصُرُ المُمَيَّزُ الأوَّلُ في كَلامِ الإنسانِ الجَديدِ هُوَ كَلامُ الصَّلاة. وَهذا مَذكورٌ في العَددِ الثَّاني. واسمَحوا لي أن أقرأَ هَذهِ الآيةَ عَلى مَسامِعِكُم مَرَّةً أخرى: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْر". "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْر". فَالسِّمَةُ الأولى لِكَلامِ الإنسانِ الجَديدِ هِيَ الصَّلاة. فالإنسانُ الجَديدُ يَتكلَّمُ إلى الله. وقد رَأينا في المرَّة السَّابقةِ أنَّ العِبارةَ "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ" تُشيرُ إلى طَلَبِ اللهِ بِقُوَّة، ومُثابَرَة، وبِتَكريسٍ، وباستمرار. وَقد أَشَرْنا بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى أنَّهُ تُوجَدُ فِكْرَتَيْنِ هُنا. فعندما يَقولُ "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ"، أو: "صَلُّوا بِلا انقِطاعٍ"، أو: "فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ"، فإنَّ الفِكرةَ الأولى مِنَ الاستمرارِ في الصَّلاةِ هِيَ أنْ نُدرِكَ حُضورَ اللهِ الدَّائِم.
فَهِيَ تَعني أنْ يَكونَ اللهُ حَاضِرًا في ذِهنِكَ دَائِمًا حَتَّى إنَّهُ عندَما يَحدُثُ أيُّ شَيءٍ فإنَّكَ ستَتجاوَبُ حَالاً بِوَضْعِ ذلكَ الشَّيءِ أمامَ الله. فعندما تَرى شَيئًا جَيِّدًا فإنَّكَ تَشكُرُ اللهَ، وعندما تَرى شَيئًا رَديئًا فإنَّكَ تَتضرَّعُ إلى اللهِ بشأنِه. فَهُوَ التَّجاوُبُ السَّريعُ مَعَ حُضورِ اللهِ حَتَّى إنَّني أكونُ قَريبًا جدًّا مِنَ التَّخاطُبِ مَعَ اللهِ في ضَوْءِ أيِّ شَيءٍ قَد يَحدُث. هَذا هُوَ مَعنى الصَّلاةِ بِلا انقطاع. ولكِنَّنا رَأينا أنَّ المُواظَبَةَ على الصَّلاةِ تُشيرُ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ الأصليَّةِ إلى أن تَكونَ شُجاعًا، وجَريئًا، ولَجُوجًا. لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ فقط على إدراكِ حُضورِ اللهِ، بَل هُناكَ أيضًا التَّشَبُّثُ، والثَّباتُ، والتَّثَقُّلُ بالصَّلاةِ إلى أنْ يَفعلَ اللهُ شَيئًا.
وَقد رَأينا أمثلةً إيضاحِيَّةً على ذلكَ في إنجيل لُوقا (في الأصحاحَيْن 11 و 18). فَقد رأينا كيفَ أنَّهُ حَيْثُ تُوجَدُ مُواظَبَةٌ، ولَجاجَةٌ، وَحيثُ يُوجَدُ إلحاحٌ فإنَّ اللهَ يُجيبُ صَلواتِنا فقط مِن أجلِ ذلك. وَقد كُنَّا أنا وَ "بول سيلهامر" (Paul Sailhamer) نَتحدَّثُ عَن هذا المَوضوعِ فَذَكَرَ في هَذا الأسبوعِ مَثَلاً إيضاحِيًّا جَيِّدًا على ذلك. وأودُّ أن تَنظُروا إليه في سِفْرِ نَحَمْيا والأصحاحِ الأوَّل. وَهَذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ على كِلْتا هَاتَيْنِ الفِكرَتَيْنِ في الصَّلاة. ففي الأصحاحِ الأوَّلِ، يُحاولُ نَحَمْيا أن يَستَعِدَّ لِصَلاةٍ طَويلة. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الرَّابع: "فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلاَمَ..." [عَنْ دَمارِ مَدينَتِهِ أورُشَليم وَحالَتِها المُحْزِنَة] "...جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ.
"وَقُلْتُ: أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ السَّمَاءِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ، الْحَافِظُ الْعَهْدَ وَالرَّحْمَةَ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ، لِتَكُنْ أُذْنُكَ مُصْغِيَةً وَعَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَيْنِ لِتَسْمَعَ صَلاَةَ عَبْدِكَ الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْكَ الآنَ نَهَارًا وَلَيْلاً". فَنحنُ نَرى هُنا رَجُلاً يُواظِبُ على الصَّلاةِ. فَهُوَ ليسُ مُدرِكًا فقط لِحُضورِ اللهِ، بل إنَّهُ يُصَلِّي بِلَجَاجَة، وبإلحاحٍ كَما فَعَلَ يَعقوب. فَهُوَ يُمْسِكُ باللهِ ويَقولُ لَهُ: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي". وَهُوَ يَطلُبُ ويَطلُبُ ويَطلُبُ نَهارًا وَليلاً. وَهَذا هُوَ النَّوعُ الأوَّل.
ثُمَّ إنَّهُ مِنَ المُدهِشِ أن نُلاحِظَ أنَّهُ يَمْثُلُ أمامَ المَلِكِ "أَرْتَحْشَسْتَا" في الأصحاحِ الثَّاني. لِنَنظُر إليهِ إذْ نَقرأُ في العَددِ الأوَّل: "وَفِي شَهْرِ نِيسَانَ فِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ لأَرْتَحْشَسْتَا الْمَلِكِ، كَانَتْ خَمْرٌ أَمَامَهُ، فَحَمَلْتُ الْخَمْرَ وَأَعْطَيْتُ الْمَلِكَ". فَقد كَانَ بِكُلِّ تَأكيدٍ السَّاقِي الرَّسمِيَّ للمَلِك. "وَلَمْ أَكُنْ قَبْلُ مُكْمَدًّا أَمَامَهُ. فَقَالَ لِي الْمَلِكُ: «لِمَاذَا وَجْهُكَ مُكْمَدٌّ وَأَنْتَ غَيْرُ مَرِيضٍ؟ مَا هذَا إِلاَّ كآبَةَ قَلْبٍ!». فَخِفْتُ كَثِيرًا جِدًّا، وَقُلْتُ لِلْمَلِكِ: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ إِلَى الأَبَدِ". وَهَذِهِ عِبارَةٌ رَسمِيَّةٌ كَانَ يَنبَغي أن تُقالَ للمُلوكِ بينَ الحِينِ والآخر لإبقائِهم سُعَداء. "كَيْفَ لاَ يَكْمَدُّ وَجْهِي وَالْمَدِينَةُ بَيْتُ مَقَابِرِ آبَائِي خَرَابٌ، وَأَبْوَابُهَا قَدْ أَكَلَتْهَا النَّارُ؟»"
"فَقَالَ لِي الْمَلِكُ: «مَاذَا طَالِبٌ أَنْتَ؟»" والآن، لاحِظُوا: "فَصَلَّيْتُ إِلَى إِلهِ السَّمَاءِ". وَالآن، هَذا هُوَ البُعدُ الآخَر. فهذهِ ليست صَلاةً طَويلةً ومُستمرَّةً، بَل هِيَ صَلاة سَريعَة وَخاطِفَة. بعبارةٍ أخرى، لَقد حَظِيَ بِفُرصَةٍ ثَمينةٍ جدًّا في حَياتِهِ فَصَلَّى. فَهَذا هُوَ إدراكُ حُضورِ اللهِ الَّذي جَعَلَ نَحَمْيا يَتصرَّفُ بِسُرعَة في أيِّ مَوقِفٍ تُجاهَ اللهِ. لِذا، نَجِدُ في الأصحاحِ الأوَّلِ فِكرةَ الصَّلاةِ لوقتٍ طَويلٍ، ونَجِدُ في الأصحاحِ الثَّاني إدراكُ حُضورِ اللهِ الَّذي يَجعلُ الإنسانَ يُصَلِّي إلى اللهِ في لَحظةِ ضَعفِ أو عِندَ حُدوثِ شَيءٍ مَا. لِذا، هَذا هُوَ مَا نَراهُ.
والآن، عَودة إلى رِسالةِ كُولوسي والأصحاحِ الرَّابع. فَنحنُ نَرى هُنا مِنْ خِلالِ فِكرةِ المُواظَبَةِ على الصَّلاة كِلتا هَاتينِ الحَقيقَتَيْن؛ أيْ فِكرةَ المُواظَبَةِ على الصَّلاةِ وَفِكرةَ إبقاءِ اللهِ حَاضِرًا في ذِهنِكَ في أيَّةِ لَحظةٍ يَحدُثُ فيها أيُّ شَيءٍ أمامَك. لِذا فقد تَعَلَّمنا عن ذلكَ، وَتَعَلَّمنا أيضًا أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَكونَ يَقِظين. فَلا يُمكِنُنا أن نُصَلِّي إنْ لم نَكُن نَدري مَا يَحدُث. ويَجِبُ علينا أن نَكونَ شَكُورين. فالشُّكرُ هُوَ جُزءٌ مُهِمٌّ جدًّا في الصَّلاة. وَرُبَّما تُدهَشونَ حينَ تَعلَمونَ أو تَتذكَّرونَ أنَّهُ عندما كَتَبَ بولسُ رِسالَتَهُ إلى أهلِ كُولوسي فإنَّهُ كَانَ مَسجونًا. لِذا، عِندَما يَقول: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ"، كانَ الأمرُ يَتطلَّبُ شَجاعَةً بِسَببِ حَالَتِهِ لأنَّهُ كانَ مَسجونًا.
وَإن قَرأتُم المَزمورَ التَّاسِعَ والسِّتِّين، سَتَجِدونَ على سَبيلِ المِثالِ أنَّ دَاوُدَ كَانَ يَسْكُبُ قَلبَهُ باستمرار أمامَ اللهِ، وَأنَّهُ كَانَ في مَوقِفٍ عَصيبٍ جدًّا؛ ولكِنَّكُم تَجِدونَ في كُلِّ المَزمورِ رُوحَ شُكْر. والشُّكرُ يَأتي مِن ثِقَتِهِ المُطلقةِ بأنَّ اللهَ سيَجعلُ كُلَّ شَيءٍ يَعملُ لِخَيرِه. وفي المَزمور 116، ولا حَاجَةَ إلى أن تَفتَحوا عَليه، ولكِنِّي سأقرأُ لَكُم شَيئًا هُنا: "عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ. آهِ يَا رَبُّ، لأَنِّي عَبْدُكَ! أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ. حَلَلْتَ قُيُودِي. فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ". بِعبارةٍ أخرى: "عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ. ولكِن حَتَّى إنْ حَدَثَ ذلك، سَأشكُرُكَ".
وَهَذا هُوَ المَوقِفُ السَّليم؛ أيْ أن تَشكُرَ اللهَ حَتَّى في المَوت. وَهُنا، كانَ بولسُ في السِّجن. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ مَا يَزالُ شَكورًا. لِذا فإنَّ فَمَ الإنسانِ الجَديدِ يَتكلَّمُ بالصَّلاةِ. وَهِيَ صَلاةٌ مُفْعَمَةٌ بالقُوَّةِ، وصَلاةٌ مُفعَمَةٌ باللَّجَاجَة، وصَلاةٌ مُفْعَمَةٌ بالسَّهَر، وصَلاةٌ مُفْعَمَةٌ بالشُّكر. لِنَنظُر إلى العُنصُرُ الثَّاني. فالعُنصرُ الثَّاني في الكَلامِ هُوَ ليسَ كَلامَ الصَّلاةِ، بل نَقرأُ في العَدَدَيْن 3 و 4 أنَّهُ كَلامُ الإعلان... كَلامُ الإعلان. فَفَمُ الإنسانِ الجَديدِ يَنطِقُ بِهذا - لاحِظُوا مَا جَاءَ في العَددِ الثَّالثِ إذْ إنَّ بُولسَ يَقرِنُ ذلكَ بالصَّلاةِ؛ أيْ على أنَّهُ طِلْبَةُ صَلاة: "مُصَلِّينَ فِي ذلِكَ لأَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، لِيَفْتَحَ الرَّبُّ لَنَا بَابًا لِلْكَلاَمِ، لِنَتَكَلَّمَ بِسِرِّ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَنَا مُوثَقٌ أَيْضًا، كَيْ أُظْهِرَهُ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّم".
تَتَكَرَّرُ الكلمة "نَتَكَلَّم" [أو: "أَتَكَلَّم"] مَرَّتَيْن. والكلمة "كَلام" تَرِدُ مَرَّةً. والكلمة "أُظْهِرَهُ" تَرِدُ مَرَّةً. وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَن كَلامِ الإعلان. فَالرَّسولُ بولسُ يَقولُ هُنا: "صَلُّوا لأجلي لكي أَفتَحَ فَمي وَأُنادي بالإنجيل". وَمِن خِلالِ التَّلميحِ هُنا، بِكُلِّ تَأكيدٍ، وليسَ مِن خِلالِ الكَلامِ المُباشِر، نَرى أنَّ هُناكَ عُنصُرًا آخرَ في كَلامِ الإنسانِ الجَديدِ وَهُوَ كَلامُ المُناداةِ بالإنجيل. لاحِظُوا العِبارةَ في نِهايةِ العَددِ الثالث: "الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَنَا مُوثَقٌ أَيْضًا" أو "مَسجون". فَبُولسُ في هذهِ النُّقطةِ المُحَدَّدَةِ مِن حَياتِهِ... وسوفَ أُقَدِّمُ لَكُم خَلفيَّةً قَصيرةً عَن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. لِنَنظُر إليهِ بإيجازٍ شَديد. انظُروا إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الحادي والعِشرين، ولنَنظُر كيفَ وَصَلَ بولسُ إلى المَكانِ الَّذي هُوَ فيه.
في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 21: 27، جَاءَ بولسُ إلى أورُشَليم. وكانتِ الرِّحلةُ إلى هُناكَ طَويلةً وشَاقَّةً جدًّا. وَكانَ قَدْ جَمَعَ بِكُلِّ مَحَبَّةٍ مَالاً مِن جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ الأُمَمِيِّ مِن أجلِ القِدِّيسينَ الفُقراءَ، ولكي يُحاولَ أن يُصْلِحَ بينَ اليهودِ في الكنيسةِ هُناكَ والمُؤمِنينَ مِنَ الأُمَم. وَقد فَعَلَ أمورًا عَظيمةً جدًّا جدًّا لِتَجاوُزِ العَقَباتِ الَّتي تَقِفُ في طَريقِ تَحقيقِ ذلك. وَأخيرًا وَصَلَ بِفَرَحٍ عَظيمٍ إلى أورُشَليم. وَما إنْ وَصَلَ إلى هُناكَ حَتَّى عَمَّتِ الفَوضَى. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 27: "وَلَمَّا قَارَبَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ [لِنَذْرِهِ الَّذي نَذَرَهُ] أَنْ تَتِمَّ، رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ، فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ صَارِخِينَ: «يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، أَعِينُوا!
"هذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدًّا لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهذَا الْمَوْضِعِ [أيِ الهَيكَل]، حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ هذَا الْمَوْضِعَ الْمُقَدَّسَ»". وَهَذا، بِكُلِّ تَأكيدٍ، غَيرُ صَحيح. فَنحنُ نَقرأُ: "لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى الْهَيْكَلِ. فَهَاجَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا، وَتَرَاكَضَ الشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْهَيْكَلِ. وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ". وَقَدْ هَمُّوا بِقَتلِهِ في العَدد 31. وَهكذا، كانَت هَذِهِ هِيَ بِدايَةُ حَبْسِ بُولُس. فَقد سُجِنَ هُناكَ، وَبَقِيَ في السِّجن، وَقَدَّمَ دِفاعًا، وَتَمَّ نَقلُه أخيرًا خَارِجَ أورُشَليم لأنَّ الوَضْعَ كَانَ خَطيرًا جدًّا بسببِ تَأمُرِهِم عَليهِ لِقَتلِه.
وَقد أُخِذَ إلى قَيصَرِيَّة، الَّتي هِيَ على السَّاحِل. وَكانت قَيصريَّة مَدينةٍ تَخضَعُ للاحتلالِ الرُّومانِيِّ وفَرَضُوا فيها قَانونَهُم في الأرض. وَقد بَقِيَ هُناكَ مُدَّةً وَقَدَّمَ خِطابًا عَظيمًا هُناكَ مُدافِعًا عَن نَفسِهِ أمامَ "فِيلِكس" وَ "فَسْتُس" وَ "أغريباس". وَأخيرًا، عندما أدركَ أنَّهُ لن يَتمكَّنَ مِنَ النَّجاةِ هُناكَ قَدَّمَ التِماسًا إلى رُوما. لِذا فقد وَضَعوهُ في سَفينةً وَأبحَروا بِهِ إلى رُوما. هَل تَذكُرونَ ذلك؟ وفي أثناءِ الرِّحلةِ إلى رُوما، مَرَّ بِكُلِّ ذلكَ الخَطَرِ الرَّهيبِ في البَحرِ حَيثُ انكَسرتِ السَّفينة. فَفي وَقتٍ لاحِقٍ مِنَ السِّفر، عندما تَصِلونَ إلى الأصحاح 27، تَقرأونَ عن ذلك. وأخيرًا، في الأصحاحِ الثَّامِنِ والعِشرين، وَصَلَ إلى رُوما.
وعندما وَصَلَ إلى رُوما، نَقرأُ القَليلَ عَمَّا حَدَثَ مَعَهُ بشأنِ كَونِهِ أسيرًا. انظروا إلى العَدد 16 مِنَ الأصحاح 28. سِفْر أعمال الرُّسُل 28: 16: "وَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ سَلَّمَ قَائِدُ الْمِئَةِ الأَسْرَى إِلَى رَئِيسِ الْمُعَسْكَرِ، وَأَمَّا بُولُسُ فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَحْدَهُ مَعَ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُهُ". فَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ سُمِحَ لبولسَ أن يَسكُنَ في بَيتٍ، أو أن يَستأجِرَ بَيتًا، يُقيمُ فيهِ إقامَةً جَبْرِيَّةً بِوَصْفِهِ سَجينًا. وَكانَ يُقَيَّدُ إلى عَسْكَرِيٍّ أو أكثر يَتناوبونَ على حِراسَتِه. ونَقرأُ في العَدد 30 مِن نَفسِ الأصحاح: "وَأَقَامَ بُولُسُ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَينِ فِي بَيْتٍ اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ. وَكَانَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ إِلَيْه". حسنًا! والآن، يُمكِنُكم أن تَرجِعُوا إلى رِسالةِ كُولوسي.
إذًا، نَجِدُ أنَّ الرَّسولَ بُولُسَ كَتَبَ في خِلالِ السَّنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سُجِنَ فيهِما الرسالةَ إلى أهلِ كُولوسي. وَهُوَ يَستخدِمُ قُيودَهُ كَوسيلةٍ لِتَحقيقِ خِدمَتِهِ. وَهُوَ يَكتُبُ العَديدَ مِنَ الرَّسائِل لأنَّهُ لم يَكُن يُسافِرُ كَثيرًا. وَهُناكَ شَيءٌ آخرُ تَمَكَّنَ مِن فِعْلِهِ كَثيرًا وَهُوَ الكِرازَةُ للجُنود. فَلا شَكَّ أنَّهُ بَشَّرَ الجُنودَ الَّذينَ كَانُوا يَأتونَ وَيَذهَبون. وَهُوَ يَقولُ في رِسالةِ فيلبِّي 1: 13 (وَهِيَ رِسالةُ كَتَبَها أيضًا في هَاتينِ السَّنَتَيْن): "حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلاَيَةِ وَفِي بَاقِي الأَمَاكِنِ أَجْمَعَ". فَهُوَ يَقولُ: "هَذِهِ أعظَمُ فُرصةٍ حَصَلْتُ عَليها. فَهُم يَستمِرُّونَ في إرسالِ الجُنودِ إليَّ، وَأنا أَستَمِرُّ في رِبْحِهِم إلى المَسيحِ وَإرسالِهِم ثانِيَةً لِكَي يَربَحوا آخَرين".
وكانَ هُناكَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ النَّاسِ يَأتي إلى بَيتِهِ الَّذي استَأجَرَهُ، فَكانَ يَكرِزُ بالإنجيل. ونَقرأُ في رِسالةِ فيلبِّي 4: 22: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَر". فَقَد تَمَكَّنَ حَتَّى مِن رِبْحِ أشخاصٍ مِن بَيتِ قَيصَر. والآن، إن رَجَعتُم مَرَّةً أخرى إلى الآيةِ الأخيرةِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل (أيْ إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 28: 31)، سَتَقرأونَ أنَّهُ طَوالَ هَاتينِ السَّنَتَيْنِ كَانَ: "كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمُعَلِّمًا بِأَمْرِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ..."، ثُمَّ تَقرأونَ العِبارةَ الرَّائعةَ التَّالية: "...بِلاَ مَانِعٍ". فَطَوالَ سَنَتَيْن، مَعَ أنَّهُ كَانَ مَسجونًا، كَانَ يَعِظُ ويُعَلِّم. وَهكذا فقد تَمَّتْ إجابةُ طِلْبَةِ الصَّلاةِ المَذكورةِ في الأصحاحِ الرَّابع إذْ إنَّ البَابَ فُتِحَ لَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أحَدٌ طَوالَ تلكَ الفَترةِ مِن أن يَكرِز. فَكُلُّ وَقتِ سَجْنِهِ كَانَ وَقتَ إعلان.
وفي الأصحاحِ الحَادي والعِشرينَ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، عِندما سُجِنَ أوَّلَ مَرَّة، قَدَّمَ عِظَةً رائعةً أمامَ النَّاس. اقرأوها. فَهِيَ تُحْفَةٌ أَدبِيَّة. وفي الأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرين مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، وَقَفَ أمامَ فِيلِكس الوَالي وَقَدَّمَ رِسالةً عَظيمة. وَفي الأصحاحِ السَّادسِ والعِشرينَ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، وَعَظَ أمامَ المَلِك أغريباس وَقَدَّمَ رِسالةَ رائعةً أخرى بشأنِ الحَقِّ، بِما في ذلكَ شَهادَتَهُ الرَّائعةَ عَنِ اهتِدائِه. وفي الأصحاحِ الثَّامنِ والعِشرين مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، عِندما وَصَلَ وَسُجِنَ في بَيتِهِ، كانَ أوَّلُ شَيءٍ فَعَلَهُ هُوَ أنَّهُ اسْتَدْعَى وُجُوهَ اليَهودِ لِكَي يُبَشِّرَهُم أوَّلاً. فَقَدْ دَعاهُم جَميعًا إلى بَيتِهِ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 28: 17 فَصَرَفُوا وَقتًا رَائِعًا في سَماعِ كِرازَةٍ يَهوديَّةٍ. فقدِ ابتدأَ سِجْنَهُ هَكذا. فَهذا الرَّجُلُ لم يَكُن يَسمَحُ لأيَّةِ فِكرةٍ رَديئةٍ أن تَشْغَلَ ذِهنَهُ. فَقد كانَ يَنظُرُ إلى كُلِّ شَيءٍ على أنَّهُ فُرصَة. وَقد كَانَ يُعلِنُ الإنجيلَ دائِمًا. والمَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي سَكَتَ فيها صَوتُهُ هِيَ عِندَما نَزَلَ الفَأسُ على رَأسِهِ وَقَطَعَهُ. يا لَهُ مِن دَرسٍ رَائعٍ لَنا!
فَلا تُوجَد أحوالٌ سَيِّئةٌ، بَل فقط فُرَصٌ فَريدَة. لَقد قَرأَ بَعضٌ مِنكُم في نَشرةِ "غريس تو يو" (Grace To You) الرِّسالةَ الَّتي تَسَلَّمتُها مِن "تشارلز تِكس واطسون" (Charles Tex Watson) الَّذي كانَ واحِدًا مِن عَائلةِ "مانسون" (Manson) في السِّجن. وهذهِ قِصَّةٌ عَظيمةٌ إذْ إنَّني تَسَلَّمْتُ رِسالةً فَجأةً ذَاتَ يَومٍ قَالَ فيها: "أريدُ مِنكَ أن تَعرِفَ أنِّي حَصلتُ على مَجموعةٍ مِنَ العِظاتِ المُسَجَّلَةِ، وَأنَّني أَنمُو في الرَّبِّ، وَأنَّني قَبِلتُ يَسوعَ المَسيحَ مُخَلِّصًا لِحَياتي، وَأنَّني ابتدأتُ دُروسَ كِتابٍ مُقَدَّسٍ في السِّجن". وَقد كَتَبْتُ لَهُ رِسالَةً فَرَدَّ عَلَيَّ بِرسالة. وَقد عَلِمْتُ أنَّهُ تَراسَلَ مَعَ أشخاصٍ آخرينَ هُنا في كَنيسةِ "غريس" (Grace Church). وَقد دُهِشْتُ مِمَّا كَتَبَهُ إذْ قَال: "يا لَهُ مِن مَكانٍ رَائِعٍ للخِدمَة. إن أرادَ الرَّبُّ أن يُخرِجَني فَهذا عَمَلُهُ. وَإن أرادَ أن يُبقيني هُنا فَهَذا عَمَلُهُ أيضًا. أنا فَرِحٌ في كِلتا الحَالَتَيْن طَالَما أنِّي أستطيعُ أن أَكرِزَ مِن أجلِه".
هَذا هُوَ التَّغييرُ يا أحبَّائي. وَهَذا هُوَ مَوقِفُ بُولُس. فَقد كَانَ يَستخدِمُ أيَّ مَكانٍ مِنْبَرًا لَهُ... أيَّ مَكان. وَقد كانَ بولسُ دِيناميكيًّا جدًّا حَتَّى إنَّهُ كانَ يُثيرُ المَشاكِلَ، ويُثيرُ أيَّةَ بَلدةٍ يَدخُلُها. فَلَم تَكُن هُناكَ أَحوالٌ سَلبِيَّةٌ في نَظَرِه. لِذا، إن قَالَ شَخصٌ: "أَوَدُّ أن أَكرِزَ بالإنجيل ولكِنَّ ظُروفي لا تَسمَحُ بذلك"، فإنِي أقولُ لَهُ: "ليسَت ظُروفُكَ هِيَ الَّتي تَمنَعُكَ مِن ذلك، بَل هُوَ شَيءٌ آخر". فَقد كانَتِ الأحوالُ صَعبةً جدًّا في مَدينةِ رُوما. فَكما تَعلَمونَ، كانَ الحُكَّامُ الطُّغاةُ قَدِ استَوْلَوْا تَدريجيًّا على كُلِّ قُدرةِ الشَّعبِ، وَكانَ الحُكمُ العَادِلُ قَد زَالَ وَحَلَّ مَحَلُّهُ حُكْمٌ مُسْتَبِدّ. وَكانَ أسوأُ حَاكِمٍ هُوَ الَّذي يَحكُمُ في ذلكَ الوقتِ وَاسمُهُ "نِيرون" (Nero). وعندما وَصَلَ الرَّسولُ بولسُ إلى رُوما، كَانَ عُمْرُ نيرون نَحوَ خَمسٍ وعِشرينَ سَنة.
وَكانَ نِيرون هُوَ المَسؤولُ عَنْ مَقْتَلِ أُمِّهِ "أغريبينا" (Agrippina). وأغربُ مَا في الأمر هُوَ أنَّهُ كَانَ في ذلكَ الوقتِ قَد قَتَلَ زَوجَتَهُ "أوكتافيا" (Octavia). وَفي خِضَمِّ ذلكَ كُلِّهِ كَانَ هُناكَ هَيكلُ "جوبيتر" (Jupiter)، والعِبادَةُ البَاطِلَةُ الَّتي كَانَت تُمارَسُ هُناك. وفي المَوقِعِ الَّذي أُقيمَتْ عَليهِ القُصورُ الثَّلاثَةُ الفَخمةُ لأوغسطُس وَطيباريوس وكاليغولا، تَمَّ ضَمُّ تلكَ القُصورِ مَعًا فَصارَت قَصْرًا واحِدًا لنيرون. وَصارت رُوما مَركِزَ الانحلالِ والوَثنيَّة. وكانَ هُناكَ نَحوُ مَليونَي شَخصٍ يَعيشونَ في المَدينة. وكانَ أكثرُ مِن نِصْفِهِم، أيْ نَحوُ مَليون شَخصٍ أو أكثر مِنهُم، عَبيدًا. ويُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهُ مِن جُملةِ البَقِيَّةِ، كانَ هُناكَ سَبعُمئة في مَجلسِ الشُّيوخِ، وعَشَرَةُ آلافِ فَارِسٍ، وَخَمْسةُ آلافِ جُنديٍّ. أمَّا البَقِيَّةُ فكانُوا فُقراءَ. وكانَ الآلافُ يَنامونَ في الشَّوارعِ لأنَّهُ لا تُوجَدُ لَديهم بُيوت.
في هَذهِ الفَوضَى، وفي هَذا الفِسْقِ، وَفي هَذا المَكانِ المَليءِ بالفَوضَى، تَمَّ إنزالُ هذهِ القُنبلةِ اليَهوديَّةِ الصَّغيرة. وَمَعَ أنَّهُ كَانَ مَسجونًا، وَمَعَ أنَّهُ كَانَ مُقيمًا إقامَةً جَبريَّةً في مَنزلِهِ، لم يَمْنَعْهُ ذلكَ قَطّ مِنَ المُناداةِ بالإنجيل. وَفي هَذا الوَقتِ كَتَبَ رِسالَتَهُ إلى أهلِ كُولوسي. وفي هَذا الوقتِ كَتَبَ رِسالَتَهُ إلى أهلِ أفسُس. وفي هَذا الوقتِ كَتَبَ رِسالَتَهُ إلى أهلِ فيلبِّي. وفي هَذا الوقتِ كَتَبَ رِسالَتَهُ إلى فِليمون. فَقد كانَ وَقتًا مُثْمِرًا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ هُنا: "صَلُّوا لأجلِنا أيضًا أن يُخرِجْنا اللهُ مِن هَذهِ الوَرطة". لا، فأنتُم لا تَقرأونَ ذلك. فَهُوَ لا لَمْ يُصَلِّ بِخُصوصِ سِجْنِه، بَل صَلَّى فقط أن يَكونَ فَمُهُ فَعَّالاً. لِذا فإنَّهُ يَقول: "مُصَلِّينَ فِي ذلِكَ لأَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، لِيَفْتَحَ الرَّبُّ لَنَا بَابًا [لِماذا؟] لِلْكَلاَمِ، لِنَتَكَلَّمَ بِسِرِّ الْمَسِيح".
والعِبارةُ "مُصَلِّينَ لأجلِنا" هِيَ عِبارةٌ رائعة. وَصِيغَةُ الجَمْعِ هُنا تُشيرُ إلى أنَّهُ رُبَّما يَضُمُّ مَجموعةً مِن رُفَقائِهِ الَّذينَ كَانُوا مَعَهُ. فإذا نَظرتُم إلى نِهايةِ الأصحاحِ الرَّابعِ ستَرَوْنَ لائِحَةً مِنَ الأسماء. وفي وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، كَانَ هَؤلاءِ الإخوةُ العَامِلونَ مَعَ بولسَ مَعَهُ. لِذا فإنَّهُ يَقول: "صَلُّوا لأجلِنا؛ ولا سِيَّما لِكَي نَتَكَلَّمَ بِسِرِّ المَسيح". فَهُوَ رَجُلٌ يُفَكِّرُ في شَيءٍ واحِدٍ فقط... في شَيءٍ واحِد وَهُوَ أن يَتكلَّم. وَلماذا يَقولُ بُولسُ لَهُم أن يُصَلُّوا لكي يَفتحَ اللهُ أمامَهُم بابًا للكَلام؟ إنَّ النَّصَّ اليُونانِيَّ الحَرفِيَّ يَقولُ: "بَابًا للكَلِمَة" ... "بَابًا للكَلِمَة". وفي رِسالةِ أفسُس 6: 19، نَجِدُ نَفسَ الصَّلاة. فَهُوَ يَكتُبُ إلى أهلِ أفسُس. وَكانَ قَد كَتَبَ لَهُم هذهِ الرِّسالةَ في نَفسِ الفَترةِ الزَّمنيَّة. لِذا فإنَّهُما مُشابِهَتانِ جدًّا.
فَهُوَ يَقولُ في رِسالة أفسُس 6: 19: "[صَلُّوا] لأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ". صَلُّوا لأجلي لكي أكونَ جَريئًا، وصَلُّوا لأجلي لكي يُفْتَحَ لي بَابُ الكلمة. فَقد كانَ هذا الرَّجُلُ يُدركُ أنَّهُ في أرضِ مَعركةٍ في الخَطِّ الأمامِيِّ، وفي الخَنادِقِ يُحارِبُ كَجُنديٍّ. وَهُوَ لم يَطلُب مِنهُم أن يُصَلُّوا لأجلِ سَدِّ حَاجاتِهِ الشَّخصيَّة. وَهُوَ لم يَقُل: "صَلُّوا لأجلي لِكَي أَصْمُدَ تَحتَ الضَّغط". وَهُوَ لم يَقُل: "صَلُّوا لأجلي لِكَي يُطلَقَ سَراحي مِنَ السِّجن". بَل إنَّهُ قَالَ وَحَسْب: "صَلُّوا لأجلي لكي أفتَحَ فَمي، ولكي أَجِدَ بَابًا للكلمة". بِمُجاهَرَة.
ولم يَتغيَّر أيُّ شَيءٍ يا أحبَّائي. فإن رَجعتُم إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، وإلى الوقتِ الَّذي وُلِدَتْ فيهِ الكنيسة، سَتَجِدونَ أنَّ أوَّلَ اجتماعِ صَلاةٍ، ومَا حَدَثَ في اجتماعِ الصَّلاةِ ذَاكَ، وَطِلباتِ الصَّلاةِ الَّتي صَلُّوها مُدَوَّنة في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 4: 29. وَقد عَقَدوا اجتماعاتَ صَلاةٍ أخرى. وَلكنَّ أوَّلَ مَرَّةٍ نَعرِفُ فيها مَا صَلُّوا لأجلِهِ هِيَ تلكَ المُدَوَّنة في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 4: 29: "وَالآنَ يَا رَبُّ، انْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ". يا رَبُّ، إنَّ البَلدةَ بأسرِها تُهَدِّدُنا. "وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَخرُجوا مِن هذهِ الوَرطةِ أحياء". لا، إنَّهُم لا يَقولونَ ذلك، بَل يَقولون: "وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ".
وفي العَدد 31: "وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ. وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ. وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ".
إذًا، كانت أوَّلُ طِلبةِ صَلاةٍ نَعرِفُ عَنها في الكنيسةِ الأولى هِيَ طِلبةٌ لأجلِ التَّكلُّم، وطِلبةٌ لأجلِ المُجَاهَرة، وطِلبة لأجلِ الإعلان. فَفَمُ الإنسانِ الجَديدِ يَنبغي أن يَتكلَّمَ بالإنجيل. وَلَطالَما قُلت إنَّ المَسيحيِّينَ، وَيا للأسَف، يُشبِهونَ النَّهرَ الشَّمالِيَّ المُتَجَمِّدَ عِندَ مَصَبِّهِ. فَلِسَبَبٍ مَا، رُبَّما بسببِ الرَّدْعِ أوِ الخَوفِ، فَقَدنا إحسَاسَنا بأهميَّةِ الكِرازَةِ مَا لم يَكُن هُناكَ مَن يَحْفِزُنا وَيَدفَعُنا ويُشَجِّعُنا على القيامِ بذلكَ باستمرار.
ولكِن يوجدُ شَيءٌ رائعٌ يَحدُثُ هُنا في كَنيسَتِنا. فهُناكَ خِدمة كِرازَة رائعة. وقد رَأينا أُناسًا يَأتونَ إلى المَسيحِ أسبوعًا تِلوَ الآخرِ تِلوَ الآخر. وكَثيرونَ مِنكُم لا يَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَن ذلك. وقد قالَ لي "جيم جورج" (Jim George)، المَسؤولُ عَن هَذِهِ الخِدمةِ، قَالَ لي ذَاتَ يَومٍ: أتَدري يا جون أنَّنا نُصَلِّي إلى اللهِ ونَطلُبُ مِنهُ أن يُعطينا ثَلاثينَ رَجُلاً... ثَلاثينَ رَجُلاً مُستعدِّينَ للحُصولِ على التَّدريبِ والذَّهابِ اثنين اثنين"، أو بأيَّة طَريقة أخرى، رُبَّما ثَلاثة ثَلاثة، كَي يَربَحوا النَّاسَ إلى المَسيح. وَقد قال: "أَلاَ صَلَّيْتَ مَعَنا وَطَلَبْتَ مِنَ اللهِ أن يُعطينا هَؤلاءِ الرِّجال الثَّلاثين؟" قُلتُ: "سَأفعَل". ونَرجو أن يُوْجَدَ في هَذِهِ الكنيسةِ الَّتي تَضُمُّ أربعةَ آلافِ شَخصٍ ثَلاثونَ شَخصًا يُبدونَ الاستِعدادَ ويَنتهِزونَ الفُرصةَ للكِرازةِ بالإنجيل.
وَأنا أَعلمُ كيفَ كَانَ يَشعُرُ بولسُ لأنِّي أُجَاهَدُ في نَفسِ المَعركة. فأنا أَعرفُ مَعنى أن تَرغبَ أكثرَ مِن أيِّ شَيءٍ آخرَ أن يُفْتَحَ بَابُ الكِرازةِ بكلمةِ اللهِ، وَأن تُتاحَ فُرصةٌ للتكَلُّم. ولكِنَّكَ تَشعُرُ بِخَوفٍ رَهيبٍ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلكَ بِقُوَّتِك. وَهَذا يُشبِهُ مَا حَدَثَ لِمُوسَى. فقد قالَ اللهُ لِمُوسَى: "مُوسَى، تَكَلَّم نِيابَةً عَنِّي". فَقالَ مُوسَى: "لا أستطيع. أنا ثَقيلُ اللِّسان. ماذا سأفعل؟" فَقالَ اللهُ: "مَنِ الَّذي خَلَقَ فَمَكَ؟" بعبارةٍ أخرى فإنَّ اللهَ يَقول: "إن كُنتُ أنا مَن خَلَقْتُهُ، يُمكنُني أن أَجعَلَهُ يَعمَل. ثِقْ بي وَحَسْب". وَكانَ إرْميا يُواجِهُ نَفسَ المُشكلة. فقد قَالَ إرْميا: "إن كُنتَ تَظُنُّ أنِّي سأنخَرِط في هذهِ الخِدمةِ يَنبغي لكَ أن تُفَكِّرَ مِن جَديد لأنِّي يا رَبُّ لا أقدرُ أن أتكلَّم". فقالَ الرَّبُّ: "لا تَقلَق بِهذا الشَّأن. يُمكِنُني أن أفعلَ ذلكَ مِن خِلالِك".
لِذا فإنَّ بولُسَ يَقول: "انظروا! لا يُمكنُني أن أفعلَ ذلكَ مِن ذَاتي. لِذا، يَنبغي أن يَفتَحَ الرَّبُّ لي بَابًا للكلمة". والبابُ في العهدِ الجديدِ يُشيرُ إلى الفُرصَة. وفي العَددِ التَّاسِعِ مِن رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاح 16 يَقولُ بولُس: "وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُسَ إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ، لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ عَظِيمٌ فَعَّالٌ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقول: "سوفَ أبقى قَليلاً في أفسُس. فالأمورُ جَيِّدةٌ جدًّا هُنا. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّ البَابَ مَفتوحٌ على مِصراعَيْه". والبَابُ يَعني الفُرصة. والسَّببُ في أنَّهُ أَطالَ المُكوثَ في أفسُس (إذْ إنَّهُ مَكَثَ فيها أكثرَ مِن سَنَتَيْن، بَلْ نَحْوَ ثَلاث سِنين) هُوَ أنَّ الفُرصةَ كَانت عَظيمةً جدًّا. "لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ".
وَالآن، كانَ اللهُ قَد أغلَقَ بِضعةَ أبوابٍ في حَياةِ بُولُس. فَإن قَرأتُم مَا جاءَ في الأصحاحِ السَّادس عشر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل ستَجدونَ أنَّهُ حَاوَلَ أن يَذهبَ إلى أَسِيَّا الصُّغرى ولكِنَّ الرَّبَّ أَوقَفَهُ. وَقد حَاوَلَ أن يَذهبَ إلى بِثِينِيَّة ولكِنَّ الرُّوحَ مَنَعَهُ. لِذا فقد أغلَقَ الرَّبُّ أبوابًا. وَقَد عَلِمَ بولسُ ذلك.
ولكِنَّ الرَّبَّ فَتَحَ أبوابًا أيضًا. فَقد أُغلِقَ البَابُ في وَجْهِ بُولُسَ للذَّهابِ شَرقًا لأنَّهُ كَانَ هُناكَ أصلاً. وقد أُغلِقَ البابُ للذَّهابِ جَنوبًا لأنَّ الرُّوحَ مَنَعَهُ. وَقد أُغلِقَ البابُ للذَّهابِ شَمالاً. لِذا، كانَ الطَّريقُ الوَحيدُ المُتاحُ لَهُ هُوَ الغَرب. لِذا فقد ذَهَبَ غَربًا ووَصَلَ إلى بَحْرِ إيْجَه وقال: "والآن، ماذا أفعلُ يا رَبّ؟". "وَظَهَرَتْ لِبُولُسَ رُؤْيَا فِي اللَّيْلِ: رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا!". وَقَد فَتَحَ اللهُ البَاب. لِذا فقد كانَ بولسُ مُعتادًا على أنَّ اللهَ قَد يَفتَحُ وَقَد يُغلِقُ أبوابَ الفُرَص. وكَما تَرَوْنَ، هَذا هُوَ عَملُ الله. وبُولسُ يَقولُ: "صَلُّوا وَحَسْب أن يُعطِني اللهُ بَابًا مَفتوحًا للكلمة". ويجب عليكم أن تَعرِفوا، يا أحبَّائي، أنَّ هَذا هُوَ كُلَّ مَا يَنبغي أن تُصَلُّوا لأجلِهِ إنْ كَانَت لديكُم الشَّجاعَةَ للقِيامِ بذلك. صَلُّوا وَحَسْب أن يَفتَحَ اللهُ أبوابًا. صَلُّوا لأجلِ الفُرَص.
والأمرُ يَتطلَّبُ شَجاعَةً للقِيامِ بذلك لأنَّكُم سَتَحصُلونَ على تلكَ الفُرَصِ إن صَلَّيتُم لأجلِها. وسوفَ تَشعرونَ بالمسؤوليَّة. فاللهُ يَعْمَلُ على فَتْحِ الأبواب. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 3: 7 مَا يَلي: "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي فِيلاَدَلْفِيَا: هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ [أيِ المَسيح] وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ". فعِندَما يُغلِقُ الرَّبُّ بَابًا فإنَّهُ يُغلَقُ. وعِندَما يَفتَحُ اللهُ بَابًا فإنَّهُ يُفْتَحُ. وَهُوَ يَقولُ: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا". ورُبَّما تَعتقدونَ أنَّهُ يَتكلَّمُ عَن كَنيسةِ البَابِ المَفتوحِ في لوس أنجليس! لا، بَل إنَّ كَنيسةَ البَابِ المَفتوحِ هِيَ في فيلادَلْفيا. لا في مَدينةِ فيلادِلفيا بولايةِ بنسلفانيا، بل في مَدينةِ فيلادَلْفيا بأسِيَّا الصُّغرى.
فهذهِ هيَ أوَّلُ كَنيسةِ بَابٍ مَفتوح. فَقد أعطاهُمُ اللهُ بَابًا مَفتوحًا وقال: "لَن يَتمكَّنَ أَحَدٌ مِن إغلاقِ البابِ إنْ فَتَحْتُهُ أنا. أمامُكُم بابٌ مَفتوحٌ للكلمة. وَكُلُّ مَا أطلُبُهُ مِنكُم هُوَ أن تُنادُوا بِها". وأوَدُّ أن أقولَ إنَّ أفضلَ نَظيرٍ للكنيسةِ في فيلادَلفيا هُوَ كَنيسة "غريس" (Grace Community Church) أو أيَّة كَنيسة أخرى في بَلَدِنا. فيجب أن تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّهُ يُوجَدُ لَدينا بَابٌ مَفتوح. أليسَ كذلك؟ فَلا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يَمنَعَنا مِنَ الكِرازة. أليسَ كذلك؟ وَلا يُوجَد قَانونٌ يَمَنعُنا مِن ذلك. ولا يُوجَد شَيءٌ يَحُوْلُ دُونَ قِيامِنا بذلك سِوى تَكاسُلِنا نَحنُ، وَعَدَمِ أمانَتِنا نَحنُ، وَإرادَتِنا الذَّاتِيَّة. فَفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني عَشَر، كانَ الرُّومانُ قَد أَوْصَدُوا أبوابَ السِّجنِ وَوَضَعُوا حُرَّاسًا على بُطرس، ولكِنَّ الرَّبَّ فَتَحَ البابَ لأنَّهُ أرادَ مِنهُ أن يَكرِز.
وفي الأصحاحِ الرَّابع عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل تَعَرَّضَ بُولُسُ للضَّربِ والرَّجْمِ في لِسْتِرَة، ولكِنَّ اللهَ أَقامَهُ وَأرسَلهُ مَرَّةً أخرى إلى البَلدة لأنَّهُ أرادَ مِنهُ أن يَكرِز. وَقد عَادَ [هُوَ وَتُوما] إلى الإخوةِ في أنطاكِيَة "وَأخبَرا الكنيسةَ "بِكُلِّ مَا صَنَعَ اللهُ مَعَهُمَا، وَأَنَّهُ فَتَحَ لِلأُمَمِ بَابَ الإِيمَان". وَقَد فَتَحَ اللهُ بَابًا لَنا. وَدَوْرُنا هُوَ أن نَفتَحَ أفواهَنا ونَتكلَّم. فَكلامُ الإنسانِ الجَديدِ هُوَ كَلامُ إعلان. ويجب أن تَعلَموا أنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَبذُلوا جُهدًا. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّ البَابَ قَد يَكونُ مَفتوحًا، ولكِن يَجِبُ عليكُم أن تَدفَعوهُ قَليلاً. جَاءَ شَابٌّ مِنَ الرِّيفِ للتَّقَدُّمِ لوظيفةٍ في المَدينةِ الكبيرة. وَقد دُهِشَ جدًّا مِنَ البِنايةِ الكَبيرةِ الَّتي دَخَلَها وذَهَبَ إلى المُوَظَّفِ المَسؤولِ وَجَلَسَ لإجراءِ مُقابلتِه فقالَ لَهُ المُوَظَّف: "هَل لَديكَ شِعارٌ في الحَياةِ أيُّها الشَّابّ؟" قال: "أجل يا سَيِّدي، إنَّهُ نَفسُ شِعارِكُم". "مَاذا تَقصِدُ يا بُنَيّ؟" قَال: "لَقد رأيتُهُ على البَابِ يا سَيِّدي. ادفَع".
وَهَذا شِعارٌ جَيِّد: "ادفَع". فَقد يَكونُ البَابُ مَفتوحًا. وسوفَ تَعلَمُ إن لَم يَكُن كذلك. وَبولُسُ يَدفعُ هُنا ويقول: "يا رَبّ، أرجو أن يَكونَ هَذا البابُ مَفتوحًا". لاحِظوا أنَّ الكلمة "للكَلامِ" هُناكَ في رِسالةِ كُولوسي تَعني في الحَقيقة: "للكَلِمَة". فَهُوَ يَقولُ: "لِيَفْتَحَ الرَّبُّ لَنَا بَابًا للكَلِمَة". وأنا أُحِبُّ حَقيقةَ أنَّ بولسَ لم يُفَكِّر يَومًا في مُشارَكَةِ رَأيِهِ الشَّخصِيِّ، بَل إنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ دائِمًا الكلمة. وهَل تَعلَمونَ حَقيقةَ مَشاعِري تُجاهَ ذلك؟ هُناكَ شَيءٌ واحِدٌ ستَحصُلونَ عليهِ عندما تَأتونَ إلى كَنيسةِ "غريس" (Grace Church) وَهُوَ الكلمة لأنَّ هَذا هُوَ مَا نَفعلُهُ هُنا إذْ إنَّنا نُعَلِّمُ الكلمة. ومَا الَّذي كانَ يُعَلِّمُهُ عَنها؟ انظروا إلى العَددِ الثَّالث: "لِنَتَكَلَّمَ بِسِرِّ الْمَسِيح". وَقَد دَرَسْنا مَا يَكفي لِمَعرفةِ مَا هُوَ سِرُّ المَسيح. فَهُوَ كُلُّ الإنجيل، وكُلُّ مَا يُجَسِّدُه.
إنَّها كُلُّ تلكَ الأسرارِ المُقَدَّسة الَّتي كانَت مُخَبَّأةً في العهدِ القديمِ وأُعلِنَت في العهدِ الجديد. وَهِيَ كُلُّ الحَقائقِ المُختصَّةِ بيسوعَ المَسيحِ وَبأنَّهُ يَسكُنُ في المُؤمِن. فَهُوَ هُوَ سِرُّ سُكْنَى المَسيح (كَما جاءَ في رِسالة كُولوسي 1: 26 و 27). وَهُوَ السِّرُّ المُختصُّ بأنَّهُ اللهُ المُتَجَسِّدُ. فَهُوَ سِرُّ التَّجَسُّدِ (كَما جَاءَ في رِسالة كُولوسي 2: 2 و 3). وَهُوَ سِرُّ الاختطافِ؛ أيْ أنَّ يَسوعَ سيَعودُ مِن أجلِ كَنيسَتِهِ (كَما جَاءَ في رِسالةِ كورنِثوسَ الأولى 15: 51 و 52). وَهُوَ سِرُّ العَروسِ؛ أيْ أنَّهُ سَيَتَّحِدُ بِنا بطريقةٍ أبديَّة بِصِفَتِنا عَروسَهُ وَمَوضوعَ مَحَبَّتِهِ (كَما جَاءَ في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن رِسالةِ أفسُس). وَهُوَ سِرُّ الإثْمِ؛ أيْ أنَّهُ سيأتي ويَضَعُ حَدًّا لِكُلِّ إِثْم (كَما جاءَ في رِسالةِ تسالونيكي الثَّانية 2: 7). فَكُلُّ هذهِ الأسرارِ المُقَدَّسَةِ أُعلِنَت في العهدِ الجديدِ في إنجيلِ المَسيح.
وَهُوَ سِرُّ الكَنيسةِ الواحِدَةِ الَّتي تَضُمُّ يَهودًا وأُمَمًا إذْ إنَّ الكُلَّ وَاحِدٌ فيه. بعبارةٍ أخرى فإنَّ بولسَ يَقول: "صَلُّوا لأجلي لكي يَفْتَحُ اللهُ لي بَابَ الكلمة لكي أقولَ كُلَّ الحَقِّ المُختصِّ بإنجيلِ يَسوعَ المسيح". وَهذا مُهِمٌّ جدًّا. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الرَّابع: "كَيْ أُظْهِرَهُ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ". لاحِظُوا الكلمة "يَجِب". فَقد كانَ هُناكَ وَاجِبٌ إلهِيٌّ في حَياتِه. اقرأوا رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل إذْ يَقولُ: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ". وَفي وَقتٍ سَابقٍ كانَ قَد قَال: "يَجِبُ عَليَّ أن أتكلَّم. فَأنا مَحصورٌ بأن أتكلَّم. وَأنا مَديُون". أتَذكرونَ ذلك؟ "لليَهودِ وَالأُمَم". وَلا شَكَّ في أنَّكُم تَذكُرونَ مَا جَاءَ في رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ التَّاسِعِ، في ذلكَ المَقطعِ الرَّائعِ، إذْ إنَّهُ يَقول: "فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ".
فَهُوَ لا يُبالي بِحُرِّيَّتِه طَالَما أنَّهُ حُرٌّ في قَولِ مَا يُريد. وَهُوَ يُريدُ أن يَفعلَ ذلكَ بالطَّريقةِ الصَّحيحة. "أريدُ أن أفعلَ ذلكَ بالطَّريقةِ المَطلوبة، وأريدُ أن أُعلِنَ الإنجيلَ كَما يَنبغي أن يُعلَن. فأنا أريدُ أن أتكلَّمَ بِمِلْءِ ذلكَ السِّرّ". اسمَعوني يا أحبَّائي: اللهُ يُريدُ مِنكُم أن تُعلِنوا المَسيحَ؛ ولكِنَّهُ يُريدُ مِنكُم أن تُعلِنوا المَسيحَ كَما يَنبغي. وأنا أَرى فِكْرَتَيْنِ في تلكَ العِبارةِ الَّتي يَقولُها فيها: "كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ" وَهُما: فِكرةُ وُجوبِ القِيامِ بذلك، وَفِكرةُ قَولِ ذلكَ بالطَّريقةِ الصَّحيحة. وَأخشى أحيانًا أنَّ الرِّسالةَ الجَيِّدَةَ الَّتي تُعلَنُ بطريقةٍ مَغلوطَةٍ سَتَترُكُ تَأثيرًا شَبيهًا بتأثيرِ الرِّسالةِ الرَّديئَة. لِذا فإنَّ بُولسَ يُريدُ مِنهُم أن يُصَلُّوا لأجلِ دَافِعِهِ؛ أيْ لكي يَتكلَّمَ كَما يَجِبُ أن يَتكلَّمَ، ولكي يَفعلَ ذلكَ بالطَّريقةِ السَّليمةِ، وَلكي يَتكلَّمَ بالطَّريقةِ الَّتي يَنبغي التَّكَلُّمُ بها عَنِ الإنجيل.
في كُلِّ مَرَّةٍ نَعقِدُ فيها مُؤتمرًا للرُّعاةِ فإنِّي أُحَذِّرُ الرُّعاةَ مِنَ الطَّريقةِ الَّتي يُقَدِّمونَ فيها الإنجيل. فَمِنَ السَّهلِ جدًّا أن تُقَدِّمُوا شَيئًا أَقَلَّ مِنَ الإنجيل، وَأن تَطلُبوا مِنَ النَّاس أن يُكَرِّسُوا حَياتَهُم لشيءٍ لا يَفهَمونَهُ. فَفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20، عندما تَكَلَّمَ بولسُ عنِ الطَّريقةِ الَّتي يَكرِزُ بها قَال: "أَشْهَد". وَقدِ استَخدَمَ الكلمةَ اليونانِيَّةَ "دِيَامَارتُورومَاي" (diamarturomai) ومَعناها: يُقَدِّمُ شَهادَةً دَقيقةً وَكاملةً عَنِ التَّوبةِ إلى اللهِ والإيمانِ بالرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. بعبارةٍ أخرى: أنا أُقَدِّمُ شَهادَةً دَقيقةً، لا كِرازَةً مَنقُوصَةً. وأنا أَقولُ للرُّعاةِ: "احذَرُوا مِن ثَلاثةِ أمورٍ في الكِرازَة: أوَّلاً، احذَرُوا مِنَ الكِرازَةِ المَبنيَّةِ على الاختبارات. فَإن فَعلتُم ذلكَ فإنَّكُم لا تَكرِزونَ البَتَّة بالإنجيل، بَل إنَّكُم تَسمَحونَ وَحَسْب لشخصٍ أن يَحكي كيفَ أنَّ حَياتَهُ تَغَيَّرت.
وَأَذكُرُ أنَّني رأيتُ وَرَقَةً وَصَلَتْ إلى مَكتبِ الكنيسةِ، ونحنُ نَتَسَلَّمُ الكَثيرَ مِن هذهِ الأوراق. فَهُمْ يُرسِلونَ بالبَريدِ، كُلُّ هَيئةٍ مَسيحيَّةٍ في البَلَدِ تُرسِلُ نَشْرَتَها ومَعلوماتِها. ولكِنَّني رأيتُ وَرَقَةً كُتِبَ عليها: "كَيفَ تَبني خِدمَةَ مَساءِ الأحد". وَهِيَ تَقول: "اطلُب مِن أشخاصٍ غُرباءَ ومُختَلِفينَ أنْ يَشهَدُوا". وَهِيَ تَقتَرِحُ إحضارَ سَيِّدَةٍ قَزَمَةٍ لا يَزيدُ طُولُهَا عَن مِتْرٍ كَيْ تُدلي بِشَهادَتِها بِأسلوبٍ مُفعَمٍ بالحَياة، وإحضارَ سَيِّدَةٍ تَضَعُ وُشُومًا، وَإحضارَ شَخصٍ ذِي حُضورٍ قَوِيٍّ لكي تُقَدِّمُوا عَرْضًا مُغْرِيًا. وأنا مَسرورٌ مِن أجلِ تلكَ السِّيِّدَةِ الَّتي لا يَزيدُ طُولُها عَن مِتْر.
ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لكُم إنَّ واحِدًا مِنَ الأخطارِ المُحْدِقَةِ بالكِرازَةِ هُوَ أنْ تَدَعَ النَّاسَ يَتجاوَبونَ مَعَ شَهادَةٍ وليسَ مَعَ مَعلوماتٍ دَقيقةٍ عنِ الإنجيلِ حَتَّى إنَّهُم لا يَعلَمونَ مَا الشَّيءُ الَّذي يَتجَاوَبونَ مَعَهُ، بَل يَتجاوبونَ وَفقًا لمَشاعِرِهم. فَقد يأتي شَخصٌ لاحقًا ويَقولُ لأحدِ هَؤلاء: "أريدُ أن أُحَدِّثَكَ عَنِ المَسيح"، فَيَرُدُّ عَليهِ قَائِلاً: "لَقد جَرَّبْتُ ذلكَ ولم يَنجَح". أمَّا الشَّيءُ الثَّاني الَّذي يَنبغي لَكُم أن تَتَجَنَّبوهُ فَهُوَ الكِرازةُ المَبنِيَّةُ على مَا يُريدُهُ النَّاسُ أوِ الكِرازَةُ القَائِمَةُ على القَولِ للشَّخص: "أَلاَ تَرغبُ في الحُصولِ على هَذا الشَّيء؟" أو "ذاكَ الشَّيء" أو "ذَاكَ الشَّيء؟" أو "ذَاكَ الشَّيء؟" أَلاَ تُحِبُّ كَذا؟" أَلاَ تُحِبُّ كَذا؟ ألَن يَجعلَكَ هَذا الأمرُ سَعيدًا؟" وَقَد تَلَقَّيتُ يَومًا مُكالمةً هَاتِفيَّةً مِن سَيِّدَةٍ قَالَت لي: "لَقد حَدَثَ مَعي أسوأ شَيءٍ يُمكِنُ أن يُخطُرَ بِبَالِ إنسان.
"لَقد حَاولتُ أن أقودَ سَيِّدةً إلى المَسيح. وَقد كانت لَديها مَشاكِل كَثيرة. وكانت إنسانةً حَيَّةَ الضَّميرِ جدًّا وعَزيزةً جدًّا على قَلبي. وَقَد قُلتُ لها: "المَسيحُ يَستطيعُ أن يَحُلَّ مَشاكِلَكِ، والمَسيحُ يَستطيعُ أن يُعالِجَ مَشاكِلَ حَياتِكَ الزَّوجِيَّة، والمَسيحُ يَستطيعُ أن يُعيدَ إليكِ ابنَكِ [الَّذي كَانَ يَتعالَجُ في مُستشفى الأمراضِ النَّفسيَّة]. المَسيحُ يَستطيعُ أن يَفعلَ كُلَّ هذهِ الأشياءِ لَكِ". وَقَد قَبِلَتِ المَسيح. وَمَنْ لا يَقبَلُهُ في مثلِ هذهِ الأحوال! وبعدَ أسبوعَيْن، عَادَت تلكَ السَّيِّدة وَألقَتْ يَسوعَ في وَجْهِ هذهِ السَّيِّدة قَائِلَةً: "يَسوعُكِ لا يَعمَل". أَتَرَوْن؟ وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُ ليسَ مِنَ العَدلِ في شَيء أن تَفعلوا ذلك. فأنا أعرِفُ شخصًا نَالَ الخَلاصَ فابتدأتِ المَتاعِبُ في حَياتِه. لِذا، لا تَعِدُوا النَّاسَ بذلك. فَهذا ليسَ الإنجيل.
إذًا، تَجَنَّبُوا الكِرازَةَ القَائمةَ على الاختباراتِ، وتَجَنَّبُوا الكِرازَةَ المَبنِيَّةَ على مَا يُريدُهُ النَّاسُ، وأيضًا: تَجَنَّبُوا الكِرازةَ السَّريعَةَ الَّتي تَطْلُبونَ فِيها مِنَ الآخرينَ أن يُكَرِّسُوا أنفسَهُم بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَعرِفونَهُ. تَيَقَّنْ مِن عَدَمِ استِعجالِهم على اتِّخاذِ قَرار. فأنا أتذكَّرُ دَائِمًا شَخصًا مِن إحدى الكَنائِسِ أَحضرَ إليَّ نُسخةً مِن مَجَلَّةِ "هوليوود ريبورتر" (Hollywood Reporter) تَحوي إعلانًا عن "ديزنيلاند" (Disneyland) الكِتابِيَّةِ الَّتي كَانُوا يُحاوِلونَ أن يَبنوها. فَكما تَعلَمونَ، لَقَدْ بَنَوْا كُلَّ تلكَ الأشياءِ الجُنونِيَّةِ، وكانُوا يُفَكِّرونَ في بِناءِ "ديزنيلاند" كِتابيَّة بِكُلفَةِ سِتَّةٍ وعِشرينَ مَليون دُولار. وَذاتَ مَرَّة، كُنتُ أتحدَّثُ عن ذلكَ أمامَ مَجموعةٍ مِنَ الرُّعاةِ، وكانَ الشَّخصُ المَسؤولُ عَن ذلكَ المَشروعِ مَوجودٌ هُناك. ولَا يُمكِنُني يَومًا أن أنسَى ذلك. فَما قُلتُهُ لم يَرُقْ لَهُ البَتَّة. ويَبدو أنَّهُ كانَ قَد أخبرَ الرُّعاةَ عَن ذلك. وَأنا أرى هذهِ الأشياءَ تَحدُثُ بينَ الحِينِ والحِين. ولكن على أيَّةِ حَال، يَجِبُ عَليكُم أن تَحذَروا مِن ذلك.
كانَ هَذا الشَّخصُ يُحاولُ أن يَبني "ديزنيلاند" كِتابِيَّة، وكانَ قَد وَضَعَ إعلاناتٍ في مَجَلَّةِ "هوليوود ريبورتر"، وَهِيَ مَجَلَّةٌ تِجارِيَّةٌ لِصِناعَةِ الأفلام. وَكانَ يُحاولُ أن يُوَظِّفَ أشخاصًا لتَنفيذِ هَذا المَشروع. وَكانَ الأمرُ جَادًّا جدًّا. وَكانَ يَدفعُ مَبالغَ طَائِلَة على الإعلانات. وكانُوا بحاجةٍ إلى أشخاصٍ مُعَيَّنينَ لتَصميمِ البَحرِ الأحمرِ وَجَعلِهِ يَنْشَقّ. وَقد أرادُوا شَخصًا طُولُهُ مِتران وعَشْرة سنتمترات على الأقلّ لكي يَقومُ بِدور "جُلْيات". وكانُوا يُريدونَ صَبِيًّا بَارِعًا في رَمْيِ المِقلاع، وكُلِّ تلكَ الأشياء. فَقد كَانُوا بِحاجَةٍ إلى كُلِّ أنواعِ الأشياءِ الكَبيرةِ والصَّغيرة. وَقد أرادُوا شَخصًا يُصَمِّم حُوْتًا. فَقد كانُوا يُفَكِّرونَ في تَصميمِ رِحْلةٍ في جَوفِ حُوت. وَلا أدري مَاذا كانُوا يَفعلونَ، ولكِنَّهُ كَانَ شَيئًا جُنونِيًّا. ولكِنَّ الشَّيءَ الرَّئيسيَّ الَّذي صَدَمَني تَمامًا وَأنا أقرأُ ذلكَ في السَّاحَةِ الخَارِجيَّة... لن أنْسَى ذلك! فقد كُنتُ في الخَارِجِ أقرأُ ذلكَ الإعلان.
يَقولُ الإعلان: "مَطلوب! رَجُلٌ طَويلٌ ذُو بَشَرةٍ غَامِقَة، وَوَسيمٌ، وطُولُهُ لا يَقِلُّ عَن مِتْرٍ وثَمانين سنتمترًا لكي يُمَثِّلَ دَوْرَ يَسوع. ويجب أن يَعرفَ المَبادئَ الرُّوحيَّةَ الأربَعَة". لا يُوجَد خَلَل في المَبادئِ الرُّوحيَّةِ الأربعةِ، ولكِن الخَلَلَ يَكْمُنُ في أنْ يَظُنَّ العَالَمُ أنَّ هَذا هُوَ كُلُّ ما يَعرِفُهُ يَسوع. فَقد كانُوا يَهْتَمُّونَ بِتَقديمِ رِسالةٍ سَريعةٍ دُونَ أن يَهتَمُّوا بالرِّسالةِ كَامِلَةً. لِذا، تَجَنَّبُوا الكِرازةَ القائمةَ على الاختباراتِ الشخصيَّة، وتَجَنَّبوا الكِرازةَ القائِمَةَ على مَا يُريدُهُ النَّاس، وتَجَنَّبوا الكِرازةَ السَّريعَة. لا تَسْعَوْا البَتَّة إلى التَّكريسِ، ولا تَسْعَوا البَتَّة إلى حَلِّ مَشاكِلِ النَّاسِ، ولا تُحاوِلوا أن تَجعَلوا شخصًا يَقبلُ المَسيحَ لِمُجَرَّد أنَّكُم قَبِلتُموه. قَدِّمُوا لَهُم الحَقَّ كَامِلاً لكي يَأخُذوا قَرارًا وَاعِيًا قَائِمًا على كُلِّ الشَّهادَةِ المُختصَّةِ بالمَسيح. وهذا هُوَ مَا يُخْطُرُ ببالي حَقًّا عندما أقرأُ العَددَ الرَّابع: "كَيْ أُظْهِرَهُ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ".
فأنا أريدُ أن يَكونَ هذا الإنجيلُ ظَاهِرًا. والكلمة "أُظْهِرَهُ" تَعني: "أَجْعَلُهُ وَاضِحًا" كَما يَنبغي أن يَكونَ وَاضِحًا. لِذا فإنَّ بُولسَ يَقول: "مُصَلِّينَ...لِيَفْتَحَ الرَّبُّ لَنَا بَابًا لِلْكَلاَم". إذًا، الإنسانُ الجَديدُ يَتكلَّم كَلامَ صَلاة، وكَلامَ إعلان. ثالثًا، كَما جاءَ في العَددِ الخَامِس: الإنسانُ الجَديدُ يَتكلَّم كَلامَ أَداء – كَلامَ أَداء. وهَذا بَعيدٌ قَليلاً عَنِ الفَمِ، ولكِنَّهُ في الحَقيقةِ أَهَمُّ كَلامٍ بالمُطلَق. ولن نَصرِفَ وَقتًا طَويلاً في التَّحدُّثِ عَنهُ، ولكنِ اسمَحُوا لي أن أُكَلِّمَكُم عن ذلكَ بإيجاز إذْ نَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "اُسْلُكُوا بِحِكْمَةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عن كَلامِ الأداء، أوْ إن شِئتُم: كَلامَ السُّلوك.
هَل تُريدونَ أن تَعلَموا شَيئًا؟ إنَّ أَهَمَّ شَيءٍ تَقولُهُ هُوَ ليسَ مَا تَتَفَوَّهُ بِهِ، بَلْ هُوَ شَخصيَّتُك الحَقيقيَّة. أليسَ كَذلك؟ لأنَّ شَخصيَّتَكَ الحَقيقيَّةَ هِيَ الَّتي تُعطي مِصداقِيَّةً لِما تَقول. هُناكَ قَوْلٌ قَديمٌ كانَ أبي يُرَدِّدُهُ دائمًا عندما كُنتُ صَبِيًّا يَافِعًا وَهُوَ: "صَوْتُ حَياتِكَ عَالٍ جدًّا حَتَّى إنِّي لا أستطيعُ أن أَسمَعَ مَا تَقول". وَهَذا هُوَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ مَا يَتَحدَّثُ عنهُ بولسُ هُنا. "اسْلُكوا". انظروا إلى العَددِ الخَامِس: "اسْلُكُوا". "اسْلُكُوا". وَتَذَكَّروا أنَّ السُّلوكَ يَأتي قَبلَ الكَلام. السُّلوكُ يأتي قَبلَ الكَلام. وَهُوَ يَقولُ: "اُسْلُكُوا بِحِكْمَة". وَما هِيَ الحِكمَة؟ التَّقييمُ السَّليمُ للظُّروفِ وَاتِّخاذِ القَراراتِ المَرْضِيَّةِ أَمامَ الله. اسلُكوا بِنَمَطِ حَياةٍ مَسيحيٍّ مَدروسٍ بِعِنايَة وَمُتَّسِق. وإن كانَ لَديكُم أيُّ سُؤالٍ عَن نَوعيَّةِ ذلكَ السُّلوك، يُمكِنُكم أن تَنظُروا وَحَسْب إلى رِسالة أفسُس والأصحاحات 4 و 5 و 6 إذْ إنَّها تُجيبُكُم عن ذلك.
"اسْلُكُوا بِحِكمَة". ويُمكِنُنا أن نَسلُكَ بحِكمة لأنَّنا نَمْلِكُ تلكَ الحِكمةَ الرَّئيسيَّة. وَقد رأينا ذلكَ في رِسالة كُولوسي 1: 9: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا، مُنْذُ يَوْمَ سَمِعْنَا، لَمْ نَزَلْ مُصَلِّينَ وَطَالِبِينَ لأَجْلِكُمْ أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً". فَقد نِلتُم الخَلاصَ، وَقد نلْتُم حِكمةً. ويجبُ عليكم أن تَمتلِئوا بتلكَ الحِكمةِ لِتَسلُكوا فيها. فيجب أن تَعلَموا أنَّ المُؤمِنَ قَد يَسلُكُ كَالأحمَق. وعندما يُحاولُ أن يَتكلَّم، لن يُصَدِّقَهُ أَحَد، وَلن يَسمَعُهُ أحَد، ولن يُصْغِ إليهِ أحَد. فقد أُعطينا حِكمةً، ولكِنَّنا قَد نُديرُ لَها ظُهورَنا أحيانًا.
وقَد تَقول: "حسنًا! ولكِن كيفَ يُمكِنُ للمُؤمِنِ أن يَتصرَّفَ بِحَماقَة؟" إنَّ واحِدَةً مِنْ طُرُقِ التَّصَرُّفِ بِحَماقَةٍ هِيَ تلكَ المَذكورة في الرِّسَالةِ الأولى إلى تيموثاوس 6: 9: "وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ". فواحدةٌ مِنَ طُرُقِ التَّصَرُّفِ بِحَماقَةٍ هِيَ أن تَعيشَ لأجلِ المَال. فَمِن شَأنِ ذلكَ أن يُشَوِّشَ شَهادَتَكَ إلى الحَدِّ الَّذي لا يَعودُ فيهِ أيُّ شَخصٍ يَفهَمُ مَا تَقول. وهُناكَ طَريقةٌ أخرى للتَّصَرُّفِ بِحَماقَةٍ وَهِيَ أن تُحاوِلَ أن تَعيشَ الحَياةَ المَسيحيَّةَ نَامُوسِيًّا. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ غَلاطِيَّة 3: 1: "أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟" وفي العَدد 3: "أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ [بِماذا؟] بِالْجَسَدِ؟" هَل تُريدُ أن تَكونَ أحمق؟ إذًا، اسلُك بالجَسَد، أوِ اعمَل بالجَسد، أو اعمَل بِقُوَّتِكَ الشَّخصيَّة، أو عِشْ لأجلِ المَال. فهُناكَ بِضعُ طُرُقٍ يَستطيعُ المُؤمِنُ مِن خِلالِها أن يَعيشَ كَالأحمَق.
وهُناكَ طَريقةٌ أخرى وَرَدَتْ في رِسالةِ يَعقوب والأصحاحِ الثَّالث إذْ يَقول: "مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ؟" سَأُخبِرُكم مَن؟ إنَّهُ ذاكَ الَّذي يُظْهِرُ "أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَن". فَهل تَعلَمونَ كَيفَ يُمكِنُكم أن تُمَيِّزوا الإنسانَ الحَكيم؟ مِن خِلالِ تَصَرُّفِه. "وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ" فإنَّ تلكَ ليسَت حِكمَة، بَل هِيَ حَماقَة. "هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ". وَهَكذا فإنَّنا نَرى طَريقةً أخرى يُمكِنُ للمُؤمِنِ مِن خِلالِها أن يَتصرَّفَ كَالأحمَق، وَهِيَ مِن خِلالِ الغَيْرَةِ، والتَّحَزُّبِ، والانقسامِ، والتَّشويش. وكما تَرَوْنَ، هذهِ مُجَرَّدُ أمثلة على كيفَ يُمكِنُ للمُؤمِنِ أن يَتصرَّفَ كَالأحمقِ في نَمطِ حَياتِه. ولكِنَّ بُولسَ يَقولُ هُنا: لا تَفعلوا ذلك، بَلِ اسلُكوا بِحِكمَة". وَما هِيَ الحِكمَة؟ إنَّها مَذكورةٌ هُنا. أليسَ كذلك؟ أنْ تُرَتِّبَ أولويَّاتِكَ بِحَسَبِ الكِتابِ المُقَدَّس. بِأنْ تُرَتِّبَ أولويَّاتِكَ بحسبِ النَّمَطِ الإلهِيِّ.
واسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم أربعةَ تَلميحاتٍ يُمكِنُ أن تُساعِدَكُم؛ أيْ أربَعَ طُرُقٍ للحُصولِ على الحِكمَة. أوَّلاً: العِبادَة – العِبادَة. "مَخَافَةُ الرَّبِّ بَدْءُ [مَاذا؟] الْحِكْمَة" (أمثال 9: 10). فعندما تَبتدئُ حَقًّا بِعِبادةِ اللهِ فإنَّ تلكَ حِكمَة. فهُناكَ تَبتدئُ الحِكمَة. ثانيا: الصَّلاة. فيعقوبُ يَقول: "إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، [فَليفعَل مَاذا؟] فَلْيَطْلُبْ". إذًا، اعبُدِ اللهَ، واطلُب. وسوفَ أَذكُرُ لَكُم طَريقةً أخرى: الدِّراسَة. فسوفَ تَبتدئُ في اكتسابِ حِكمةِ اللهِ عندما تَدرُسُ الحَقَّ الإلهِيَّ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كُولوسي 2: 2: "لِكَيْ تَتَعَزَّى قُلُوبُهُمْ مُقْتَرِنَةً فِي الْمَحَبَّةِ لِكُلِّ غِنَى يَقِينِ الْفَهْمِ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ اللهِ الآبِ وَالْمَسِيحِ، الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْم". حَسَنًا؟ فَفي المَسيحِ تُوجَدُ كُلُّ الحِكمَة.
والآن، انظروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 16. فحيثُ إنَّ كُلَّ الحِكمةِ مَوجودةٌ في المَسيح فإنَّ العَددَ السَّادِس عَشَر مِنَ الأصحاحِ الثَّالثِ يَقول: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً...بِكُلِّ [مَاذا؟] حِكْمَةٍ". فنحنُ نَحصُلُ على الحِكمةِ مِن خِلالِ العِبادةِ، والصَّلاةِ، والدِّراسة. وهُناكَ طَريقة أخرى: التَّعَلُّمُ على يَدِ مُعَلِّمينَ أَتقِياء. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كُولوسي 1: 28: "[المَسيحُ] الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". والآن اسمَعوني: هُناكَ مَوارِد في الحَياةِ المَسيحيَّة للحُصولِ على الحِكمَة. وَمِن خِلالِ عِبادةِ اللهِ، يُعطينا اللهُ حِكمَتَهُ. ومِن خِلالِ الصَّلاةِ والدِّراسةِ والتَّعَلُّمِ على يَدِ مُعَلِّمينَ أتقياء، ستَصيرُ تلكَ الحِكمةُ مُتاحَةً. وينبغي لَنا أن نُحافِظَ على تلكَ الحِكمَة. وينبغي أن نُعَبِّرَ عن تلكَ الحِكمةِ مِن خِلالِ الحَياةِ الحَكيمَة.
لا مِن خِلالِ حَماقَةِ العَيشِ مِن أجلِ المَال، وَلا مِن خِلالِ حَماقَةِ العَيشِ بِطريقةٍ نَاموسِيَّةٍ، وَلا مِن خِلالِ حَماقَةِ العَيشِ بِحَسَبِ الذِّهنِ الجَسديِّ (كَما جَاءَ في رِسالة يَعقوب والأصحاحِ الثَّالث)، بَلِ السُّلوكُ بِحِكمةٍ وَفقًا للحَقِّ المُعلَنِ في كلمةِ الله. وهَل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَحدُث؟ عندما تَسلُكُ بِحِكمةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، سَيَكونُ الكَلامُ الَّذي تَقولُهُ ذَا مَعنَى. وبصراحَة، هَذا لَن يَحدُثَ إلاَّ حِينَ تَسلُكُ بِحِكمَة. فَكِّروا وَحَسْب في أهلِ كُولوسي وكيفَ كانُوا يُعلِنونَ عَن إيمانِهم؟ أوَّلاً، لَقد كانُوا أَقَلِّيَّةً؛ أيْ أنَّهُم كانُوا مَجموعةً صَغيرةً قَليلةَ العَدد. وَلم تَكُن هُناكَ كَنيسةٌ مِنْ حِجارَةٍ يَجتمعونَ فيها. فلم يَكُن هُناكَ مَبْنَى. ولم يَكُن هُناكَ صَليبٌ كَبيرٌ مُعَلَّقٌ في أعلى الكَنيسة. ولم تَكُن هُناكَ لَوحاتٌ إعلانِيَّةٌ كَبيرة. ولم تَكُن هُناكَ خِدمةٌ إذاعِيَّة، وَلا لافِتات، وَلا مُلْصَقات على السَّيَّارات، ولا نَشْرات، ولا كُتُب، وَلا تَسجيلاتٌ مُوسيقيَّة، ولا عَهْدٌ جَديد. فَلَم يَكُونوا يَمْلِكونَ أيَّ شَيء.
وَقد تَقول: "هَذا مُدهِش! وكيفَ تَمَكَّنُوا مِنَ القِيامِ بذلك؟ أعتقدُ أنَّهُ لم تَكُن لَديهم حَتَّى مَكتبة مَسيحيَّة. أَلَمْ يَكُن لَديهُم رَمْزُ سَمَكة؟ ومَا الَّذي كَانُوا يَلبَسونَهُ في أعناقِهم في تلكَ الأيَّام؟ كيفَ تَمَكَّنُوا مِن تَوصيلِ الرِّسالة؟ هَل تُريدونَ أن تَعلَموا كيفَ كَانُوا يَكْرِزون؟ لَقد كانوا يَقبَلونَ الرِّسالةَ وَيَعيشونَها. وَقد كانَت تِلكَ، وَمَا تَزالُ، الطَّريقةُ الوَحيدةُ الحَقيقيَّةُ للكِرازةِ في العَالَم. اسْلُكُوا ثُمَّ تَكَلَّمُوا. فَقد تَظْهَرُ على شَاشَةِ التِّلفزيون، أو على الإذاعَةِ، أو على اللَّوحاتِ الإعلانِيَّةِ، أو على مُلصَقاتِ السَّيَّاراتِ إلى أنْ تَلْطَعُكَ الشَّمسُ؛ ولكِن إنْ لم يَعِش المَسيحيُّونَ مَا يُؤمِنونَ بِهِ، لن يُصَدِّقَ أحَدٌ ذلك. والأمرُ ليسَ مُختلفًا اليوم. فكُلُّ مَا تَفْعَلُهُ تلكَ الأشياءُ... وَأنا لَستُ ضِدَّ تِلكَ الأشياء... ولكِنَّ كُلَّ مَا تَفعلُهُ تلكَ الأشياءُ هُوَ أنَّها تُؤكِّدُ أو تَنفي حَقيقةَ المَسيحيَّةِ الَّتي يَقرأُها النَّاسُ في حَياةِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ يَعرِفونَهُم. هَذا هُوَ كُلُّ مَا تَفعَلُهُ.
لِذا فإنَّهُ يَقول: "اُسْلُكُوا بِحِكْمَةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ"؛ أيْ مِنْ جِهَةِ غَيرِ المَسيحيِّين. فالمُؤمِنونَ هُمْ في الدَّاخِل. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ". وَما مَعنى ذلكَ يا بُولُس؟ إنَّ الكلمة "وَقْت" هُنا هي ليست الكلمة اليُونانيَّة "كرونوس" (kronos) الَّتي اشْتُقَّتْ مِنها الكلمة الإنجليزيَّة "كرونولوجي" (chronology) أو: "كرونوغراف" (chronograph)، والَّتي تُشيرُ إلى الوقتِ الَّذي تُظْهِرُهُ السَّاعَة؛ بل هِيَ الكلمة اليُونانيَّة: "كايروس" (Kairos) وَمَعناها "وَقْت" فقط مِن جِهَةِ الفُرصَة. لِذا، كانَ مِنَ الأفضلِ أن تُتَرجَم: "مُفْتَدينَ كُلَّ فُرصَةٍ سَانِحَة". ونَقرأُ في المَزمور 90: "إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ". فَالأمرُ يَختصُّ بِاستغلالِ الفُرصة. وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّ الفُرَصَ تَظهَرُ وَتَختَفي سَريعًا. والحَياةُ قَصيرة. والنَّاسُ يَموتون. وأنتُم سَتَموتون. وَيَسوعُ سَيأتي.
والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتحدَّثُ عن بَابٍ سَيُغلَق. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتحدَّثُ عن اللَّيلِ الَّذي سيَأتي حيثُ لن يَتمكَّنَ أحدٌ مِنَ العَمل. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتحدَّثُ عن أنَّ يَسوعَ سَيُزَحْزِحُ المَنارةَ مِن مَكانِها. انظُروا رسالة رُومية والأصحاح 13، واقرأوا الأعداد مِن 11 إلى 14. فَهُوَ مَقطعٌ قَوِيٌّ جدًّا. وَهُوَ يُحَذِّرُنا مِن أنَّهُ سَيأتي وَقتٌ لا يَعودُ فيهِ ذلكَ الأمرُ مُمكِنًا. "هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ... قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ". لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ". فالوَقتُ قَد حَانَ لِتَجعَلوا نَمَطَ حَياتِكُم مُطابِقًا لِرِسالَتِكُم، يا أحبَّائي. "لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ". فَكَما تَرَوْنَ، إنَّ الوَقتَ قَد حَانَ لِتَقويمِ نَمَطِ حَياتِنا.
مَتى ستَبتدئُ في العَيشِ بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُها الله؟ وَكَم فُرصة سَتُهْدِرُها؟ ومَتى ستَبتَدِئُ في مُشاركةِ المَسيحِ مَعَ ذلكَ الصَّديق؟ وَمَتى سَتَستخدِمُ تلكَ القُدُراتِ وَالمَواهِبِ الَّتي أعطاها لَكَ اللهُ؟ وَمَتى سيَحصُلُ اللهُ على ذلكَ المَالِ الَّذي وَعَدْتَ أنْ تُقَدِّمَهُ لَهُ مُنذُ وَقتٌ طَويل؟ فَسُلوكُكَ يَقولُ شَيئًا. وَأرجو أن يَقولَ الكَلامَ الصَّحيحَ للأشخاصِ الَّذينَ هُم مِن خَارِج. فَفي كُلِّ مَرَّةٍ تَحصُلونَ فيها على فُرصةِ، افتَدوا تلكَ الفُرصةَ أوِ استَغِلُّوها. استَغِلُّوها مِن أجلِ الأبديَّة. فالحَياةُ قَصيرةٌ جدًّا. وَإنَّها لَحَماقَةٌ شَديدةٌ أنْ يُهْدِرَها المُؤمِن. لِذا فإنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَحصُلُ على فَمٍ جَديد. وذلكَ الفَمُ الجَديدُ يَتكلَّمُ كَلامَ صَلاةٍ، وَكلامَ إعلانٍ، وكَلامَ أداءٍ؛ أيْ أنَّهُ يَجعلُ مَا يَقولُهُ جَديرًا بالتَّصديق. وَهَذا يَقودُنا إلى الجانِبِ الرَّابع: كَلامُ الكَمال.
فاستِقامَةُ الحَياةِ تَعْقُبُها استِقامَةُ الكَلام. وأنا أُحِبُّ العَددَ السَّادِس. وكم كُنتُ أتَمَنَّى أن يَكونَ لَدينا مَزيدٌ مِنَ الوقت. "لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ". أَتَذكُرونَ مَا قَرأتُهُ لَكُم سَابِقًا مِن إنجيلِ لُوقا عَن كَلامِ يَسوع؟ فَقد كَانَ يَفْتَحُ فَمَهُ فَتَخرُجُ مِنهُ كَلِماتُ النِّعمَة. "لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ، لِتَعْلَمُوا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُجَاوِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ". والآن، إنَّهُ لا يَتحدَّثُ عَنِ الكِرازةِ بالإنجيلِ هُنا، بَل يَتحدَّثُ وَحَسْب عنِ الكَلامِ بِصورةٍ عَامَّة. فَفَمُ المُؤمنِ يَنبغي أن يُنْطِقَ بالكلامِ الكَامِل. وَلا يَجوزُ أن يَتَفَوَّهَ المُؤمِنُ بِذلكَ الكَلامِ الَّذي ذَكَرتُهُ لَكُم في الأسبوعِ المَاضي: كَلام الشَّهوة، والشَّرّ، والمَكر، والشَّتم، والظُّلم، والكَذِب، والاعوجاج، والهَلاك، والبُطْل، والتَّمَلُّق، والحَماقَة، والثَّرثرة، والجُنون، والحَشْو، والكَلام الباطِل، والتَّعليم الزَّائف، وكَلام المُؤامرة، والكِبرياء، والبُغض، والحَلْف، والكَلام البَذيء، والنَّميمة.
فَكُلُّ هذهِ هِيَ سِماتُ الفَمِ الَّذي لم يَختبِر التَّجديد؛ وليسَت سِماتِ فَمِ المُؤمِن. "لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ". اجعَل كَلامَ النِّعمة عَادَةً لَديك سَواءَ كُنتَ في مَوقِفِ اضطِهادٍ، أو في مَوقِفٍ عَصيبٍ، أو في مَوقِفٍ صَعبٍ، أو كُنتَ وَاقِفًا أمامَ قَاضٍ مِن أهلِ العَالَم، أو سَواءَ تَعَرَّضْتَ للإسَاءَة، وَسواءَ حَدَثَ ذلكَ مَعَ زَوجَتِكَ، أو مَعَ أبنائِكَ، أو مَع جَارِكَ، أو في أثناءِ تَعليمِكَ للكِتابِ المُقدَّس، أو في أثناءِ قِيادَتِكَ لِصَفٍّ مَا – أيًّا كانَ المَوقِفُ، لِيَكُن كَلامُكَ بِنِعمَة. وَقد تَقول: "حَسنًا يا جون، ولكِن مَا الَّذي تَعنيهِ بأن أتكلَّمَ بنِعمَة؟ هَل تَعني أن أتَحدَّثَ عَن نِعمةِ الله؟" إنَّهُ لا يَعني ذلكَ تَحديدًا، بَل يَعني أن تَجعلَ فَمَكَ يَتكلَّمُ بِكلامٍ رُوحِيٍّ، وبِكلامٍ لائِقٍ، وبِكلامٍ يَتَّسمُ بالكِياسَةِ، واللُّطْفِ، ورَهافَةِ الحِسِّ، والمَغزَى، والإطراءِ، والدَّمَاثَةِ، والصِّدقِ، والمَحبَّةِ، والتَّقدير. فَلا يَجوزُ أن تَتكلَّمَ كَلامًا يَتَّسِمُ بالمَرارةِ، أوِ القَسوةِ، أوِ الإدانَةِ، أوِ السُّخريةِ، أوِ الغُموضِ، أوِ الغَضَبِ، أو كَلامًا جَارِحًا، ومُتَكَبِّرًا. فَهذا لا يَجوز، بَل تَكَلَّم بنِعمَة.
ولكِن لِئَلاَّ تَصيرَ مُؤمِنًا لا يُحْسِنُ إلاَّ قَولَ الكلماتِ الرَّقيقةِ فقط فإنَّهُ يُضيفُ مَا يَلي: "مُصْلَحًا بِمِلْحٍ". فَلا يَكفي أن تَتكلَّمَ بنِعمَة، بَل يَنبغي أن يَترُكَ كَلامُكَ تَأثيرًا أيضًا. والآن، مَا المَقصودُ بالعبارةِ: "مُصْلَحًا بِمِلْحٍ"؟ إنَّ المِلْحَ يَفعلُ أمورًا كَثيرةً. فَهُوَ يَلْذَعُ. وَقد تَشعُرُ بذلكَ بينَ الحينِ والآخر إنْ كَانَ هُناكَ جُرْحٌ. أليسَ كذلك؟ ولكِن بعدَ أن يَلذَع، ماذا يَفعل؟ إنَّهُ يَشفي. والمِلْحُ مُفيدٌ أيضًا في مَنْعِ التَّعَفُّن. ويجبُ أن يَكونَ كَلامُكَ مُعَقِّمًا يَمْنَعُ العَفَن. فيجبُ أن يَكونَ كَلامُكَ مُعَقِّمًا، ولائِقًا، ولَهُ تَأثيرٌ مُطَهِّرٌ، ويُنقِذُ المُحادَثَةَ مِنَ الكَلامِ البَذيءِ الَّذي يُقالُ عَادَةً. وَنَحنُ نَقرأُ في رِسالةِ أفسُس 4: 29 الشَّيءَ نَفسَهُ. إذًا، لِيَكن كَلامُكَ رَقيقًا وَلَطيفًا ومُهَذَّبًا؛ ولكِنْ لِيَكن لاذِعًا عندما يَقْتَضي الأمرُ ذلك.
فعندما يَكونُ هُناكَ جُرْحٌ بِحاجَةٍ إلى الشِّفاء، قُلْ مَا يَنبغي أن يُقالَ لِأجلِ تَحقيقِ ذلكَ الشِّفاء. واجعَلْ كَلامَكَ مِنَ النَّوعِ النَّقِيِّ والجَميلِ لإنقاذِ المُحادَثَةِ مِنَ الكَلامِ البَذيء. وَقد كانَتْ لَدى اليُونانيِّينَ فِكرةٌ أخرى. فَقد كانوا يَقولونَ إنَّ الفِكرةَ مِنَ المِلْحِ هِيَ الفِطْنَة. والفِطْنَةُ هِيَ القُدرةُ على قَولِ الشَّيءِ الصَّحيحِ في الوقتِ الصَّحيح. أليسَ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ؟ "لِتَعْلَمُوا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُجَاوِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ". فيجبُ عليكَ أن تُجيبَ الجَوابَ المُناسِبَ في الوَقتِ المُناسِب، وَأن تَقولَ ذلكَ للشَّخصِ المُناسِب. وَقد كانَ اليُونانِيُّونَ يُتَرجِمونَ هذهِ الكلمة كَما فَعَلَ "بلوتارك" (Plutarch): "ذَكاء وَفِطنَة". الكَلامُ المُناسِبُ في الوَقتِ المُناسِبِ للشَّخصِ المُناسِب. إنَّهُ الكَلامُ الكَامِل. فلا يَجوزُ أن تَقولوا كَلامًا نَابِيًا، بَل "مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ" (رِسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّالث).
ولكي تَكونَ قَادِرًا في أثناءِ المُحادَثَةِ على قَولِ الشَّيءِ الصَّحيحِ، فَإنَّ فَمَكَ مُهِمٌّ جدًّا. ويَنبغي أن يَقولَ ذلكَ عَاجِلاً أَم آجِلاً عندما تَقولُ الحَقَّ. ومِن خِلالِ كَلامِكَ فإنَّكَ إمَّا سَتَفتَحُ بَابَ الفُرصَةِ أو تُغلِقُهُ مَرَّاتٍ عَديدة. اسمَعوا ادِّعاءَ غيرِ المُؤمِنينَ في المَزمور 12: 4: "شِفَاهُنَا مَعَنَا. مَنْ هُوَ سَيِّدٌ عَلَيْنَا؟" مَنْ يَستطيعُ أن يَفرِضَ عَليَّ مَا أقول؟ فباستِطاعَتي أن أقولَ أيَّ شَيءٍ أُريد. ولكِنَّ المُؤمِنَ يَقولُ مَا جَاءَ في المَزمور 141: 3: "اجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِسًا لِفَمِي. احْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ". إذًا، مَا الَّذي يَنبغي أن يَخرُجَ مِن شَفَتَيْكَ؟ صَلاةٌ، إعلانٌ، كَلامٌ كَامِلٌ. أيْ فقط الكَلام المُناسِب في الوقتِ المُناسِب للشَّخصِ المُناسِب. فهكذا يَنبغي للإنسانِ الجَديدِ أن يَتكلَّم. وأنتَ إنسانٌ جَديدٌ. هَل تَعلَمُ ذلك؟ فَعلاوَةٌ على الأشياءِ الأخرى وَنَمَطِ حَياتِكَ الجَديد، يَنبغي أنْ تَتكلَّمَ كَلامًا جَديدًا.
واسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بشيءٍ في الخِتام: إنَّ مُشكِلَتَكُم مَعروفةٌ لَديَّ. فأنتَ تَقول: "أنتَ لا تَعرِفُني". بَلَى، أنا أعرِفُكَ. وأنا أعرِفُ مُشكلتَك. فَهِيَ نَفسُ مُشكلتي. فمُشكلَتُنا نَحنُ الَّذينَ صِرْنا أشخاصًا جُدُدًا، وخَليقةً جَديدةً، هيَ ليست أنَّنا نَمْلِكُ طَبيعَتَيْنِ، واحِدة صَالِحَة والأخرى رَديئة، أو واحِدَة قَديمة والأخرى جَديدة؛ بَل إنَّ المُشكلةَ هِيَ أنَّ الطَّبيعةَ الجَديدةَ، أيْ طَبيعَتي الجَديدة، قَد تَأثَّرَتْ بِقُوَّة بالجَسَدِ ولا تَستطيعُ أن تَهُزَّهُ. إليكُم هَذا المَثَل الإيضاحِيّ: فَقَد تُحْضِرُ زُجاجَة وِيسكي. وَأرجو ألاَّ تَفعلوا ذلكَ. فَهذا مُجَرَّدُ مَثَلٍ إيضاحِيّ! فَقد تُحْضِرُ زُجاجَةَ وِيسكي وتُفرِغُها. يُمكِنُكُم أن تَفعلُوا ذلك. وَهَذا يُذَكِّرُني بِواعظٍ قَالَ: "لو كَأنَ لَديَّ كُلُّ الويسكي الَّذي في العَالَم، سَأُفرِغُهُ في النَّهر". فَوَقَفَ واعِظٌ آخر وَقال: "والآن، نَوَدُّ أن نُرَنِّمَ تَرنيمة: "أَلاَ اجْتَمَعْنا عِندَ النَّهر" (Shall We Gather at the River).
على أيَّةِ حَال، وَلأجلِ التَّوضيحِ فقط، قَدْ تُحْضِرُ زُجاجَةَ وِيسكي وَتُفْرِغُ كُلَّ مَا فيها. فأنتَ تُفرِغُ كُلَّ مَا فيها مِن مَادَّةٍ رَديئة. هل تَعلمونَ مَا الَّذي سيَحدُث؟ إنْ شَمَمْتَها ستَجِدُ أنَّ رَائِحَتَها مُقَزِّزَة. فالرَّائحةُ تَبقى فيها. وَهل تُريدونَ أن تَعلَموا شَيئًا؟ هَذا لا يَختَلِفُ كَثيرًا عَنِ المُؤمِن. فأنتَ خَليقةٌ جَديدة. والمُحتوياتُ القَديمةُ قد مَضَتْ. وَقد صِرْتَ إنسانًا جَديدًا. ولكِن هَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ هُناكَ رَائِحَةٌ رَديئةٌ تَفوحُ مِنكَ. فَما تَزالُ هُناكَ رائِحَةٌ قَديمةٌ، جُزءٌ مِنَ الرَّائحةِ القَديمة. وَإنْ وَضَعْتَ في زُجاجَةِ الويسكي الفارغةِ تلكَ مَاءً عَذْبًا ثُمَّ سَكَبْتَهُ، ثُمَّ مَلأتَها مَرَّةً أخرى بالماءِ وَسَكَبْتَهُ، ثُمَّ فَعلتَ ذلكَ مَرَّةً أخرى وَأخرى وَأخرى، سَتَزولُ تلكَ الرائحةُ شَيئًا فَشيئًا فَشيئًا.
وكُلَّما مَلأتَها أكثر، زَادَتْ نَظافَةً. وكُلَّما زَادَتْ نَظافَتُها، قَلَّتْ رائِحَتُها. وأنتَ مُؤمِنٌ. وطَبيعَتُكَ العَتيقةُ قَد زَالَت. ولكِنَّ رَائَحَةَ طَبيعَتِكَ العَتيقةِ مَا تَزالُ مَوجودة. وكُلَّما امتلأتَ أكثرَ بالرُّوح، ثُمَّ امتلأتَ أكثر بالرُّوح، ثُمَّ امتلأتَ أكثر بالرُّوح، زَادَتْ نَقاوَتُكَ أكثر فَأكثر وَقَلَّتِ الرَّائحةُ الكَريهَة. وكُلَّما قَلَّتِ الرَّائحةُ الكَريهَةُ، وازْدَدْتَ نُضْجًا، لَنْ يُدرِكَ أحدٌ أنَّكَ كُنتَ في مَا مَضَى زُجاجَةَ ويسكي. فأنتُم أُناسٌ جُدُدٌ، ولكِنْ هُناكَ رَائِحَةٌ كَريهَةٌ قَديمةٌ تَفوحُ مِنكُم. وَيَنبغي التَّخَلُّصُ مِن تلكَ الرَّائحة. وكيفَ يُمْكِنُ إزالَتُها؟ انظُروا إلى مَا يَقولُهُ بولُس: يَنبغي أن تَلبَسوا أشياءَ مُعَيَّنة. هَل تَذكرونَها؟ فَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّالثِ إنَّهُ يَنبغي أن نَلْبَسَ أشياءَ مُعَيَّنة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 15: "لْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ". وَيَقولُ في العَدد 16: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ". وَيَقولُ في العَدد 17: "فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ".
احرِص كيفَ تَسلُكَ في العائلةِ سَواءَ كُنتِ زَوجةً، أو كُنتَ زَوجًا، أو كُنتَ ابنًا، أو كُنتَ أبًا، أو كُنتَ عَبْدًا، أو كُنتَ سَيِّدًا. انْتَبِه لِفَمِكَ (كَما رَأينا في دَرْسِنا هَذا للأعداد 2-6 مِنَ الأصحاحِ الرَّابع). فعندما تَهْتَمُّ بِكُلِّ هذهِ الأمورِ بِقُوَّةِ رُوح اللهِ، سَيَكونُ الإنسانُ الجَديدُ الإنسانَ الجَديدَ الَّذي خَلَقَهُ اللهُ وَيُريدُهُ الله. اسمَعوني يا أحبَّائي: المَسيحُ فيهِ كُلُّ الكِفاية. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ فيهِ كُلُّ الكِفايةِ لِجَعلِكُم خَليقةً جَديدة. وعندما تَصيرونَ خَليقةً جَديدةً فإنَّهُ يَطلُبُ مِنكُم أنْ تَفوحَ مِنكُم رَائحةُ الخَليقةِ الجَديدة. وَهَذا يَعني أنْ تَحْرِصُوا على التَّخَلُّصِ مِنَ الأشياءِ العَتيقةِ مِن خِلالِ عَمليَّةِ التَّطهيرِ وَالامتلاءِ بِروحِ اللهِ حينَ تُسَلِّمونَ حَياتَكُم لَهُ. دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ يا أبانا في هذا المَساءِ على وقتِ الشَّركةِ الجَميلِ هَذا، وَعلى أنَّكَ لَمَسْتَ قُلوبَنا وَأَثْرَيْتَها مِنْ خِلالِ مُشاركةِ هذهِ الحَقائقِ مَعَ طَلبةِ الكُليَّةِ إذِ اشتَركنا مَعًا في دِراسةِ كَلِمَتِكَ. نَشكُرُكَ على طُوْلِ أَناةِ هَؤلاءِ الأشخاصِ الأحبَّاءِ الَّذينَ اجتَمَعُوا. وَصَلاتي هِيَ أنْ تُكافِئَهُم حَسَبَ أَمانَتِهم وَإيمانِهِم مِن خِلالِ نِعْمَتِكَ وَبَرَكَتِكَ الوَفيرَتَيْن. وَنَشكُرُكَ لأنَّكَ أَغْنَيْتَ قُلوبَنا بسببِ المَحَبَّةِ الَّتي رَأيناها في هذا المَساءِ، والشَّركةِ الَّتي تَمَتَّعنا بها، والكلمةِ الَّتي سَمِعناها. نُعطيكَ كُلَّ المَجدِ والحَمدِ باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
